نصوص أدبية

كفاح الزهاوي: حقائب الذاكرة

كانت الشمس تهبط خلف الجبال الشاهقة، والغرفة رطبة ومظلمة قليلا في هذا الوقت من الغسق. همَّ الليل بأسدال ستائره رويدا رويدا، وزقزقة العصافير أخذت تسكن شيئا فشيئا في السماء حتى انطفأت، ونالت قسطا من الراحة في أعشاشها.

وفي مكان ما هناك بعيدا في عالمه المنسي، علا نشيج الثكالى، وتدفقت ترانيم من الهموم لتستوطن في أعماق المجروحين، تاركة اثار الهزيمة في كوة مظلمة.

بدأت جمرات الكآبة تتقد من تحت الرماد عندما لفحه سواد الليل، فاحتد الشعور بالوحدة، كانت أمواج الاضطرابات تنتشر بتسارع فوق الأفكار الآسنة كي تستفيق من ركودها. كان يتمعن في دفاتره العتيقة المركونة فوق رفوف المغبرة. كانت ملغومة بالذكريات البائسة.

لقد ارتسمت في قلبه الواجف تلك الذكريات المشؤومة على مر السنين، التي كادت ان تهدم جدران الأمل. وفجأة انبجست الدموع من عينيه وانهمرت عليه الأفكار بكثافة وتناثرت في حقائب الذاكرة مبعثرة الأجزاء متخلخلة الروابط بسبب المشاعر المتصادمة في بحر المعاناة.

مرت عليه تلك المشاهد البائسة كشريط مسجل منذ ان تسلل الضوء في بؤبؤ عينيه، ظنا منه أن الألوان قد نضت واصبحت سوداء معتمة، والوجوه قد جهمت من شدة البؤس وتعذيب النفس، حتى بات يتخيل أن هناك أشباح تطلق صرخات حادة أقرب الى الهذيان، تسبب قلقاً مستديما وصراعاً داخليا، تؤلمه حد العذاب، حد الرعب، حد الانكسار. يكاد من قسوتها ان يفقد خيوط النور المتبقية من مرساة الزمن، ويصبح على شفا حافة الانهيار، والهاوية.

كان يشعر ان تلك الاحداث لم تكن محض صدفة او مجرد حوادث عرضية، وانما ضربت بقوة في عقله، ووَثَبَتْ هذه الافكار في ذهنه. حيث عاش تفاصيلها ولكنه لم يستطع صياغتها بالشكل المطلوب.

دخل في صراع مع اليأس كأنه صراع البقاء، هذا اليأس الذي التهم خلايا طموحاته وقطع شريان آماله منذ زمن طويل. بذل جهودا إضافيا، كي يوقف مد الخراب في مسيرة حياته. كان يجب عليه ان يضيء عقله ويسطر على ايقاعاته كي لا تتلاشى بقايا ثمار الإنسانية في أروقة أفكاره.

استمر بجد في محاولاته حتى لا ينحرف عن المسار ويتحول إلى وحش قاسٍ، قذر وضعيف غير متماسك ويفقد كل شيء. هذا الشعور الذي تعفر في تراب الشك وانعدام الثقة، الذي أضعف بصره، ومنعه من رؤية دقائق الحياة في وضح النهار.

شعر بطعم الهزيمة المر في نفسه، متأصلاً بالإحباط. غدا احاسيسه المتأرجحة قاربا يتماوج وسط تلاطم الأمواج والعواصف البحرية الهائجة لا تبلغها اصوات النجاة. سعى بكل قوته الى تفتيت عقد الأغلال للخروج من عزلته إلى الضوء ليرى سلامة نظرته غير المكتملة إلى العالم.

حكايات الماضي تؤلمه دون أن يعرف أسبابها، يعيشها دون أن يدرك تفاصيلها. فهو يمشي على خيط رفيع في أعماق الذاكرة يعيده إلى أحلام الطفولة المنسية.

كان يتطلع الى هذا العالم العقلاني لعله يوقف عذابه واستمرار معاناته. أن تنتشله النجوم الى فضاء الحرية وتزيل ثقل همومه، ويرى نورها يسقط على الأشجار الكثيفة، فيعكس ظلالها على الأرض، فيمنحه الشعور: أنه يستطيع أن يجد موطئ قدمه.

أراد أن يفرغ همومه ويصرخ ملء اشداقه ويقول ما يخفيه الدهر من آلام، ولكن قدرته خانته على المواصلة، فتوقف عن الكلام مما زاد من حزنه اضعافا، حتى ساوره الشعور، انه فقد قوته في مواجهة العالم.

كان يتفرس في العيون التي تقدح شرّا. حاول ان يدرك ما فاته من الأحداث، كأن شيئا غامضاً لم يفهمه وحاول الغوص في أعماقه. كانت عيناه جاحظتين لدرجة الانفجار وكأنما يصعب عليه الرؤية، انه تعبير عن العجز في كبح جماح نفسه.

***

كفاح الزهاوي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5936 المصادف: 2022-12-06 01:16:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م