نصوص أدبية

نضال البدري: ضفيرتان جميلتان

كان يتحتم علي الذهاب هذه المرة الى مشفى الامراض النفسية والعصبية، لاقتناء جرعة دواء لابني المصاب بالصرع بعد انتكاسة والده الصحية الذي كان يتكفل به سابقا.

 كان الطريق طويلا جدا، يخلو من اشارات المرور، سألت السائق متى نصل؟ زفر نفسا عميقا: سنصل بعد نصف ساعة مع دوام الازدحام. كان حينها منزعجا، يتململ، ينظر بعيدا.

كان المشفى كبيرا، مترامي الأطراف، وحيدا، شاخصا. تحيظ به اشجار (كالبتوس) عملاقة. اوراقها مثقلة بالأتربة وحكايات مرضى المصحات النفسية والعقلية. كانت تفترش تحتها بعض كلاب سائبة، اختارتها لتنجوا بنفسها من جور المارة.

كانت الأسئلة تدور في رأسي عن سبب عزلته في هذا المكان النائي، كمعامل المواد الكيميائية التي تشيد خارج المدن لحماية الناس. ماذا لو كانت داخل العاصمة، يمكننا الوصول إليها بسهولة؟ غير أنها أسئلة تبقى مجهولة.

رافق دخولي البوابة بعض الأباء وهم يمسكون بأيدي أبنائهم المرضى، يخشون عليهم،  تبدو ملامحهم انهم مرضى عقليين. ويحملون باليد الاخرى مغلفات كبيرة تضم اوراقا وتقارير طبية تخصهم.

- الطبيب: انتظري خارجاً لحين تجهيزكِ بالدواء.

بقيت في قاعة الانتظار، ثم استدرت باتجاه حديقة المستشفى. لفت انتباهي الهدوء في الرواق كان اشبه بفندق نزلائه نيام. جلستُ على المصطبة وانا انظر في ارجاء الحديقة الكبيرة لعليّ أرى أحد المرضى المختلين عقلياً. لم تمضِ سوى دقائق حتى مر بالقرب مني رجلان، ملامحهم تدل على اختلال عقلي. اقترب أحدهما مني طالباً سيجارة، كانت أسنانه منزوعة، وثيابه متسخه، كانها في خصام مع النظافة ربما هكذا هم المتخلفون يتمسكون احيانا بلبس نفس الثياب وعدم تغييرها حتى لو اتسخت بهذا الشكل. بقيت انظر اليه بخوف. حاولت الابتعاد. الرجل كان يتمتم بكلمات لم أفهمها، لعلها شتائم. ثم راح يضحك بشكل هستيري وقال لصاحبه، التدخين لن يضر بصحتي انه مضر لغيري كهذه المرأة. سمعته، فخشيت قيامه بتصرف مجنون. نهضت بحذر لاعود الى داخل المبنى واستلم جرعة الدواء.

خلال عودتي صادفت امرأتين تجلسان قرب أحد العنابر، ثيابهن رثة ورؤوسهن حليقة، اعترضت طريقي احداهن وقدمت لي كسرة خبز يابسة، ربتُ على كتفها دون أن يخيفني اقترابها، ربما لأنها امرأة مثلي فشكرتها.

تألمت كثيراً وانا انظر لتلك الاجساد النحيلة وهي تسير في دوائر المجهول، كنت انظر الى ما تبقى من الخطوات لكي أصل الى باب الخروج وفجأة أيقظني من شرودي صوت امرأة في الستين من عمرها، تتحدث إلى ابنتها، تطلب منها الاهتمام بنفسها وصحتها وتعدها بزيارتها بين فترة وأخرى، كانت الفتاة جميلة. تبلغ من العمر عشرين ربيعاً. هي لا تشبه الاخريات اللاتي رأيتهن في الحديقة كورودٍ ذابلة. لها ضفيرتان طويلتان وجه طفولي مدور وشفاه ممتلئة. لا شيء مثير للغرابة على محياها، سوى براءتها الطاغية. ومشاعرها الطفولية. كانت تمسك يد أمها بقوة. تتوسل إليها أن لا تتركها وحيدة في حديقة الذبول.

دفعني الفضول فسألت الأم الحزينة:

- لم تتركينها هنا مادامت بخير، لا تشكو شيئا.

أجابت المرأة والحزن طافح على قسماتها: أنا امرأة مسنة، أشكو امراضا مزمنة. لا اضمن بقائي ليوم غد، من سيرعاها ويهتم بها؟ سيعاملها المجتمع بقسوة، ربما لن تجد مكانا أمنا لها، أردت فقط أن اضمن لها مكانا تعيش فيه بأمان بعد موتي (الحياة يا ابنتي ليست مكانا للأحلام والرغبات السعيدة، لأننا نتحمل الكثير من قسوتها).

ذكرني هذا بمشهد لاحد الافلام لأم تدفع ولدها المختل الى النهر ليموت غرقا كي تأمن عليه بعد رحيلها، لكن تلك المرأة الكبيرة كانت أكثر رأفة. فضلت ان تعيش ابنتها بين المجانين فهو أهون من الموت ألف مرة. وأهون من العيش في مجتمع لا يرحم. ملامح الفتاة ونظراتها كان تتوسلني ان اقنع والدتها بعدم تركها. شفتاها تتحركان دون ان يسمع لها حرفا، الوداع اقتربت وتمنيت لو أنى لم اشهد ذلك الموقف، اخذت نفسا عميقا مصحوبا بألم عميق مصحوب بحسرة وقلت لها:

قصي لها ضفائرها ربما في المرة القادمة ستجدينها حليقة دون ضفائر.

***

نضال البدري

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5851 المصادف: 2022-09-12 02:48:50


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م