نصوص أدبية

نصوص أدبية

سألتقيك ...

مازال هُناك مُتسعٌ مِن الوقت

والكثيرُ مِن البراح في مخيلتي الفارهة الحضور سألتقيك رُبما في واحدٍ مِن البيوت التي شيدتها في طفولتي بلا جُدران تُطل على عالمي المحفوف بنضارةِ دوالي العُمر كنت وقتها أرتدي حِذاء أمي عالي الكعب وأتعثرُ في مشيتي عندما تأتي لا تضحك مِن منظري فقط إنتظر حتى تستقيم خطواتي على طريقِ الحياة وتكبرُ قدماي بمقدارِ حُلم وليلةٍ أكون أنا قمرها وعودٌ مِن الصندلِ يحترقُ على مهل.

**

سألتقيك ...

مازال هُناك الكثير مِن صفحاتِ

العمر أرغبُ أن نطويها معاً

لا يجب أن نتركها مكدسةً

حتى تُصيبها رطوبةَ الرتابةِ

بالعفونةِ والالتصاق

فتضيعُ بعض التفاصيلِ

ونَصبِح أشباه العادي

ستجيءُ بجنونك

أنتظرُك

عند الصفحةِ الخامسة والثلاثين

بهدوءِ ماقبلَ العاصفةِ

وعنفوان النُّضج

*

سألتقيك ...

على متنِ زورقٍ يتهادى

في عالمٍ مواز

أركن إليه به نهرٌ ينبعُ

مِن فكرتي ويصبُ

مابين امتداد ذراعي

وهناك في المنتصف

عِند زهرة القلب

يرسمُ مرسى على حدودِ الفرح

*

سألتقيك ...

والنجمةُ التي تقتربُ مِن نافذتِك

يزدادُ بريقُها لتهتدي كُل

الإبتسامات التي أُرسلها

اليك وأنا أطالع وجهكَ

على مرآتي

وأتلمسُ تفاصيلَ وجهك

وأضيعَ مابين أنا وأنت

فتتقلص المسافة

تبدو قصيرةً جداً أشتريها بقُبلةٍ

وأختمُ ليلتي بالنومِ

على مشارِف الحُلم

*

سألتقيك ...

حتماً وليس إحتمالاً

يكفينا عبثُ الإحتمالات

ضحالة التمني ولزوجة الحنين

لنكُن حبراً يلونُ شفاهَ القصيدةِ

ومطراً يُثلجُ صدرَ الحقيقةِ اليابسة

*

سألتقيك ...

***

أريج محمد احمد

ماذا بهِ قلبي المُعذَّبْ؟

مِن أيِّ شيءٍ صارَ يتعبْ

في كلِّ ضاحيةٍ أنا

من كلِّ ناحيةٍ مُغَرّبْ

الروحُ تذهبُ مَغْرِباً

والقلبُ نحو الشرقِ يذهبْ

مُدِّي لنا حَبْلاً إليكِ

ولو أتيتِ يكونُ أنْسَبْ

فأنا تعِبْتُ وها أنا

في أفضلِ الأحوالِ مُتعَبْ

لا شيءَ يُبْعِدُني ولا

سببٌ بإبْعادي تسبَّبْ

وعلى دُموعِ العيْنِ يرسو

قاربٌ والموجُ مُنْصَبْ

هو غارِقٌ عندَ البِعادِ

وغارقٌ لو صارَ أقربْ

يا كربلاءُ وساحلي

يشكو مِنَ العصْفِ المُذَبْذَبْ

وكأنَّ ذاكَ العصْفَ في

ثكناتِ أعدائي تَدَرّبْ

لو شاءَ يحْمِلُني إليكِ

أبيتُ فوقَ ثراكِ مُنْكَبْ

أو قُرْبَ قنْطَرةِ السّلامِ

وعندَ بابِ الخانِ أُصْلَبْ

لا تُذكرينَ بخاطِري

إلاّ ابتسمْتُ وصرتُ مُطْرَبْ

وهو الفؤادُ على الحُسينِ

كشاحِناتِ الجَمْرِ يلهَبْ

والشوقُ للعبّاسِ وَقْفٌ

كيفَ حُبُّكِ لي تسرّبْ؟

وتوقّفَتْ كُلُّ الكواكِبِ

إذْ مشى في الأرضِ كوكبْ

وأنا أقولُ لخافِقي

يا خافِقي أنتَ المؤدّبْ

أتكونُ في العشرينَ مُلْتَزِماً

وفي الخمسينَ تلعَبْ؟

فالمُعْجَباتُ إلى الجحيمِ

ولم أكنْ بسِواكِ مُعجبْ

ومَشَيْتُ من سوقِ الشيوخِ

لكربلا مَشْيَ المُسيَّبْ

فوجدتُ طعمَ الماءِ أسفلَ

كربلاءَ يكونُ أعذبْ

عَذْبٌ فُراتُكِ جرّبيهِ

لِمَ المُجَرّبُ لا يُجَرَّبْ؟

ووجدتُ أبوابَ السَّماءِ

عجيبةً والأرضَ أعجبْ

فبأرْضِها وقعَ السّخاءُ

فصارَ بعضُ النَّخْلِ أحدَبْ

وبِنَهْرِها غَرِقَ الحياءُ

فماؤُها عَرَقاً تصبّبْ

مهما تقلَّبَ طقسُها

ومزاجُنا مهما تقلَّبُ

يأتي المساءُ وكلُّنا

مِن نفسِ ماءِ النَّهرِ نَشْرَبْ

أُخفي رسائلَها وصارتْ

فوقَ سطحِ القلبِ تُكتبْ

لو أنتَ تدخلُ خافقي

لَعرَفْتَ كيفَ العُمْرُ يُحْسبْ

فهواي فيكِ مُناسِبٌ

وهواكِ في داعيكِ أنسبْ

وإذا يجِنُّ الليلُ لا

يدري المُغَرَّبُ أينَ يذهَبْ

يا تلَّ زينبَ كم غريبٍ

فيكَ طافَ وصاحَ يا ربْ

وأنا على قلبي أطوفُ

لِأَنَّ فيهِ مقامَ زينبْ

أبدو أنا هَرَماً ولكنْ

داخلي كوخٌ مُخرّبْ

كم مِن كبيرٍ إنما

طفلٌ بداخِلِهِ مُعذّبْ

يا ويحَ قلبي إذ رأيتُ

خسائري في الحُبِّ مَكْسَبْ

ورأيتُ بالعينِ المُجَرّدةِ

الحقيقةَ وهي تُحْجَبْ

ورأيتُ أصدقَ عاشِقٍ

في أصدقِ الأحوالِ أكْذَبْ

فتواترتْ أحداثُ روحي

والحديثُ يكونُ مُطنَبْ

هلّا رأيتِ عيونَ روحي

وهْيَ فوقَ التَلِّ تنحَبْ؟

لمّا رأتْ عُشَّ الصِّبا

يخلو من الطَّيْرِ المُهّذّبْ

طافت كما طافَ اليَمامُ

بعشِّهِ الخالي المُخَرَّبْ

لكنَّ لي سلوى ستَجْمَعُ

مَنْ جفاكِ ومَن تقرَّبْ

لكِ مرقدٌ في القلبِ

مِنْ ذَهَبٍ وشُبّاكٌ مُذَهّبْ

مفتوحةٌ طرُقي جميعاً

للمُبَعَّدِ والمُقَرَّبْ

لكِنَّ شارعَ زينبٍ

هو مُغلقٌ إلا لزينبْ

***

وحيد خيون

12-06-2022 لندن

قبلَ ولادةِ الفجر أحيكُ لعينيكَ

أجنحةً من رَذاذِ الفضاء

هناكَ سَنلتَقي

حولَ أسرابِ الهُدى

وبين الشِّفاهِ تتفتَّحُ زنبقةُ النَّقاء

قيثارتي تدعوكَ لحفلةِ ترانيم

خارجَ حُدودِ الهَواء

تعزفُها ملائكةُ الهَمس

يردِّدُها صَدى السَّماء

يا نسيماً يُفسِّرُ أسرارَ الرِّياح

هل ستُلبيِّ النِّداء؟

لَملِمْ بقايا النرجس الغافي في دَفتَرك

وهَلمَّ نخطفُ القمرَ.. إنهُ عرسُ السَّماء

ستولدُ نجمةُ الخلودِ في مَهدِنا

ما بينَ بريقٍ وألقٍ

ألمحُ ولادة َالرَّبيع في عينيكَ

أقحوانةً تتهيَّأُ للقاءٍ

وياسمينةً تزغردُ للأملِ...

ما أبهاهَا تلكَ الفَراشة !

تقرأُ الحُلمَ من خطوطِ راحتيكَ

على شُرفةِ الجنَّةِ

أتنفَّسُ طيفاًمن  رِئَتيك

يُغافِلُ تَمْتَماتِ الفردَوس ..

يُخبرُني عن بُرعمٍ

سَيغدو تاريخاً

عن نَجمةٍ حُبلى بِحَنين ِ الأزل

تُرى في أيَّةِ عاصفةِ ستولدُ  أسطورَتُنا؟

***

سلوى فرح - كندا

 

فرات المحسن

الحلقة السادسة من حفر الباطن

سحبت بتثاقل الورقة عند الضوء الشحيح للقنديل المعلق في زاوية الملجأ، بينما كنت أنظر لعيون الجرذ الناطّة من بين لوح السقف والصفيحة الحديدية. كانت أصابعي تهز القلم فوق الورقة هزاً خفيفاً مخدراً، لترسم دوائر متداخلة.راودني الإحساس الغامر نفسه، الذي ينتابني بين الحين والآخر.الخواء المضطرب تحت سماء مفتوحة مليئة بالثقوب الفاغرة. وحيداً، أسير في متاهة لا حدود تلجمها. ورغم عتمة وثقل سقف الملجأ، فقد شعرت بأن جسدي لا زال ممدداً فوق الرمل. تنبلج السماء فوقي مثل كوّة موحشة، ترسل إشارات سحرية عبر نفقٍ بعيدٍ جداً، تأتي منه الأصوات شحيحة لا تستطيع أذناي تمييزها، فينتابني خوف يخالطه استسلام تام مطمئن، وكأنّ بي مساً سحرياً يشلّ كل حواسي. إحساس بالخدر التام والرغبة بالصمت، صمت تام يقتل ما في داخلي.

لا أذكر عدد المرات التي كتبت فيها رسائل. فأنا أمقت كتابة الرسائل. و هذا سبب لي الكثير من الإشكالات في أكثر من مناسبة. فأنا لا أجيد الحديث عن أمنيات وتمنيات وتدبيج تحايا، أو التعبير الدقيق عن المشاعر، وأجد صعوبة في سرد الوقائع ووصف الأماكن. وفي أغلب الأحيان أجدني عاجزاً كلياً عن كتابة ما أردت الحديث عنه، فأرجئه للقاء مباشر واعتذار يكون دائما غير مقبول .

عندما كتب مدرس اللغة العربية عبد القادر البصام، مواضيع الإنشاء الأربعة، فوق اللوح المدرسي الأسود، وطلب أن يختار كل واحد منا موضوعاً ليكتب عنه، ثم يجلبه بعد انتهاء العطلة الربيعية، طالعني مباشرة  فتسقطت من نظراته رائحة التهديد. ومع هذا لم يترك الأمر يمر بسلام دون أن ينبهني بحدة وأمام الطلاب، بأن هذه فرصتي الأخيرة، وإن لم أحاول اغتنامها، فذنبي على جنبي. كتبت عناوين المواضيع الأربعة في الدفتر، وتركت الاختيار حتى اليوم ما قبل الأخير من انتهاء العطلة، أو الأحرى قلبتها في رأسي دون أن أستطيع الاختيار. ولكني أنجزت ذلك في اليوم الأخير وسلمت دفتري بروح مغموسة بفرح غامر، في أول يوم دراسي نهاية العطلة. أشاح المدرّس وجهه عني وابتسامة مصطنعة ترتسم بتثاقل فوق شفتيه. في اليوم التالي جلس فوق أول مقعد في الصف ثم نادى باسمي. أوقفني أمام الطلاب فشعرت بالارتباك والفزع فأطرقت رأسي. ثم انطلق صوته:

ـ ما الذي يفعله الطالب حين يصف مكاناً ذهب إليه ؟ من يجيب عن ذلك ؟

ارتفعت الأكف تتطاول كي يشير المدرّس لأحدهم بالإجابة، لكنه صرخ بأعلى صوته أن اخرسوا. وكان صوته المجلجل مثل زئير أسد. ارتبكت الأكف الصغيرة، وراحت تنسحب واحدة تلو الأخرى. انكمشت وأحسست أن الجدران تقترب لتطبق علي وتهرسني. إحساس بالرهبة والانسحاق سيطر على روحي، فراح جسدي يرتجف  بتسارع ولم أعد أستطيع السيطرة عليه.

ـ غبي.. ما هذا ؟ أهو وصف لحمّام شعبي يستحم الناس فيه أم هو سرداب موتى ؟

نزّ جبيني عرقاً بارداً غطـّى جبهتي، وراحت ركبتاي ترتخيان. قاومت اندفاع رغوة تصاعدت في أحشائي. ضحكات رفاقي أدخلتني في هلام سائل كثيف،  فسقطت أخيراً  مغشياً  علي .

كان الخوف يسيطر عليَّ حين أفقت وأنا أرى كـّفه الثقيلة تمسد  جبهتي  بالماء البارد  .

ـ دلال صبيان. لا شيء سواه. انهض يا شاطر. رغم أنك لم تكتب عن الموضوع بشكل حسن، ولكن لا بأس. سوف أحتسبها لك هذه المرة.

حين جلست بين دفـّتي مقعد الدراسة، كنت أحبس دمعتي خوفاً ورهبة. وكان خدر تام يسيطر على كامل جسدي. لم أكن بقادر على إسكات ضحكاتهم التي راحت تجلجل في رأسي. وكان جسدي الواهن يتفصد عرقاً بارداً، ويقف المدرّس أمامي وهو يغتصب ابتسامة شاحبة لم تتعدَّ حافـّة شفتيه الغليظتين.

*****

وضعت الورقة جانباً وطالعت مكان الجرذ الفارغ. شعرت بحاجتي الملحّة لمحاورته. من يدري فربما يعرف أكثر مني سبب وجودنا معا في هذا المكان. وربما يخطو  بحذر لاكتشاف حسن نية البشر أو شرورهم تجاه الحيوات الأخرى.

ولكن كم عمره الآن ؟ أنضج أم أن الوقت ما زال مبكراً ليعرف أن قدميه زلتا عن الطريق لتقوداه إلى المكان الخاطئ، بالضبط إلى مكمن القتل. البشر وحدهم بحثوا عنه وقرروا اقتحام خلوته الصحراوية.  عن عمد،  زجّوه في نزاعاتهم وجعلوه يلتهم طعامهم المسموم. هم وليس سواهم من سيقوده لحتفه، إما تخمة أو قتلاً. ولكن أين يا ترى هو الساعة. ألديه أحد غيري يحاوره في هذه المتاهة، أم مل التطلع في وجهي العابس. لِمَ لا يأتي لمناجاتي.

سمعت خشخشة الورقة فشاهدت وجهه المدّبب الجميل والورقة بين أسنانه يسحبها متراجعاً فوق الفراش المغطى بالرمل. مبتعداً بها نحو الزاوية. تشبث بالورقة أول الأمر حين حاولت أخذها منه، ولكنه فجأة تخلى عنها قاضماً بأسنانه الصغيرة زاويتها ثم هرب مختفياً بين الأكياس عند سقف الملجأ.

شعرت بشيء من الارتياح والرضا لمثل هذه الدعابة فقد كنت في أمسّ الحاجة لها في هذا الوقت بالذات، لذا أمسكت قلمي وبدأت الكتابة.

أمي الحبيبة

تحية طيبة

أرجو أن تكوني بخير وصحة تامة. أنا لحدّ الآن بصحة جيدة وصاحبي بصحة وعافية أيضاً.

أشعر بحاجة شديدة لرؤيتك.

قبلاتي

ابنك المحب

ليل حفر الباطن  في 23  /2 / 1991

***

فرات المحسن

......................

ملاحظة

فجر يوم 24 /2 / 1991 بدا هجوم التحالف الدولي لإخراج الجيش العراقي من الكويت

سفن مطلية بالسواد

محملة بكل فئات النقود والنذور،

تسدل اشرعتها الممزقة بإتجاه المحيط

محيط القسيسين والفلاسفة

الأئمّة و الأرباب،

ولا تعود إلا وهي ممتلئة بأصغر الأسماك حظًا

أسماك الدعاء.

*

أُماه،

إن طاقم (الجوزدان) عرق جبين من نذرتهم للسراب

و(العلگ) لا يبشر بالمطر.

*

- كلما مات نهر

إتسع السراب

وجفت الغيوم.

*

تقذف بسنارتها عسل المعجزة

داخل شباك مغلفة بالعُمى،

يا واهب الحوت فكرة الإنشاد

وخرافة العشب،

خذ ما تشتهي واعطني اليقين

أعطني اليقين...

وايسوعاه، كيف أخبر أُمي ان اليقين أضغاث خوفٍ

ومذاق الحقيقة مرّ.

*

وإن كان لابد من يقينٍ فالنجمع إذن

المال والنذور

القسيسين والفلاسفة

الخرافة والعشب

الأئمّة والشعراء

وإن كان الناتج لا يقسم إلا على إلهٍ واحد

فلابُد من فكٍ يقضم...

وحوت يبتلع كلّ ما ذكر

***

ضرغام عباس /العراق

 

مَنْ ذَا الَّذِي يَا تُرَى بِالْحُبِّ يَعْتَصِمُ

وَالْخَطْبُ أَقْبَلَ وَالْأَهْوَالُ تَحْتَدِمُ؟!!!

*

أَشْتَاقُ حُبَّكِ وَالْأَيَّامُ تَحْرِمُنِي

تُرَابَ حُبِّكِ وَالنِّيرانُ تَضْطَرِمُ

*

يَا مَنْ جَرَحْتِ فُؤَادِي الْحُرَّ يَا أَمَتِي

وَالْهَجْرُ فِي مُهْجَتِي يَقْسُو وَيَنْتَقِمُ

*

لَكِنَّ قَلْبِي وَعَى مَا كُنْتُ أَلْمَسُهُ

مِنَ الْغَرَامِ الَّذِي يَدْنُو وَيَقْتَحِمُ

*

يَا غَادَتِي مَسَّنِي فِي الْحُبِّ نَائِبَةٌ

أَوْدَتْ بِقَلْبِي وَمَا يَسَّاقَطُ الْهَرَمُ

*

طُوفِي عَلَى حُبِّنَا بَالدِّلِّ يَا أَمَلِي

وَرَفْرِفِي فَوْقَ سُورٍ رَامَهُ الْعَجَمُ

*

وَدَحْرِجِي مَا حَوَتْهُ الدَّارُ مِنْ لُعَبٍ

أَهْدَيْتُهَا وَاسْتَفَاقَ الْعِزُّ وَالْكَرَمُ

*

وَاسْتَبْشِرِي الْخَيْرَ مِنْ خَطْبٍ أَلَمَّ بِنَا

قَدْ كَادَ يَقْصِمُنَا وَالْحُبُّ يَنْفَصِمُ

*

يَا حُبَّ عُمْرِي أَدَامَ اللَّهُ تَجْرِبَةً

مِنْ نَبْعِ حُبِّكِ  وَالْأَيَّامُ تَنْحَسِمُ

*

اَلْحُبُّ.. غَادَةُ مُنْصَبٌّ عَلَى جِهَتِي

يَرْوِي الشَّمَائِلَ وَالسَّاعَاتُ تُقْتَضَبُ

*

إِنِّي أُعَانِقُ فِي شَوْقٍ وَفِي وَلَهٍ

أَحْلَامَ عُمْرِكِ وَالدَّمْعَاتُ تَنْسَكِبُ

*

أَشْتَاقُ قُبْلَةَ حُبٍّ مِنْكِ  تَحْمِلُنِي

لِجَنَّةِ الْحُبِّ وَالتَّنْهِيدُ يَنْقَسِمُ

*

صَفَاءُ حُبِّكِ يَكْوِينِي وَيَعْصِفُ بِي

 لِأَقْطِفَ الْوَرْدَ وَالْأَزْهَارُ تَبْتَسِمُ

*

فَدَنْدِنِي اللَّحْنَ فِي آلَاتِ مَعْزَفِنَا

بِحِضْنِ قَلْبِكِ وَالتَّقْبِيلُ نَنْسَجِمُ

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي - شاعر وروائي مصري

في الهزيع الأخير من الليل

تمر العربات حذو الخيام

ليس في المكان القصي مباهج للروح

و ليس لاحفاد القبيلة

كلام يباغب خصوم الوردة

هنا قرب الشارع القديم

ينام قبل الغروب أولاد القرى

وعلى الضفة الأخرى من الزمان

تاتي القوافل بلا ينابيع

هنا تلتقي الأجساد كانها اتية من بعيد

ليس لفتيان الضواحي

دفاتر و موسيقى

لهم ما خباته الفصول

وذاكرة الحناجر

هنا صوت الشيخ الضرير

يصعد الى الاعالي

يسافر إلى ضفاف المدى

يربك القابعين في ظلام النفق

يصيح في الجموع:

لا خوف بعد اليوم

الحبر المشاكس لي

ولهم ذهب المدينة و الحريم

النشيد الذهبي لي

ولهم ورقات الغيم و انفتاح الرؤى

على المكان القصي

في الهزيع الأخير من دهشة الرؤيا

ينام فتيان الضواحي

بعيدا عن صمت القرى

للتخوم انكسارات و تيه العابرين

ليس في المدينة الهاربة من الاضواء

صبايا

في الضفة الأخرى من الزمن البعيد

تباغتنا العربات بلا مياه أو موسيقى

تعانقنا ورقات السنديان

نحن هنا كابهى ما يكون النشيد اليتبم

لنا دعاء الامهات و ذاكرة الحناجر

لهم ورقات الغيم

وارتباك شيخ القبيلة

وما خباته الفصول

ايتها الروح لا تهابي سياط الزمان

الصوت الطالع من حنجرة الفتى القروي

هو الصاعد إلى الاعالي

و الذاهب إلى الاقاصي

في الشارع القديم صيحات و رؤى

و إنفلات الصوت من الاسوار

لا خوف بعد اليوم

تاتي القوافل بلا ينابيع

وترتبك الاصابع حين يلتقي العشاق

قبل الغروب

اجساد فتيان الضواحي جاهزة

للرحيل

هنا قليل من نبيذ الروم

وما حملته الشاحنات من زهر و لوز

وما ابقته لنا العواصف من دروب....

في الضفة الأخرى من المكان القصي

أصوات خارج السرب

وسياط قرب التخوم

رعايا على الاسفلت

رعاع في صدارة المشهد

رعاة بلا مياه أو موسيقى

من ينصت لفتيان الفيافي حين يكون

الكلام الفصيح عصيا على الانكسار

للدهشة اقاليم

و للروح مباهج و بهاء

لا يربكه جحيم الزمان....

***

البشير عبيد

شاعر و كاتب تونسي

24 افريل/ نيسان 2022

 

قلتُ لها:

ما أكثرَ الأسماءَ التي تتبعُني كظلِّي

بعضُها يُحبُّني

وبعضها يريدُ قتلي

كلَّ يومٍ يسقطُ اسمٌ

يختفي اسمٌ

وكلُّ يومٍ يُقتَلَعُ من القيودِ اسم ..

*

ما أكثرَ الأسماءَ التي تنمو على الأرصفةِ

مثل الأعشابِ البريَّة

تلتفُّ حولي

تهتفُ لي كأنَّني نبيٌّ

أو كأنَّني زعيم ..

*

قالت ليَ العرَّافةُ، وهي تتأمَّلُ باطنَ كفِّي

وترسمُ بأطرافِ أصابِعها

خطوطاً ودوائرَ:

قريباً ستلتقي بامرأةٍ

لا اسمَ لها

ولا عنوان

لا هي من طائفةِ الإنسِ

ولا هي من طائفةِ الجآن ..

*

تأتيكَ بوجهٍ يُشبهُ وجهَ أُمِّكَ

تبتسمُ لكَ كما كانت تبتسمُ لك أُمُّكَ

ستُغَيِّرُ وجهَ الوقت

ستشقُّ لكَ بالضُّوءِ المُقدَّسِ

طريقاً للعبور ..

*

سوف تخرجُ من اسمكَ

وتتحرَّرُ من جوازِ سفرِكَ

من شهادةِ ميلادِكَ

ستُحطِّمُ كلَّ القيود

لن يبقى لكَ رقمٌ وطنيٌّ

أو هويَّةٌ

أو وطن ..

*

ستلبسُ جسدَها

وتلبسُ جسدَكَ

ستعبُرانِ الطَّريقَ واحداً

ستُقيمانِ معاً خارجَ اللُّغة ..

ستغرسانِ بذورَ النَّار

في الحقولِ الجرداء

في العقولِ العمياء

في القلوبِ الخرساء

وتنتظران ولادةَ آخرَ مدينةٍ للحُبِّ ..

*

ستنتظران معاً ولادةَ العنبِ

والقصبِ

والرُّمَّان

ستتفتَّحُ الجِرارُ نبيذاً مُعتَّقاً

وأزهارْ

ستشتعلُ النَّارُ في المعابدِ

والهياكلِ

والطُّرقات

وستمضيانِ معاً نحو الموتِ الجميل ..

***

د.عاطف الدرابسة

 أحبك يا كاترين

أحب الثعلب الأشقر الذي يطل من زجاج عينيك.

أحب وجهك المليء بالنجوم والنوارس.

صوتك المشمشي الباذخ.

أجراس قدميك العميقة.

شلال قامتك المرتفعة.

وأنا أتدلى من مشنقة الهامش.

مثل مهرج مكسور الخاطر.

أحبك يا كاترين

لكني مطوق بالرصاص والجثث.

بالعار والفضيحة والنوستالجيا.

في جرابي مليون سنة من الخراب العائلي.

مطوق بالقراصنة الجدد.

بأزيز الجدجد العبثي.

بوحوش قذرة تستوطن عمودي الفقري.

حبال اللاجدوى تلف عنقي.

رأسي مليئة بالأشباح.

والنهار بالقناصة والقتلة.

أنتظر صدرك المسيحي لأنام إلى الأبد.

أنتظر لمستك الحانية لأعيد علاقتي بالعالم.

أحبك يا كاترين

لكن أنا جائع الآن وملاحق.

أصغي إلى فرقعات أصابع الموتى.

أعزي العميان  والمنكسرين.

أنا دون سند سماوي يا كاترين.

شردتني حروب الشوارع.

النوم طويلا فوق القبور القديمة.

الذهاب ببطء إلى زقورة اللاشيء.

أحبك يا كاترين

أحبك يا كاترين

***

فتحي مهذب

 

صديقي الكندي الطيّب

ماتتْ حبيبتُهُ الفارعةُ الجميلة

في واحدةٍ من حروبِ " الكورونا " الفنطازية

فأَصبحَ وحيداً

وحزيناً وأَعزلاً

وبلا واحدةٍ ولا أحدْ

*

وذاتُ ليلةٍ شتويَّةٍ

وثلجيةٍ مُخيفة

بقيَ صديقي الكندي

سهراناً وحيراناً يُناجي

طوالَ ليلتهِ الباردةِ

ويُحاكي زجاجتَهُ النبيذيةَ الحمراءْ

ويحاورُها حتى طلوعِ أَولِ خيطٍ

من الضوءِ والأَشَعَّةِ البيضاءْ

من خيوطِ تلكَ الشمسِ

الكسولةِ والخجولةِ

والمغناجةِ والمُتدلّعةِ

حدَّ الدلالِ والغوايةِ

والولهِ والولعِ والنُعاسْ

*

وآنذاك كان صديقي

الكنديُّ الوحيدُ

والأَعزلُ والحزينُ

قَدْ قالَ لزجاجتهِ

النبيذيةِ الطاعنةِ

بالخمرة والخمول والضجر :

ما رأيُكِ يازجاجتي

اللذيذة الحمراءْ

أَن أَقتني لي كلبةً

جميلةً وعاقلةً ووفية ؟

فقالتْ لهُ إِبنةُ الكرومِ

والتفاحِ والعسل

هَيْتَها لكْ

كي تؤنسكْ

وتُبهجكْ

وتُسعدكْ

ثُمَّ تحميكَ من ذئابِ

ونمورِ وثعالبِ

الوحدة الشائكة

والفراغ الغامض

والعزلة الفاجعة

في هذا الزمن النذل

وفي هذا المكان النغل

والبارد والمخيف

حد الاسى والنحيب

*

وقتذاكَ فرحَ وإبتهجَ

وانتشى ورقصَ

رقصته " الزوربوية " المجنونة

وقد تغَيَّرَ تماماً

حتى صارَ وردياً

مزاجُ صديقي الكندي

الأَعزل والوحيدْ

*

وذات صباح ثلجي

ابيض وضحوك

راحَ صديقي نحوَ

واحدٍ من اسواقِ الكلابِ السعيدة

والمُدللةِ والأَنيقة

وأَقتنى لهُ كلبةً حلوة

وهادئةً وباذخة

بالبياضِ والأنوثةِ والجمال

ومنذُ ذاكَ الوقت

أَصبحَ صديقي الكندي

الطيِّبُ والوديعُ والرهيف

سعيداً وعاشقاً وآمناً

مع صديقتهِ وحبيبتهِ

الكلبةِ الجميلةِ

والهادئةِ والحنون

ولمْ يَعُدْ صديقي الكندي

لا أَعزلاً

ولا وحيداً

ولا خائفاً

ولا حزيناً أَبداً

***

سعد جاسم

كندا في: 2021-4-11 

 

قصي الشيخ عسكرالفصل السادس من رواية صفرة ما على الجدران

يبدو أن الأمور تجري لمصلحته حسب الظاهر.لن تصبح كلّ النساء لعنة في حياته سوف يشطب سالمة وابتهال أما إذا تزوج فلا بدّ أن ينقطع عن الصّحو قبل الخامسة ليهبط فيلتقي أيّ وجه يطالعه في النفق.. لا ينكر أنّ زاهية كثيرة الثرثرة في الخامسة والأربعين من عمرها اشترت قبل أيام قليلة بعد نوبة رياض الأخيرة قبرا في توستغوب لتطئمن.. لكنها ثرثارة هذا لايهم طيبة القلب.. والبراءة.. ثمّ إنها مثيرة حقا أكبر منه بعشر سنوات ومن رياض بخمسة عشر.. ساقاها اللذان كشفتهما ورقبتها، وجهها أيضا يعلن عن أنها في الثلاثين.

لم تعش طفولتها..

رأت نفسها أكبر من عمرها

ولعلّ ذلك سرّ نضارتها

وفتنتها

حين قابلها على الرصيف مع شخص لا يعرفه لعبت في رأسه الظنون فاستوقفها يستطلع ماالخبر، كأنّها هي الغيرة أو إحساس شبيه بذلك .

علامة أخرى تنبئ بشئ

يكاد يدركه

أو يقترب منه

وغابت الهواجس مجرد أن علم أنّه مترجم من تونس دفعت له أجرا كي يكون معها طول اليوم حتى تتمّ كتابة القبر باسمها.

لماذا تفكر بالموت مع أننا كلنا في الطريق إليه؟

تأنف أن تدفنها البلدية ترميها في حفرة كما تلقي نفايات الحاويات

لم تقل ذلك علنا غير أنّه يشعر بها تقوله وهي تذكر البر الذي ينتظرها وكلفته.

امرأة عجيبة جدتها هربت من موت محقق وهي تريد أن تزوره في حفرة بيدين فارغتين أو مع حزمة ورد كلّ أسبوع، قبل أيام سألها لم تبتاع قبرا فقالت بسذاجة أو دهاء القبر هو الشئ الوحيد إذا اشتريناه لا نقدر أن نبيعه ولا يدخل مزادا ولا بدّ من أن يبتاعه الإنسان حيا كان أم ميتا.فلسفة لا يخوض فيها وكلمات يعيها ولا يفهمها مثل اللغة الدنماركية التي تظل تركض وراءها غير أن مايدركة حقا لو كانت المسألة قضية قبر لكان الأولى برياض فهو أقربنا إليه .. يسمع أنّ أصحاب فقر الدم المنجليّ لا يعيشون أكثر من خمسة وخمسين عاما.. ربما يكون عمره في المستقبل أطول من عمر أيّ واحد من سكان المجمّع، فلم يفكّر بالغد ولا شئ أمامه سوى أن يهبط إلى الصالة في القبو أسفل العمارة فيقضي الوقت بلعب.الطاولة مع أحد الساكنين أو يشغل نفسه ب play stationحتى يحين الوقت المناسب ليصارحها.. لا يخدع نفسه هذه المرّة هي المرأة الوحيدة التي أحبها حبا يراه أكثر صدقا ممّا مرّ به.كان يخيّل إليه أن طليقته ابتهال هي حبه الأبدي الوحيد.حب ممكن أن يغيّر الكون به وماحدث أنّه هو الذي تغيّر في حين بقي الكون ثابتا في مكانه حتّى جاءت سالمة الأرملة التي يعرف الجميع أنها خطفت هي التي خطفت زوجها في لبنان من أهله.. امرأة مشتهاة، بستين رجلا، ذات ملامح جديرة بالروعة فاستلطفها واستلطفته ومع مرور الزمن راحت اللهفة إلى ابتهال تخفّ:

تخفت

تتلاشى

تضيع كقطرة في الرمال

 لم تكن تردعه حتى صارحها ذات يوم بحبه، وتهامس سكان مجمع Rovsingsgade من العرب أن هناك شيئا ما بينهما

لا أحد يتهمها ويتهمه

ولا يفكر أحد بوقوع ذنب

لكنهم يتداولون قصة حب تجمعهما كشفتها الأيام.تساءلت:

وماهي نتيجة هذا الحب؟

هل تتزوجينني؟

ماذا عن زوجتك وطفليك؟

تزاحمت في رأسه أفكار وحسابات.لايجرؤ أن يتحدث أمام تلك المرأة القوية عن زواج عرفي ّلا شكّ أنّه تردد جرفته دوامة كانت زوجته تعرف شأنها شأن الأخريات أن سالمة خطفت زوجها الفلسطيني بعد أن رفض أهله زواجهما ثم حدث بين ابتهال وسالمة شجار فاتهمتها زوجته بالسرقة وخطف الرجال.أما التجربة الجديدة فيظن أنها الأقوى يمكن أن يحتفظ بها إلى الأبد!

قصد ماكنة القهوة، وجلس على بعد من إفغانيين يلعبان الشطرنج ثم انتقل إلى التلفاز وأدار زر الplay station كان يلاعب كراش ويتلذذ بالقهوة ومع انتهاء الشوط رمى الموجه ال remoteبحركة عصبية حتى كاد يكسره لابدّ من أن يصارحها ولا يؤجل الأمر.خرج إلى الشارع واستعرض الطريق والمقبرة وانحدر نحو البحيرة.. استقر قليلا على إحدى المساطب ودفعه الملل للعودة، صعد إلى شقة رياض فلم يجده، وعاد إلى غرفته، لحظتها فكّر بالقطعة التي في جيبه، هو أمام دقيقة قادمة عجيبة يحاول الملل والضيق، يقتلانها.. يدفعانها لأن تفلت من يديه أما العلاج ففي جيبه..

سلاح ذو حدّين

يطرد الملل الذي يطارد فرصة تراوده وتواتيه!

مطّ القطعة وقربها من لهيب خافت، ثم لفّها وراح يدخن بشراهة.. فحمل نفسه إلى السرير وغط بنوم عميق.

وبين اليقظة والنوم، وجد نفسه ينهض من الفراش يتسلل بخفة إلى الممر ابصر نورا خافتا من شبّاك المطبخ.. ملامح الاضواء تشير إلى دخول الليل.. لا تهمة أيّة كانت الساعة قد تكون نسيت شباك المطبخ مفتوحا .. حاول أن يطرق الباب وفي آخر لحظة استثنى.كم نام لا يدري وربما ترقد في هذه اللحظة، خفض هامته وانحرف في الزاوية الضيقة للباب.. ترآى له خيال ما ثمّ تيقن أنها هي..

لم يصدق عينيه

التفت في الممر يتفادى أن يكون أحد ما يكشف مصادفة سرّه..

أو زائر غريب.

سمعه وبصره مشدودان كلّ منهما باتجاه.. لا ليست هي زاهية ذات الخامسة والأربعين.. قامة من الجمال والحيوية.. تقف أمام مرآة الصالة تستعرض جسدها العاري إلا منشفة طويلة تنسدل على على نصف ظهرها وصدرها .

محال أن تكون دخلت العقد الخامس .. يشكّ في أنها زوّرت عمرها ويستبعد احتماله السخيف.. أمٌّ وجدةٌ في الوقت نفسه .تزوحت في العشرين في سن ابنتها الآن وتكشف ساقها البضة الحيية أنّ السنين لم تغيرها، فلِمَ تتلاعب بالزمن ولِمَ سوء الظن؟

تستعرض لحظة ثمّ تدلف إلى الحمام فتصفق بابه بقوة مرعبة.

فجأة..

يتأكّد من أنّه انساق في حلم جميل مخيف، حلم يمكن أن يكون حقيقة لا يتحرر منها أبدا.كان يفكّر أن يذهب إليها بعدما يصحو ليسألها إن كانت راغبة فيه.. هو شرع الله ابنتها تزوّجت مسلما.ولا ينقص من إيمان الأم أن تفعل ذلك.

نهض إلى الباب، ورآى رياضا بشكل آخر وجه ينمّ عن الحيويّة، ابتسامة واسعة وزهو يتدفق من عينيه.

فقال وهو يأخذ مكانه على الأريكة:

هل تبارك لي

مبارك لك لكن على ماذا؟

قبل كل شئ كنت في البنك سأدفع لك حقك

ولو.. المهمّ صحّتك لكنك تأخرت؟

نسيت أن أخبرك عن موعد لي اليوم الثانية عشرة مع الطبيب النفسي

ياسيدي

لم أجدك في الشقة وفي الطريق قابلت زاهية كانت مع المترجم حيث ذهبا إلى توستغرب لتشتري في مقبرتها قبرا

اشترت وسأصحبها لأراه كلّفها 6000 كرونه.

أظنّه غالي الثمن.

ولو وجدته هنا في المقبرة القريبة منّا لما ترددت في أن تدفع 8000كرونه.

فابتسم جمال ابتسامة باهتة:

على أيّة حال كلّها حفرة بأيّ ثمن كانت!

لو لم يكن عندي موعد مع الطبيب لذهبت معها لكنها عادت قبل ساعات (ملأ الكأس الخاوية من الدورق على المنضدة ازدرده دفعة واحدة وواصل وهو يضع رزمة نقود على المنضدة) يا أخي أنا لا أحبّ الحرام ولو وجدت إبر السيسيكون كما هو الحال في العراق لما دخنّت! الحشيش.

يا سيدي للضرورة أحكام وهؤلاء الدنماركيون تيوس حتى الحبوب المنومة لا يحبذونها .

مثل الطب في روسيا.. المهم دعنا من هذا راودتني جرأة غريبة فصعدت إلى شقة زاهية جثوت أمامها من دون أيّة مقدمات هل تتزوجيني يازاهية؟

ماذا؟ غير معقول؟

كانت تبتسم تمسح على رأسي كنت أنتظر هذه الكلمة منك

ابن الكلب.. أووه أنت كنتَ في غيبوبة واستفقت وأنا كنت صاحيا وغبت في نوم طويل مارأيته من حضور مهيب كان حلما لا يروي من عطش ولا يشبع من جوع حلمت بزاهية تتعرّى لي خِلسة، وهي في الحقيقة تتعرى لك:

مبارك ياسيدي مبارك لكن هل قلّبت الأمر من عدة وجوه أكبر منك بخمسة عشر عاما ألا تفكر بالخِلفة .. المستقبل .. ألا ترغب أن يكون لك أطفال؟

لا أبدا لا أريد أن أورّث مرضي لأحد!

لم يجد شيئا يقوله بحث في فراغ عن كلمات ما.. عجز عن أن يقول شيئا فالتقط النقود من على المنضدة وضغط على يد صاحبه وه يقول:

خذها ياصديقي أنا كنت شريكك فيها ولا تعكّر مزاجي في مثل هذا اليوم. السعيد.

إذن ستكون أنت أحد الشاهدين على الزواج في المركز الإسلامي وستكون معنا في الكنيسة حسب رغبتها

على العين والرأس وماذا بعد؟

وفي مجلس البلدية لتوثيق الزواج

ونهض رياض ليغادر.. فاستوقفه لحظة متسائلا:

آمل ألا تراودك نوبة جديدة في الوقت القريب هل يمكن أن أستلف قطعة من التي تركتها عندك أروم بعضا منها لصديق بأمسّ الحاجة إليها.

حاضر لكن ألا تمر على زاهية لتباركها:

فقال بابتسامة باهتة كادت تفضحه:

بالتأكيد.. أنا قادم معك

***

قصي الشيخ عسكر

***

قصي الشيخ عسكر

 

محمد محضارظل طوال الليل يتقلب في فراشه. كان مسهدا، والأرق قد سلب من عينيه نِعمة الكرى، كان عقله مشوشا وغارقا في آتون التفكير ..قد مضى عليه الآن أكثر من أسبوع على هذا الحال ..وهو يحاول عبثا الخروج من من هذا الوضع بأقل الخسائر الممكنة، لم تعد الحبوب المهدئة قادرة على احتواء فورة أعصابه وانفلاتها، ولا زجاجات الجعة التي يلجأ إليها لتعطيل هواجسه حافظت على ذلك المفعول السحري الذي يحدث في نفسه المتعة اللحظية . إنه يجد صعوبة في ضبط نفسه، والتكيف مع الوضع الجديد الذي أصبح يعيشه ..الأمر بالنسبة له يشبه حلما رهيبا، بل قل كابوسا مزعجا لم يخطر له على بال .

2

زئير أسد جريح يدوي في أعماقك، لهفة وحيرة تجثمان على صدرك العليل .. رغبة قوية في التميز الذاتي تسيطر على عقلك، تَودّ لًوْ أنك تأبطت مدفعا رشاشا، ثم اندفعت إلى مكان مزدحم وأطلقت العنان لرصاصه يلعلع فيحصد أرواح القطيع المهرول في كل الاتجاهات دون غاية أو هدف، عندها سَينتَبهُ إليك الجميع، وستصبح أشهر من نار على علم، ستكتب عنك الصحف، وتقدم الفضائيات نشرات خاصة بك .

3

تهادى إلى أسماعه آذان الفجر، لعن الشيطان عدة مرات ثم تلا المعوذتين، وقام من فراشه، توضأ ثم صلّى ركعتين وخرج .

كانت المدينة ماتزال غارقة في سباتها، والسماء قد بدأ ظلامها يتبدد، والعمال والعاملات ينحدرون نحو مصانعهم وشركاتهم وهم يَدعكون عُيونهم ..أما هو فكان بلا هدف يسير على غير هدى نحو المجهول. كانت لديه قناعة بأن رحلته تبدأ من الصفر، وتنتهي إليه، والخروج من هذا الوضع يرتبط بمدى قدرته على القيام بعمل جبار يشد إليه الانتباه ويكسر طوق الصمت الذي يغمره ..حتما مثل هذا العمل يتطلب تضحية كبيرة لا يمكن أن يقدم عليها إلا الرجال الأفذاذ.

كان قد وصل إلى حديقة المدن المتوأمة، المكان شبه فارغ والمقاهي المحيطة قد فتح بعضها أبوابه لبعض الرواد، وقعت عيناه على مقصف " فينيسيا" تذكر أنه دفع مائتي درهم مقابل طُرْطَة مثلجة وكأسي عصير، لما صاحب إحدى الفتيات إلى هناك منذ أسبوعين، تابع سيره على امتداد الحديقة، نسمات هواء الصباح تلفح وجهه فيحس ببعض الانتعاش، لا حت له بناية العمالة، وسمع لغطا قادما من هناك، فاستحث الخُطى متجها إلى مصدر اللغط.

4

ها أَنت تجد نفسك أمام جمع من الشّباب يحملون لا فتة يحملون كُتب عليها بخط  غليض : " المكفوفون يطالبون بحقهم في الشغل والحياة الكريمة "،..تقترب منهم ..هناك رجال أَمن وسُلطة يحيطون بهم، كانوا يحملون قِنِّينَاتِ بنزين وَولَّاعات، وكان مُتزعمهم يُمسك مكبّر صوت ويُردد شِعارات مُندّدة بالحكومة والمخزن، فيجاريه رفاقه فيما يفعل، ثم ما يلبث أن يهدد بانتحار جماعي عن طريق الحرق الذّاتي .

تُحسُّ بالرهبة والدَّهشة في نفس الوقت، تستيقظ كل حواسك، ويَتَردّدُ داخلك صوت قَوي : " المَكفوفون أقوى منك لهم إرادة ويعرفون  غايتهم" 

تتقدم خطوات إلى الأمام، تصبح وسط الجماعة المُحتجة، تشاركهم الاحتجاج ..فجأة تَخطف قِنينة بَنزين وولّاعة من أحدهم ثم تصرخ وأنت تصب البنزين على جسدك : " الآن سأقوم بعمل جبار، سأدخل التاريخ وأخرج من عالم القطيع" 

وقبل أن ينتبه إليكَ أحدٌ كانت ألسنة اللّهب قد بدأت تأكل جسدكَ، وكان الصراخ يأتي من كل مكان، ورجال الأمن يحيطون بك محاولينَ إطفاء النّار، أما رجال الصحافة فكانوا يلتقطون صورا لك وأنت تحترق !!

***

محمد محضار

 21دجنير 2011

محمد الورداشيدون الكلمة الأخيرة في تقريره الممل، ووضع القلم فوق الورقة الصفراء، ثم أخذ يفكر في شيء يقوم به، شيء ما يجعله يمضي في عمله حتى الساعة السادسة مساء. فجأة، انبلجت في ذهنه فكرة جهنمية: قرر الخروج إلى الساحة، واصطفاء ضحية مغلوب على أمرها كما جرت العادة، فخرج بعينين بارقتين كذئب الفلاة، ثم أخذ يجول الساحة طولا وعرضا، وعيناه البارقتان تدوران في جمجمته النخرة مائة درجة في الثانية، وما إن هم بطرق الأبواب واصطفاء ضحاياه بدعوى الحديث معهم في أمور دنياهم، وكذا اصلاح شؤون آخرتهم حتى رمق نملة تدب من بعيد، فاقترب منها مهرعا، ولما مثل أمامها استفسرها قائلا:

- ما خطبك؟ وما سر الدمع في عينيك؟

رفعت بصرها في ذهول، ثم نظرت إليه نظرة خاطفة متحيرة، فكرر السؤال مرات وألحف فيه، الشيء الذي أطلق لسانها من عقاله منسابا:

- أخرجنا أبي أنا وأمي من البيت و...

قاطعها نحيبها المتذبذب في حلقها، ولأيا استرسلت:

- طردنا دون لباس ولا أغراض..

تظاهر ذئب الفلاة بالحزن والأسى، فدنا منها حتى كاد يلتصق بها، ثم طبطب على كتفها فتحسس ليونته، فخاطبها ولعابه يتقاطر من فمه اليباب:

- هذا الرجل لا يعرف قيمتكما في حياته..

عض شفته السفلى بقوة ثم أردف:

- أنت فتاة طيبة و..

رفعت بصرها بتباطؤ، أحس بالإحراج، تفصد العرق من جبينه، فلم يعد يدري أيستمر في الكلام، أم يواري وجهه من سوء ما أقدم عليه. بيد أنه شرع يقول مستدركا:

- قلت إنك فتاة طيبة ومهذبة وجميلة..

سمعت المسكينة هذه الكلمات التي لم تألفها، فانفرجت أساريرها ولاحت ابتسامة خافتة على وجهها، ثم.. ثم كفكفت دموعها وقالت:

- شكرا لك، والله يرحم الوالدين..

ابتسم ابتسام المنتصر الظافر، ثم أطلق يده اللعينة على شعرها المهدل، فطفق يمرر أصابعه الموبوءة بين شعيراتها السوداء، ولما أحس ارتخاءها وانفعالها، أنزل يده إلى جيدها، ونطق متلهفا:

- حلقة أذنيك ذهبية أم نحاسية أم جالوقة؟

قهقه واستغربت أمره، فردت في وداعة:

- "مشللة بالذهب".

- وحتى ما تزينين به عنقك رائع..

في هذه اللحظة، ارتخت الفتاة بالكامل واستسلمت، فاغتنم الفرصة وأخذ بيدها:

- تعالي معي إلى المكتب حتى أنصت لك..

فتبعته كالكلب الذي يتبع صاحبه، وما إن دلف مكتبه الصغير حتى أغلق الباب وأحكمه، ثم تقرّد على كرسيه وأمرها بالجلوس قبالته، ففعلت دون احتجاج، ثم دنا من وجهها إلى أن كاد يلامس وجهه، واشتم عطرها الممزوج بالعرق والدموع، فارتعدت يداه واضطرب لسانه، ثم قال:

- أول شيء هو بعث الشجاعة فيك..

ثم استرسل بعد صمت قصير:

- درسنا الأول هو جبر خاطرك حتى لا يضيع هذا الجمال..

امتص لعابه ثم أضاف:

- جمالك فريد من نوعه، وسيعاقبني الله إن لم أصنه..

نظرت إلى الساعة، نهضت وقالت:

- إني تأخرت على..

أمسك ذراعها بقوة، احمرت عيناه وبرزت أنيابه، ثم أسدل الستار على النافذة المطلة على الساحة، وطفق يضمها إليه بجنون ويثمطها بلا هوادة حتى.. حتى ارتوى وارتوت، وأفرغ عقده وأمراضه، وسكبت دموعها وتوجعاتها، لما انتهى.. ارتدى أطماره، خطب فيها مؤكدا:

- الأمر حده هنا..

التفت يمنة ويسرة:

- هذا هو الدرس الأول في الحياة المد.. والدع.. النفسي والجسدي..

خفضت بصرها في انكسار، واسترسل في انتصار:

- أنا موجود كلما احتجت.. هنا..هناك.. في المعمل.

فانطلقت تجر ذبول نفسها نحو الحجرة، لكنها ألفت الحصة قد انتهت لتنصرف مع المنصرفين.

***

محمد الورداشي

 

لمّا تتدلّىٰ قَدَماكْ

في دَرَكِ الغُربةِ والمَنفىٰ

تتٰستّرُ بالوحدَةِ عن عَتبِ العُمر

تبحَثُ عن إسمْ

عن معنىٰ

يَمنحُ آهاتِكَ أوسَمَ عُذر

تتَحرّىٰ في أخبيِةِ النِسيان

أشباحَ الذكرىٰ

وتُقابلُ في الحيطانِ رسومَ الوَهم

سَترىٰ ذاتَكَ كالعاري في الثَلج

يَصدمُ افكارَكَ وحيُ الدِفء

كي تَنجو

وخَيالُكَ يوقِدُ في المِرآة

ناراً تتَلظّىٰ بسَرابِ الوَهْج

بالإغضاءْ

وصِراخاً مَكبوتاَ كخَواءِ اللَيل

يُلهِبُ في عَينيكْ

صَحَواتِ المَوت

ستَرىٰ في ظُلَلِ النارِعلى الجدرانِ

خُفوتَ السنَوات

ورُعافاَ يُلقي في رَعشةِ كفَيك

رَمَقَ الوقتْ

***

عادل الحنظل

يا غُرْبةَ الروحِ ضيقي مثلَما ضاقوا

وشَوِّقيني لمَن للغيْرِ يشتاقُ

*

يا غربةَ الروحِ مثلَ الليلِ مُطْبِقَةٌ

ياليتَها كالسّحابِ الفضِّ تنْساقُ

*

يا شوقَ أعماقِ قلبي يا لهيبَ دَمِي

أنا بهِ شاردُ التفكيرِ مُنْساقُ

*

عيناك تعني غروبَ الشمسِ يا وسطاً

بهِ لكلِّ عيونِ الناسِ إشراقُ

*

يا ليلَ (لندنَ) مالي فيكَ مِن هَدَفٍ

فإنني للعراقِ الطَلْقِ مُشتاقُ

*

كأنَّ كلَّ حياتي في العِراقِ غدَتْ

والموتُ قبلَ أوانِ الموتِ خَفّاقُ

*

حتى الذينَ يُواسيني تقاعُسُهُم

أضحى لهم بعدَ ذاكَ الناي أبواقُ

*

مُشرَّدُ البالِ ليلي كلُّهُ أرَقٌ

ما عادَ بيني وبينَ الصِّدقِ مصداقُ

*

ما نمتُ بالليلِ فيها فَهْي سارقةٌ

وكيفَ أغفو وحولَ الدّارِ سُرّاقُ

*

لا نَخْلَ لي فيكِ كي عيني تَقِرَّ بهِ

يا ظلَّ سَعْفي الذي تعلوهُ أعذاقُ

*

أصابعي فيكِ قد صارتْ سواسِيةً

وطالما  ذلَّ للعصفورِ لَقْلاقُ

*

والآنَ والبردُ يُومي لي براحَتِهِ

بحيثُ لا يُسْعِفُ المعشوقَ عُشّاقُ

*

عُودي تَجَرَّدَ مِنْ أغْصانِ موطِنِهِ

فما كَسَتْ عودِيَ المكسورَ أوراقُ

*

أرى بعَيْنِ أسيرٍ كلَّ عابِرَةٍ

ولي أنا مثلُ كلِّ الناسِ أحداقُ

*

مُحاصَرُ القلبِ حتى في مُخاطبتي

لي في خطابكِ أغلالٌ وأطواقُ

*

يا غربةَ الروحِ  ما للروحِ من وطنٍ

ولا لسانٍ  لهُ في الغربِ إطلاقُ

*

إذا تناقضَ شخصٌ في مقاصِدِهِ

مَشى الفؤادُ بما لا تشتهي الساقُ

*

أسقي بماءِ عيوني نَبْتَ خاطِرِهمْ

وإنني بحديثِ الحُبِّ سَبّاقُ

*

باعُوا جميعَ تفاصيلي بلا ثَمَنٍ

ضاقتْ بمِثلي دكاكينٌ وأسواقُ

*

فقد يبيعونَ ما لا يشتري أحدٌ

لا يشتري الصادقَ المعروفَ أفّاقُ

*

ياغربةَ القلبِ لكني أُرافقُهُم

دوماً وتَحْمِلُهُمْ في القلبِ أعماقُ

*

وقلتُ نبعي سيَجْري في سواحِلِهِمْ

ولم يمُرّوا وعندي الماءُ رَقْراقُ

*

إنْ كانَ لا يجْذِبُ الشلالُ مُكْتَئِباً

فالصوتُ باقٍ ومجرى الماءِ دَفّاقُ

*

ياغربةً لكِ مني ما يُعاصِرُني

وما مضى فأذيقيني الذي ذاقوا

*

لو المصالحُ  كانتْ فيكِ طاغيَةً

فما لها قَطُّ في دنيايَ ميثاقُ

*

للهِ مافيكِ شيءٌ أستعيضُ بِهِ

عمّا تولّى وذَلّتْ فيكِ أعْناقُ

*

عَجِبْتُ إذْ أصبَحَ الإنسانُ مِنْ ورَقٍ

رَخْصاً ولا يقرأُ الأوراقَ وَرّاقُ

*

إذا الجمالُ تناهى ليسَ يُبْصِرُهُ

إلا جميلٌ كبيرُ القلبِ ذَوّاقُ

*

ظننتُ أنّ غيابي لا يروقُ لهم

والبعضَ منهم إلى لقيايَ مُشتاقُ

*

أيّامُهُم قاسياتٌ كيفَما ورَدَتْ

كأنّها في رُفوفِ القلبِ أطباقُ

*

ذنبي أنا طيِّبٌ جدّاً ومعصيتي

عندي وإنْ شحَّتِ الأخلاقُ أخلاقُ

*

هذي سمائي بنفسِ اللونِ صافيةٌ

وإنني لعيونِ  الناسِ آفاقُ

*

ضاقَتْ على حالي الدنيا فما رجَفَتْ

أقداميَ السُّمْرُ أو زلّتْ بيَ السّاقُ

***

وحيد خيون - لندن

02/12/2015

من أجملِ الخلقِ الجميلِ معذّبي

وهو النعيم إلى الفؤادِ المُسلبِ

*

حلو الضفائرِ والعيونُ مشاتلٌ

ونسيمهُ عطرٌ بوادٍ مُعشبِ

*

ورد بلونِ خدودها قد أرسلت

لاكنّه من حسنها لم يقربِ

*

يزهو الصباحُ إذا استقام ببسمةٍ

من ثغرها ومن الثنايا الأعجبِ

*

الشعرُ يرقصُ بالنسيم مهلّلاً

فوق المناكبِ كالشروقِ المُذهَبِ

*

لا تجلبي الوردَ البهيّ وتغربي

فالقلبُ مشغوفٌ بودّ مُلهبِ

*

لا الوردُ يُغني لا الكلام يُجيرني

فالنارُ تبردُ بالودادِ الأقربِ

*

قد أرهقَ الصبرَ الجميلَ صدودُها

حتى كإنّي بالهلاكِ المرعبِ

*

أبحرت في العينين كيف أطولها

والعمقُ فيها فاق كلّ الأحجبِ

*

أفديك عمري دون أيّ تمنّنٍ

ما للحياةِ بدون خلّ مُجذبِ

*

لا تمنعي روحي لودّك فالهوى

سيفٌ على قلبي اللهوفِ المُتعبِ

*

في قلبكِ المنشودِ أروعُ رحمةٍ

فألوذ عندك كالدخيلِ المُخضبِ

*

وإذا دنوت إلى رحابك مُسقماً

أشفى من الأوجاع دون تطبّبِ

*

لا تعتبي حين انشغلت بعارضٍ

فأنا بعذري كالتقيّ المذنبِ

*

لطفًا فما عرف الفؤادُ ولا هوى

الّا قرانَك ما لغيرك مطلبي

*

قلبي الفلات وأنت كالزهر الندي

فاسقي العروقَ من الرحيقِ الأعذبِ

*

أهواك لم أرضخْ لصدّك يائسًا

فأنا الصبور على الفراق الأصعبِ

*

إن تطلبي فوق التدلّلِ مهجتي

لبّى إليك القلبُ دون تهيّبِ

*

إن طال بُعدك فالفؤاد متيّمٌ

وإذا انتظرتُ الدهر لا تتعجّبي

*

بيني وبينك رحمة وتودّد

الله صاغهما لعيشٍ أطيبِ

*

سبحان من خلق الوجودَ لغايةٍ

ويعيدُ جودًا كلّ خلقٍ أنسبِ

*

هذا هو الشعر المُربّي واسمه

شعر الودادِ بلا تغزّلِ كُذّبِ

***

الطبيب نوري سراج الوائلي

أَوَلا عَلِمْتُم أَنَّنا

أثْناءَ راحَتِنا سنَبْقى مُتعَبينْ؟

نَتَكَلَّفُ الضِّحْكَ ولكنْ

نُضْمِرُ الحُزْنَ الدَّفينْ،

نَتَنَفَّسُ الآهاتِ حتى أَنَّها

باتتْ تَئِنُّ، وَمِنْ أنينِ الصَّدرِ

أَتْقَنَتِ الأَنيِنْ!

*

إنّي لَأَعْجَبُ أن يَظَلَّ الحُلْوُ حُلْوًا،

والمَرارَةُ تَمْلَأُ الأفْواهَ مِنّا،

والْأسى يَعْلو الجَبينْ!

تَتْرى هِيَ البَلوى

تُعَكِّرُ صَفْوَنا في كلِّ حينْ.

*

تعبٌ نَنوءُ بهِ فَيُزْعِجُنا،

ثقيلٌ قد مَلَلْناهُ

ولكنْ صارَ مِنّا،

نَرْتَضيهِ.... يَرْتَضينا

نقْتَفيهِ .... يَقْتَفينا

أيْنَما سِرْنا نسيرُ معًا

أَلِفْنا بَعْضَنا

نحْفَظُ عَهْدًا بيننا،

كيفَ يكونُ العهدُ محفوظًا إذا

نحنُ حَنَثْنا باليَمينْ؟!

***

شعر عبد يونس لافي

ها هي الأرض

إرتدت سُمرتي

وتهادت في مشيتها نحو

المساء

يفوحُ العطر مِن

طيات فستانها

يُشبه قُبلةَ المطرِ

الأولى

يُشبه بزوغَ الوردةِ

الأولى

مِن سُرة الجليد

وعلى فِنجان قهوتها

طبعتْ أولى قُبلاتها

فمواعيدُ المساءِ

طويلةٌ وشقيةٌ ...

*

تتلالأُ في دلالٍ

عينَاها

وهي تستقبلُ أولَ

القادمين

قمرٌ يحملُ قنديلاً !...

*

ونجمةٌ بكعبٍ عالٍ

تبدو غريبةَ الأطوارِ

بأظافرٍ حادة

تحملُ مروحةً

مُزينةً بوجهِ مارلين مونورو ...

*

وعلى طاولةٍ بعيدة

تجلسُ شجرةٌ

أعرِفها مُنذ زمن

دائماً تطلبُ

شمعةً على طبقٍ فضي

تُشعلها

وتبدأ بالبكاء

إلى أن تنتهي رقصة الضوء

بفناءِ الشمعة

فتغادر على عجل ...

*

وتلك الأغاني

التي تخرجُ مِن الجِّدار

صدى أيامٍ بعيدة

يُخلدها المكانُ

تؤنسُ وِحدةَ

المقاعدِ الخالية

تُمرر أصابعها

على عطشِ

الحكاياتِ القديمة

المنقوشة على الطاولات ...

*

تُلوح النجمةُ بمروحتها

يتناوب مِن حركتها

انعكاسُ ضوءِ القنديل

على وجهِ الشجرة

المُتفانية في وداع شمعتها

فتبدو مابين الضوء والعتم

كساعةٍ تُسابق

الوقت نحو النهايةِ ...

*

ومع فِنجان قهوتها الثاني

تبدو الأرض

أكبر عمراً

كقمرٍ بيدهِ قنديلٌ يدرأُ عنهُ شُبهةَ  العمى

وكنجمةٍ أعياها التسكع على مرايا السماء

كشجرةٍ تدس جِذر وجعها بقلبِ شمعة

كأغنيةٍ نسيت كلماتها على الهامش

ونامت بلا صوت ...

***

أريج محمد أحمد

** أيها اللاوعي.

يا زيز الحصاد الأسود.

سأسحبك بأحبال مخيلتي

ليرشقك الصبية بالحجارة.

ليدهسك قطار متخم بالثلوج والنوستالجيا.

خير لك أن تختبئ في تابوت فرويد.

قبل أن يضربك الأعمى بعصاه.

ويفر سكان المغارة من حرائق التنظير .

**

** العميان يمطرون بغزارة.

طردنا الإله واكتفينا بذواتنا الشحيحة.

يائس من الطبيعة وشروحات الفلاسفة.

يائس من غيمة الخيميائي.

من الماهية والهيولى والعلل الأولى.

طردت جميع الأنبياء من بيتنا العدمي.

غير مكترث  بنباح الليل والنهار.

بنهديك إذ يقذفان المارة بالفواكه المنزلية.

بضحكة الباص المتفحمة أمام بيت الدعارة.

ولولا فتنة السرد لما نجت قواربنا.

**

برغم كسورها العميقة.

أهدته ينابيع من الفرح اليومي.

آه ما أروع تبر الغزالة.

**

مثل عنكبوت أبله.

أطل من شباكي الأثير .

أسخر من مشية العالم العرجاء.

من لحية القس المضرجة بقش اليوطوبيا.

من مؤخرة جارنا الميليونير

وهو يجر مائتي رطل من التراب الخالص.

من ذيل المومس ذات الأنياب البارزة.

من إواليات اللعبة القذرة .

وقتال الإوز على خشبة المسرح.

مثل عنكبوت أبله.

أحدق في لاشيئية الأشياء

بفم مفتوح على مصراعيه.

**

الأرض حصان الله المهجور.

نضرب في مناكب النهار

بسيقان مقطوعة.

وفي الليل نركب ثيران اللاوعي الجامحة.

***

فتحي مهذب - تونس

 

 

كَغانِية تَتدَثَّـرُ خَلف

جـدار الليل،

تَنْسَلُّ الشُّجونُ إلى هَوْدَجي الوَثير،

فتَنـزِع عَنها حَياء الكون،

لَعلّها تُثير فيَ ما تبقى من نَزق..

تُسمِعُني أغنيات الزمن البعيد،

وتُراقصني على إيقاع الحب والموت السعيد..

تَحضُنُني بما أُوتِيَـتْ من شجَـنِ،

فأَغدو كالطفل ملتصقا بالأرض،

طائرا بَـلَّلَـهُ القَطـْر..

عاجزٌ أرمقُ تَداعِـيَ اليوم الوليد،

وانفراط الأمس المجيد..

كَغانِية تَهتِكُ سِتْـــرَ غُربتي،

يُراودني الحنينُ،

وقد ألقى بكل العهود على أرصفة النسيان،

وكَـسّر أغلال الوجود..

ليُلقي بي في أُتُونِ الحب الممنوع،

ومتاهات الغدِ الهَروب.. !!

يَستلذُّ عذاباتي وجراحاتي الدفينة..

فأتقلّص كَقَشَّـة في زاوية،

كي لا تَجرفني الريح،

أو أنتهي إلى مدارات التِّــــيه.

أرقب من ثُقب الذاكرة،

وأتطلع إلى مصائر الناس لعلي

أُمسِك بتلافيفِ الرّوح المثخنة

بتباريح التاريــــخ.. !!

***

محمد المهدي

تاوريرت – المغرب

08/06/2022

الى حميد البصري

كنتُ حزيناً وانتَ تمتشقُ الفرحَ

رحلةٌ لضبابٍ خزينهُ آهاتٍ ودمٍ

انتَ الذي اعدتَ النايَّ للقصبةِ

النايُّ الذي غيرتهُ الريحُ

ظلَّ يغازلُ قصباتِ الدنيا

دونَ مرتجى ليعودَ لصيقاً لجسدهِ

الملتوي معَ ضيمنا المؤبدِ

نايكَ يطرقُ الشبابيكَ

يكسرها بصدى الحريةِ

*

يا جامعَ أسحارِ الدنى

يا كلَّ الطيورِ المهاجرةِ

أما نكفكفُ عن اسرارنا

والله أنا نبلاءُ نخشى علينا من نبلنا

والله. أنا نحسدُ حسدنا لارواحنا

أما تنتهي أسحارنا من ظلمتنا

او أسماءنا من غيرةِ وحشتنا

*

تعالَ ايها الراحلُ دونَ رحلةٍ

الراقصُ على النايِّ المولويِّ

المرتدي الكفنَ والقبرَ والشاهدَ عليهِ

دعْ الكفنَ للموتى فمثلكَ لا تميتهُ الحياةُ

ومثلكَ للقبرِ شجنٌ ونايٌ عذبُ التنادي

وشاهدكَ أصالةُ كونٍ

وفرحُ الفقراءِ

وتراتيلُ جلالِ الدينِ الروميِّ

تسبحُ في اعالي السماءِ

ونحنُ الباكينَ نتتبعُ خطاكَ

عدْ الى روميتكَ تلكَ جنتكَ التي اسوارها حسادكَ

***

عبدالامير العبادي

 

قلتُ لها:

*

أُسافرُ وحدي

بعيداً عن ذاتي

جوازُ سفري أوراقُ شجرٍ عتيق

تفوحُ بقصائدِ الفرحِ

والحزن

وتفوحُ بشذى حبٍّ

كأنَّه الغروبْ ..

*

أُسافرُ وحيداً

أبحثُ عن الاتِّجاه: ولا أجدُ الاتِّجاه

أسكبُ خطواتي في الطَّريقِ

ولا أجدُ الطَّريق

أحملُ شعلةً

انطفأتْ مثلَ كسوفِ الشَّمسِ

أُحاولُ أن أنفخَ في النَّاي

لأُعيدَ لتلكَ الشُّعلةِ النَّارْ ..

أُسافرُ كالمرضِ في الجسد

أتجرَّعُ الحُبَّ

لأقوى على المسيرِ

تزدحمُ عينايَ بالصُّورِ

وكلُّ الصُّورِ عطشى

بلا ملامحَ

كأنَّ الرِّيحَ تُغطِّيها بالغُبارْ ..

*

يزدحمُ قلبي بالخفقاتْ

كأنَّها أنينُ جرسِ القطارِ

قبلَ أن يُعلِنَ عن موعدِ الرِّحلةِ

إلى الشمسِ بلحظاتْ ..

*

الآن أعبرُ مثلَ قوافلِ الحجِّ

حدودَ الصَّباح

أتأمَّلُ تفاصيلَ وجهي

في قطراتِ النَّدى

أو في مرايا التُّرابْ ..

*

الآن أجتازُ ذاتي

أبحثُ عن زمنٍ ممحوٍّ من ذاكرتي

وأبحثُ عن مكانٍ

يعكسُ ظلَّهم على جدارٍ

يحملُ صورهم

أسألُ: هل هم مَن ماتوا أم أنا الميِّتُ

بلا شاهدٍ

ولا قبرٍ

كأنِّي شيءٌ لفظتْهُ القبورْ ..

*

الآن أجتازُ ذاتي

لأستعيدَ أصواتَهم

لأستعيدَ قصائدي

التي كتبتُها بأقلام الرَّصاصِ

أو بأقلامِ الحطبْ

لعلَّني أُعيدُ إلى ذاتي النَّارْ ..

*

تشنَّجتْ ذاكرتي

لقد نسيتُ القصيدةَ الأُولى

ونسيتُ الصَّفحةَ الأولى

كلُّ الصُّورِ تتلاشى من ذاكرتي

وذاكرةِ الوقتْ

غيرَ أنَّ صوتاً بعيداً

يخرجُ من ركامِ الذَّاتِ يُناديني

لأعود

الصَّوتُ يجِفُّ شيئاً فشيئاً

يذوبُ في الهواءْ

يرتجفُ كأنَّه مصابٌ بحمَّى الشِّتاءْ

أشعرُ بالبردِ

بحمَّى الصَّوتِ

يسريانِ في ذاكرتي

فتلبسُني حمَّى الحُبِّ القديمْ

فأصيرُ أهذي

ثمَّ أغفو

على رصيفِ الطَّريقِ

وأنامْ ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

محمد الدرقاوي(التمفصل الثاني من قصة: انغماس)

متمددة على فراشها، لفيف هواجس، تعتمل في دواخلها بين طيات السَّحَر، اعتمال حفيف الشجر من حول البيت القروي بين رياح متقلبة في ليلة من ليالي الخريف، عيونها تحفرسقف الغرفة، تغزل أفلاما، صورا وأحداثا،  تنبش عن آمال، رجاء وتوسلات، لاتغيب مسامعها عن مؤذن الفجرالذي يزرع فيها نوعا من الأمن والشجاعة. خطوات تكسر صوت الآذان، تقطع الطريق الى المسجد الصغير المقابل لبيتها.تنهض من فراشها،  اطلالة على الطريق كأنها تتأكد من أن كل من تعود السعي الى الفجر قد دخل المسجد؛اهتزازات اضواء الشموع تؤكد لها أن الامام قد وقف للصلاة مع صدى الاقامة يردده أحد المأمومين؛ تتراجع، تحمل حقيبة صغيرة، تسير على رؤوس اصابعها الى الباب، فترفعها قليلا الى اعلى حتى تمنعها من صريرمعهود وهي تحتك بالأرض ثم تنسل بلا حس، ترافقها دموعها وغير قليل من خوف تتعثربه بين كل خطوة وأخرى.

فجر مبلل بالندى، تغشاه أصوات الديكة وثغاء الغنم في الحوش، وبعض من نباح الكلاب ترد الصدى.. أمامها أزيد من ساعة قبل ان تشرع الشمس في التعري من سوادها، هو وقت كاف للوصول الى موقف الحافلة التي تجتاز القرية الى المدينة.. تلحفت بإزار أبيض، وعلى وجهها رمت شالا صوفيا مخططا، لا تظهر منه غير عين واحدة،  تتحاشى أن يعرفها أحد، إذ عليها أن تحتاط من كل صدفة قد تهدم ما خططت..

تشيع سكنى توأم روحها بنظرة عميقة من أسى

وبحرقة تلهب صدرها، ودمعات وهي تقطع الطريق الى مكان وقوف الحافلة :

"لحظة عسيرة أودعك فيها آيمنو(حبيبي)، وأنا مدثرة بالخوف من الهزيمة، تمنيتك معي قوة تحميني، نرحل معا، ومن قنديل وجعنا معا نستمد القوة و الضياء، ليتني ألملم جسدك بالقبلات، أشفي ذاتي من سطوة التحكمات وأبوية التأمرات.. أودعك وأنا بك واثقة، ، وسأظل أني في صدرك سأعيش محمولة كما أنت الآن والى الأبد، لم يكن في مقدوري أن أفرض عليك مرافقتي في مغامرة، أنانية مني، ذاك ما تأباه تربيتك، وظيفتك، ومسؤولياتك نحو والديك وتقاليدك، لأكن الضحية، المهم أن تظل أنت في أمان من أبي، وممن زوجوني اليه بالقوة من بداية طفولتي بلا ارادتي ولا اختياري. بك واثقة، ثقتي بحبي الذي ملا كل ذرة في نفسي،  و من أجل هذا الحب، وما يتحرك في أحشائي منك، يلزم أن أغادر، متحدية كل الضغوط، أن أفك كل الخيوط بعيون مفتحة،  حتى أحررك من أن تصير مضغة سائغة في أفواه الأغبياء من أهلي "..

تسع ساعات والحافلة تدك متون الارض لم تقف غير مرتين للراحة والصلاة ، كان الجوع يحرك معدة يطو بغرغرات تقاومها بشرب الماء فهي تخشى أن تنفق درهما مما تملك، وما تملكه قليل بالنسبة لبنت تغامر بسفرة لأول مرة في حياتها من شمال المغرب الى جنوبه بقليل خبرة وزهيد مال..

تذكر يطو خالتها، صورة واضحة عن أنثى كانت تياهة بجمالها الأمازيغي، ترفض أن يتحكم فيها أي كان بأبوية وتسلط ، وكونها كانت يتيمة تعيش في كنف زوج أختها بخير من أبيها فليس معناه أن ترضخ لأوامر لا تلبي طموحاتها، وحين فرض عليها أبو يطو ابن عمه العسكري كزوج رفضت باصرار،  متحدية أن تصير رمادا يتطاير بأوامره، من يومها بنت بينها وبينه جدارا اسمنتيا من الكراهية من شدة ما ضايقها، وفضلت أن تغادر بيت أم يطو متنازلة عن كل ما تركه أبوها،  متعلقة بأستاذ أحبته ما أن تم تعيينه في الدشيرة الجهادية حتى رحلت معه بلا اذن ولا اخبار، حينها كانت يطو في الخامسة من عمرها، تلتقط الأحداث بصمت حبة حبة..

تعرفت يطو من حديث عابر مع أمها أن الخالة لازالت في الجنوب الا أنها قد غيرت سكناها ، كما استطاعت بذكاء ان تعرف اسم زوج الخالة..

لم تكلف يطو نفسها كثير بحث ولا دوران، فقد قصدت احدى المدارس وسألت عن اسم زوج الخالة ، من حسن الصدف أن مدير المدرسة دلها على حارس عام إحدى الثانويات يمكن أن يكون المقصود بالسؤال.. وهي تنزل من سيارة الأجرة رات خالتها مقبلة تمسك بيد طفلة صغيرة..

استغربت الخالة من وجود ابنة أختها أمامها، لم تلتبس عليها صورة الطفلة التي تركتها وهي تترك القرية، عشر سنوات مرت، تفتحت فيها أنوثة يطو وصارت صنما للفتنة ينتصب أمامها، يعيدها بالذكرى الى يوم الهروب ،  فأن تترك يطو القرية وتسافر وحدها  فمعناه أن أبا يطو يكرر نفس تحكمه مع بنته كما حاول معها، إذ ليس ليطو أي سبب يجعلها تغادر القرية وحدها وهي التي لم يسبق لها الخروج ابعد من مدينة صفرو أيام السوق ..

ظلت يطو في حيرة ، هل تخبر خالتها بحملها ؟ كيف ستكون ردة فعل الخالة ؟ وزوجها هل يقبل ان تقيم عنده ويتحمل هذه المسؤولية ؟ "كيفما كان الامر فلخالتي تجربتها التي قد تنفعني، ويلزم أن تكون على علم لتتصرف قبل أن تكبر بطني"..

لم تستغرب الخالة من أمر بنت أختها، فقد لاحظت منذ حلولها ضيفة عليها، تثاقلها الصباحي، وميلها للنوم، وحالة من الاكتئاب تهيمن عليها بين حين وآخر ؛ لكن ما أقلقها هو كيف تسوق الخبر لزوجها الذي لاتنكر تعلقه بها،  وعيه وتفهمه، ومن الصعب أن يقيم ضجة قد تأتي على سمعته المهنية في منطقة كل ما فيها يخضع لطقوس الأعراف والتقاليد، لكن هل يصمت على صاحب الفعلة؟

وفاجأها : لن أنسى سلوك أبيها معي فهو من النوع الذي يمهد للخطيئة، يصر عليها ولا يحاول أن يتجنبها، استعدي لنرحل يومين الى تارودانت وتقيم يطو مع زهوة أختي الى أن تضع حملها..

عاشت يطو مع زهوة، أنثى مقعدة، لكن بقلب من رحمة ونفس من طيب الجنان ، عوضت يطو حنان الام التي كلما اشتاقت اليها بكت بين أحضان المرأة الطيبة..هما معا كانت تساعدهما طالبة يتيمة تتابع دراستها بالثانوي فكانت ليطو كأخت قريبة من نفسها، ساعدتها منذ الوضع الذي أتى قبل الأوان بطفلة على تربية الصغيرة تيليلي حتى استقامت حالها..

استطاعت يطو بمساعدة زوج خالتها أن تجد عملا في دار دولية للمسنين، وقد وجدت راحتها في هذا العمل تقضي فيه ايامها بأداء الأنشطة اليومية والاهتمام برعاية عجزة من مختلف الديانات والأجناس، تسهر عليهم منظمة دولية بنظام نصف تطوعي..

كثيرون من انبهروا بجمال يطو فتقربوا منها طالبين يدها، لكنها كانت ترفض بإصرار فهي لا تتصور ان تحب او تسرح عيونها في عالم غير من يقيم في كيانها، يحفر صدرها وعقلها بالليل والنهار، قانعة بثمرة حبها تيليلي حياة تطوي نفسها في ثناياها ولو من خلال دموعها وغربتها، لكنه حب لذتها الملتهبة ورجاء لن يموت في صدرها...

قصة يطو صارت موضع تساؤلات وتندرأحيانا،  لماذا أنثى جميلة مثل يطو ترفض الزواج ؟ وفوق هذا فهي ليست من النوع الذي يتحدث عن نفسه فتفصح عن مكنون شغل الكثيرين بفضول..تعيش يطو هائمة مع إحساساتها تملأ كيانها، منشغلة عن كل ما تلتقطه أسماعها  باثر لحبيبها مكين يحميها ممن سواه..

كانت يطو تسافر من وقت لآخر و خلال أيام العطل المدرسية ترافقها تيليلي في رحلات قصيرة عند خالتها، أو لورشات تدريب تنظمها المنظمة الدولية في بلاد أخرى، وقد تعودت أن تفرض وجودها كعاملة نشيطة تقرأ وتبحث، تستوعب بسرعة وتنتج أفكارا جديدة.. درست يطو بالليل وتعلمت فصارت في ميدان عملها اطارا بحنكة وحيوية وروح ابداع وقد واتتها فرصة فقبلت عملا تحت اشراف الأمم المتحدة في كندا وجدته مناسبا لطموحها فغادرت تارودانت الى كندا..

تنمو تيليلي، تشب وتصير صورة من أبيها لا تحمل من أمها غير لونها القمحي، لكن بنيتها ضعيفة، فولادتها قبل الأوان قد اثرت في نموها وصحتها ؛ لم تستطع إتمام دراستها،  فدفعتها يطو الى التدريب على مهنة التمريض بإحدى المؤسسات الخاصة..وقد تعرفت على شاب من أصول جزائرية تزوجها، لكن سرعان ما انقلب سلوكه نحوها ربما ضيقا بصحتها وطمعا في مال جدتها وراتبها الذي كان يفرض أن يمر الى حسابه البنكي خصوصا لما أعلنت تيليلي عن حملها،  فشرع يستعمل معها غير قليل من العنف اللفظي الذي ناهضته يطو، رفضته بقوة لأنه مسلط على أحب الناس اليها، ذكرى عمرها الوحيدة وما خرجت به من دنياها،  قاومته يطو الى ان اندحر الزوج مدموما محكوما بسجن اثر عنف يدوي مارسه على تيليلي ذات ليلة..

أياما صعبة عاشتها يطو مع تيليلي قبل ان تضع حملها ومن حسن حظها أن المزدادة كانت بوزن جيد لكن ما أن لفظها رحم الام حتى لفظت الأم أنفاسها..

قدر يطو أن تهب الحياة ولا تحياها وأن تعتني بالمواليد اعتناءها بالعجزة ، ذائبة في خدمة غيرها لا ترى حياتها الا سرابا تفنى بين الذكرى والأمل، قدرها أن تحيا بقلب يتصدع بلاصوت وينفطر بصمت، خانها الحظ في اكتمال سعادتها بحبيب عمرها وها هو يخونها في موت اعز ما انجبت منه وبه فازت.. لم تحس بانسحاق قلبها يوم سمعت بموت أبيها ثم أمها من بعده  مثل ما أحسته حين أبلغوها موت تيليلي بعد وضعها، فتيليلي كانت حبلها السري بين قلبها وطيف حبيبها..هذا الطيف الذي يأبى أن يسأل أو ربما يسأل ولا يجد من يومض له بقنديل، فهي تعمدت ألا تترك خلفها أثرا يدل عليها. أبوها كان قلبا من صخر لا يلين الا لرغباته، نارا لاتترك غير الرماد.. أما أمها فكانت أضعف من الضعف روضها الزوج منذ بنى عليها وهي بنت الثالثة عشرة..

أنهت يطو عقدتها في كندا، وفضلت العودة الى وطنها والحقيقة أن رغبتها أن تحيا فوق تربة يخطو عليها حبيبها تغنيها عن كل شيء ومعها الحفيدة ناديا بعد أن جمعت ثروة محترمة قادرة على فتح بوابة مشروع امامها ، ثم استطاعت أن تحقق في ناديا حفيدتها مالم تستطع بلوغه مع تيليلي لعللها وضعفها ، دخلت ناديا كلية طب الأسنان وتخرجت طبيبة مولت لها يطو عيادتها في قلب أغادير..

كان الحاج من زبناء عيادة ناديا، المداومين على مراقبة أسنانه عندها، منذ الزيارة الأولى أحست ناديا أن الرجل لبق أليف، وأنيق، معاملته لها بحميمية جعلتها تتعرف على مساهماته في التأليف المدرسي

وميولاته الأدبية الى أن تبادلا حديث الانتماء..

رجعت ناديا من عيادتها في وقت غير ماتعودت عليه، وجدت جدتها مابين دموعها تسيح على خدها وبين عمود الروح يكاد يفجر صدرها، سقتها ماء ومسحت وجهها بقطير الورد، بعد الحاح من ناديا قالت الجدة : أخذتني غفوة فرأيت شخصا عزيزا علي في منامي يتوسلني أن أمسك بيده ، رفضت من قلق وخوف،  فوجدته يهوي في وادي سحيق، يتمزق أشلاء فندمت ندما شديدا..

ضحكت ناديا وقالت : هو فعلا يمد لك يدا لكن اياك أن تمتنعي عن مساعدته..أليس هو الأستاذ الفاسي؟..

تفاجأت يطو اتسعت عيناها من اندهاش قبل ان تعرف سبب رجوع ناديا قبل وقتها..لم تصدق، واستغربت أن يكون القدرقد لوح اليها برضى بعد خمسن عاما.!!..

حين ارتمت بين أحضانه عند اللقاء داخل مكتب طبيبته احست كأن قلبها سيتوقف عن الوجيب، هوت على الكرسي ثم قامت وارتمت عليه وكأنها في لحظة انتشاء من لحظات ليالي القرية..

مرة وهي بين أحضانه تستعيد صباها ملتهبة بعد خمسين عاما بنفس سوط الحب لازال يعصر قلبها بشوق ودمعة عين.

قال لها : زوجيني نفسك

نظرت اليه طويلا، لثمت خده وتركت خدها لدموعها ثم قالت : وهل طلقتني حتى أتزوجك من جديد ؟ أنسيت ليلة الفض !! ؟؟..

قلت لي : فعلتها يايطو وانا لا أدري..

أتى ردي : أحسست وانكتمت، كلي لك حبيبي، اعصر واشرب وسدد رجومك في أحشائي..لا تبالي..

قلت لي : زوجيني نفسك

كان ردي : نفسي لك هبة وسخاء الى أن نلقى الله، أنا زوجتك بلا اعتراض وعلى غيرك حرمت جسدي والله علي شهيد..

استعاد الحدث فشرع يقبل يديها ويعتذر..قالت :

لم تكن المرحومة تيليلي الاثمرة ذلك العهد، وما أخذت مني غير لوني القمحي، أما لك فكانت الشبيه بكل تقاطيعك، لهذا كنت بها متيمة في حين أني وناديا كالتوأم المتطابق.

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

فرات المحسنالجزء الرابع من: يوم آخر  في حفر الباطن

سطع ومض خاطف شق ظلمة السماء، ثم أعقبته أربعة انفجارات متتالية رج هديرها المزمجر محيط الفوج. تيبست في مكاني، ثم بدأت أزحف بعجالة نحو الملجأ الشقـي القريب، وجسدي ينتفض من الخوف. قفزت داخل الملجأ مستنداً على يديّ، وقعدت مستسلماً خائفاً أنتظر المجهول. أصابني الرعب وبدا أن قلبي سيتوقف، وشعرت بالاختناق حين أغلق فجأة ظل جسد ضخم وجه السماء المفتوح أمامي. للوهلة الأولى حسبته وكأنه فحل جاموس أسطوري قدم لكي يطمرني في حفرتي التي هيأتها بيدي.  تكوم فوقي بثقله. انكمش جسدي وكانت يداي العاريتان تدفعان الجسد الثقيل بآخر مصدات درء يقين الموت.

ـ أنا رياض …

ـ رياض.. ما الذي أتى بك الساعة يا فحل التوث؟‍‍‍!

ـ كنت قادماً إليك قبل أن يبدأ القصف. رأيتها.. رأيتها سقطت عند موضع الحفار جوار ملجأ حظيرة جابر.

دوت مرة أخرى مجموعة انفجارات متعاقبة هزت الفوج، وكان رمل الملجأ ينثال ليملأ شعري وملابسي. تنبهت إلى أني لم أجلب خوذتي ونسيت سلاحي تحت وسادتي في ملجأ السكن.

ـ أنت أيضاً دون خوذة وسلاح !

ـ قدمت لأحادثك دون أن يخطر لي… أتظنهم سوف يهجمون.. وما ترانا فاعلين؟

ـ هذه أيام حاسمة. يبدو أنه قصف طائرات على ما أظن. إذ لم تسقط قذائف أخرى فوق الوحدات المجاورة. ولو أرادوا الهجوم الآن لاستمر القصف دون توقف، ولشمل الجبهة جميعها. على أية حال إنه لغز نحن غير قادرين على حله. وإن أرادوا الهجوم فإن عصا موسى الموعودة قد أكلها القطيع في غفلة منه. فلا خوذة تتدارك الأمر وبغير كلاشنكوف يتدبر الناس نجاتهم أحياناً.

ـ أينما أذهب أجد الفلاسفة أمامي. الآن أنت والبارحة هاشم وكأنكما تتعمدان الحديث بكلام لست بقادر على إدراكه. البارحة كنت أدندن بكلمات أغنية  حفظتها منذ صباي دون أن أتملى معانيها، بل فقط أرطن بها لأن لحنها أعجبني. يا ليل الصبّ متى غده... أقيام الساعة موعده. هز هاشم رأسه بتثاقل وسألني بلهجة لم أرتح لها وكأنها تهديد:

ـ ها رياض، يمكن الوضع ما عاجبك، ماذا تقصد بليل الصبّ متى غده؟

حدثته عن حبي لتلك الأغنية، ولكني شعرت في النهاية أنه غير معني بتفسيري لنص الأغنية، بقدر إصراره على اعتبار أن الأمر يخفي وراءه قصداً آخراً. وأخذ يرطن بالوطنيات لأكثر من ساعة دون أن أدرك ما يبتغيه. الحقيقة أني خائف منه، فأنت تعرفه جيداً، فسبق وأن فعلها مع غيري. إنه متبرع إيذاء. كفانا الله شره. والله، لم أكن ألمّح بها لشيء آخر غير الأغنية. أتعرف أنت معنى كلمة صبّ؟

ـ الصبّ يا صاحبي، وبعد أن انتهى القصف الآن، هو الصبابة أي الحب أو العشق، الهيام والوله، دو يو أندر ستاند؟

ـ أثول. أبو العقد. لو تتفلسف لو تتعيقل. قل الحب وخلص.أخبره عن خوفي من تلميحات هاشم يرطن معي بالأجنبي!

ـ أتعرف أين نحن الآن؟

ـ ياله من سؤال غريب؟

ـ لا تخف يا صاحبي فنحن في حفر الباطن. هذه الكثبان ليست لغير البدو وقطعان الإبل. سوف يأتي يوم قريب تطأ الإبل بخفافها  قبورنا جميعاً، وتتبرز ثم تدفع بولها الساخن فوق الرمل، دون أن تدري أن تحت هذه الكثبان، يرقد ركام أجسادنا بكل ذلك الجلال من العاهات النفسية والجسدية.اطمئن فالإبل لن تكتشف خوفك أو خبث هاشم ولا يأسي وعقدي.

ـ أوه، ما الذي أتى بي إليك.. عليّ الذهاب الآن إلى الحظيرة. ربما حدث شيء ما أثناء القصف.على أية حال جئت أخبرك أن عبد الرحمن سوف يذهب غداً إلى بغداد في مأمورية. يمكنك أن تبعث معه رسالة إلى أهلك.هو من أخبرني ذلك. طلب مساعد الفوج منه إيصال رسائل جميع من يسكن أهلهم في بغداد. الوعد بإيصالها جزء من المأمورية الموعودة.

ـ ربما فعلت ذلك.

ـ فكر بالأمر.

يتبع

***

فرات المحسن

الهديل الذي كنت أخضّب به  شجر حديقتي

لم يعد أنيس حنجرتي ..

حديقتي ثُكِلت بزهورها ..

والأفق الذي كنت أعتمره قبّعةً خضراء

أضحى متجهّما كغيمةٍ يتيمة المطر ..

لم يعد كالأمس ملعباً لأقواس قزحٍ

ولأسراب الفراشات ..

حتى قصبُ أهوار ميسان

أمسى  غريبا على مشحوفي

*

آه ..

متى يغادر تنّين الحزن قلبي !

كيف للحمامة أن تطير

بجناح واحد !

*

باستثناء صوتِ الأذان

فإنني منذ توقف كمالي الجميل

عن مناداتي " ماما"

لم تعد الأصوات

تغوي مسمعي بالإصاخة

*

يا كمالي الجميل

ميسان بماذا أجيبها

لو زرتها بدونك ؟

أما كان عليك

أن تكمل لوحتك الأخيرة

عن أهوارها

قبل أن تغسل فرشاتك لتنام ؟

نم يا حبيبي

فعيناي ستحرسان بيتك الأرضي

في وادي السلام

***

بتول شامل

نسرين الاحقافالوضع يشي بعدم الاستقرار في هذه المستشفى

المنسية ..

فجأة يعلو صوت الانذار ليكسر حاجز الصمت الذي طال

الرجاء من الطبيب التوجه فورا الى الغرفة 716 الحالة خطرة..

في الاثناء تنشأ حركة غير عادية بالرواق..أصوات تقترب ..أشباح بيضاء تجتاح الممر انه فريق طبي يهرول نحو الغرفة المذكورة لاريب

من أن مكروها ما قد وقع ..

ماان ولج الطبيب الغرفة 716 حتى هاله المشهد

بالزاوية يوجد ممرضة ملقاة على الارض و على يديها اثار رضوض و كدمات أما بالجهة الاخرى المريضة تصرخ بشكل هستيري و تضم دمية الى صدرها و تنتحب.

أسرع الطبيب الى الممرضة ليسألها عما حدث

-حدثيني " ماالذي حصل"

تجيب بصوت متقطع " حاولت أن اخذ منها الدمية كي تنام لكنها هجمت علي اخافتني كثيرا"

-ألم تتطلعي على تقريرها الطبي..

-أنا الممرضة الجديدة..

حسنا تعالي الى مكتبي فورا..

تذهب الممرضة الى مكتب الطبيب بعد أن تتلقى الاسعافات الاولية فيتابع تحركاتها بعينيه وهي تلج المكتب بقدمين مرتعشتين و بخطوات بطيئة متثاقلة

-أريج أعلم انك لازلت على وقع الصدمة..انت تتعاملين مع مريضة تعاني حالة اكتئاب ذهاني تعتقد ان تلك الدمية التي بين يديها هي طفلتها ..

هذا ملفها الطبي و تلك مجموعة من الرسائل كتبتها هديل لابنتها عليك

أن تتطلعي عليها أرجو أن تلتزمي الحذر الشديد في التعامل معها

و الا تعبثي بأشيائها لانها حساسة جداا و تلك الحساسية المفرطة تنعكس سلبا على المحيطين بيها..

-حسنا دكتور..أشكرك

 **كان حديث الدكتور مع أريج غامض نوعا ما مما أثار فضولها لتطلع على قصة هديل تلك المرأة ذات الوجه الطفولي و الشعر الاملس و الابتسامة الخجلى التي تحولت الى شخص عنيف ساخط..

اثار الندوب البادية على يديها تخزها من حين الى اخر فتحتضن براحتيها الصندوق و تدنيه من صدرها ..

 غريب أمر ذلك الصندوق ..تحيط به هالة من الدفء وكأنه هدية

من السماء..

ذات صدفة تتعثر وهي تلج غرفتها فتتساقط كومة من الرسائل و كأنها

ندفات ثلج هشة فتسرع أريج لتلتقطها لكن فضولها جعلها تفتح

احداها لتجد..

أيلول 2015  

أسيلي" ابنتي"

أكتب اليك لأنني فقدت القدرة على مواجهة هذا العالم بمفردي..أكتب

لان غيابك قصم ظهري فخارت قواي و سيطر الشلل على أعضائي

أتحدث معك لان الناس اتهموني بالجنون و زجوا بي في هذه المستشفى

اللعينة جورا و بهتانا لأتلقى صدمات كهربائية و أتناول عقاقير مرة

كالعلقم ...

غيابك مر يا أسيل ..أشتاقك حد الهذيان ..حد أن أشق عن صدري

و ألطم وجهي و أقيم حسينية في بيتي..

أسيلي" ابنتي يا فلذة كبدي ماذا لو كنت على قيد الحياة ..لو تسنى لي سماع صوتك.. طالتك يد المنية قبل ان تحتضنك يداي ..

هذا القدر قصم ظهري يوم رأيتك جثة مرمية ..أي قبر هذا الذي سيحتويك

أسيل ..ياملاكي الذي حلق بجناح مكسور و نفذ الى السماء السابعة أراقب حركة الاطفال أمام المدرسة كل يوم وأنتظرك طويلا ..حتى يمل مني حارس المدرسة أتخيلك تسرعين الي فأفتح يداي لأحتضنك طويلا وأسألك عن دروسك ..عن

يومك و أربت على كتفك بشوق

أتخيلك معي في البيت و نحن نطبخ معا وجبة الغداء ..أمرر يدي على شعرك

أتحسس جدائلك فتقولين "ماما" و أجيبك "حبيبتي" ..أدفع ماتبقى من عمري يا أسيل لأسمع منك هذه الكلمة بالذات ..و ما العمر بعدك الا هباء..

أما أنتم يا أصحاب الاذان الصماء يا من دفنتم قلوبكم تحت التراب يا دفنتم

وتورطتم في خطة دميمة لتزجوا بي في هذه المستشفى اللعينة أطمئنكم

لم أفقد عقلي البتة وانما فقدت رغبتي في الحياة أنتم تحتضنون أبنائكم

تحتفلون بنجاحهم أما أنا فقد دفنت ابنتي بكلتا يدي و سلمتها

الى الرفيق الأعلى ..

ابنتي تنام الان في قبر موحش ضيق ..ابنتي لم تلاعب دميتها و لم تلبس

فستانها الزهري و لم تطفىء شمعة عيد ميلادها الأول..

....

تجمدت أريج في مكانها احتضنت الرسالة كانت شهقاتها تخرج من بين

رئتيها كسكاكين حادة .. تمرر يديها تتحسس بأناملها اثار الخدوش تغمض عينيها لتستحضر المشهد ..مشهد أم منكسرة حزينة نفذت أيادي المنية الى

رحمها فولد رضيعها ميتا ..أي قدر هذا يا الله

الغرفة" 716" لم تكن سوى سجن صغير لأم كانت ضحية مؤامرة دميمة

بين زوج مل حزنها الباذخ و تناسى ذكرى طفلته وزج بها في المستشفى ليتسنى له الزواج بأخرى

و بين قدر ظالم صفق على خدها بقوة وجر ضاحكا ذيله ..

وبين هذا و ذاك تتجرع "هديل" مرارة حزنها الكاس تلو الاخر حتى

تثمل في حانة "الذكرى" لتستفيق على أصوات الممرضين استعدادا

لجلسة للعلاج بالصدمات الكهربائية عسى أن تستعيد "رشدها"

فتبتسم ساخرة من سذاجتهم و تتمدد على السرير و تبسط يديها

بكل طواعية ..

قد حررها "الألم" و حلق بها جناح "الفاجعة" فما عاد شيء يأسرها.

***

نسرين الأحقاف 

أنهارُنا  تعجُّ بالأسرارْ

ونحنُ لا سرَّ  لنا

دليلُنا مُحتارْ

زورقنا يلهو  بنا

يطردنا البَحّارْ

يتركنا في البرِّ  دونما مُعينْ

يحيطنا أعداؤنا

تأكُلُنا السنينْ

مياهُنا دموعُ قافلةْ

حياتُنا رُكامُ أسئلةْ

أنهارُهُمْ  تُريدُ أنْ تُغرِقَها

بحارُ هُمْ تُريدُ أنْ تُغرِقَنا

لتَكْتِمَ الأسرارَ  وحدها

لتقسِمَ الألغازَ  بينها

يا ظمأَ الأنهارْ

يا شبقَ البحارْ

هل من دليلٍ يفضح الأسرارْ

لنعرفَ الألغازَ  كلُّنا؟

- 2 -

من منّا لَمْ تطرقْ بابَه

في يومٍ ما

أشباحُ كآبةْ

مَنْ منّا

مَنْ لا يعرفُ أن الأبوابْ

قَدْ يفتحها الأحبابُ

و قَدْ يكسرها الأغرابْ؟

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن أستراليا

 

في الروح مقابر

لاتنبش ما في القبور

**

كلما غادرني الغمض

أجددُ مع أشباحي عهود الحنين

على نغم الوقت

أراقصُ ما أخذته مني السنين

**

من قبل الطوفان كنّا أنا وأنت

وحين أدركت سفن العمر مراسيها

كنا لانزال هناك

أنا وأنت

**

مثلما كانت رحلتنا موسومةً بالخيبات والألم

اعرفُ أن غيابك سيقصمني

ويقتلني شيئا فشيئا

***

هناء القاضي

21-5-2022

قطط حارتنا

تمقت الرقص

على اعمدة الانارة

لانها تخشى

ان تزعج خيوط العناكب

فتسقط على رؤوس الفئران

2

هل ضاقت الانهار بالماء؟

لعبة تمارسها الفيضانات

هل ضاقت الادغال بالاشجار؟

ما بال الحرائق لا تكترث

بدخان النار

هل ضاقت الارض بالبشر؟

اسأل الفيروسات السائبة

التي أضحت تفتك بآخر الانفاس

3

الصيادون لا ينامون في الليل

يحلمون بغراب جريح

امتطى ظهر حمار أسود

أسرع من الضوء

في واضحة النهار

4

في زمن كورونا

المصابون بجدري القرود

يبخرون بروث البغال المحذوفة اذيالها

ويقبضون بقوة على ضفائر النساء العوانس

5

كأن شيئا لم يحدث

هناك في قاع البلوعة

رائحة الموت

أتخمت المرتزقة

الهاربين من طنين الذباب

6

الشعراء المتمردون

على الفراهيدي

لا يتشابهون

حتى ولو كانوا توائم

من رحم  بحر واحد

7

أتعرف الى وجهي

في المرآة

وأطيل التأمل

في ملامح عدو مشترك

8

ترى ما سيحدث بعد ذلك؟

النص الذي كان قيد التأليف

قد نجا من مقص الرقيب

هو الآن ينتظر تصويره

بالماسح الضوء "الاسكانر"

***

بن يونس ماجن

الحسين بوخرطةوفرت الظروف للألم كل مستلزمات الحياة. يستيقظ كل صباح بعقل فيل ودسائس ثعلب. لا ينشط بحيوية عارمة إلا في فضاءات الاكتظاظ. أصبح يتجسد بين الناس علانية كلما رغب في ذلك. ضاقت مجالات المصالح بين البشر، وأصبح الملاذ المفضل للبطش أو الاستنجاد أو الاحتماء. ببخترية مشيته يتعالى بين عباد الرحمان. ساير ارتباكات العقول، تأملها بمكر شيطان، وخبر المدارك الخفية لإلحاق الضرر بالبشر. أتيحت له كل الفرص التي حلم بها. ثِمَارُ عقود عُزْلته وخبرته المتراكمة لا تقاوم إلا بالصبر والحكمة. فطن اقتراب توقيت تجبر ضغوطات إضعاف النفوس، فاستل حسامه البراق المصقول. استنبط دروس وعبر تطور متطلبات حياة الآدميين. تكررت أمامه عمليات الاقتلاع التعسفي لجذور مقومات التعايش بين الخلق. غادر كوخه الحقير بعمق مغارة بحر الظلمات. انتقل إلى إقامته الفاخرة على اليابس. اغتبط مزهوا بتخلصه من معاناة التنقل المضنية بين البحر والبر. استقر بإقامته الباذخة، وتجمهر الزبناء أمامها منذ اليوم الأول، فصاح فيهم: "لا استقبال بعد اليوم دون موعد مسبق عبر الشابكة العنكبوتية".

إنه السيد "الألم" المقدام عاشق استفحال الضغائن والكراهية بين أبناء آدم. ترعرع ثقافة وفكرا في إبداع المعاناة. اكتسح المكان والزمان، وتعجب لوتيرة الترحاب به أينما حل وارتحل. اغتنى بسرعة البرق، وتعلم كيف ينتقي وجبات غذائه اليومي. سر لنفسه أنا لست مثلهم. أنا المتحكم في مصائرهم. لن ألتهم إلا ما لذ وطاب ونفع. يمارس الرياضات الحربية ساعات طوال كل يوم. تصلبت عضلاته إلى درجة أصبح لا يخشى الأذية.

وحشيته غمرتني هلعا. بجبروته يمر أمامي في كل ساعة، يلقي التحية وأقابله بابتسامة لعله يشفق علي ويتجنبني. أتحاشاه بلباقة وحذر. يتعمد بشكل منتظم ومدروس مد يده لي لمصافحتي. يصيبني الرعب كلما توهمت اقترابه مني. عانيت من كبسات يديه الحديدية. صبرت وتجلدت، وتدربت على رياضة اليوغا لعلي أتحمل لسعاته القاسية. كلما تظاهرت بشجاعة الأبرار وصمود خبراء أسرار الوجود، زاد تركيزه على تحركاتي. اعتبر نباهتي تهديدا لسلطته المتفاقمة. حسمت أمري واصطنعت موقف اللامبالاة والاستسلام لعله يمل معاكستي، ويُقَدَّر لي ولأمثالي النجاة من وحشية وجود بفخاخ ألم الجبابرة.

***

الحسين بوخرطة

** مناصفة

تضيئان الممر الجبلي

أنت والقمر.

ساعة معطوبة

يدق بلا منها

قلب اللص.

أيها النوم

في انتظار عبورك مسافران

عيناها المتعبتان.

أوركسترا صراصير

تحت شباك الأرملة

النجمة راقصة باليه.

ضفدع نافق

بجوار الكنيسة

يا لجناز الجدجد.

غلاصم الأسماك

تصعد رائحة الغرقى

باتجاه المراكب.

في الحديقة

ناداه برعم ضاحك:

أدن يا أبي.

في الحديقة

الأشجار القليلة تساوي

ما بقي من عمري.

مطر

يرافقه الى المدرسة

الطفل الضرير.

حبات القمح

تجأر بمرارة في المطحنة وداعا

يا بيتنا الجبلي.

دموع الأسلاف

في الجذور المهشمة

رفقا يا حطاب.

أسرعي أيتها البزاقة

الطريق الى الضوء

مليئة بالرهائن.

أخر السهرة

تفتح النار على أذني

بعوضة متطرفة.

حين هاجمها

المطر اختفت بين أصابعي

الفراشة.

موحش هذا

الفراغ الذي كان ممتلئا بظلالك

يا شجرة.

في المشرحة

يتهجى أسماء الموتى على ضوء

دموع الشمعة.

بريد المطر

وحده الضفدع العجوز

يئن كأرمل.

ضوء

عتمة

ضوء.

على فوهة المدفع

لم يمسسه سوء

بيت العنكبوت.

صليبي على ظهري

وجرحي زورقي وعمق المدى

نهري (ومنه تدفقي).

ماذا تصنعين

أيتها النحلة في المقبرة

بصوت أجش؟

على أديم الأرض

جنازير وجنود عميان

رفقا برفات الأسلاف.

الفراشة التي يلاحقها

تانيقوشي بوسون

بعينيه القناصتين

ليست إلا برعما.

أول الفجر

في طريقه إلى حجرة النوم

قمر متعب جدا.

الكوخ المهجور

الفراشة التي تئز بهشاشة

ليست إلا روح باشو.*

في أذار

يحصي الأرمل فساتين زوجته

بعينين ذابلتين.

ملأى جيوبه

بسيقان الحشرات طفل

مقطوع الساق.

نواح الجدد

على مساحة خمسين

زفرة.

في ألبومها

جواد فارس أحلامها

دائم الصهيل.

قطعوا

كل أغصانك الا غصنا واحدا

قاوم حتى الموت.

حرب شوارع

كل بعوضة مدججة

بحزام ناسف.

أخر النهار

قلب المومس يضيء

الحشرات تدق الباب.

الراعي

على ايقاع نايه تغفو

شجرات السرو.

من اللكمات

كم تلقيت وكم أزعجوا

روحك يا باب.

أمام باب

المشرحة سمعنا الريح

تخاطب الأموات.

كم أنت مدينة

الى باشو يا ضفادع

البركة.

دقات قلب

المطر لا تنامي الأن

يا براعم البرقوق.

ماذا يقول

طائر الغاق في الأعالي

المطر المطر.

يشبه الهايكو

في مشيته القصيرة

حظ الشاعر.

القمر ذاته

الذي أضاء كوخ باشو

يضيء صومعة الشاعر.

ذهابا وايابا

حفلة تنكرية لقطاع الطرق

النمل الأحمر.**

الله مضيء جدا

أعلى من صرخات الطيور

في ساحة الشهداء.

حذاء الجندي

مقطوع الساق تلبسه

نبتة الفاصوليا.

رغم براهين

الفراغ لم يزل يطارد

عطرها الفاخر.

رغم زئير

الحتميات لم تغير ثوبها

زهرة الأقحوان.

في بيتنا

كلما انكسر مصباح تضيء

شجرة برقوق.

أنقاض

معبد روماني لا تعني شيئا

لطائر الواقواق.

القميص

الذي يلبسه الغراب

من تصميم الليل.

ضباب العام

الفائت لم يغادر حديقة جارنا

الضرير.

مجرى الماء

كم عذبك الترحال

يا ورقة.

ما بقي من سواد

في حديقة رأسي غيبته

ندف الثلج.

صفير عيدان

الخشب في المدفأة

الأسلاف قادمون.

البتلات المنكسة

أخر أيام العجوز

في المنفى

***

فتحي مهذب – تونس

......................

* الى روح زوجتي المختبئة في مكان ما. الى كل امرأة لا تتكرر.

** الى الشاعر الكبير Nasser-Edine Boucheqif

تَأجَّجَ ماؤها والبَحْرُ نارُ

جَحيمُ الأرْضِ لوْ تَدري البِحارُ

*

بذرّاتٍ إذا انْفصَلتْ أقادَتْ

كأنَّ الماءَ جَمْرٌ مُسْتثارُ

*

تَشاكى الماءُ مِنْ نارٍ تَطامَتْ

وإنّ الماءَ للنارِ الدثارُ

*

تُناقِضُ كلَّها والبَعْضُ يُصْلى

بحاميَةٍ يُوَقِّدُها انْسِجارُ

*

فكمْ خَمَدَتْ وأهْمَدَها رمادٌ

وما انمَحَقتْ وألهَبَها انْحِسارُ

*

عقابيلٌ من الويلاتِ طافَتْ

بأرْوقةٍ يُحَجِّبُها انْكِسارُ

*

تَبَضَّع جَوْهرٌ وطغى أليمٌ

وأبْلى في مَرابعها انْشطارُ

*

كأنَّ قريضَها ديوانُ فِعْلٍ

تُبَعثرهُ النوازعُ والعِثارُ

*

وكمْ شُكِمَتْ يَنابيعٌ لخَيْرٍ

تَعَهَدها التوابعُ والشِرارُ

*

تَحاوَرَتِ الحَوادثُ حينَ فاقَتْ

وما اتّفقتْ وأنْهَكَها انْدِحارُ

*

تأسَّرَ قادمٌ برؤى قديمٍ

فغابَ العَقلُ والفِكرُ احْتِضارُ

*

تواصَتْ أمّتي بذرى ائْتِلاقٍ

فكوْنُ وجودِها شَمَمٌ مَنارُ

*

تَعاصرَ فجرُها والسِفرُ نورٌ

تكنِّزُه المخابئ والوِجارُ

*

أ يُمْنَعُ رافدٌ مِنْ سَبْرِ غَوْرٍ

وتَطمُرهُ العَوائمُ والحِجارُ؟

*

وإنْ جَدَّتْ فلا وَجَدَتَ مَراماً

فما فيها يُبَدّدُهُ الخَوارُ

*

تُخيِّبها إذا هَمّتْ بأمرٍ

أحابيلٌ بمِعْصَمِها سِوارُ

*

وما خَلعَتْ رداءَ الذلِ عَنْها

فسادَ صِغارُها وخَبى الكِبارُ

*

وطافتْ في عَوالِمِها كشيئٍ

حَوى بُهتاً يُعزِّزهُ انْدِثارُ

*

مَفازاتٌ بها الأيّامُ ثكلى

وأقوامٌ يُداهِمُها الحِصارُ

*

تمَعْمَعَ تابعٌ وجَنى فساداً

فأوْشلها وقد سادَ افْتِقارُ

*

عَلائمُ نكْسَةٍ في فعلِ بَعْضٍ

أتاها مِنْ غباوتهِ احْتقارُ

*

جِراحٌ ما أفاقتْ مِنْ نَجيْعٍ

وما التأمَتْ فأشقاها انْهمارُ

*

بوادرُ ثؤرةٍ برَزَتْ وسادَتْ

وما نفعَ التطبُّبُ والقرارُ!!

*

أقمْنا في مَواجِعِها أُسارى

يُقيّدُنا التوهُّمُ والسُعارُ

*

فلا تَعْتَبْ على مَوْجٍ تَماهى

بدافِقةٍ بتيّارٍ تُدارُ!!

***

د-صادق السامرائي

أذيالُ الصمتِ

تتوغلُ قنديلاً يبحثُ عن بقاياهُ

كم هي جميلةٌ شعلةً

نجلسُ قربها

تضيئُ لي وجنتيكِ الساحرتين

وانتِ تتفرسينَ إنهيارَ وجعي

وما تبقى من تنهداتٍ

الشعلةُ تتلاشى آخرَ خيطِ نهاري

أغادرُ أحتمي بظلِ النسيانِ

*

ليسَ في قواميسي الارتدادُ

لي ثورةٌ من الحبِ تتعقبني

أجدُ ثمةَ مخبرٍ سريٍ يتلصصُ

كي يفسدَ آهاتِ وأرتعاشِ فيضِ الحبِ

*

لي هذيانٌ يتنقلُ معي

يبحثُ عن عتقهِ

ينزعُ أغلالاً أدمتْ معصميكَ

آهٍ يا شجرةَ عمري المستكينةَ

أسالُ اللهَ أنْ ينبتها في جنانهِ

لتكونَ مزاراً لملائكتهِ النبلاءِ

تعطي من فيضِ عبقها

كيفيةَ أصولِ الحبِ والوفاءِ

*

أنا لا أقلقُ الليلَ

ولن اكونَ للنهارِ موصداً

أخشى أنْ تعاقبني حراسُ السماءِ

أنْ تنكرتْ لفهارسَ تكتبُ ديباجاتِ

ألفيةِ الولهِ العذريِّ

*

تدغدغني سرائرُ النساءِ

أجمعُ ما تبقى من أسرارٍ

أنتفضُ أبددُ أعقابَ سجائري

أنتهي الى أوجاعٍ أبتهلُ أنْ أصرعَ

الزبدَ الذي يغطي البحرَ

ينتظرُ أطلاقَ سراحهِ

يعودُ ينشدُ معَ السواحلِ أغانيَ الحريةِ

*

يحسدني من لا يعرفُ مهنةَ الحبِ

وتحسدني نسوةٌ

يوهمهنَ سفري الغريبُ

أتركُ قواربي وأهدي مجذافي لآخرِ من احببتُ

*

كنتِ تجودينَ بكلِ شيءٍ

بخيلةٌ أنتِ بماءٍ ومطرٍ

وآنيةِ خمرٍ وحبرٍ من ترابك

قربيةٌ أنتِ من ندى الصبحِ

لصيقةٌ من سفرٍ لطفولةٍ

لعشِ حمامةٍ أو ثوبٍ لعاريةٍ

وزفةِ عرسٍ موالها بلا نايٍ

صارَ غريباً مأواهُ أغانيَّ الحزنِ والحنينِ

***

عبدالامير العبادي

الروحُ قد وضعت أوازرها

بعد الفراق

وكأن الزمان الذي كنت فيه

كان ضربا من خيال

كل الدفوف التي كانت تزمجر بالمساء

باتت معاول تزدريني سنانها

تغتابني حد النخاع

قدري الرحيل..

وان في سمائي أشرقت كل الشموس

غريبة كغربها وغربتها

آهاتها اودعتها زند الجداول

نوارساً قيد الرحيل

تتوسد الحلم الذي ماعاد تلهيهه الوسائد

وتنطلي على خاطري

إن الزمانَ مسافرٌ

وربما يوماً يعود

لكنما الفرح المعفر بالاريج

قد توسد في التراب

وشواهدا في الروح أمست ذكريات

ياايها المسافر في ثنايا القلب رفقا

فهذا القلب أضناه الحنين

والتوق نيران تألق وهجها

مدادها وجع السنين

والامنيات قلائدا مثل النجوم

تشع كلما تزداد شوقا

تراودها عن جذوة لاتنطفئ

غربة الليل الطويل

ومرافئ الذكرى محطات احتضار

لرفات الامس

قدر يجتاح صبحي والمساء

يتوعد الايام طوق رحليها

يباغت شمس قد توسدت خلف الغيوم

قدرها قيدالرحيل..

***

مريم لطفي

قصي الشيخ عسكرالفصل الخامس من "صفرة ما على الجدران"

بعد بضعة أيّام راودت رياض فنجان موجة حادة من المنجلي، ساعتها كان جمال شعيب في شارع النورو برو يتبضع من مخرن البطة بعض لوازم البيت، وقد مرّ بالمحل المغربي الذي يبيع البضائع الشرقية فتعمّد التوقف عند الباب والتمعّن في الحادث. مازال السخام واالزجاج المكسور ربّما استفاد من خبرته في الحرب الأهلية اللبنانية فأدرك أن صاحب المحل هو الذي قام بالحرق.

لامجرّد اتهام.

.كم جاب الشوارع في بيروت وكسر محلات واقتحم بيوتا من باب التسلية الجميع يفعلون يسرقون ويقتلون فهل يبقى شكّ في نفسه حول المحل وحرقه الذي لو لم يكن بهذه الصورة لابتاع منه بعض أقداح الشاي وإبريقا للغسل وهدية قرآن للبركة وحالما غادر الدرب Allersgade مواصلا سيره نحو محطة نوروبرو وجد على الرصيف اثنين يرتديان الزي ّالأفغاني يتطلعان في الوجوه فيقتنصان أصحاب الملامح الشرقيّة، في لبنان نفسها حيث أدرك الحرب لم يكن ليعنى بالسياسة وهاجر إلى أوروبا مع من هاجروا.قال لها هناك ستكون حالتنا أفضل مستقبل الأسرة وولدانا والأبناء الذين يولدون أما ابنة الكلب التي نسيت كل ّشئ باعته وباعت مذهبها واقترنت بسلفي..

هل أسلمت على يديه من جديد؟

أم يلعنها بل يلعن الحظ.. يبتسمان في وجهه فيظنهما لاجئان جديدان هربا من إفغانستان.يسمع أن روسيا انسحبت والمجاهدين عادوا إلى كابل.مسألة لاتعنيه وهذان الأفغانيان يوقفانه:

الأخ عربي؟

اللعنة!!!

نعم هل من أمر!

نحن من السعودية جئنا في زيارة قصيرة يوم الجمعة لدينا محاضرة في المسجد الكبير قبل صلاة الجمعة.. لو تكرمت بالحضور..

واصل سيره من دون أن يعلق.. جامع أبي اللبن السلفي مرة أخرى ولداه وزوج طليقته ثم جاء دوره هو.. ياللسخرية.. لم يرق له أن يذهب إلى شقته بل مال نحو شقّة رياض.. ضغط على الجرس وبعد لحظات سمع وقع أقدام وصراخ..

صراخ حاد

صيحات

أنين حاد يصدر من الشقّة أصابه بالذهول..

انفرج الباب فقابله وجه رياض الشاحب.. أصفر كالزعفران.كان يمسك ذراعيه.. ويصرخ.أو يضغط على كتفيه.. جلس وواصل الصراخ فانحنى جمال يرفعه.. فاستند إليه:

مابك؟

نوبة.إنها نوبة..

هل اتصلت بالمشفى..

لا فائدة لن يعطوني دواء عندهم هنا الأمر عادي حتى تأخذ الكريات التي تتكسر دورتها

لم يتوقف الصياح الذي يعقبه دائما أنين.. وتشنّج

طيب نقل دم أنا مستعد أن أتبرع لك إن كانت فصيلة دمي تناسبك

محال في أثناء النوبة.لاشئ غير إبر السيسيكون.. أو أرجوك..

طيب سأخرج وأعود إليك سأدبّر لك.لاتقلق

دقائق وتوقفت سيارة الأجرة في كريستيانيا.. الوجوه الشاحبة المحلة القاتمة ذات البيوت القديمة، الشوارع المفتوحة، مهرجان التجمع الأسبوعي.. وشجرة التوت الضخمة التي قد تكون الوحيدة في كوبنهاغن.. أهي المرة الأولى التي صحبتهم فيها لجنة اللاجئين إلى هذا المكان كانت الدهشة تعلو وجوه الجميع من أفغاني شاب صاح هذه في بلدي ثمّ نطّ مثل القرد بين الأغصان وأخذ يلتهم التوت بلذة غريبة.. ليست الوجوه بغريبة عنه، وفي كريستيانيا الحشيش ليس غريبا قطّ.. قصد المقهى وتطلع بين الوجوه لم يجد بينهم عربيا لا أحد من الجزائر أو المغرب هؤلاء الذين ولدوا في اسكندنافيا أو جاءوا مع عوائلهم وهم أطفال يبيعونك الحشيش ويتبجح أحدهم إذا سألته مصادفة عن الحلال والحرام أنّه أقسم أن يبيع السمّ لهؤلاء الكفرة وعثر في بحثه على شاب أفريقي الأصل في العشرين من عمره يبدو أنه نصف نائمٍ أو نصف صاح، غمزه بحاجبه، وكان يعود يستقلّ سيّارة أجرة وفي جيبه قطعة تختفي معها الآلام:

هل أخبر زاهية؟

قد تقلق

غدا إذ ألتقيها

لكن أسرع الآن؟

أرجوك أسرع

جلس على الأريكة وترك رياضا في الفراش يصرخ، بسط قطعة الحشيش على المنضدة وجعل يمررها على لهيب شمعة فرش التبغ والورق.. مطّ قطعة الحشيش واقترب من السرير، سحب نفسا عميقا وقال:

جلبت لك كمية تكفيك يومين

حين أغادر السرير أذهب إلى المصرف فاسحب نقودا لأسددك

الآن اترك الموضوع انس التفكير في النقود إنها في المصرف لن تهرب.إسحب نفسا عميقا ولا تنفض الرماد

كانا يتناوبان على السجارة راحت الآلام تخفت مع الأنفاس المتلاحقة والصراخ يتلاشى..

العالم بعيني جمال يصبح أليفا

وجسد رياض ينفض عنه الألم:

 أنت بالضبط أخي.. هكذا كان أخي يفعل يأخذني إلى المشفى فيعطوني السيسيكون.زآه في الحرب لا أحد يهتم بك.. طظ بها طظ بكل شئ

سأبيت عندك

نعم لكن أين زاهيه قد تعرف بعد شهرين

قلت أخوك هل هو بالرضاعة؟

لا أدري غير أني سعيد ليس هناك من كريات حمراء تستفزني (ملأ رأيته من نفس طويل) الله ما أجمل أن تكون من دون ألم.

أخوك سعيد

أخي عبد الجبار هو الذي يجلب الإبر

فكّرت أن أشتري فيديو فأوجّر كاسيتات من المحل العربي لكنْ أخو الشرموطة أحرق المحل!

تأمين أنا عندي فيديو وزاهية عندها.

حسنا سنراه عند الجميع

فقال رياض وقد بدأت عيناه تثقلان وشفتاه تسترخيان:

لكن لا تسلّم زاهية وإن احترق المحلّ شريطا فيه محمود المليجي هي وحدها في الشّقة وتخاف أن يقفز إليها من الشاشة فيذبحها؟

حقّها والله

تظنّ وجهه مثل الثعبان

أخو الشرموطة! محمود المليجي مجرم!

وقد استفاق مبكرا في الساعة الرابعة صباحا.ليجد نفسه على الأريكة في الصالة وكأنّ تيارا لهواء ساخن يلفح خاصرته. ليست هي المرة الأولى التي يدخن فيها.. ومن حسنات هذا المخلوق العجيب الشبيه بالطين الصناعي أنه لا يجعلك تدمن مثل المورفين والمخدرات.

يقنع نفسه أنّه على حقّ فيما يقول وأنّ لرياض الحق في أن ينسى الألم بالحشيش ويصلّي عند القبر الذي يعلوه التاج العربي وأن لمحمود المليجي الحق كلّ الحق أن يخيف زاهية بعينين غاضبتين ووجه أفعى، وقد وضع في السجارة قطعة لو دسّها لفيل لنام أحلى نومة فكيف بطريح مرض لا يرحم أشدّ فتكا من السرطان وأقل خطرا منه كان يشعر بنهم شديد إلى الحلوى.

رغبة جامحة.

ذهب إلى الثلاجة فوجد علبة فيها بقايا من مربى خرط أحشاءها بسبّابته فازداد رغبة للحلوى، تذكّر محل رقم 777 المناوب طول اليوم.. يضحك رياض فنجان كلما عبرا الشارع ووقع بصره على 777 يغمز جمال ويقول والله لو طلب المطرب أبو خالد اللجوء لفتح محلا ب ثلاث خمسات 555 واحتاج جمال بعض الوقت ليفهم قضية الأرقام تلك هذه المرة أطلّ من باب الغرفة، وهو ينفض بقايا الحشيش من رأسه، فوقع بصره على رياض.كان يتنفس كملاك هادئ.. لعنة الله عليكم أيها الدنماركيون لو عالجتموه بالمسكن لما احتجنا لكل ّهذا التعب. وكلّ هذه الصرفيات سواء من محل السبعات الثلاث أم من المحل الآخر لكن لن تعاودك ياصديقي الآلام إلّا قبيل الظهر.. لو كانت لبعير.. لا ليس بعيرا.. فيل بالضبط.. فيل لرقد نهارا كاملا.. من حسنات الحشيش أنه لا يجعلك تدمن..

أبدا..

والعياذ باللهّ!

لن يلتصق بك مثل المورفين..

هبط الدرج إلى نيروبرو راح يحثّ خطاه نحو المحلّ المناوب.. اشترى علبة مارس.. وبعض البونتي.. التهم بعضها قبل أن يخرج من المحل.. كان يشعر بخفة وبعض الدوار قتام وشئ من اليباس في مفاصله.. فبعثت في جسده قطع الحلوى حرارة ألهبت نشاطه فاستند وهو واقف إلى الجدار والتهم قطعة أخرى.

لم يحسّ ببرودة الجو.

ولا بقسوة الفجر التي تصبغ زجاج السيارات الواقفة بصقيع شفاف.

وكانت المصابيح لما تزل تغالب العتمة ولفتت نظره فتاة تترنح على الرصيف الآخر، وتهبط الدرج المقابل للمقبرة من جهة بابها الجانبي الخلفي، فانتبه إلى وازع يدفعه لقضاء حاجة نسيها طول الليل وحاصرته الآن.. شدّه فضول إلى المكان إذ لم يفكر أن يهبط إليه يوما ما إذ كان يذهب إذا اضطرّ إلى دورة المياه في كافتريا فوتكس وماكدونالدز، عَبَرَ تقاطع الشارع وهبط السلم، فأطّلت عليه رائحة غريبة وحوامض.. داعبت أنفه حموضة، ومع آخر درجة في الممرّ العريض أبصر حاوية إبر على الحائط لا تبعد عن المغاسل سوى بضعة خطوات وثمّة فتاة تجلس القرفصاء تتطلع في السقف كما لوكانت في فضاء ترصد النّجوم، وعلى بعد منها يضطجع على جبينه شاب ذو ملابس رثّة انحسر كمّ قميصه إلى مرفقه فبانت بعض جروح في ساعده ونتوء.كانت هناك إبرة مرمية أسفل المغسلة التي في الواجهة.. الشاب يرقد في غيبوبة عميقة.الصاحية من بين الثلاثة الفتاة التي أبصرها تهبط ثم تبيّن ملامحها من خلال الأضوية القاتمة الصفراء..

مفتولة..

مدورة الوجه..

ذات تقاسيم حلوة عينان واسعتان وغائبتان في الوقت نفسه.نسي أنه هبط ليتبول فتطلع إليها طويلا.

نصف مخدّرة

تبحث عن شئ ما

اتجهت نحوه، وقتها تلاشت من أنفه الرائحة الحامضة ونتانة المكان.قالت بصوت غائب حاضر:

Kan du lide at kysse min skulder*

لم يفهم.. ابتسم:

What?

Would you like to kiss my shoulders

حسرت عن كتفيها وقالت

Kiss… money twenty kroner

أمام فرصة لا تعوض..

تتعاطى وتروم نقودا لحقنة..

 دست النقود في جيبها واقتادته إلى أول مرحاض فلمح وهو يمرق من الباب صورته وصورتها في المرآة معفرتين بصفرة الضوء القاتمة.. فتحت حزام سروالها الكاوبوي فانحسر إلى الركبتين..

لم يتآكل جسدها بعد من الحقن..

مثيرة حقا

ناعمة..

بنات الكلب الاسكندنافيات.. خارقات في الطول والجمال.. وفيه عطش شديد ورغبة.منذ الطلاق لم يلمس امرأة اللعنة عليكن ثلاثتكن ابتهال.. سالمة وربما معكن زاهية.. اللعنة.. ردّت غطاء المرحاض واستدارت استندت بيديها إلى الحافتين ودفعت بجسدها نحوه، لمس ردفيها:

حرير..

كان يلهث..

ويلهث

ثمّ

يصعد الدرجات إلى الهواء الواسع.

هاهو يكتشف مكانا جديدا يأوي إليه قبل شروق الشمس كلما هاج به ذلك الإحساس الخفي.. ماقيمة من عرفهن من قبل ربمّا يستثني زاهية التي استطاعت أن تتخلص من السحر والسحرة فهل ينهض مبكرا من عزّ نومه ليهبط سلّم دورة المياه حين يحتاج إلى امرأة. أنت أمام معادلة جديدة تصحو خلالها منذ الفجر قبل شروق الشمس بساعات بخاصة في ايام الشتاء:

تنهض قبل الخامسة فتلحق حافلة تقصد الحدود الالمانية للتسوّق

أو

تفيق مبكرا لتضاجع فتاة في دورة المياة القريبة من سكنك مقابل عشرين كرونة.

لا يمكن أن يختار كلا الأمرين في وقت واحد!

جرّب أن تدسّ في يدها عشر كرونات هل تحسّ أم تتجاهل أمّ ترفض؟

كان رياض مايزال نائما يتنفس بهدوء وأمان.لاينكر أنّه شعر بقلق قبل أن يعود إليه من دورة المياه.

ماذا لومات؟

هل يتحمّل الذنب وهو يعرف جيدا أن الحشش أليف لا يقتل كالمورفين ولا يدفع للتسمم كالكحول.. لو في حالة الموت لاشئ يدعو للقلق.. سيرد ّالباب ويذهب إلى شقته كأنّ شيئا لم يكن يسترخي على فراشه قيهرب من شبح الموت الذي في الطابق الأسفل بنوم طويل. وشعر بارتياح أنّ صاحبه مازال حيّا ثمّ انتبه أنّه أتى على كلّ قطع الحلوى وربما يحتاج رياض الذي افترضه ميتا وهو حيّ لبعضها فهزّ رأسه وتمتم : ليصح أولا عندئذ سيتذكّر أنّه نام من دون آلام.. لم يدر ماذا يفعل.. صعد إلى شقته ونعم بحمام دافئ ثمّ نزل إلى شقة رياض.. أبصر من نافذة الممر الفجر يهبط فتتّضِح معالم المدينة تحت ستار من الضباب الخفيف، أمّا رياض فكان مايزال ييئن ويصرخ لكن يبدو أنّه صراخ أخفّ حدّة من زعيق الليلة الماضية.

كأنّه يطرد شبحا كئيبا للموت خامر عقله حين عاد من الشارع قبل ساعات :كنت تغط في نوم عميق مريح طول الليل.. هل أعمل لك فطورا؟

لا أرغب في شئ؟

قال على الرغم من أن وجه رياض مازال شاحبا:ماشاء الله وجهك اليوم يبدو أقل تعبا.

انتهى نصف النوبة وفترت قسوتها.اليوم والليلة فقط وغدا إن شاء الله ينتهي كل ّشئ.

قل إن شاء الله.

بحول الله (صكّ على أسنانه يكبت بعض الآلام وتساءل): هل اشتريت مايكفي؟

عندك حشيش بمائة كرونة.لكن لابد أن تأكل.. هناك بيض في الثلاجة وجبن وإذا احتجت إلى مربى أو حلوى أنزل ابتاع لك حالما يفتح Netto.

لا تتعب نفسك لا داعي هذا يكفي مايهمني هو الدخان السّاحر الذي يجعلني أرقد من دون ألم، ولولاك لكنت اتصلت بالإسعاف لأقضي بضعة أيام في جحيم مع الآلام هناك (كزّ أسنانه مرّة أخرى وغادر إلى دورة المياه وعاد مبلل الوجه واليدين):

ماذا تفعل؟

سأقضي ما فاتني من صلاة!

حقا ؟أهذا وقتها؟

لم يجب لكنه راح يلهث من الألم ويتلو صلاته قبل أن تعبق الشقّة برائحة البيض والدخان من جديد.

***

قصي الشيخ عسكر

...........................

* هل تقبّل كتفيّ

الغيمةُ التي تفنى

قطرات

في جوف الأرض

تعيش إلى الأبد في

ذاكرة الأشجار ...

**

الليلُ الذي يكحل

عيون المساء

يراقب تشكل الحلم في

ذاكرة اليقظة ...

**

الشمسُ التي ينتظرها

الغروب

مشغولة بإرسال

ضفائرها إلى وكر طائر يحتضر في

ذاكرة الصقيع ...

**

الصباحُ الذي يرافق

خطوات النهر

على عطش الطريق

يأخذ مكانه المناسب في

ذاكرة الإرتواء ...

**

الضوءُ الذي لا يكفي

لمنازلة الظلام

يحدث ثقوباً مشعة في

ذاكرة العتمة ...

**

الموجُ الذي يتخذ مِن

الريح بوصلة

يبقى إلى الأبد تائهاً يبحثُ في

ذاكرة الوصول ...

**

الرمالُ التي تزحف نحو

شاطيء مِن سراب

تحكي شغف الخطوات التي تلهث في

ذاكرة الطريق ....

**

الورودُ التي جفت في أروقة

قلوب العشاق تُحيي

اللحظات المخزونة في

ذاكرة العطر ....

**

السماءُ التي تعزف

عصافيرها عن الغناء

تبقى على اتساعها حبيسة في

ذاكرة الصوت ...

**

الحياةُ التي ينتظرها

الرمادي في أحد المنعطفات

تتسرب مِن تفاصيلنا

تتركنا نتسولُ أياماً عشناها مِن

ذاكرةِ الألوان ...

***

أريج محمد احمد

سالم الياس مدالوكذا ولدت يا يونس أعرجاً، قالها يونس ومن ثم جلس على حافة سريره شارد الذهن وافكار شتى في مخيلته محيلة أعصابه إلى كتلة من النار ملتهبة نهض متجهاً شطر نافذة غرفته كانت الريح تصفر في الخارج أخذ نفسًا عميقًا ومن ثم عاد واستلقى على سريره. كانت أُمه الخالة حسينة جالسة قبالته ومغزلها بين يديها تبدو متعبة وحزينة حزن سنوات عمرها الحزينة

متفكرة بصغيرها الذي مات بالحصبة ولم يبق لها سوى ولدها الأعرج يونس قالت في سرها: لم تكن الّا مشيئتك يارب وغيوم سود تعلو مقلتيها نام يونس تلك الليلة وحلم احلامًا مزعجة راى نفسه على حافة بئر لا قرار لها  يركض حافياً ورجال حاملين مدي يلاحقونه وصوته يرتد اليه ضعيفًا واهنًا.

2 –

عند الصباح بانت الشمس من وراء الأُفق مثل كرة ملتهبة تلقي بشعاعها على قمم الجبال وسفوحها وعلى الوديان والحقول أفاق يونس من نومه ارتدى بنطاله المهتريء متابطًا صرة ملاى بالخبز والجبن ساق يونس نعاجه شطر واد خصيب حيث العشب والماء. أطلق صفيرًا مهلهلاً سالكًا طريق الوادي هناك جلس على صخرة كبيرة مسننة اعتاد الجلوس عليها شارد الذهن ونعاجه تلتهم العشب وترتوي من ماء الينبوع ومن ثم نهض وسار صوب السفح باحثًا عن صغار الحجول عثر يونس على عش حجل ها قال يونس فرحا ثلاث بيضات وثلاثة فراخ حاول الإمساك بها لكنها نطت بصورة مذهلة مختبئة بين  الأعشاب والحجارة المتناثرة هنا وهناك فتش يونس عنها حد التعب ولكن دونما جدوى وضع يونس بيضات الحجل في كيس  وقفل عائدًا إلى بيته، وضع البضات الثلاث تحت دجاجة من دجاجاته ففقست عن فراخ صغيرة جميلة فرح يونس بها فرحا كبيراً كفرح طفل بدميته اطعمها الحشرات وسقاها الماء إلى أن كبرت ونما لها ريش واحنحة كان يونس يأمل بتدجينها لكن ذات صباح طارت الفراخ الثلاثة صوب الجبل ولم تعد اليه البته حينذاك حزن يونس وكسا وجهه الوجوم تذكر ما كان يقوله له جده قبل مماته لا تتعب نفسك ياولدي فمن الصعب جدًا تتدجين صغار الحجول.

3 –

كان يونس بارعًا في تقليد صفير ذكور الحجول واناثها

طو طو طو طو – جو جو جو

فتذكر يونس أيام مرافقته لجده وهو ذاهب لصيد الحجول في أيام الشتاء الباردة حيث الثلج يتساقط بغزارة كان الجد ينصب فخاخه بعدما يغطي طبقات الثلج بطبقة من التبن المخلوط بحبات الشعير مختبئا خلف صخرة مدخنا غليونه بانتشاء يرقب اسراب الحجول وهي تحط بالقرب من فخاخه مطلقة صفيرها المعهود – طو طو جو جو فمنذ ذلك الوقت احب يونس الحجول حبا جما.

4 –

حاولت ام يونس الخالة حسينة جهد مقدرتها اقناع يونس للذهاب إلى المدرسة فلم تفلح وفي كل صباح كان يونس يحمل كتبه مغادراً لكنه لم يكن ليذهب إلى المدرسة بل كان يسلك طريق الجبل حيث الخضرة والطيور قاضيًا نهاره في البحث عن أعشاش الطيور واللحاق بصغار الحجول لا صطيادها حتى أن اقرانه كانوا يظنون بانه يفهم لغة الطيور فيحاكيها وذات صباح قال يونس لامه علانية أنه لا يرغب بالذهاب إلى المدرسة.

5 –

كبر يونس وكان كل صباح يسوق نعاجه إلى المرعى عند سفح الجبل جالساً عل صخرته المفضلة عازفاً على نايه انغاماً حزينة وهو يرعى نعاجه كانت به رغبة عارمة أن يصطاد حجلاً وقرب شجرة بلوط شائخة مد يونس يده في عش حجل فصرخ صراخاً مراً قاسيًا فهم راكضًا باتجاه بيته كانت أُمه  جالسة أمام منزلها ومغزلها بين يديها وما أن سمعت صراح ابنها يونس استوت واقفة قائلة هدأ هدأ من روعك يابني ما بك أجابها يونس بشفتين مرتجفتين مشيراًلى موضع الجرح وأردف اسرعي اسرعي  يا أُمي وناد على جارنا العم يوسف إنها لدغة افعى هرولت أُم يونس مسرعة فجاء العم يوسف مسرعًا وشرع يصفد الدم من كف يونس بشفرة فسال الدم احمراً قانيا ومن ثم وضع على الجرح شيئا ما يشبه  العجين في تلك اللحظة اعترت جسد يونس رعشة وحمى القته طريح الفراش وهكذا مات يونس الأعرج أما أنا فنمت تلك الليلة حزيناً  ومقلتاي مسكونتان بالحزن والكابة.

***

قصة قصيرة

سالم الياس مدالو

محمد الورداشيلم ينم الليل كله: ظل مدة يتقلب على لوعة الألم ويتلظى من هجران النوم، كان وحيدا يداري خوفه المفاجئ، شيء ما حرك مشاعره الخفية فتركه ريشة في مهب رياح الشكوك والظنون، خبر ما ينتظره؛ لأن ما قرأه في ليله ظل مرتقبا في نهار. قرأ ألوانا مختلفة من المواضيع، وطالع كتابا مليئا بالرموز والجداول، وما إن استأسد به العطش حتى مد يده نحو الكأس الممتلئة، فانكسرت وارتعد في موضعه، التفت إلى يده متفرسا جروحها الغائرة، ومبهورا من قطرات الدم القانية التي استحالت فجأة إلى ماء، إلى خمرة حمراء معتقة، فأخذ يلعقها بلسانه في جنون حتى جف منبع الدم. غادر مكانه وئيدا، واتجه صوب المرحاض ليأخذ منديلا، فما وجد الحمام ولكنه ألفى سريرا مهترئا، أخذ يتحسسه بيده المرتعدة، ويعيد الكرة حتى أحس ألما خفيفا بين أصابعه؛ تحسسه بتؤدة وحذر، وفجأة امتلأت الأصابع شوكا مسننا، ذرفت عينه دمعة ساخنة لأيا انسابت على خذه، تذوق ملوحتها بطرف لسانه فألفاها علقما، بصق أرضا فانبعث بخار أبيض كثيف ملأ الغرفة الضيقة، انطلق صوب الكوة يفتحها فما وجدها، وإنما وجده يفتح علبة تحوي أشياءه القديمة، شذرات طفولته الممزقة. تملكه العياء وخرت قواه، ارتمى على الأرض الجرداء، ثم غط وجهه بكفيه وأخذ يفكر طويلا، ولما أزالهما اتسعت حدقتاه، وفعر فيه مندهشا: لم يكن يقرأ شيئا، ولا يملك بيتا وإنما كان مضغوطا في زنزانة ضيقة، لا جدران فيها ولا أبواب ولا قفل يحكم إغلاقه، زنزانة انفرادية لا يستطيع مغادرته؛ إذ كلما قرر الخروج اصطدم بجدار خفي لا يراه، وما إن يمد يده ليتحسس ما يحيط به حتى يرجع يده بسرعة، ويتألم من الشوك الذي يخرم أصابعه.. أغمض عينيه وجمع قوته، ثم وطنه نفسه على اختراق هذه الجدران والقيود الوهميتين، فاندفع بقوة كأنه سيل عارم، وبعد لأي، ألفى نفسه في خلاء فسيح، ولكنه مليء بلافتات مكتوب عليها: "مواطن من الدرجة الصفر".. تقدم في الخطو وتوغل في التيه، ثم وجد ورقة تضم رموزا يعرفها: "أنت سجين منذ فتحت عينيك على هذه البسيطة، وحريتك بيدك إن استطعت إليها سبيلا". وما إن قرأ الكلمات الأخيرة واستكشف دلالتها حتى تقوت عزيمته، وتوطدت رغبته في النجاة، في التحرر، في الخروج من التيه، فعاد يقرأ الكتاب بنهم شديد، ويفك رموزه وشفراته إلى أن وقف على شيء مهم: "كيما تتخلص من سجنك الأبدي، وقيودك الوهمية التي تكبلك، عليك بالتقدم في القراءة"، فضاعف من التصفح والتدبر. ظل على هذه الحياة ليلة كاملة، وما إن انبلج الصبح حتى استيقظ خفيفا كالريشة، تناول فطوره وشرع في تدوين حلمه الذي لم تبق منه إلا الشذرات المتفرقة، والرموز الملغومة بدلالاتها، وفي آخر الصفحة كتب بخط مضغوط: "التحرر من عبودية الإنسان الوهمية، ومن سجنه المدلهم يبدأ من القراءة وينتهي باستمرارها".

***

محمد الورداشي

ربما غاب عن العيون صهيل الخيول

و نام الرجل الشريد على رصيف

الحكاية

لم تكن البلاد التي اسمها الخضراء

تبحث عن الينابيع في عز الظهيرة

بل كانت القوافل الاتية من اقاصي

الشمال

ترمم أخر ما تبقى من القلاع...

اسراب من حمام حضرموت

يحلق بعيدا

و الاجنحة لا تخاف من رايات الجنوب

المتاخم للانين

هذا بريق المعركة أم لهيب الحساب

الاخير؟

هذا طريق الفاتحين بإتجاه الغروب

أم  درب الخارجين عن حياض

القبيلة؟

واقفا على أرض ثابتة

وعيناه باتجاه الاقاليم البعيدة

يباغت خصوم الوردة قبل اعلان

الرحيل

و انفتاح المرء على مرايا الكلام الفصيح

ها هنا جدار قديم

و ولد جريح

و ارتماء الجسد العليل في المياه

أصوات العنادل غابت عن المشهد

و صار بامكان ألاصابع ان ترفع الرايات

قريباً من التخوم

بعيدا عن صمت القرى

و انحناء الجباه

هنا كيان وسيرورة حذو الغياب

و أولاد لا يخافون من ديمومة

الأشياء

ربما لم يكن في الحسبان هروب الفتى

من صدى الأمنيات

و انفتاح الرؤى على المكان القصي

اقلام تكتب النشيد المشاكس

و أصوات الغرباء تباغت الأجساد

ليس في السفينة ربان ولا  مسافرون

ليس في المدينة الهاربة من الأضواء

عشاق للزمن القديم

بل مازال في الوقت متسع لاغراق

المراكب ...

و اقتراب الضفاف من الينابيع

الأنهار هي البوصلة

و الاقمار هي المفاتيح

و الأزهار هي الروح المسافرة إلى الدهاليز....

سماء القرى تضيء الدروب

و زفرات الجريح الأخير

تربك ورقات الغيم

حين تكون وحيداً جالسا على رصيف

المتاهة

يباغتك الفتى بالصراخ

أنت الآن خارج الاسوار

ولا أحد  يسالك عن جراح البلاد

التي سافرت إلى ملكوت الغياب

هنا يداي تسأل العالم

عن خطاي كيف اخذتني إلى السراب

***

البشير عبيد

شاعر وكاتب تونسي

26 فيفري/فبراير 2022

نقوم بنشر هذا النص في ذكرى النكسة

***

عائد أنت يا جولانُ

كلّ زهرةٍ تبتسِمُ لقدوم ِ النهارْ

كلّ طيرٍ من طيور النَورس ِ

يَعْشقُ شطآنَ البحار

كلّ سَمَكةٍ تعودُ لترعى صِغارَها

في أعالي نهرها العَنيدْ

كلّ قطرةِ غيثٍ تغادرُ البحرَ

لتعودَ اليه ِ من جَديدْ

كلّ جَدولٍ ومهما أعاقته الصّعابُ

سَيَصبّ يوماً في نهرهِ العظيم.

وأنتَ يا جولانُ

مهما طالتِ الأبعادْ

عائدٌ يوما مَعَ هُبوبِ النسيمْ.

***

كتبت عام 1999

..............

أنشودة ُ الجندي العربي السوري

العائد من معارك الشرف منتصرا

وهي تحت عنوان:

ورَغمَ أنوفِهم جئنا

ها نحن ُ جئنا

يا سادَة َ الإرهاب، ويا آلهة َ العُدوان.

جئنا

رَغمَ السّنوات ِ العَديدَه

رَغمَ كلّ هذه الأبعاد

رَغمَ الكوارث ِ

والمَصائِب ِ

والإرهابِ

والتقتيل ِ، والتكفير ِ

و"التكبير ِ" بأفواهٍ بليدَه.

ها نحنُ جئنا

رَغمَ النفاقِ، والدّجَل ِ، والكذِبِ الكبير ِ

لدى تِلكَ الأبواق ِ " التليدَه ".

جئنا

وملءُ صُدورنا

العزمُ والهمّه

وملءُ قلوبنا

وهجُ الشهادَة ِ، والحُرّيَةِ، والفِداءْ

وملءُ شفاهِنا

ترنيمَة ٌ

تتغنى بالضِياءْ

وفي عُيوننا

نظرَة ٌ

نحوَ السّناء ِ، والسّماءِ، والعلا.

جئنا

"...كم من فئةٍ قليلةٍ

غَلبَتْ فِئةً كَثيرةً ..." (1)

جئنا

يا سادة َالإرهابِ والكذِبِ الكبير.

جئنا

وفوقَ هاماتِنا

مَرفوعٌ لِواءْ.

جئنا

وفي قلوبنا

صورٌ للرحمَةِ

والعفو عندَ المَقدرة.

جئنا

لقد طلعَ النّهارْ

حَقاً لقد طلعَ النّهارْ.

***

بقلم الدكتور اسماعيل مكارم

كراسنودار- كانون الثاني 2019

..............

1) راجع القول الحكيم - سورة البقرة.

الذكريات

وحدها التي لا تخذلك

حين تكون وحيدا ..

تحاورك حين يغيب محاوروك

وتصدقك حين يكذبك الناس

*

لستَ شغوفا بالاوراق القديمة

ربما تحتاجها ذات يوم

إجمعْ ما استطعتَ

قد تشفع لك رائحتها

وتفتح لك كوىً مغلقة

تشبع شهيتك المفتوحة على الانتظار

وترفع عنك

ما يجعلك

تتقلب  كلّ ليلٍ

على سرير الأرق

*

الذكريات غناء الرعاة

واغفاءة الايام  ..

الذكريات

تنزع عنك

ما تراكم من ألم

*

الذكريات تتمدد وتتسع

فما نعيشه الان

يغدو ذكرى ملونة

*

الذكريات

لحظة التوهج

في سماء الفجيعة

ومنديل امي

الذي يمر على أعيننا

*

الذكريات:

الهرب من ذواتنا

باتجاه الخلاص

*

الذكريات:

لحظة الانتشاء

بعد سيل من الجفاء

***

د. جاسم الخالدي

اَلشَّوْقُ يَا لَيْلَى دَعَانِي

لِبدِيعِ حُبِّكِ فِي جَنَانِي

*

اَلشَّوْقُ يَخْتَرِقُ الْفُؤَا

دَ وَقَدْ دَهَانِي مَا دَهَانِي

*

اَلشَّوْقُ يَمْتَحِنُ الْمُحِبَّ

وَمَا وَعَى أَحْلَى رِهَانِ

*

عَوْدٌ إِلَى الْحُبِّ الْجَمِيلِ

يَصُبُّ فِي أَحْلَى مَكَانِ

*

أَنَا وَالْهَوَى فِي حَيْرَةٍ

مَا عَادَ يَغْبِطُنِي زَمَانِي

*

مُتَأَلِّمٌ بِصَبَابَتِي

قَلْبِي وَرُوحِي يَبْكِيَانِ

*

بِاللَّهِ يَا شَمْسَ الدُّجَى

تَأْتِينَ لِي فِي الْمَهْرَجَانِ

*

وَتُخَفِّفِيـــــنَ كَآبَتِـــي

وَتُدَاعِبِينَ صَدَى كَمَانِي

*

يَا غَادَتِي وَخَرِيدَتِي

وَحَبِيبَتِي فِي كُلِّ آنِ

*

أَشْتَاقُ حِضْنَكِ يَا حَيَاةَ

الرُّوحِ يَا أَحْلَى الْمَعَانِي

*

لِمَ لَا تُجِيبِينَ الْهَوَى

تَشْدِينَهُ وَقَدِ اصْطَفَانِي؟!

*

يَا نُورَ عُمْرِي يَا أَنَا

يَا مَنْبَعاً يَحْوِي حَنَانِي

*

أَشْتَاقُ آخُذُ قُبْلَةً

أَثْنَاءَ مَدْغِكِ لِلِّبَانِ

*

أَشْتَاقُ تَقْبِيلَ الــــرُّمُو

ش تَتُوقُ فِي أَحْلَى الثَّوَانِي

*

أَشْتَاقُ لَثْمَ الْـــــوَجْنَتَيْ

نِ وَقَدْ رَنَتْ لِي فِي امْتِنَانِ

*

أَشْتَاقُ رِيقَكِ أَرْتَوِي

مِنْ شَهْدِهِ أَحْلَى أَوَانِ

*

أَشْتَاقُ قَدَّكِ هَائِجاً

فَأَضُمُّهُ حَتَّى هَوَانِي

*

أَشْتَاقُ ثَغْرَكِ حَالِماً

يَشْتَاقُ مَصِّي لِلِّسَانِ

*

أَنَا وَالْهَوَى فِي قِصَّةٍ

غَجَرِيَّةٍ جَلَبَتْ أَمَانِي

*

أَحْتَاجُ عَطْفَكِ طِفْلَتِي

فِي الْفَجْرِ شَوْقاً قَدْ دَعَانِي

*

لِأَجُوبَ أَنْحَاءَ الْمَدِي

نَةِ بِانْسِيَابٍ فِي التَّدَانِي

*

لِأَزُفَّ عُرْسَكِ أَنْتِ لِي

وَالْحُبُّ فَاتِنَتِي كَفَانِي

***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي

شاعر وروائي مصري

فرات المحسنالجزء الثالث من رواية: يوم آخر  في حفر الباطن

أصرّ صاحبي محمد الذي لجأت إليه وقاسمته غرفته الصغيرة، وهي عبارة عن مخزن صغير ملحق بفرن الصمون الذي يعمل فيه، أصرّ على أن نتخم روحينا تلك الليلة بالعرق الزحلاوي، ففعلنا ذلك على أتم وجه. التهب رأسي بضجيج متوهج، وشعرت أني أكثر صلابة وجلداً مما كنت عليه حين تركت البيت. ولكن كان هناك شيء هلامي بدأ يرتج في رأسي مع صوت محمد وهو يترنم بأداء أغنيته بكلماتها المحورة، وهو ما اعتاد فعله مع جميع الأغاني الرائجة ليمسخها إلى صور هازلة، ثم أردفها بأخريات، متلذذاً برشفات من كأسه، مطلقاً لسانه السليط للهزء بكل المسميات التي يقودها حظها العاثر لمقاربة ذاكرته تلك الساعة. شعرت براحة تامة وأنا أشارك محمداً سخريته مما حوله، وإصراره الدائم على تحوير الحقائق، أية حقائق، حتى وإن كانت أغنية. أن تتشظى الأحداث ويخرق الزمن بلامبالاة، وباستهزاء وإذلال تامين. أن يتخلص المرء بسخرية فاضحة من كل الهموم والأوجاع. أن يغتصبها بإصرار ووقاحة وعلناً بأعلى صوته، كان ذلك كل ما كنت أحتاجه تلك الليلة.

كنت أنظر إلى محمد دائماً نظرة إعجاب، وأعتقد أنه رجل سحري أخاذ. قدم إلى بغداد دون تأريخ، دون أهل، دون زمن أو متعلقات، سوى دفتر خدمة عسكرية متهرئ، يحتفظ به داخل كيس نايلون كالح اللون، يظهره لمن يريد دون أن يبدي أدنى تذمر. لا يُعرف عنه سوى كونه قدم من إحدى قرى مدينة البصرة، بوجه شديد السمرة ورغبة جامحة بالعمل والجنس واحتساء الخمر، وقلب طيب وأليف، يكتشفه الناس دون عوائق أو عناء. وبشكل ناجز كان قد قرر كتمان سره حتى الموت. فلم يحدّث أحداً عن ماضيه، وكان مستعداً للتضحية بكل شيء من أجل إبقاء ذلك من خصوصياته غير المباحة، وما عداها وحسب قوله هي سبيل مباح لوجه الله تعالى، ولمن يريد. كان دائماً يناضل دون هوادة ليتحرر من أية ارتباطات، ولا يخشى أن يكون أكثر جيران السوق والقريبين من فرن الصمون، مطلعين على تفاصيل أيامه، حتى وإن كان الأمر يتعلق بممارساته الماجنة. والظاهر أنه لم يرغب أن يحقق  في حياته بعد اشتغاله في فرن الصمون سوى عيشه اليومي، رغم أنها كانت تبدو على درجة ما من السوء. ولكن يبدو أنه كان يمتلك قناعة طاغية بالاكتفاء اليومي.

تأبط محمد صفيحة السمن الصغيرة الفارغة وراح يعزف عليها إيقاعاً لأغنية هندية جميلة، مصاحباً ذلك بأصوات موسيقية مصدرها أنفه الأفطس. كانت حنجرته تولول بكلمات مبهمة متسارعة، شعرت بوقعها الفاجع المليء بالمواجع والألوان الصارخة المختلطة، المتموجة فوق أديم أرض متربة، والغبار المتصاعد يظلل الوجوه الكالحة وهي تذرف جوعها وقهرها. وقفت رافعاً يديّ نحو الأعلى، هازاً جسدي المتثاقل. بدأت  صور الممثلات والممثلين التي تملأ جدران المخزن تتحرك وتقفز من أماكنها، وضجيج أصواتها المتناغم يصم الكون، مختلطاً بإيقاع النغم المدغم الصادر عن الصفيحة، وبات  يلج جمجمتي بتشويش سحري غير مألوف. رحت أسبح في شذا الكلمات السحرية. أدرت جسدي بسرعة حادة، محاولاً تقليد الراقص الهندي ولكني سقطت على الأرض. حاولت النهوض فلم تسعفني قواي .

حين استيقظت طالعني سقف المكان الأسمنتي العالي، فأجلت بنظري جدران الغرفة الجرداء، ثم اصطدمت عيناي بباب الغرفة الحديدي ذي الفتحة الصغيرة المشبكة. أعدت وضع جسدي المتشنج لأتكئ على الجدار القريب، فتنبهت لثيابي الملوثة بالقيء، وكانت هناك وجوه تطالعني بلا مبالاة، فعرفت أني في مكان لا علاقة لـه بمحمد وغرفته. غرقت في لجة أفكار متضاربة عن مغزى وجودي في هذا المكان. هل كنتُ إحدى طرائد الليل لدورية شرطة، بعد أن عبثت وعربدت أكثر من المألوف ؟ أم أن أصواتنا الضاجة بالغناء والبكاء أو شجارنا كان سببا لذلك ؟ ولكن أين محمد؟

 كنت غير مدركٍ لمجمل ما حدث، ولكن في الأخير هدأت وشعرت بأني على غير عجالة من أمري لمعرفة السبب،لا بل سيان أعرفته أم لم أعرفه. ولم أسأل الرجال القريبين مني، وبدورهم كانوا عازفين تماماً عن الحديث معي. سارت الساعات ببطء شديد. عند المساء نادى شرطي باسمي، مشيراً بيده نحوي. تقدمني ونحن نسير في الممر ذي الضوء الخافت الذي يربط قاعة الحبس بالغرف الأخرى، ثم أوقفني عند باب غرفة علقت أعلاها لوحة خشبية مطلية باللون الأسود وخُط ّ عليها بغير اعتناء وباللون الأبيض، ضابط الخفر .

زالت دهشتي عندما شاهدت زوج أمي يتربع أحد الكرسيين الضخمين المجاورين لمنضدة ضابط الخفر الواسعة، وكان يطالعني  بابتسامة شامتة. لم يتفوه بكلمة واحدة، وترك الأمر لضابط الخفر، الذي أشبعني تهديداً وشتائماً، ختمها بجملة لا زلت أدخرها وكأنني مطالب أن أفصح عنها يوماً ما .

ـ ها.. شقي ..تتجرأ لتشتم الحزب!! سوف أجعلك تندم على يوم ولادتك. تتعفن بالحبس إلى ما شاء الله  لتتذكر ولي نعمتك. أرجعوه فلي معه حساب في يوم آخر.

حين أطلق سراحي من الحبس بعد ثمانية أيام، كان كل شيء يبدو لي مشوشاً وعدائياً مما حدا بي للتحوط من تهديد مرتقب، كنت أشعر دائماً معه، أن هناك من يريد أن ينتزع مني وبشكل قسري شيئاً ما. وبإرباك وضياع، كنت أنزوي مع أسباب ومبررات مفتعلة أحياناً لطمأنة هوسي المتصاعد في مقاطعة عائلتي.  ومثلما لم أصدق حديث محمد حين أخبرني بأن أمي ركعت أمام زوجها وكذلك أختي سمية وتوسلتاه من أجل إطلاق سراحي. عندها أفرغت فورة غضبي وألمي المتراكم بوجهه واتهمته بالبغض والغيرة واللؤم، وملأت مأواه الصغير بكل النعوت التي جادت بها روحي الممزقة. اعتبرت تقولاته محاولة إذلال وحشية جديدة لما تبقى من رجولتي. لم أجرؤ على مناقشة الأمر معه. ومع مرور الوقت لم أبحث عمن يكذّب ذلك أو ينفيه، ولم أبادر للتحقق منه، بالرغم من أن الأمر كان يذلني ويسحقني في كل دقيقة من عيشي. ولم أسأل سمية أو كريم عن حقيقة الأمر، حين قابلتهما عرضا بضع مرات. تحدثت معهما، محاولاً لملمة عواطف مبعثرة أو في طريقها للضمور، ولكني كنت فزعاً من أن يتطرق أحدهما لما حدث تلك الليلة أو بعدها. وكنت، وبأسى وسخرية، أحس مقدار الذل الراكد في أعماقهما، وكيف كانا يخشيان أن يبادرا لذكر شيء عن الماضي القريب، في الوقت الذي أشعر مثلهما باستكانتي وضعفي وخيبتي.

 منذ خروجي من الحبس، وعلى امتداد عام كامل، لم أقرب الدار، وحاولت جاهداً الابتعاد عن أفراد عائلتي، بالرغم من أني كنت أعمل غير بعيد عن منطقتهم، أو الأحرى وبدوافع مغرقة بالعاطفة اخترت وفضلت العمل في ذاك المكان القريب. كنت أكبح لهفتي وشوقي بكثير من المكابرة كي لا أدع مجالاً للشك لإقناع نفسي بأن ما أقوم به هو الفعل المناسب، وأن وجودي بالقرب منهم لا يعني إطلاقاً الرغبة في إعادة العلاقة معهم، بالرغم من أن ذلك كان يكلفني الكثير من الجهد والشجون التي كنت أسربها ليلاً ببكاء مرّ، ومراجعات صبيانية لمواقف مترددة وعواطف تبدو أحياناً لا حدود لها. وبدا، وفي مرات كثيرة، أني ما عدت أستطيع أن أحمي نفسي من عواطفي نحوهم. ولكن يبدو في قرارة  نفسي أني اخترت القطيعة. ومن خلال سيطرة مشاعر الإحباط نمت لديَّ رغبة جامحة وصبيانية لمعاقبتهم. وددت معاقبتهم بقدر إحساسي بالطعم المرّ للخذلان. وكان يفاقم ذلك، الحضور الملحّ وشبه الدائم لوجوههم ورضاهم الصامت عند خروجي الأخير من البيت. والأنكى من ذلك شعوري بأنهم يتجنبون ملاقاتي مما حدا بي للتحصن بمشاعر صبي مقامر، يستند في كسب الجولة على مدى قدرته في المطاولة. ويتوجب عليه مراقبة مشاعره بصرامة، وعلى وجه التحديد حين أجد نفسي وجهاً لوجه مع أحدهم بمصادفات غير محسوبة،  فأعاملهم بجفاء وغلظة. ووجدت في النهاية وكأنما صنعت سوراً لأمنع نفسي من الاقتراب منهم، وحسبت، وبشيء من الغباء والحمق الصبياني، أنني سوف أسترد كرامتي لو أجبرتهم على اختراق السور وطلب المغفرة عما اقترفوه من ذنب اتجاهي.

 كنت أشعر أحياناً أني أغلّ روحي بعيداً في أثر حلم هلامي، أبحث فيه عن مستقر لروحي المعذبة، ولكني كنت وفي كل مرة أتعثر بخطاي وأجد أني ما عدت قادراً على لملمة شتاتي، وقد بدا لي الأمر وكأن قدميّ  تنغرزان  يوماً بعد آخر في مخاضة لم أقدّر حجمها، أو أن حدودها بدأت تهرب مني.

ومع هذا فقد احتفظت بسخطي بكبرياء مفتعلة ولكن عنيدة. وبمرور زمن ليس بالقصير ظننت أني بعدت عنهم بما فيه الكفاية، وبما يجلب الاطمئنان، على أن وشائج كثيرة لم أعد بحاجة إليها، وقد بدأت تختفي من حياتي.

 ولكن كل تلك الاستحكامات المفتعلة، المصدّات والانفعالات السائبة، كل تلك القلاع والأسلاك التي نسجتها وحشرت نفسي وسطها، بدت هشّة واهنة وباهتة . تهاوت فجأة بحدة جارفة، ووجدتني مرمياً وسط الدار أبكي مثل طفل، باحثاً عن وجه سمية الضاحك، عن غمازتيها الباسمتين، عن صوتها الهامس الرقيق وأحاديثها المبهجة وضحكتها الكتوم. بكيت وكأنما كنت أريد أن أغسل ذنباً ثقيلاً طاغياً لفـّني مثل كابوس مفزع.  ولكن صوت بكائي كان وحده من يملأ الدار، فخجلت وكتمت شهقتي، خنقتها بصمت أصم.

 لم يمض على زواجها غير سنة واحدة حين وجدوها تسبح في بركة من دم قاتم ثقيل. لقد عانت الكثير وكتمت الأكثر. ولذا حزت وريدها. اختارت الموت بصمت دون أن تفصح عما يمور في قلبها الطيب الدافئ. لم تحتمل ذاك اليباس الشوكي الذي يلسعها باستمرار سياط مذلة دون أن تُمنح أي خيار في حياة طبيعية وهادئة.

يتبع

***

فرات المحسن

قصي الشيخ عسكروجدتني أسعى لعالم آخر بعيد عن الواقع والحلم

بهذه الصورة بدات العمل من جديد وعيناي تتصفحان صورة شخص مات منذ اكثر من ربع قرن وقد تأكَّدت موته من شاهدة قبره اذن سيكون هو المسؤول الأوّل والوحيد عن سلوكي في المستقبل

لا أحد يلتفت إلى قصة موته وغيابه

وستعلق به كل خطاياي وجرائمي

حسنا أفعل

قلت  لنفسي وقصدت مكانا ما لايهمّ الاخرين ما هو: خزانة محلّ تجاري.  مصرف شهير. بيت أحد الاثرياء هناك في أيّ مكان كان رحت أباشر السرقة  وحالما فرغت أسقطت في مكان الجريمة صورة ذي الشاخصة الراقد في قبره بسلام. 

بعد دقائق أو ساعات وربما بضعة أيام كانت صورته تملأ الصحف ومحطات المترو والحافلات: تؤكد تحريات الشرطة أنّه مامن جريمة  كاملة وان صورة اللص سقطت في غفلة منه في أثناء ارتكابه عمليّة السطو.

كنت أضحك مما أرى وأسمع كلًّ يتحدث عن السارق والسهو والجريمة وأركانها التي لاتكتمل وذكاء الشرطة .أنا الوحيد أدرك انهم يخدعون أنفسهم كانوا يتعاملون مع مجالي اليقظة والأحلام لم يخطر ببال أيٍّ من المحققين أنّه أسير الزمن البعيد الذي يتمثل أمامنا بشواهد من الحجر

تجاهلت الجميع تماما

فلا أحد سوف يصل الى اللص

وحينما اطمانَّت نفسي الى ان قدرت على أن أمسك الزمن السارق  رحت افكر بصورة لميت آخر وعملية ثانية قد تكون سرقة أو قتل أو نوعا آخر من العنف.وحينما اطمانت نفسي الى أن قدرت على ان أمسك الزمن السارق  رحت افكر بأثر ما لميت آخر وعملية ثانية قد تكون سرقة أو قتلا أو نوعا آخر من العنف.

***

قصة ومضة

قصي الشيخ عسكر

 

لا يمكن أن يبقى الماضي دفينا بالإهمال، بهذه العبارة القصيرة، كان الشيخ الضامر في العمر يُعيد تشكيل ما تبقى من ذاكرته المنسية والمتهالكة. أقسم الشيخ النحيف، أن الشيطان قد حضر في جسم رجل قوي ليلتها، لينفذ جريمة القتل، وإخصاء ألسنة من حضر من الشهود.

كانت تلك الليلة من الليالي المطيرة لفصل شتاء نافض المياه وبوفرة غزيرة. كان البرق يلمع في قلب القبيلة وحواشيها المترامية الأطراف بالإهمال، ومن البرق كان يتحدد شكل البيوت المتناثرة بلا انتظام. في طلقة الرعد المدوية بمنتصف توقيت الليل، تم الإجهاز بالقتل على روح أدرار. وكان القتلة يرددون في أذنيه لم نكن نرغب يوما في أذيتك، لكنك تماديت في محاربة رزقنا اليومي في قبة الضريح،  فلن يُنقذك اليوم منَّا اليوم يا رجل من أيدينا غير الموت. ستموت، وثمة مصير أسوأ من الموت يلحقك بمتسع حياتك الباقية، حين نُبقي الألم يُلازمك في نعشك السرمدي، وأنت حي عند عملية الدفن.

أخوية الشعوذة، تُطلق عنان قوة الشر بحلف القتل والتنكيل المتشعب. تلك الليلة الهوجاء في طقسها، كانت الحرب محتدمة بين قوة بقاء حياة الخير، والقبض على الشر حتى الموت، ولكن هيهات،  هيهات كانت الغلبة لمريدي الموت فهي النهاية التي تزيل الألم من بقايا روح حياة العالقة بنهاية الحلقوم.

حين كان أدرار يحرك عينيه بمتجه القتلة حماة الشر والشعوذة في القبيلة. كان تفكيره ينصب على مصير ابنه مناد، كان يعلم أن محو التاريخ من الذاكرة لن يطوف عليه الخرف ولا النسيان المسكوت عنه، مادامت أحداث القتل مشتركة، ومعلومة.

كان يعلم علم اليقين أن أسرار القبور لن تسرق إلا من نابشي الكنوز، وتبقى الذاكرة ناطقة بما حدث ليلة القبض على الحياة.

تم إلباس الكفن الأبيض لأدرار قبل ممارس شنيعة القتل، وتدمير روح الحياة.  تم تحنيط أطراف جسم أدرار بأعشاب تشل من حركته ومقاومته للشر. كان الرجل بضمير الشيطان، كبيرهم الحاكم بأوامر القتل. أصدر الحكم الواقف على رأس أب مناد، وهو في كفنه لا يزال حيا. كان حكم أخوية الشر بين ظلام الليل وضوء برق السماء، كان الشر ليلتها قد تغلب على الخير حتما.

يقول خادم الشر في أبشع لحظاته القاسية، من اليوم أنت محكوم عليك بالعتمة الأبدية يا أدرار، وسرك لن يكشفه أحدا، غير لمن يحمل دما نقيا من قبلية آيت أمياس. كان أدرار يتمنى لو لدينه مجال من الوقت لينقذ حياته. كان يبحث عن تكسير لعنة الشر، لكنه لم يقدر المواصلة من شدة الشلل الذي نال منه عياء، فخر ساقطا أرضا. حين علم مناد العز من الشيخ الضامر في العمر معلومات ليلة جناية القتل، قال: أحيانا قد  نحتاج إلى وحش غير رحيم ليحارب وحوشا ضارية في الجرم والشر.

3757 محسن الاكرمين

فصل من رواية:عندما يعود الرجال

بقلم: محسن الأكرمين

 

ومرَّ الزّمانْ

كأنَّ الهَوى لم يكنْ بيننا

ولا الحبُّ كانْ

أنا في مكانٍ

وروحي بكلِّ تفاصيلِها في مكانْ

ومرَّ الزّمانْ

**

أما آنَ أنْ ترجعي للمكانْ

فقد أزهرَ الحزنُ في كوكبي

وغطّى الدّخانْ

فلم نستطعْ نظرةً من مدانا القريبْ

أجيبي سؤالي الذي مالهُ من مُجيبْ

لمَ الشمسُ غابتْ قبيلَ المغيبْ؟

كأنّا ولا شيءَ كنا

ولا شيءَ مِنّا قريبْ

لقد كنتُ حتى حلولِ المغيبْ

بعينيْكِ أغلى حبيبْ

أنا ما توقَّعتُ يأتي زمانْ

تقولينَ لي أنتَ شخصٌ غريبْ

وما أنتَ منّا

فسالَتْ على وَجْنَتي دمْعَتانْ

ومرَّ الزمانْ

**

فأصبحتُ وحْدِي حزينْ

أردِّدُ ما كنتِ في مَسْمَعِي تَهْمِسِينْ

تقولينَ لي لاتقارنْ بكَ الآخرينْ

فأنتَ الحبيبُ الذي رافقَ الرّوحَ

كلَّ السِّنينْ

فصدّقْتُ مثلَ الجَنينْ

وقد تِهتُ في عاصِفاتِ الحَنانْ

ومرَّ الزّمانْ

**

فياليتَ علَّمْتِ روحي السكونْ

وياليتَ أعْطَيْتِ قلبي الأمانْ

وياليتَ علَّمْتِ هذي الجُفُونْ

طريقاً إلى رَقْدَةٍ للعيونْ

وياليتَ علّمْتِ هذا اللسانْ

أنا مَنْ أكونْ

وياليتَ  أنّي

عَرَفْتُ المقاديرَ في ذاتِ يومٍ

ستُقْصيكِ عنّي

عرَفتُ النّهايةَ  في لحظةٍ ما

ستُخْفيكِ منّي

فياليتَني يا جميعَ المُنى

تعلمتُ منكِ التمنّي

ولم أتعلّمْ  تَبَنّي المكانْ

ومرَّ الزّمانْ

***

وحيد خيون

٢٧/٢/٢٠١٨

امان السيد (القاهرة- مسرحية من ثلاثة مشاهد)

المشهد الأول:

(في التاكسي).

مروة: هاهو مكتب الطيران.. لقد وصلنا.

أمان: الحر شديد والازدحام خانق .

مروة: إنها القاهرة يا عزيزتي.

أمان: هل أنت متأكدة أنه مكتب الطيران الذي نقصده؟ انظري ماذا يفعل هؤلاءالشبان، لماذا هم يصرخون ويزدحمون أمام التاكسي؟ ماذا يريدون؟

(صمت من مروة وهي تحاسب سائق التاكسي).

**

المشهد الثانــــــي:

(ازدحام وتصايح وعراك بالأيدي أمام التاكسي الذي يقف أمام مكتب الطيران المصري).

الشاب الأول: ابتعد من هنا..

الشاب الثاني وهو يسدد لكمة إلى الأول:

ومادخلك أنت؟ أنا أدل السيدة على مكتب الطيران.

مروة: المكتب أمامي لا أريد من يدلني عليه.

شاب ثالث يصيح:

- سيدتي مكتب الطيران هناك في الشارع المقابل.

الشاب الأول يكمل: إنها العمارة الثالثة على اليمين.

(مروة وهي تكاد تنصاع لكلام الشبان الثلاثة:

- هيا بنا يا أمان يبدو أنني أخطأت، لنذهب إلى المكان الذي يدلنا عليه الشبان، أنا لا أعرف القاهرة كثيرا..

أمان: لكنني أحس أن في الأمر شيئا غريبا، أشعر أن المشادة مفتعلة!

(تتردد مروة بين مايجري وما يمكن أن يكون صوابا).

(يناديها رجل يبدو جالسا على كرسي أمام لافتة كبيرة تحمل اسم مكتب الطيران).

الرجل: سيدتي، إنه مكتب الطيران المصري الذي تنشدينه، ألا ترين اللائحة الكبيرة، لا تستمعي إلى ما يقوله أولئك الشبان!

مروة (محتارة): هل أنت حقا تقول الصدق؟

الرجل: سيدتي ألا ترين لباسي؟ أنا هنا الحارس المسؤول كيف تنصتين إلى شبان أغراب يكلمونك في الطريق، ولا تنصتين إلي؟!

(تدير مروة، وأمان رأسيهما فلا تريان أثرا للشبان).

**

المشهد الثالــــث:

(في مكتب الطيران عند المديرة المسؤولة، تجلس أمان واجمة كمن فاجأته مصيبة!)

المديرة سونيا سيدة أنيقة تتجلى عليها آثار نعمة لا تخطئها العين، وتبدو هادئة جدا).

المديرة: هل تريدين تغيير الحجز إلى يوم الغد؟

مروة: نعم يا سيدتي.

المديرة: الحجز إلى دمشق، ولكن ثمن التذكرة سيزيد أربعمئة وخمسين جنيها.

هل هذا يناسبك؟

مروة (تلتفت إلى أمان التي تجيب بهزة من رأسها تؤكد الموافقة).

المديرة وهي تثبت الحجز:

- لماذا سيدة أمان يبدو عليك الحزن؟

(تسكت أمان).

مروة: إنها مذهولة مما حدث أسفل أمام المكتب!

المديرة: وما الذي حدث؟

مروة: يبدو أننا كنا عرضة لمصيدة أو فخ قذر! ثلة من الشبان رغبوا بصرفنا عن المكتب إلى مكان آخر لولا الذي يقعد أمام الباب، ولا أخفيك أني كدت أنصاع إليهم!

المديرة: إنهم محتالون.

(تدير المديرة سونيا قرص الهاتف، وتكلم تكلم أحد المسؤولين، ويظهرمن حديثها أن المشكلة تتكرر دوما.)

المديرة: سيأتي من يهتم بالأمر. سيدة أمان أنت في مصر ابتسمي، لا شيء يستحق هذا الحزن!

أمان: القاهرة بلد رائع رغم كل شيء!

(أحد الرجال في المكتب جالس ينصت، وإذ به يتكلم موجها الحديث إلى السيدة سونيا)

- سيدتي المشكلة هي هي منذ أربعة وثلاثين عاما! إنها دائمة ولا يمكن أن يكون لها حل.. ستأتي الشرطة، وتأخذ الشبان، وبعد ثلاثين دقيقة سيعودون ويمارسون العمل نفسه.. لا تستغربي سيدتي، إنهم أكثر من عصابة تحتال على الغرباء، وتبيعهم تذاكر وهمية، وقد يسرقون، ويعتدى عليهم أيضا!

(تنصرف السيدتان أمان ومروة ذاهلتين، وفي الطريق لا تجدان أثرا للشبان).

رجل آخر متوسط العمر ينبثق فجأة أمام السيدتين:

- سيدتي هل تريدين مكتب الطيران المصري؟ إنه هناك فقط اتبعيني!

***

أمان السيد

من أرشيفي، كتب في اللاذقية

 يوم ‏الجمعة‏ 25‏ حزيران‏ 2010

(ليس الحب أن تخسر نفسك

ولكن الحب أن تجدها)

***

ومرة أخرى

ها أنت

في وضح الذبول

تجيء

نحاسيا كما الصدأ

وبشبه حياد تلوك خيبة ما

بينما يغرق ظلك في الرمل

والانتظار

**

(هذا البحر يتصبب عطشا)

يمر نورس شفاف كما الحلم

تسأله عن موعد الريح

يرد:

"الريح لا تراقص إلا الروح

خفيفة.. خفيفة مثلها

ضع عنك قلبك كي تصير خفيفا"

- أو تحملني إلى ما أشتهي؟

- إن كان في داخلك

**

(يغرق الظل أكثر)

وهذه أنا

على قرابة زفرة

أقتفي رغبة ما

..

يتعثر ظلي بظلك

فأ

ه

و

ي

داخلك

**

(ما وجدتك إذ وجدتك ولكنّي وجدت نفسي)

الحب هو وجهك

هو القمح المنثور على صدرك العاري

هو عيناك إذ تستعران باللهفة

هو صوتك إذ تقول في سرك: لعلي أحبها

فيرتعش قلبك كسنونوة

الحب سنونوة تغرد خارج ربيعها

أو ربما نونة موسيقية تتزحلق على مفتاح صول

نشوى ..إذ تحاكي ضحكتي

- كم تتمنّاني؟

- حدّ الانغماس في ضحكتك هذه .. حدّ التشابك

**

الحب هو قلبي وقلبك إذ يمتزجان

فتعال أضمك إلى روحي

ولتمتلئ بي!

***

إيمان بوطريعة

لا تتوقّفُ الساعاتُ لحظةً

عن مثابرتِها

في إحصاءِ الدقائقِ والثواني

مُبديةً حسرتَها

على الوقتِ الذي يضيع

كذلك يتدفّقُ النبضُ

في شرياني

أُحصي أيّامي

فأراها من دونِكِ

فصولاً من دونِ

ربيع

*

كما في كلِّ مرّةٍ

حينَ يحتدُّ بينَنا خِصام

أجدُ نفسي أسقطُ

في هاوية

فيأتي من الأفقِ نسرٌ

يفردُ لي مكاناً

فوقَ الغمام

مفكّرةُ النهر

يحتفظُ النهرُ بدفترِ مذكراتٍ

يسجّلُ فيه وقائعَ يومياتِه ، وهو قد حرِصَ على تبويبِها وأرشفتِها، فهناك بابٌ أثيرٌ لديه يتعلقُ بالنزهاتِ التي يقومُ بها العاشقون على ضفّتيه ومواساته للمحزونين المهجورين منهم، وهناك بابٌ للأطيارِ وألوانِها وزقزقاتِها التي تحطّ على الأشجارِ وأفردَ باباً لصيّادي الأسماكِ وشؤونِهم وشجونِهم ومواويلِهم وقواربِهم وهناك بابٌ مغلّفٌ بالأسى والحزن يتعلّقُ بالفتيةِ الصغارِ الذين تهمسُ الجنّياتُ في آذانِهم فيغرقون فيه، كما رتّب باباً للأسماك والسلاحف والضفادع والسرطانات التي تجد مأوىً لها فيه وكذلك الطيور المائية ولا سيّما النوارسُ  بيد أن أكثرَ ما كان يتوقفُ عندَه ويستحضرُهُ البابُ الذي دوّنَ فيه وقائعَ زمنٍ مضى وانقضى يتعلّق بالنسوةِ اللواتي كنّ يأتينَ إليه زرافاتٍ لغسلِ متعلّقاتِ المنزل .

الثنائياتُ هي ما يُعطي

الأشياءَ قيمةً ومعنى

الطائرُ له جناحان

الميزانُ: كَفّتان

الحبُّ: طرفان

النهرُ: ضَفّتان

العملُ تُنجزُهُ يدان

فما للأرضِ لا يدورُ

في فلكِها

قمران ؟

*

لم يجد لقلقٌ

مكاناً يبني فيه عُشَّهُ

سوى رأسي

قلتُ: مرحى بكَ ضيفاً

قال: سأتنازلُ لكَ

عن اللام

***

أحمد الحلي

يا عيد لا  تقبلْ فانكَ قاتلـــــي

فمُعايدي يدري بما في داخلي

*

شوقٌ كما النيرانُ  أحرقَ خافقي

فبأيِّ أحداقٍ يطيبُ تواصلي؟

*

يا عيد كــــم أوجعتني برحيله

فإذا بصخر الحزنِ يُثقِل كاهلي

*

لا تطرق الأبواب دعكَ من التها

ني والأماني انني فـــــــي شاغل

جاري، صديقي، إبن امي، عزوتي

شكرا لكــــــــم من نبضِ قلبٍ قاحل

*

أغلقت بابي واصطبحت بظله

وخشيت ان احظى بدعوة آملِ

*

مازلتُ يا "حسنُ" الحبيبُ مكذّباً (*)

خبرَ الرحيل وفقدَ عمرٍ كامل

*

وبأن وجهك لا يحلُّ ببيتنا

فإذا بدارِ الأنس دارُ ثواكلِ

*

وبأن غرفتك الاثيرة اسدلت

استارها حـــــــــزنا لفقدٍ هائل

*

لم يطفئ الأحزانَ مقدم "لولةٍ"

و"هيا" تداعبنا بخصرٍ مائل

*

ابكيك ما بقتِ الدموعُ بأعيني

أو آذنتْ شمسٌ بصبحٍ زائلِ

*

عيد فلا عيد بغيبة باســـــــــق

طربت لضحكته ورود خمائل

*

إفـــــرحْ بعيدا لا أريدك حانقا

جاري صديقي انني في شاغل

***

د . جاسم الخالدي

....................

(*)  "حسن" هو الفقيد المرثيّ ..

"لولة" و"هيا" حفيدتا الشاعر ..

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م