نصوص أدبية

أحمد غانم: صوَر بوجهٍ آخر

(أولى سنوات العصف)

"هل والدك متآمر؟"

سؤالٌ يواجهني به زملائي في المدرسة، يتسرب إليهم مما يسمعونه في غفلة من ذويهم، يباغتني مثل صفعة مدوية تحط على خدي، لا تترك لي مجالًا للحراك أو الرد بكلمة، فقط يتجدد كل شيء أمامي، كما لو أنه يحدث للتو، ومن ثم يعود ليتمثل في وجه والدي، آخر صورة تم التقاطها له بالتحديد، كان في كامل أتاقته التي تلفت الأنظار دومًا، يتأكد من مواءمة الألوان وتناسقها، البذلة مع القميص وربطة العنق والجَورب والحذاء، يضع عطرًا نفَّاذ الرأئحة، فيبدو لي مثل أحد نجوم السينما في الأفلام التي كنت بدأت مشاهدتها برفقته، إن سمح لي بالسهر معه حتى ساعة متأخرة من الليل.

أجمد في حضنه داخل الصورة، بوجهٍ ذاهل عما حوله، يظل يطاردني شروده وأنا أكاد أتفجر من غيظٍ أخرس لا يهب طفلًا دون العاشرة من عمره فرصة النطق بحرفٍ واحد، فكيف لي أن أرد على تهمة يتحير بشأنها الكبار، وتظل الكلمات تتلجلج داخل الأفواه قبل أن تؤول كل الأصوات إلى الصمت المتخوف من الإفصاح بما يثقل الأنفاس ويدب الرعب في القلوب والأوصال، من الثرثرة غير المجدية، وإن كانت لا تعلو عن الهمس المتواري خلف الأبواب، الأبواب التي صرنا نتأكد من إيصادها كل ليلة ونحن على يقين إن كل الأقفال لن تصد شيئًا من الريح العاتية التي ستظل تعصف بنا طويلًا طويلا.

تطغى على دوي قذائف الحرب المتخطية جبهات القتال لتهوي نحو المدن مسلوبة الإرادة، ألبستْ أغلب الرجال البزة العسكرية وأمسكتهم الرشاشات، أبصرُ أصابعهم وهي تكاد تلامس الزناد، تطلق رشقة هنا وأخرى هناك، رشقات تقتل الأعداء على الحدود الشرقية، ورشقات تنفذ في صدور الرفاق، تنخر أجسادهم أمام ضحكة عربيدة تزهو بفرحة الانتصار بعد حربٍ مضمرة ظل (الرئيس المناضل) يعد لها جيدًا على مدى سنوات، ربما سبقت قيام آخر ثوراتنا المجيدة.

دومًا كنت أجد تلك الرشقات النارية متزامنة مع بعضها، أو بالأحرى متواصلة، إحداها تسترسل من الثانية، ومع توالِ البيانات العسكرية زحف السواد على أجساد النساء من مختلف الأعمار، وكأنهن يشاركن في الحزن على والدي ورفاقه، وبمباركة سيادية من قيادة الحرب التي أمرت بتنفيذ أحكام الإعدام في منتصفف شهر المغفرة والرحمة، مفارقة عجيبة لم أفهمها، لعلها بلا معنى وليس لها أي أساس سوى في عقل صبي يتعلم أحرف الأبجدية لتوه، وقد تكون مثار سخرية الكبار إن سمحتُ لها بتجاوز عتبات الصمت، إلا أنها ظلت تستملك ذهني الذي اجتهد في الربط بين الأحداث ونسج الكثير من الأخيلة المخيفة المتأتية عنها، تسطو على حكايات يصعب إدراكها ووجه والدي يتموج في خاطري ما بين قرب أشعر بعبق حنوه وبعد يكاد يخفيه عني للأبد، تحت التراب كما أخبروني، منذ ذلك الوقت أيضًا بدأت تراودني هواجس الموت وألغازه عصية الحل على كل من لم يدركه بعد، مهما تفقه في الدين وتقرب من الله، وبدوري صرت أتقرب من الله ما بوسعي، عسى أن يزرع في قلبي السكينة والصبر على غيابٍ لا ينتهي مهما امتد بي  العمر، والأهم من ذلك رحت أتضرع إلى الله أن يدفع عني ولو بعض الرعب الذي صار يطاردني حتى وأنا بين جنبات النوم، أتوجس من اقتحام رجال الأمن المنزل مجددًا كي يوالوا التفتيش دون أن يهملوا جارورًا أو صندوقًا صغيرُا، وإن كان صندوق اللعب التي كان والدي يحب مشاركتي أوقاتي المستمتعة ببعثرتها من حولي، رغم كثرة مشاغله وسفرياته من أجل تحقيق أهداف خبت مع وهج فرحي الطفولي، فصرت أردد الشعارات المفروضة علينا في كل درس دون وعي، وفي داخلي غصة ممزوجة بسخرية مقيتة أحرص ألا تثير انتباه زملائي ولا أي من المعلمات.

ظللت في تلك السنوات أسير رعب ما حصل وما يمكن أن يحصل، قد أنهض مفزوعًا في جوف الليل ومشهد ومض الرصاص المتتابع يوالي هديره في الظلمة المخترَقة بوهج القصف المستمر مع بدء كل غارة، تعلن مقدمًا عن المزيد من الموتى دون تمييز، بل ربما تسلط نيرانها على المناطق السكنية أكثر من المنشآت العسكرية، ترج قلبي أكثر من اهتزاز الجدران التي تتهددنا مع سقوفها بالسقوط فوق الرؤوس، فتزداد الوجوه جهامة وحزنًا، توجسًا ورعبًا وشرودا، وتتطاول مخالب الصمت.

صمت تتضاعف وحشته عند ذرف الدموع والتواببت الملتفة بالأعلام لا تكف عن التوافد نحو المقابر، لكن جثمان والدي لم يلف بعلم ولم يُسمح أن يقام على روحه مجلس العزاء، رغم أنه أحب البلاد كثيرًا وضحى من أجلها قبل أن تدركنا أزمنة الحروب بعقود، لذا شعرت بالغيرة من صديقي إثر أستشهاد والده في أحد ميادين القتال فتم تكريمه خلال تحية العلم، حيث ألقت مديرة المدرسة كلمة خاصة لأجله، بينما كان هو يقف إلى جانبها متفاخرًا بالبزة العسكرية التي يرتديها، وكأنه كان قد فصلها واعتنى بنظافتها وداوم على كوائها استعدادًا لتلك المناسبة، يعلِق على جانبٍ من صدره نوط الشجاعة الذي تسَلمه أحد أفراد عائلته من الرئيس شخصيًا، مع ابتسامة أخذت تتسع يومًا تلو الآخر، في كل مكان، في صوَره المعلقة أعلى السبورة أمامي، تجبرني على التمعن بملامح وجه قاتل والدي كل درس، في الشوارع والساحات وكل المحال، بل وفي الكثير من البيوت أيضًا، لكنني عودت مخيلتي أن أضع مكانها صورة أبي ذات الشريط الأسود في كل مكان، دون أن أترك أي شخص يتنبه لِما يذهب إليه تفكيري طبعًا، فقد تعلمت جيدًا ألا أظهر ما أخفي أمام أي كان، وأن أسامح نفسي، وأطلب من والدي أن يغفر لي ما أسَطره في مديح القائد ضمن كل موضوع إنشاء، حتى لو كان عن حضارات العراق القديمة، عندها أبصره ينظر لي وكأنه يطمئنني أنه لن يفشي سري لأحد، لئلا يصل ما في نفسي إلى مسامع المتسيد على عموم البلاد، رفيقه القديم الذي ضحى به وبكثير من القيادات في محراب السلطة ما أن تسلم صولجان الحكم، وصار صاحب الكلمة العليا والوحيدة، منذ أن كشف عن مؤامرة شاركت فيها شخصيات معروفة في الحزب والدولة، معظمهم أقدم منه بسنوات في صفوف الحزب.

أخبارٌ ومعلومات كثيرة أخذتُ أسترق إليها السمع من هنا وهناك، إلا أنني لم أستطع صياغة حقيقة واضحة المعالم من فحوى الحكايات الصادمة والغريبة تلك، والتي عرفت فيما بعد أنها ترسم خطوط مرحلة مهمة من تأريخ بلد بأسره، وأنها ستظل تتردد في الأسماع لحينٍ طويل من الزمن، قد يستغرق عمري كله، بل أن أهميتها ستبقى في تزايد، تثير الكثير من الجدال والتساؤلات بين أجيال مختلفة، ومن جهات عدة، في الداخل والخارج، لتظل علامات الاستفهام والتعجب الملتاثة بعصف الذكريات تترنح من عامٍ لآخر.

الخوف من القادم، ومن كل شاردة وواردة، بالإضافة إلى الشعور المتجدد بمهانة الظلم المنبعث مع كل موقف حياتي، يجعلان الإنسان يفقد طمأنينته وثقته بالحاضر والمستقبل، وكأن شيئًا منه آل إلى مرحلة الشيخوخة وهو ما يزال في عهد الصبا، حتى أنني صرت أجد بعض تلك الطمأنينة في أجواء القصف وأهوال الفزع الجاثمة على كاهل المدينة في ليالٍ لا ندري أيها ستنتهي آجالنا خلال ساعاتها المظلمة قبل أن يغشاها شروق النهار، أطمئن للرعب الجماعي الذي يتراجع أزاءه خوفنا الممنوع من الجهر، وإن كان على سبيل الفضفضة، ننفث معها بعض حسرات القهر المتطاول عبر الملاحقات الأمنية والاستفسارات عن كل شيء يخص الوالد، كما لو كان على قيد الحياة، والقائد الهمام يسعى لتتبع أخباره وأخبار تحركاته بأدق التفاصيل، أو أنه يريد أن يواصل انتقامه من خلالنا، ومن خلال الأقارب حتى الدرجة الرابعة أيضًا، لعل أحدنا نفذ من مصيدة العقاب التي يجب أن تطارد كل متمرد، وإن لم يبدُ ذلك على أي من تصرفاته، فتعاوده تلك الفرحة (الرئاسية) المزهوة بالظفر لتؤكد له خلاصه من كل قيود الماضي التي كانت تضطره إلى مداراة شراهته لسطلة لا تقف عند حد، ينتصر بها للطفل الذي ظل يسكنه شقاء نبذه من الدنيا، حتى بعد أن صارت مصائر الملايين مرتهنة بإشارةٍ بسيطة منه.

رحت أتوجس كثيرًا من فكرة اللاقطات والكاميرات الموزعة في جميع الغرف، ربما زرعوها خلال فترة طردنا من البيت، فإن خرجنا تتبعنا سيارة مخصصة لمراقبة تحركاتنا في كل مكان، كما لو أن القيادة بكل سلطاتها المتوغلة في بطون البلاد تترقب نوايا عائلة تتلفت من حولها في كل خطوة وكلمة وإيماءة، فيعاودوا وضعنا تحت الإقامة الجبرية لمدة لا نعرف أمدها ولسبب ليس لنا أن نسأل عنه، فعائلة (المتآمر) لا حق لها في شيء، فقط عليها الانصياع إلى الأوامر في إذعانٍ لا بد من استمراره، بل مضاعفته في بعض الأحيان، ضمن تصفية حسابات عقد نقصٍ وأحقاد بددت كل حلمٍ راود رفاقه بمنأى عن طموح ال (الأنا) العظيم.

الديكتاتورية مفردة أخرى تضاف إلى (معانِ الكلمات) التي كنا نتعلمها في دروس القراءة، بالإضافة إلى مفردات غامضة ضبابية لم تكن لي القدرة على تحديدها، مثلها مثل الفرٌاش الذي نرقبه يتطاير من حولنا، نحاول القبض على أجنحته مبرقشة الألوان بكل لهفة بلا جدوى.

كانت الأغنيات وتهاليل المديح تجدد قتل والدي كل يوم وساعة، كل نغم ومعزوفة، ودعاء يلهج به رجال الدين، كل شعار أردده ضمن صخب تحية العلم صباحًا في الساحة الكبيرة للمدرسة، كما لو كنا نستعد نحن أيضًا للذهاب إلى جبهات القتال كي نحقق النصر المؤزر على الفرس (المجوس) وتلقينهم درسًا لن ينسوه، لكن عندها هل يمكن لابن (خائن) المشاركة في معارك الشرف والعزة والكرامة، أم أن ذلك سينال من مجد وطهر معارك القادسية الثانية المستعرة في ميادين الجبهات للدفاع عن بوابة العرب الشرقية!

ولمَ لا وأنا وعائلتي لا نملك حق الانضمام للحزب الذي استنزفت أفكاره ومبادؤه جل عمر والدي، منذ أن كان ابن السادسة عشرة، ما بين ملاحقات ومطاردات أمنية وفصل من الدراسة ومن ثم الوظيفة، هذا غير مرات الاستجواب والاعتقال التي ملَّت جدتي عدها، حتى أنها صارت لا تعيد ترتيب البيت بعد خروج عناصر الأمن، تنتظر عودتهم ليجدوا كل شيء كما خلفوه وراءهم، مساهمةً منها في تأدية واجبهم بسرعة، وعلى أساس الثقة المتبادلة بينها وبين من صارت تراهم أكثر من ابنها الذي غادر الدنيا مبكرًا، فما خلف وراءه سوى أحداث ومواقف متواصلة التشابك والتعقيد، لدي على الأقل، كما لو أنه عاش نحو مئة عام في كواليس السياسة، مع أن جذوة حياته انطفأت وهو في سن الحادية والأربعين، فكم فرحة انتصار وخيبة انكسار شهدتَ يا والدي في وطنٍ يرتدي (الخاكي) الملطخ بالدماء، وعويل الفقدان يتلاشى بين صخب القطارات المحملة بوقود الحرب دون توقف، لا ندري من سيعود إلى أسرته حيًا، ولو إلى حين، لكنك يا من خبرت دروب الثورات التي أقرأ عنها في مادة (الوطنية) لن تعود إلينا أبدًا، بذات ابتسامتك وضحكتك الصافية الصدّاحة التي ستظل تتردد في أذنيّ وتطغى على ضجيج خطابات بطل العروبة المنصور الزاعقة فينا ليل نهار.

ارتدى (الفارس القائد) البزة العسكرية بدوره ولم ينزعها أبدًا، سوى في مناسبات أعياد ميلاده (الميمون) التي كنا نُجبر على الاحتفال بها كل عام، صغارًا وكبارا، من العامل حتى أقرب مسؤول يحظى برفقة سيادته، فكنت أتخيل كل ذوي المناصب السيادية لا يكفون عن الرقص وإطلاق الزغاريد الطويلة، كما لو كانت من صدى الانفجارات المحاصرة للمدن، دون أن تهدأ ساعة واحدة في الجبهات النائية عند أطراف الحدود.

بتلك البزة، التي لم يرتدها حتى من أجل أداء الخدمة العسكرية، قد يأتي لزيارة المدرسة، كي نتراقص من حوله ونقبِل كتفيه كما يفعل الكبار، ويا لسعد الطفل الذي يرضى أن يستمع إلى ما حرص والداه على تحفيظه كي يبلغ سيادته، طلب، رجاء، أمنية... أي شيء يستطيع (بابا نويل) تحقيقه في غمضة عين، بينما أكون واقفًا متصلبًا، كما لو أن حكم الإعدام قد طالني من بعد والدي الذي يعرفه جيدًا جدًا ولا أظنه قد نساه يومًا، وما سيأتي إلى هذه المدرسة بالتحديد إلا كي يرى ابنه وما يمكن أن يخبره عن والده، بنبرة انكسار تستبق ذرف الدمع الذي لن أقدر منع هطوله ولا إخماد حرائقه ولو بأمرٍ من رئيس البلاد المهاب، قد تصير لديه مثل ابتهالات أمان وتهاليل بشر تبارك خلاصه ممن كانوا يصدعونه بشعاراتٍ تبقى لديه من الرومانسية الثورية المثيرة للسخرية لا أكثر.

لم أعرف ماذا يمكنني أن أفعل، وكيف لي أن أتصرف إن رأيت قاتل أبي على بعد خطوات مني، وقد يهفو قلبه الحنون إلى احضاني ومعانقتي، ثم يسمعني لازمته المعروفة "عفيه، عفيه، هيه هيه هيه...".

عندئذِ قد يتجمد الدم في عروقي وأصير مثل قطعة خشب متأهبة للاحتراق في أية لحظة، فهل يمكن أن يتحرر لساني من شلله وتواتيني الجرأة على سؤاله بصوت مسموع، وواضح للجميع، لماذا أمر بإعدام والدي دون محاكمة حقيقية ولا شهود ولا محامِ دفاع يقرأ ما جاء في محاضر التحقيقات ليعرف على أي أساس يبني مرافعته أمام القاضي الذي يتحرى الدقة في كافة التفاصيل والملابسات قبل النطق بالحكم، خاصة وأن المتهمين بالعشرات، قد يسخر رافع راية القادسية المجيدة، والتي سماها باسمه كذلك، من سذاجتي ولغوي الصبياني، ثم يحنق على من قد يكون أدخل في رأسي مثل هذه الأفكار (التآمرية اللعينة) وربما أؤكد له بثرثرتي تلك إنني وريث الخيانة والغدر، أكبر خطر يمكن أن يهدد مسيرة الثورة العظيمة ال... ماذا؟ نعم، التي جاءت من أجل تحقيق أهداف أمتنا العربية المجيدة، ومحاربة الإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية، بعد انتهاء حربنا (المقدسة) وانتصارنا على الأطماع الفارسية في أراضينا...

ربما الأفضل أن أنتقي مفردات كلامي لتصل إلى قلب ووجدان (والد أطفال العراق) الرؤوف دون إثارة سخط القيادة الحكيمة التي لها أن تمضي بنا صوب الشرق وصوب الغرب أنى تشاء، كما يمكن أن تصفي البذرة الخبيثة لأحد المتمردين على أهداف ومبادئ الحزب القائد.

هذر سخيف وأحمق، بالتأكيد لن أجرؤ على التلفظ بشيء منه أمامه، ولا أظن إن شخصًا في بلاد الثورات والبطولة قادر على ذلك، فالجميع أسرى فضله في البقاء على قيد الحياة، حتى من يتكومون في زنازين القصاص (العادل) للتفكير عن خطاياهم بحق الشعب الأبي وقائده الملهم...

صرت وأنا في ذلك العمر أحفظ جلَ الكلام المهم للنفاذ من مصائد القائد التي ظلت تتربص بنا طيلة فترة حكمه المجيد، كله مجيد وليس لي أن أسأل عن السبب أو المعنى في نوبة تهور شيطانية، تتبدى فيها نية الغدر والخيانة من جديد.

كان يجب أن أجد وسيلة للتهرب من رعب ذلك اللقاء بأية وسيلة، بينما الجميع منشغلون في حماس انفعالي مشحون بشتى الهواجس في التحضير وترتيب كافة الاستعدادات اللازمة للزيارة السعيدة، لكنني أيضًا لم أعرف كيف لي أن أتصرف إزاء ذلك الموقف الرهيب، وقد صرت أشعر بمراقبة كل العيون لأقل حركة أقوم بها، كما أن تعابير وجهي بالتأكيد تفضحني لديهم.

لم يأتِ والحمد لله، ذهب إلى مدرسة ثانوية للبنات، هو يحب رفع معنويات المرأة العراقية دومًا، خاصة أمهات المستقبل المشرق (بعون الله وعزم القائد)، مع ذلك راودتني رغبة جامحة بالركض، الركض بعيداً بعيدا عن كل شيء حتى أتوه ولا أعرف طريق العودة إلى سوح الجنون الذي أخضع وأهلي إليه في كل ساعة ودقيقة، جنون الاستلاب المرير والنكران لكل ما قدّم والدي لوطنٍ أخذ يتهاوى بين مخالب الحروب المنتصرة دومًا، فلم أجد ملاذًا ينجدني من هذيان السنوات المخمورة سوى الكتابة، ربما تلك الأحداث بالتحديد كانت السبب الأول في رسم ملامح الكاتب داخلي، كتبت كثيرًا، كثيرًا جدًا، وكم كان يتناوبني القلق من اكتشاف أجهزة القمع لِما أدون في دفاتر لا أعرف أين يمكنني تخبأتها لتنجو، وأنا وأسرتي، من مهالك المعتقلات.

أقبلتْ سنوات الحرب والقهر بمآسيها بلا هوادة، مات وأسِر وفُقد الكثيرون في الحرب، هذا غير المعاقين ومن أصيبوا باضطرابات وأمراض نفسية تجلت تداعياتها في كافة مظاهر الحياة المكلومة بجبروت البطل المغوار، تلك الشخصية التي صار الكثيرون يرغبون الاحتذاء بها، بالأحرى تقمصها، حتى من خلال نبرة الكلام الآمرة في غطرسة (طاووسية) تثير المزيد من السخط، والخوف في آنٍ واحد، بينما بقي وجه والدي على ذات ابتسامته، يعبر بي وديان الاندحار المحيطة بنا من كل صوب مهما تمادت، وصوته الواثق بكل ما آمن به من أفكار ومعتقدات يهامسني بما لا يستطيع كل رجال الأمن التنصت إليه ولا مصادرته كما صودرت مني براءة الطفولة وطمأنينة مرح الصبا خلال السنوات العشرة الأولى من حياةٍ مخفية في ظلال أمجاد القائد الوضاءة.

***

أحمد غانم عبد الجليل

كاتب عراقي

20 ـ 8 ـ 2022

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5840 المصادف: 2022-09-01 04:33:59


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5935 المصادف: الاثنين 05 - 12 - 2022م