نصوص أدبية

علي فضيل العربي: الاغتيال

علي فضيل العربيجلس قرب النافذة يرقب حركة الشارع المزدحم حتى الحلق. قطرات من مطر الخريف راحت تتبدد على الزجاج برتابة وملل.الصمت الموشى بجدائل الحزن ينشر ستائر الكآبة في ردهات مهجته.

لم يعد العم صالح يطيق مبارحة منزله وملاقاة الناس. فقد تراءت له الدنيا كسقط المتاع وبدت له المدينة كهفا مظلما، تسكنه الخفافيش، بل اتخذت الشيطان بعلا لها.

كان العم صالح يبتهل الى خالقه في صمت رهيب.. ثملت على ملامحه عوالم الأسى والوجع. حاول الاحتماء بظلال أحلامه وشروده لعل غيوم سمائه تمطر..  جاءته زوجته حليمة تجر قدميها، انتشلته من لجة الصمت والشرود قائلة:

ـ ما بك يا سي صالح؟ منذ رجوعك من الحفل وأنت حزين.

وأكملت بعد ما لمحت مرارة التحديق في عينيه:

ـ آه كم أنا فرحة ومسرورة وفخورة بك لأنّك أديت ما عليك. ماذا جرى لك؟ افرح، ابتهج يا سي صالح.

- لم يجبها قط، رمقها بنظرات تذيب البشرى نشيجا

انسحبت حليمة وهي تضرب كفا على كف مرددة:

ـ عجيب أمره والله.. كل الذين سمعوا بتقاعد ه فرحوا ما عداه.. يا لحظك التعيس يا حليمة.. يا لحظك التعيس، يا حليمة.

-2-

عندما أعلنت الإدارة تقاعده حمله العمال على أكتافهم وطافوا به أرجاء المعمل وهم يهتفون ملء حناجرهم:

- يعيش عمي صالح.. يعيش عمي صالح.. يعي.. .. ش

ارتجف العم صالح، تصبب العرق من أرجاء بدنه حتى نضحت ثيابه ولحيته الكثة.. سرى الجزع في كيانه سريان الدم في أوردته وشرايينه.. توسلهم ان ينزلوه من على أكتافهم. فهو ليس زعيما، أو وزيرا أو أميرا أو ملكا، أو قائدا هماما، حقّق نصرا في حرب مصيرية، حتى يكون له أنصار يحملونه على الأكتاف ويهتفون بحياته واسمه.

قال له مدير العمل وهو يشد على يده بحرارة:

- مبروك عليك التقاعد يا سي صالح.

رد العم صالح مرتبكا حائرا:

ـ لكنني مازلت قادرا على العمل يا سيدي..

فقال المدير مبتسما ومازحا:

ـ صرت شيخا.. ابيضّ شعرك وشابت لحيتك.

فرد العم صالح وقد اتسعت عيناه وازدادت حماسته:

ـ لكنني لم أطلب التقاعد ولا أريده الآن..

فضحك المدير وقال له بلهجة متخمة بالإعجاب والتقدير:

ـ بارك الله فيك.. أمثالك قليلون في هذا العصر يا سي صالح.

فقال العم صالح وقد برقت في عينيه ملامح الرجاء والتوسل:

ـ أجّل تقاعدي يا سيدي.. و أمهلني بعض الأعوام وسترى.

فقاطعه المدير قائلا:

- القانون يا سي صالح فوق الجميع.. لا أستطيع إرضاءك على حساب القانون.

يكفيك ما أنفقت من شجرة عمرك، من حقك ان ترتاح بقية حياتك، لجسدك حق عليك.

اتّفق زملاؤه العمال على الاحتفال به أيّما احتفال، تقديرا له وإكراما على مدى تفانيه وإخلاصه في أداء واجبه. فمنذ التحاقه بمنصبه والحماس يتدفق عبر سواقي جوانحه.. ثلاثون سنة أنفقها من معين شبابه، ونبع عمره دون كلل أو ملل، لم يتغيب إلا لظرف قاهر ولم يتمارض كما يفعل الكثيرون من عمال المعمل. كان همه الوحيد مغازلة الآلة.

كان بعض سادة الحيلة والخذلان والمخادعة يخاطبونه بسخرية لاذعة:

- أنت إنسان أبله.. تمارض وخذ عطلة. افعل مثلنا، حافظ على صحتك، لا تكن مغفلا يا عمي صالح.

لكن العم صالح يمقت الغش والتلاعب والمخادعة أشد المقت.

يمتطيه غضب شديد، ويكفهر محياه، ثم يرد عليهم بنبرة تفيض حزما وعزما وإيمانا:

ـ العمل عبادة وشرف يا ناس، والعاقل لا يتلاعب بهما أبدا يا مغفلين.. الغش حرام يا ناس.

وحددوا ميقات الحفل. لكن العم صالح رفض حضوره. حاولت زوجته حليمة استجلاء كنه رفضه، فجاء رده دون مبالاة:

- لماذا يحتفلون بي. قمت بواجبي لا غير ولم أقم بما يستدعي هذه الضجة كلها.

- يجب أن تحضر ياسي صالح، غيابك لامبرر له، إنهم في انتظارك، فلولا حبهم واحترامهم لك ما فكروا في تكريمك أبدا.

وساد بينهما صمت كصمت منطلق من سحيق البراري. ثم ردد في دخيلته وهو يشعر بأن لهيبا شديدا ينوش قلبه:

- آه لو علمت يا حليمة ما معنى حضوري للحفل لأنشبت في جلدي أظفارك كي لا أذهب. مسكينة أنت يا زوجتي العزيزة لأنك لا تعلمين حقيقة الحفل، إنه الاعلان عن موتي إنه مأتمي وجنازتي، آه لو تفهمين ذلك.

وبترت خيط نجواه مرددة في رجاء وتحنان:

ـ أتريد أن تغضب أصدقاءك منك في هذا اليوم السعيد؟

وراح يحدق فيها مليا كمن رآها لأول وهلة. بينا أردفت حليمة وقد دنت منه حتى ذابت بينهما حضرة المكان.

ـ هيا يا رجل ألعن الشيطان الرجيم. لماذا أنت واقف هكذا.الوقت يمر والحفل على وشك البداية. لقد كويت لك بدلتك السوداء وقميصك الأبيض. وربطة العنق.هيا البس يا رجل، وتوكل على الله..

ردد في سره:

- هــه.. حتى أنت يا حليمة لم ترحميني. ها قد أحضرت لي الكفن والمشنقة. ليتك تدركين مقدار ألمي وعذابي. لقد أعددت لي مراسيم جنازتي دون أن تعلمي يا عزيزتي..

لم يقو العم صالح على الصمود في وجه الرغبة الجارفة لزوجته. كان كمن خسر أسهل المعارك بعد ما انتصر في أشرسها مرارا. انكسر مجدافا قاربه وجرت به الرياح بما لم يشته. لبس البدلة والقميص وربطة العنق والصمت شاهر سيفه على رقبة لسانه. كره الكلام، فلاذ بالصمت. قرفص وراء جداره كمسكين هارب من قسوة العدالة. أو كضحية فلت من أيدي جلاديه في غفلة منهم..

نبست حليمة ونظرات الإعجاب تملأ عينيها:

ـ بسم الله. أعوذ بربّ الفلق، ومن شر حاسد إذا حسد. ردد في قلبك المعوذتين وأنت ذاهب.. لا تنس عين الحاسد لا ترحم. والقرآن خير وقاء..

ـ ليتك تسكتين.كلماتك تؤجج لهيب العذاب الذي محق القلب المكدود.

كذلك ردد في صمت.

تمنى لو يطرأ مانع قاهر يحول دون ذهابه إلى ذلك الحفل الملعون. كأن يحدث زلزال أو طوفان أو يسقط مغشيا عليه فيفقد وعيه. أو يصيبه أي مكروه يمنعه من الذهاب.

ثم أضاف قائلا في دخيلته:

- هـه.. لماذا لا أسقط الآن مدعيا أنني فقدت السمع والكلام. إنه ظرف مقنع وموضوعي لاشك فيه.

سيقولون:

ـ مسكين لم يسع قلبه فرحة التقاعد.كادت تقضي عليه لولا لطف الله..

- هيء.. هيء.. هيء.. مساكين.مخدوعون.

لن يقولوا:

ـ مسكين كاد أن يقتله الحزن والهم. لم يطق قساوة الموقف.

بدت له الفكرة سخيفة إلى حد بعيد. هي أصغر من عقله وسنه. ثم ماذا لو اكتشفت الحيلة. سيغدو أضحوكة في عيون الناس. وستؤذي زوجته المسكينة أيما إيذاء. بل وستزيده هما على هم. وينفضّ عنه الأصدقاء، وربما ينفق بقية عمره وحيدا، منبوذا، غريبا، لأنه كذب وتمارض وخدع أعز الناس ؛ زوجته وأصدقاؤه.. لا.. لا.. لا.. لن يقدم على مثل هذه التصرفات الصبيانية.. هو أكبر منها بكثير.. إنه عاش رجلا شهما يقدس الحق. يدفع عن الصدق.ليس من الرجولة أن ينحو منحى الأنذال في مصب العمر. الرجولة، هي أن يواجه. يقبل بالخسارة كما الربح بكل روح رياضية. أن يكون صادقا مع نفسه وغيره ولو كان الثمن المقصلة أو حبل المشنقة..

- أعلم أنك صادقة يا حليمة.. لو لم تكوني جاهلة بما يموج في قلبي من أحزان. لم أعد في نظرهم سوى رجلا هرما.لا أصلح إلا للجلوس في البيت كالمشلول أو المعتوه.أنا أدرك أن دورك الآن هو إقناعي بكل قواك النفسية والعقلية بأن هذا يوم سعيد في حياتي أو ربما هو أسعدها على الإطلاق.وغدا ستمتليء الدار بالنساء وسيحملن إليك علب السكر وحبّات البيض،

وسيزغردن وسيرددن بملء أفواههن:

ـ مبارك عليه، وعليك.

- الله يبارك فيكنّ. العاقبة لأزواجكنّ ولكن.

- تقول حليمة لهن ( لكنّ ). كأن الأمر أمرها وأمرهنّ.

وسيجلسن ويثرثرن حول فناجين القهوة وكؤوس الشاي. ويتحدثن في مواضيع لا رابط بينها.هن معشر النساء يلغطن في كل شيء دون أن يقلن شيئا في أحايين كثيرة.

وستجلس بينهن حليمة معتزة، مفتخرة بزوجها الذي كرموه تكريما لائقا عكس مدى تفانيه في أداء واجبه. وعن حب الناس له. لكن الحقيقة المرة التي تجثم كالصخرة الصماء على قلبه تجهلها حليمة. ليس من العدل التغطية على مأتمي وجنازتي غدا سيناديني الصغير والكبير، الصديق والغريب والجار والبقال:

ـ يا ( متقاعد).

لاحظي يا حليمة، كوني فطنة، كي لا تُلدَغي في سويداء القلب. (مت.. قاعد..). يا إلهي كم هي واضحة وضوح الشمس في سماء الضحى.

جلس في صدر المنصة. وحفّه أعضاء الإدارة يمنة ويسرة. المدير ونائبه وكل الفريق الإداري. ورهط من المدعوّين. لم تفارق الابتسامات شفاههم. كأن التكريم لهم. أما صالح فقد بذل جهدا مضنيا للتغلب على هواجسه المؤلمة. تعلقت به أعين الحاضرين مفعمة بأسمى معاني الإعجاب والتقدير.

غمغم في أعماقه:

- كم تؤلمني نظراتكم يا سادة..

- أهنيء عمي صالح على جدّه وإخلاصه وتفانيه في أداء واجبه نحو الوطن. إنّه قدوتنا جميعا. ما عرفنا فيه سوى الإيمان بقدسية العمل وشرفه..

كذلك ردد المدير بنبرة إعجاب وسرور.

استرسل الذين تناولوا الكلمة في المدح والإطراء. أما سي صالح فقد كان جثة بلا روح. كأنّ الكلام لا يعنيه بل بدا له بلغة أغرب من لغات ما قبل التاريخ. كان يغرق في لجة الغياب فلا ينتشله منها غير التصفيق الذي تضج به الأكف من حين لآخر. فيعود إلى ساحة الوعي والحاضر القاسي بلا رحمة.

يردد سرا:

- لو كنتم تعقلون، ما صفقتم. إنكم تؤجّجون مأساتي يا رفاقي. تشيّعون رفيق دربكم إلى دار النسيان. تدفعونه دفعا إلى مستنقع الوحل ليغرق. تقولون له بكل بساطة:

ـ (مت ـ قاعد).

إنكم تجهلون مقدار الألم المزروع في قلبي. إنه يكبر كبقعة النفط. ينمو كأشجار الطلح والزقوم.

وقف الجميع تحية له. تقدم المدير نحوه وضع على صدره وسام الجد والإخلاص. ثم سلمه علبة موشاة بظرف وصك بنكي. وكذلك فعل ممثل عن نقابة العمال..

- قل لنا ولو كلمة قصيرة يا عمي صالح.. تفضل..

كذلك قال أحد الرفاق.

- ود لو أنه كان أصم أبكم. من أين يبدأ؟ وكيف؟.ما فائدة الكلمات التي لا تزهر في حديقة القلب؟ هل يفصح عن الحقيقة وليحدث ما يحدث؟ أليس من واجب المرء الحر أن ينطق بالحقيقة دون زيادة أو نقصان ولو مثقال ذرة؟ أيصرخ بمنتهى الصراحة والعنفوان قائلا:

- انظروا إلى هذين الساعدين. مازالا قادرين على إدارة الآلة يا سادة.ماذا أنا فاعل بهما بعد اليوم؟ لا أريد تهنيئا ولا تصفيقا.اللعنة على الت.. ق.. ا.عد.أنا ما أصبحت عاجزا ولا هرما. صدقوني يا سادة. تقولون لي إنه حقّك يا عمنا صالح. مبروك التقاعد أف.. أف.منه. ليذهب إلى الجحيم ما دام يسلبني إرادتي وحريتي ولذة حياتي.

استحى عمي صالح من أن تصيب الصدمة زوجته الغارقة في يم النشوة ورفاقه الذين دمعت أعينهم من شدة السرور. خشي أن يسفك دم الفرح ويزهق روحه في اللحظة الحرجة. فتتحول عبراته إلى جداول حزن وعويل. لحظتها يكون قد مارس أشد أنواع الاضطهاد والقسوة والأنانية في حق قلوب وهبته حبها واحترامها.

- شكرا لكم أيها السادة على كرم عواطفكم..

ولم يستطع إضافة حرف واحد. سقط مغشيا عليه ودموع غزار قد جمدت في عينيه. لحظتها قيل:

- لقد قتلت الفرحة ُعمي صالح.

لكن الحقيقة شيعوها معه في نعشه. دفنوها في لحده يوم قرر القانون أن يصنف العم صالح في زمرة (المت ـ قاعدين).

***

بقلم الروائي والناقد: علي فضيل العربي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5837 المصادف: 2022-08-29 03:02:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م