نصوص أدبية

سنية عبد عون رشو: الحافلة..

تسلق مسرعا الحافلة المزدحمة التي تنوء بحملها مع بدء الدوام لكافة الدوائر من مدينته متجها الى العاصمة بغداد (المسافة بينهما 60 كم تقريبا).. قاصدا كلية القانون بلهفة تكاد لا توصف بل انه يعتبرها لحظات خارج الزمن ولا يدري أهي ساعة فرح أو ضجر ليستلم نتيجة امتحاناته للمرحلة الأولى.. تتسارع ضربات قلب الفتى الغض ومع كل دفقة نبض يشعر بألم أضلاعه وان الازمنة قد تلاشت لديه.. روحه تحاوره بخشوع راهب في الدير يكتب قصائده المجنونة عن ذكرياته التي علقت بذاكرته عنوة.. خيالها يتحرك أمامه حاول نسيانها واسدال ستار العتمة عن تلك المرحلة وبعد جهد وجد نفسه يفكر فيها وفي حب من آلمه فراقها.. لم يستطع مجارات نفسه بنسيانها فقد شعر ان قلبه ازدادت آلامه وأوجاعه

سأوقد سنين عمري سراجا لها ولكل يوم قضيته بعيدا عنها شعر بثقل جسده ثم غاب بين ركام الذكريات.. تخيل نفسه وهو يحقق حلم عمره وحلمها هي أيضا لكن الزمن قتل أحلامهما معا وغدت حياتهما في ظلام اليأس الأبدي وما اختفاء ضوء الشمس الا برحيلها تلفعت بثوب يوسف حين تخلى عنه أخوته وغدروا به لسبب لا يعرفه هو.. أرتعب خوفا حين تذكر وجهها وهي تعيش وحيدة في ظل كوابيس خانقة حين تتذكره.

يقول ملء فمه.. نعم تتذكرني أنا متأكد من ذلك.. آه من قلبي وهو عاجز عن مداواة جراحه وأنين الليل الموحش.. قديما كانت تغني له الحانا شجية حفظتها جدران غرفته المقفلة فقد غادر الفتى مملكته بعد غيابها الطويل وبات متنقلا هنا وهناك.. حلم ما انفك يراوده.. كيف سيكون اللقاء وكيف ستكون دهشة عينيه أمام تلك الحبيبة الغائبة..

منذ طفولتي وهي تناديني.. المحامي وتمنت ان اكون كذلك.. ومن أجلها دخلت كلية القانون.. وسأقف يوما بروب المحاماة وفي قاعة المحكمة سأدافع عن المظلومين ولن أسمح لأحد ان يظلم امرأة.. ترى من ظلم أمي وأنا ابن السابعة ؟؟؟

لم أستطع ان أكوّن فكرة محددة فأخذت أقرأ ملامح وجه أبي وسؤال يدور في خلدي لكن أبي ينهي المواقف كلها بكلمات مقتضبة يقولها ويمضي..

تذكرت ان أبي قبل ان يطلقها كان مقاولا ناجحا ومعروفا في الحي الذي كنا نسكنه.. فلماذا يقتات على مورد بسيط من دكانه الان.. تلك اسئلة التزم ابي الصمت حيال اجوبتها.. أمور عدة يكتنفها الغموض..

وأنا أبن العاشرة سألته عنها وكعادته لم يجبني.. فبدرت مني صرخة مدوية تفاجأ بها الجميع.. وكذلك أبي فراح يضمني ويقبلني ويمسح دموعي المنهمرة مثل المطر.. لكنه حافظ على صمته ولم ينبس ببنت شفة.. ومن ذلك اليوم رافقني الصمت المؤلم..

تحجر قلب أبيه وكأنه غادر جسده.. والفتى يتساءل.. ألم ينبض قلبه في يوم ما بحبها.. ؟؟؟

توقفت الحافلة عن المسير ما يقارب ساعة من الزمن فقد أغلقت مداخل العاصمة لسبب لا نعرفه مما تسبب في تعطل حركة السير.. وبدا التعب والارهاق واضحا على محياه.. متأففا من ريحة العرق التي تزكم انفه المنبعثة من تلاصق الاجساد مع بعضها فالواقفون في الحافلة أكثر عددا من الجالسين..

التقت عيناه بعيني امرأة في منتصف الخمسينيات قد تبدو ملامحها متعبة أو ربما أخفق الواقع في تحقيق أحلامها.. مقعرة الخدين ذابلة العينين لكنها تغطي حزنها برداء التجمل بملابس نظيفة مع شياكة الوانها وتناسقها.. نظراتها تبوح بكآبة روحها هي الاخرى.. لكنه لا يدري من هذه المرأة !!.. ولماذا جذبته نظراتها الحزينة.. ثم همس مع نفسه.. ما مدى صحة من يقول (ان الأرواح المتعبة حين تلتقي نظراتها تشعر بطمأنينة غامرة ).. أشاح بوجهه عنها وقرر ان لا يهتم لأمرها لكنه عاد مجددا ليجدها هي الأخرى ما زالت تصوب نظراتها نحوه.. لا تظهر على وجهها علامة رضا ولا غضب فقط ترمقه بنظراتها من بعيد ومن بين الركاب.. بقي مندهشا من تصرفها ومن نفسه ايضا.. فلماذا يعيرها هذا الاهتمام انها مجرد دقائق وستصل الحافلة.. هكذا فكر مع نفسه

لكن المرأة تحركت من مكانها وهي تشق طريقها بصعوبة بالغة من بين الاجساد وها هي تقترب منه وما زالت تصوب نظراتها نحوه.. اما هو فقد تسمر بمكانه وشعر نحوها بهاجس غريب من الألفة وخيل له انه يعرف هذه الملامح سابقا وربما كانت في يوم ما تمثل له مرحلة من مراحل حياته.. نعم انها ليست غريبة عني.. ضغط على رأسه بكلتا يديه ليعود بذاكرته الى زمن براءته أو الى أيام صباه حيث ارتبطت ملامحها بتلك الفترة ربما لأنها تشبه أمه في بعض ملامحها.. لكنها فاجأته بسؤالها...أنت ابراهيم.. أليس كذلك ؟؟؟؟

أجابها مرتبكا نعم نعم

استفزته نبرات صوتها فأغمض عينيه وكاد ان ينفجر باكيا.. قالت له لقد وصلت الى كلية القانون.. أجابها مندهشا.. ومن أخبرك اني قاصد كلية القانون.. ابتسمت وهي تمد بصرها نحو طفلة متسولة جميلة صعدت للحافلة توا.. ثم دست بيدها ورقة نقدية.. مسكت يده ونزلا سوية الى الشارع... قالت.. اتابعك مذ فارقتك آخر مرة وقد حضرت اليوم لأقدم لك تهنئة النجاح.... يا الهي.. وهل أنا ناجح حقا.. بالله عليك من أخبرك..؟.. شعر بقشعريرة تهز بدنه النحيل وأراد ان يتكلم فخانه لسانه المتصلب داخل فمه.. ثم ان ما تقوله هذه المرأة قد انهك قواه العقلية وعقد لسانه...انها تعرف عنه كل شيء

آه يا بني كم من السنين انطوت لم ارك فيها وقد كنت كل حياتي.. بينما انشغل هو بتقبيل يديها وأخذ يكرر...سامحيني...سامحيني.. لقد بحثت عنك كثيرا ولكن دون جدوى.. وحين قصدت دائرتك أخبروني انك خرجتي منها وتركتي عملك فيها..

في هذه الأثناء سحبه صاحبه من يده.. هيا يا صديقي الحافلة قد وصلت قريبا من كلية القانون فنزلا من الحافلة وتابعا سيرهما الى الكلية.. وابراهيم ما زال صامتا متوترا لا يقوى ان يقول شيئا نظر الى صاحبه نظرة بلهاء وكأنه استيقظ توا من اغفاءة بسيطة داخل الحافلة.. أو ربما انه حلم اليقظة الذي كان أكثر صدقا من حياته وهو ما يحتاجه الانسان كي يرمم شرخا بداخله.. فحين رأى تلك السيدة التي تشبه أمه غاصت روحه الى أعماق النفس المتوجعة وكأنه لجأ الى ذاته المضطربة وتمنى ذاك اللقاء.. لكنه حسم أمره وقرر المواجهة الفعلية..

وأمام منزل أبيه وقف ابراهيم رافعا رأسه وهو يطرق الباب بجرأة لم يعهدها بنفسه من قبل اشتعلت فيه جذوة الندم لسكوته الأحمق عبر تلك السنين أحس ان نجاته مما يؤلمه ستكون بكلمة واحدة من فم أبيه..

الأب.. هل نجحت يا ولدي..؟

ابراهيم.. ينبغي ان تصارحني وبدقة وان تخبرني عن سبب إخفاءك لبلد اقامتها.. لقد ظلمتها كثيرا فلا تتمادى في ظلمي أيضا فقد حملتني جبلا من الهموم من أجلها..

الوالد.. رحمها الله يا ولدي

نعم من حقك.. فقد غدوت رجلا ذكيا وهذا يفرحني.. الحقيقة اني لم اطلقها بل انها كانت تتبضع في سوق مدينتنا الجميلة لاستقبال طفلنا الثاني.. اتصلت بي من أجل عودتها للمنزل.. لكن وضع المدينة الأمني تطلب منا ان نغادرها فورا والهجرة غدت أمرا لا بد منه.. عادت هي مسرعة والقت ما تحمله واكتفينا بما هو مفيد لنا.. لا نملك ما يحملنا سوى أقدامنا مرت هي خلالها بساعات عصيبة فقد شعرت بتثاقل جسدها وبانت صفرة على وجهها كانت تشتكي عما تعانيه ولكن ليس باليد حيلة.. ابتسمت متفائلة وهي ترى سيارة كبيرة قادمة تكدس فيها الكثير من النازحين.. قطعنا ما يقارب الخمس ساعات ثم وصلنا الى مكان آمن وحصلنا على سكن في بيت مهجور تركه أصحابه فهو آيل للسقوط.. مرت أسابيع وهي تعاني من اجهاد مستمر..

وفي ليلة كان قلقها كبير وهي تعاني من آلام الطلق لم تستطع ان تحرك جسدها فحملتها مسرعا للمشفى القريب وللأسف الشديد اخبروني بعد ساعات من المحاولة ان ولادتها قد تعسرت وفارقت الحياة مع وليدها.. لقد شاء قدرنا ان يرسم لنا هذه النهاية.. جدتك اهتمت بك والتي طلبت منها عدم اخبارك بالحادث.. تحاملت على نفسي وتطلب الامر ان اسيطر على حزني ولا اظهر ضعفي أمامك ولم أشأ ان أسلب منك قوتك وارادتك في رسم مستقبلك.. نعم أشفقت على صغر سنك وأخبرتك تلك الحكاية.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5893 المصادف: 2022-10-24 01:11:58


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5995 المصادف: الجمعة 03 - 02 - 2023م