نصوص أدبية

كانت أمي تولّي نظرها إلى الفضاء البعيد الرحب وسط اكفهرار السماء في الخارج، عندما توجّهت إلى النملية القديمة خشتنا الصغيرة. تناولت وعاءً أسودَ قديمًا جلبه أبي من سوق الرابش في حيفا، في السنة الماضية حينما كنت في التاسعة. كان الوعاء معلّوًا بالغبار، نفضت الغبار عنه، وانطلقت خارجًا وكلمات أمي ترنّ في أذني: لا أعرف ماذا سأطبخ اليوم. هززت الوعاء بيدي وأنا مصمّم على أن أعود بصيد وفير، بأكلة فقع شهية، أو بأية أكلة بقلية تليق بذلك الجو الشتوي البارد. عندما قلت لنفسي هذا، خطر في بالي صديقي شريف ابن عمي المُهجّر، فتوجهت من فوري إلى مسكنه في أقصى القرية. ما ان اقتربت من هناك حتى وجدته يطلّ من عطفة الدرب المفضية إليه. ابتسم شريف: أهلًا سعيد. كنت في الطريق إليك. انتابني شعور طيب حافل بالأمل. ابتسمت، فسألني شريف عن سبب ابتسامتي، فرددت عليه قائلًا إنه سبب ابتسامتك ذاتها قبل قليل. ومضينا في الطريق المفضي إلى سهل ابن عامر الممتد قُبالة قريتنا.

ركضنا كثيرًا وتوقفنا قليلًا. وعندما شارفنا شجرة الخروب المشهورة في عُمق السهل توقفنا. قال شريف وهو يرسل نظرة آملة إلى السماء المتلبّدة بالغيوم:

- بعد قليل ستمطر..، وتابع وهو يهز وعاءه الأسود العتيق بيده الصغيرة: سأملأ طنجرة أمي بالفُقع.. اليوم سنأكل لحمتنا.. هيا نبحث عن الخير في أرض الله الواسعة.4460 فان جوخ

رفعت وعائي عاليًا وانطلقنا معًا نبحث عن الفقع. كنا نفتش بين الزروع عن كنوزنا المطمورة هناك، غير أننا لم نعثر على فُقعة واحدة. جُبنا رباع السهل طولًا وعرضًا، إلا أننا لم نعثر على ما بحثنا عنه. كنا نبحث ونبحث آملين أن نعثر على فُقعة مباركة تفتح لنا باب نظيراتها الرائعات، غير أن هذا لم يحدث. بقينا نبحث حتى ساعات الضحى المتقدّمة.. وعندما أوشكنا على اليأس، طلب مني شريف أن نرتاح قليلًا فجلسنا على حجرين ناتئين قرب الخروبة ذاتها. عندها أخذ الرذاذ بالتساقط رويدًا رويدا، ابترد الجو وابتدأت طيور الرزور بالتوافد أسرابًا أسرابًا، حتى ارتشمت سماء القرية بها. أطلق شريف ابتسامة العارف ورفع وعاءه نحو السماء:

- جاء الفرج.. بعد قليل ستُمطر زرزورًا.

ما ان نطق بهذه الكلمات، حتى شاهدنا الصيّاد منيب المصري، يوجّه جفته نحو السماء، لتمطر بالفعل هذه المرة زرزورًا مُباركًا، ركض شريف وركضت وراءه حيث شاهدنا عددًا من الزرازير يتساقط هناك بعيدًا عن صيّاد القرية الميميون، انحنى شريف كذلك انحنيت أنا بين الزروع .. انحنينا باتجاه الأرض وكل منّا يعبّر عن فرحه بالعثور على أحد الطيور المُصابة، وفي حين التقط هو طيره بصمت، أوشكت أنا أن أصرخ:

وجدت زرزورًا آخر.

وضع شريف وعاءه حيث وقف قريبًا مني، واندفع نحوي مكممًا فمي:

-تفضحناش.. إسه بسمعك المصري..

فهمت الرسالة بسرعة فانكمشت على وعائي مصمّمًا على أن أعود إلى خُشتنا وبيدي طبخة اليوم الشتوي العظيم. خلّصت فمي من يد شريف، ارتددت إلى الوراء وأنا اطمئنه أنني سأضبط لساني مهما جرى، فأنا أعرف بالضبط كما يعرف هو إن الصيّاد لن يسمح لنا بأخذ صيده حتى لو امتلأ السهل زرزورًا.

نظر كل منّا إلى الآخر بتواطؤ مُحب. وما ان بدا أننا اتفقنا تمام الاتفاق حتى سمعنا طلقًا يلعلع في سماء السهل، لينهال سرب كامل من الزرازير على الخروبة القريبة. أرسل كلٌ منا نظره إلى الخرّوبة كانت مزينة بالعشرات من الزرازير. وبدت كأنما هي أثمرت تلك الزرازير.. نسينا، أنا وشريف، نسينا نفسينا وطرنا باتجاه الخروبة، تسلّقناها غير عابئين لفروعها القاسية ولا لما خلّفته في جسدينا الغضين من جروح وخدوش، كنا نريد أن نصل إلى الزرازير في أطرافها.. في اعماقها وفي كل موضع تألقت فيه. واندفعنا باتجاه أعلى الشجرة، كنّا نعرف أن الخير هناك في الأعلى، وفجأة امتدت يد كل منا إلى زرزورة عالقة في قمة الشجرة. وامسك كل منا بطرف منها:

-هذه لي. هتف شريف فصرخت به: بل هذه لي.

وتصاعد الموقف الصعب بيننا.. هذه لي.. بل هذه لي انا.. وبين هذه لي وهذه لي.. اشتبكنا بالأيدي، لنجد أنفسنا وقد سقطنا من أعلى الخروبة، على الزروع الخضراء المخضلة بالمياه السمائية المباركة. لم تكن الوقعة صعبة، رفع كل منّا رأسه باتجاه الآخر. وهو يبحث عن خيره السماوي الوفير، لنرى الصياد يقهقه.. ويطلق صلياته النارية الغاضبة في سماء السهل. ما أن رأيناه في تلك الحالة من النشوة والغضب حتى فررنا كل في اتجاه..

***

قصة: ناجي ظاهر

.................

*من المجموعة القصصية "المصيبة الثانية". تصدر قريبا.

 

 

قالت له والدته:

- كل النخلات أثمرت إلا نخلتنا.

قال بنبرة من وجد نفسه محاصرا من كل فجّ:

- ربما هرمت وأصابها العجز.

كأنّ كلماته وقعت على رأسها وقع الصاعقة على راع أعزل.

قالت غاضبة:

- اغرب عن وجهي يا قليل الخير. أتقول عن نخلة جدّك أنّها هرمت ولا تستحي؟ وهي التي أنقذتك من الهلاك في زمن القحط والجوع.

- الدائم، الله في ملكه. كل مخلوق مآله الهرم والعجز والفناء.

- ونعم، بالله يا ابني.

هدأت جدته. هي هكذا منذ وعى على الدنيا. سريعة الغضب. لكنّها سريعة الهدوء أيضا. ليس من طبعها الشطط في الغضب. تارة تصوم عن الكلام حتى نعتقد أنها فقدت لسانها، ونسيت أبجديات الحديث. خطابها إشارات ونظرات وذكر فقط.

- ربّما نخل الشاطيء، ليس كنخل الصحراء؟

- النخل هو النخل. أينما غرسناه أثمر.

طالت نخلة الجدّ عمران. أطلت على الجيران والشارع الخلفي، والبحر. انحنى ظهرها كما انحنى ظهر جدّتي زهرة. مال رأسها ناحية البحر، كأنّها تسترقّ أسراره العجيبة. وكم للبحر من أسرار وأحاديث يشيب لها الولدان.

- نخلتنا، يا جدتي، أخجلها البحر. لم يشفع لها طول ولا جيرة.

- كلام الشعر لا يشفي غليلي. منذ تعلمت قرض البلاهات، وأنت بعيد عنا. صرت لا تعي ما تقول. أنت في واد ونحن في واد.أحدثك عن نخلة جدّك، فتحدّثني عن البحر. ما دخل البحر في ثمر النخل؟

انتفضت كعادتها عندما يصل رأس الألم إلى سويداء القلب. لقد نيّفت على التسعين. ذبل بصرها، ووهن سمعها. تروي لنا جدتي زهرة، أنّها كانت تسابق جدّي عمران في تسلّق النخلة. هي لا تعترف بالفرق بين الذكر والأنثى، إلا في أمور الشرع. والولادة والرضاعة والحيض ووو. لكن أن يفضلها زوجها في أمور الدنيا، فلا، وألف لا. إنّ المساواة عندها ليس فيمن يركب الآخر. إنّما في الحقوق والواجبات الفطرية.

لم تفقد نخلة الجدّ عمران اخضرارها ونضارة وجهها. امتدت عروقها حتى لامست البحر. وأسدلت ضفائرها حتى كادت أن ترتشف من وابل الموج.

قال لها، لعله يخفف من قلقها:

- أظن أن رطوبة البحر وأملاحه، وروائح طحالبه هي السبب.

- آه أيّها الشقيّ. أحدثك عن النخلة، فتحدثني عن البحر. ما قصتك مع البحر؟

- ليتها أنتجت لنا سمكا.

- كل هذا البحر لم يملأ عينيك. لولا أنّي أمك التي حملتك في بطنها، وبين يديها، وأرضعتك حتى الفطام، لقلت أنّك من سلالة الكلاب الضالة.

- أهاه، يا أماه، لم أقصد إغاظتك.

وقاطعته:

- أصبحت طويلا بلا جدوى.

لم يعد السرير يسع كل جسده. يحاول الانكماش. سواء تقلّب على ظهره أو بطنه، فالأمر سيّان. يطوي ساقيه إلى أسفل. يرفعهما إلى أعلى. لا جدوى. كأنه توأم النخلة. بدت على ظهره أمارات الانحناء. يدلف الدار مطأطأ الهامة، ويخرج منها كذلك.

ها قد بلغ عتبة الأربعين. التهم البحر زهرة شبابه. كره حياة البر. البحر هو هويته. وخطوته الأولى والأخيرة. شغلته طحالب البحر. ورث عشقها عن جدّه من أمه. كان صيّادا ماهرا، لا يهب الأمواج مهما علت أكنافها. مغامراته مع البحر، حديث رواد المقاهي من القاعدين والمتقاعدين والعجزة والتائهين وأهل الأرصفة.

قالت له والدته بفخر واعتزاز:

- في زمن جدّك عمران – طيّب الله ثراه – كان الفقراء لا يشترون السمك. يقصدون المرسى، أو يرسلون أبناءهم، بعد عودة مراكب الصيد، فيتسابق البحارة على منحهم نصيبهم من الصدقة، شكرا لله على نعمة السمك والسلامة. كان جدّك يتصدّق بالنصف

و يبيع النصف.

- رحم الله زمن جدّي. لقد جفّ البحر يا أماه.

- أبدا، يا بني، البحر هو البحر، لكن قلوب الناس جفّت.

- نقضي الليل كله، ولا نعود بحفنة سمك.

- لأنّ الأكف لم تعد مبسوطة يا بنيّ.

- ربما بسبب بالوعات المدن. رحل السمك بعيدا عن سواحلنا.

تنهدت والدته. أحجمت عن الكلام برهة، ثم رددت:

- لم يعد البحر يتحمل حماقات المجانين. البحر هو مرآتنا المصقولة.

منذ أشهر ستة لم يبحر مروان الميرو*. لم يرم شباكه. سكنتها والمراكب القطط والجرذان وملوحة الرطوبة. هناك في الميناء تلفي البحارة جالسين على الرصيف كالمتسكعين. وجوههم تلفحها شمس الظهيرة. تمتصها، تجعلها داكنة. يدخنون بلا توقف، ويضعون تحت شفاههم الشمة. وأحاديثهم لا تبتعد عن البحر قيد أنملة.

و يعود بها خيط الحديث إلى النخلة. لا شيء يشغلها هذه الأيام إلا هي. هل أصابها مرض ما؟ أم أتعبتها ملوحة البحر أم أصابتها عينه حسدا؟ أم عادت والبحر سيّان، وجهان لموجة واحدة؟

- ربّما البحر هو السبب.

- كأنّك تقول أنّ جدّك أخطأ المكان.

- عفوا يا أماه. وهل تّغرس إلا في منابتها النخل؟ لولا جمال البحر وسعة صدره، ما أينعت نخلة جدّنا عمران.

- أف منك، كلما حدثتك عن النخلة حدثتني عن البحر. وأنت تعلم أنّني لا أكره البحر. لكن نخلة جدّك أعزّ.

-2-

أمرته والدته بالسفر إلى واحات النخيل الجنوبية. هناك سيجد أناسا لهم خبرة في مداواة أمراض النخيل كالتفحم الكاذب وتعفن الطلع والبيوض وتعفن القمة النامية. لا يمكن ترك الحبل على الغارب. إهمال النخلة معناه خيانة أمانة جدّه عمران.

قالت له:

- لو كانت صحتي مثل الأمس ما توسلت لأحد.

- سمعا وطاعة يا أماه.

لما عاد مروان (الميرو) من سفرته تلك نام ليلتين متتاليتين دون أن يكلم أحدا. بدت سحنة وجهه داكنة اللون. بادرته والدته بحزمة من الأسئلة:

- هل جلبت الدواء؟ ماذا قالوا لك؟ هل وصفت لهم حالة النخلة بدقة؟ وهل، وهل، وهل؟

- أجل يا أماه.

- وماذا قالوا لك؟؟

- نخلتنا مصابة بمرض أعفان الجذور، أو مرض عفن البرعم القمي أي أصبحت مجنونة.

- أتقول على نخلة جدّك أنّها مجنونة، ولا تستحي؟

- قال لي أهل الواحات:

ـ أن النخل يصيبه الجنون مثل الانسان والحيوان.

- إلا نخلة جدّك. لو كانت كما قيل لك لماتت منذ زمن. مرت عليها العواصف وسيول الفيضان. وجلب لها بحرك - الذي تحبه حتى القداسة – المصائب من زبالة الكفار، ولمّا تزل واقفة، يانعة، خضراء، جدائلها تغيظ الحساد، لا ينقصها سوى الثمار.

كاد أن يقول لها:

- ما الفائدة من جواد بلا قوائم؟

لكنّه أشفق عليها. قمع تلك الحماقة التي لا جدوى منها.

- لا، لا، نخلتنا أصابتها عين حمراء. دع الأمر لي.

وأبصر والدته، بعد فراغها من صلاة العصر، تطوف حول النخلة، وفي يدها مبخرة، فيها ملح على جمرات، وهي تردد تعويذات لم يتبيّن كنهها.

و لاحت لمروان (الميرو) فكرة قد تزيل عن والدته هذا الهم الذي ألمّ بها، وسكن قلبها. تردد مرات ومرات. كان كلما وصلت الكلمات إلى حافة الجهر، أجهضها إحساس مرّ وتوجس من ردّ فعلها وغضبها. هو يعلم أنّ روحها معلقة بروح النخلة.

لقد روت له عنها أخبارها أول بأول. لم تمل، ولم تتعب يوما. كان تمرها لا يضاهى. وكان والده -رحمة الله عليه وعلى الشهداء جميعا – يقول، أنّ مقامها عنده كمقام وليّ صالح. تختزن بين جوانحها عطر الأجداد والآباء الذين أذاقوا القراصنة والغزاة مرارة الذل. وكم كانت عونا لهم على ترقب مراكب الصيادين عند منتصف الليل، أو عند بزوغ الفجر.

سُقِط بين يديه. البحر من أمامه، والنخلة من ورائه. لا تمر ولا سمك. هل حلّ زمن القحط؟ ها هي أمه معلقة من عرقوبها. لا هم لها سوى نخلة الدار. أحس بأنها تذبل بذبولها اتصل دمها بنسغها. وآهاتها بوشوشة سعفها.

و لاحت له فكرة، لعلها تريح والدته، وتزيح عن صدرها هذه الصخرة التي حبست أنفاسها وأرّقتها الليالي الطوال.

- ماذا لو نقطع النخلة، ونغرس مكانها فسيلة جديدة؟

لكن والدته انتفضت، وزعقت في وجهه:

- أتقطع نخلة جدك عمران؟ تقولها بلا حشمة يا رأس البغل.

- هذه النخلة ميئوس منها يا أماه.

- اغرب عن وجهي. اذهب إلى بحرك ودع نخلتي. لا شأن لك بها.

وانفرط العقد بينهما. امتلأت الأيام حزنا وأرقا. الأم معلقة الكبد بالنخلة، كأنها تنتظر معجزة سماوية أو عبقرية أرضية تشفيها من دائها، وتنقذها من الهلاك. أما مروان (الميرو) فقد تاه عقله بين زرقة البحر وأمواجه وروائح طحالبه ونسائمه ومعاناة والدته المعذبة.

( تمـــت)

***

قصة قصيرة:

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر

........................

* الميرو: نوع من السمك، يعيش في الأعماق، بين الصخور.

لأني ارتشفت السنين العجاف

أطاوع صوت الزمان البعيد

*

وإنّي بشرنقتي أستميت

أحوك المنايا بصمت الحجر

*

وبتُّ من الصبر تلفحني

رياح السموم وقذع الضمير

*

سنينا تأكل أيامها

كطاحونة تستبيح القدر

*

أعد الحصى وأهدم رملا

بنته لغدري رياح السراب

*

وأغفو ولست بغافية

فتلك العيون غشاها الكدر

*

أتحسب إنك نلت المعالي

وطلت بغدرك كل النجوم

*

لبابل برج بناه بغيّ

يباهي ببغيه عنان السماء

*

بعوضا إذا ما أراد الرؤوف

يراود جفنا كصنو الحجر

*

أنا من تركت بروحي ندوبا

وجرحا عميقا بعيد الاثر

*

وتفخر إنك تزرع شوكا

ستحصده بؤسا وهما وقهر

*

سأطلق سراح كل الطيور

وأرسم بظلي فيافي الزهر

*

أنا من بنيت لنفسي قلاعا

يقاضيني فيها صوت الضمير

*

نقاءا ردائي وثوبي العفاف

وراياتي بيضا كلون الفجر

*

أنا إن حاصرتني جميع الخطوب

أؤوب الى الله رب البشر

***

مريم لطفي

 

أنا من بلادٍ قُدّسَتْ فيها

إلاهات

بلا رُسُلٍ

بأذرُعِهنَّ وشمُ الحبّ لا التقوىٰ

يُصلّي في معابدهنَّ مثلي

ناسكٌ مشتاق

يبعثنَ من عليائهنّ الوحيَ آهاتٍ

ويهمسنَ الهوىٰ

شُهُباً بعينِ مُسبّحٍ أو ساهرِ

يرمينَ في ضوءِ النجومِ رسالةً

إنّا بَسَطنا الليلَ للعشّاقْ

في معبدي الورديِّ

هُنّ شعائري

عشتارُ..

إينانا ..

وأنتِ ..

بحجركِ المَبسوطِ لي

أسلمتُ منقاداً

وصِغتُ مشاعري

قيداً ..

من الوَلعِ المُقدّسِ كي أرىٰ

فيكِ الإلٰهةَ

أنزَلَتْ تعويذَةَ الأشواقْ

فبأيِّ آلاءٍ أتيتِ لأهتَدي

أو أقتدي

وأرىٰ الثمالةَ في شفاهِكِ

من سماتِ الغافرِ

آمنتُ أنّكَ آيَةٌ

تنهىٰ ..

تُحرّمُ ..

أو تُبيحُ الحبَّ ..

تقرأُ ما يُخَبّئُ خاطري

أشهَرتُ فيكِ تصوّفي

وتَجرّدي

من كلّ مَعشوقٍ سواكْ

ألبَسْتُ إحساسي رداءَكِ

بينَ آلهةِ الهوىٰ

مُتَهجّداً

أتلو انصِهاري فيكِ قُدّاساً

وأعبُرُ إن ترامَتْ بيننا الآفاقْ

***

عادل الحنظل

بدمهِ الأَزرقِ

البحرُ يكتبُ:

سُفناً عتيقة

وزوارقَ صدئة

ومراكبَ بلا أَشرعةٍ

ولذا فهيَ تغرقُ

شهقةً شهقةً

وصيحةً صيحةً

ودمعة ً دمعةً

وأمواجَ دمٍ

ومطرٍ ونزيفْ

وهناااااااكَ…

النوارسُ المرعوبة

تُبْصِرُ حشوداً من الغرقى

والجثثِ الطافيةِ

والاطفالِ المرميينَ

على وجوهِهم

فوقَ الرملِ الساخنْ

او تحتَ الطينِ الخائنْ

وقدْ تنهشُها الكلابُ

والذئابُ

وغربانُ الجيفِ السودْ

*

الغرقى دائماً يهبطونَ

الى عالمٍ سفلي

حيثُ تنتظرُهم

في الكهوفِ والمغارات

وفي غياباتِ الغامضِ والمجهول ،

تنتظرُهم ولائمُ الحيتانِ والكواسجِ الحمقاءْ

او تكونُ بإنتظارِهم

قيامةُ الغيابِ

والمحوِ والفناااءْ .

*

يااااااااااااااااهْ

يا لهولِ ما شافوهْ

ويا لحزنِ ما عانوهْ

من مخاوفَ

وفجائعَ

ووحوشٍ

تُريدُ إلتهامَهم

بلا أسفٍ

وبلا ندمٍ

وبلا رحمةٍ

لا من ربٍّ

ولا من أنبياءٍ

ولا من رُسلٍ وملائكةٍ

ولا منْ ايِّ أحدْ

***

سعد جاسم

2022 - 9 - 25

 

هاذي حُقوقٌ لنا، مَكْفولَةٌ أبَدا

بِشِرْعَةٍ بَيْنَنَا، قدْ نٌصِّبَتْ حَكَمَا

الناسٌ فيها سَوَا، لافرْقَ بَيْنَهُمُ

قَيْسٌ كَلَيْلَى، وَعٌرْبٌ سَاوَتِ الْعَجَمَا

فَلا تَقلْ ذا حَرامٌ مُنْكَرٌ، وَكَفَى

لَقَدْ أطَلْتمْ جِدَالا أَضْجرَ الْأُمَمَا

كَيْفَ التَّعالي على مَنْ فاقَ ثُمَّ سَمَا

كذا يَقولُ قَبيلٌ لَيتَهٌ كتَمَا

وما سٌمٌوًّا أَرَى، بَلْ قَهْقَرَى، عَجَبَا

حُرِّيَّةٌ في الْخَنا أَوْ نَقْضِ مَا حٌسِمَا

وَالْحَقٌّ ما لَمْ يٌجاوِزْ عٌرْفَهٌمْ فَعَسَى

وَانْظٌرْ، أَجِلْ بَصَرَا، أَيْنَ الذِي ظَلَما

وَمَنْ عَلا كُلَّ شِلْوٍ، وَارْتَقَى صُعُدَا

بِهِ فَيا مَرْحَبَا، مَا اسْتأْصَلَ الْكُرَمَا

وَبِاللِّئَامِ احْتَفَى، أَعْوانِهِ الْحٌلَفَا

فدونَكُمْ يَمَنٌ وَالشَّامٌ يا رٌحَما

وَآخَرينَ خذَلْتٌمْ في بِكينَ فَمَا

مِنْ ناصِرٍ لهُمُ ، يا وَيحَكمْ أُمَمَا

وَاذْكُرْ مَعي حَرَمَا، أَرْضًا وَأَهْلَ فِدَا

قَتْلٌ وَتَشْريدُ أَحْرارٍ هُمُ الْعُظَمَا

فِي بُورَمَا حُرِّقوا- آهٍ لَهُمْ- زُمَرَا

يَا مَجْلسٌ إِنكٌمْ لا تَحْقِنونَ دَما

***

محمد العربي حمودان

..................

* إعتبرت منظمة الأمم المتحدة -منذ نشأتها- حقوق الإنسان أحد مقاصدها الرئيسية، وأن الحفاظ على هذه الحقوق والحريات هو حفاظ على السلم والأمن الدوليين، ومن ثم فلا مجال للحديث عن المجال المحفوظ للدول ، عندما يتعلق الأمر بالإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحرياته، ولا جدوى من التمترس خلف الخصوصيات الوطنية ، إنما هي فقط لأمر يراد!....ولكن لسان الحال يناقض هذا الذي يٌثَرْثَرُ به، و يُقال.

 

ماذا كان يحدث لو أنها منحت القليل من صبرها؟ كنت أريد أن أشاركها حزنها. ولو استطعت أخذه عنها، أحمله فوق ظهري كما تحملت الشقاء في أوقات ٍ سالفة. كنت أريد أن أستبدل حزنها مسرة ً وبهجة ً. لم يغوني وجهها الحلو، الحزن أشد إغراء ً من الزهور حين ينساب برقة الدمع من عينين يشع فيهما الكحل كالليل في مرآة القمر. الحزن على وجه ٍ جميل ٍ يسرق القلب حتى يكاد ينخلع معه، ينفرط كحبات الدمع. هو القلب ليس سوى بركة ٍ من دموع. كنت أود أن نسافر معا ً هي وأنا في مركبة تقودنا نحو النجوم. قطار يأخذنا معه إلى مدن يختلط فيها الحلم بالواقع والحقيقة بالخيال ولا نعود نحن كما كنا من قبل. هي إبتعدت كذلك أنا فعلت. أخذت معها النهر وتركت لي حرية السباحة في نهر ٍ من كلمات. أخذت حقيقتها ولم تترك لي غير صورتها تلمع كالسراب في ذاكرة الصحراء. يقسو علي َّ طيفها حين أجلس قرب النبع ومعي صوتها. لا ذكرى لي معها سوى هذا الهواء المقطّر من صوتها.

كم تبدو المواعيد بهيجة ً إلى قلب العاشق ؟ لا مواعيد لي معها ولو سرية ً كأني كنت أتطفل على قلبها ! الجرح في القلب أم هي القصيدة ترينا الحب على شكل طفل ٍ تهفو له الأفئدة ؟ الكلمات تخترع لشاعرها امرأة ً تولد من قصيدة. كأن السراب سال وأغرى الحنين ليشق الطريق إلى الذاكرة. كأنما الأحلام تتسرب خائفة ً منا أو علينا لم نجد سوى الذكريات مشفقة ً بنا. نسيت مكاني ومكانتي منها وتكلمت مع صورتها  بلغة ٍ ضبابية ٍ لم يفهمها سوانا هي وأنا. ليت البنفسج وهو يسرق رقته من جمالها وتلك الهشاشة في صوتها يقتسم معي الذكرى بها. غامض كالبنفسج حبها. وكالبنفسج لا يمكث طويلا ً لكنه يجلس مبجلا ً كصخرة ٍ في طريق ٍ بين الحياة والموت.

***

علوان حسين

كنتُ أسيرُ  بقلبٍ مفتوحٍ،

والعالمُ مُغلقْ

تتقاذفني حيْرةُ أيّامي

وأنا بحِبالِ المجهولِ معلّقْ

كانتْ بوصلتي،

تَسخَرُ مِنْ أخيلتي،

أعرف أنّي

كنتُ أنا

مَنْ أشرعَ أبوابَ القلبِ،

و لكِنّي

لا أعرفُ مَنْ أغلقَ أبوابَ العالمِ،

هل أغلقها مخلوقٌ

أجهَلُهُ

أمْ ريحٌ عمياءْ؟

في غَمْرَةِ شكّي

قادتني الأقدامُ إليكِ

ما عدتُ أرى شيئاً

إلاّ  بابَكِ

أطرقهُ

لا أحدٌ يفتحهُ

وأعاودُ طرقي

لا أحدٌ يسألُ مَنْ يَطرقُ

هل ضيّعتِ المِفتاحَ فغِبتِ

أين ذهبتِ

هَلْ تبقى بابُكِ مُوصدةً

هَلْ تبقى أبوابُ العالم مغلقةً

مَنْ يفتحها؟

ومتى تفتحُ؟

خلّي دربَكِ يعشقُ دربي

وتعاليْ قربي

وجهكِ لي أحلى مرآةْ

وجهكِ لي أبوابُ حياةْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

سعادة المنتش،

بلقب يزول،

وكرسي يتداعى،

كل استقواء،

كل ظلم،

كل احساس بشدة الجدران،

أتحملني

مسؤولية لا قبل لي بها،

كان أولها عندي،

وآخرها عندك، الآن،

بعدما أعلنت الاستسلام؟

قل ما شئت،

بأفضل عبارات الاستبداد:

فأنا المستشفى،

وأنا الطبيب...

أنا الدواء،

وأنا الاسعاف...

أنا الألم،

وأنا التخدير...

أنا الانعاش،

وأنا الخزينة...

أنا الفقر،

وأنا الرفاه...

في قوانين البحار،

وفي دساتير السواحل

ومواثيق المحيطات،

يقال أن هناك غموض

حتى وسط النهار،

وأثناء اشتداد ضياء الشمس،

فحملني أي مسؤولية شئت،

أنت الرابض في قلب قبيلتي،

وأشجار لوزي  صامدة،

تدون على أوراقها

كل بنود القهر،

بخط الخريف....

وأعراف محلية،

وقعها أجدادي، تقول:

لا لا!

قد أخطأت أيها المنتش...

أخطأت ولكن غاب السند،

وهان الجمع،

وتفرق...

وهذه الجبال تنادي،

يا حفيد الأحرار انبعث

من رمادك وردد،

أناشيد العمال والعطشى...

فلا قهر يخفيك،

ولا تجبر يسقطك...

أيها المنتش بكرسي زائل،

هل استفزك صوت حق،

أشار إلى ظلم

كان من ذوي قربى؟

فيا حروفا من حرية

انفجري،

واكتبي أشعارا للغد،

لعلها تصير أعرافا،

تبيد كل بنود الجور

والطغيان...

فيا محاكم الأدب

وردهات الشعر،

افتحي أبوابك الآن،

وحاكمي هذا المنتش،

بقصائد من جرح طويل،

فيها بيان ونضال...

فيها شرط وتوكيد،

نفي ونهي،

تقديم وتأخير،

استفهام وتمني...

ففي محاكم الشعراء،

ينتصر الحرف،

وتقوى الكلمات.

يشتد الوزن،

وتتكاثف العبارات.

يقسو المعنى،

وتلين الحكايات.

يتعدد التأويل،

وتتجدد القراءات...

***

حمزة الشافعي

أفانور (تنغير-المغرب)

 

في أيام العزوبية ومجدها، كنت أرتاد حانة على ضفاف نهر الماس، في مدينة روتردام، هرباً من السأم والوحدة وروتين العمل المضني، على مدار الإسبوع.

وكان أغلب رواد هذا المكان من العوانس والمطلقات والمحرومات عاطفياً وجسدياً، أو من قليلات الحظ، اللواتي لم يفلحن بإيجاد شريك حياة مناسب.

فكانت هذه الحانة هبة من السماء وملاذاً لهن وللرجال على شاكلتهن، يدخلون اليها فرادى ويخرجون منها، مثنى وثلاث ورباع ونادراً ما يصيب أحدهم سوء الحظ، فيغادر خالي الوفاض، كسير القلب والخاطر.

كنت أتخذ لي مقعداً ثابتاً أمام البار، من ساعة دخولي وحتى نهاية السهرة، بعيداً عن مكان الرقص المكتظ بالأجساد المتعرقة تحت الأضواء والمصابيح المتوهجة، التي تومض وتدور وتتكسر على وجوه الراقصين واجسادهم، صحبة موسيقى وأغاني صاخبة.

ولكوني لا أحب هذا النوع من الموسيقى والرقص والغناء، ولست ممن يبادر في التقرب من الآخرين، أصبح حظي بالتعرف على النساء ضئيلاً، فكنت أدخل وحيداً وأخرج وحيداً، ولم يكن هذا الأمر يقلقني او يزعجني كثيراً، فقد كان لي عالمي الخاص في التأمل والإستمتاع بتفاصيل صغيرة، قد لايفهمها غيري من الحاضرين.

في ليلة من تلك الليالي وبينما كنت جالساً في المحل الذي لا اتزحزح منه، أحتسي شرابي بهدوء، تقدمت ثلاث فتيات يحير المرء في معرفة من هي الأجمل، وقفن بأجسادهن الممشوقة وتنوراتهن القصيرة أمام البار وطلبن كوكتيلات شراب متنوعة ورحن يترشفن من الكؤوس بقصبات رشيقة ملونة.

لم أكن الوحيد الذي تمنى أن يكون قصبة بين تلك الشفاه الندية، فقد ظل هانس النادل فاغراً فاه وهو يصب الشراب في الكؤوس وتعثر هنري أثناء جمع القناني، وتقاطر البائسون و المفلسون وراحوا يطلبون الشراب الغالي، لعلهم يحظون بإبتسامة أو إلتفاتة من هذه الساحرات.

بعد مضي ساعة إنفض المتطفلون والبائسون من حولهن وذهبوا الى شؤونهم وعاد بعضهم الى مسرح الرقص، بعد أن يئسووا تماماً من إستمالة هؤلاء الجميلات ولفت إنتباههن.

إلتفتت إحداهن الى الجهة التي كنت أجلس فيها، فتوقفت عن رشف شرابها لبرهة وربتت على كتفي صاحبتيها وهمست لهن بشيء،

تطلعن ثلاثتهن نحوي ووضعت أرشقهن، كفها على فمها وصاحت: واااو ..

إلتفتُ خلفي فلم أجد أحداً سوى الجدار، يا إلهي هل أنا المقصود بهذه الرشقات المميتة من الإهداب القاتلة؟!

تطلعت بكأسي التي مازالت عامرة، أحصيت في داخلي عدد الكؤوس التي شربتها، فوجدتها لم تصل بعد الى إدخالي في اخيلة السُكر والرؤيا الغائمة، إذاً أنا مازلت في صحوي ونظرات الحسان هذه تعنيني أنا وليس أحداً غيري!

أصابني الإرباك ولم أعد أعرف ماذا أفعل، شربت كأسي دفعة واحدة، ثم سرت خطوتين نحو البار لطلب كأس أخرى، فدنت مني الفتاة التي صاحت واااوو، تبسمت لي وقالت: هلووو

دارت بي الأرض والبار والطاولات والكراسي، قبل أن أجيبها: هلوووو

هل أنت إيطالي؟!

لا، أنا عراقي..

هل تعرف من تشبه أنت؟

لا والله ياعزيزتي لا ادري من أشبه أنا !

إلتفتت الى صويحباتها وقالت: اليس يشبهه تماماً؟َ

رددن بصوت واحد، أجل هو بعينه..

دارت بي الأرض والطاولات والكراسي مرة أخرى ولكن بسرعة أكبر، فقد خشيت أن يكون سوء حظي قد أوحى لهن شبهي بقاتل مطلوب او نشال أو مغتصب عجائز من أولئك الذين تلصق صورهم على الجدران واعمدة الكهرباء، أو تتصدر الصفحات الاولى من الجرائد والصحف في ذلك الآوان.

كيف لا تعرف بأنك تشبهه؟

أشبه من؟ قولي بحق السماء..

غمزتني بعينها اليسرى وقالت:

ومن غيره؟ روبرت دي نيرو، ألم يخبرك أحد بذلك ؟، يا إلهي نفس الشامة والعيون والشعر، آآه انت وسيم مثله، ضحكت ثم حضنتني بلا إستئذان وطبعت قبلة على خدي..

دارت بي الأرض والكراسي والطاولات ولكن هذه المرة درواناً لذيذاً، فقد اسكرني عطرها وشفاهها وغنجها وكلها..

قضينا السهرة متلاصقين، تفرغ كؤوسنا ثم تمتليء، ثم تفرغ ثم تمتليء، نقرعها بصحتي وصحة روبرت دي نيرو، عشت لحظات من تلك التي يحياها مشاهير هوليود وحصدت في ليلة العمر تلك، الف أوسكار من الضم والشمِ والقُبل..

***

علي صالح جيكور

قبل ذهاب الفتى الى البساتين

حاملا الدفتر المدرسي

و دهشة الرؤيا

صار المكان القصي المشتهى

ملاذا لفتيان الضواحي

ربما نسيت إمرأة النور

معطفها الرمادي وذاكرة التجلي

حين باغت لصوص المدينة

آخر ما تبقى من كيان عتيق تداعى

و نامت على شرفاته طيور الشمال

لم تكن ورقات الفتى مكتوبة بالحبر الذهبي

بل كتبتها اصابع الولد الآتي من بعيد

هنا ذاكرة الروح

نوافذ الضوء المتناثر في الأعالي

اقوام تبحث عن الذوات في الشتات

في المدن العتيقة تباغتنا الأصوات

وآهات أولاد الشوارع

كم من زقاق ضاعت فيها الخطى

وصار الصوت بعيدا عن الأسوار

للنشيد الذي تطلقه الحناجر

مباهج واقواس

كلام ذهبي لا يهاب الرياح

فتيان الضواحي يرفعون اللافتات

قبيل مرور الكرنفال

سريعا تمر القوافل

ولا أحد يقرا البيان العنيد:

منفتح جسد الفتى على كل الجهات

مرتبك شيخ القبيلة

مقتصد سيد البلاد في الكلام

للمدن التي باغتها الخراب طقوس

وحكايا

لم تكن في الأقاصي رياح لواقح

كان المكان المشتهى فاتحا ذراعيه

للعابرين

كثير من الأوسمة على الطاولة

والأقنعة سيدة المشهد

لفتيان الضواحي طقوس ومباهج

واخضرار الروح حين تلمس الأصابع

ورقات الإنكسار

هنا كانوا يلعنون السراب

والحريق الذاهب إلى الأقاصي

تنامى في الفيافي

وصارت ذاكرة الأقاليم شظايا

الواهمون هنا

والمخادعون في الضفة الأخرى

لم تكن ورقات العابرين

هي البوصلة

بل صيحات الخارجين من النفق

وصايا الأمهات الشاحبات

مرايا القرى المنسية

حكايا الأجداد للاحفاد

للنشيد منعطفات وحبر ذهبي

للامكنة القصية عشاق قدامى

للبيوت المتاخمة للجسر العتيق

نساء حالمات

أولاد لا يخافون من النفق الطويل

رجال لا يعرفون الأوسمة

و القناع

في الساحات ترفع الرايات قبل الغروب

بعيدا عن ورق الانكسار

قريباً من بهاء السؤال:

لماذا صرنا فرادى بعد أن كنا جماعات

نتباهى باخضرار الروح

وانفتاح المكان القصي على الذاكرة...؟

***

البشير عبيد

تونس - 28 اكتوبر 2022

 

تتواعد في الدّلالةِ

صنعةُ قديمةُ

كيف لي أن اثق بالرّواق

المبتسم؟

كيف لي أن أتبع شذاك؟

لا تحملني بلا عودةٍ

كاد هوانُ الرّجوع أن يجرفَ ذلك الصّلب فيك

عاندوك بالرّتابةِ الهالكة ذارفةً سَيلها بين الأتربةِ

مع التّرابِ رفقًا بالطّحالب والنّحاسٍ

أقفلوا روافدَ الصّحن الحجريّ بالصِّفر في السّجال

ثرثرة الأماسي اِستحالت هُراءً

يَعبرُ السّكون السّخيّ

اُعبر فوق أوديةٍ من الخمول، حوٍّلها لحفلٍ ولا تهتمّ .

تحت نبوغِها تقبع هامةٌ للأشرعة في النّافورة.

ربّما جلسات تقيم بها مِنفضةً

*

ها هي تحوّلُ البيادقَ لقناع

وزينةٍ

رونقنا الباهِت أوسمة للأحلام

و كبريتٌ عسليّ يلطم الأوهامَ

مِخبري يقتنص للآلة فرصةَ قولٍ منمّقٍ .

كيف يمضي هذا بهدوءٍ؟

والغبار يحشِدُ أتعابي المنظِّرة لسُلَيْكٍ بمِحوَرَيْ تناظرٍ،

للنّسق والمقدّمات الخاطفة .

حاوِل وتماسَكْ. أيّ تمالكٍ يَبنيك سُلّمًا؟

تمالك نفوذك الرّاوي لسطورك بين جنبات مقاعدٍ رماديّةٍ.

طلبكَ أسود في عُلبةٍ

لمقالٍ بين الكمان وملاعقٍ للممحاة الهزليّة .

أين شرّدوني أسماءً تتلاعب بأمصار العشب والمتاعب

كَومة طلباتٍ فذّةٍ في كِيسٍ تَثقبه أركانُ وَرقٍ بنّي

حقًّا لا أمتلك قارورةً من خزفٍ أعلّقها على الجدار

وتملك الدّموع من عبورٍ جارحٍ مطارًا للتّحليقِ .

للممرّات صراعان وفود وزحام

لَيتَهُما شجون في المجلس

وما تنفُذُ مصادحٌ دون النّفع

صياح وشُرفة تضمحلّ

بين ثغراتٍ للضّوء المنفلت

تصمُدُ النّقوش على دفترٍ يرجو التّعليق وقلم الجفاف

هل لصراحتك مدارك مزدحمة؟

للبساط معادن كزيتون كانون

تمخّض مرتميًا على البلاط

أسلاك صوفِ تغطّيه

ملابسَة بين الأكوام

أهدرها إهمال الزّقاق

ما يعنينا إطلاقا من كلّ متروك محظور

الخطف السّقيم بالدّواعي للسّقوط؟

اِنتمى واِنتحل سهام الأقنعة الشّفافة

اِنتشل أيَّ فعلٍ لهذا النَّفر في القضاء

بين ألواح أيّة دوّامةٍ للفضاء

هذا السّاخر يجوبُ خُسرانَ ملاهٍ

تتوهُ بالمقاهي الفاتحة ثغرَها الشّاكي

لكؤوس تملأها قحطًا بقايا التّبغ المأجور بالصّفح

اِحمل شعاركَ الحالمَ إلى مصنعٍ قرمزيّ

بُرج يكاد يَلفحني باللّمحة الجاثمة بالدّوران غيظًا

قُرب أرصفةٍ تنحلّ بالقوارير وذكرى فوهةٍ ملعونة

أجرام قنص للتّعب تفقدك الشّغف العتيق

أيّامَ لفتةٍ لِلجار المُحتار، تخادعكَ الأبعادُ

اُترك زيتَكَ بين الدّفاتر .

تابِعْ مُضيَّ العريضةِ بين أعمدة وآنية

مؤاخذة الجِدار على فَجوته

وغُبارِه

وحُروفِه بين الأرصفةِ

أذاعوا خبرًا على حافيةٍ ترمي ما اِرتابني من فروعٍ

مهرولةٍ نحو منابر التعقيب الباكي أسهم الجمر

الرّماد المسكون بالشّرفة يرتاد كُثباناً

*

كيف لامتدادهِ علوٌّ على محطّة

بقِيادة الزّفير المتعالي

في أعيادٍ متلاطمةٍ

ربّما تماثُلٌ في محامل الأرجوانِ

أوشكت اللّاصقة لحملة البوادي

شَدوُ جُمَلٍ منقوصةٍ

لِلقلم المتهاوي أثرٌ لِلحبر المنتهي أَرَقًا

من المرجّح أن اخطَّها كتابةً

تخالفك طرح السّواقي المهدورة

تبعث فحواها مولويّةً راقصةً للحروف بالقبّعة

قافزةً على شبكةِ الضّمادةِ الأعجوبةِ

***

إمضاء سامية سالم الجيلاني رمّان  

ريح تلعب

بالعواطف

ريح صفراء تعاضد

الدود الجرذان

وشباك العنكبوت

هي ريح تمزق

الإلفة الخضراء

وجدران اليقين

وريح ريح ثانية

من رؤى النخل

من الشفق الازرق

وقوس قزح

الصباح

ترتدي رداء

الامل الاخضر

والحكمة البيضاء

وغزلان غزلان حزينة

قرب سياج

حقل اجرد

وهدهد هدهد

مطارد بريشه الجميل

ينزف دما

وعيناه الجميلتان

تذرفان مر

الدموع

***

سالم الياس مدالو

بداية الحكايةِ،

خَلْفَ جدار الأَضْلُعِ

تراقصتْ دقّاتُ قلبٍ عاشقٍ...

…قَبْلَ المطرْ…

فأَنْبَتَتْ سنابلَ مِن دهشةٍ...

ودَغْدَغَتْ أناملَ الأصابعِ...

تَسْتَيْقِظُ  الأَكُفَّ،

عند وقعِ حَبّاتِ المطرْ…

لِتَكْنسَ الخَريفَ

مِنْ تَمَلْمُلِ المَضاجِعِ...

وَجَدْتُني...

تَحْتَ المطرْ...

أَمْضِي إلَيَّ / أَو مَعِي

وكانت الحُروفُ قَطْرًا باهِتًا...

تَرَقْرَقَتْ، لِتَهْطِلَ...

كالنَّبْضِ في الشِّريانِ،

إذْ يَحْكي انْهِمارَ الأَدْمُعِ !

***

د. المنتصر العامري

 

 

من الشعر السرياني

شعر وترجمة: نزار حنا الديراني

***

عشرات السنين ...

وأنا أصنع من جبيني جسرا

للطائرات ....

والدبابات ...

وأجر برموش عيني ذكريات طفولتي

وقساوة الزمان

وأصنع من صدري موضعا

أدفئ فيه أيادي الطفاة ...

ورصاصات الأعداء

وأنا مطرود من بيتي ووطني

ولكن ! كلما كانوا يطردوني من الباب

كنت!! أتسلق أشعة الشمس لأتسلل من الشباك

وكلما ! كانوا يجردوني من وطنيتي

كنت أجبل قريتي بلعابي وأخفيها في داخلي

لتصنع منها حنجرتي مزمارا

يطبع على أوجه أولادي خريطة سفري

وأنا أتنقل من القرية الى المدينة

ومن الشرق الى الغرب ...

وكلما كان الشتاء يحل

كنت أعصر عيون الصبيات

لأزيل من الارض الجليد

ليخضر قلبي في أيام الجوع

وحينما يحل الصيف !!!

كانت قطرات دمي تؤجر دفئها

للرصاصات

علها تشل من حركة أقدامي عند الهروب

عشرات السنين ...

وهم ينزعوني من وطني

وأنا أزاوج الربيع

ليكتمل سر القربان المقدس

في أعين الصغيرات

وكلما كنت أجد رجلاي تتدحرج

كنت أصنع من قلقي عسلا

على شفاه الأطفال

عشرات السنين ...

وأنا مطرود من وطني بلا جنح

سوى الحب

أنتقل من مكان لآخر

وحين عجزت البحار من قئ الجثث

أرسلت وطني بدلا عني للسفر

لتسفك كبرياء عيناي

وتسقي بلاد الغرب

بالنفط ...

والدم ....

وعرق الجبين ...

***

23/1/2016

ديرابون – زاخو - العراق

 

(إلى الصديق الكاتب ع. ع. بمناسبة عيد ميلاده)

غداً، تحتفلُ بعيد ميلادكَ الخمسين. تذرف دمعةً لتُطفئ شمعةً. تغمض عينيْكَ النديَّتيْن عن عَتَمَة السنوات المحتضرة، وتتطلَّع من جديد إلى مَشرِق القلم؛ تستلُّه من غمد الغيوم الهاربة، وتشهره على جدب الإنسانيَّة وتصحُّر العواطف. تحلُم بالخضرة والربيع حُلْمَ الحمقى والمجانين في غربتهم. تحسب أنَّكَ بما تنشره من مقالاتٍ لا يطالعُ بعض القراء إلا عناوينها ولا يتمُّ بعضُهم الآخر قراءَتها، ستخفِّف من سرعة انطلاق الكرة الأرضيَّة، أو تُقرِّبها من نجوم أَلْمع وأقمارٍ أشدّ بريقًا. تتوهَّم أنَّ نفح عباراتكَ سيغيِّر من وجهة الريح، فينزل الغيث الملّون على البيداء والحقول المجدبة، مُحمَّلاً بالمَنِّ والسلوى. تظنُّ أنَّ كلماتِكَ الكسيحة العارية ستقلِّم أظافرَ النسر، فتركبه اليمامةُ بساطَ ريح؛ وأنَّ حروفكَ العرجاء ستشذِّب مخالبَ الأسد، ويعتمرها الغزال طاقيَّة إخفاء. وتأمُل أن تخلع ألفاظُكَ المهلهلةُ بُردةَ جمالٍ ونقاءٍ، على أكوامِ التعاسة والشقاء.

تريدُ أن تمتطي صهوةَ الكتابة في الخمسين من عمرك، وتحملَ رايةَ المجد في يسراكَ، ورمحَ الحرِّيَّة في يمناكَ، مثل دون كيشوت. وأنتَ تُدرِكُ أنَّ تاريخ السخريَّة لا يتّسع لدون كيشوت آخر. وهَبْ أنَّكَ ستكتب، فهل عندكَ حقًّا ما تقول؟ رامبو قال كلَّ شيء شعرًا، قبل أن يبلغ سنَّ الحُلْم، فبهر العالَم، ورحل وحيدًا يبحث عن مثواه الأخير بين ذُرى جبال اليمَن وأغوار خلجان جاوا، بعيدًا عن صَخَب النقَّاد وتنظيراتهم لشعره. وشيلي مات وعمره ثلاثون عامًا، بعد أنْ حرَّر بروميثوس طليقًا، وحفر اسمه بريشته على صخرة المشاهير في جزيرة الخلود. فماذا كنتَ تنتظر كلَّ هذه السنين، يا سيدي؟

بلى، بدأتَ الكتابة في العشرين من عُمركَ، ولكنَّك سرعان ما كسرتَ يراعكَ، وألقيتَ به وراءَكَ، لأنَّك لم تحتمل نيران التجربة وحريق المعاناة. كانت الفكرة تحلّ صغيرةً ناعمةً في ذهنكَ، وتكبر شيئًا فشيئًا، حتَّى تملأَ رأسكَ كلَّه، وتتسرَّب منه رويدًا رويدًا إلى قلبكَ وضميركَ، فتسطو على أحاسيسك ومشاعرك، بحيث تملكُ عليكَ كيانَك أجمع. يُصبِح في أُذنيكَ طنين لا تسمع معه ما يقوله لكَ الآخرون. ويتكاثف في عينيْكَ ضبابٌ لا تُبصِر معه ما ينبغي أن ترى. فتثير هَزْءَ الآخرين وضحكَهم، في حين تهطل عَبَراتُ الألمِ في داخلك. وترغبُ في الخلاص مما يعتمل في أعماقكَ، فلا تستطيع فكاكاً قبل أن يحين المخاض. وتداهمك ساعة الوضع بعد أن يشيخ الدُّجى، ويهرم القمر، ويجافيكَ النوم.

تأْرقُ، تسهرُ اللَّيل بطوله، تمارسُ سحرًا أبيضَ، تغرز قَلَمًا في دفتر. تيمِّم وجهَكَ شطر بابل ونيبور. تستجدي منهما معنى حُرًّا، وكلماتٍ لم تُستعبَد. تتوه في خمائل اللغة الملتفَّة الأغصان. تبحث كالأعمى بين الوديان عن زهرة برية نادرة، في جنينة الحروف التي تضرب جذورها في كَبِد التاريخ. تقترب مبهورًا من لغةٍ تيَّمتْ بحُبِّها ملايين العُشّاق من أرباب الشِّعر وسادة القلم، فقالوا كلَّ ما يمكن أن يُقال، حتّى لم يبقَ ما يُقال، فماذا تقول؟ وَلِمَ تقول ما تقول؟ قُلْ لي، بربِّك، لماذا تريد أن تكتب؟

كنتَ في العشرين من عُمركَ تكتب كي ترى اسمك بازغًا مِن على صفحات الجرائد، فترمقه عيون أقرانكَ ومعارفكَ، ويشيرون بأصابعهم إليكَ، أو يُزجون كلمات الثناء وعبارات الإعجاب إليكَ، فتمتلئ أعطافُك زهواً، وتبتسم لنفسك في خلوتك. غير أنَّكً سرعان ما اكتشفتَ أنَّكَ بكتابتكَ تلك، تُلحِق الأذى بكثيرين منهم. يشعرون بالغَيْرة منك، فيكوي قلوبَهم لهيبُ الحسد. ورحتَ تتساءل عمّا إذا كان ظهور اسمكَ في بعض الصحف التي لا تَعْبُر النهر إلى الضفة الأخرى، يستحقُّ كلَّ ذلك الألم: ألم المعاناة الذي يصيبكَ حين تكتب، وألم الغَيْرة والحسد الذي يلحق بالآخرين حين يرون اسمكَ منشورًا.

لعلَّ الألم الذي كان ينتابكَ أنتَ من جَرّاء فعل الكتابة، هو الذي حدا بكَ إلى ترويض نفسكَ على التملُّص من هذا العشق. فناجيت قلبكَ قائلاً: لِمَ نتعذب، أنا وأنت، يا قلبي، من أجل الآخرين؟ ومَن طلب منّا ذلك؟ ولماذا نُمضي الساعات الطوال في غرفةٍ مغلقةٍ لنكتب عن الحياة والحبِّ والموت، بدلاً من أن نفكَّ وثاقنا، ونغادر هذا السجن، لنمارس الحياة والحبَّ قبل أن يفجعنا الموت؟

كنتَ قد أُعْجِبتَ بتعريف جسترتن للجنون، حينما ذهب إلى أنَّ الجنون هو التعلُّق بالرمز والخيال بدل الحقيقة والواقع. فالأُمُّ، التي تلازم صورةَ وحيدها الذي مات وتظلُّ تخاطبها كأنَّها هو، مجنونة. والبخيل، الذي يفضّل ادِّخار النقود على إنفاقها في اقتناء ما تمثِّله من سلع وخدمات تجعل الحياة أكثر إمتاعًا، مجنون. وأضفتَ أنتَ على هامش مقال ذلك الكاتب الإنجليزيّ: "والكاتب، الذي يحبس نفسه ليكتب عن الحياة ولا يتمتع بالحياة، مجنونٌ كذلك."  وأنتَ تأنف من الجنون كأنه عار، ولا تريد أن تضيف إلى غربتك الفكريّة غربةَ الجنون. ولهذا ارتأيتَ أن تهجر الكتابة. ولماذا تُعطي الغيرَ متعةَ القراءة، إنْ كانت في كتاباتكَ متعة، وتحرم نفسك منها؟ فأنتَ تفضّل الأخذ على العطاء. ونويت أن تُخلِص لهوى القراءة وتهجر الكتابة، على الرغم من أنَّ وصال الأولى قد يؤجِّج نار الشوق إلى الثانية.

وتساءلتَ، بعد هذا وذاك، عن فائدة ما تكتب. ما نفع عباراتٍ منمَّقة عن سماءٍ زرقاءَ تكفِّنها الغيوم، أو قمرٍ تشيِّعه النجوم. أو بطَّةٍ سابحةٍ في النهر، أو موجةٍ تائهةٍ في البحر؟ وانتهى بكَ التفكير إلى ضرورة أن يتبنَّى قلمُك قضيةَ الإنسان. تتشكَّل حروفُه حِرابًا تذود عن المحروم والضعيف. ويتحوَّل مدادُه طُوفانًا يكتسح الطغيان. بَيْدَ أنَّك خشيتَ الأفاعي وخفتَ العقارب. فأنتَ لا تحتمل اللدغ، ولا تُطيق الحمّى، وتكره ملازمة السرير. خُلِقتَ شغوفًاً بالنسيم وسريانه، مولعًا بماء النبع وجريانه. وقلتَ في نفسكَ: "لماذا يكون الأديب، دون غيره، شهيدَ الحقِّ، ما دامت شهادة الحقِّ فرض كفاية؟"  وهذا تلاعب باللفظ، ومنطق أعوج لا يقوى على ستر أنانيَّتكَ، ولا على تمويه حبِّكَ لذاتكَ. وأصممتَ أُذنيكَ، وأغمضتَ عينيكَ، وأبحرتَ بعيدًا عن شواطئ الكتابة ومرافئ القلم. وأشحتَ بوجهكَ عن جُزُر الشوق، وقطعتَ شرايين الحنين. وشيئًا فشيئًا أدمنتَ على أفيون النسيان.

واليوم، بعد كلِّ هذه السنين، يعاودك الحنين إلى الكتابة. تحسُّ بحاجتك إليها حاجةَ الرضيع إلى دفءِ الحضن. فتُسوِّد في الليل آلافَ الصفحات، تقرأُها قبيل الفجر، تمزِّقها عند الصبح. لا تصلح للنشر. فأنتَ تكتب بأبجديّةٍ معروفةٍ ترتدي الكوفية والعقال منذ أيام السومريِّين؛ ألِفها أليف، وباؤها بيت، وجيمها جمل، ودالها دلو. وموضةُ الكتابة اليوم زيُّ اللامعقول الذي يستعصي على الفهم، ويكتسب معناه من اللامعنى، وينبثق نظامه من فوضى الدال والمدلول، شعرًا منثورًا كان أم نثرًا مشعورًا، يحملق فيه القارئ مشدوهًا، فلا يستوعب منه شيئًا، فيعتصم بصمت أبي الهول، خشيةَ أن يُرمى بِتُهمة الجهل أو تلصق به سُبّة التخلُّف. فهو يرى أن رفاق الكاتب من النقّاد يفلسفون ما يهذي به، معلِّلين غموضه المطبق بتجذُّرات اللفظ في تسامياته العليا، وهلاميَّة الفكرة الغارقة في البنية العميقة، ودليلهم على ذلك أنَّ نصوصه جزءٌ من الحركة الفنيّة الحديثة التي تتجلَّى كذلك في روعة تلك اللوحات الفنيَّة التي تمَّ رسمها بإراقةِ الألوان كيفما اتَّفق، وإضافة الفنّان إليها متكرِّماً بعض الخطوط الاعتباطيَّة وهو مُغمض العينَين. إنّها العبقرية ذاتها مؤطَّرة بإطارٍ ثمينٍ، ومعلَّقةً في صالةِ عرضٍ فاخرة. وما على المشاهد اللبيب إلا أن يُطلق العنان لتجلِّيات اللاشعور، على الخطوط والألوان والمنظور.

لماذا تكتب، إذن، إذا كنت تمزِّق ما تكتب؟ بصراحة، بكلِّ صراحة، لا بُدَّ أنَّكَ تجد في الكتابة ملاذًا عن غربتكَ، ومهربًا من وحدتكَ. غريبًا كنتَ في وطنكَ وفي منفاك. وحيدًا كنت وأنتَ محاطٌ بالأهل والخلان. والآن، تخنق أنفاسَكَ الغربةُ، فتلجأ إلى الكتابة تعانق كلماتُها روحَك، مثل صديقٍ عائدٍ، وتمسح حروفُها عينَيك المرهقتَين، مثل أُمٍّ حنون. تفتح لكَ اللغةُ دروبًا في جنانها السِّرِّيَّة. تُحسُّ برعشة الإبداع. تذرف الدمع، وتشعر بالارتياح، وتغادر واقعكَ المظلم الكئيب إلى عالَم النور والكمال والأمل. عيد ميلاد سعيد، يا صديقي!*

***

د. علي القاسمي

......................

*القصة من مجموعة "دوائر الأحزان" ط1(القاهرة: دار ميريت، 2007)، ط3 (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2015) المتوافرة في موقع "أصدقاء الدكتور علي القاسمي" على الشابكة.

......................

قصة "اكتئاب الكاتب" لعلي القاسمي

بقلم: الدكتور محمد صابر عبيد

الغالي أبا حيدر

تناولتُ هذا الصباح قصة (اكتئاب الكاتب) بدلاً من فنجان القهوة واستمتعت بها، إذ كانت حوارية درامية مع الذات والآخر، مشحونة بالأسئلة، ومكتظّة بالتأمُّل الغزير، وكأن الحكاية السردية التي كانت تجري بين يديك، كالماء في قصص أخرى، تحوّلت إلى حكاية رؤيا تصرخ في أعماق القاسمي المنفصل رمزياً عنك، قبل أن تصرخ في أعماقنا جميعاً، وتهدِّد على نحو ما إنسانيتنا وجدوى مثولنا بين يدي حياة لا ترحم. فعتبة الإهداء (إلى ع .ع في عيده ميلاده الخمسين) تمثل دالاً حاشداً يعبر قارةَ القاسمي لتتحوّل إلى إشكالية حياة فلسفية مثخنة بالأسئلة المُرّة، لذا فإن لغة القصة ولوحتها السردية حفلت بلغة تعبير تقصّدت الارتفاع في سلّم البلاغة والبيان من أجل أن لا تكون مجرد حكاية للاستمتاع وتزجية الوقت، بل لمداهمة أكثر الزوايا حجباً وظلاماً والتباساً في أعماقنا وأرواحنا اللائبة. لغة أنيقة كثيفة ثرة ممتلئة، تسعى في سياق من سياقاتها إلى إرجاع بهاء الجملة العربية الصافية والنقية والباهرة والأصيلة إلى مائدة القصة القصيرة، وهي تحتفل بعيد ميلادها الخمسين حيث تنجدل الخبرة واليأس، الاكتئاب والوعي، التجربة والتعب، في قارورة واحدة تغري وتصدّ على حدّ سواء.

محبتي لك دائماً.

محمد صابر عبيد

 

لاادري لماذا تنفخ الصبيات شفاههن

فيحسسن بالانتعاش

يجالسن عشاقهن

حين تورق اغصان الشجيرات

وهن يحتسين قهوة الصباح

ولا ادري لماذا يتصنعن رفع اثدائهن

ويتمتعن بقبلة الصباح

عندما يفتحن خجلا عيونهن الناعسات

وهن يرتشفن غبش النهار

يجلسن منفوشات الشعر

بقمصانهن الشفافة البيضاء

يرتدينها لتبرز ملامح اجسادهن

وسراويلهن اللاتي تبرز ثورة افخاذهن

وهن يحلمن بعشق ليلي

حين تبحث القصيدة عن ليل نرجسي

ينصبن شباكهن

- في اي طريق تبحث الصبيات

عمن يولج الابرة في سم الخياط

ويودع اسمائهن جذوع الشجيرات

- الباكرات منهن

ينشرن على حبال الغسيل خرائط اجسادهن

والقصائد تبحث عن عناوين الأصدقاء وارقام النقالات

هناك حيث توزع الفتيات الحلوى ابتهاجا بربيع قادم

ومساءا يخفي اسرارهن في غرف النوم

(2)

احلام مؤجلة للمساء

احلام مكبوتة تبحث عن مصير مجهول

وانا لا زلت افسرهذا الحلم الشاق الذي غادرني الى ناحية اخرى من شواطيء اقتحمتها الاجساد البيضاء

- من سيقبض خديعة هذا الجسد

وانا ذلك المتصابي الذي لم يفتح عينيه الا على الوان سراويلهن الداخلية

وهن يلطخن شفاههن باحمر الشفاه

كالوان ملابسهن الداخلية

- من يفسرلي كيف تتغير الوان العيون

من اللون الاسود للون الاخضر

وفي السماء تورق عيون النساء كالوان قوس قزح

القبرات الصغيرات يتطايرن فوق الاجساد

حين تتلاقح الكلمات وهدير الامواج المتلاطمة بشواطيء العري

لا احد يمرر اصابعه على الاشرطة الملونة التي توزعتها علامات الانحراف عن الشواخص الممنوعة من صيد الحوريات السابحات على اشرطة الموج البنفسجية

(3)

في خزانات ملابسهن ثياب السهرة الحمراء

وفي وقع اقدامهن انتقاء اغاني الفرح

الكلمات البيضاء لا تحسن قراءتها الا الصبيات في عمر العشرين وهن يقفن بملابسهن فوق ركبة الارجل

القوام الجميل لتلك العذراوات وهن لا زلن يسبحن في مياه شواطيء لم تدخلها سفن السائحين

- لا تخرجي بفستان النوم ايتها الصبية فتترامى على جسدك العصافير

حين يخبيء الظلام استار الليل

على دكة الباب تجلس العذراوات محلولات الشعر

يمسكن بسكاكين التقطيع لينحتن صور اجسادهن على المرايا

- انت مشبع بانين الليل

- وانا مشبع بدموع الباكيات

لاتلمس اجساد الغانيات حين تتكور اجسادهن على الافرشة

لاتقترب من السواحل وهن يحاكين شبابيك الصبيات

كيف تاوي لفراشهن الفراشات باحلامهن

وهن يرطبن ثيابهن بماء العطور

تستسلم النحلة ليعسوبها وهويمارس لعبة الذكور

دون خجل

(4)

لغرف النوم اسرار

تحسبها الفتيات شموعا في احلام بنفسجية

الاحلام تتحررفتكون حقيقة

فقط لا تحتفلي بصباح كهذا الذي تعده امراة في قوارير من الزجاج المطعم بطعم الشفاه

احجزي ناحية الحلم

لئلا تتكسر اجنحة الملائكة عندما تنوي الدخول

لهن موعد اخر من الليل

وللصبيات موعد للخباء

(5)

بيني وبين الجسد بوح شفتيك

بيني وبين اللعبة نشاط صباحي

لايتيح لنهديك الاحتماءبالثياب

الاجساد اهات مرتعشة

لولاك ماعدت افتش عن جسد

خال من الرعشة

لولاك ماخذلتني الايام وتركتني متاعا لسواحل الرغبة

الرغبة مفتاح الرعشة

الرعشة جسد يجري على الجمر الحارق

الرعشة مفتاح الرغبة ونهاية البوح

الرعشة صباح يبحث عن صياح الديكة

الرعشة انتماء حر للجسد

هاهي الرغبة في البدن تدفعه لان يكتوي بنار العشق

الخديعة احمر شفاه على شفتيك

احمر هذا النهارالصباحي الذي تعلق على محاور الجسد

- ثمل ايها الوعل المتعلق بثياب النوم

ثملهذا الليل حين يضاجع اجنة القبرات

- انهض ايها الراقد من سباتك في مستنقع الخوف

وتتبع زغاريد الصبيات وهن يعبرن ابراج الحواري

نافخات شفاههن عاريات الصدور متبخرات ببخور الصندل

(6)

في هذا النهار النصف شتائي تصطف الفتيات على الشواطيء

يتفحصن ثيابهن

ناعسات حانقات

ثائرات على مجتمع اغلق امام وجوههن حفاوة السهرة

اطلقي لعنة الخبوح واسطعي في شموس سواحل الدفء

الم ترين كيف تغادر السفن مراسيها

- تعالين نفتح مملكة العذراوات

هنالك ياتيكن علاء الدين بمصباحه السحري

- الا تاوين اليه لتخرجن من متاعب الاجساد

- لاتنفخن شفاهكن قبل ان تتحسسن طعم القبلة

- لاتكشفن سيقانكن لرياح عابرة

الافخاذ قوام الاجساد

الاجساد اساطيرالاحلام المخبئة

الاحلام قبلات ليال دافئة

الدفء شوق غرف النوم

(7)

احمرلون خيوط اشعة الشمس

هي تبكي بعينين حمراوين

رحيل فجر الرغبة

ترتعش اشجار النهد من البرد

يرتعش الجسد من الدفء

ترتعش الانامل حين تمس حلمة النهد

وترتعشين انت بطعم القبلة

ارتعش انا حين ترتعشين انت

وكلانا يرتعش بارتعاش الاجساد

نرتعش حين تولع النار ونكون كلانا على حافة السرير

في زاوية من غرفة تطل على الشاطيء

غافية بلا نور يحيطها ظلام دامس

هاهم الرجال الاشداء

يكشفواعوراتهم امام ربيع مصطنع

- ادلين ايتها الجميلات بدلوكن

انثرن ارواحكن زهورا في اسرة النوم

قبل ان ياتي الخريف

***

جاسم العبيدي

1- أَمُحَمَّدُ الْعَالِي الْجَنَابْ = يَا خَاتَـــمَ الرُّسْلِ الْمُجَابْ

2- أَتُرَاكَ تَدْرِي حَالَنَا = فِي الزَّاحِفِينَ عَلَى التُّرَابْ؟!

3- أَتُرَاكَ يَا خَيْرَ الْأَنَا = مِ عَلِمْتَ بِالْعَجَبِ الْعُجَــابْ

4- تُهْنَا وَتَاهَتْ خُطْوَةٌ = مَا كَانَ أَجْــــدَرَ أَنْ تُجَابْ!

5- عُصْفُورَةٌ قَدْ قُيِّدَتْ = يَرْنُو لَهَا بَحْرُ الْعَذَابْ

6- وَيَمَامَةٌ مَكْظُومَةٌ = بَاتَتْ تُدَنْدِنُ فِي الْخَرَابْ

7- وَالْبَحْرُ يَلْعَنُ حَظَّهُ = تَرْنُو لَهُ عَيْنُ الْغُرَابْ

8- وَالنِّسْرُ يَشْكُو مِنْ عُقَا = بٍ قَدْ رَمَى طُعْمَ الْهِبَابْ

9- مَاذَا تَبَقَّى سَيِّدِي = مِنْ سُنَّةٍ بَيْنَ الضَّبَابْ؟!

10- اَلْجَاهِلُونَ تَشَكَّكُوا = وَمَشَوْا عَلَى إِثْرِ الْيَبَابْ

11- وَالشَّامِتُونَ تَشَمَّرُوا = عَكَفُوا عَلَى أَكْلِ الْكَبَابْ

12- مُتَذَمِّرُونَ بِطَبْعِهِمْ = مَا بَيْنَ أَشْوَاكٍ وَغَابْ

13- لِمَنِ الْكِتَابَةُ سَيِّدِي = وَقَدِ ابْتُلِينَا بِالْمُصَابْ؟!

14- يَا سَيِّدَ الرُّسْلِ الْكِرَا = مِ وَقَدْ شَرُفْتُ بِالِانْتسَابْ

15- قَلَمِي يُدَنْدِنُ بِالْمَدِي= حِ وَقَدْ تَفَكَّرَ فِي الْكِتَابْ

16- وَوُرُودُ عُمْرِي شَارَكَتْ = يَعْلُو ابْتِسَامَتَهَا الْحُبَابْ

17- أَنَا مَنْ أَنَا إِلَّا فَتَىً = يَهْوَاكَ يَا فَصْلَ الْخِطَابْ

18- يَهْوَاكَ يَا خَيْرَ الْوَرَى = وَرَصِيدُهُ فِي الِاقْتِرَابْ

19- صَلَّى عَلَيْكَ مُحَمَّدِي = رَبُّ الْعِبَادِ مَعَ الْجَوَابْ

20- أَنْتَ الَّذِي فُقْتَ الْوَرَى = بِرِسَالَةٍ لَا لَنْ تُعَابْ

21- مِنْ عِنْدِ رَبٍّ قَادِرٍ = صَانَ الشَّرِيعَةَ يَا شَبَابْ

22- أَنَا فِي مَدِيحِكَ وَاقِفٌ = بِالْبَابِ أَرْتَقِبُ الْمُهَابْ

23- هَلْ أَنْتَ إِلَّا مُرْسَلٌ = مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ بِالصَّوَابْ؟!

24- فَلَأَنْتَ خَيْرُ مُكَلَّفٍ = بِأَمَانَةٍ رَغْمَ الصِّعَابْ

25- اِخْتَارَكَ اللَّهُ الْكَرِي = مُ لِأَجْلِنَا دُونَ اصْطِخَابْ

26- عَلَمٌ يُرَفْرِفُ فَوْقَنَا = أَخْلَاقُهُ فِي كُلِّ بَابْ

27- هُوَ مُنْقِذٌ وَمُتَمِّمُ ال = أَخْلَاقِ فِي كُلِّ الشِّعَابْ

28- صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ فِي = وَقْتِ الْحُضُورِ أَوِ الْغِيَابْ

29- وَبِنُورِكَ الْبَرَكَاتُ حَلْ = لَتْ فِي الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابْ

30- في كُلِّ نَاحِيَةٍْ جَرَتْ = بِمَوَارِدِ الْخَيْرِ الْعِذَابْ

31- أَرْجُوكَ يَا طَهَ انْتَشِلْ = نِي مِنْ مَتَاهَاتِ السَّرَابْ

32- فَأَنَا الْمُكَبَّلُ بِالْهَوَى = وَأَنَا الْمُحَمَّلُ بِالْخِضَابْ

33- وَهَوَاكَ يَسْرِي فِي دَمِي = مِثْلَ الْهَوَاءِ أَوِ اللُّعَابِ

34- رُحْمَاكَ يَا خَيْرَ الْأَنَامِ أَمِدَّنِي بِالْمُسْتَطَابْ

35- قَلْبِي يُصَلِّي بِالسَّلَا = مِ عَلَيْكَ فِي أَحْلَى الْهِضَابْ

36- وَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ = وَمَلَائِكُ اللَّهِ النِّجَابْ

37- أَنْتَ الَّذِي أَنْقَذْتَنَا = مِنْ آفَةِ الْجَهْلِ الْمُعَابْ

38- فِيهِ ضَلَالٌ وَانْحِلَا = لٌ وَاسْتِعَارٌ لِلذِّئَابْ

39- وَفَوَاحِشُ الْجَهْلِ الْمُغَيْ = يَبِ وَالْمُؤَجَّجِ بِاضْطِرَابْ

40- رُحْمَاكَ أَكْرَمَ مُرْسَلٍ = مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ بِاللُّبَابْ

41- طَالَ اشْتِيَاقِي يَا حَبِي=بُ إِلَى سَنَاكَ فَهَلْ أُجَابْ؟!

42- أَنَا عَاشِقٌ وَمُتَيَّمٌ = وَمُعَذَّبٌ فِي الِاغْتِرَابْ

43- أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَبْ = بٌ وَالْفُؤَادُ كَمَا الشِّهَابْ

44- يَطْوِي الشَّيَاطِينَ الْعُتَا = ةَ إِذَا تَجَلَّوْا بِالْحِرَابْ

45- قَلْبِي الْمُتَيَّمُ بِالْهُدَى = يَبْغِي هُدَاكَ وَلَا يَهَابْ

46- فَادْعُ الْإِلَهَ الْحَقَّ لِي = بِالْخَيْرِ يَعْذُبُ بِاصْطِحَابْ

***

شعر: د. محسن عبد المعطي - مصر

...........................

القصيدة من بحر الكامل المجزوء، سابع الكامل، ووزنه:

مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ = مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلَاتُنْ

العروض مجزوء صحيح، والضرب مجزوء مَذيل

مثل:

أَمُحَمَّدُ الْعَالِي الْجَنَابْ = يَا خَاتَمَ الرُّسْلِ الْمُجَابْ

أَتُرَاكَ تَدْرِي حَالَنَا = فِي الزَّاحِفِينَ عَلَى التُّرَابْ؟!

 

قررتُ أنْ اغازلَ ذكرياتِ المدنِ العتيقةِ

أعتصرتْ لي خمرةً

استنهضتْ وثبتي المصابةَ

بداءِ النسيانِ

قررتْ غليَّ جوارحي

أحركُ فصَ دماغي

دماغي الذي جمدتهُ آهاتُ أزمنةِ الغرباءِ

*

في مدنِ القفارِ

تتقمصُ العصافيرُ الصغيرةُ

دورَ الطواويسِ تنفخُ ريشها دونَ جدوى

*

دعني اتدلى من أغصانكَ

اتمتعُ بهزةِ الريحِ

ربما تكبرُ اجنحتي

اضمكِ تحتها دفئاً لقلبي الغريبِ

*

ماالسرُ في تكاثرِ الكهوفِ

هنا في مدنٍ تدعي النسكَ

ليتَ وهمَ امتلاكِ الحقيقةِ

يغادرها بدواءِ الحريةِ

*

المدنُ التي تؤمنُ بالمعجزاتِ

تكونُ فيها مقاعدُ الحبِ غريبةً

*

عندما تزغردُ أفواهٌ مجهولةٌ

لن تدقَ ساعةُ الخلاصِ

ولا سبيلَ   لرسائلِ البعدِ المتناهي

*

ما جدوى جدرانٍ تكتبُ شعاراتِ الحريةِ

ما زالتْ رماحنا تسنُ

تعودُ نذبحُ فيها ظلنا نبكيهِ دهراً

*

لن تستفيقَ قصائدُ النيامِ

على وتيرةِ الصدرِ والعجزِ

أن لم تأتيها لغاتُ التطهيرِ

وتنجلي عنها غبرةُ التصفيقِ

كم جميلٌ الابحارُ دونَ أشرعةٍ

على أنغامِ الريحِ ورائحةِ الموجِ

*

بينَ أنْ أكونَ مخيراً اومسيراً

أعودُ تحتضنني بينَ منزلتينِ

يغلبني عقلي أرى ما مرَّ

الجهالةُ تنتصرُ لحيفِ هزائمنا

*

الفَ مرةٍ نتكررُ

نجبرُ الاحلامَ زيارتنا

حتى رسونا عندَ السواحلِ

نتسامى نفاياتٍ تعلقُ ،ربما

الحرائقُ تعبثُ بها

نحنُ دوماً ننتظرُ الحرائقَ

تدورنا في دورةٍ أبديةٍ

*

أحبكِ حتى لو إنفلقتْ الخلجانُ

أني لقادرٌ على اعادةِ أقترانها

أجمعُ تراتيلَ السحرِ وطلاسمهُ

اقرأُ أياتِ الحبِ المرسومةَ

على قلوبِ حماةِ العشقِ

*

ربما تنهكني لحظةُ جوعٍ

لا تتخيلي انكِ لي وجبةَ عشاءٍ

او اي وجبةٍ أخرى

أني معَ كلِّ الاشياءِ العابرةِ

ضعيفُ الذاكرةِ

لكن حينَ يكون العشقُ لي حلماً

تستغرقني عوالمُ الدنى

*

معَ انَّ يديَّ ناعمةَ الملمسِ

تمسكُ القلمَ برقةٍ

لكن شوقها للسوطِ كبيرٌ جداً

بلادي قد نخرتها أفاعي الموتِ

وضباعُ البوادي

اني بدأتُ اتدربُ على خشونةِ التعذيبِ

أشعرُ بعفونةٍ غريبةٍ في هذهِ البلادِ

*

كم مرةً قرأتُ المعلقاتِ

ايقنتُ ان لاسبيلَ

كي تتطهرَ الصحارى

الا من صدى وصليلِ السيفِ

لقد تحررتُ من تأبيدِ نزقِ الجبناءِ

سبابتي تفرحُ بالرقصِ معَ الرصاصِ

*

الروحُ تتجسدُ ملاكاً

لها عفتها ،جنبها ياصديقي

ترهاتُ احلامكَ

دعها تسبرُ اغوارَ براءةِ العنادلِ

لا تسخرها لرسالةٍ فارغةٍ

انتَ فيها نشازٌ

*

اجمعُ مواقيتَ عباداتي بالحبِ

انسجُ لي غاراً

أطفئُ فيه جذواتِ الغضبِ

أردُ فيه على أسئلةٍ

تحررني من هفواتٍ مكتسبةٍ

***

عبدالامير العبادي

يستيقظ الصمت،

يتقصى خطى موته المؤجل،

يهاجر بعيدا،

يمسك المسافات.

*

يحلق عند منتصف الساحل،

وعند غروب الشمس، يطوف على أسوار الليل،

يساومه الخوف،

يهبط على أكتاف موجة وجلة.

*

يستأنف رحلته،

ينهض الأمل،

يعانق عطر صباحاته القديمة،

تستعيد المشاهد أنفاسها،

يدرك الفجر نومته.

*

يهتف النور،

تغادر النجمة البعيدة،

يتناثر ضوء الشمس،

يهبط الفناء عند لا نهايات نقطة عابرة،

يعج البحر،

يستغرق الوجوم جولته.

*

تبتعد الأشرعة،

تستأنف النوارس طوافها،

تستعرض صيحاتها،

مع مستقر مهجة عابرة.

***

عقيل العبود

 

على كُلّ شيءٍ جميل

على  اقترافِ الحُبّ

على كتابةِ الشِعرِ

على الطرقات

*

طارئون نحن

على غموض ِالبحرِ

على زرقةِ السَّمَاءِ

على ضحكة الفجرِ،

صبيحةَ العيد

*

طارئون جدا

وعابرو سبيل

ليستْ سوى الأرض تعرفنا

ملامحنا

أسمائنا

تحفظها

لم تنسَ واحدا

لم  تغفلِ  إسماً

ذاكرتها من الأحجار

صُلبةً كالماس

*

طارئون على كتاباتنا

على خلافاتنا

على حكاياتنا

*

طارئون،

ولا ندري

على أنفسنا

على أحلامنا

على أولادنا

*

طارئون

على الحياة

نومضُ مثلَ شمعةٍ

يتدفّقُ الضوء

ثم يخبو

يلفّهُ الفراغ

يغمرهُ التراب

ما أقصرَ رحلتنا،

ما أفجعَها

ما أكثر الضباب،

من حولِها

و التكهّنات

*

طارئون نحن

على قواعدِ العيش

على النظريّات

على ذواتِنا

على كلّ شيءٍ جميل

*

طارئون جداً

وعابرو سبيل ..

***

تماضر كريم

 

"شيئان لا ترهق نفسكَ في التفكير بهما. الماضي لأنه مضى فلا نستطيع تغييره، والمستقبل لأنه لم يحدث ومازال في علم الغيب. أما الحاضر فباستطاعتنا أن نفكر في قراراتنا به على أقل تقدير لأننا نعيش فيه". هذا ما كان يقوله لي أبي ناصحاً، حين يراني حزيناً على شيء مضى، أو قلقاً من شيء سيأتي. ولكن كعادة ذاكرتي، التي تتزحلق النصائحُ فيها كما يتزحلق الأطفالُ في ملاعيب المدينة، لم تحفظ الدرس النفيس الذي أعطاني إياه أبي الراحل. فأنا متورّط في الحاضر وفي معضلة أُصيب قراري فيها بشلل نصفي. وانقسم عقلي إلى نصف يلحّ عليّ بالمواصلة في هذا الجنون بسبب عملي الوظيفي والقَسَم الذي أقسمته، والنصف الآخر يلحّ عليّ بالهروب فوراً من هذه المدينة، والنجاة بما تبقى من عقلي وعمري قبل وقوع كارثة لا تحمد عاقبتها. لم يمض على عملي هنا سوى ستة أشهر، وكنتُ أعاني طوال هذه المدة من الأرق. ولستُ أدري كيف يتحول النوم إلى أرنب جبان، يهرب من جحر إلى جحر، وقد عجزت من الإمساك به في غابة أفكاري. وكنتُ أتساءل أيضاً، هل ينام الناسُ هنا براحة على الرغم من هذا الهذيان الذي يبدل جلده كأفعى؟!. "الناس هنا لا يستقرّون على حال واحد" هذا ما قاله لي المأمور في قسم الشرطة الذي أعمل فيه، حين باشرت في عملي أول الأمر. ولكم ندبت حظي الذي رمى بي وسط حفنة من المجانين. فالمكان الذي لا يرتاح فيه الإنسان، يصير حتى الهواء فيه ثقيلاً، وكأنك تتنفس زجاجاً مطحوناً..

 سألت المأمور في وقتها والذي شارف على التقاعد في هذه الأيام، عن بداية هذا الخبل في المدينة فأجابني:

- لم يكن الناس هكذا من قبل!! إنها مدينة صغيرة والناس فيها بسطاء. هذا ما رأيته في أول مرة تم نقلي إلى هذا المركز قبل سنوات. لكنهم تبدلوا كما ترى.. نعم فطبائع الناس تتبدل كما تتبدل أشكال النقود.

ثمَّ أن السؤال الذي صار يداهمني في هذه اللحظة، هل سأستمر في العمل هنا حتى تقاعدي أم أنني سأموت مقتولاً على يد أحدهم، أو على يد حسرتي؟!. إنها مهمة شاقة ومخيّبة للآمال. كيف أستطيع العيش والمواصلة مع هؤلاء البشر في حفلة الجنون هذه؟!.

هذه المدينة بحاجة إلى التعاقد مع عشرات الأطباء النفسيين لعلاجهم، وأن يستوردوا أدوية لعلاج الجنون والهلوسة والخبل، إلى جانب استيرادهم للرز والطحين والسكر. فليس من المعقول أن أدوّن في محضر قسم الشرطة التابع لنا، على مدى الشهور الستة التي قضيتها، مئات الشجارات، لأسباب غريبة ينتصب شعر بدني منها كإبر الصبّار..

***

من نصائح أبي التي مازلت أتذكرها أنه كان يقول: للنفس مزاج راعه كما تراعي طفلاً. وبالفعل كان مزاجي في الأيام الأخيرة مضطرباً ومشوّشاً. لهذا قرَّرتُ في إحدى العطل الترويح عن نفسي، والذهاب إلى السينما الوحيدة في المدينة والتي كانت تعرض أحدث الأفلام الأجنبية. وهذه المرة ستعرض فيلماً من أفلام العصابات. عرفتُ هذا حين طالعت الإعلان الذي علقه عمّال السينما على الواجهة العالية لبنايتها، وقد كان مالك السينما يقف في الأسفل يشرف بنفسه على تعليق اللافتة التي طُبعت فيها صورة من الفيلم الجديد. مالك السينما لم يكن من أهل المدينة، فهو رجل ثري وغريب، أراد استثمار رأس ماله في هذا الجانب بعد أن رأى خلو المدينة من وسيلة ترفيه. وبالكاد قطعت تذكرة، بعد أن وصلت إلى شبّاك التذاكر بمعجزة، نتيجة الزحام والتدافع. عجبت خلالها من هذا النهم الشديد عند أهل المدينة في متابعة الأفلام السينمائية!!.

حين دخلتُ إلى المقعد المخصص لي داخل قاعة السينما العتيمة، كان الهدوء سائداً قبل بداية الفيلم وكأنني في مقبرة. وبعد ساعة ونصف من مطاردات عنيفة بين عصابات متقاتلة في الفيلم، خرجت ورأسي منفوخ كطبل من طبول الغجر. لكن رأسي قد زاد الألم فيه في اليوم التالي حين عجّ قسم الشرطة التابع لنا بعشرات وعشرات من الشجارات التي وقعت بين أهل المدينة!. وما أثار استغرابي أن أغلب المحاضر التي دوّنتها، والتي اخبرني المأمور المُسن أن أمزقها لاحقاً، فلا فائدة مرجوّة منها حسب قوله بعد أن صار الأمر عادياً. المحاضر فيها تفاصيل عن المتشاجرين الذين ألقينا القبض على بعضهم، والآخرين الذين جاءوا ليشتكوا، كلهم كانوا يدّعون أنهم إما عصابات أو ضحايا لتلك العصابات؟!. وبخصوص المحاضر كلها كانت عن أحداث واحدة متشابهة!!. انتبهت إلى أن تلك الأحداث التي سردها المشتكون والذين ألقينا القبض عليهم، كلها كانت مطابقة تماماً لأحداث الفيلم الذي رأيته ليلة البارحة في سينما المدينة!!.

***

"في بعض الأحيان إذا خفت من شيء اهجم عليه"، هكذا قال لي أبي حين خفت أيام طفولتي من أفعى صغيرة ظهرت في منزلنا قديماً. ومن حسن حظي مازالت هذه النصيحة عالقة في ذهني، وهي التي دفعتني إلى أن أهجم بسلاح الفضول على إيجاد تفسير معقول لما يحدث في المدينة. بعد ثلاثة أيام رفع عمّال السينما لوحة الإعلان القديمة عن فيلم العصابات، ووضعوا مكانها لوحة عريضة لفيلم رومانسي وصورة لرجل وسيم في حضنه امرأة شقراء، وكانا نائمين على سرير. كنت أقف في الجانب الآخر من الشارع، مرتدياً ملابسي الشخصية ولم أرتد ملابس الشرطة الرسمية. وأعتمر قبعة ونظارات شمسية تماماً كما يفعل المحققون البوليسيون في الأفلام. وحين اقتربت من بوّابة السينما العريضة، شاهدت مالك السينما ذا البذلة الفاخرة، بطوله الفارع وعطره الذي ملأ الشارع، وسيجارته الرفيعة وذلك الخاتم الكبير الذهبي الذي كان يلمع في أحد أصابع كفه. وهو يوجّه عمّاله إلى وضع اللافتة بالشكل الملائم. لم أنتظر طويلاً، هرعت إلى شبّاك التذاكر أنا وجحافل الناس كما يهجم جيش جراد جائع على حقل. الفيلم الذي كان سخيفاً يتحدث عن خيانة زوج لزوجته مع عشيقة. ولم يخب ظني، وتوصلت إلى خيط بسيط في حلّ هذا اللغز العجيب. لأنني في اليوم التالي وعلى مدار أسبوع كامل، كان مركزنا يعجُّ بمحاضر وشكاوى عن خيانات زوجية، ورؤوس أزواج تسيل دماً، وأزواج أخرون يجرون نساءهم بتهمة الخيانة، وزوجات لطمن على وجوههن ونثرن شعورهن بسبب خيانة أزواجهن. فلم أسكت طويلاً على هذا الأمر، وأبلغت المأمور بالسبب الذي يدفع أهل المدينة إلى هذه الأفعال. متوقعاً أن لهذه السينما التي تعرض تلك الأفلام، ومالكها ومن يعمل معه كل هذا التأثير البالغ على عقول الناس. لكن المأمور استلقى على أريكته وقال لي ضاحكاً:

- على رسلك يابني.. هل تظن أن فيلماً معروضاً في سينما هو السبب؟.. لا أعتقد هذا!!.

- ولكن سيدي الأمر واضح.. أرجو أن تلقي نظرة...

- ربما أنت متعب في هذه الأيام يا بني.. امنحك إجازة لمدة أيام لكي ترتاح

- عفواً سيدي.. أنا أتحدث بصراحة ولا أحتاج إلى إجازة بل إلى أن تصغي لما قلته لك

اعتدل المأمور في جلسته ونهرني قائلاً:

- قلت لا.. هذه السينما للترفيه واللهو من يصدق حماقة أن لها هذا التأثير.. لا أريد مشاكل تحدث هنا.. اذهب إلى عملك..

صدعتُ بما أمرني به جناب المأمور وأنا كلّي حيرة وحنق. السبب الأول أنني لم أقتنع بما قاله، والسبب الثاني وربما الأهم كما أظن، أن المأمور سيُحال على التقاعد بعد بضعة أيام قليلة، ويريد أن ينهي خدمته بلا أية مشاكل. لهذا قررت العمل بمفردي بعد أن دفعني فضولٌ ممزوج بغضب هذه المرة، لمعرفة الفيلم الجديد الذي سيتم عرضه في سينما المدينة. وهذا ما جعلني أرتدي ملابسي الرسمية، وأعود في الوقت الذي كان فيه مالك السينما وعمّاله يضعون لافتة لفيلم جديد..

***

قفزت مقولة من مقولات أبي الراحل في رأسي حين كنتُ سارحاً، وأنا اطالع أضواء قاعة السينما التي تم إطفاؤها قبل بداية الفيلم. المقولة التي كان ينصحني بها قائلاً : قلْ كلّ شيء ولكن لا تمد يدك ولا تشتم كي لا يضيع حقك. ربما لأن حدسي نبّهني إلى أن القادم لن يكون على مايرام.. وحدث ما توقعته.. فالفيلم الذي تم عرضه هذه المرة هو فيلم خيالي يحكي عن آلهة وسحرة ومشعوذين، وصراع مقدّس بين جماعات ينتهي بها المطاف إلى القتال دفاعاً عن آلهتها. لدرجة أنني قفزت من مكاني بلا وعي، وصرختُ في القاعة طالباً أن يتوقف الجميع عن هذا الجنون. وأمرتهم لكوني رجلاً يمثل القانون أن يكفوا عن مشاهدة هذه الأفلام. فتعالت أصوات شتائم نحوي من الجمهور الذي كان كما يبدو يطالع الفيلم بدهشة ورغبة جامحة. ولم أشعر إلا بعمّال السينما قد أخذوني من ذراعيّ. ورموني في الشارع المقابل للبناية. وانا أصرخ بأعلى صوتي: يا ويلكم.. أنا شرطي أمثل القانون في هذه المدينة.. سأعود ومعي أمر بإغلاق السينما. تبادل عمّال السينما الضحكات، ونفضوا أكفهم ودخلوا إلى البناية. وقفت على مهل وأنا أنفض بذلتي التي تلوثت بتراب الشارع. ولفت انتباهي أن مالك السينما كان يطالعني من شباك في بنايته في الطابق العلوي وهو يدخّن السيجار..

***

لم يتأخر ماكنت أظن أنه سيحدث. فبعد يومين فقط، كنت أسير إلى عملي صباحاً حيث رأيت بعيني السيارات وهي تحمل المسلحين بالأعمدة والسكاكين، والنساء التي تزغرد لهم، وهتافات هنا وهناك، لجماعة هنا وجماعة هناك. الجميع قد دخلوا في أحداث الفيلم وجسّدوها على أكمل وجه. كان زملائي من الشرطة واقفين يتفرجون على المشاهد والعراك في الشوارع. وحين دخلت راكضاً إلى غرفة المأمور نبهني الحارس عند الباب أن المأمور لديه اجتماع مع المأمور الجديد الذي وصل هذا الصباح. انتظرت قليلاً لكي أخبره عن المصيبة التي حلّت بالمدينة بسبب سكوته، وأنه المسؤول عن هذا لأنني قد ابلغته مسبقاً أن ما يحدث هو بسبب السينما اللعينة ومالكها والمجهول. وهي فرصة جيدة لكي يطّلع المأمور الجديد على ما يحدث، فأكون قد ضربت عصفورين بحجر. وبعد دقائق من بركان الغضب المكبوت في جوفي، والذهاب والمجيء في ممر غرفة المأمور، فُتِح البابُ وخرج مأمور المركز المتقاعد برفقة المأمور الجديد ومالك السينما!!. نظرت إليهم وقلبي يخفق بقوّة، حتى أنني نسيتُ ما يحدث خارج المركز. لقد كان مأمورنا القديم يرتدي الزي المدني الفاخر، كأنه عريس في ليلة دخلته. تكلموا قليلاً وضحكوا ثم تبادلوا عبارات الوداع والقبلات!!. وبعد أن ودّعهما المأمور الجديد دلف إلى غرفته وأغلق الباب. أما المأمور المتقاعد فقد غادر المكان برفقة مالك السينما، ولم يكترثا أو ربما لم ينتبها لوجودي بتاتاً..

***

أنمار رحمة الله

 

 

تسلق مسرعا الحافلة المزدحمة التي تنوء بحملها مع بدء الدوام لكافة الدوائر من مدينته متجها الى العاصمة بغداد (المسافة بينهما 60 كم تقريبا).. قاصدا كلية القانون بلهفة تكاد لا توصف بل انه يعتبرها لحظات خارج الزمن ولا يدري أهي ساعة فرح أو ضجر ليستلم نتيجة امتحاناته للمرحلة الأولى.. تتسارع ضربات قلب الفتى الغض ومع كل دفقة نبض يشعر بألم أضلاعه وان الازمنة قد تلاشت لديه.. روحه تحاوره بخشوع راهب في الدير يكتب قصائده المجنونة عن ذكرياته التي علقت بذاكرته عنوة.. خيالها يتحرك أمامه حاول نسيانها واسدال ستار العتمة عن تلك المرحلة وبعد جهد وجد نفسه يفكر فيها وفي حب من آلمه فراقها.. لم يستطع مجارات نفسه بنسيانها فقد شعر ان قلبه ازدادت آلامه وأوجاعه

سأوقد سنين عمري سراجا لها ولكل يوم قضيته بعيدا عنها شعر بثقل جسده ثم غاب بين ركام الذكريات.. تخيل نفسه وهو يحقق حلم عمره وحلمها هي أيضا لكن الزمن قتل أحلامهما معا وغدت حياتهما في ظلام اليأس الأبدي وما اختفاء ضوء الشمس الا برحيلها تلفعت بثوب يوسف حين تخلى عنه أخوته وغدروا به لسبب لا يعرفه هو.. أرتعب خوفا حين تذكر وجهها وهي تعيش وحيدة في ظل كوابيس خانقة حين تتذكره.

يقول ملء فمه.. نعم تتذكرني أنا متأكد من ذلك.. آه من قلبي وهو عاجز عن مداواة جراحه وأنين الليل الموحش.. قديما كانت تغني له الحانا شجية حفظتها جدران غرفته المقفلة فقد غادر الفتى مملكته بعد غيابها الطويل وبات متنقلا هنا وهناك.. حلم ما انفك يراوده.. كيف سيكون اللقاء وكيف ستكون دهشة عينيه أمام تلك الحبيبة الغائبة..

منذ طفولتي وهي تناديني.. المحامي وتمنت ان اكون كذلك.. ومن أجلها دخلت كلية القانون.. وسأقف يوما بروب المحاماة وفي قاعة المحكمة سأدافع عن المظلومين ولن أسمح لأحد ان يظلم امرأة.. ترى من ظلم أمي وأنا ابن السابعة ؟؟؟

لم أستطع ان أكوّن فكرة محددة فأخذت أقرأ ملامح وجه أبي وسؤال يدور في خلدي لكن أبي ينهي المواقف كلها بكلمات مقتضبة يقولها ويمضي..

تذكرت ان أبي قبل ان يطلقها كان مقاولا ناجحا ومعروفا في الحي الذي كنا نسكنه.. فلماذا يقتات على مورد بسيط من دكانه الان.. تلك اسئلة التزم ابي الصمت حيال اجوبتها.. أمور عدة يكتنفها الغموض..

وأنا أبن العاشرة سألته عنها وكعادته لم يجبني.. فبدرت مني صرخة مدوية تفاجأ بها الجميع.. وكذلك أبي فراح يضمني ويقبلني ويمسح دموعي المنهمرة مثل المطر.. لكنه حافظ على صمته ولم ينبس ببنت شفة.. ومن ذلك اليوم رافقني الصمت المؤلم..

تحجر قلب أبيه وكأنه غادر جسده.. والفتى يتساءل.. ألم ينبض قلبه في يوم ما بحبها.. ؟؟؟

توقفت الحافلة عن المسير ما يقارب ساعة من الزمن فقد أغلقت مداخل العاصمة لسبب لا نعرفه مما تسبب في تعطل حركة السير.. وبدا التعب والارهاق واضحا على محياه.. متأففا من ريحة العرق التي تزكم انفه المنبعثة من تلاصق الاجساد مع بعضها فالواقفون في الحافلة أكثر عددا من الجالسين..

التقت عيناه بعيني امرأة في منتصف الخمسينيات قد تبدو ملامحها متعبة أو ربما أخفق الواقع في تحقيق أحلامها.. مقعرة الخدين ذابلة العينين لكنها تغطي حزنها برداء التجمل بملابس نظيفة مع شياكة الوانها وتناسقها.. نظراتها تبوح بكآبة روحها هي الاخرى.. لكنه لا يدري من هذه المرأة !!.. ولماذا جذبته نظراتها الحزينة.. ثم همس مع نفسه.. ما مدى صحة من يقول (ان الأرواح المتعبة حين تلتقي نظراتها تشعر بطمأنينة غامرة ).. أشاح بوجهه عنها وقرر ان لا يهتم لأمرها لكنه عاد مجددا ليجدها هي الأخرى ما زالت تصوب نظراتها نحوه.. لا تظهر على وجهها علامة رضا ولا غضب فقط ترمقه بنظراتها من بعيد ومن بين الركاب.. بقي مندهشا من تصرفها ومن نفسه ايضا.. فلماذا يعيرها هذا الاهتمام انها مجرد دقائق وستصل الحافلة.. هكذا فكر مع نفسه

لكن المرأة تحركت من مكانها وهي تشق طريقها بصعوبة بالغة من بين الاجساد وها هي تقترب منه وما زالت تصوب نظراتها نحوه.. اما هو فقد تسمر بمكانه وشعر نحوها بهاجس غريب من الألفة وخيل له انه يعرف هذه الملامح سابقا وربما كانت في يوم ما تمثل له مرحلة من مراحل حياته.. نعم انها ليست غريبة عني.. ضغط على رأسه بكلتا يديه ليعود بذاكرته الى زمن براءته أو الى أيام صباه حيث ارتبطت ملامحها بتلك الفترة ربما لأنها تشبه أمه في بعض ملامحها.. لكنها فاجأته بسؤالها...أنت ابراهيم.. أليس كذلك ؟؟؟؟

أجابها مرتبكا نعم نعم

استفزته نبرات صوتها فأغمض عينيه وكاد ان ينفجر باكيا.. قالت له لقد وصلت الى كلية القانون.. أجابها مندهشا.. ومن أخبرك اني قاصد كلية القانون.. ابتسمت وهي تمد بصرها نحو طفلة متسولة جميلة صعدت للحافلة توا.. ثم دست بيدها ورقة نقدية.. مسكت يده ونزلا سوية الى الشارع... قالت.. اتابعك مذ فارقتك آخر مرة وقد حضرت اليوم لأقدم لك تهنئة النجاح.... يا الهي.. وهل أنا ناجح حقا.. بالله عليك من أخبرك..؟.. شعر بقشعريرة تهز بدنه النحيل وأراد ان يتكلم فخانه لسانه المتصلب داخل فمه.. ثم ان ما تقوله هذه المرأة قد انهك قواه العقلية وعقد لسانه...انها تعرف عنه كل شيء

آه يا بني كم من السنين انطوت لم ارك فيها وقد كنت كل حياتي.. بينما انشغل هو بتقبيل يديها وأخذ يكرر...سامحيني...سامحيني.. لقد بحثت عنك كثيرا ولكن دون جدوى.. وحين قصدت دائرتك أخبروني انك خرجتي منها وتركتي عملك فيها..

في هذه الأثناء سحبه صاحبه من يده.. هيا يا صديقي الحافلة قد وصلت قريبا من كلية القانون فنزلا من الحافلة وتابعا سيرهما الى الكلية.. وابراهيم ما زال صامتا متوترا لا يقوى ان يقول شيئا نظر الى صاحبه نظرة بلهاء وكأنه استيقظ توا من اغفاءة بسيطة داخل الحافلة.. أو ربما انه حلم اليقظة الذي كان أكثر صدقا من حياته وهو ما يحتاجه الانسان كي يرمم شرخا بداخله.. فحين رأى تلك السيدة التي تشبه أمه غاصت روحه الى أعماق النفس المتوجعة وكأنه لجأ الى ذاته المضطربة وتمنى ذاك اللقاء.. لكنه حسم أمره وقرر المواجهة الفعلية..

وأمام منزل أبيه وقف ابراهيم رافعا رأسه وهو يطرق الباب بجرأة لم يعهدها بنفسه من قبل اشتعلت فيه جذوة الندم لسكوته الأحمق عبر تلك السنين أحس ان نجاته مما يؤلمه ستكون بكلمة واحدة من فم أبيه..

الأب.. هل نجحت يا ولدي..؟

ابراهيم.. ينبغي ان تصارحني وبدقة وان تخبرني عن سبب إخفاءك لبلد اقامتها.. لقد ظلمتها كثيرا فلا تتمادى في ظلمي أيضا فقد حملتني جبلا من الهموم من أجلها..

الوالد.. رحمها الله يا ولدي

نعم من حقك.. فقد غدوت رجلا ذكيا وهذا يفرحني.. الحقيقة اني لم اطلقها بل انها كانت تتبضع في سوق مدينتنا الجميلة لاستقبال طفلنا الثاني.. اتصلت بي من أجل عودتها للمنزل.. لكن وضع المدينة الأمني تطلب منا ان نغادرها فورا والهجرة غدت أمرا لا بد منه.. عادت هي مسرعة والقت ما تحمله واكتفينا بما هو مفيد لنا.. لا نملك ما يحملنا سوى أقدامنا مرت هي خلالها بساعات عصيبة فقد شعرت بتثاقل جسدها وبانت صفرة على وجهها كانت تشتكي عما تعانيه ولكن ليس باليد حيلة.. ابتسمت متفائلة وهي ترى سيارة كبيرة قادمة تكدس فيها الكثير من النازحين.. قطعنا ما يقارب الخمس ساعات ثم وصلنا الى مكان آمن وحصلنا على سكن في بيت مهجور تركه أصحابه فهو آيل للسقوط.. مرت أسابيع وهي تعاني من اجهاد مستمر..

وفي ليلة كان قلقها كبير وهي تعاني من آلام الطلق لم تستطع ان تحرك جسدها فحملتها مسرعا للمشفى القريب وللأسف الشديد اخبروني بعد ساعات من المحاولة ان ولادتها قد تعسرت وفارقت الحياة مع وليدها.. لقد شاء قدرنا ان يرسم لنا هذه النهاية.. جدتك اهتمت بك والتي طلبت منها عدم اخبارك بالحادث.. تحاملت على نفسي وتطلب الامر ان اسيطر على حزني ولا اظهر ضعفي أمامك ولم أشأ ان أسلب منك قوتك وارادتك في رسم مستقبلك.. نعم أشفقت على صغر سنك وأخبرتك تلك الحكاية.

***

قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو

إنّها المرة الأولى التي أدخل هذا السوق التجاري الضخم (المول).

كنت سعيدًا أن أفاجئ زوجتي بهدية عيد ميلادها الخمسين، كنت حائرًا في اختيار الهدية المناسبة. دعني أبالغ بقولي: إنّ النساء تنفطر قلوبهم بالذهب من العيار الثقيل. إنّها المرة الأولى التي أملك فيها مبلغاً كبيراً جداً بعد سنوات طوال في تسديد الديون التي لا تتوقف.

وقفت أنظر خلف الزجاج لبعض العروض المقدّمة، الحيرة تأسرك في الأشكال المختلفة بأحجامها وأشكالها!

سألني البائع: هل وقع نظرك على شيء معيّن؟

ابتسمت، وقلت له: هل لديك عرض خاص؟ مثلاً تشتري قطعة واحدة وتأخذ اثنتين؟!

ضحكنا سويًا، ثم قال: عندما تقرّر الشراء، سوف أنظر في مسألة السّعر.

فجأة، التفت فتاة بجانبي وحيّتني بقولها: مساء الخير!

وقع صوتها كان رخيمًا، يلامس شغف الروح.

أجبتها: أهلاً سيّدتي.

الفتاة: هل أنت الكاتب يوسف المرشد؟

أجبتها: نعم.

الفتاة (مبتسمة): لقد قرأت جميع مقالاتك، خاصة القصّة الأخيرة، لقد أعجبتني كثيرًا، خاصّة عندما انتهى اللقاء بين فريد ونجوى بالعودة معًا إلى عشّ الزوجية. لقد لاحظت عند قراءتي للكثير من القصص الزوجية أن تكون نهايتها مأساوية، لكنّك أبدعت، أستاذ يوسف.

كنتُ منبهراً من سرد القصة أثناء حديثها التلقائي، كأنّها هي التي صاغتها وكتبتها بخطّ أناملها. وبلمحة خاطفة لاحظت عدم وجود خاتم الزواج في إصبعها. ومع أنّي قدّرت بأنّها في الأربعين من عمرها، إلّا أنّها تتمتع بوجه طفولي، وعيون زرقاء، وفم صغير وشفاهٍ ممتلئة.

قبل أن أشكرها وأعود إلى البحث عن عقد أو خاتم، تدخلتْ بشكل سريع، قائلة: يبدو أنك حائر في أيّ قطعة تشتريها؟

أجبتها: نعم.

الفتاة: هل أستطيع المساعدة؟

اقتربت قليلاً، بينما رائحة عطرها الشّفافة علقت في أنفي، وحينها اضطربت نبضات قلبي بسبب تلك الرائحة الثرية النقية المسالمة.

الفتاة: انظر إلى هذا العقد، ربما يناسب زوجتك!.

نظرتُ إليها بعينٍ أخرى: أنتِ حاذقة!

الفتاة: كم سنة استمرّ زواجكم؟

أجبتها: سنوات طويلة.

الفتاة (بشيءٍ من الإحراج): أو ذاك الخاتم ربما يناسبها أكثر!.

سألتها: سيّدتي، ما اسمك؟

الفتاة: أنا ليلى الشّمالية.

استغرقتُ بعض الوقت ضاحكاً، ثم قلت لها: أنتِ الكاتبة إذًا؟! أهلًا بكِ، لقد قرأت قصّتكِ الأخيرة، (الطيور على أشكالها تقع)، إنّها قصّة جميلة، قرأتها العام المنصرم، إذاً اتفقنا.

ابتسمتُ مرّة أخرى، إنّها الصّدفة التي جمعتنا. أنتِ في خيالي منذ فترة، أين ذهب خيالك؟

الفتاة: ما رأيك أن تشتري ذلك العقد؟ سوف تعجب به زوجتك، يبدو أننا اتفقنا!

البائع: أهلاً سيّدي، يبدو المدام أقنعتك أخيراً.

ضحكنا سويًّا، نعم أعتقد إنّها تشعر بالسّعادة.

الفتاة: هناك كوفي شوب في الناحية الأخرى، ما رأيك أن تكون ضيفي مع فنجان من القهوة؟

لم أستطع المقاومة! قبل الوصول نظرت لي وكأنّها اعتادت رؤيتي منذ فترة طويلة، اقترحت أن ندخل تلك المكتبة المشهورة، قبل الكوفي شوب، بدأت نظراتي تفوق كلّ توقعاتي، ما زلت ممسكاً بالكيس الأنيق الذي بين يدي، لا أعلم، ربما جمالها ورقة عذوبتها وشخصيتها وأناقتها، أفاضت شيئًا من نفسي!

الفتاة: تعالَ إلى هنا، انظر! هذه روايتك الأولى "الصّيف المجنون"، لقد قرأتها عدّة مرّات، لقد ألهمني وصفك للبحر عندما قلت: "ظلّ السّماء كان مؤثراً في هدوء البحر!". 

ابتسمتُ، إنّها رواية كاتب ميتافيزيقي، يحاول فكّ الرموز الماورائية، لكنّها جميلة، أيضًا، هذه روايتك الثانية (ليلى) كما أعتقد "النصف الآخر".

انتابني الخوف أن يكون نصفي مشابهاً حلقات روايتك. استدعت أذنيها مرّتين للكلمة الأخيرة، في الرّف الأعلى للعرض، وقع نظري على إبراهيم نصر الله "مأساة كاتب القصّة القصيرة"، أمسكت بنسختين وضعتهما في السّلة اليدوية، سوف يقرؤها كلُّ واحدٍ منّا في انتظار اللقاء الآخر قريباً، لكن ما زال لدينا وقت للجلوس في الكوفي شوب.

سأعتذر إليك أ. ليلى!

الفتاة: أرجو أن تناديني باسمي (ليلى)، إنّه يشعرني بالثقة والألفة تجاه الطرف الآخر.

أجبتها: الوقت لا يسعفني حاليًّا!

الفتاة: هل أنت واثق مما تقول؟

أجبتها: أعترف أنّها مناسبة جميلة، لكن لا تقلقي، سوف نلتقي مرّة أخرى.

لم تكن (ليلى) سعيدة بهذا الهروب السّريع، لكنّها انطوت على الفكرة التي تقول: قدرٌ يقبل قدرًا.

ودّعتها، وقبلها تبادلانا الكلمات التي لا تنتهي.

بين المغادرة، كانت أمامه، أمام الملأ، تصرخ بصوتٍ عالٍ: كم أكرهك وأمقتك! ولم أعد أريد رؤيتك مرّة أخرى!

أجابها: قال لها: أنتِ طالق!

صُعِقَ الجميع، إلّا (ليلى) التي كانت تبتسم من وراء حجاب.

***

فؤاد الجشي 

فَهَا تَنْهَالُ سَيْفَاً، أَنْتَ حَرْبُ

عَلَى الْمَرَضِ الْذِيْ يَعْيَاهُ طِبُّ

*

سِوَىْ جَمَرَاتِ قَوْلٍ فِيْ صَدَاهَا

شَـرارَاتٌ، وَأَنْتَ لَهَا مَهَـبُّ

*

بِلَادِيْ قَدْ حَوَتْ خَيْرَاتِ رَبّي

يَصُوْلُ بِأَرْضِهَا ضَبْعٌ، وذِئْبُ

*

ويَنْهَشُ لَحْمَهَا أُمَرَاءُ حَرْبٍ

ويُفْرِغُ كَنْزَها سَلْبٌ ونَهْبُ

*

فَأَهْلُ الدَّارِ فِيْ أَسْمَالِ طِيْنٍ

وَيَأْكُلُ خَيْرَهُمْ شَرْقٌ وَغَرْبُ

*

أُنَاسٌ مِنْ قُرُوْنٍ غَابِرَاتٍ

فَلَا وَجْهٌ وَلَا عَيْنٌ وَلُبُّ

*

وَتَارِيْخٌ تَرَبَّىْ فِيْ كُهُوْفٍ

فَلا نُوْرٌ، وَلا فَرَحٌ، وَحُبُّ

*

حَرَامِيَةُ الْمَغَارِ(افْتحْ يَسِمْسِمْ)

وَمَا شَرَفٌ بِمَانِعِـهِمْ، ورَبُّ

*

بِضاعَتُهُمْ كَلَامٌ فِيْ كَلَامٍ

تِجَارَتُهُمْ مُحَاصَصَةٌ وَحِزْبُ

*

ذُبَابٌ فَوْقَ كُرْسِيٍّ صِرَاعٌ

بَرَامِجُهُمْ أَكَاذِيْبٌ ونَصْبُ

*

وَشَعْبٌ بَائِسٌ فِيْ ثَوْبِ فَقْرٍ

أَذَاقُوْهُ الزُّعَافَ، وَلَيْسَ يَخْبُو

*

فَمَا هُمْ مِنْ رِجَالِ الْحُكْمِ حُكْمَاً

وَلكِنْ هُمْ لِنَهْبِ الْكَنْزِ حَسْبُ

*

فَلَمْ تَشْبَعْ بُطُونُهُمُ الْتِهَامَاً

وَلَمْ يَرْدَعْهُمُ دِيْنٌ، وَعَيْبُ

*

وَنَحْنُ بِدَارَةِ الأَغْرَابِ نَصْلَى

بِنَارِ الْقَهْرِ يَجْرُفُنَا الْمَطَبُّ

*

نرى أملاً، وأُفْقاً مِنْ ضياءٍ

لِيَحرقُ بغيَهمْ نارٌ وشَعْبُ

***

(مِنْ بحرِ الوافِر)

عبد الستار نورعلي

أكتوبر 2022

ما بين غَسَقَ الدُّجى

وإبْلاَجُ الصُّبْحِ

قَلبِي

يُرَتِل تَرًنِيمَة وَجد.

بعْدَ سُهاد

طَيْفكٍ زارَني

حَدَثَنِي

عن أمْنِياتِ الأمس.

عن الفرحِ ، والهمسِ

عن وعودِ

بالوفاءِ

الصدق. كل الصدق

ثارَ بِي أسئلةٌ مُستَفزة

أتراهم عَبَثُو في الطريقِ

يَوُمَ كُنتُ أطوي المسافة

كسجادةُ صلاةُ

هلّ للاحاسيس ثمن؟

لِتُباعُ المشاعُر

في سوقِ النخاسِةِ

أم انَّ الوفاءَ

شُيعُ الى مثواهِ الاخير

لتَحُلَ ساعة النسيان.

***

كامل فرحان حسوني ....العراق

 

 

عاد أبي بعد صلاة الجمعة مكفهر الوجه عابسا كمن تهجمه عدو في الطريق، بين عمتي وبين أمي كانت النظرات تنوب عن الكلام..

لحقتُ بأخي الذي كان يخلع جلبابه الأبيض بعد أن رافق أبي في صلاته فربما التقطُ منه ما غير أبي وعكر مزاجه..

على مائدة الغذاء غابت ضحكات أمي غياب مدح أبي على قصعة كسكسها التي يعبق سمنها البيت والتي تعوَّد أبي أن يكيل المدح ليد قد أعدتها، فكأن كسكس هذه الجمعة قد أعد لمأتم. كانت عمتي تتطلع لأبي تحاول أن تفجر صرة عبوسه فتتراجع خوفا من أن يترك المائدة غاضبا قبل أن يتمم غذاءه..

لعق أبي أصابعه ثم انسل الى غرفة نومه داعيا أمي اليه.. ضحكت عمتي وأومأت لأمي بغمزة تنهدت على إثرها أمي وقالت: "كِيْتي" وهي تحرك اصبعها الوسطى فوق كتفها كدليل "لاشيء" ؛ بعد برهة وصلني نداء منها..

منعتني عمتي من تلبية ندائها الا وهي معي اثر كلمات تبادلتها مع أخي..

ما أن واجهتُ أبي حتى بادرني:

اسمعي، منذ اليوم لن تخرجي من البيت الا وانت محجبة..

انقباض لف صدري، وظلمة تغشت بصري، لماذا ؟ لم أتجاوز العاشرة من عمري !!

بسرعة تتدخل عمتي بعد أن رأت دموعي تتسربل على خدي:

ـ النصيحة من وحي خطبة امامك اليوم، أليس كذلك ؟

وضع ابي عيونه بين رجليه، ولم يزد عن القول:

ـ الامام لم يبلغ الناسَ غير أوامر الله..

لا يستطيع ابي مجادلة عمتي فهو لا يملك علمها ولا ثقافتها، انشغل من صباه بالتجارة مع جدي وهي اهتمت بالدراسة وطلب العلم الى أن صارت أستاذة جامعية فضلت التقاعد بعد حادثة سير مع المرحوم زوجها..بادرته:

ـ كيف تئد صبية فتكفن جسدها قبل الأوان؟ وكيف استطاع فقيهك الجاهل أن يقنعك وأمثالك بهذا الرأي السحري الذي ارهبك وتركك تعود الى البيت مفزوعا تصدر أمرا ظلاميا؟ أي عقل سليم يكتم أنفاس طفلات الا إذا كان يستقي معلوماته من غياهب الكهوف، أو له في ذلك غاية ماكرة ؟ متى تنتبه الأوقاف الى أن فقهاء مساجدها صاروا لا يتمنطقون الا بتمديد كل ممل سقيم يسخر منه الناس ضاجرين بملل ؛هل تدري ما قاله ابنك حين سألته عن موضوع الخطبة ؟

" خرافات كالعادة لا تقنع أحدا، كثير من أصدقائي ماعادوا يرافقون آباءهم الى المساجد أيام الجمع "..

انسلت أمي وهي تشدني من يدي، وبقيت عمتي وجها لوجه مع أبي..كانت حركة أمي تعكس رفضا لما أمر به والدي..

حاولت من وراء الباب أن استرق قليلا مما يدور داخل الغرفة، كلام كثير دار بين ابي وعمتي لم يتوضح منه غير هذه العبارات من عمتي وهي ترد على كل حجة من أبي:

ـ الإسلام لا يعترف برجال الدين ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، الدين عدل، أمن وأمان يا أخي وليس لباسا ومظاهر، في المجتمع اعوجاجات أحق بالمتابعة والإصلاح من الخوض في التفاهات التي لا تتسلط الا على المرأة دون غيرها..

تحول صوت عمتي الى همس كأنها تلقن أبي درسا خاصا ختمته بنصيحة قبل خروجها:

فقهاء يغيب عنهم العلم بحقيقة ربهم فظلوا يهرولون خلف التهديد والوعيد بالجنة والنار وعذاب القبر وما أحوجهم الى دعوة صارمة لتطبيق قانون العدل والمساواة بين الناس..

لم أفهم الكثير مما قالته عمتي لكن وجهها وهي تغادر الغرفة كان يرمي بشائر وينشر قناعات..

كانت أمي متلهفة على نتيجة النقاش بين ابي وعمتي، ضحكت هذه وقالت:

ـ أستغرب كيف غرق أخي في هذا "بوخرارب" من التزمت العقلي والانغلاق الفكري؟

تربينا في أسرة لم يكن ابونا فيها غير تاجر للألبسة التقليدية، يحضر دروس العلماء بين العشائين في مولاي ادريس والقرويين، يناقش ويحاور ويتطلع لكل جديد، وأمنا غيرت الحايك بجلابيب أنيقة تاركة شعرها يرتاح على كتفيها بلا غطاء عدا أيام البرد والمطر، ولا أحد تدخل في اختيارها..

تتنهد أمي حتى أن دمعاتها شرعت تتلألأ في عيونها ثم تقول:

صارت بيوتنا مآتم لا حديث الا عن الأئمة والصحابة وأمهات المؤمنين والحلال والحرام وكأننا مفروض علينا أن نعيش زمانهم حتى نجد مقعدا في الجنة،ولا تلفزة الا اذا كانت حديثا لفقهاء الظلام، اعلاء للذكورة وتسليط القهر على النساء، وفرض واجب الطاعة والامتثال عليهن، اماء بلا عقل ولا إرادة.. معدلات الطلاق تتفاقم والكل يغرس راسه كالنعامة في الرمال ولا يجأر أحد بحقيقة والتي لا تعود للمرأة كما يحاول الفقهاء تلبيسها للنساء..

صلى أبي العصر بعد قيلولته وقبل أن ينظم الى مجلس القهوة انحنى على رأس أمي وقبله.

ضحكت عمتي وقالت مازحة: يبدو ان أخي لم يبلغه خبر موت والدك الا اليوم وأقبل يعزيك، الله يتقبل...

ضحك الجميع وكنت السعيدة بينهم، ارتميت على صدر خالتي وعانقتها فلولا وجودها اليوم معنا لاستقبلتني المدرسة غدا بطرحة سوداء كم عبتها على غيري من الصغيرات...

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

 

إليك يامن نفت الذات في الذات؛

أهمس بالهمس، ها أنا أحترق.. أحترق

***

حبيبتي

هاذي يدي في يديك تلامس نبض العشق

تستشعر الحنين في جوف العيون

قطرات ندى على خديك

تداعب مكسور أضلعي

على شرفات أطرافك تنادي

أطلالا من جسدي

من بيارق الحب المسكوب على شفتيك

تغرق في هيام الاسم

في المنافي

في السنبل والأكمام

ذاك المحنط بالصبى

فوق الزنابق أجفان العيون الأزرق

عمّده الشوق في أديرة الهجر

مصدوعة الرجاء

مدقوقة على صلبان السنديان

ترنم للوتر المنفي عن الصوت

شوقا لقميص مطرز بالهوى

في عطرك ذاب ذات مرة

ثم

ما عاد يرتجى

سافر في الهجر... بعيدا

يغازل القمر عمرا

والحزن في الذكرى أديم

أحبك بعضا قد مر من هنا

سكن الشفتين

الخدين

وكل الخطوات والأحلام

خلع المعطف والقميص والأزرار

وبلا أقدام

رحل عني

رحل ...

***

عبد العزيز قريش

فاس في 19/10/2022

النّساء اللائي ينبتُ البنفسجُ

على أكتافِهن

يرمزُ لأحزانٍ عريضة

وسع الكون

يُجِدْن الابتسام

في لحظةِ انفتاح الجِراح

على

مجاري الدّمع ...

*

يُجِدْن لملمةَ أطرافَ

الصّباحِ في فنجانِ قهوة

يُفلح شذاه

في مراقصةِ خطوات الشّمس

التي تتسلق ظهر الأفق في رفق ...

*

يُجِدنْ الإبحار

في صدرِ النايات

يُعانِقنْ الصهيل

في أوان الصّمت

ويُطرِّزنْ المسافةَ

بأناملِ التراتيل ...

*

ولا يُجِدنْ الانتظار

على عتبةِ الواقع

يُحلِقن مع غيمةٍ ماطرة

يُزهِرنْ في قلبِ الخيال

حِكاية حياة ...

*

مساماتُهن نوافيرُ دِفء

وحباتُ العرقِ تمائِمُ عِشقٍ

وأسرابُ نوارس

تحطُ على مرافيء قلبٍ

يُؤنسُ نبضهُ

وحشةَ المِساحاتِ الخالية ...

*

يُصفِقنْ في مواسمِ الرّحيل

يتبعهنْ

صريرُ الأبوابِ

وجوهُ المرايا

زهراتُ مفارِش الطاولة

ثرثرةُ الغُرفِ

أسماءُ الكتبِ

أرقامُ صناديقِ البريد

الخاوية

معالِمُ الوجودِ

وجدرانُ الصّور ِ

التي تتجولُ

في ذاكِرة المكان ...

**

أريج محمد أحمد /السودان

في ظلمة الديجور

ادون كل حشرجة نملة

داستها باب زنزانتي

واسجل نزواتي

في أوراق ذابلة

طالما انتظرت خريف المنفى

2

أنا لست شاعرا

ولكن كل ممكن ممكن

فكرت يوما ان اكتب قصيدة

عن شواهد  مقبرة حيينا

فلم اجد غير الاحياء

في بيوت غير مسكونة

3

اذا لم يكن بمقدوري

أن أتفادى اللقاحات

فسأبتكر فيروسا يحمل اسمي

وسأعقم كل اطرافي واعضائي

وسأصرخ في وجه العالم:

أنا معقم اذن أنا حي يرزق

4

منذ ذلك الوقت

ولغاية الآن

وأنا اتحسس نبض الاشياء

وسوف أظل أتهجى اسم القرابين

التي وهبتها الي مرآة جدتي المكسورة

5

ثم قلت لنفسي:

ليس بالعمامة ولا بالنقاب

ولا بثوب الراهب

تقاس جودة النسيج

6

هكذا حدثتني المرآة المضببة

بكل جلاء ووضوح

فهي التي في كل صباح

تعكس وجهي البوهيمي

وعندما احدق فيها مليا

ارى وجهين غير متشابهين

7

ما زال ثمة وطن  منهوب

يحتضر

على قارعة خريطة منسية

صبوا عليها النفط والملح

وأتساءل :

لماذا حشائش الحقول

لا تبتسم لفصل الشتاء

رغم انها ما زالت

على قيد الحياة

8

بين الفينة والفينة

يرفس الحمار المظطهد

الذبابة الرابضة في ذيله

9

انظمة الغرب

تتصنع حضانة الديموقراطية

ولا ترى ارهاب الآخرين

الا من خلال زاوية 360 درجة

10

قيل لي يوما:

يا صاح!!!

قصائدك جيدة

ولكن لا تجعلك شاعرا

انت تلعب بأوراق الحظ

ثم تنام على طاولة القمار

كمن لا جفن له

***

بن يونس ماجن

كَلامٌ دونَ تأثيرٍ وفِعْلِ

كتعْزيْزٍ لواعِدَةٍ بغِلِّ

*

كِتاباتٌ بلا هَدَفٍ حَميْدٍ

هُراءاتٌ مُدمِّرةٌ لكُلِّ

*

خطاباتٌ بها الأسْماعُ ناءَتْ

مُدنَّسَةٌ بأطماعٍ وذُلِّ

*

وأشْعارٌ مُجَفَّرة كلغْزٍ

وتَخشى مِنْ صَراحَتِها بقَوْلِ

*

وضادُ وجودِنا أضْحى حَزيْناً

ومَأسوراً بأصْفادٍ لجَهْلِ

*

عُروبَتنا بها وَجَعٌ ثَقيلٌ

يُدَنِّفها بعاديَةٍ كسُلِّ

*

كلامُ مَسيرةٍ دون اعْتِبارٍ

وكانَ القولُ صَدّاحاً بفِعْلِ

*

أ مِنْ عَمَلٍ إلى خَمَلٍ تَداعَتْ

وعاشتْ باحْترابٍ حينَ وَصْلِ

*

شعوبُ الأرْضِ قادتُها سُداها

فلا تَأسى على أمَمٍ كظِلِّ

*

بلادُ العُرْبِ لا تَحْيا رؤاها

تُخَمِّدُها حَنافيشٌ بشَلِّ

*

أضاليلٌ مِنَ البُهتانِ فاضَتْ

تُدَمِّرُ أمَّةً بهَوى المُخِلِّ

*

عَلائِمُ بؤسِها ألَسٌ مُقيْمٌ

وتَعْطيلٌ لباصِرَةٍ بعَقلِ

*

فما نفعَ البَديعُ إذا اسْتقادَتْ

ونَفسٌ في مَساوئِها كخِلِّ

*

تَبايَنَ نَهْجُها فبَدى صَريْحاً

غَرائِبُ حالةٍ عُنوانُ كُلِّ

*

وعاءُ الخَلق فيّاضُ احْتِواءٍ

بما مُلِئتْ سَتُلقى فوقَ تَلِّ

*

مَرايا كونِ ذاتٍ مُسْتعادٍ

تخبِّرُنا بساعيَةٍ لهَوْلِ

*

هيَ الأفعالُ تاريخٌ صَريحٌ

وكاتِبُها بأطراسٍ يُملّي

*

فهَلْ وَصلَ الكلامُ لمُنْطَواها

وهَلْ عاشَتْ على قالٍ وقلْ لي؟

*

أرانا فِعْلنا قولٌ عَقيمٌ

وثَرْثرةٌ بلا ثمَرٍ وحَقْلِ

*

فدَعْ كَلِمَنْ وسَعْفَصُها لبَوْرٍ

فما غرَشتْ ولا جاءَتْ كسَيْلِ

*

عَصاها فوقَ سَبّاقِ المَنايا

فهلْ وُضِعَتْ على رَبْعٍ ببُسْلِ؟

*

تَطاولَ حَيْفُها والقَهرُ قَرْنٌ

وإنّ نَهارَها يَسْعى كليْلِ

*

وهذي الأرضُ نَقمَتُها تَجَلّتْ

أصابَتْها بتَخْميلٍ وعُضْلِ

*

إذا الأوْطانُ ساسَتُها العَظايا

سَتحْدوها إلى نَكَبٍ ببُهْلِ

*

جنانُ الخُلدِ مِنْ كَلمٍ سُقاها

وقولُ الحَقِّ مُزدانٌ بعَدْلِ

*

وفَيضُ الروحِ مَنبَعهُ كنورٍ

دفوقٍ واهبٍ زهواً بنُبْلِ

*

يَراعاتٌ إذا سَطرَتْ أصابَتْ

أسِنَتُها على بُطلٍ كأُسْلِ

*

تُرَجِّمُ رائعاً في عَصْرِ بُهْتٍ

وتَضليلٍ بشانئةٍ وَويْلِ

*

هيَ الأقلامُ سامِقةٌ بفِكْرٍ

تؤيِّدها جهابذةٌ بنُهْلِ

*

فعَنْ قلمٍ إذا صَحَّتْ سؤالٌ

يُخبِّرنا إذا وَصَلتْ لسُفْلِ

*

شَموخٌ سامِقٌ فوقَ النَوايا

بأعْذاقٍ مُعَسْجَدةٍ بنَخلِ

*

ألا تبَّتْ يَراعٌ ذاتُ أجْرٍ

تروِّجُ باطلاً وغَدَتْ كذيْلِ

*

تآزرَتِ الخَطايا في بلادٍ

وألقمَتِ البَرايا تفريقَ شَمْلِ

*

تَطاولَ فاسِدٌ ونَأى نَزيهٌ

وفازَ عدوّها منها بجُزلِ

*

هيَ الأوطانُ مَرْجعُنا سَتَبقى

وتَحْمينا وتَجْمعنا بأصْلِ

*

كلامُ جَميعِنا برهانُ إنّا

فإنْ طابَ الوفاقُ بها سَيُعلي

*

تَموتُ شعوبُنا مِن قتلِ ضادٍ

لأنَّ بَديعَها مِنْ غيرِ صَهْلِ

*

جَديدُ حَداثةٍ نَسخٌ لغيْرٍ

فَهلْ جاءَتْ ببرهانٍ لفَضْلِ

*

فكانَ عَطاؤها مَحْضُ ابْتداعٍ

وتقليدٍ وتَضليلٍ لضَحْلِ

*

"إذا قالتْ سعادُ فصدِّقوها"

فإنَّ الصِدْقَ مَحْفوفٌ بعُزلِ

***

د. صادق السامرائي

1\9\2022

أُسائِلُ أُمِّيَ:

كَيْفَ؟.. لِماذا؟

أُمُوْمَةُ أُمٍّ تَصِيْرُ انْتِباذا؟

لِماذا تَسِيْلُ وِهادِيْ بِأُمِّ جِبالِيْ؟..

أَكانَ الجِبالُ رَذاذا؟

ولِـمْ جَسَدُ الأَرْضِ هَبَّ كَـ(فيْنُوسَ)..

دِيْسَ بِأَمْسِ عِظامًا جُذاذا؟

*

كَواكِبُ دارَتْ بِفُلْكِ المَعانِي..

أما مِنْ كَواكِبَ دارَتْ فُذَاذَى؟

فأَلْتَذُّ بِالحُلْوِ طَوْرًا،

وطَوْرًا تَحُوْلُ مَرارةُ مُرٍّ لَذاذا!

*

أ تَعْشَقُ أُمٌّ ذَواتِ بَنِيْها؟

أَمِ الأُمُّ تَعْشَقُ فِيْها الْتِذاذا؟

فقالتْ:

"أُمُوْمَةُ أُمِّكَ عِشْقُ الأُمُوْمَةِ،

فِيْهِ اتُّخِذْتَ اتِّخاذا

كأُمٍّ تَنُوْحُ القِطاراتُ لَيْلًا،

وهذا قِطارٌ يَنُوْحُ كهذا

وما الحُبُّ إلَّا احْتِمالُ شِفاءٍ

بِنَهْرِ اشْتِهائِكَ..

فاضَ فآذَى

فَلا حُبَّ في الكَوْنِ حُبٌّ،

سِوَى حُبِّ مَنْ هَنْدَسَ الحُبَّ كَوْنًا مَلاذا

لَقَدْ تَأْكُلُ الأُمُّ- [حُبًّا] - بَنِيْها

كما تَأْكُلُ الهِرَّةُ الدَّرْصَ عاذا!"

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

بريقُ الزُّمرُّد في عينيكَ يُؤِرِّقُني

ما الخَطبُ.. أَتُوَدِّعني؟

لا تَرْحَلْ مُتَورِّطاً بِقَلبِي يا أنت

دَعْ قبعة كبريائكَ

على حافَةِ سريري

وتَكوَّر في أحضاني

إنَّهُ منتصف اللَّيل..

الطَّقسُ بارِدٌ

نبضكُ يتوسَّلُ حنيني

وكلُّ ما فيكَ

يَلتَجِئ إلى محرابِي.

أتركُ للغَدِ ما للغَد

زوبعتي دونَ عَقارِب

جَسدِي شدو النَّبيذ

أوقِدْ شُموعِي، احرِقْني كبريتاً

زَلزِلْ وَقتِي، أشعلْ زنابقي ..

كُنْ كالسَّيلِ الجَارِف

خُذْ أنفاسِيَ..

لَملِمنِي بِشفاهكَ

دعْني أُحلَّقُ ماوراء شَفتَيكَ

**

دُنيا النِّساء ِأنا

من مَواليدِ الرِّيح

اِمْلأْ مَساحاتِي

واعْبُرْ قاراتي

قارةً .. قارةً

خَـيِّـم على تَضاريسِي

آهٍ.. آهٍ

لتذْب عِطرَكَ الصَّخْرِي

فلتُشعِلْكَ ولا تُطفِئُكَ

تُرديك قَتيلاً

شهيدَ الشَّبق

أريدُكَ لَهيباً مُستَعِراً

وَلَهاً مستبدًّا

أعشقكَ عاصفةً من عواصف

وخيالاً من نبيذ

***

سلوى فرح - كندا

 

ذهبت إلى المقهى المعتاد حوالي الساعة 11 صباحا.. مررت بالزبائن الجالسين خارج المقهى على مساحة بالرصيف، مرخص لها، حيث يمكنهم التدخين. وما إن تخطيت عتبة المقهى، فوجئت بحركة غير عادية للنادل وهو منهمك في تنظيم الكراسي والطاولات بطريقة مختلفة على العادة. كان المقهى فارغا بالداخل، إلا من زبونين، أما أغلب الزبائن فكانوا جالسين في الخارج. أفضل الجلوس بالداخل لأنه مخصص لغير المدخنين. تعجبت من هذه الحركة غير العادية. بادرني النادل بابتسامة وأشار إلى مكان قرب الكونتوار وهو يدعوني إلى الجلوس. سألته عن سبب هذه الحركة وهذا التنظيم المحكم حيث كل الكراسي كانت موجهة نحو التلفاز المعلق على الحائط. ضحك وتابع عمله كأنه لم يسمع سؤالي. ظننت أنه يهيء الأجواء للقاء ثقافي، أنا المهووس بالمقاهي الثقافية. سألته ثانية فقال لي:

- أعرف أنك لا تهتم بالكرة..

فضحك كعادته.

سألته ثانية:

- ضد من سيلعب الفريق الوطني..؟

قهقه. فقال:

- لا.. مقابلة الكلاسيكو..

فقهقه بملء فيه لأنه يعرف بأنني جاهل في عالم لغة كرة القدم. إستغربت من استعماله كلمة "كلاسيكو" التي تعني بالنسبة إلي "كلاسيكية"، وهي موجة ثقافية وفكرية عرفتها اروبا في القرنين السابع و الثامن عشر، كما يطلق عليها كذلك إسم الحركة التنويرية. فهل هذه الحركة غير العادية، تهيء للحظة تنويرية؟

- وماذا تعني بالكلاسيكو؟

- لقاء البارسا وريال مدريد..يا صاحبي..

ضحكت من هذا الجواب، حيث أصبح فريقا البارسا والريال يمثلان الكلاسيكية. فقلت له:

- إذن انسحب..

- لا ليس الآن..المقابلة تنقل في الظهيرة..

- في الظهيرة!! وهل ضروري أن ترتب القاعة الآن؟

- نعم.. لا تستغرب هناك بعض المقاهي بوسط المدينة قد لا تجد بها مكانا منذ الصباح.. وهناك من بين الزبائن من يلتحقون بها باكرا ومعهم سندويتشات في انتظار الكلاسيكو.. كما لو أنهم ذاهبين إلى الملعب..

جلست في مكاني. شربت قهوتي.. فكتبت هذا النص وأنا كلي دهشة. هل أصبحت كرة القدم "ديانة" القرن الواحد والعشرين؟ لها شعائرها وشعاراتها وفرائضها.. وهل أنا في نظر هؤلاء المؤمنين بها، كافر وجبت استمالته أو نفيه من المقاهي؟

***

محمد العرجوني

هذا النص عن عملية هدم الإتحاد السوفييتي

غي

في بلدِ العجائبْ

حُزنُ الفقراءِ يُزهّرْ

ألمُ الفقراءِ موسيقى حَزينه

الدولارُ سَيّدُ السّاداتْ

والخُبزُ حُلمٌ للمَدينه

العبوديّة ُ كالطحالبِ

تنبتُ في الحاناتْ،

تنبتُ في المَصانع ْ،

في البنوكِ، في المتاجرْ،

وفي ليلِ الشوارع ْ.

يُصلبُ المَسيحُ ها هنا

وتخطفُ مارينا،

وأستاذ ُ الجامعةِ العلامة

حمارٌ يَتفلسفْ

تتكلمُ فيه الرّهينهْ.

في بلدِ العجائبْ

كلّ شيء هنا

يا صاحبي

يُردي وَيقهرْ .

لقد وَصَلنا القاعْ

فلا خوفَ عَلينا .

***

د. إسماعيل مكارم

.....................

قد يقول قائل: لقد ِ تم هدم الاتحاد السوفييتي ولم نر من تقدم للدفاع عنه. هذا الكلام فيه تقليل من أهمية ما جرى لمسألة الدفاع عن الدولة السوفييتية، ولكن حلف الأعداء كان أكثر تنظيما وأكبر حجما، إذ شاركت في الإنقلاب كل وسائل الاعلام والبربغندا الغربية، ولعب المال الغربي دورا كبيرا في التحضير لعملية الهدم. لقد اتبع أعداء الإتحاد السوفييتي مقولة (إن القلاع تؤخذ من الداخل). لقد كانت ثورة ملونة أعدت لها أمريكا وبنوك الغرب إعدادا محكما وخبيثا. في تلك الفترة كتبت هذه السطور.

* غي: اسم المقطوعة مؤلف من حرفين: الأول (غ) وأخذ َ من اسم غورباتشوف، والثاني: (ي) وأخذ من اسم يلتسين. (غيْ) بفتح الغين بالعربية تعني: الضلال، والخيبة، والضياع.

* كتبت هذه المقطوعة في بداية التسعينيات بعد انتهاء عهد غورباتشوف وبداية عهد يلتسين. إذ أنّ كلّ واحد منهما لعب دورا منهجيا ومنظما في تهديم دولة - الاتحاد السوفييتي.

بابلو نيرودا

أبدأُ بالموت بطيئاً

سافرتُ ولم أسبق جسدي

قلتُ مراراً

يحملني طيرٌ للأعلى

والأعلى، يمتصُ ذهولي

أقنعني الشعراء بفوضى الألوان

فنبهني رَسَّامٌ من أبناء الماء لسُحنَةِ صوتي

أوحى للنخل بتمرٍ ومواسمَ

عَدَّلَ عاصفةً..

صَفَّ قواربَه..

واجترح وجودي في اللوحةِ

عندئذٍ..

سَلَّمني للنهر برفق الريشةِ

تسبقني أغنيةٌ

قمرٌ يشربُ عاشقةً

قالت آمنتُ بكتفي حين يُقَبِّلُهُ الليلُ

وَيُمْهِرَ سفحَ نهاري

*

منذ عقود وأنا أمشي

زمني في وجهي يتكسر ُ

مسوداتٌ لقصائد تنبتُ في جيبي.. تشربني

نَشَفَ الصوتُ أخيراً

يعزفني نايٌ ويبثُّ جراحي نغمة شوقٍ

بأثير لا يُهملُ شيئاً

يجرحني وَتَرٌ ويعيدُ نشيدي الأولَ

حقلٌ يَخضَرُّ بصدري

أَكتافي ضَجَّت بالحورِ الفضِّيِّ

ينابيعُ..

سواقٍ  يتجدَّلُ فيها الماءُ

فَراشٌ يتبعني

نحلٌ يُؤنسُ أنفاسي

ايقاعٌ يحملني للأعلى

والأعلى، وَهمٌ شِعريٌ

حين وصلتُ.. أو، حين ظننتُ..

رأيتُ الغايةَ مبهمةً وتُشير الى لا جهةٍ

ورأيتُ شتاتاً يُدهشني.. يسكُبُني بشتاتٍ أخَّاذٍ آخَرَ

أشجارٌ يرفعها نسغي تحملُ أوراقَ غيابي

شاعرةٌ فارعةٌ تقطفُ صمتاً..

تُسقِطَ جوزاً وحواراً من ثوب قصيدتها

وتعيدُ غناء الجبل الحالمِ حَجَلاً حَجَلاً

ورأيتُ أُناساً تتواتر

والأبيضُ يَغبِطُ من وصلوا..

أو، من ظنوا..

ويشيرُ الى أن يمشوا نحو بياضٍ أرحبَ

يُسلِمُهُم للأرحبِ

سيروا وأَعيدوا نهجَ الأقدامِ

ابتكروا أسماءً تلحقكم فيها ما أوحى الآباء

لكم

بابلو نيرودا

الحُلكَةُ فحمٌ في الأصوات المؤودة

المغمورون لهم عالمهم

وجفاف حناجرهم

المنجم يمحو الأزرق من أحلام مُرجأةٍ

نحبو فوق الاسفلت

ولكن الفكرة غيمٌ وخطى

نلبسُ روتيناً ومواتاً

لكن الصورة في المرآة قميصٌ قطنيٌ أبيضَ

من وهجِ البهجةِ

ماذا يُمكنُ أن نفعلَ؟

أكثرَ من هربٍ صوفيٍّ نحو خيالٍ  ووعودٍ

إغراءٌ يستدرجني للأعلى

والأعلى، خَدَرٌ ميتافيزيقيٌ

***

فارس مطر

 برلين 12.10.2022

 

أحرَقَتْ رحلَتي آخرَ الخَطوات

وأسقَطَتْ عُذرةُ العمرِأستارَها

واحتمىٰ من خَياليَ القَمَر

عَضَّ سَيري عُثارُ السنين

فأردىٰ الأسىٰ حاضِري

وانتقانيَ الضَجَرْ

هُناك

يلتَوي علىٰ حسرَتي المَدىٰ

وتَعوي الّليالي تُخيفُ الشُروق

فتَذْكرُ النفسُ أشياءَها بانكِسار

وتَسقطُ أحلامي كدَمعِ الشَجَر

يلعقُهُ الغُبار

هُناك

كجائعٍ رأىٰ في كومَةِ القَشّ

قوتَ يَوم

كعائدٍ من خَيبةٍ كبرىٰ

يُبَشّرُ بالنَجاة

كما الأصداف تفرجُ عن لُؤلؤٍ

وجدتُك ...

كاللُّقىٰ

فاينَعَ فيكِ الرَجاء

مثلَ نَبتٍ نَما في شُقوقِ الحَجَر

تداعىٰ بكِ يأسي

كخاسِرٍ في صِراع

فاشتهىٰ القلبُ نبضَهُ وانتشىٰ

لأسمعَ فيهِ انتفاضَ الحَياة

واعتذارَ الَقدَر

***

عادل الحنظل

 

شكرتُ اللهَ أن جـابي وجـابِـكْ

وأسـفـرَ عـن لـقـائي فـي جـنابِـكْ

*

بـه أيقنتُ أنّ الـحُبَّ نُــعــمى

وأنَّ الـحَـــــجَّ مَـبــرورٌ لــبــابِـكْ

*

وأنَّ الـدينَ والـدُنـيا رصـيـدي

تـنامى حـينَ أصبح في حِـسابِـكْ

*

فـيا حُـلُـميْ الـقـديمَ أقولُ قولي

صـريحًا لا اُواربُ في جــوابِـكْ

*

بــأنّـي لا اُســـــاومُ أو أداري

فَـحُـبّي قـد تَـماهى فـي عَـذابِـكْ

*

وجـبهَـتُكِ التي حَـشّدتِ فيها

ســلامًـا حين أصـبحُ في قِـبـابِـكْ

*

كما الاوكرانُ قـد حشـدوا لروسيا

حـشـدتُ الـشـوقَ نارًا في خِـطـابِـكْ

*

فـيا حُلُـميْ الـذي نُـسِجتْ عليه

ســنـيـني قـد تَـجَـلّـى في رحـابِـكْ

*

وقـد وجـد الأمـان بهـا فـؤادي

فـأورقَ زاهـيًـا بـنـدى سَــحـابِـكْ

*

وكـمْ كُـنتُ الـمَـنـاكِـدَ أحـتـسـيها

بـصـمتٍ حـينَ تـطفحُ في غِـيابِـكْ

*

ومـنها مـا تجـسّـدَ في قصيدي

ليـشـرقَ ضوؤها عـنـد اقـترابِـكْ

*

ومن شُــرُفاتِ ذِاكـرتي أرانـي

اُطـالِـعُ مـا تـسـطّـر فـي كـتـابِـكْ

*

ولـي أمـلٌ سـيُـورِقُ في ظلالي

وأســتوفي الـمـسـيرةَ في ركابِـكْ

*

فأنتِ كــما خَـبرتُـكِ لـي ظـلالٌ

وحـــبٌّ قــد تَـلـــوّنَ في ثِـيــابِـكْ

*

فـيا حُـلُـمي الـقـديمِ لأنتِ عمري

وأحـلى العُـمـرِ يُقضى في جـنـابِـكْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

السبت في 17 أيـلول 2022

جلس حسن ينظر إلى ما حوله وكأنه يكتشف الأبعاد الحياتية لأول مرة ويتأمل صور ابنه رفيق وبنتيه بثينة وميساء، يحدق فيها بعين دامعة امتزجت فيها الغبطة والحنين إلى تلك الأيام الخوالي، لم يكتف بتلك الحدود الزمانية التي تقيده بل يعود أكثر إلى الوراء، انه يشتاق إليهم كثيرا في وحدته بهذه الصحراء الموحشة، نعم انه وسط الكثيرين معه في العمل في هذه الشركة البترولية الكبيرة يعانون جميعا نفس المعاناة لكنهم على الأقل صابرون لأنهم يحتلون مناصب عمل كبيرة وبمرتبات مغرية وهو ليس إلا مجرد عامل نظافة أتى إلى هذا المكان لأنهم يدفعون له أكثر مما كان يعمل بالمدينة، كان حسن يزور عائلته مرة كل الشهر وكان يسره كثيرا أن يجد أطفاله مواظبون على الدراسة بكل جد، لم يكن هو وزوجته يحملوهم هموم الحياة وربما هذا ما جعل الحياة تسعى لنيل القصاص لأنه لم ينتهك حقها ولم يصرخ، لا تنقصه العزيمة والثقة بالنفس وربى أطفاله على نمط تربيته، لأنه إنسان صالح ابنه رفيق متفوق ومتقد الذكاء وحول القهر القابع بين جوانحه كلما رأى والده يخفي آلامه وراء ابتسامة حنونة لأطفالهم إلى رغبة في فرض تفوقه، ومرت السنين وكبر ودخل رفيق الجامعة وواظب على تحصيل العلم، لم يكن يرى والده كثيرا ليشعر بحنانه ودفء أحضانه، ولما كان الفصل صيفا والناس هائمون والحر يدمر كل الأفكار الساذجة منها والعبقرية حرص رفيق كعادته منذ سنوات على عدم تفويت الفرصة واغتنام العطلة ليعمل بالنهار بائعا في إحدى المحلات التي اعتاد صاحبها السفر رفقة عائلته في هذه الفترة من العام، كان يأتمنه على رزقه وماله، وفي الليل يلجأ إلى متنفسه الوحيد وملاذه المفضل وهو دراسة اللغات حتى يبتعد عن الفراغ ويتجنب الملل، وفي خضم هذا التداخل في أحداث حياته دخل عليهم والدهم يوما على غير عادته، انه مصاب بوعكة، آلام صدرية إصابته بعدما استغنت عنه الشركة بأوامر من مديرها الجديد الذي يصفه حسن بالمتغطرس والجبار، كان ذلك لما علم أن له ابن مهندس على مشارف نيل شهادة الدراسات العليا في مجال البترول وكان يردد على مسامعه باحتقار أنه من المفروض أن يكون أبناء الفلاحين والمنظفين أمثال آبائهم يخلفونهم في عملهم وليس مكانهم رفقة أبنائنا بالجامعات، وكان يتعالى ويتفاخر بأنه أرسل بنتيه للدراسة بلندن بعيدا عن أبناء الطبقة الكادحة والضعيفة ولن يدرسا وسط الحثالة، التفت الى ابنه وقال : " أتدري يا بني رددت عليه بأن بنتيه تدرسان في لندن بأموال شقانا وتعبنا المسلوبة وحقوقنا المهضومة " فما كان منه إلا أنه وجد السبب الكافي لطردي وقال : "إن أردت أرسلت لابنك يأخذ منصبك في العمل .." نظر رفيق إلى والده يريد أن يهون عليه : " لا تحمل الهم يا أبي لقد أنهيت دراستي بامتياز وأنا أعمل بجد حتى أوفر جهاز أخواتي البنات سأكمل أنا المشوار انه دوري يا أبي لقد تحملت الكثير من أجلنا، عليك الآن بالراحة والاهتمام بصحتك " لكن لحسن كان قد فقد فعلا السعادة وهو يشعر أنه لم يستطع أن يكمل مشوار أولاده كان ينعزل في إحدى زوايا غرفته وأصبح يفضلها على غير العادة مظلمة دائما فلا يحيط نفسه الا بذلك الفراغ الرهيب، ولا يحمل في طياته إلا مزيدا من الوحدة القاتلة، لقد تمكن في ظروف صعبة من تزوي بنتيه وبرحيلهما عنه، لم يبقى له إلا ابنه رفيق وهو مشغول بالنهار والليل، بكى حسن وملأت جفونه الدموع، وفجأة أحس بعسر شديد في صدره فقبض عليه بقوة وأخذ أنفاسا سريعة ومتلاحقة ليقهر موجة الألم في نفسه، تضاعفت عليه الآلام وزادت حدتها حتى وافته المنية، تتبع رفيق جثمان والده المسجى في نعشه صامتا وأضفى رهبة ومخافة الناس في صمته دفين، الموت له قدسيته، ساعة من ساعات الله، إنها جثة والده يراها ممددة أمامه، لا حراك بها، يتذكر كيف رآه صباحا قبل أن يذهب لعمله وهو يقدم له منحة عمله البسيطة التي أحيل بها على التقاعد المبكر أو بالأحرى على الموت المؤجل . مرت الأيام ثقيلة والنار تأكل قلب رفيق ممن كان السبب في قهر والده وموته، اتصل رفيق بالشركة التي كان يعمل فيها والده وطلب من مديرها العمل منظفا كما كان والده، سر المدير لما سمع ووافق على الفور وأخبره أنه كان ينتظره منذ سنين، هم رفيق يودع أمه التي ألف حضنها وتعلق بصدرها رضيعا حتى كان صعبا عليها فطامه وسيبقى حنينه لأول حضن احتضنه بعدما اشتد عوده ونال نصيبه الوافر من العلم، شرع رفيق في العمل في ذلك المكان النائي، عاش وشاهد تسلط الرؤساء وتجبر العاملين، لمس عن قرب كيف كان يعاني والده وكيف كان يعيش بعيدا عنهم من أجلهم .

في أشد أيام الصحراء حرارة تلقى مدير الشركة اتصالا هاتفيا من لندن أن الشرطة وجدت بنتيه مقتولتين بشقتهما في حادثة سطو، فسافر على عجل، وسرعان ما انتشر الخبر في الشركة، تأمل رفيق وجه السماء مرددا أن الله يمهل ولا يهمل، مرت أمامه حينها صورة والده الذي أحدث برحيله شرخا رهيبا في حياته، رحل دون أن يقول شيئا، لم يلفظ كلمة واحدة يوصي بها، قبل أن تفيض روحه إلى بارئها، ، وقرر أن يشرع على الفور في اتصالاته لتكوين ملف عمله الجديد وفق شهاداته العليا المتخصصة في ذات مجال نشاط الشركة وسرعان ما استلم مهام عمله الجديد لسد الفراغ ومن مكانته الإدارية الجديدة كانت الفرصة مواتية له ليتمكن من الاضطلاع على أدق تفاصيل ملفات الإدارة المالية والمحاسبة

لدى عود المدير متأخرا من لندن كانت صدمته شديدة لما رأى رفيق في مكانه بالمكتب جالسا على نفس كرسيه يراجع أوراق ملفات مكدسة أمامه بكل تمعن دون أن يعير لدخوله أدنى اهتمام ولا لكلماته الجارحة وهو يتوجه نحوه، وقبل أن يتقدم منه أكثر أو يبدي أي مزيد من تعليقاته سلمه رفيق ودون أن ينظر إليه ورقة علم منها أن مصابه أصبح مصابين بعد صدور قرار وقفه عن العمل بتهمة الإهمال الإداري واستدعائه للتحقيق بعد ثبوت تلاعبه في أموال الشركة ومن حقوق العاملين، رفع رفيق رأسه نحوه بنظرة حملت أكثر من معنى ثم أخبره بهدوء وهو يعود لمواصلة تفقد الأوراق بين يديه أن أولاد الفقراء والبسطاء لهم الحق في تبوأ مراكز المسؤولية الكبيرة بجهدهم وبعلمهم، نظر إليه المدير وهو يهم متثاقلا بالانصراف نظرة انكسار وعينه لا تغادره غير مصدق أن ابن عامل النظافة تمتع بكل هذا الصبر وكل هذه الإرادة القوية في الانتقام .

***

قصة قصيرة

بقلم: صبحه بغوره

       

- الى معروف الرصافي -

الرصافيُّ " معروف "

الذي كانَ ابوهُ الغني

قَدْ وهبَهُ اسمَهُ هذا

عسى أَنْ يكونَ معروفاً

وعارفاً لأسرارِ الكونِ والوجود

ومُحارباً من أَجلِ بلادِهِ

التي يتكالبُ عليها وفيها

الملوكُ والامراءُ المستوردونْ

والغُزاةُ والقتلةُ القُساةُ

واللصوصُ المحترفونْ

ولعلَّهُ يعملُ بالمعروفْ

للناسِ والحياةِ والحقيقةِ الضائعةْ

*

والرصافيُّ ....

شاعرُ القصائدِ الثائرةْ

وسيّدُ المواقفِ الباسلةْ

ورجلُ السُخريةِ السوداءِ

والمَهازلِ والخسائرِ الفاجعةْ

*

الرصافيُّ الآنَ واقفُ

تحتَ سماءِ اللهِ

يَعْتَلي شامخاً تمثالَهُ العَتيد

وينظرُ لظلالِ الشهداءِ

وجسرِهم الشاحبِ

والشحيحِ بالمُشاةِ والعرباتْ

وكذلكَ ينظرُ للنوارسِ الطاعنةِ

بالبياضِ والجوعِ والكآبةِ،

لأنَّ دجلةَ الخير والآسى

الذي كان ملاذاً للعشّاقِ

والمُغنينَ وصيادي السمكِ

والمياهِ والمرايا الشفيفة

التي كانتِ صبايا " الكرخ"

تستحمُ بنداها الاخضر

ونثيثِها اللذيذِ والمُثيرِ

للرغباتِ والشهواتْ

قلتُ: ان دجلةَ وأعْني:

النهرَ الحزينَ

قد أَصبحَ الآنَ

مجرَّدَ ساقيةٍ

لبقايا ماءٍ مُتعفّن

من كثرةِ الجثثِ المرمية

في اعماقهِ المُوحشةِ

وفي سدودِ العثمانيينَ

وأعني: سجونَهم

وحصونَهم الرهيبة

*

والرصافيُّ الشاعرُ

والثائرُ والساخرْ،

والمغضوبِ عليهِ

وذو الحظِّ العاثرْ

لا لشيءٍ إلّا لأنَّهُ:

عراقيٌّ …

وشَهْمٌ وشريفْ

ويحملُ في رأسهِ المُضيء

وفي قلبهِ الشاسعِ

وفوق اكتافِهِ القويّات

وطناً حُرّاً / ثرياً / جميلاً /

طيّباً  / وكريماً ولا يَمنُّ

يوماً على أَحدْ

ولكنَّهُ، وياللأسف المُرِّ

منهوبٌ ومنكوبٌ وموجوعٌ

وإسمُهُ: العراق

العراقُ الذي كانَ ومازالَ

ورُبَّما سوفَ يبقى:

(علمٌ ودستورٌ

ومجلسُ أُمَّةٍ

كُلٌّ عن المعنى

الصحيحِ مُحرّفُ)،

كما كانَ الرصافيُّ

يصرخُ ويلعنُ ويشتمُ

ويبكي دماً على عراقِهِ

وأَعْني: على فردوسَهِ

المُباعِ والمُضاعِ

منذُ سقوطِ بغداد الاوَّلِ

وحتى نزيفِها الأَخيرْ

***

سعد جاسم

2022- 8 - 10

حقاً أنَّ الحشاشينَ

يتوارثونَ الارضَ

لهم أحكامٌ  تتأصلُ في أجسادهم

مرةً يعقدونَ العزمَ على الموتِ

مرةً يوهمون الاخرَ

الكواكبُ تحتضنهم شهداءَ

تطوفُ فيهم الى عليينَ

*

حسنُ الصّباح

أميرُ قراهم المعتكفةِ

التي تتلو من نواميسها

سخافةَ الاقدارِ

تحملُ أحلاماً تزفها بالمجانِ

ليتوجَ السذجَ تيجانَ اليومِ الموعودِ

تحتَ أزميلكَ ايها الّصباحُ

ما زالَ الموتُ والانحناءُ

يرافقُ رحلةَ السابلةِ البريئةِ

*

يامنْ نقلتَ لحسنِ البنا

وسيدِ قطبٍ وابنِ الوهابِ

ونزارِ المصطفى للهِ

حرفةَ شحذِ السكاكينِ

رخصتَ الرقابَ تحتَ الرقابِ

هنا تأصلتَ باثوابِ السوادِ والبياضِ

الان يتبعكَ هواةُ الموتِ

لكل منهم أسٌ يشترى ويباعُ

*

ياحسنَ الصّباح

لا تفرحكَ صورةٌ تعلقُ

هنا وهناكَ

او سيفٌ تحملهُ او ايدٍ تقبلُ يدكَ

انتَ نكرةٌ أنزلتكَ أقانيمُ الشرِ والبطشِ

غداً نعشكَ تحتَ أقدامِ الثوارِ يداسُ

*

ربما قلعةُ الموتِ جنةٌ  ابهى الجنانِ

لاتتعجلْ ذبحَ الخرافِ

بواباتُ الشعبِ ،أعاليها

تنادي انكَ ماكرٌ ومكرنا لايضامُ

*

هذهِ ارضي مزروعةٌ ،سقاها

خمرُ جنتكَ،

آهٍ من صحوةِ بقايا وثبةِ الطلقاءِ

أنا نتقمصُ دروعَ الدنيا

وانتَ الطريدُ،

غداً يأتيكَ هولاكو وبيبرس

وماتبقى لنا نحنُ صناعُ الكبرياءِ

*

ياحسنُ الصّباح

أنَّ زيفَ لحيتكَ

عمامتكَ النتةَ

مازالَ العالمُ يأنُ منها

سوادها يدمي قلوبَ الامهاتِ

وانتَ تجلسُ في اعالي جبالِ اللهِ

تتشدقُ بأبتسامةٍ صفراءَ

تلكَ خديعتنا التي كانتْ لنا بلوى

*

ياحسنُ الصّباح

أُنبئكَ انَّ الحشاشينَ

صدقَ قولُ ماركسَ فيهم

الدينُ افيونُ الشعوبِ

*

في هذهِ البلادِ

كم من حسنِ الصباحِ أنجبتْ

وكم من الرعاعِ

صنعوا لنا الفَ حسنِ الصباحِ

***

عبدالامير العبادي

بقطعة فحم، خطت على الأرض تربيعات ثلاث أفقية متتالية، ثم مربعين عموديين ملتصقين، رمت شقفة من فخار في المربع الأول، وبدأت تنط برجل واحدة، كانت بين حين وآخر تتلفت يمنة ويسرة، كأنها تترقب وصول صديقاتها ليشاركنها اللعبة.. تتوقف قليلا، ترفع وجهها الى السماء، وكأنها تستعذب نسائم مابعد العصر منعشة تجتاز الدرب، حيث الربيع شرع يودع القرية بعد سنة من جفاف..

بعيدا عنها وعند مدخل الدرب، وقف شاب في عقده الثاني يتابعها وهي تقفز كفراشة جذلى يغمرها السنا فوق التربيعات، وكلما ارتفعت تنورتها ظهرت ركبتاها القمحيتين وفخداها البضتين. لم تكن تحفل بذلك، فقد كانت رحابة طفولة في لفيف براءة..

هي طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، لم تكن أجمل بنات القرية لكنها كانت دقيقة التقاطيع، متناسقة القد، في عينيها الواسعتين حوَر، يضيف الى لونها القمحي وشعرها الرطب المسدول على كتفيها ملاحة جذابة ؛ كان وجود الشاب مألوفا لديها، فهو من اقربائها، لهذا لم يثر في نفسها أي خوف أو رهبة لتحتاط من وجوده ومن متابعتها وهي تمارس لعبتها اليومية، كما أنه ابن الحي، الذي تعود ان يغيب شهورا كطالب في بلاد المهجر، ثم يظهر في عطلة صيفية او عيد ديني..

كانت بين قفزة وأخرى تسارق اليه النظر، على وجهها تتربع بسمة رضا وثقة، فقد كانت تمنى النفس أن يجود عليها بقطعة شوكولاطة مما تعود ان يوزعه على صغار الحي كلما حل بالقرية..

تسمع نداء أمها آتيا من داخل البيت، تترك شقفة الفخار على التربيعة، ثم تلج باب البيت لتعود وفي يدها قطعة نقدية، تركض قاصدة دكان الحي.. تتوقفت حيث يقف الشاب العشريني، يتبسم في وجهها، يسألها عن وجهتها، ثم يهمس لها بكلمات، تنتظر بباب بيته قليلا قبل أن تسمع نداءه فتلحق به..

يخرج الشاب بعد برهة كهارب بعد سرقة موصوفة وفي يده حقيبة سفر..

ظلت الصغيرة قلب البيت لا تدري ما حل بها، فهي لا تذكر الا صوت الشاب وهو يناديها: سناء ادخلي !!!...

ناولها كاسا به عصير، ثم لم تعد تذكر شيئا..

حين صحت وجدت تبانها بين ركبتيها، ومادة لزجة كقطرات الشمع على فخديها..اصفر وجهها، بلغ قلبها حلقها، ارتعدت من خوف يغتالها، هي لا تستطيع أن تتمثل ما وقع، لكن وجود تبانها في غير مكانه قد حولها الى فأر مذعور لايدري له وجهة، أحست بالم تحت بطنها وفوق عانتها، تحسست المكان فوجدت اثر دم، بكت وهي تلطم وجهها بيديها الصغيرتين وكأنها قد أدركت ما وقع:كيف تواجه أمها وأباها ؟، كيف تواجه أخوتها الكبار ؟ كيف ترفع راسها بين صديقاتها في الحي والمدرسة ؟.. وحدها قطعة النقود النحاسية ظلت حبيسة كفها، لكن كل ماعداها قد ضاع، حلم عفتها وشرفها اعلن انتحاره في لحظة ثقة، لحظة طمع منها في قطعة شوكولاطة.. أعادت تبانها بيدين مرتعشتين، من بين دموعها تلمست القطعة النقدية مبللة عرقا قلب كفها، كما تبلل تبانها بما لا تعرف ماهو، وكما تبلل عمرها خزيا وعارا، خرجت تجر قدميها الصغيرتين تقصد الدكان، استعادت كلمات أمها كما تسعيد فرحتها المغتالة: "نصف كيلو سنيدة وصابونة صغيرة "، تسلمت ماطلبت من صاحب الدكان، وقد أحست بعيونه تمسحها..عادت الى البيت، وضعت السكر والصابونة في غرفة أمها، ثم هرولت الى مرحاض البيت وشرعت تغسل فخديها، وتمسح ما علق بتبانها، أثارها لون الماء الممزوج بصفرة وأثر وردي..

ركبها صراع نفسي حاد؛ هل تتكلم ؟، هل تصمت ؟ في كلامها فضيحة مدوية قد تتجاوز القرية وفي صمتها نهاية عمرها، آمالها واحلامها.. تعاود غسل وجهها، تصب قليلا من الماء على قفاها، تحاول ان تهدأ، أن تبترد، أن تخفي كل مابها، أن تتغلب على صراعها النفسي الى أن يمر اليوم بسلام قبل أن تقرر ما تفعل.. تذكرت حديث النساء صباح كل زفاف مر في القرية عن" صباح البنت"، عن السروال، عن الاحتفال بالدم الذي رشمه، عن إحساس أهل البنت بالفخر والشرف...

تلطم وجهها: ماذا بقي لها وقد فقدت شرفها ؟

تركنت في زاوية من غرفة الضيوف كما تفعل كلما ارادت ان تخلو لدروسها، فهو الحل لتواري خوفها عن وجه أمها وكل من يدب في البيت، رغم الذعر الذي يعوي في باطنها والشحوب الذي يركبها.. حلقها الذي صار جافا كحزمة شوك، عسير ان يبتلع ريقها...

تذكرت احدى صديقاتها حين اختلى بها أحد رعاة القرية وفض بكارتها، كيف هاجت البيوت وماجت، كيف صار اللغط حديث الصغار والكبار حول الحرب التي اشتعلت بين العائلتين الى أن انتهى الامر بانتحار الصديقة، وتدخل الدرك بقوة ردع والقاء القبض على بعض من استغلوا الوضع بالوشايات والنميمة..

بلاعشاء نامت.. كم هذت خلال نومها المتقطع:

ـ أكره أن اصير كصديقتي، مضغة على كل لسان، عارا على ابي المريض، خزيا لإخوتي، لن يتفتت لي صخر، فأصير وبالا على كل أهلي، لن استسلم لانهياري، ساحاول أن أنساه، المصيبة ستعتقل حريتي، لكن اعتقال حرية أهون من فضيحة مدوية قد تنتهي بانتحاري أو بقتلي من قبل أحد اخوتي الكبار..

لا..لن أنتحر، ولن أتكلم.. سيكون الصمت ظلي، ينتصب بيني وبين غيري..

من ليلتها فقدت الطفلة بشاشتها ومرحها، بعد أن انهار كيانها النفسي، كما انهار لسانها عن الكلام، تغيرت حالها، تغريداتها الطليقة صارت تمتمات كلام، وبريق عينيها المضيء صار انكسارا، يستغرقها تفكير شغلها عن دراستها، فحول اجتهادها الى خمول تبدى لكل العيون ؛كثيرا ما سألتها أمها عن سبب هذا التغير المفاجئ، فيأتي الرد بعيون مكسورة وكلمات قليلات:

ـ تعب وعياء..أحس بانهيار جسدي كأني لا أتناول أكلا..

ثم جاء الفرج عن طريق طبيب أعلن بعد فحصها: بداية التهاب كبدي هو ما حول نظارة الوجه الى شحوب وعياء بدني..

بدأت تقاوم حالتها، مقاومتها لتراخيها في مراجعة الدروس وإنجاز الواجبات، صار تقدمها الطفيف تقادما لحالتها، وفتورا في المراقبة من قبل أهلها الذين سلموا بقولة الطبيب وأضافوا للأدوية التي نصح بها، عقاقير شعبية أخرى، لم تستطع إعادة اشراقة وجهها، اما اعماقها فهي كتلة دموية وحدها تدري ما بها..يغسلها النسيان لحظات ثم لا تلبث المصيبة أن تكفنها من جديد؛كم مرة حاولت أن تبوح لاحدى صديقاتها وتفجر اللغم عساها ترتاح من كوابيس لياليها الطويلة.. لكنها سرعان ما تتراجع. فماعاد اليوم انسان يكتم سرا. ان تعتقل مصيبتها في اعماقها خير من ان تصير أنثى متهمة بثرثرات القوالين..

أحيانا تحس بنسمة راحة تنزل عليها كرحمة سماوية، تتنهد وقد تبكي، ثم لا تلبث أن تغسل وجهها بماء بارد ولسانها يهمس:

ـ لك الحمد ربي أني لم أحمل والا كنت في القبر قبل الأوان..

ربع قرن وهي تحمل سرها، تتقادفها السنوات بين نهار وليل، وليل و نهار، تقضي الشهور والاعوام بالأماني الكواذب، الى أن نالت شواهدها ثم اشتغلت..

دفنت عمرها في مهنتها، تناست متع الحياة، مات في صدرها الأمل موت جسدها الذي تخشب، وصار يتلقى بلا ردة فعل، لهاة مكتوم ينبعث كلما لفها ظلام، أنثى تجر جثتها خلفها في صمت، لا ينعكس أحيانا الا بكلمات تخالها من رجل خشن بلا خبرة، وبمفردات ماتت لها أحلام، تحسها وهي تتكلم وَهْنا من راس بلا جسد، تدحرجت من قمة الى أسفل وانسابت في انحدار، تغسلها دموع لا تفتر، حتى في عملها فهي تقاوم واقعا وحده يعيش مدفونا في صمتها ؛ ترى الغير من حولها كشخصيات درامية تؤدي دورا مسرحيا في حياة لا تنصف أحدا.. حتى رحماتها السماوية تناستها، ما عادت تثيرها بأمل، ما الفائدة و قطرة الدم دليل عفتها قد جفت الى الأبد..

كلما أتاها خاطب تبرمت وتعللت وأخرجت فيه مساوئ.. تدعي أن صديقاتها قد تعرفن عليه فحذرنها منه..

لحظة الجرم وحدها تعيش واضحة في ذهنها، لا تفارقها، تستعيدها بكل تفاصيلها من لحظة شرب العصير الى ان وجدت تبانها بين ركبتيها بقطرات كالشمع السائل.. كلما جحظت عيناها تمثلت كل رجل كقريبها الذئب الذي لم يحترم قرابته ولا طفولتها، والذي رغم تعلمه وارتداء بذلة من خارج حضارته ظل حقيرا متخلفا لا يعي ما تساويه حياة طفلة يغتصبها وهي لا تشاركه رغبة ولا إحساسا أو فهما لما مارسه عليها، ذنبها أنها وثقت في قناعه المزيف.. سيظل شرفها كما عفتها وبراءتها بل ستظل كل حياتها تصرخ عاليا في وجه كل مغتصب براءة أيا كانت الطريقة التي سلكها لينقض على فريسة بريئة..

المجرم الآتم البغيض ماعاد له في القرية ظهور، لكن بين أبناء القرية قد بقي له اثر بافتخار: شاب من العدم استطاع ان يحوز شهادة علمية، يحصل على وظيفة في بلاد الغربة ويتزوج نصرانية.. لا احد يعرف أنه مجرم، يجر وراءه جثة قلب جسده المدنس، وضميره الميت عبر ثنائية حياة تعلن الدين وبه لا تؤمن، نهش طفلة بريئة، وضع حبلا ابديا لمشنقة طاعنة ابدا لن يغيب لها اثر..

تدرك أن الزمان شرع يطويها ببطء، سلحفاة يدب، وكأنه يعاند ما بلغته من عمر..كل رجل هو لديها لسعة عقرب، عضة ثعبان، مراوغة ثعلب، ومتابعة ذئب، قد تبادله النظرات اذا ما رفعت البصر، لكن نظرتها نظرة خوف وحذر، رهبة، انعدام ثقة وسوء ظن...

الرجل عذابها بالليل والنهار، يتكوم في عينيها كمزبلة جديرة بإضرام النار فيها، فهو سبب عذابها، هو من جعلها محط تساؤل وشفقة تكرهها من كل من يحيط بها..

لماذا لم تتزوج ؟..سؤال يملأ الأفواه وتنثره العقول بتخمين وتأويل !! ربما مسحورة من قبل الجن، تملكها أحدهم فمنع الرجال عنها وقد فروا بعد يأسهم من قبولها.. عيب خلقي يشوه ما تفخر به كل أنثى.. خنثى تتستر عن حالها..حتى افراد أسرتها صارت تنطلي عليهم دعاية السحر و الجن ففوضوا أمرهم الى الله، فقدر بنتهم أن تعيش عانسا مملوكة لجن..

في عملها تجاهد ألا تثير حديث الرجال، بل هي تتجاهل كل الرجال في موقع عملها، لا تحاول أن تعرف لهم اسما، أو ترد عليهم سلاما اذا مرت بأحدهم، وتنسحب أو تصمت إذا ما إحدى النساء تكلمت عن رجل ولو كان أباها، تحس بالقرف والاحتقار، وبالخوف من ان يجرها لفلتة لسان تكشف سرها، حقدها الدفين، جثمان عمرها المركون داخل جسدها، كأن الصمت هو حقيقتها التي تواجه بها كل المواقف التي قد تجعلها تكشف ولو جزيئة من دواخلها..

تذكر وهي لازالت طالبة جامعية أن إحدى البنات همست لها بأن أستاذ مادة الكيمياء الحيوية معجب بها ويتطلع اليها بشوق..صمتت بلا رد، وقد تأكدت من ذلك من محيط اسرتها..كانت تدرك أنه مجرد جبان أو ثعلب كاي رجل آخر.. يطلق الدعايات دسيسة اغراء ليتصيد المغرورات...

ذات شتاء، وهي خارجة من عملها، لاحقها برق ورعد، ومطر يتهدل على كتفيها، اقترب منها أحد المارة محاولا أن يجعلها معه تحت مظلة، اتقاء من الجو الماطر، دفعته بمرفقها دفعة اسقطته على الأرض، ساعده بعض المارة على الوقوف، انتصب وهو محنط بوحول الشارع الذي شرعت السيول تجرف كل ما صادفته في طريقها من قوة التساقطات..

انزوت في ركن تحت سقيفة متجر وشرعت تبكي..لماذا تصرفت بعدوانية مع رجل لا يعرفها ولا تعرفه، ذنبه أنه حاول ان يساعدها على عبور الشارع الى الطوار الآخر بقليل من البلل، هي حقا قد اغتصب آخرون طفولتها، منعوها ان تحمل لقب بهجة الطفولة سعيدة كما حمله غيرها..لكن ما ذنب الغير فيما وقع لها ؟ ليس هم من اسقطوا طفولتها من مرايا الحياة، ليس هم من منعوها الطيران فراشة بين الزهور..لا..إنهم عود من نفس الغصن، نفس تربية الاستعلاء، التفضيل ونفخ عقدة الذكورة..

حلم قد غاب عنها منذ الحادثة وعاد اليوم يلازمها من جديد، يضاعف من آلامها وعذابها، حلم ترى فيه نفسها وهي تحرق العضو التناسلي لكل دمية.. كان الحلم في صغرها يقتصر على أنها ترمي الدمية بعد الحرق أما في الليالي الأخيرة فصارت ترى أنها تغرز فيها سفودا يخرج من عينيها قبل أن ترمي الدمية في البحر..

تمتنع أن تحضر كل عقيقة المولود فيها ذكر، هو عندها مغتصب جديد آت ليخلف من مات..حين تزوج اخوها اختلقت نزلة برد قد حلت بها وظلت حبيسة الفراش حتى لا تحضر ليلة زفافه، فلم تكن العروس غير أخت استاذها الذي أطلق دعاية الاهتمام بها.. كان ما يملأ فكرها، كم من طفلة قد اغتصب أخوها قبل ليلته هذه؟، وهي اليوم مثلها لا تملك وجها تسير به بين الناس.. هل حقا ان زوجة أخيها عذراء، أم ان أخاها سيكون الرجل المخدوع من قبل انثى عرفت كيف تتغلب على نفسها وتقاليدها وبطش أهلها وحرصهم على العادات والطقوس؟ في حين فشلت هي في ما أفلح فيه غيرها.. بئس تربية لا تعلمنا غير الخوف والخضوع وتقديس التقاليد.. ترسخ في عقولنا الشك حتى في اقرب الناس الينا...

صحت في الصباح على زغردات النساء و نغمات الطبالين والغياطين، تتقدمهم نكافة تضع على راسها صينية، يتوسطها سروال زوجة أخيها، دليل براءتها من اغتصاب قبلي بقطرة دم؛ ربما لم تكن زوجة أخيها مصابة بنهام الطفولة لكل ماهو حلو لذيذ، أو لم تجد من يترصد لها فيغتصبها بلا رحمة..أم أن زوجة أخيها عرفت كيف ترتق مشكلها..

بكت، واهتز صدرها أسى وغبنا حتى كادت أن تفقد وعيها..

هكذا تطويها الأيام بوسواس خناس وبلا ثقة في نفسها ولا في غيرها، عود الربيع فيها قد ذوى ويسارع للجفاف والتفتت..

أحيانا كانت تسائل نفسها:هل كل بنت فقدت بكارتها تنزوي كانزوائها ؟ فتئد نفسها بنفسها ام فقط هي تقاليد قبيلتها التي صار الرجل القاتل هو نفسه الذي يطلب شهادة البراءة من طبيب محلف لا قابلة تكتفي بتجربة كسر البيضة لتحدد الماضي الجنسي للفتاة، ومن يطلب من الرجل شهادة العفة والخلو من أمراض ربما يكون قد التقطها من غيرها ؟ أي حكم هذا الذي يقتل بنتا بخطأ رجل ويشوه سمعتها بفضيحة من قبل رجل ؟ !!..

بدات تدخل المنتديات العربية بعد أن سمعت حديث استاذات عن فوائدها كقتل الفراغ عند غياب الأزواج، أو للتسلية والتعارف مع نساء أخريات من أوطان أخرى، أو التثاقف واقتناص فوائد تهم حياة المرأة..شرعت تقرأ ما ينشر.. لم تكن مقتنعة بما يكتبه الأعضاء خصوصا من رجال يستعطون الحب بعبارات تافهة، يبالغون كذبا في إعلاء المرأة.. ذئاب.. لو ظفروا بها وحيدة أو طفلة صغيرة لمزقوا جسدها.. اقترح عليها أحد الأعضاء المساهمة في نشاط ثقافي.. توجست من اقتراحه، ربما هو استدراج لها، لكن أسلوبه وطريقة تعامله تدل على أنه كبير السن يتصرف برزانة، وكل من في المنتدى يمتدح تعامله مع الجميع.. فكرت طويلا قبل ان تستجيب محاولة للتخفيف من ثقل حمولاتها بنسيان وقتي...

لاحظت أنه يحاول التقرب منها.. بدات تحتاط، هي لا تصادق رجلا، ولا تريد ان يتعرف عليها أحد، لكن ما يكتبه هذا العضو يثيرها، يحسسها بصدقه، حين راسلها كان ردها التواء هو تناقض ما في نفسها.قالت: لا تحاول معي، فرغم سنك الكبير على ما أظن فانا أكبر منك بكثير ولا أملك شيئا اقدمه لك مما تبحث عنه، أرجو أن تحترم نفسك..

كم كان يؤلمها وضعها، أنثى لا تثق برجل لكن هذا العضو يحسسها دوما بقربه، يقرأ كل ما تكتبه اليه بمنطق العقل والموضوعية، انجذابه اليها ليس بكلمات غزل وانما بالتعمق فيما تتبادله معه من كلمات واقتراحات لتنشيط ما تقدمه الى أن فاجأها ذات يوم: حسناء هل سبق ان تحرش بك احد الى درجة الاغتصاب ؟من يكون ؟ وفي اية مرحلة من عمرك ؟

الخبيث، كيف استطاع أن يقرأها ثم يفجراللغم في صدرها، ان يستعيد لحظة صباها الموءودة.. ربما سنه وثقافته الواسعة قد جعلته يكتشفها.. بكت..ليلة بكاملها وهي تبكي... كيف ترد ؟ ماذا تقول له ؟ ربما خير لها أن تنسحب من المنتدى او على الأقل من النشاط..لكن الى متى ؟ وكانها بدأت تضيق بحالها، بثقل سرها... لماذا لا تجرب وتبوح له بسرها وتنتظر ردة الفعل.. هو عضو ليس من قبيلتها، و لا من وطنها قد تخشى أن يفجر سرها بين الناس، لا تخاله لئيما فيتكلم بين أعضاء المنتدى، ولن يكلفها ذلك غير انسحاب... ووجدت نفسها تصارحه، تحكي قصتها، ترمي كل همها بين الحروف في صدره.. تدرك أنه اول شخص استطاع أن يجعلها ترتدي جلباب جرأة ورغبة في أن تحكي له ما يؤرقها منذ أكثر من ربع قرن..

ادخلته في نطاق واقعتها، يشاركها لحظة الوأد.. قالت له: حقير، جبان لم يرحم صباي، خجلي، ثقتي رغبتي في قطعة شوكولاطة... سلمني شهادة وأد أبدي ورحل..رحل بلاعودة..

توهمت أن هذا العضو كاي رجل تسلم منها الخبر، عرف سرها و لن يلبث أن يتجاهلها في المنتدى، أن يحتقرها، يبتعد عنها..

وخانها سوء الظن، خانتها النفس وما توهمت، خانها العقل وما خطط..وجاءها رده:

سيدتي العزيزة

كل كلمة منك هي قوة تسكنك لكن تجاهدين على إخفائها، اغتصبك رجل. افقدك غلالة هي لافتة الشرف التقليدية، كثير ممن خلق الله ادرك انها صارت خرقة بالية قد مزقها الزمن، تلاشت فتلاعبت بها الرياح بلا أثر بعدي..تربيتك نشأتك، خوفك، هذه كلها عناصر مؤامرة اصعب بكثير وأخطر مما ألحقه بك قريبك ابن القرية..

قفي أمام مرآة.. انظري الى خلق الله فيك..هل ضاع منك شيء ؟

ماضاع منك غير بسمة رضا أنت من تعمد ت قتلها، وبريق عينين غادرهما كحل، يداك من تقاعستا عن الإمساك بمرود امتثالا لعقلك الضابط، الذي تحكمت فيه طقوس البلد وعاداتها وما بنته من مدماك للخوف في نفسك، ما ضاع منك هو نظرة إيجابية لنفسك وقناعتك بها، وقد أحللت بدلها نظرة سلبية تحولت مع الزمن الى شبح مرعب يسكنك، وبدل أن يسكنك الحب سكنتك الكراهية، كراهية نفسك قبل غيرك ككارثة تعوضين بها ما تحسينه وتسمينه ضياع شرف..

قرات كلماته مرة ومرتين وثلاثة، استغربت !!كيف غاب عنها أن في الحياة بار وضال، خلوق وحقير، بشر يخطئون و آخرون يصيبون..

ها هوذا شيخها لم يتخل عنها، لم يتركها، لم يبتعد عنها، أحست ان قربه منها صار التصاقا ذاتا بذات.. لا يتوانى عن السؤال عنها كلما غابت.. احست انه كلما تقدمت الأيام صار يتقرب منها اكثر، في صدق حديثه، في محاولة شدها اليه..طلب منها ايميلها.. ترددت في البداية لكنها أصرت ان تسير معه الى النهاية فربما قد تكشف حقيقته كما كشفها..

كانت مع الايام تبهرها ثقافته، اتساع افقه المعرفي، كلما واجهته بسؤال فتح أمامها اكثر من باب مما كان منغلقا لديها، قدم لها وجهات نظر متعددة حول الدين والحياة بأمثلة وحقائق ليست هي ما يكتبه المتشددون ويدعيه القوالون ممن يرتدون الأقنعة عند الظهور، واكتشفت أكثر أنه من اسرة عريقة لا يتعدى العقد الثالث من عمره، ضربه القدر بمصاب، ماتت زوجته بعد أول وضع لها، تركت له صبية تتربى في رعاية أمه، غادر وظيفته، وغير توجهه المهني بعد شلل نصفي من صدمة ما أصابه وقد شفي بقوة منه وإصرار على الحياة، وتفاؤل بغد أحسن..

ووجدت نفسها تثق بما يقول، تجرب ما يقترحه، تتخلى عن كثير من عادات ألفتها.. تغتسل شيئا فشيئا من أتربة صارت ركاما على أكتافها، وجدت نفسها تضحك وتشارك الآخرين بسماتهم، تحضر حفلات دعيت اليها، .. تقف أمام المرآة تحرك خصرها برقص، تمرر يدها على جسدها، فتجد نفسها ـ وكما قال لها ـ:" أنثى بكامل الانوثة، لم يسرق منها الاغتصاب الا ماتوهمته قد ضاع وهو باق، حي فيها يحتاج فقط للمسة من يدها "..

تحرك راحة يديها على ثديها فتحس بخفقة في صدرها، رغبة تسري في جسدها، كل ما توهمته قد ذوى لازال ينتظر استجابة منها، إرادة تحركها، نسيانا مطلقا بان عثرة طريق لا يمكن ان تغير العالم الا وهما في عقل من يتوهم ذلك..

وبدأت تتعلق بصديقها، تراسله، تقضي معه الساعات تقرا وتصغى لما يكتب ويقول، وله تحكي استجاباتها الجديدة، نظرتها الى الحياة من حولها بعد أن تعرفت عليه، استغراب أهلها من تغيرها، قناعتها بان الشمعة التي أشعلها الصديق في نفسها بتوجيهاته وشروحه، بالحرية التي فتح لها نوافذ في ذاتها، بقربه منها قد اشعرها بقوة وفخر وانتصار على نفسها وما واجهته خلال أزيد من ربع قرن.. حتى خلايا جسمها صارت أكثر نشاطا وحيوية، وقد آمنت أكثر ان كل إحساس بالقهر والغبن يلزمه صديق بشخصية جذابة، بعواطف إيجابية ونظرة تفاؤل تركز على اعماقك قبل مظهرك وتتماشى مع الإحساس بحاجاتك النفسية، وليس أي شخص قادر على منحك هذا الشعور.وكما قالت له في احدى رسائلها اليه: أحس اني اتغير بسرعة لا لاني نسيت ولكن لانك استطعت ان تفتح أكثر من بوابة للتواصل والعطاء، وتضع أمامي أكثر من فكرة ورأي كلما تعمقت فيها وجدتها هي بوابة نجاتي، لهذا أعدك اني تركت الماضي بغير رجعة واليه لن أعود لكن لا تتركني......

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

الوَردُ  يَسحَرُ  مثلَهُ  الوَرْدا

عبِقاً يزيدُ مِنَ الهوى وَجْدا

*

يا هاجري اطفئْ لظى نَهَمي

فأنا الذي  أخلصتُكَ  الوِدّا

*

جافيْتُ أصحابي، ونبضَ دمي

حتى ارتويْتُ منَ الجَفا سُهْدا

*

قفْ ، لا تمِلْ عنّي ، فتُبعدُني

أنا ذلكَ المحبوبُ قد أهدى

*

ينبوعَهُ الصافيْ بلا ثَمَنٍ

ليزيدَ في بستانِكَ الوَردا

*

فانصِفْ فؤاداً عاشـقاً يصبو

كيْ يحتسي العينينِ والخدّا

*

إنْ كنْتَ لا تهوى سوى لَهَفي

خلفَ السرابِ ، ولاهثاً عَبْدا

*

فاعلَمْ بأنَّ الريحَ لو هبَّتْ

ستُزيلُ عنيّ الجَمْرَ والكّدّا

***

عبد الستار نورعلي

11.10.2022

في المحطة قبل الأخيرة

قبل أن يندثر وجه الشمس في كف الغسق

تحلق بهم نوارس الأحلام

إلى عمق الحياة

إلى أرض بلا فزاعاتٍ

إلى نوافذ بلا حمايات

إلى شوارع تخلو من إشارات الحذر

و قبل اكتمال الانتشاء

يسقطون هكذا في المحطة الأخيرة

ليصبحوا ملحمة للبكاء

و ساحة يتبارى فيها قياصرة النفاق

*

البحر بيتٌ وليس منفى

البحر حلمٌ للوصول

لم يرتكب ذنبا ولا جريمة

لم يقل قطّ للخائفين قفوا

لا تمتطوا ظهري

البحر يتفاعل مع آلامنا

جلده يتحسس لأحزاننا

لذلك وبين الفينة والفينة

يمد ذراعه الموجيَّ إلى ظهره

يحكّه عله يغسل ما نعاني من أرق

ونحن بخبثنا البشري نظن أنه يدعونا للغرق

*

يا صديقنا الذي لطالما غنّيناك قصائد وخيالات

يا صديقنا الذي في قلبه الكبير

تنمو كائنات وكائنات

لا تبكي كطفل بريء يشعر بالذنب البريء

لا تنفعل حين يقولون عنك غادرا

أو خائنا

أو كائنا متقلب الأهواء

فهكذا هي العاهرة ترمي غيرها بدائها وتنسل

يكذبون.. يفجرون.. يزنون.. ويقتلون

ثم يصعدون أمام الشمس

يُلقون بُردَهم العذريَّ إلى السماء

لا تخف يا صديقي

لم تعد تنطلي علينا الخديعة

*

هم الآن يرفعون عليك دعوىً قضائية

أمام الضمير الإنساني

يتحدثون عن ألوان خداعك

عن الصكوك الكاذبة التي منحتها للهاربين المذنبين...

يتحدثون عن كائناتك المفترسة التي لا تعرف الرحمة...

يتجمهرون على شواطئك ليلتقطوا صور ضحاياك...

ههههه..ههههه..نعم صور ضحاياك  ويبكون...

يتباكون...

يصدِّرُونك بؤرةً للإرهاب...

فتارةً أنت القاتل الذي لا يرق قلبه لطفلة صغيرة تبحث عن جدائل الشمس

وتارة أنت الذي تؤوي إليك

من فَرُّوا بلحمِهم

من عَمى النيران

وما كان عليهم سوى الصبر

فالوطن يا سيدي يستحق التضحيات

*

لا تخف

لا تخش شيئا

سنثبت براءتك

لا عليك فلم تعد تنطلي علينا الخديعة

*

البحر( تتمة العنوان)

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود- سوريا

 

وقصص أخرى قصيرة جدّا

لعنة الدّمّ

اشتعل الضّوء الأخضر فانطلقت العربات تجري عبر خطوط متوازية، باستثناء خطٍّ واحد وقفت في مقدّمته سيّارةٌ لم يبال صاحبها برتل العربات وراءه ولا بصياح أبواقها المنبّهة...

ولحثّه على الانطلاق، نزل أحدهم من عربته في عصبيّة ملحوظة، وراح يقذف السّائق بعاصفة من السّبّ والشّتم...

نقر على البلّور... فتح الباب... أصابه الرّعب بغتة وعيناه ترتدّان في عنف...

**

سيزيف

تطلّعت إلى السّماء المظلمة ورحت أتأمّل حلقة صغيرة تتألّق في قبّتها..

تقدّم أحد الرّفاق وأطلق سهما إلى هناك. فرأيناه يشقّ الفضاء في قوّة ورشاقة حتّى مرق من تلك الحلقة فهلّل النّاس وكبّروا...

وجاء دوري فسدّدتُ سهمي وحبست أنفاسي ثمّ أطلقته، فمضى ضعيفا متذبذبا قبل أن يسقط دون هدفه...

سمعت صوتا لا أدريه من أين: لا تيأس...

**

أحلام لذيذة

إذا جاء الصّيف بتنا ليالينا في العراء... وكم يروق لي تأمّل النّجوم وهي تبدو كذرّات من الفضّة، ترشّها يد رسّام عبقريّ على ثوب أسود..

في لحظة لا أدريها أهي من بنات الغيب أم من غيرها، أحسست شيئا يدبّ على جسدي نصف العاري. يبدؤني من الرّقبة حتى منبت الحياة وسرِّها. تزورني الرّعشة على عجل ويتّقد في ذهني ألف سؤال...

**

منطق الطّير

والأمر رهين صدري نتفت ريش ديكنا الأسود وأهلي نيام... ورميته فُتاتا في أركان غرفتي المظلمة، بعد أن أطلقت بخورا وهمهمت بكلمات عُلِّمْتُها...

أخذت الرّيش والأمعاء وما تبقّى من الدّيك ومضيت بها إلى مجرى ماء بعيد وفي ذهني صورة وحيدة، هي صورةُ زوجي الذي سرقته منّي امرأة أخرى... وقفلت راجعة وقلبي يكاد يتوقّف من الخوف وصوت ذلك "الحكيم" يعاودني:

"لا تلتفتي. إيّاكِ"

ولكنّي لم أقاوم فضولي والتفتُّ...

***

حسن سالمي

تَـعِـبَ الـهـوى فـعـلامَ تــنــتــظــرُ؟

هـيَ بُــرهــةٌ تــأتـي وتــنـحَــسِـــرُ

*

يجـري الـزمـانُ ولـســتَ مُـدرِكَـهُ

أرأيـــتَ ظــبــيـًـا فَــرَّ يــعـــتــذِرُ؟

*

ولِــصـاحـبـي قـيــثـارةٌ رسَــمَــتْ

بالـحـرفِ ما يـصـبـو  لـهُ الــوتَـرُ

*

(يحيى السـمـاءُ) وأنـتَ سـيّـدُهـا

تـشــدو فـزهــرُ الـلــهِ يــنـهــمِــرُ

*

ما كـنتَ مـن طـيـنٍ وقـد هـطـلـتْ

فـي أصـغــرَيـكَ الــنـارُ والـمـطـرُ

*

قـد جـئـتَ من رَجْعِ الـنخـيـل ومـن

ريـحِ الـصَّـبـا تـبـكـي وتـحـتـضــرُ

*

قــلــبٌ مـن الــيـاقـوتِ جــوهـرُهُ

إنْ هَــبَّـتِ الـنـسـمـاتُ يـنـكـسِــرُ

*

الــقـاتـلُ الــمـقــتــولُ إنْ نـحَـروا

والـسـاحرُ المـسحورُ إنْ سـحروا

*

(يحيى السمـاء) وكـلُّ قـافـيـةٍ

فـيـمـا تـقـولُ وما تـرى : قَـمَـرُ

*

الـحـبـرُ مـن صـهــبـاءِ خـابـيــةٍ

والحرفُ وَجدَ الأرضِ يخـتـصِرُ

*

مــولايَ لا جَــفَّ  الــمِــدادُ ولا

أضـنـاكَ طـولُ الـدربِ والـسَّفـرُ

***

أرشد توفيق

 4387 قصيدة ارشد توفيق

 

ضوءٌ من القمرِ الجميلِ يمدّنِي

بالنورِ والأعراسِ والأشعارِ

*

اشتاقُ أن ألقاكَ مثلَ سحابةٍ

تاقتْ إليها موجةُ الأنهارِ

*

لا أدّعي وصلًا بليلى إنَّما

قلبي تعلَّقَ بابنةِ الأسرارِ

*

وتدفقَ  الحبُّ الكبيرُ بخافقي

كتدفق الأنساغِ في الأشجارِ

*

شوقي إليها بعدَ طولِ غيابها

شوقُ الصداحِ الى صدى الأوتارِ

*

يا طلعةَ الشَّمس البهيَّةِ ليلتي

قمراءُ بعضُ طيوفِهَا سمَّارِي

*

سافرتَ في مدنِي قصيدةَ عاشقٍ

وقضيت أنْ لا عودة للدارِ

*

كم قلتَ يومًا نلتقي لا تبتئس

فتركتني بين الندى والنارِ

*

مضتِ السّنونُ وليتها عادتْ كما

عادَ المهاجرُ بعدَ طولِ سفارِ

*

قالتْ أما تعبتْ قواكَ من الجوى؟

فاجبتها: درعي إذا شبَّ اللهيبُ وقاري

*

إنّي متيمُكَ الوحيدُ وليس لي

إلآكِ شمسٌ والهيامُ مداري

*

تتهاتفين وكلُّ شيءٍ صامتٌ

حولي وقد وأدَ النوى أزهاري

*

قالت نعستُ فلا تؤرِّقْ مقلتي

فأنا طويتُ على الهمومِ نهاري

*

نم واغفُ وحدك لست اول عاشق

ناجى شذى الأطياب والأطيار

***

د. جاسم الخالدي

من الشعر السرياني المعاصر

شعر وترجمة: نزار حنا الديراني

***

كلما أحلم بالضوء

أحس بـأصوات الريح وهي تقلع حياتي من حبل الغسيل

وتستأصل أشجار طفولتي من الجنينة

وانا مقاتل

في حرب ليس لي فيها سوى أن أستشهد

أو أن أحل قماطي واهرب عاريا

أكثر من خمسين سنة.. او لنقل ألفي سنة

مهد طفولتي.. ليس لي

والمرآت التي كانت تجسد خصوصيتي.. ليست بمرآتي

والوريد الذي به كنت انقش فيه أسمي ووطني..

قد أغتصب مني

ورأسي.. الذي فيه أتفاخر

أنتنزع من جسدي ، ولا أراه إلا في ظلي

وهو يتقمط شكل كرسي.. او جسر

ليحمل من سلبني وجودي

الفا سنة.. أو لنقل خمسة آلاف نسر من نسور فريدون1

وهي اليوم عاجزة أن تنقلني الى أبعد من الحدود

وأنا اردد أغنية بيبا – مسافر أنا –

لاني عجزت أن أكون كالحية أنزع جلدي

وأقول:

هذا الوطن ليس وطني

وهذا المهد ليس حضارة طفولتي

ونهرا دجلة والفرات.. ليسا بجرن معموديتي

***

16/1/2016 ديرابون

..........

هو الشاعر السرياني (ايراني الاصل) والمناضل فريدون والملقب بـ(فريدون اتورايا) الذي أعدم في روسيا بسبب مواقفه السياسية وقصيدته نسر دتخومي

ايتها القصيدة

إلى اين تمضين بي

والجهات جميعها  تسير معي

لماذا حينما اكتبكِ

تنثرين غبار الأسئلة

فينبتُ اشواكاً في احداقي

وتبدأ متاهتي

إنه الزمنُ

لم يعدْ صالحاً للشعر

تختنق فيه القصائد

برائحة  الطحالب والشوائب العالقة

هل لي ان ابحث عن بهاء لها

كي تتنفسَ

فليس ثمّة من يخيط لي صباحاً نقياً

واترك غزلان قصائدي

ترعى في خمائله

حسنا

سأفتح نافذةً

واطلُّ منها على الحياة

أليس القصائد تنمو في اتساع الحياة

سأكتب عن تلك الشجرة

التي تتكئ على  رأس الشارع

ولكني لا اريد أن تكون قصائدي

خضراء ووادعة

فقد تداهمها البغضاء

سأكتب عن ذلك الرجل

الذي يمرُّ امامي

وهو يمتطي حصاناً اشهب

ولكن ستنهمر على رأسي التواريخ

فاسمع دربكات الخيول

تشقُّ طريقها في الغبار

وصليل السيوف

فأنا لا اريد لقصائدي

ان تكون منهكةً

كما لو أنها خرجت تواً من الحرب

ومن حروفها تقطر الدماء

وصيحات الجرحى

ليس لي إلا أن اغلق نافذتي

وايقظ  في رأسي

شجرة الماضي

اهزّها فتسّاقط الذكريات

واكتب عن حبيبتي

حبيبتي التي ما زال عطرها الزكي

يطارد قصائدي

عطرها الذي كان يجذبني إليها

كي اضمّها الى صدري

فتفلت من بين ذراعي

مثل ظبيٍ شرس

ولكني لا اريد لقصيدتي

أن تكون شرسةً

إنها الحيرة

وليس لي راية اسير خلفها

لأخرج من متاهتي

قال احدهم :

اكتب عن البلاد

إنها فكرةٌ جميلة

أن اكتب عن بلادي

ولكن كثيرون من كتبَ عنها

فبتلعتهم قصائدهم

وخرجوا منها من غير بلاد

فأين القصيدة التي سأكتبها

كلمّا ذكرت بلادي

امتلأ فمي بالماء

وتعطّلت الكلمات

وكلما حاولت أن اكتب القصيدة

اخرج  منها

وخاصرتي مثقلة بالطعنات

لهذا ساترك قصيدتي

يكتبها عن البلاد

شاعرٌ يأتي من بعدي

علّه يرى زمناً صالحاً للشعر.

***

شعر: طلال الغوّار

كان يدقّ الفكرة في هشاشتي بكعب

حذاء فاتن

يُحاولُ اللّونَ المبشًرَ بالبدايات

و يقيس المسافات التي تفصله عنها، بدقّات قلبي

كان يقطف الفرح من عينيّ ليُعدّ لها

المعنى…

كم كان ينتظرها

يستعير عطري ليبلّل الشغف تحت

قدميها

يُعدُّ لها من وجنتاي باقات عشق

و يكتبها بالتاء المفتوحة لتتسع اكثر

يقطف لها الأزمنة و ينتظرها

كم كان ينتظرها

لعلّ سكّين سِينِها تقطع عادة الغياب

لعل عينها المُشْبَعَةَ تراه

ليصبح ذاك الحظّ… سعيدا

***

امال جبارة / تونس

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م