نصوص أدبية

محمد الدرقاوي: عُيونٌ لن تنسى

حين دخلت الصافية الى بيتنا لم تكن غير طفلة عمرها لا يتجاوز الثماني سنوات، فقدت أمها ثم حرمها ابوها من المدرسة وأتى بها الى المدينة ليشغلها كخادمة في أحد الأحياء المشهور بغنى أهله، وتشغليهم لخادمات بثمن مرتفع؛ تلقفتها والدتي بالصدفة، فأبوها قد طرق باب بيتنا بالخطأ، باحثا عن رجل مقاول في البناء، كان قد أوصاه بخادمة صغيرة لزوجته الثانية التي ماتزوجها الا بعد أن هددته بفضيحة، فقد وثقت به حين توسلت مرافقته في سيارته الى المدينة، عائدة الى عملها كخادمة في احدى البيوتات..فتنه قدها وطولها بطمع في جسدها، فتعمد ان يتوقف أكثر من مرة في الطريق الى أن داهمه الليل فاغراها بالمبيت معه في احدى منازله الاقتصادية التي يتاجر في بنائها للطبقات الفقيرة، وقد اعد منزلا منها لخلواته ونزواته الخاصة.. وقع المقاول في البنت فاغتصبها، ومارس عليها شذوذا فظيعا بعد أن لعبت الخمرة برأسه وغيبته عن وعيه، فما كان منه بعد أن أمتنعت عن كل اغراء مادي كتعويض الا أن يجبر ضررها بالزواج بها شرط ان تتكتم على ماوقع ويظل زواجهما في السر، ومن شهرها الأول حملت منه...

استطاعت والدتي أن تقنع أبا الصافية أنه يعرض ابنته للظلم والعذاب وهي لازالت طفلة لا تميز بين خير وشر، فالبيت الذي يبحث عنه يقع على هامش المدينة، صاحبته هي نفسها كانت خادمة في العشرين من عمرها وقد تزوجها الرجل الماما لفضيحة قد تأتي على مستقبله وسمعته، ومن تسقطت نفسه طمعا في امرأة التقطها من الطريق قادر أن يطمع في غيرها خصوصا اذا كانت بجمال الصافية، كما أن معاملة خادمة لخادمة لن تكون محمودة، غيرة وحقد، ثم خوف على رجل موسر قد يضيع منها وقد صادته بنصب، فكيف أذا كبرت الصافية أمامه وازدادت تفتحا وجمالا فلن يلبث أن يميل اليها..

لم يكن ابو الصافية في حاجة الى أكثر من قدر مالي للتخلي عن بنته ، فكما قالت والدتي: "هو نفسه كان يتصرف بنوع من قلة الاهتمام فكأنه يريد التخلص من البنت، لكن ما أثارني ان الصافية بسرعة وقفت بجانبي وتمسكت بيدي وكأنها تتوسلني ان أبقيها عندي، وامام عيونها الفاتنة غامرت..بسرعة اخرجت له تسبيقا ما ان تسلمه حتى غادر دون ان يسلم على البنت وكأنها ليست من صلبه..

لم تكن الصافية تكبرني الا ببضعة أشهر لكن عيونها التي تخترق الصدر باستغراب جعلتني اتعلق بها تعلق صبي بثدي أمه، كنت أجلس قبالتها وأظل سابحا في عيونها الكحيلة بأشفار ليلية ، أعماق بزرقة البحر، وخضرة كضفاف النهر؛ ألوان لم يسبق لي أن رأيت تمازجها في عيون غير عيون الصافية..

كنت مأخوذا بعيينها الى درجة الهوس، حتى أني صرت كثيرا ما اتملى عيون صديقاتي في المدرسة ثم اتملى عيون الصافية بعد العودة الى البيت. لامقارنة!!.. فعيون الصافية بحر لامع، هادر، يتماوج فيه الأزق بالأخضر، أكاد أسمع هدير موجه من بين أشفارها الليلية الطويلة..وهي تلعب معي كنت أكره أن اغلبها في لعبة بل افضل ان اتركها تغلبني، خصوصا اذا كانت المخاطرة بيننا قبلا على الخدين، فقد كنت أجد متعة وشفتاها على خدي تهتزان بقبلة، لا أحاول بزها الا اذا كانت المخاطرة قبلا على اليدين، فكم كان يلد لي أن اقبل يديها الرطبتين بأناملهما الطويلة الجميلة، وكأن الصافية أنثى مكتملة النضج والأنوثة، وكما سمعت أمي تسر لأبي يوما : طفلة مكمولة القد والنضج، فسبحان من خلق وصور..حرام أن تضيع بنت مثلها بين البيوتات !!..

لم تشعر الصافية بيننا ابدا أنها خادمة، فقد أحلتها أمي موضع بنتها التي كم تمنت أن يرزقها الله بها بعدي أو قبلي، و قد مكنها ذكاؤها من أن تلتقط طقوس بيتنا وعاداته، تتصرف في البيت كأنها صاحبته، أتقنت الطبخ، وتعلمت بسرعة من أمي تطريز المناديل والازر والوسائد.. وأصبحت اختي التي لم تلدها أمي، فكل مايقع بيننا ونحن نلعب هو من باب براءة الاخوة والأخوات، فالصافية قد صارت هي من يعتني بكي قمصاني، واعداد طعامي ومراقبتي بدقة قبل الخروج الى مدرستي، كانت كلماتها ورائي كنشيد يومي، تردده على مسامعي :

ـ "عندك توسخ حوائجك، عندك تخلي شي واحد يسبقك في الأجوبة والنقط ، اعرف نفسك من انت..؟"

وكان اول سؤال تطرحه علي عند العودة :

ـ "شحال جبتي اليوم !!"

كانت الصافية اختي الكبيرة الحريصة على تربيتي ومستواي التعلمي؛ تصير اكثر حرصا حين اخبرها ان عندنا امتحانا في مادة من المواد، فالصافية لن تنام ولا تتركني انام، تسال عن الصغيرة والكبيرة، وتطرح عشرات الأسئلة التي تحتم ان أرد عليها والتي لا يمكن ان تخطر على بال المعلم نفسه، والحق يقال انها كانت موسوعة أسئلة ومن تلك الأسئلة كونت معارفي وصرت الاول الذي لا يمكن ان يبزه احد..

ومن كثرة حرصها على ما استظهره عليها من دروس وتستمعه من قراءاتي وَمِمَّا تولده من أسئلة كلما اسمعتها قصة من مطالعاتي تعلمت الصافية أن تقرأ وتكتب وأن تصحح لي اخطائي عند استظهار او مراقبة واجباتي المدرسية..

كل من يرى الصافية وهي تنمو وقد زادتها المراهقة فتنة، يكبر ويهلل لما وهبها الله من قد ممشوق وجمال أخاذ، وما تعيشه من عناية وتشب عليه من تنشئة اصيلة.. حتى أن أمي كثيرا ما كانت تتخلف عن أكثر من دعوة او تلبيها بلا مصاحبة الصافية خوفا عليها من عين حاسدة لا تراقب الله في غيرها..

كل ذلك قد أثمر في الصافية حبا لنا، وفاء وثقة وتفان في العمل وحرص على تحقيق سعاتنا..فقد أدركت ما نكنه لها فآلت على نفسها أن تجازي بالحب حبا..وقد سمعت مرة ابي يقول لعمتي :

ـ والله لو ان الحاجة انزلت الصافية من بطنها لما احبتنا وعاملتنا كما تحبنا الصافية وتعاملنا..

كانت الصافية تكره أن تتكلم عن أبيها، اواليه تشير ولو عابرا، أما أمها فقد كانت تتشنج وتضغط على أسنانها ثم تشرع في البكاء كلما تواردت على خاطرها أو سألناها عنها.. وقد كانت امي تظن كل ذلك من تربية اليتم وتشدد الأب وغلظته، وقد اكتشفت ذلك فيه من أول يوم مما لاحظته من محاولة تخلصه من الصافية ومن تهرب الصافية من العودة معه..

جلست الصافية مرة بين يدي أمي لتمشط شعرها وتلف لها ظفيرتها كعادتها، وقد كان من طبيعتها أن تقبل يدي أمي عند الختام وتقول : شكرا خالتي العزيزة،..تعانق الصافية أمي ، ثم تقول :

ـ أنت لست خالتي، أنت أكثر وأحن من خالة، أنت أمي، هل تسمحين ان أناديك أمي وأنادي الحاج أبي ؟

تضمها أمي بين احضانها، تمسح دمعات تتسربل على خدها ثم تقول لها :

طبعا أنا أمك فانت هنا بنتنا ويشهد الله أني لا اميز بينك وبين ابني، ولاتوجد قوة قد تبعدك عنا..

لازلت اذكر فرحة الصافية بذلك من يومها لم تعد تناديني باسمي وانما بخيي العزيز، وصارت لا تتحرج من أبي في طلب أي شيء يمكن ان تطلبه بنت من أبيها..

اقبلت أمي ذات مساء بعد زيارة لخالتي المريضة، ظلت تطرق الباب لكن بلا رد..عدت من المدرسة لأجد أمي في قلق كبير على الصافية، أين هي ؟ هل نامت ؟ ليس من عادتها أن تنام مساء، هل خرجت ؟ لايمكن ؟فما تعودت أن تخرج بلا إذن..

دخلت من دار الجيران، ونفدت الى بيتنا عبر السطوح..ما أن نزلت الادراج حتى وجدت رأس الصافية على عتبة احدى الغرف ودمها قد صار سيولا وسط البيت.. ارتعبت، وشرعت اصيح وأبكي، بصعوبة استطعت الوصول الى الباب لأفتحه..

كان المشهد بشعا حقا، كيف ماتت الصافية، وماذا كانت تفعل حتى سقطت بتلك الطريقة على عتبة الغرفة؟

حين اقبل أبي أصر على استدعاء الشرطة بعد ان وجدنا خزانة امي مفتوحة وكل ما فيها من ذهب قد تم نهبه.. فالعملية اذن عملية نهب وسرقة نتج عنها قتل..

بعد تدقيق من الشرطة عرفنا ان أحدا قد طرق الباب ولما فتحت له الصافية هجم عليها فقتلها بعد لي عنقها ثم أسقطها عمدا بتلك الطريقة للتوهيم..

لم يخطر ببالنا ان يكون ابوها هو الزائر القاتل، فكلنا يعلم أن الصافية صارت لديه نسيا منسيا اذ يكتفي بزيارة متجر ابي ليتسلم شهرية الصافية وما يجود به ابي عليه من عطايا وهبات ثم يعود ادراجه من حيث اتى، وحدها والدتي قالت : ـ ان الصافية لن تفتح الباب لاي كان الا اذا كانت تعرفه، وقد تمسكت الشرطة بهذا الدليل لتكتشف في الأخير قاتل الصافية.

كانت الصافية تفكيرا مهيمنا يشغل اباها بخوف ليل نهار، فهو لن ينسى ان البنت قد شاهدت أمها وهي تسلم الروح بقبضة اختناق على عنقها، ثم وهي تهوي على الأرض فيتم شج راسها على عتبة البيت..

 اقبل والد الصافية يطرق بابنا بعد ترصده لعدة ايام للداخل والخارج من بيتنا، استغل خروج أمي فسار خلفها مقتفيا أثرها الى ان ابتعدت بمسافة ليست قصيرة، عاد مسرعا الى البيت الذي لم تكن فيه غير الصافية، طرق الباب عدة مرات ولم تفتح له الصافية الا بعد أن تأكدت منه، لكنها منعته من الدخول الى البيت بحجة ان اهله غائبون، وأمام إصراره ، دفعها بقوة الى الداخل ثم لحق بها وصفق الباب وراءه..

لقد كان هو قاتل الصافيه كما قتل أمها بنفس الطريقة التي قتل بها ابنته. التي كانت عليه شاهدة.

احد ضباط الشرطة اخبر ابي ان الصافية كان لابد ان تموت فقد كانت تهديدا يؤرق أباها بالليل والنهار، فهي قد رأت الأب وهو يقتل أمها، التي كان يشك فيها ويغار من كل عين تنظر اليها فالمرأة كانت صنما للفتنة تتحين أية غفلة من زوجها الذي كان لا يتركها تغيب لحظة عن عينيه لتفر مع احد شباب الدوار الذي كانت له بها علاقة حب قبل ان تتزوج كرها من والد الصافية؛ غادر الشاب القرية للدراسة في الخارج، وصار مخرجا سينيمائيا ما ان رآها بعد عودته حتى ازداد هياما بها، أرسل اليها أخته لتقترح عليها الفرار معه الى كندا، لكن الأب استطاع ان يكتشف اللعبة فقتل ام الصافية بلي عنقها وكانت الصافية طفلة صغيرة شاهدة على فعلته..

هكذا غابت الصافية عن بيتنا الذي تحول الى معزوفة صمت حزينة، آهات حرى ودمع سيال، وتبدى اثره كبيرا على تعلمي، فقد مرضت أمي حزنا على الصافية و ضعف حرصي على واجباتي المدرسية ونتائج امتحاناتي..لمدة تزيد عن السنة الى ان رأيتها مرة في أحلامي وهي تقبلني وتقول :" ان كنت اخي حقا وتحبني فلا تتأخر كما صرت بعدي"..

الى اليوم وبعد أزيد من عشرين عاما مازلت أذكر ان اختا لي رائعة الجمال، فاتنة، ماتت بعد أن وشمت اعماقي بعيون ليلية بعمق البحر..أتلوى حزنا لطريقة موتها، واني لأواصل ذكرها حتى آخر رمق من وجودي.. صارموت الصافية حدادا مؤثرا لا يغيب عن بيتنا، تبكيها والدتي بالليل والنهار، فأمي لم تفقد في الصافية بنتا سهرت على تربيتها وإنما فقدت فلذة كبد وبضعة منها وتمزيقة من حياتها..

مرة وبعد ثلاث سنوات من موت الصافية قال لها ابي مازحا :لو بقيت لتزوجتها

تبسمت والدتي من وراء دموعها وقالت:

للي فاتك خليه لأولادك، لا يهم، المهم ان تبقى.. نار فراق الصافية لن تنطفئ الا بموتي..

حقا عيون الصافية عيون لايمكن أن تنسى.. فلانراها الا في اشهار ات المجلات، او بعض ملكات الجمال الأفريقيات، عيون الصافية الخالق وحده قادر على ان يجعل البحر بصفاء زرقته يهدر من وراء رموشها الليلية، فجمال الصافية كان ادق من ريشة رسّام وجراحة إزميل نحات.

***

محمد الدرقاوي - المغرب

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5939 المصادف: 2022-12-09 00:43:47


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م