نصوص أدبية

تماضر عبد الكريم: حُلم

هل تصدق أنني التقيتك اليوم؟!  كان ذلك اللقاء في رأسي، لكنه بدا حقيقيا لدرجة أني قفزت من النشوة، كنتَ قريبا... أقرب حتى مما قد يحدث في الأحلام!  كدتَ تختفي في انعطافة الممر لولا أني قمعت بقايا خجلي الملاصقة لي مثل عاهة، لأناديك. للحظة خشيت أن يضيع صوتي ويتلاشى في الفراغ، لكنك عندما التفتَ نحوي وتلاقت أعيننا عرفت أني لازلت قادرة على تلوين أحلامي ونزع غلالة الضباب عنها.

هل تدري! تماما كما تخيلتك، بشعرك الأبيض وقامتك الملفتة وخطواتك المتثاقلة قليلا، ثم عندما اقتربت أيقنت أني أجيد رسم التفاصيل، حيث كان حاجباك الكثيفان معقودين وأسنانك الصغيرة منتظمة  ولون عينيك يصعب تحديده، وابتسامتك ودودة. غمرني صوتك ذو النبرة العالية قليلا( نعم تفضلي) لم أنزعج لأنك لم تعرفني، فأنت داخل في رأسي بلا إرادة ٍ أو قرار ٍ منك، لقد جئتُ بك إليّ، والآن انت ضائع هنا، بين هذه الخلايا المتصارعة والحواس المتوثبة والشرايين الضاجة.. المحتدمة. ستشعر بالضياع قليلا لكنك ستجدني وسأجدك، هذا ما أنا متأكدة بشأنه.

حسنا ..أنا من النوع الذي لا يجيد تقديم نفسه، لا أتذكر كيف أخبرتك إنها أنا و ماذا قلت لك تحديدا؟  لكني أتذكر أني كنت فرحة جدا، بالتأكيد لاحظتَ ذلك، فقد ابتسمت مندهشا عندما عرفت أنها أنا، للحظة شعرتُ أنك على وشك أن تعانقني، هكذا تجذبني إلى صدرك طويلا، حتى إن نبضات قلبك تدق في رأسي، و عطرك يملأ أنفي.

لقد كانت لحظة مربكة، لكنها مرت ثم هدأنا، سألتني عن حالي، و أثنيت على عملي في تدقيق أشعارك، ثم بابتسامة ذات مغزى أخبرتني أنني أجمل من الصور، لم أجعلك تشعر كم أحببت إطرائك، هكذا تظاهرت بعدم الإهتمام. قلت لنفسي سأشكره عندما نجلس لشرب الشاي، ونتحدث عن رسائلنا وأعمالنا وأحاديثنا عبر الإنترنت، سنأتي على ذكر كلّ شيء.

لا اعرف كم وقفنا في نهاية الممر، بدا الزمن جامدا. فيما بعد، لم اعرف ماذا أفعل؟  بدوتَ محرجا وهممتَ بالذهاب. أدركتُ بحدسي أنني على وشك الإفاقة من حلمي، قاومت بقوة.  في الحقيقة قد لا يكون هذا حلما ابدا، كيف اعرف ما إذا كانت الحقيقة هذه اللحظة أو تلك؟ ما إذا كنت أنت هنا أو هناك؟  مددتُ يدي نحو وجهك، مررت أصابعي على عينيك، بدتا واقعيتين، عرفت ذلك من دهشتك، وتراجعك خطوتين.   

(ابق معي) هذا كل ما أردت قوله لك، وإن كلفني أن أستمر في الغياب عن نفسي. لكنك لم تقل لي تعالي نمشي حتى التعب، أو تعالي نقرأ الشعر ونشرب الشاي وندخن ونضجر معا، في الحقيقة لم تقل شيئا ابدا، آه لو كنت أحلم حقا، لأخذتني من يدي وسرنا هناك وأخبرتني كلاما جميلا..جميلا جدا، فأنا أرسم كلّ شيء في رأسي، كأن تجلس قبالتي وتضع فمك على فمي طويلا، تتأملني بصمت وتخبرني أن لا أفيق، لكنك كنت على عجالة، اكتفيت بابتسامة وبضعة كلمات وابتعدت قليلا، آه ..هذا يعني أني أفقت، أو ربما لم أنم أصلا!  عندما استدرت أنا الأخرى ومضيت وحيدة، سمعت صوتك، كانت نبرته العالية التي أحبها توقظ جميع الحنين الراكد في الروح و تحرك ما تراكم عليه من غبار السأم.  لقد اقتربت من جديد وأوشكت المسافة على التلاشي، قلت لي تعالي نخرج نتسكع على غير وجهة، يااااه لو تعرف كم فرحت، و أمسكت بيدك الكبيرة فورا، حينها لم أفكر بصراحة إن كنت أحلم أو لا؟!

***

تماضر عبد الكريم

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5915 المصادف: 2022-11-15 03:16:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5992 المصادف: الثلاثاء 31 - 01 - 2023م