نصوص أدبية

نضال البدري: رائحة الطابق الثاني

صفعه عطرها حين ارتقى سلم الطابق الثاني في البناية التي كان يسكنها، امرأة تكبره بعشرين عاما تقريبا، نظر اليها بفضول ودهشة حين صادفته وقت عودته من عمله وهي خارجه من البناية، تركته في حيرة من امره فربما تكون قد جاءت لزيارة أقاربها، هو شاب ثلاثيني متزوج وله طفلين، واصل صعود السلم والسير بخطوات بطيئة قاصدا شقته ليلقي بجسده على كرسيه الكبير المغلف بالجلد الأسود الطبيعي تاركا ذراعيه متدليتين وهو يفكر بعطر تلك المرأة المثير. كان يوما مختلفا عن باقي الأيام فقد كان أكثر هدوءا، استقبلته زوجته وأعدت له مائدة الغداء وتبادلت معه حديثا معتادا بشكل يومي عن مشاغلها المنزلية وذكرت له أيضا بأن أناسا جددا قد سكنوا في نفس الطابق في الشقة المجاورة لشقتهما، نظر اليها بصمت محاولا استدراجها في الكلام أكثر عن اية معلومات أخرى تكون قد حصلت عليها، وواصلت زوجته الحديث، يبدو أنها ارملة ولديها ولد واحد. أظهر عدم اهتمامه بالموضوع وقام في تثاقل باتجاه الحمام وهو يقول: لو طلبت منك أي مساعدة ساعديها، قال لنفسه يبدو أن الأمنيات تتحقق دفعة واحدة في بعض الأحيان وأن السعادة ربما تحط على الانسان بصورة مفاجئة.

اعتاد على أن يتأخر في النوم يوم الجمعة ولكن جرس الباب أيقظه في الثامنة صباحا وتساءل من يطرق الباب في هذه الساعة المبكرة؟ عندما فتح الباب شعر بالدهشة المقرونة بالفرح إذ كانت الطارقة هي المرأة التي سكنت بجوارهما وهي تلقي عليه تحية الصباح بصوت خجول، رد عليها التحية وقلبه يخفق وسألها أن كانت في حاجة لأي شيء قالت لا اعرف كيف يمكنني ربط الكهرباء بالشقة وأخشى أن اتسبب بحادث ولايوجد من يمكنه مساعدتي الان. كان ينظر في عينيها وهي تتحدث وعندما أكملت كلامها قال لها (تدللين).

ذهب معها وقام بربط الأسلاك وشعر بان يده ترتجف وكأنها عصفور تعرى في ليل شتاء بارد، سألته ان كان يرغب في شرب الشاي او القهوة؟ فقال لها ربما الشاي يكون أفضل، قدمت له الشاي وتبادلا حديثا مقتضبا وخجولا عن الكهرباء وهو ينظر إلى بعض تفاصيل جسدها التي لم تستطع أن تخفيها ثم عرض عليها ان تأخذ رقم هاتفه فيما إذا احتاجت بعض الأمور ولكنها ترددت وهي تقول: لا اريد طبعا ان اسبب لك إحراجا فانت رجل متزوج ولكنه أكد لها بأن الموضوع طبيعي جدا وانهم جيران طبعا وليس هناك أي احراج في الموضوع وهكذا تبادلا أرقام هواتفهما وسألها بماذا يعرفها فقالت الاسماء ليست مهمة او اكتب أي اسم تريده لعله يكون افضل بالنسبة اليك، ثم غادر مع شعور لا يوصف من الاسترخاء رغم أنه لم يسألها عن ايه أمور شخصية من قبيل وضعها الاجتماعي مثلا. حدث نفسه قائلا: تذكر بأنك متزوج وعليك ألا تفكر بامرأة أخرى ثم أنها امرأة أكبر منك سنا بكثير. لكن أي زواج واي زوجه تلك التي أفكر فيها، لم يكن زواجي سوى وظيفة اجتماعية القت على أعباء كثيرة وجاءت بزوجة ضعيفة لا أستطيع حتى ان اضع برأسي على صدرها الهزيل ليستريح، لقد بدأ الآن يلقي بحبال افكاره لكي تلتف حول جسدها الممتلئ والمثير رغم فارق العمر الذي يريد ان ينساه. في اليوم التالي ضغط بقدمه على دواسة البنزين وأطلق العنان لسيارته لتنطلق كطائرة تحلق به في السماء قاصدا عمله متمنيا ان تكون هناك فرصة للاتصال بتلك المرأة بعيدا عن أنظار العالم وبالفعل بعد الانتهاء من عمله اتصل ليطمئن عن العطل الذي أصلحه وردت عليه بكلمات لطيفة تعبر عن مدى اعجابها بشهامته، كان سعيدا بكلامها وقال لها بأنه سيكون في خدمتها إذا احتاجت اي شيء آخر.

لم يتصل بها منذ ثلاثة ايام او يراها واستغرب أنها لم تفارق ذاكرته طوال هذه الساعات، فكر في أشياء كثيرة أخرى يتمنى لو أنها تتحقق لكن من الصعوبة جدا ان يتخيل شكل العلاقة التي يتمناها مع هذه المرأة ليس لأنها أكبر منه سنا بل لدواع نفسية واجتماعية أيضا، لكنه قال لنفسه انها تجربة مثيرة وعميقة لاسيما مع وجود تلك الفوارق، لأيهم قال وهو يحدث نفسه عندما نظر الى زوجته وسيقانها النحيلة وفمها المفتوح كفم سمكة ان تكون بديلا مناسبا لما اشعر به وهو يقارنها بالمرأة المثيرة، أنها هزيلة وضعيفة الشخصية أيضا وأنا أحب المرأة القوية الممتلئة التي تفيض بالمشاعر والتي تضعف بين يدي حين المسها، ولم يتردد في هذه الأثناء لحظة واحدة حينما أمسك بهاتفه وأرسل وردة لها عن طريق الواتس آب واغلق هاتفه ونام بعد أن أنتظر عشر دقائق لم ترد فيها على رسالته .

قبل انتصاف النهار في اليوم التالي أضاء هاتفه بأشعار قد وصل منها قالت فيه (أنت عطرها) أجاب على الفور بابتسامة ملئت وجهه، كيف حالك جارتي العزيزة: قالت أشكرك، استأذنها ان يتصل بها صوتيا فوافقت وبسعادة بالغة اتصل بها وبدء حديثه بتحية جميلة، ثم قاده الحديث للسؤال عن زوجها وأهلها: إجابته توفي زوجي بحادث اثناء عمله وأهلي يسكنون خارج العاصمة ليس لي أحد هنا سوى أنا وولدي هذا سألها لماذا لم تتزوجي أجابت: من يقبل للزواج بأرملة في هذا السن اعتادت على وحدتها ولديها ولد مراهق. صمت لدقيقة ثم قال لها بتردد: هل يمكنني دعوتك على الغداء، هناك مطعم عائلي يقدم طعام ممتاز، وافقت فورا بدون تردد، في اليوم التالي انتظرها قرب المطعم ولمحها تنزل من سيارة الاجرة، تعثر بخطواته ليجلس على اول طاولة يصادفها بالمطعم وهو يشعر بالخجل، أشعل سيجارة، ثم رحب بها بابتسامة عريضة قائلا لها انرت المكان ماذا تحبين ان اطلب لك؟ اعتدل على كرسيه وارتسمت على وجهه ملامح الإعجاب بهذه المرأة الانيقة والمثيرة، كان المكان يضج بنظراتهما لبعضهما فلتلك المرأة حضورها الطاغي على المكان وسرح بخياله بعيدا، بعيدا جدا الى اقاصي احلامه ورغباته المكبوتة. وبعد ان انهيا طعامهما وحديثهما الجميل غادرا المطعم، ذهب كل منهما لوحده. عندما عادت الى الشقة نظرت في المرآة كانت اخاديد العمر ترتسم على وجهها، قبل هذا اليوم لم تكن تهتم اما الان فهي تود أن تقبض على عمرها وتتوسله ان يتوقف، ولن تدع ابنها يلتهم سنوات عمرها التي اضاعتها، لن تدع الزمن يلتهم تفاصيل حياتها، لقد اخذت الموضوع بصورة جدية تامة ولم لا؟ من حقها ان تتمتع بحياتها وتعيشها فهي مازالت تلفت نظر الرجال، لقد شعرت بحيويتها فعلا وهي تجلس معه وتتبادل الحديث، وماذا لو كان أصغر عمرا منها؟ المهم هو ما يشعر به اتجاهها وما تشعر به اتجاهه.

ارتدت زوجته فستانا جديدا وهي تحاول اثارته كعادة الزوجات وجلب انتباهه لكن نظراتها لم تعد تغريه بل كانت تطرده على العكس من نظرات تلك الارملة والتي كانت تتقن فن المناداة دون أن تتكلم. أصبح يضيق ذرعا بتلك الزوجة الخجولة التي لأتعرف سوى التنظيف والإنجاب، فكر بان يتصل بالجارة المثيرة فلم يعد يطيق الانتظار وقرر ان يتصل بها في اليوم التالي اتصل بها بعد ان أنتهى وقت عمله ردت عليه بسرعة وكأنها كانت بانتظار ذلك الاتصال، تكلم معها في امور شتى ثم قال لها لابد من أن ألتقي بك اليوم عند المساء زوجتي سوف تزور اهلها وستبيت الليلة عندهم سأكون بانتظارك لا تتأخري، وبقت صامتة ولم ترد ولكنه قال لها سأكون بانتظارك ايتها الملكة. عندما حل المساء لم يداخله الشك في انها ستحضر ما أن طرقت باب حتى فتح لها الباب جاذبا يدها إلى الداخل فقد كان في انتظار تلك اللحظة المذهلة التي سيكون فيها معها لوحدهما وربما هي أيضا كانت بشوق لذلك اللقاء الذي سيطفئ لهيب جسدها في غرفة نومه التي أعدها بشكل يليق بلقاء حميمي بين رجل وامرأة. جلست على طرف السرير وجلس يقربها ونظر في عينيها الغائرتين وجفنيهما المتهدلين وكأنه يراهما لأول مرة بوضوح، كم كانتا قريبتا الشبه من عيني امه، دفن وجهه في صدرها وتصبب منه العرق وشعر بحرارة تغزو جسده وضعفا يعتريه، ونسى كل شيء، كان راسه فارغا تماما، ربتت على كتفه وأزاحت رأسه من على صدرها وتركته وحيدا وغادرت.

***

نضال البدري - بغداد