نصوص أدبية

قصي الشيخ عسكر: المرايا الصفراء

قصي الشيخ عسكرالفصل الثامن الأخير من الرواية القصيرة

صفرة ما على الجدران

***

ساعات أمامه يقضيها بغيبوبة حتى يحين موعد الظلام الذي يسبق الفجر..

ولم يعد يعنى بما يجري حوله غاب فحدث أمر وسيغيب فيصحو ويغادر يلتهم الحلوى ويهبط الدرجات من جديد..

لكن ليس هذه هي نهاية العالم، وفي باله يخطر أكثر من احتمال.. ماذا لو داهمت نوبة جديدة رياض قبل الزواج فهل تدفعه زاهية لشراء قبر في المقبرة ذاتها، سوف يطرق الباب عليه كلّ يوم وحين يعلو صراخه يذهب إلى كريستيانيا لا ليبتاع هذه المرة حشيشا. يجلب إبرة مقدارها يفوق الحدّ يدّعي أنّه لم يجد حشيشا والأفضل أن يدبّر رياض حاله بقليل من المخدر..

لن يرفض..

لا يقدر أن يقول لا مع ألم حاد يحزّ كالخناجر أوردته يحقنه .. يضع الإبرة جنبه في السرير ويخرج متسللا، كل ّشئ يثبت أنه انتحر

ياللشيطان..

لعنة الله عليكن.

في بيروت يمكن أن يكون قتل أحدا من دون أن يدري لا أحد في الحرب لا يطلق الرصاص ربّما أصابت رصاصة أطلقها أحدا..

أفكار متوحشة يدري سببها

يعيها كما يعي نفسه أكثر مما هو في حالة يقظة وصحو:

ابتهال دفعته لحب سالمة ، وسالمة استدرجته إلى زاهية وزاهيه دفعته لقتلٍ برئٍ لا مناص منه أما إذا تمّ الزواج قبل أيّة نوبة فعليه أن يقرّ بالهزيمة.. هي زاهية التي تتعامل مع أيِّ رجل تراه بصراحتها حتى يظن من يسمعها أنها تخصّه وحده في الوقت نفسه تحب الآخر الذي يظنها لا تحبّه.. كانت الساعة تشير إلى الرابعة قبل الفجر حين استيقظ من غيبوبته الطويلة، تاجر الحشيش لا يدخن ياجمال.يسقي السمّ للآخرين.. الحلويات موجودة.. ومحل السبعات الثلاث موجود.. إذن أنا أيضا موجود..

ينهض متثاقلا.. يرتدي معطفه الثقيل يلفّ عنقه، ويخرج إلى الشارع.يتهادى على الرصيف.. ينعطف من نهاية طريق المجمّع فتلوح له النقبرة هادئة.. مقبرة في وسط كوبنهاغن على أحد قبورها كتابة بالعربية..

هذا لا يعنيه.

هناك مجنونة عاقلة تشتري قبرا في بلدية بعيدة.. بستة آلاف كرونة كرونة لا تريد أن تدفنها البلديّة على نفقتها ولو كان في المقبرة التي على يساره من مكان يبتظرها لكلفها أكثر..

مجنونة

لكن هل تداّهم النوبة رياض قبل الزواج؟

قد تكون زاهية أصيبت بالجنون خلال قتالها مع السحرة

وأنا أصبت بالجنون يوم أحببت سالمة وصفعت زوجتي ثم حاوات أن أهرّب طفليّ إلى مكان ساخن

لكن

رياض يعاني من مرض عضال فكيف أصابت لوثة ما عقله؟

تساءل وهو يهز كتفيه ليعبر التقاطع إلى محل 777 الإشارة على اللون الاحمر انتبه لا تكن دنماركيا أكثر منهم .. الطريق خال والفجر لم يهبط بعد لاحافلات ولا سيارات ولا هم يحزنون.. لفحته نسمة باردة وتراقصت أمام عينيه أضواء المصابيح.هل مازلتُ في غيبوبة؟

لا يظنّ .. راح يلتهم قطع الحلوى.. أتى على نصف الكمية التي اشتراها واستند إلى الحائط يتطلع في الدرجات التي تخترق السلم..

لا أحد ينزل..

لا أحد يصعد

عبر إلى الرصيف الآخر ولم يلتفت إلى الإشارة هذه المرة ربما مرقت سيارة قبل أن يعبر ولعله سمع صوتا ما لمحرك يدور من بعيد.أعادت له كمية حلوى التهمها بعض انتباهه فأخذ يهبط الدرجات ومع آخر درجة لامستها قدماه واجهته صورة لفتاتين إحداهما تنام على جنبها الايسر والأخرى جالسة وظهرها إلى الحائط تتطلع في درجات السلم كأنها تنتظر أحدا

قات وهي تغمض عينيها:

هل تريد؟ معك عشر كرونات؟

صحبها إلى المرحاض.. رد الباب خلفها فأزاحت سروالها لى الكعبين وحسرت لباسها البنفسجي إلى أسفل ركبتيها ردت على فم المرحاض الغطاء واستندت إليه بيديها دفعت عجيزتها نحوه..

ظل لحظة يتحسس نفسه

Kom do do it

راوده صمت فرفعها نحوه، نظرت إليه بعينين تملؤهما الدهشة ، وقالت كما لوتنطق عن إنسان آليّ:

Hvad hvad laver du?

لم يجب وهوى بشفتيه على شفتيها، فانفلتت منه، واستندت إلى حافة المرحاض ثانية بيديها:

Kom

جسد رائع لفتاة في الثامنة عشرة بوجه فتان وعينين سارحتين لكنه لا يقدر..

شئ لايحتمله

صامتة تستند إلى حافة المرحاض تتمتم مثل الروبوت، خصرها عجيزتها فخذاها.. لا رغبة ولا همّة بل يطلب الهرب فيرفع سرواله يشده ويفتح باب المرحاض يهرول صاعدا الدرجات، لون المصابيح الصفراء الداكنة يتآكل في جسده.. يتوحد مع صفرة ترتسم على وجه رياض.

لايقدر

يهرب..

يتلاشى

يغيب حتى تلتهم رجلاه الرصيف فتطالعه نسمة هواء باردة، يعبر التقاطع نحو رصيف المقبرة ، فيسند كتفيه وهامته إلى جدارها.

كانت أنفاسه تتلاحق.

فدفع اللفاف عن رقبته

وراح ينشج بصوت عال.. إلى أن هدأت أنفاسه شيئا فشيئا وهام في غيبوبة.

أخذته غفوة لا يدري أطالت أم قصرت.. فاستفاق من شئ بارد يلامس وجهه وشعره ففتح عينيه على زخة مطر تتلاحق في شدتّها لتسبق الفجر، فتثاقل قليلا ، فأزاح ظهره عن حائط المقبرة واستند براحتي يديه إلى أرضية الرَّصيف يستعين بهما على الوقوف تمتم:ابتهال .. سالمة وزاهية.هل حقّا تأتيه نوبة حادة قبل أن يُقضى الأمر ثمّ بحث في جيبه عن كيس الحلوى و لم يدر أنه سقط منه قبل أن يغادر دورة المياه ذات المرايا الصّفراء.

***

د. قصي الشيخ عسكر

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5801 المصادف: 2022-07-24 03:18:46


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5935 المصادف: الاثنين 05 - 12 - 2022م