نصوص أدبية

نصوص أدبية

دَفنْتُ كلَّ أسْراري

في تُربةِ ذاكرتي المَنسيّةْ

على قدْرِ جنوني أنطَوي خجلاً

فالملائكةُ كلّما استبدَّ بها حريقُ الشَّمسِ،

حلّقتْ في الريحِ

تسْتجدي الغَمامْ..

لا الاحتراقُ يليقُ بها

ولا التّرابُ يحضنُ وجودَها!!

على قدْرِ جنوني أَبْتَعِدُ

إلى الوجْهَةِ المعاكِسةْ

حيثُ ظلُّكَ،

في الطَّرفِ الآخَرِ من قِبلَتي

تلك التي لا يعرفُها أحدْ

على قدْرِ جنوني أُكابِرُ ..

لمساحةِ حريّةٍ أتوق للسباحةِ فيها

حتّى غَرقي في أمواجك العاتيةْ،

حتّى تَبَخُّري

في سماءِ روحِكَ البعيدةِ،

القريبةِ .. القريبةِ.. القريبةْ ..

حتّى استوائي على عرِشِ الشِّعرِ

بلا أحرُفٍ أو قوافٍ

أُحَدِّقُ في أعيُنِ الصَّيفِ و هي تتلظّى

مِنْ تَراكُمِ أمواجِ العشّاق الناريّةِ

في حَدَقاتِه المُتلألئةِ بالضوءْ...

لا أجيءُ إليكَ أبداً ..

تلمحُني كسرابٍ أو مومياءٍ

أو ملكةٍ مهزومةْ ..

أنا تَراكُمُ تاريخكَ

و ذرَّاتُ مستقبلِكَ

المعبّأ برمادِ جثتِكَ القادمةْ ..

لا تحترِقْ لأجلي ..

لا تَمُتْ على عشْبِ قصيدةٍ

حفرَتْها شَفتاكَ يوماً فوق جسَدي

لأنَّكَ فيَّ سيمفونيةُ الموتِ والبعثِ معاً ..

رمادُكَ ناري

وبوصلتُكَ قِبْلَتي

و خسارتُكَ معركَتي الرابحةْ...

في كُلِّ ركنٍ أعصفُ فيكَ

أُقبِّلُ أجزاءكَ المتناثرةَ في أجزائي

نُصبحُ بلّوراً من قُبلاتٍ سامقةْ...

يصيرُ بلّورُنا ماءً عذْباً،

عسَلاً

وأنهاراً من بنفسجٍ

وأمنياتٍ مجنونةْ..

هي جنَّتُنا الباقيةُ

على هذهِ الأرضْ ..

**

لا تعبأْ لجنوني المُستباحِ

من تاريخكَ المكنونِ فيَّ

هُنا نرقدُ بسلامٍ معاً

أمواتاً .. أحياءً .. لا فرقَ

طالماً أننا معاً

نَستنشقُ عبيرَ الإلهْ

في جنّتهِ العليا من العشق الخارجِ

عنِ أسوارِ الموتْ!!

***

شِعر: إباء اسماعيل

 

لم ألتفت حتما إلى أي من الشروط الواردة في النص الطويل الذي وضعوه بين يدي كنت متعجلا أمر خلاصي فقرأته من دون تأمّل وعبرت بعض فقراته. وقد بدت لي هذه الأرض طيبة بجوها وزرعها وناسها وحيوانها الأليف الذي يربونه في البيت.

هكذا فعلت فذيّلت أسفل الورقة بتوقيعي وكأنّي فهمت دستور البلد بكامله..

كنت قدمت من بلاد عنيفة، وهنا في هذه الأرض الطيبة طلبت الأمان. قلت لهم إن أنا عدت إلى بلدي واجهت عقوبة الموت أو السجن فأشفقوا علي قبلوني على شرط أن التزم بقوانينهم التي قرأت على عجالة وذيلتها بتوقيعي.

بهذه الصورة تم الأمر بيسر وسهولة حتى أني لم أتخيلما أصبحت فيه من حال جديدة وثقة بالنفس.

وجدتني أتنفس الحرية في كل مكان: الشارع والمحلات العامة ودور السينما والمسرح، أماكن حرمت منها في بلدي ولا يضايقني شئ حتى نظرات الناس الغريبة الي تحققت من أنها نظرات إعجاب لاشفقة ولا ازدراء

عالم غريب عجيب أعيشه في هذه البلاد والأعجب فيه رئيس البلد أو الملك كان وسيما اصلع دائم الابتسامة لا اثر له إلا تمثال من البرونز في الدّوار العام منتصف البلد. وأقسم أني رأيت مرة طائرا ما يقف على صلعته ويذرق وسمعت أحدهم يقول هذا أصل الحكمة التي جعلتنا ننعم بالسلام والازدهار . أصل الحكمة أن يقف طائر على تمثال كبير البلد الذي نادر ما أرى له صورة في وسائل الإعلام. كنت أتأمل التمثال والناس يتأملونني ويتأملونه يشيرون إليه بنظراتهم وإلي وقد اصبت بإحباط شديد وكدر حين اندلعت الأخبار مثل النار فجأة تُعْلن وفاة الرئيس الاصلع أو الملك.

كان يبدو أنه كبير السن تركت وفاته اثرا في وجوه الرعية تعابير وجوههم.. الدموع المكبوته.. ملابس الحداد.. إنهم يبكون بصمت ثم ينظرون إلي بارتياح

النظرة نفسها التي لم تتغير

بدأت اشك

لو كنت علامة شؤم لما قابلوني بمثل هذه النظرة الحانية المتفائلة الودود

لم تكد أيام الحزن تنقضي حتى استوقفني كبير مجلس الحكماء وطلب مني القدوم معه إلى قصر جلالة الملك الرئيس دخلت القصر الذي مازالت مراسم الحزن ترتسم

كانوا سبعة مع المبعوث الذي اقتادني إليهم نظروا إلي بمهابة أشار إلي كبيرهم بالجلوس فجلست ثم بدأ الكلام: ذكرني أني حين دخلت البلد وافقت على كل شروطهم ومنها قضية الرئيس الملك الناس ينتخبونه فيبقى مدى الحياة فهو ملك رئيس فهمت أن الصلع عندهم نادر وهو علامة على النبوغ والعبقرية والكفاءة.. كل نصف قرن أو أكثر ترزق البلاد بمولود يصبح فيما بعد أصلع ولا يقدرون أن يخادعوا أنفسهم فيحفوا شعر راس أحدهم ليصبح ملكا رئيسا لكنهم تفاءلوا بي منذ دخلت البلد طالبا منهم أن يؤوني فقبلت شروطهم التي من بينها أن أصبح الرئيس في يوم ما مادمت الأصلع الوحيد في هذا البلد بعد الرئيس الحالي.

فهمت الآن لماذا كان الناس ينظرون إلي بإعجاب شديد وأدركت أني كنت ابدو لهم حالة نادرة سوف يحتاجونها في يوم ما لقد أنساني شعوري بالحرية واطمئناني إلى أني لم التفت إلى ناس ذلك البلد. كانوا جميعهم ذوي شعر كثيف وليس هناك بينهم أحد أصلع.. شعر أشقر

أسود

بني

ولا أحد أصلع مثلي

ومع كوني الأصلع الوحيد في هذا البلد

إلا أني لم أكن لأكلف نفسي فأقرأ الشروط التي قبلت بها ذات يوم بإمعان ومنها أن عليّ أن أصبح الرئيس الملك في حال وفاة الرئيس الملك الحالي مادمت الأصلع الوحيد في هذا البلد وليس لي منافس آخر..

***

قصة قصيرة

قصي الشيخ عسكر

 

الاهداء: الى أختي المرحومة جنان أم كمال

في الذكرى الثانية لرحيلها

***

(1) مكان

بيْنَ ثَـرى قَـبْرينِ(1)

مكانٌ فسيحٌ

لِـروحي !

*

(2) في رحيلك

في رحـيلكِ

سيتوقفُ السّردُ والشّعـرُ

لكنَّ الدموعَ حَـتْماً ستكملُ الحِكايَة !

*

(3) دفء

في شتاءٍ زمْهَـريرْ

كُنا نفـترِشُ أرواحَنا

على الحَصيرْ

ونتدفّأُ بصوتِ نبيّ غادَرَنا مُبكراً

وتركَنا نلوذُ ببيتِ الطينْ

صِغاراً نواجهُ المَصيرْ !

*

(3) خسارة

كُلما زادَ عُـمرُنا

كثُـرتْ خساراتُـنا !

وكُلّما اقتربْنا منَ التّرابِ

تكثـرُ تضحياتُـنا من دونِ حِسابِ !

*

(4) مساحة

كُلّما اتسعَ العُـمرُ

ضاقَـتْ مساحاتُ الطفـولةِ

وتوسّدْنا الذِّكرياتْ

*

(5) انتظار

بينَ ..

زِحامِ المَحطّةِ بالذكرياتِ

ووحشةُ الطّريقِ بالآهاتِ

ظلّ حمدُ ينتظرُ (الريل)

الذي لنْ يأتيَ أبداً !

***

د. ستار البياتي - كركوك

في 16/9/2020

...........................

1. القبران هما لأمي وأختي متجاوران في مقبرة سيد علاوي في كركوك .

سأبكي بهدوء

ذكرى عبرت بخيالي

سأغني لأطفال مروا

ذات زمن من أمامي

ورفعوا أيديهم

بتحية النصر

سأرنو إلى

هناك حيث تعلمت الحب

وقرأت الفاتحة وأنا أنتظر

حبيبتي

هناك حيث البجع الأبيض

يرقص في البحيرة

وزهر النرجس مكبا على وجهه

يسأل نمسيس عن الفتى نرجس

هناك حيث كنت أصافح السنديانة

العجوز

وأبعثر كيس حماقاتي عند أقدامها

**

هناك حيث كنت أنتظر الشفق

يصبغ السماء

أقرأ المعوذتين

وأدعو الله أن تطل حبيبتي

لا تأتي حبيبتي ،ويأتي المساء

ينكسر خاطري تتشنج روحي

بعيني الخضراوين أصافح يد الحلم

وأشرب نخب أيام هُلَامِيّة عارية

**

لن أسأل اليوم عن شيء

فقد صرت أعيش على فتات

ذكرياتي

أخترق جدار الزمن الجِلْف

أغتسل في البحيرة مرتين

ثم أتعطر بزهر البرتقال

وأستحضر حبيبتي

أستحضرها عبيراً

أستحضرها نسيما وشوقا

وأضمها إلى صدري

أعلنها أميرة بحذاء زجاجيّ

وقفازات بيضاء

وأدعو الفراش إلى مأدُبَةِ

رحيق

**

لدي الكثير من الأشياء

الجميلة

لدي حكايات غرائبية

وطفولة يسكنها الوجع والفرح

لدي وجه أمي المطبوع في ذاكرتي

وابتسامة أبي المحلقة كسحابة تظلل

طريقي

لدي حبيبتي تجمع شتات نفسي

وتضبط نبضات قلبي

***

محمد محضار

  شتنبر 2022

لا بدّ من أَلمٍ لتتورّد خدود الشّعر.

المُدّعون الذين يحملون توابيته كل يوم، يُجهضون لغتي

لكنّني سأكون وديعة في المعنى كما ينبغي

سأُربّت على أوجاعه

وأرسل الغبطة في عناوينه…

ثمّة ألم فصيح يقودني اليه

ثم يلوي لساني

فجأة لأقول ما لا أعني…

أَنّنا حين نكتب انّما نتدرب على ابتلاع الوقت

وأَنّ خطواتنا ثابتة على الطرقات الطويلة

(ويقيننا انّها اقصر من ذراع)

وأنّ الأشرعة تُوجّه الرّياح أَنّى نشاء

*

لي خيبة هنا وخيبات هناك

تسيل الافكار على رصيف بارد

ألتقط نفساً اخر وامضي في ما أدّعي

***

 أمل جبارة / تونس

أرضيَ خضراء لولا أنْ

مَنعنا عنها الماءْ

*

الماءُ الذي يهرب مِنا

دون عَناءْ ، بل دون

أدنىٰ عَناءْ

*

لأننا لسنا كُرماء بما يكفي

لنبني له مَضافةً

تُشبهُ السد

*

ليبيتَ لَيلتهُ فيها

فيفيضُ الماءُ علىٰ السدِ

وضفافاً تَغرَقُ في المَدِ

*

ويموجُ الماءُ علىُ الشُطآن

ويُغني الطيرُ علىٰ

الأفنان

*

في مَشهدٍ لايعدُو حُلماً

في اليقظة أورثني

ألماً

*

فَضِفافي ماحِلةً مصفوفةً

بالشجَر والشجرُ

ينتظرُ النَهَرْ

*

والنهرُ يحتضنُ المدرْ

والـمدرُ ينتظرُ المَطَرْ

*

والمطرُ لايأتي أحياناً

والـحلمُ يبقىٰ بستاناً

*

فليس من المعقول

أن نبني سداً ونحن لم

نزَل في أول عشرين عاماً

من البُخلِ

*

وبناءُ مَضافةً للماءْ

تحتاج الىٰ أن نكون

كُرماء

*

اذن لامطرْ ولانهرْ ولا شجرْ

وذنبٌ عسىٰ أن يُغتفر

*

وندعو جميعاً دعاء المَطَر

من فوق مبنىٰ البستنة

لأن فيها حسنة

*

فمديرها أيجابي ويستقي

ويُغرِق الروابي

*

فنُسقىٰ غياثاً ونَجني الثَمَرْ

فلا فُراتاً يزور الفُرات

ولا دِجلةَ تشتفي

من كَدرْ

***

بقلمي: فاضل الجاروش

5/6/2022

يزداد بطنه ضمورا يوما بعد يوم. كل صباح يكتشف أن حزامه ازداد طولا وأن ثقبه توشك على النهاية. لم يبق منها إلا ثقبة واحدة. وغدا سيضطر إلى اصطناع ثقب أخرى لحزامه، فالبطن مستمر في الامتداد نحو عموده الفقري. وسرواله المتهرئ في اتساع لا يقوى على مقاومته. لو كان يملك ثمن سروال من سراويل الخردة لاستغنى عنه واقتنى غيره. ما أغرب الدنيا. ها قد تحولت في نظره إلى سلسلة من الثقب. كل يوم توشي حزامه بثقبة جديد...

ما زال عثمان يحاول هضم مأساته.. سلموه ورقة ودفعوا له مبلغا من المال، وقالوا له بلفظ عار من أثواب الكناية والاستعارة:

" أنت مسرح من الشركة. لقد باعوا الشركة لمستثمر أجنبي.

" وما ذنبي أنا يا سادتي "

و صرخ، وأزبد، وبكى وضرب بقبضتيه، وناصيته الجدار، ولكن، لا احد هاله أمره. وقعت الواقعة، وباع السادة، وقبضوا ثمن البيع،

قال عثمان:

"كان عليكم أن تبيعوا أجسادنا أيضا في مزاد الشركة.

هناك بين جدرانها وآلاتها،في كل زاوية من زواياها.وفوق كل ممر من ممراتها ما زالت رائحة عرقه تفوح. زفرات الفصول الأربعة. رنين صوته. وقع قدميه.نظراته الممتدة عبر البراغي وضجيج المحركات،كلها تملأ المكان،كان يعمل ليل نهار،أعطى كل جهده ووقته لأجل أن تبقى الشركة واقفة.فالوطن في حاجة إلى إنتاج وفير،من أجل الاكتفاء الذاتي

مازال يغالب الصدمة،ويحاول أن يصمد في وجوه فقدت الحياء والوطنية الصادقة. يقاوم مزاحمة البطون المنتفخة، وقوانين الرفس والسحق.

قال عثمان، والغضب ناره تتلظى:

- ولكن من خول لكم بيع الشركة للأجنبي؟

- قانون المزاد

- أنتم يا سادة تبيعون ما لا تملكون، هذه الشركة ملك لنا

- لقد أفلست، هي لمن يدفع أكثر؟

- أفلستموها من أجل بيعها. ونحن، ألم تفكروا في بيعنا؟ أم أننا لا نصلح للبيع في المزاد يا سادة؟

وازداد الحزام طولا، نفدت الثقوب، دكنت الألوان في عينيه. عليه بشد الحزام استعدادا للإقلاع نحو الجحيم.. باعوا الشركة وقبضوا المقابل، وليذهب عثمان إلى سقر.صار همه الوحيد مراقبة الحزام كلما لفه على خصره كالمشنقة في انتظار بزوغ فجر جديد؟ سينفق كل يوم دقائق معدودات في مهنة شد الحزام، والاعتناء بثقبه مرارا وتكرارا قبل مغادرة  منزله المعلق في صدر المنحدر. فقد تحتم عليه تفحصه جيدا كل صباح ومساء، مرة،مرتان،ثلاث مرات، دون كلل أو ملل أو تماطل.ومن أوجب الواجبات حمل مسمار حاد وحجر صغير في جيبه، فالحزام عرضة للاتساع في كل دقيقة أو ساعة أو يوم.وماذا بمقدوره أن يفعل لو أن سرواله الفضفاض هوى وفر من جذعه وسط زحمة الكتل البشرية ذات الأحجام المتناقضة، الغارقة في وحل المسافات، وهي تمارس لعبة الذهاب والإياب والصعود والنزول بشراهة الاندفاع؟ الاعتناء بالحزام واجب مقدس،والحرص عليه أمر لا يمكن التهاون فيه وإلا تحول في برهة إهمال إلى جثة عارية كيوم ولدته أمه،ويا لها من لحظة قاسية لا يقوى على تحملها جسده النحيف،وقلبه الكليم؟

سيقول عنه المارة أن المخلوق قد جن،أو أنه فقد نعمة الحياء، أو من سلالة دعاة العري؟ فتعتوره أيادي المارة اللينة والخشنة بالضرب على قذاله،والصفع على وجنتيه الذابلتين كأرض شهباء،والركل على مقدمته ومؤخرته؟ فيتحول إلى كرة وقعت فريسة بين أرجل لا تحسن اللعب؟

ازداد حزامه طولا، أمسى سلسلة من الثقب، بالأمس القريب فقط حمل السلاح على كتفيه العريضتين وخاض المعارك الضارية، وجاب الرواسي الشامخة والفلوات والسهول والوديان،وحزامه العريض مرصع بالقنابل والرصاص، طرد المحتل الغاصب وافتك حريته الحمراء.. انتزع أغلى الثروات من مخالب اللصوص والمرتزقة والغزاة وقراصنة القرون الوسطى..

قيل له: هي ملك لك ولأبنائك؟

انزرعت الأمنية في قلب أطربته الكلمات المعسولة، لم يذق طعم الراحة، لا هم له غير العمل ليل نهار من أجل صيانة وطن العزة والكرامة؟ لكن هيهات ما بين أناشيد النهار وأحابيل الليل؟ بعد أربعة عقود من الجد والكد، قرر سادته بيع الشركة في المزاد العلني، ليعود عدو الأمس ممتطيا صهوة المزاد؟

ها قد صيروه عصفورا منزوع الخوافي والقوادم. في البدء قالوا له:

- هي عملية تطهير.

فقال عثمان:

- وما الطهارة يا سادة؟ لقد كبرنا على هذا الأمر يا معشر الحكماء؟

قالوا:

- لا تقلق يا عثمان ما هي إلا عملية لمسح ديون الشركة.

- ما أحلى الطها رة،كم نحن في حاجة إلى تطهير العالم من نجاسة سفك الدماء بغير حق، ما أجمل العالم بدون فقر وتسول ورشوة وحقرة وقائمة طويلة من النجاسات البدنية والعقلية والنفسية؟ لكن يبدو أن الأمر حلم..

ثم قالوا له:

-هي عملية هيكلة.

فقال عثمان:

- فعلا هياكلنا أصابها الوهن والعيب والشيب؟ فلا بد من عملية جراحية تعيد الشرايين والأوردة إلى منابعها ومصباتها الحقيقية؟

ثم قالوا بنبرة ابن آوى:

- لا بد من خصخصة الشركة.

ولم يفقه كنه ذاك المصطلح، فهو يعاني ضعفا وقصورا في فهم المصطلحات الجديدة التي ما انفك السادة يرددونها؟

سأل عثمان أهل اللغة والفهم:

- ما الخصخصة يا سادتي؟

- هي كلمة ضد العمومية؟

وبدأت الشكوك المؤلمة تتسلل إلى هوة النفس فتتوش ما بقي من نوافل الصبر والطمأنينة والقلق يتخطف قرارة العين تحت جنح الدجى،وعاصفة الهم تزعزع عرش الروح البريئة

بعد أيام زعم السادة أن الشركة أفلست،ودبروا الأمر بليل،عزموا على بيع زبدة عرقه ودمه ورائحة جسده المنهك، أيقن المعلق من عرقوبه أن نكهة الخبز قد ضاعت في دواليب حالكة تتيه في غياهب زرقاء اليمامة؟ها هي النار تمتد وتمتد لتلتهم سنابل القمح قبل استوائها وثمار التين والزيتون والبرتقال والعنب والنخل والرمان قبل نضوجها..

لم يعد عثمان يملك سوى حزامه الذي أنهكته الثقوب ووخزات المسمار؟

و تتسع دائرة فزعه من قدوم يوم أغبر، بل هو متوجس خيفة من شهوة البيع، تراءى له أن السادة ة لن يجدوا ما يبيعونه سوى حزامه؟ يومها سيقاوم بكل جوارحه الظاهرة والقاطنة، لن يساوم أبدا مهما كان الثمن. أو ربما فر جسده من دائرة الحزام،ولن يجد خصرا يعانقه، وينتصب عثمان بلا جسد بعدما ابتلعته دودة الفقر.

سيقول له السادة الأفذاذ:

- وما جدوى الحزام يا مخلوق، سر على أربع وكن كما خلقك الله أول مرة؟

يصرخ دون انتظار كمن لدغته عقرب سوداء على حين غرة:

- لا،لن تبيعوا حزامي مهما حاولتم.

- وما جدوى الاحتفاظ به يا مغفل؟

- سأقيد به كومة الأحزان لئلا تحرق حقول العشق الصوفي قبل فطامها؟

- هيء، هيء، ها،ها،ها،

- وأجلد به سوآتكم،وأشد به على قلبي،وأجعله أسورة في معصم الوطن؟

- ها، ها، ها، هيء، هيء، هيء..

مازال الحزام يواصل مسيرته بخطى حثيثة، والثقوب تتناسل وتتدافع دون هوادة وعثمان ينتظر بمرارة وشغف عودة الحزام إلى سيرته الأولى .

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي - الجزائر

 

رثاء الشاعرة الراحلة

فاتن عبدالسلام بلان

***

أيا وجعَ الشعرِ على فاتــــــنٍ

كمْ ستبقى على الفراقِ حزينا

*

تُذكرنا القوافي كل حيــــنٍ

وتوقظنا القصائدُ إن نسينا

*

فنصحو رغمَ فاجعةِ المماتِ

ونذرفُ دمعَ أحرفها سخينا

*

وننصتُ لأعذبِ أنغامٍ تناغتْ

تُشنفُ سمعنا رغمَ الأنينا

*

تُرنمها علـــــى أوتارِ قلبٍ

كسيرٍ يَعُدُ بكاءَهُ اثماً مبينا

*

يقولُ أنه ما مسهُ وصبٌ

أو شابَ ايامه كدراً وطينا

*

تذوبُ قائمة كالشمعِ يذوي

ويسرقُ ضؤهُ شيئاً ويعطينا

*

على عذاباتكِ أسفاً بكى الألمُ

وعلى قبركِ نثرَ الدمعَ رياحينا

*

يا أرزةٌ أرهقتها ريحُ الشتاءِ

عصفتْ عليها فما التوتْ لينا

*

هناكَ بمملكةِ الشعرِ أنتِ أميرةٌ

تهفو اليكِ قلـــــــــوبُ العاشيقنا

*

تجسدُّ الحبُ إنساناً بفاتنةٍ

فألهمَ روحها وهجَ المحبينا

*

والقى مــــن نارهِ قبساً كبيرا

في قلبِ كامليا* تألقاً وحنينا

*

كانت لنا الأوطانُ يوماً

بيتاً نلوذُ به ويؤينـــــــا

*

وأصبحت اليومَ بعدَ الخرابِ

ناراً تُحرقنا وتُصلينـــــــــــا

*

درجنا فوقَ تربتها سنيناً

والى المنافي تَدفعُنا وترمينا

*

حزِنا لفراقكِ ملئ القلبِ صمتاً

جفتْ دموعكِ في مآقينا

***

صالح البياتي

...................

* أخت الشاعرة ألراحلة فاتن عبد السلام بلان.

رَغمَ أنِي

تَهَافْتُّ على قراءتِهِ

مذْ كنتُ طفلاً

أتَذكرين...؟

كنّا نَستَرقُ الزَمَنَ

عندما نَختَزلُ الساعاتِ

بقُبلةٍ

نعمْ، بقُبلةٍ

ببسمةٍ

بسمةٍ مِن شَفَتِيكِ

ما أطَولَهُ، الوقتُ

مابينَ السابعةِ إلّا خمساً وتمامِها

يتَّسعُ مداها

لتُصبحَ دهراً

كمُرُورِ يَدي على صفيحٍ ساخِنٍ

وأنا أرقبُ مرورَكِ

أمامَ نافذَتي

أهيَ الْنسبِيَّةُ

التي تَحَدَّثَ عنها إينشتاين؟

***

كامل فرحان حسوني

 

يقولون لي عنك أيها الغريب

يقولون لي لا تفتحي باب الكلام.. لا تخرجي من قفص الصمت

بالقرب من الباب طائر الريح الرمادي يطرق الهواء ينقض على قلبك في نزغة وجع.

كلي واشربي من نبع الصمت ولا تهزي بجذع الوقت

لست صالحة لنقش صوتك على جدران أذن غير واعية.. أو تلوين الوقت بين راحتيك لجلب رائحة النهار فيأتيك ما تشتهين من نبض

يقولون.. أتعلمين لماذا سكن القلب بين رئتين؟ حتى تشرب إحداهما ما يندلق من وجع القلب وترشح الأخرى ابتساماته الشحيحة حين تقرع الأقنعة أبواب الصدق بابتسامات زائفة يحملها الغريب في جيب قلبه.. وأن الغريب إذا سكن وجهك سيغرس أدران الانتظار بين عينيك.. سيزرع لك في كل خطوة فخاخ عشق منقوشة بهمس أبيض وتفاحة تقود نخيلك نحو غاباته الداكنة النبض.

يقولون لي عنك أيها الغريب واسمع فحيح أنفاسهم تردم الدروب المعبدة لخطوات الوعد.. وتكدس أحجار النار بطول الطريق نحو المواقيت العالية

وأنا حين سرت خلف أول ضوء أذن به وجهك في معبدي.. وأتبعت طقوس شمسك إلى ذات الأفق البعيد.. فقدمت نذوري وأقمت تراتيل صلاتي كانت روحي تصعد عالياً فتكاد تحترق

وكنت أعود كل يوم إلى قفصي ببقع داكنة تحيط اتساعاً بوجه المسافة بين قدمي.

يقولون لي عنك أيها الغريب أن أثر شمسك فوق جبيني أنبأهم أني حين عبرت الفجر حاصرتني ظهيرتك فألقيت كل ما كان بحوزتي من ندى على وجه النرجس ليفتح لي أبوابك

وأني حين تتبعت أثر صوتك تشققت حنجرتي ونمت على ضفتي شفتي كل ما تراه الأن من قُبل يتيمة.

يقولون لي عنك أيها الغريب

فأهش عن دربي ضجيج زيفهم

وأنصت فقط لصوت النرجس يعلو في نبضي

***

شعر: عايده بدر

 

كل شيء على ما يرام

وما زلنا نموت من الظمأ

رغم ان سرابنا

يمطر سخاء

ورذاذه  يتحلى بلون المطر

نتناحر على جرعة ماء

ما لشمسنا  اذن تنزف اصيلا

داكن السمرة

*

حتى حبال الغسيل

تشهد على عفونتنا

ويزعجنا طنين النحل

كلما استولينا على خليته

ونضع  كل وعودنا الفارغة

على طبق من حديد صدئ

*

نحمل توابيتنا

واكياس حفظ جثثنا

على متن طائرة ورقية

تتطاير مع عاصفة غادرة

ما اروعنا حين نندد بجميع انواع الارهاب

ونتجاهل جارة السوء

دويلة الشر التي تربض أمام اعتابنا

ونصمت أمام صراخ الافيال

وعويل الرياح

ونعيق الغربان

ونعقد صفقات مع اشباح لا تشبهننا

ونسهب في الصمت

كأننا مجانين في ضريح مهجور

*

من أقصى الطوفان

نتسابق فوق صهيل البرق

ونسامر الرعد فوق فواهة بركان أليف

وتشاكسنا رياح الغضب

وتسخر من جبننا

فزاعات السنابل العجاف

*

مشانقنا تتلهف على الرقاب

كم من مرة

بترنا الغصن الذي نجلس عليه

وكلما اصابنا الجنون

نصوب رصاصة الغدر الى صدورنا

*

في اوطاننا نشتكي من رداءة الطقس

ونرتدي قميصا بلا أزرار

فتنكشف سوءاتنا

ثم نحلم بالفواكه المحرمة

*

ونمشي في الاتجاه المعاكس

نحمل رايات سود

ثم نختفي وراء خفافيش الظلام

*

لحدود كتابة هذه الاسطر

ما زلنا نحمل نعوشنا على اكتافنا

ونتأبط اكفاننا

وحين تزل الاقدام

نحفر قبورنا بأظافرنا

*

وعندما نبكي

يهز العالم كتفيه بلا مبالاة

لقد تغير كل شيء في أعيننا

آه كم توسلنا

حتى فقدنا كبرياءنا

*

المهمة ليست سهلة

صارت اثقل من دائرة مغلقة

فوق صفيح ساخن

نحن في حاجة قصوى

الى زوبعة في فنجان

ولعبة الروليت الروسية

آه! كم كنا نسامرالنكسة المستمرة

على شمعة هزائمنا المتتوالية

***

بن يونس ماجن

 

لك

طيفي يعبرُ بك على

جناح الذكرى

إلى مشاعرٍ كنت قد نسيتْها

توقد شمعةً هناك

وتنثرُ الدفء

مِن نار أشعلناها

ذات حب ...

*

لي

صوتك يدوزن عصب

رغبتي فيك

ويجترحُ مِن مخيلة

الشِّعر نصاً

يحكي كم

تمادت نبرتُكِ

الواضحة الفِعل في

خلخلةِ ثباتي ...

*

لك

لغتي تُربك وتيرة

الجفاف وتوقظ المطر

تستبيح عُزلتك

تثمر في قلبك رعشة

وتعلنها لن تكون إلا لي ...

*

لي

ذلك الرهق الجميل

حين أمرر أصابعي

على روحك

المتمددة في القصيدة ...

*

لك

سر المسافة

التي نسجت بيني وبينك

مدينة

مِن الخراب لا تعترف

بكلمة حب

أو

آهة عشق ...

*

لي

الظمأ مِن بعد ارتواء ...

*

لك

الحيرة الراقصة

على وترِ الكتابة

مابين

الحقيقة والوهم

هل كنتِ يوماً لي ...؟؟

***

أريج محمد أحمد

السودان

 

قاعدة العشق

أن تلفني

وتهواني بكل حُمق

وكلما ضاق كلي

بكلك تمددنا كالإستبرق

فجرا وظهرا وغسقا

ثم بالليل

والنجوم متلألئات

بأنفاسنا تحترق

حطت رحالها

بكوننا

فوانيس تضيء روحينا

كفراشات تشقشق

فتملينا بعضنا

زهاء هزيعين

كأننا نكتشف

عشقا سرى فينا

واندلق

ثم امتلَكَنا نومُنا

بحلم لما الليل شهق

وعلى كل سمت شوق

سرمدي كنا

نغفو ونستفق...

***

محمد العرجوني

 

 

تماضر كريمإنها الكلمات تقفز فحسب. لم لا تصدق أن تلك الكلمة كانت حجرا في العتمة، لم تكن مهمة، ولم تسبقها لحظة تفكير، لقد تدحرجت هكذا فقط، لتصل إلى قلبك الذي جفل منها، مثل طائر أفزعه صوت بندقية، والآن أنا أعاتب المخزون اللغوي الذي لديّ، وثروتي الأدبية التي جمعتها من القراءة سنوات، أعاتب ذكائي الذي يصفه الجميع بالحاد، وقدرتي على الصمت، والحديث، فقد ظهر من كلمة واحدة أني لا استطيع الإحتفاظ بك، لكن قدر الإنسان هو الفقد، هكذا يبدو الأمر في هذا الوجود، مادمنا معا نحن نفقد بعضنا، بسبب الحروب والسفر والفقر والموت وأحيانا بسبب كلمة، لكن لا تقلق، اليوم أنا أكثر قوة وصبرا، اعرف انك تقلق لأجل حزني وهواجسي، ولا تريد لهذا القلب أن يتألم، حسنا إطمئن أنا بخير تماما، حتى إني ساخرج اليوم لأشرب القهوة في أحد المقاهي البعيدة عن الضجيج وأكتب قصيدة، اعترف أنك ستخطر على بالي كثيرا، في الحقيقة أحب أن تخطر على بالي وتنبض بداخلي مثل ألم الاضراس في بدايته لذيذا خفيفا، سيكون حضورك في عقلي ممتعا، وبعد إكمال قصيدتي وكوب قهوتي، سأحاول نسيان كل شيء، فما جدوى أن نتذكر ما نبت في قلوبنا مثل جرح قديم، هل تصدق حتى إني نسيت ماذا قلت لك.. هل انت نسيت؟

***

تماضر كريم

ذات خبر يقين من معالي بساتين عجاف متلاطمة الهمس سعفات حيرى، تؤكد رميم الخضرة: ثمة جذور ماء عطشى غرقت في سمرة الشمس..!! وهناك جنوبٍ قصي بأغصان خارطة الذبول،تفوح اشتهاءات حلم لمحاذاة غيمٍ برائحةِ سدرة المطر، فما جاء من نبأ يتلوى على لسان غطرسة هدهد التاريخ: هنا ظلال طين حافية المواسم، فملح السنين اغتال عناق الموج لصفصاف الشواطئ، على مضض من حسرات النخيل الممشوقة الحزن، ألم ترى مزن اليباس تتسلق الانغماس بقعر أنهار الغرس ..؟، تشاكس فخامة نقيع الظمأ بأحضان التراب دون ارتياب..!!، فكلما أجهشت الاشتياق أقراط البرحي المنهكة الرضاب، يقدها نصل النسيان شهقات جروح، بأسراب يانعة العتمة تنادم ربيع عشتار الضائع في سدل الضفاف، علها تنزف رمق ضوء التذكر..!! فما تسمع غير طنين زمن مبحوح الصدى متلعثمة الحناجر،تغني مغبرة الشعور: ستذرنا هُبل العواصف محض رمال طائشة في حواصل كثبان،منذورة الأرواح، قبل أن يرتد طرف الموت مشيعا فلينذر الجهر ويعم الخبر..!!، هزوا جذع الوطن فليتساقط عليكم دمعا جنيا ..!!.

***

إنعام كمونة

ستينيون

طاقاتٌ ايجابيّةٌ

وتأَمّلاتٌ تفاؤُليّةٌ

وذِكرياتٌ كأنَّها الشّهْدُ

مَحْفورَةٌ في الذاكِرَة

تُعانِدُ النِسيانْ

ويَطْرُقُ صَداها في كُلِّ الأّزْمَان

**

ذكرى

على شجَرةٍ في المُتنزّهِ القَديمِ

المُقابِلِ لِلجامِعَةِ . .

حَتّى بعدَ أنْ تحوَّلَ الى مَطاعِمٍ ومَلاعِبِ أطفالْ

ظلَّ أولُ حرْفَينِ من اسْمَيْنا

مَحْفورينِ في الذّاكِرة

**

حُب

في مُفكِّرةٍ قَـديمَةٍ

بَقيَ اسْمُكِ مَحْفوراً

يَطْرُقُ في الذّاكِرةِ

الى الأبدْ !

**

بنت الجيران

في كِتابٍ أثيرٍ . .

منْ مَكتبَتي العَتيقَة

ظلّتْ ورْدَتُكِ الأُولى

نَديّةً مِثلَ الأوْراقْ

وأكْثرُ عِطْراً تَواقْ

لِتِلْكَ الذِكْرَياتْ

**

أثر

لَوْ تَتذَكّرينْ ،

يا نَدى الطُفولَةِ

في أوْلِ انْكِسارٍ بِعِلاقَتِنا

تَركَ عَلامَةً في يَديَ اليُسْرى

معَ الزّمنِ مُحيَ الأَثرُ

وظلّتْ الذِكْرى . .

عَصِيّةً على النِسْيان

**

علاقة قديمة

ضاعَ الكَثيرُ منَ السِّنينْ

لكنَّ العُمْرَ في السِّتينْ . .

لا يَزالُ مُفْعَماً بِالحَياةِ والحَنينْ

وَعِندَما التَقَيا مرّةً أُخرى بِالصُدْفةِ في وسَطِ الطّريقِ ،

بِعَفويّةٍ قَـرّرا اكْمالَهُ الى النِهايةِ

**

حنين

في هذا المَساءْ . .

بيَ رَغْبةٌ جامِحَةٌ لِلبُكاءْ !

لو ذَرفَتْ عُيوني دَمْعَها الرِقْراقْ

لأغْـرَقتْ السواقي والأَوْراقْ !

**

وفاء

على الرُغمِ منْ كُلِّ القَلَقِ والهَمْ

والأحْداثِ العَصيبَةِ والأَلمْ

لمْ أنْسَ تِلْكَ الحاراتِ القَديمَة

التي ضَمّتْني صَغيراً

وأصْدِقائي الّذينَ قُتِلوا غَـدْراً دونَ ندَمْ

**

صديقة

بَعْدَ عُـمْرٍ،

تَكالَبتْ عليهِ السُنونْ

شاهدْتُها صُدْفةً

تتَعكّزُ على سِياجِ سُلّمٍ

لكنَّها ظلّتْ ترْتَقي !

**

الحبيبة

في الحَياةِ . .

بحَثْتُ عنْها في كلِّ الأمْكِنةِ

وعلى الرُغْمِ منْ أنّني لمْ أرَها

ولمْ أجِدْها . .

لكنَّني وجدْتُ صَدى ذِكْرياتِها

أثَراً في كُلِّ مَكانْ

إذْ لاتَزالُ لمْ تُغادِرَ قلْبيَ حتى الآنْ !

***

د. ستار البياتي - بغداد

20/7/2022

دَمٌ على الطَّفِّ أمْ نبضٌ منَ الألَقِ

فكلُّ  ذرّةِ  رملٍ  .. فيهِ   مُحترَقي

*

ناديْـتُـهُ ،  وعروقُ القلبِ في لَهَـبٍ

والنارُ في أضلعي والجَمْرُ في حَدَقي

*

سِفرَ الشهادةِ، إنّي صوبَ مَنهلِكُمْ

شددْتُ أوردتي  خيلاً  لمُنطلَقي

*

حتى أتاني بشيرُ النَهْلِ مُصطحِباً

بدراً تماماً، سقاني عَذْبَ مُندَفِقِ

*

وشـعَّ مِـنْ وجهِـهِ نـورٌ لِـيغـمـرَني

فكنْتَ أنتَ سراجي غامراً غَسَقي

*

يا سيدي يا إمامَ السائرينَ هُدىً

كي يقتفوا أثراً  من دربِكَ الغَدِقِ

*

ملأتَهُ بهُدىً  مِنْ  طِيْبِ  منبتِكُمْ

لا خاشياً سيفَهمْ أو حومةَ الفِرَقِ

*

بئسَ الذينَ تبارَوا في مذابحِكُمْ

فأصـبحُوا لعنةً في شَـرِّ مُنزلَقِ

*

يا قِبلةَ الحقِّ والأفلاكُ في رَهَبٍ

ملائكٌ حولَكُمْ، بالنجمِ  والفَلَقِ

*

الطُهرُ  في بيتِكمْ  آياتُ سيرتِكُمْ

فعمَّ في الناسِ عِطراً فائحَ العَبَقِ

*

يا ابنَ الذينَ أشـاعُوا مِنْ منـاقبِهِمْ

الزهدَ في سيرةٍ والجُودَ في الخُلُقِ

*

وابنَ النبيِّ  الذي تسمو كواكبُهُ

وحيدرٍ ومِنَ (الدُريِّ في الغَسَقِ)*

*

أنا ابنُ  بيتِ وليٍّ ... كلُّهُ غَضَبٌ

مِنْ أولِ الشَبِّ حتى آخِرِ الرَمَقِ

*

لِما لقِيْتَ، وما لاقَتْ  مَحارِمُكمْ

منْ غلَّةِ الحقدِ والنكباءِ والحُرَقِ

*

أنا ابنُ مَنْ شرّعوا جَمْعاً، ومِنْ وَلَهٍ

بأهلِ مَنْ طُهِّروا، عَهْداً وفي العُنُقِ

*

قد أسلمُوا لطريقِ الحقِّ رايتَهُمْ

فكانَ صـوتُ نِداكمْ خيرَ  مُعتَنَقِ

*

ساروا على هَديِكمْ ، والطَفُّ سائقُهُمْ

فاستنشقوا ريحةَ الفردوسِ في الطُرُقِ

***

شعر: عبد الستار نورعلي

الإثنين 16 صُفَر 1444 هـ

12 أيلول 2022 م

.............................

* الدُريّ في الغَسَقِ: أي الكوكب الدُريّ المُشِعّ في الظلام. وهنا كناية عن فاطمة الزهراء عليها السلام.

 

حقيقة

عليك أن تكون غير نفسك

وغير الحقيقة التي آمنت بها

وغير القول الذي تريد قوله للملإ

وغير ماينبغي أن يكون

لكي تكون سعيدا في النهاية

منسجما مع نفسك قبالة المرآة

منتهى الصراحة

لا تصارح أحدا بالحقيقة

مهما كان شكلها ولونها

وطعمها..

كي لا تصبح وحيدا

في المقهى..

وفي الشارع..

وفي البيت..

قناعة

عليك أن تتغير

هكذا قالت رفيقتي

ذات مساء ممطر

وهي تشير إلى جيب معطفها

قبل أن تغادر المقهى للأبد

فقد كان لدي قميص واحد

ومبدأ واحد

ومسلك واحد

وغرفة واحدة..

وكانت روحي تشبهني في كل شيء

وتشبه في صفائها مياه النبع

فربحت روحي

ومياه النبع

وقناعتي

وخسرت رفيقتي للأبد

***

عبد الرزاق اسطيطو

كان يتحتم علي الذهاب هذه المرة الى مشفى الامراض النفسية والعصبية، لاقتناء جرعة دواء لابني المصاب بالصرع بعد انتكاسة والده الصحية الذي كان يتكفل به سابقا.

 كان الطريق طويلا جدا، يخلو من اشارات المرور، سألت السائق متى نصل؟ زفر نفسا عميقا: سنصل بعد نصف ساعة مع دوام الازدحام. كان حينها منزعجا، يتململ، ينظر بعيدا.

كان المشفى كبيرا، مترامي الأطراف، وحيدا، شاخصا. تحيظ به اشجار (كالبتوس) عملاقة. اوراقها مثقلة بالأتربة وحكايات مرضى المصحات النفسية والعقلية. كانت تفترش تحتها بعض كلاب سائبة، اختارتها لتنجوا بنفسها من جور المارة.

كانت الأسئلة تدور في رأسي عن سبب عزلته في هذا المكان النائي، كمعامل المواد الكيميائية التي تشيد خارج المدن لحماية الناس. ماذا لو كانت داخل العاصمة، يمكننا الوصول إليها بسهولة؟ غير أنها أسئلة تبقى مجهولة.

رافق دخولي البوابة بعض الأباء وهم يمسكون بأيدي أبنائهم المرضى، يخشون عليهم،  تبدو ملامحهم انهم مرضى عقليين. ويحملون باليد الاخرى مغلفات كبيرة تضم اوراقا وتقارير طبية تخصهم.

- الطبيب: انتظري خارجاً لحين تجهيزكِ بالدواء.

بقيت في قاعة الانتظار، ثم استدرت باتجاه حديقة المستشفى. لفت انتباهي الهدوء في الرواق كان اشبه بفندق نزلائه نيام. جلستُ على المصطبة وانا انظر في ارجاء الحديقة الكبيرة لعليّ أرى أحد المرضى المختلين عقلياً. لم تمضِ سوى دقائق حتى مر بالقرب مني رجلان، ملامحهم تدل على اختلال عقلي. اقترب أحدهما مني طالباً سيجارة، كانت أسنانه منزوعة، وثيابه متسخه، كانها في خصام مع النظافة ربما هكذا هم المتخلفون يتمسكون احيانا بلبس نفس الثياب وعدم تغييرها حتى لو اتسخت بهذا الشكل. بقيت انظر اليه بخوف. حاولت الابتعاد. الرجل كان يتمتم بكلمات لم أفهمها، لعلها شتائم. ثم راح يضحك بشكل هستيري وقال لصاحبه، التدخين لن يضر بصحتي انه مضر لغيري كهذه المرأة. سمعته، فخشيت قيامه بتصرف مجنون. نهضت بحذر لاعود الى داخل المبنى واستلم جرعة الدواء.

خلال عودتي صادفت امرأتين تجلسان قرب أحد العنابر، ثيابهن رثة ورؤوسهن حليقة، اعترضت طريقي احداهن وقدمت لي كسرة خبز يابسة، ربتُ على كتفها دون أن يخيفني اقترابها، ربما لأنها امرأة مثلي فشكرتها.

تألمت كثيراً وانا انظر لتلك الاجساد النحيلة وهي تسير في دوائر المجهول، كنت انظر الى ما تبقى من الخطوات لكي أصل الى باب الخروج وفجأة أيقظني من شرودي صوت امرأة في الستين من عمرها، تتحدث إلى ابنتها، تطلب منها الاهتمام بنفسها وصحتها وتعدها بزيارتها بين فترة وأخرى، كانت الفتاة جميلة. تبلغ من العمر عشرين ربيعاً. هي لا تشبه الاخريات اللاتي رأيتهن في الحديقة كورودٍ ذابلة. لها ضفيرتان طويلتان وجه طفولي مدور وشفاه ممتلئة. لا شيء مثير للغرابة على محياها، سوى براءتها الطاغية. ومشاعرها الطفولية. كانت تمسك يد أمها بقوة. تتوسل إليها أن لا تتركها وحيدة في حديقة الذبول.

دفعني الفضول فسألت الأم الحزينة:

- لم تتركينها هنا مادامت بخير، لا تشكو شيئا.

أجابت المرأة والحزن طافح على قسماتها: أنا امرأة مسنة، أشكو امراضا مزمنة. لا اضمن بقائي ليوم غد، من سيرعاها ويهتم بها؟ سيعاملها المجتمع بقسوة، ربما لن تجد مكانا أمنا لها، أردت فقط أن اضمن لها مكانا تعيش فيه بأمان بعد موتي (الحياة يا ابنتي ليست مكانا للأحلام والرغبات السعيدة، لأننا نتحمل الكثير من قسوتها).

ذكرني هذا بمشهد لاحد الافلام لأم تدفع ولدها المختل الى النهر ليموت غرقا كي تأمن عليه بعد رحيلها، لكن تلك المرأة الكبيرة كانت أكثر رأفة. فضلت ان تعيش ابنتها بين المجانين فهو أهون من الموت ألف مرة. وأهون من العيش في مجتمع لا يرحم. ملامح الفتاة ونظراتها كان تتوسلني ان اقنع والدتها بعدم تركها. شفتاها تتحركان دون ان يسمع لها حرفا، الوداع اقتربت وتمنيت لو أنى لم اشهد ذلك الموقف، اخذت نفسا عميقا مصحوبا بألم عميق مصحوب بحسرة وقلت لها:

قصي لها ضفائرها ربما في المرة القادمة ستجدينها حليقة دون ضفائر.

***

نضال البدري

 

وقصص أخرى قصيرة جدّا

صديقتي.. جنيّة

كان لا يملك شروى نقير...

صادف أن مرّ في الصّحراء وحيدا حينما عثر على حنشين يتصارعان، أبيض وأسود. وكانت الغلبة للأسود... طرده بعصاه بعيدا ثمّ عاد إلى الحنش الجريح فخيّم عليه بالحجارة حتّى يجعله في مِنعة...

"ما جزاء الإحسان؟"

يتأمّلها مبهورا...

"من أنتِ؟"

"أنا التي منعتَ عنها الأذى في تلك المعركة!"

**

أطياف الرّمل

لا شيء يتعبنا في صحرائنا الواسعة مثل اقتفاء آثار الإبل المارقة عن القطيع... كنت وحيدا يومها والهاجرة على أشُدِّها حينما سمعت طلقات البارود تدوّي قريبا منّي... التفتّ. لا شيء عدا السّراب والأرض الكالحة... وامتلأت أذني بالزّغاريد وباللّغط دون أن أرى أصحابها... يسود السّكون لحظة، ثمّ تمزّقه طلقة رصاص يعقبها بكاء وعويل...

تذكّرت قصّة سمعتها فأسرعت الخطى أخرج من تلك الأرض الملعونة وطيف ما يتبعني...

**

أَطَلَايْ

كنّا أربعة وخامسنا هو... يلفّنا الظّلام من كلّ جانب باستثناء بقعة تضيئها شمعة باهتة في وسطنا... وارتفعت همهماته في جوّ رهيب ورطن بكلام لا يوجد في معاجم اللّغة... ثمّ صاح:

"أحضر يا أطلاي... أطلاي... أطلاي..."

وسمعنا صرير باب كان مغلقا... ثمّ رأينا مصباح الحمّام يغمز بشدّة بلا سبب، قبل أن يخلع قلوبنا منظر ذلك الشّيء الشّفاف المتّجه نحونا في هدوء...

**

بذور الشّكّ؟

دلف حجرة صغيره الرّاقد في فراشه، وراح كعادته يتأمّل وجهه الملائكيّ ويراقب أنفاسه المنتظمة... مال عليه وطبع على جبينه قبلة أودعها حنانه وشيئا من شكّه المقيم...

وتذكّر تلك السّكين الباردة التي ذبحته عندما تعرّت الحقيقة أمامه.. تساءل للمرّة المليون وقلبه يحترق:

" أتراك من صُلبي حقًّا؟!"

***

حسن سالمي

-Derealisation -

..

مررت تحت زخات المطر

نصب عينيك

لم تكن تراني!

أيها المکان

لقد كنت تسمع

خفق النعال!

**

2- ضجيج

عندما يغشی الليل

الأبطال الحقيقيين

بلحاف السكينة،

تتناثر ضوء الشمس

مع صباح جديد

بضجيج أبطال مزيفيين..

**

3 - الوعي

اخلعوا تلك الأجنحة

لــــــــــــــــــــــــــــاـ حاجة

للتحليق الى ذلك العالــــم

ورؤية كل هذه الاشباح

خلف ستائر

الوجوه!

**

4- أربعين فما فوق

انتبه

أيها الأربعين فما فوق!

رامبو ٣٧

آلان بو ٤١

كافكا ٤٣

بودلير ٤٦

عاشوا فقط !

**

5- ؟

قالت:

' كل ليلة

يرفعني و يرميني

مارد '

لكنك كنت طفلا

لم تكن تفهم حينها

**

6-  منطق الطير

قد طارت القماري بعيدا

من جور الفصول

رأيت احداهن اليوم

على طريق الغربة

وكأنّها هي التي

كانت تهبط كلّ صباح

على شبابيك القلب المنكسرة

و تغرد لي بسجعها

أنشودة الاغتراب!

**

7– وصية الكَهْدَل

قال لي الكَهْدَل يوما

أكتب – شاعرا

ولا تعش – شاعرا

والا

كيف تتحمل قساوة الأحباب

وخيانة الأصحاب

آه… وا أسفاه

عندما هب نسيم الشعر

نسيت غلظة الاعاصير

***

سوران محمد

غيار رجل خبير بروابط الواقع بالخيال في بلاد جذورها إفريقية وأغصانها غربية. جلس صامتا على كرسي يليق بحصائل تأملاته وإبداعاته في الحياة التي لا تعد ولا تحصى يتابع حوارا مصيريا في ليلة قمرية أضاءت فضاء مقر السياسة.

تضايق غرغور من مداخلات المعتز الزاهية فقاطعه غاضبا : أنت منا، أنت روعة وفتانة فكرية، لكنك ملكي أكثر من الملك.

المعتز: صمت مشدوها وغيوم داكنة تغمر فضاء وجوده المغترب. ما نبس ببنت شفة. اشرأب محدقا في محيى غيار.

غيار: التحم روحيا بالمعتز مستوعبا رموز أفكاره فهمس له: لقد فهِمتَ اللعبة، اصمت لا تجب هذا المغرر به البائس. أنت إذن من رموز وطن أمجاد بملك عظيم.

***

الحسين بوخرطة

قِطط تعُج فضاء المدينة شرقا وشمالا.! وتستعمر الازقة والزقاق غربا!بحيث تتجول فيه بتوأدة! وتنتشر في والدروب والشوارع جنوبا؛ وتسترخي جسدها بغنج؛ أينما شاء لها دون خوف من المارة! ولا وَجل من الراجلين! إنها قطط فاسِيَّة: قيل أنها كانت تخاف من ظل طفل! وتفر لحظة تصفيق أحَدهم! لكن في إحْدى الأزقة التاريخية؛ القريبة من مدرسة " الصهريج" إحدى معالم المرينيين؛ وآثر السلطان أبو الحسن. أخرجت ُقِنينة ماء من محفظتي المعلقة بين كتفي؛ لكي ارتوي عَطشي من حرارة ذاك اليوم. فاذا بقطة لا ادري من أين جاءت،لترتمي على يدي محاولة اختطاف الكيس البلاستيكي الذي يحْمي القنينة من سيلان عفوي لقطرات ماء على ما في داخل المحفظة. معتقدة أن فيه مأكولات هكذا أحَسَّت وأدركت؟ فقفزتُ من هَول الارتماء التي أحْدثته تلك القطة! وأخرى اعترضت سبيلي، بلمسات جسمها على قدمي الأيسر: استعطافا؟ إنَّهم يريدون عشاء: هكذا قالتها إحدى السيدات التي شاهدت المشهد. لكن ابنتها لم تفتر من الضحك،،،ربما ضحِكت:

على قفزتي المفاجئة؟

أم على ارتماء القطة على الكيس البلاستيكي؟

أم على القنينة التي ساح ماؤها في الأرض؟

أم على صراخ أحَد المارة بلكنته الجبلية؟:

البلاد أصبحَت ْزريبة، ما تكفينا مع بَز*؛ تزادوا القطوط والكلاب...البلاد ولاتْ زريبة... أتفو..... أتفو….أتفو

تابعْت طريقي ورأسي يطنطن بأسئلة ربما بليدة:

من سمح لهاته القطط أن تنتشر في كل الطرقات والحواري؟

وما الهدف من وراء هذا العَرمرم من القطط؟

لماذا لم تعُد القطط خائفة من البشر؛؛؛؟

هَل هي روح بشرية؛ في صفة قِطية؟

ربما ستحتل مكان البشرية؛ وستكون لها السيادة وسلطة القرار، رغم بكمها؟

حتى ولِجْت دكان أحَد الجزارين؛ لاقتناء بعض الحاجيات؛ فانتظرت دوري؛ وإذا بسيدة طاعنة في السن، تنطق بانفعال: لم تعد القطط ولا الكلاب تعترض سبيل الناس؛ بل حتى الدجاج! انظر ياسيدي إلى ساقي؛ إنها منخورة كأن رصاصة اخترقتها... نظرتْ إلى ساقها سيدة تجاوزتِ العقد الأربعين فتأففت؛ وقالت:

قلت لكم قبل قليل؛ لم يبق إلا الحيوانات، التي ستهجم علينا؛ وفي عقر منازلنا؟

ابتسم شاب في مقتبل العمر؛ بعدما نظر إلى ساقي تلك السيدة: دجاجة فعلت كل هذا؟ ردت عليه السيدة بقول حزين:

ليست دجاجة... بل ديك أكثر مني شيخوخة! ارتمى علي من الخلف، غارسا أظافره في ساقي هكذا... رفعت يديها؛ وفتحت أصابعها بقوة؛ حتى بدت كمخالب، ووضعتهم على ظهر الشاب.

نطق الجزار بلكنته الصحراوية:

يا حفيظ...يا حفيظ... وماذا بعْد يا أمِّي السَّعْدية؟

حتى كِدت أن أسقط على وجهي؛ فلولا أحَد المارة، جزاه الله خيرا، الذي أنقدني من الهجوم والسقوط لكان وجهي مهشما.... ولن آتي عندك؛ لكي أقتني بعْض شطائر اللحم.

ربما عَشقك الديك يا مي السَّعدية؟ نطقها الجزار وهُو يضحك ضحكات رنانة.

انتهى زماني؛ وجمالي يا الجيلالي؟ هكذا ردَّت عليه تلك السيدة، لكن تدخلت تلك الأربعينية:

هل العاشق سيتهجم هكذا بوحشية أسي الجيلالي؟

رغم أن مشواري لازال طويلا لكي أصل لعشتي؛ استحليتُ الانتظار؛ وعَشقتُ حِوار أهل المدينة القديمة... حوار العفوية والبساطة؛،،، حوار البسطاء والشعْبيين؛ بحيث نطق ذاك الشاب:احمدي الله؛ آلوليدا * أن ديكا نطَّ عليك وكفى، أما أنا فلقد تهجمت علي ثلاث قطط... عَم الضحك في الدكان؛ والجزار وضع السكين الذي كان يقطع به قطع اللحم لقطع صغيرة * فقال والضحك لم يفتر من فمه: أبوك لم يكذب ولو مرة في حياته....

إذن، أنا كذاب... انظر إلى قدمي؛ هاهو الأصبع الأكبر يعطيك دليلا... إنه منخور بأسنان القطط! هل كنت نائما؛ أم سكرانا يا ولدي؟ سألته التي تنتظر" الكباب"

بل كان في غيبوبة "حَشيشية" كعادته؛ أجابها الجَزار والضحك لم يفتر من فمه.

وأنت نسيتَ نفسك؛؛؛ نسيت يَوم خطفَ القط من داخل دكانك "كِلية " أحَد الخرفان المعلقة؛ هل كنتُ في غيبوبة وحضرة عيساوية؟

لم أنتبه لدخوله؛ لأنني كنت منهمكا في إعْداد...قاطعته المُسِنة؛ وهي جالسة على أريكة الانتظار؛ ذات اللون الأحمر:

السَّبْسي وما أدراك ما السبْسي*، قلها ولا تخف أسي الجيلالي؟

أي نعَم! السبْسي وما أدراك ما السَّبْسي! أحسن من الحشيش؛ أليس كذلك؟

هوَ كذلك أبا الجيلالي؟ لكن لتعلم أن قدمي كانت آنذاك مبللة بقشور وبقايا السمك الذي أنظفه للزبائن؛ ولم أشعر إلا وبانقضاض مباغت على أصابعي؛ تضرر الأصبع الأكبر فقط... هيا اضحك الوالد؛ كيْفما شئتَ... إنها قطط فاسية وليست صحراوية...

وهل هناك فرق بين القطط الآن.. كلهم يريدون الأكل والبحث عنه؛ قالتها الأربعينية وهي تهُمُّ بالانصراف بعْدما تحوزتْ بطلب "الكباب" ليأتي دور ما تبقى من الزبائن....

***

نجيب طلال

.....................

توضيح:

* أطفال صغار

* الأم / الوالدة

* الكباب (نوع من أنواع اللحم)

*آلة لتدخين عشبة الكيف

 

لَعـنتُ الحظَّ مُـذْ جـابي وجـابِـكْ

وأسـفـرَ عـن لـقـائي فـي جـنابِـكْ

*

وظـنّي كان أنّ الـحُبَّ نُــعــمى

وأنَّ الـحَــجَّ مَـبــرورٌ لــبــابِـكْ

*

وأنَّ الـدينَ والـدُنـيا رصـيـدي

ســيربو حينَ يُجمعُ في حِـسابِـكْ

*

فـيا حُـلُـميْ الـقـديمِ أقولُ قولي

صـريحًا لا اُواربُ في جــوابِـكْ

*

بــأنّـي لا اُســـــاومُ أو أداري

فَعَــذْبُكِ ليسَ أفضلَ من عَـذابِـكْ

*

وجـبهَـتُكِ التي حَـشّدتِ فيها

أراهـا قـد تُـعَـجِّـلُ في خــرابِـكْ

*

كما الاوكرانُ قـد حشـدوا لروسيا

بـتـأليـبٍ وحــربٍ كــاحــتـرابِـكْ

*

فـيا حُلُـميْ الـذي نُـسِجتْ عليه

سـنيني لـستُ أرغـبُ في رحابِـكْ

*

أراكِ بـعــــالـــمٍ لا صِـدقَ فــيه

تـمـاهى بـين طـبـعـكِ وانجــذابِـكْ

*

أما غـيرُ الـمَـنـاكِـدِ أحـتـسـيها

وكــمْ مِـنـها تَــبَـقّى في جُـــرابِـكْ

*

كفاني مـا تجـسّـدَ في قصيدي

وأمضـيتُ الـتَعـلُّـلَ في سُــحابِـكْ

*

ومن شُــرُفاتِ ذِكراكِ أرانـي

اُطـالِعُ ما تَـمَخّضَ عـن سَـرابِـكْ

*

فلا أمـلٌ سـيُـورِقُ في ظلالي

ولا جــدوى مـسيري في ركابِـكْ

*

فأنتِ كــما خَـبرتُـكِ لـستِ إلّا

ضَـــلالَا قـــــد تَـخَـبّـأَ في ثِـيـابِـكْ

*

فـيا حُـلُـمي الـقـديمِ إلـيكِ عـني

أبـعــدَ الـيــومِ أُخـــدعُ بـاقـتـرابِـكْ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

السبت في 27 آب 2022

 

إذا انْطلقتْ فقائدُها العراقُ

ومِنْ نَصرٍ إلى نَصْرٍ تُساقُ

*

ومَنْ جَعلَ العراقَ بها إماماً

سَيَسْلكُ مَنهَجاً فيهِ اعْتراقُ

*

حَضارَتُنا مُتوَّجةٌ بنورٍ

يُبعِّثهُ التواصلُ والسِياقُ

*

وأْجْيالٌ بأجْيالٍ تواصَتْ

يُباركُها التكامُلُ والوفاقُ

*

بلادٌ منْ مَواجِعِها تعافَتْ

على أكتافها دَمُها يُراقُ

*

وإنْ فَسَدوا وإنْ بَطشوا أتاهمْ

مَصيرٌ لا يشافيهِ انْعِتاقُ

*

مُعَمَّمُهُم يُحابي فعلَ شَرٍّ

بتَجْهيلٍ وتَضليلٍ يُحاقُ

*

بها فَتوى لأهْواءٍ أعانَتْ

وقد نَفَذتْ وغايَتُها انْشِقاقُ

*

أ يَنْجو كلُّ أفّاكٍ ظَلومٍ

ويَشقى في مَواطنها الحِذاق؟

*

سَلامٌ يا مُنى الأمْجادِ فينا

بَراعِمُنا يوَّرّقها انْطِلاقُ

*

ويَحْدوها إلى هَدَفٍ أصيلٍ

وُثوبٌ في مَحافلهِ ائْتلاقُ

*

شعوبٌ مِنْ نواكبها تنامَتْ

كَيْنبوعٍ يُفجِّرهُ انْبثاقُ

*

فلا ظلمٌ ولا ألمٌ سَيَبْقى

وكلُّ رذيلةٍ فيها احْتِراقُ

*

ظلومٌ جاءَهُ جَوْرٌ وَخيْمٌ

ليَمْحَقهُ التظلمُ والنُعاقُ

*

لنا شعْبٌ على الآفاقِ يَسْعى

يُؤازِرُهُ التلاحُمُ والسُماقُ

*

ومَهْما شاءَتِ الأحْقادً سوءاً

فإنَّ الخيرَ مَوْئلهُ اعْتناقُ

*

عِراقٌ في شَواهِقها سَيَحْيا

تُتَوِّجُهُ المآثرُ والعِتاقُ

*

بلادٌ أرْضُها كوْنُ انْبِهارٍ

وإنّ الشَعْبَ مِنْ سَبَكٍ نِطاقُ

*

تَعيشُ بلادُنا وبها حَياةٌ

مُكرَّمةٌ يُطيّبُها ارْتِفاقُ

*

حقوقٌ دونَ مَأسدةٍ ضياعٌ

ذئابُ وجودِنا فيها اسْتباقُ

*

فظالمُها على وَطنٍ تَجنّى

وآلَمَ أمّةً فبَدى الطلاقُ

*

تَشظى كلُّ مَوجودٍ تَحدّى

بمُضْطرَبٍ لها فأتى انْفلاقُ

*

وما كانتْ كما ظهَرتْ إلينا

مُعبّسةً يُشرْذِمها اخْتراقُ

*

ألا هبَّتْ إلى العلياءِ دوما

تُناصِرُنا ويَجْمَعُنا اعْتناقُ

*

بلادُ العُربِ يا نورَ التَسامي

جَواهِرُها يُتَرْجِمُها ابْتراقُ!!

*

وتأريخٌ يُخاطبُنا بصِدْقٍ

بأنَّ الشَعْبَ ذوّادٌ طِواقُ

*

لنا وطنٌ ولا وطنٌ سِواهُ

بدنيانا روائعُهُ اعْتِباقُ

*

فما بَرِحَتْ تُناشِدُنا لمَجْدٍ

ويَبْعَثنا لذرْوَتِها اتْفاقُ

***

د. صادق السامرائي

10\5\2022

جرّ نعليه. خطا خطوات مثقلة بالغبن. تلقفته يدا إحدى الموظفات. قادته بتؤدة نحو مكتب التسجيل. قيدوا اسمه وسنه في دفتر الوافدين الجدد. أمر مدير الدار بإعداد سرير في زاوية ما. في غرفة ما. جلس على حافة السرير ونظراته حبلى بألوان الهموم. ردد في سريرته: -الحمد لله على كل حال. قدمت له  الموظفة  كأس ماء. ربتت على كتفيه بحنو وقالت:

- لا عليك يا عمي دار الرحمة أفضل من الشارع.

هز رأسه. لم ينبس ولم يهمس. ود لو يصيح. يبكي كرضيع فقد والدته. ينوح نوح المفجوع في أعز ما يملك لتفيض عيناه نهرا من الدموع الغزار.

- اعتبرنا اهلك يا عم لست وحدك...

كذلك قالت الموظفة وانصرفت إلى شؤونها

لحظتها أحس الشيخ يوسف بمرارة العجز تسحق فؤاده المكدود حتى الصميم.أقسم بأغلظ الأيمان أن المقبرة أرحم له من دار الرحمة، بل دار الشقاء لو كان ذو الألباب يعلمون...ليته قضى قبل ولوجها. كبر أبناؤه. تعلموا. تزوجوا.أنجبوا البنين وجمعوا المال.لكنهم جهلوا معنى الحياة.اجتمعوا ذات ليلة وتداولوا كنه الجزاء....

قال ابنه البكر: نكتري للشيخ بيتا ونوظف له خادمة.

قال أوسط العقد: ومن يدفع ثمن الكراء وأجر الخادمة؟

و قال ثالثهم: أخشى عليه من مكر الخادمات.

و شطت بهم مراكب الجدال في خضم قضية الشيخ (الشيباني) حتى تنازعوا في أمره أياما وأياما.

صار أبوهم أزمة شائكة أرقتهم، وأنغصت عليهم ربيع حياتهم. ولكنهم اتفقوا، وقرروا دون رجعة أن لا دار تسعه إلا دار الرحمة.

جال بنظراته الذابلة. تفحص زوايا الغرفة. سرير. سريران. ثلاثة. أربعة. كلها مأهولة. أصحابها يغطون في سبات عميق إنهم مجرد جثث أنهكها الدهر. في أوصالها بقايا أرواح تستعد لتوديع كهوف اللحم والعظم، والرحيل إلى عالم الخلود...

ردد في سره وهو يلملم جرة الصبر التي انكسرت:

- الحمد لله الذي قدر وفعل... ربما حال هؤلاء أتعس من حالي..

أقبلت إحدى الموظفات تحمل دفترا وقلما بادرته قائلة: لست وحدك يا عمي.. أشارت إلى من حوله، ثم أضافت: انظر إلى هذا المسكين، وجوده مرميا بين الحياة والموت

- ليته مات. الموت راحة يا بنيتي.

- فوض أمرك لله يا عم.. عش أيامك الباقية..

- لم يعد للعمر بقية يا بنيتي

وحال الصمت بينهما، كأن الكلمات جمدت في ثغريهما. تأوه الشيخ   يوسف. تأفف بحسرة وحرقة  شديدتين.أدرك أنه حلقة من سلسلة لا نهاية لها. كل يوم ضحية جديدة. وأسئلة لا تتغير.

قالت الموظفة وهي تحاول زرع بذرة أمل في أعماقه:

- هل لك أبناء أو أقارب تريدهم زيارتك؟

و أسدل الصمت ستائره مرة أخرى.

زفر ثم شهق. برقت عبرات في موفيه. انتشلته الموظفة من سحيق الصمت..

-أريد عناوينهم من فضلك...

ليس لي احد، كل شيء ضاع

ما زالت البركة يا عم...

انسحبت الموظفة بينما بقي المسكين يصارع أمواج  الحسرة، ويسترجع بقايا صور من حلو المعاش ومره، علقت في ذاكرته المنهكة.

قال كبير الأبناء:

دعوا الأمر سرا، احذروا أن يتسامع الجيران والناس الخبر، فيتخذوننا سخرية مضحكة

قال أوسطهم:

هذا أبونا، ونحن أدرى بمصلحته. لا تهتموا.

و قال ثالث الأبناء: نقول هو الذي اختار دار الرحمة. رفض العيش بيننا.ثم لماذا فتحت الدولة ديار الرحمة؟ أليس من اجل أبينا وأمثاله؟ ثم لابد لهذه الديار من نزلاء وأبونا خف عقله. عاد كالولد الصغير زوجاتنا لم يستطعن خدمته.

رموه كسقط المتاع أمام مدخل الدار.

قالوا له بنبرة عارية من الحنان:

- لا تقلق سنزورك  كل يوم، كل أسبوع، لا تظن أننا سننساك

قفلوا عائدين على عجل. لم يلتفتوا أبدا إلى الوراء. لقد تخلصوا منه. أزاحوا عن قلوبهم حملا ثقيلا  استيقظ احد النزلاء.

رمقه بعينين محمرّتين وردد:

- أتانا ضيف جديد يا أهلا.. يا مرحبا.

لم يعر للصوت اهتماما، ولم يرن لصاحبه. هز رأسه المتوج بأشواك الغبن والهموم وقال: -  هه  ليتك قلت ضحية جديدة

هاهو زميله في الغرفة مثله. وهن عظمه. رصعت وجهه  التجاعيد، وذبلت جفناه كأن الخريف اتخذهما مطلعا ومغربا. أفنى زهرة شبابه، وهاهو يتجرع من كأس سنمار

لم تعد فينا فائدة كذلك ردد زميله وهو يحك عينيه.

وقعت تلك الكلمات على رأسه كالصاعقة. أيقظت جحافل الألم.اتسعت جراحه وغارت. كم كان ذا فائدة قبل يوم. طاف المدينة عرضا وطولا. يبني ويطلي ويزين واجهات المدينة.لم يعرف الكلل ولا الملل وما فترت  عضلاته  يوما. بز أترابه  حتى  أضحى اسم يوسف البناء ذائع الصيت، تعرفه أزقة المدينة وساحاتها. بل مازال عرق جبينه معجونا برملها وحصبائها.

هل هذا هو جزاؤنا؟ نسوا وصية الله فينا. أولادي من لحمي ودمي، يرمونني رمي العظم للكلب. واستغرق الشيخ يوسف في دوامة نشيج يذيب الصخر. شعر برغبة جامحة إلى الصراخ والنواح لكن وا أسفاه من أين له بالنبرة. لقد بح صوته، وضاعت منه  رنته النحاسية. ثم... من يسمعه ويقدر مأساته حق قدرها. ربت زميله على كتفيه ومسح من وجنتيه دموعا حارقة

ربما تحن قلوبهم يوما يا حاج. وتعود إليهم عقولهم. لا تفقد الأمل. قد تجد نفسك يوما في أحضانهم.

و تراءى له الأمل كوة صغيرة لا ينفذ منها رأس إبرة.

و أضاف الشيخ: ربما يتفكرون عقوبة عقوق الوالدين

اتسعت الكوة قليلا حتى أصبحت نقبا صغيرا

آه  لو يتفكرون.. آه لو  يفعلون.. سأغفر لهم، وأدعوا لهم بالخير ليل نهار...

ومر يوم.. يومان..  أسبوع.. شهر.. سنة. استوى عنده الليل والنهار. لم ير لهم شبحا كأن الأرض ابتلعتهم. كبرت أحزانه وامتدت سيقانها كأشجار التوت الأسود. التصق جسده ببطن السرير. واندفن النقب واختفى إلى الأبد.

(تمت)

***

بقلم الروائي والناقد: علي فضيل العربي – الجزائر

 

أخذت الشمس ذات اللون الذهبي المحمر وبقرونها المتدلية على صفحات مياه البحر الأزرق تغسل وجهها بلون الغسق البرتقالي تلوح بيدها لعاشقان أتخذى مقعد لهما أمام البحر هروبا من ضوضاء المدينة الذي أصبح ثقيلا على مسامعهما ومزاجهما كالكثير من الناس يتبادلان الحديث يرتسم على محياهما ملامح تنبئك أنهما تسلقا سلم الستين من العمر .

أخذ نسيم البحر التشريني يداعب خديهما وهما يتجاذبان أطراف الحديث بهمس العاشقين حيث أرخت برأسها المشيب على صدره مستسلمة لدفيء صدره الذي طالما احتضنها لسنين طوال وأغدق عليها الحنان والعشق يداعب خصال شعرها الأبيض التي خطته إرهاصات تعب السنين ووضعت رحال أوزارها الثقال عند باحة عمرهم الذي تجاوز الستين يختلسان منها بعضا من الوقت على الشاطئ بين الحين والآخر يتجاذبان الحديث عن الذكريات التي مازالت عالقة في الذاكرة يقلبانها بين الحين والآخر يلوذان بها في سويعات في حضن الطبيعة أمام البحر وأمواجه التي تشاركهما بنغمات هدير أمواجه تداعب قلبهما المرهف يتناجيان بهمس العشاق وحلاوة الكلام المعتاد بينهما على مر سنين عمرهما حينها أحس بحرارة رأسها الملقى على صدره وأنفاسها تدق أبواب صدره وخصال شعرها المشيب تلامسها نسائم البحر . تسور بذراعه عنقها وضمها إليه بشوق وحنين رئاها تستسلم للنوم وأغمضت الجفون وأرخت برأسها على قلبه حيث أسمعها ترنيمة نبضاته البطيئة أنحنى على رأسها وطبع قبلة عليه من غير أن يُقضها يشُم عبير عطرها الذي تعود عليه منذ أن تعارفا في لحظات العشق الصبياني والشبابي وبعده لم يُطفئ شعلته العمر مرة من الأيام الخوالي والسنين التي فاضت عن الستين سنة مرة كلمح البصر لكن طعمها وشذاها محفورة في قلب العاشقين أحس بتمايل الجسد الملقى على صدره التي أيقضتها همسات البحر الباردة حينها سلمت الشمس نفسها لذراع أمواج البحر مودعة العاشقين لتسدل ستار نهارها لضياء القمر لليلة جديدة من دورة الحياة بلوحة جميلة من لحظات عاشقين لم يخضعا لقانون الحياة والعمر وتقدمه الذي يغمره الحب والعشق الحقيقي.

***

ضياء محسن الاسدي

غَرَق

عندما تغرقُ السفينةُ

يرتدي البحارُ

سُترةَ النجاةِ

لكنّهُ، في سرّهِ

يتمنّى

لو يغوصُ معها

كمأُ الحضور

شاسعةٌ هذهِ الأرضُ

التي أقِفُ عليها وممتدَّة

بيدَ أنها قاحلة

لا شجرَ ينبُتُ فيها

ولا حتى أدغال

أرقبُ السماءَ

بعينِ الرجاء

لعلّ غيمةً تتهادى

لعلَّها تنشقُّ

عن برقٍ وزوابعَ

فأملأُ سِلالي

بكمأ حضوركِ

عدوى الأشياء

نتَ لن تكونَ بمنجىً

من عدوى الأشياءِ المحيطةِ بكَ

فحين تذهبُ إلى ضفّةِ النهرِ بعدَ تعبٍ وقد تصحّرَ بكَ العمرُ لكي تستريحَ لبعضِ الوقتِ فوقِ إحدى الأرائكِ فتقعُ عينُكَ على عاشقينِ يتناجيانِ تحتَ شجرةٍ، تتأمّلُهما قليلاً ثم تجتاحُكَ عدوى العشقِ فتُصبِحُ مثلَ مصباحٍ مهملٍ مسَّهُ سلكٌ كهربائي، وحين تكثُرُ الثعالبُ من حولِكَ سيدخلُ المُكرُ والخديعةُ في أخلاقِكَ شئتَ ذلك أم أبيتَ، وحين تكبُرُ مساحةُ الوردِ من حولِكَ، لا بدَّ أن ينالَ المحيطين بكَ ضوعٌ منكَ .

توقيع

يحرصُ النحّاتُ بعد أن يُكمِلَ منحوتتَه أن يتركَ توقيعَهُ عليها

وكذلك الرسامُ التشكيليّ، ولكن يبدو أن الخالقَ لم يأبه لهذا الأمر.

ثقوب

في السماءِ

وفي ذاكرتي

في إبرةٍ

وفي القَصبْ

***

 أحمد الحلي

أحب أبي رحمه الله بائع الخردة الكردي حبًا ملك عليه مشاعره، فقد كان يحييه بحرارة ويحسن ملقاه له، ويدعوه لمشاركتنا أكلنا البسيط في حال تيسره، الامر الذي جعله يشعر نفسه واحدًا منّا، فكان كلّما مرّ من باب بيتنا، وما أكثر ما كان يمرّ، يُميّل علينا لشرب فنجان قهوة.. إذا توفّر أو فنجان شاي.. وإذا لم يتوفّر لا هذا ولا ذاك.. فإن فنجان زوفا من الوعر القريب يقوم بالواجب، وكنت أتابع ذلك الضيف المُرحّب به دائمًا وأبدًا، وهو يتحرّك على مقعده في غرفتنا الكشافية الوحيدة، فأشعر بسرّ ما يقف وراءه.. ووراء ترحيب أبي الشديد به. ترى مِن أين جاء هذا الرجل الذي يرتدي البدلة العتيقة الرسمية، ولماذا هو يبدو قلقًا إلى ذلك الحدّ الذي بدا عليه؟. وإذا كان قريبًا منّا إلى هذا الحدّ لماذا هو يُصرّ على أن يأخذ ثمن ما نشتريه منه من ملابس قديمة ومستعملة على داير بارة؟.. فهمت مبكرًا.. باجتهادي الطفولي المتواضع حينها، أنه مشرّد مثلنا وأن أيدي نكبة أخرى تشبه نكبتنا قذفت به من سوريا مثلما قذفت بنا من قريتنا سيرين، لنستقر في جبل سيخ المتربّع على كتف الناصرة، لهذا كثيرًا ما كنت أرى في عينيه أسى عميقًا.. لا يخفى، وما زلت اتذكّر كيف كان دائمَ التلفّت في كل مكان تقع عليه عيناه وكأنما هو خائف من مجهول يوشك أن ينقضّ عليه. ترى ممَ كان يخشى ذلك الرجل؟.. هذا ما أقلقني في تلكك الفترة وحاولت أن أجد الاجابة عليه دون أن أحظى بإجابة مقنعة.

دخل علينا هذا الكردي ذات يوم شتوى ماطر بارد شديد البرودة، من أيام الستينيات، وهو يحمل عددًا وفيرًا من البدلات العتيقة، وراح كعادته يعرض على أبي ما حمله من "متاع غالي الثمن ويحمي البدن"، كما ردد دائمًا حين عرضه حمولته.. تفحّص أبي البدلات كلها، دون أن تلفت نظره واحدة منها، ورغم إيغال صديقنا البائع في الشرح والتوضيح الممزوج بالترغيب حينًا باللون الاسود المحبّب لدى أبي، وآخر بجودة القماش.. الجوخ، فقد أصرّ أبي على أنه ليس بحاجة اليوم إلى أية ملابس، ولاحظت يومها أن أبي يبحث عن طريقة للتخلّص من الحاح صديقه وأنه سرعان ما عثر على بغيته، أرسل نظرة إلى بنطلون الكردي وقال وهو يؤشّر إليه:

-مثل هذا أريد.

مرّر الكردي يده على بنطلونه:

-هذا برتشز.. غالي الثمن.. إنه أغلى قليلًا من غيره. 

لمعت عينا أبي:

-معك واحد منها؟

ردّ الكردي:

-الآن لا يوجد معي.. سأدبّر لك واحدًا منها قريبًا.

ابتسم ابي لا أعرف السبب، هل لأنه تخلّص من الاحراج بسهولة، ام لأنه تخلص من زيادة دَينه لدى زائرنا التاجر الكردي؟.. كان هذا في ساعات ما قبل المساء.

غادر الكردي بيتنا حينها ليعود إليه بعد ساعتين وهو يرتجف من شدّة البرد:

-لقد عثرت على بغيتك.. قال وهو يقدّم لأبي بنطلون البريتشز.. تناول أبي البنطلون من يده، تفحّصه للتأكد من أنه ملائم له ولائق، وغاب لحظة وراء ستارة علّقها في أقصى غرفتنا الوحيدة في الكشاف.. غاب لحظة وعاد يرتدي البرتشز.. كان يتقافز مثل فارس بريطاني عن حق وحقيق، الامر الذي نشر الفرحة في البيت، خاصة لدى زائرنا الكردي. توقف أبي عن تقمّزه بصورة مفاجئة وتوجّه إلى صديقه:

-كم تطلب به.. أرجو أن تخفّف يدك علينا.. أنت تعرف البير وغطاه.

ابتسم الكدري:

-يكفّي ما لديّ عليك من دين.. اعتبره هدية مني.

ما إن سمعنا ، أبي وأنا، ما قاله الكردي، حتى انتابتنا حالة من الاستغراب، فما الدي يجعل تاجرًا متجولًا وبخيلًا إلى حدّ بعيد، يتكرّم على أبي كل ذلك الكرم؟ ولماذا هو أصر على أن يأخذ دائمًا ما لديه من دين علينا بكل قوة.. وها هو الآن يقدّم بنطلون البريتشز هدية صافية إلى أبي؟

سهر الكردي عندنا حتى ساعة متقدمة من الليل، وكان أبي كلّما فرغ إبريق الشاي يطلب من أمي أن تملأه مجددًا، ليشربا، الكردي وهو، الشاي ماءً زلالًا، احتفاًء بتلك اللحظة الفريدة التي جمعت بينهما، لحظة البريتشز. أعترف أنني افتعلت النوم وبقيت مفتح العينين ساهرًا، وفي خاطري أن أعرف سبب تكرّم الكردي في ذلك المساء وإهدائه البنطلون لأبي. وبقيت ساهرًا إلى أن استمعت إلى الحديث التالي:

الكردي: هل تعتقد أنني سأتمكن من العودة إلى أهلي وبيتي في سوريا؟

أبي: الشوق يكاد يقتلني لأهلي وقريتي.. آخ لو أن العمر يطول ونعود إلى بيوتنا واراضينا.

الكردي: لا يوجد أغلى من الوطن..

سهر الاثنان يومها حتى ساعة متقدمة.. تجاوزت منتصف الليل، وداعب الوسن جفوني، فخرجت من ذلك الواقع المرّ.. إلى الحلم الجميل.. رأيت الاثنين.. أبي وصديقه الكردي.. ينطلقان في ذلك الليل.. كل منهما ببنطلونه البريتشز، ويمتطي كلٌ منهما فرسه المطهّمة الاصيلة.. وينطلقان كلٌ باتجاه.. الكردي باتجاه سوريا وأبي باتجاه سيرين.. كانت تلك من أجمل ليالي الطفولة المعذبة.. وما زلت أعيشها بشوق يُشبه نارًا في راس الجبل.. تشتعل و.. لا يخبو لها اوار.

***

قصة: ناجي ظاهر

وتشرقُ شمسيَ مِن مقلتيها

وشوقي يشدّ الرّحالَ إليها

*

وقهوةُ صبحي تسائلُ عنها

فكيفَ تطيبُ بلا شفتيها!

*

كأنّ البلابلَ تشدو احتفاءً

بصبحٍ  تقطّر َ مِن ناظريها

*

وزهرُ الرّوابي يفوحُ بعطرٍ

يدُلُّ فَراشَ الحنينِ عليها

*

وحُمرُ الشّقائق تختالُ زهوًا

بلونٍ  كأنّهُ مِن وَجنتيها

*

ويأتي النسيمُ لطيفًا عليلًا

كأنّهُ يخرجُ من رئتيها

*

فليتَ الصّباحَ يطولُ وتبقى

مفاتيحُ نورِهِ بين يديها

***

د. عناد جابر

فجأة رأيته. شوقي فهيم، نعم. هو. اللغز الذي حيرنا سنوات الاعتقال ولم نصل إلى سره. قضيت نحو عامين في الحبس وخرجت وظل شوقي وراء الأسوار. لم أره من ساعة خروجي، لكنه شوقي. نعم. لا شك في هذا. كان قادما من الاتجاه المقابل. يسير على الرصيف بقامته الطويلة، تلفه سكينة من توحده، يتفرج بواجهات المحلات. لم يرني ونفسي تجيش بذكريات عزيزة عكرتها درجة من الحذر جعلتني أتردد في أن أستوقفه، فتثاقلت خطواتي وأنا أتلفت وأهمس لنفسي" أليس من الأفضل أن أواصل سيري؟". من شتت التردد تولدت صور قديمة من الحبسة التي جمعتني به سنوات لم يبح شوقي خلالها بسبب سجنه ولا ألمح إليه، وكان يروغ من الإجابة بلباقة إذا تطرقنا إلى الموضوع، وها هو الآن  أمامي، لغزا مازال، بهدوئه ولطفه.

ضقت بحذري ومخاوفي فقطعت الطريق عليه، وقفت أمامه فاتحا صدري ووضعت يدي اليمنى على كتفه. التفت إلي. حدق بي مذهولا. صاح بدهشة: " معقول؟!". ضحكت سعيدا أنني استوقفته وقلت: " نعم. معقول جدا". رنا إلى بنظرة تألقت بالتذكر ثم السرور: " ياسلام.. مفاجأة.. وأي مفاجأة!". اندفع ليعانقني، وصددته لأستبقي وجهه أمامي. هتف مبتسما: " الدنيا صغيرة حقا. دعنا نجد مكانا لنجلس وندردش. أي مكان". أحنى رأسه إلى أسفل كأنما يفتش بين أقدامنا عن موضع ثم اعتدل وقهقهه مندهشا مما فعله. سرنا على مهل نبحث عن مقهى. كل منا يربت على كتف الآخر، ويقاطعه بكلمات الاشتياق ونتف الذكريات والاستفسار عن الحال.

في العنبر بالمعتقل حافظ شوقي على مسافة محسوبة بينه وبيننا، لكنه كان يقربها بالتودد وتقاسم السجائر والنقود والأطعمة التي تأتي بها أخته في الزيارات الشهرية. كان يومنا محكوما بنظام حياة متكرر، الصحو مبكرا والافطار والشاي، وطابور الفسحة الرابعة عصرا حين يخرجون بنا إلى فناء المعتقل المغطى بالرمل الأصفر، وأيادي كل اثنين منا مقيدة بسلسلة. وكان شوقي يفضل صحبتي فنقطع معا الفناء الأصفر في دورات، تتابعنا من الأكشاك الأربعة أعلى الأسوار أعين وبنادق الحراس. لم يكن شوقي يتكلم كثيرا، لكنه كان يعرب بمرارة عن أسفه على اغلاق مكتبه الهندسي، وانفصال زوجته عنه، أحيانا قليلة يتحدث عن مشاريع المستقبل عندما يطلق سراحه. لكنه لزم الصمت تماما عن سبب حبسه حتى تصور البعض أنه مدسوس علينا ليتلقط أقوالنا. لم أسترح منذ البداية إلى ذلك الارتياب مهتديا بشعوري بأن إنسانا له نظرة شوقي المستقيمة الواضحة يستحيل أن يبيع نفسه لمهمة رخيصة، لأن لأولئك نظرة مختلفة، جارحة ونادمة، أقرب إلى شظايا روح تحطمت. يعودون بنا ويغلقون باب العنبر في الخامسة عصرا، وفي المساء يتضح لنا بقوة أننا محبوسون بالفعل، ويزول في العتمة آخر أمل أن نفتح لأنفسنا طريقا إلى الخارج إلى الهواء والحرية فينفتح الطريق إلى الداخل حيث الذكريات والماضي وأسماء الزوجات والأبناء وعبارات من أفلام قديمة ونكات لم تعد مضحكة بالمرة. يصبح الماضي حاضرا، ويورق كل ما ولى وذبل، لولا أن الحياة عنيدة تدافع عن حقها في البقاء فتسوقنا إلى اختراع حاضر، نصنع كوتشينة من أوراق علب السجائر، نتجمع في حلقات حول حشايا النوم، نفتح نقاشا سياسيا أو فكريا، وفي تلك الأثناء يجلس شوقي صامتا ينصت لنا بتعبير مهذب، مكتفيا بهزة رأس أو كلمة مقتضبة لا تؤيد رأيا ولا تختلف مع أحد. بمرور الوقت نشأت بيننا قرابة روحية من صرير الأبواب الحديدية الذي يفري أعصابنا، ومن التحديق بخيالات الأحبة بسقف العنبر في الليل. لكن حتى تلك الصلة لم تدفع شوقي إلى الفضفضة الصريحة مع أي منا، إلى أن حدث ذات يوم أن أقبل الشاويش شعبان مهرولا في الممر بين الزنازين متجها نحو عنبرنا. توقف عند الباب يلهث، ثم همس في إذن عم طاهر يحذره من كبسة تفتيش قادمة. شكره عم طاهر وغمزه كالعادة ببضعة جنيهات أخفاها الشاويش في جيبه واستدار منصرفا. وصاح بنا عم طاهر من حيث يقف عند فتحة الباب:" كبسة يا زملاء.. كبسة .. خبئوا كل شيء". أشاع صوته المتوتر الاضطراب فينا. هب من كان راقدا على الحشايا واقفا، وتلفت آخرون في كل اتجاه يفتشون بعيونهم عن مخابىء للممنوعات وهي الأقلام والورق والكتب. وكان عند شوقي دفتر صغير يحتوي على القصص التي كتبها زميلنا العجوز أستاذ كامل. أخفى شوقي الدفتر في أقرب مكان خطر له في غمرة اللهوجة والارتباك. وقفنا بعد ذلك في حلقات متباعدة من ثلاثة أو أربعة أفراد نتظاهر أننا ندردش في أمور اعتيادية، وما لبث أن ظهر ضابط شاب يتبعه أربعة عساكر. اقتحموا المكان، وراحوا يفتشون جيوبنا ثم تفرقوا يولجون أصابعهم في ثقوب الجدران، وأخذوا يبقرون بطون الحشايا، ولم يعثروا على شيء فاستداروا والضابط في المقدمة منصرفين من دون كلمة.

ارتخت أعصابنا المشدودة. تمدد البعض على الحشايا يفرد ساقيه ويهدأ. أشعل آخرون سجائرهم بأصابع مرتجفة. تحركنا بعد أن استرخينا لنخرج ما أخفيناه. هنا ظهر الأستاذ كامل في منتصف العنبر، واقفا بالبيجاما والشبشب، تابع ببصره استعادة ما أخفيناه، ثم صاح على شوقي بقلق: " دفتر القصص يا باش مهندس؟". طمأنه شوقي:" دفترك في الحفظ والصون أستاذ"، قالها واتجه إلى حيث تقع المبولة في نهاية العنبر. اختفى بين جدرانها المنخفضة فلم نعد نرى سوى رأسه يتحرك. خرج بعد لحظات. وكان كامل قد بسط يده لتسلم الدفتر. مشى شوقي نحوه ومد إليه عجينة يقطر الماء من حوافها، ثم تمتم باكتئاب وغم: " متأسف جدا أستاذ.. الظاهر أعصاب الزملاء فكت بعد التفتيش فدخلوا المبولة.. و.. وأغرقوا الأوراق". صاح كامل مبهوتا:"تبولوا على قصصي؟!". رحت أنقل بصري بين وجه شوقي المتألم بعجز وبين الذهول الواضح على أستاذ كمال، وشعرت بعمق المهانة التي أحسها الرجل العجوز لأن أعز ما لدينا عرضة للتبول. لكن بعض الزملاء انفجروا في القهقهة حين سمعوا " تبولوا على قصصي؟". وقال زهير لشوقي بجدية مصطنعة: "عليك الآن، تعويضا للمؤلف عن خسارته أن تكتب له العدد نفسه من القصص وفي القضايا الطبقية ذاتها وأن تنصف الكادحين وتلعن أم الرأسمالية"، فتضاعفت الضحكات وكان معظمها تنفيسا عن التوتر الناجم من التفتيش الذي كان يمكن أن ينتهي بمنع الزيارات عنا أو حبس البعض انفراديا.

خرجت من غمرة الذكريات على صوت شوقي: "ها هو مقهى". نظرت حيث أشار بيده فرأيت مقهى في شارع جانبي مد الكراسي إلى الرصيف وبجواره وقفت عربة كبدة. قطعنا الطريق. تخيرنا منضدة وطلبنا فنجاني قهوة. حدجني شوقي طويلا كأنه يغترف من ملامحي شعوره بالماضي. سألته بفضول:" من الذي تعاودك ذكراه من الحبسة؟". رفع حاجبيه. فتح عينيه على آخرهما. قال مبتسما بأسى: " أستاذ كامل ودفتره. زهير وقصائده ". قطع الحديث بائع صحف حام حولنا ثم اقترب يعرض علينا الجرائد. صرفناه فتوقف عند منضدة مجاورة وأذناه مشرعتان ناحيتنا. لزمنا الصمت برهة حتى ابتعد البائع. في نفس اللحظة أطل من عيني فجأة السؤال القديم، بقوة، محسوسا، وظل معلقا في الهواء ما بيني وبين شوقي " لماذا كنت معتقلا"، وعندما استطالت اللحظة خفضت بصري فتمتم شوقي بصوت دافئ مثل ركبة طفل مخدوشة:" لعلك ما زلت تريد أن تعلم لماذا وضعوني في السجن؟". كنت أريد أن أعرف لكنني زممت شفتي كأني أقول له إن التصريح بالسبب رهن برغبته. عاد شوقي بظهره إلى الوراء. انسحب بروحه إلى زمن آخر. قال ببطء:" السبب غريب شوية. لقد رأيت حلما". لم أفهم ما يقصده. سألته:" حلم ؟". أجاب:" نعم. حلم. رأيت فيه سيارة تنعطف عند كوبري، وشخصا ملثما على دراجة نارية يقترب منها بسرعة خاطفة ثم يفتح النار على من بداخلها من رشاش. مجرد حلم، حتى أني بعدها بيومين كنت في منزل أحد الأصدقاء ورويت ما شاهدته على الحاضرين وكان من بينهم ضابط شاب كان ينصت إلى مبتسما". قلت مستفسرا: " وما المشكلة في ذلك؟". قال: " المشكلة أن الحلم تحقق بحذافيره بعد أسبوعين من تلك السهرة، فوقعت عملية اغتيال مسئول كبير بواسطة ملثم على دراجة نارية، وحين كتبت الصحف في ذلك تذكر الضابط الشاب أنه سبق أن سمع بمكان العملية والطريقة التي نفذت بها، ثم تذكر تلك السهرة، وتذكرني، وجزم من التطابق بين ما سمعه وما وقع بعد  ذلك بأنني ضالع في ما جرى، وتقدم ببلاغ بما لديه، فهبطوا علي في الليل واقتادوني من غرفة النوم إلى القلعة. في حجرة ضيقة خانقة يسألني الضابط: " كيف لك أن تعلم بالدراجة النارية؟ والملثم؟ والكوبري؟ إن لم تكن لك علاقة بمن قاموا بالعملية؟". أقسمت أنه حلم فهتف ساخرا: " لابد إذا  أنك ولي من أولياء الله لكي يتجلى لك المستقبل". انقضت عشرة أيام بلياليها ما بين الزنزانة ومكتب الضابط، الواضح أن الأجهزة كانت تتحرى عني خلال ذلك، ولم تجد لي علاقة بشيء فتقرر ترحيلي إلى معتقل طرة ربما يتضح شيء. أربعة أعوام وراء الجدران لأنني لم أستطع أن أثبت أنه مجرد حلم ". سألته مهموما بأسف: " لكن لماذا أخفيت عنا كل هذا ؟". ضرب شوقي ركبته بأطراف أصابعه قائلا: " فكرت أن الكلام قادني للسجن مرة ولعل التزام الصمت أفضل". تنهد يسألني: " هل تذكر الليلة التي جلسنا فيها حول عم طاهر حين أخذ يروى علينا نتفا من ذكرياته في المعتقلات؟ كان مسترسلا في حكاياته، ونوادره، وفجأة توقف عن الكلام، شرد، ثم تمتم يحدث نفسه كأنما يلومها ويعاتب القدر:" أخلصت العمر كله لقضية، كيف لم يتحقق منها شيء؟". في تلك اللحظة بدا وجهه كأنما مزقت الهواجس والشكوك يقينه. أما أنا فبقيت طوال مدة الاعتقال أفكر أن عم طاهر كان يعلم ماذا يفعل، ولأجل ماذا، والضريبة التي سيتحملها، بينما حبست أنا بالمصادفة، مجرد مصادفة". حاولت أن أفسر له وأن أهون عليه:" هي مصادفة، لكن لا تنس أنها في سياق القانون العام. المصادفة تحدث فقط حين يسمح بها الوضع العام، وحين تكون جزءا منه، وتعبيرا عن الممكن في ظل ظروف معينة". تأملني شوقي مفكرا، فأردفت: " وعلى سبيل المثال فإنك لا يمكن أن ترى ولو بالمصادفة جملا يمشي في السماء!". ابتسم شوقي وهز رأسه وفي عينيه دهشة سعيدة بما قلته.

لزمنا الصمت برهة، وبدأت أشعر ببرودة الليل، أحكمت ياقة قميصي حول رقبتي والعتمة تتحدر من السماء موجا بطيئا، تطفو بين قمم العمائر، وتنزلق إلى المنضدة حيث نجلس فتطفي لمعة الملاعق الصغيرة. أدار شوقي إصبعه على حافة فنجانه الفارغ تقدم بوجهه ناحيتي وسألني باهتمام:" وأنت.. قل لي.. ما أخبارك؟". تمتمت: " تمام.. الحمد لله". نهض شوقي واقفا:" يا الله.. فلندفع الحساب ونتحرك". خرجنا من المقهى نسير ببطء من دون أن نتكلم وقد سرحنا في الشوارع والأشجار تلفها عتمة وظلالها تسيل في هواجس الصمت والسكون الذي حل على المدينة.

***

د. أحمد الخميسي - قاص وكاتب صحفي مصري

قلبي العنيدُ يسألني

في صيّغ شتى

عن أيام تنفلت من يدي

عن حاضر يوشك

أن يصبح ذكرى؟

عن عيون بريئة

ترنو لحلم يتلاشى؟

عن أشياء كانت تسعدني

عن أحلام كانت ترافقني

عن أنسام كانت تنعشني

عن أسماء كانت تبهرني؟

قلبي العنيد يعاتبني

في صِيّغ شتى

يرسم للوجع صورة

بلا معنى

يخطُّ للعمر مسارا

دون مغزى

قلبي العنيد يسألني

في صيغ شتى

عن حب أزهر ذات مرة

عن موجة بياض عذراء

تسكن عقلي

عن واحة جَذَلٍ خضراء

تشرح صدري

2

حكايتي لا تحتمل وجع

السؤال

حكايتي لا تحتمل هذا

المآل

والمرور من حال إلى

حال

حكايتي مجرد حلم

رتيب

مر عابرا كذكرى

باهتة

3

سأرقص وحيدا عند ربوة

أحزاني

سأحمل باقة ورد ذابلة

وأقيم قداسا عند جذع

سنديانة عجوز

سأطرق باب الحياة

وأعلن الثورة

على أزمنة البوار

سأوزع مناشير التمرد

على فقراء المدينة

ثم أختار صقيع المنفى

4

وجع السؤال يدحرجني

بين أقدام الأيام

يمنعني من التقاط

الأنفاس

الدرب يضيع مني

أنا الشريد التائه في

حقول البوار

أنا الغريب الشارد الخطى

بين بساتين الضجر

أهدهد ذكرياتي في دوح

الانتظار

ابتسم بحرقة لغيمات تحتضر

أرتق بكارة أحلامي التعيسة

***

محمد محضار

6 شتنبر 2022

 

 

الاشجارُ حزينةٌ

لا تصدقُ

أن موسمَ الخريفِ

قد حانَ

وأن أوراقها

تفترش الأرضَ

معلنة الشحوب

*

نافذته مغلقة

ومصابيح غرفته شاحبة

كوجه أمه المتعب

*

حلمت

أنك عائد

فتحت عيني

وجدتني في العراء

*

احسب ان عيوني

جفَّ دمعُها

وانَّ المعزينَ

اشاروا عليّ بالحزنِ

*

عنفني أحدُهم:

حين رأني

بالقميص الرماديّ

وآخرُ:

حمد اللهُ متهكّمًا

لأنّي ابتسمتّ

لطرفةٍ سَردَها

وأمّا الثالثُ

فكان يتمنى انطفائي

*

ما بعد العاصفة

ليس كما قبلها

*

صحيح اني امشي

وامارس حياتي

مثل كل رجل

اخرج صباحا للعمل

وأعود محملا

بأعمال اليوم القادم

لكن النائحة حولي

*

اتابع التلفاز

لكني

كرهت البرامج السياسية

لأني رجل مهزوم من العويل

ولا طاقة لي

بتحمل الأكاذيب

*

بعد عام ونيف

انتظر عودتك

فاتساع الامنيات

لا يندر  بالاياب

*

مثلما تركتك وحيدا

أجدك وحيدا

تنتظرني

بثوب ابيض

*

لم اصب بالاحباط

ثمة يقين في داخلي

انكم  طاهرون

أراك مبتسما دائما

تلوذ بعباءة بيضاء

وراية

وكف

***

د . جاسم الخالدي

حينَ يصيرُ الفَجْرْ

ساقيةً ظامئةً

يَسْخَرُ  منها النّهْرْ

أُحسُّ أنّ لا جَدْوى مِنَ الدموعْ

وأنّ لا مَأْمَنَ في الرجوعْ

فترتدي مشاعري

علامةُ اِستفهامْ

تَهْجُرُني وِسادتي

تَهْرُبُ مِنّي

وأرى السّريرْ

يَتبعُها

وإنني أطيرْ

خلفَهما

بالرّيحِ أستجيرْ

...........................................

...........................................

حين يصيرُ  اليَوْمُ، لا ليلَ لهُ

ولا نهارَ بعدهُ

أو قَبْلَهُ

كَيْفَ سَيُنهي بَطْشَهُ الكابوسْ؟

وكَيْفَ يَسْتطيبُ الوقتُ للنّفوسْ؟

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

الى: صديقي العذب،

زميل الأيام الخوالي في مستنصرية القلب

 جمال شاكر محمود ..

***

مِنْ تِـلكَ الأيامْ

ونافِذَةِ الذّكرياتِ العَـذِبة

أُدَغْـدِغُ نبَضاتِ قـلبِكَ الطيّبِ يا صَديقي

مُشاكِساً بِـروحٍ شفّافةٍ

تِلكَ الانكِساراتِ التي ما انْفَكتْ تُطارِدُ رومانسيَتكَ

مِنْ بَـينِ كلِّ الوُجوهِ

وكُلِّ تلكَ الابْتِساماتِ المُشْرِقةِ

وَهالةٌ من الأنوثَةِ الساحِـرَة

كانَ وجْهُ (أيسرَ)(2) أكْثرَ إشْراقاً

منْ كُلِّ نُجومِ هذا الكونْ

كانتْ نظرتُها مُطرزةٌ ب (غَـنِجِ) الأُنْـثى

وابتسامَتُها هادِئةٌ مُوشّحةٌ بكُلِّ الألوانْ

مُحلاةٌ بِنَكْهةِ ذاكَ العَـقـْدُ الثَمانينيُّ المَجْـنونْ

ظلَّ صَدى نغَـماتِها في كُلِّ أرجاءِ المُستنْصِريةِ

يشِدُّك بِعذوبَةِ تِلكَ الذِكْـرياتْ

وَحـينَ انْتَهـتْ سَنواتُ الدِراسةِ فُجأةٍ

انْفـرَطَ عَـقـْدُ اللوْعةِ

وألقَـتْ بِنا الحَياةُ في مَتاهاتِ الحُروبِ

لـكِنّكَ بقـيتَ تسْمعُ أنـينَ هَـمساتِكَ

وَيغْـتالُكَ في كُلَّ لحْظةٍ ذاكَ الماضي

فالذِكْرياتُ تَـبْقى شفّافةً حـينَ الوَجَعِ

وَفي آخِـرِ الـلّيلِ وَحيداً تهْـمِـسُ

(أه لَـوْ تَـدري حَـبـيبي

كَـيفْ أيّـامي بِدونكْ؟

لـيه كُلْ ما جيتْ اسألْ هالمَكانْ

اسمعْ الماضي يكولْ: الأماكِنْ، الأماكِنْ .. كُلّها مُشتاقة لكْ)(3)

لكِنَّ العُـمرَ يا صَديقي مَضى

وَظلَّـتْ أماكِنُ تِلكَ الأيام بشَوْقِها

تَـنْخـرُ فينا الصَدى

وضحِكاتٌ لا تُنسى

شابتْ اللِحى

وكبُـرْنا معَ الأولادْ

وقِصصُ الأحْفادْ

وَصِرنا منْ مُخلفاتِ تِلكَ الظنونْ

يعـتصِرُنا كلامٌ في القـلبِ مكنونْ

ويحتضِنُـنا لـيلٌ لمْ يبُحْ حتى الآنَ بكُلِّ أسْـرارِ الشّوقِ

نَغْـفـوا على شجَـنِ أمِّ كلثومَ

وَنصْحوا على صوْتِ فَـيروزَ

وَنُداري هَـزائِمَنا

وَبعدَ أنْ ضاعَ العُـمرُ في متاهةِ العَـثراتْ

بّقـينا في حَـيْرةٍ لا مُـتناهيَة

وَ (ما مِشْ بعَـدْ كل رِجا والدِّنيا حَـزْنانَة

والهَجِـر جودرْ غَـفُـلْ والروحْ عَـطْشانَة

رَدّيتْ ما مِشْ وِفَة والشِفّة خَجْلانَة

جا وِينْ أودّي الحَجِي واتْعاتَب ويامَنْ)(4)

بَعْـدَ أنْ فـَرّقـتْنا الأماني

وَ(لَـوْ) التَّمنّي

أحدُنا يَبعدُ عَـنِ الآخـرِ نبْضةَ قـلـبْ !

لكنْ . . !

أنّى لهُ اجْـتيازَ كُـلِّ تِـلكِ المَسافاتْ ؟

***

د. ستار البياتي - بغداد

في 15/5/2020

................................

1. من قصائد ديواني القادم () .

2. أيسر: كانت احدى زميلات الدراسة الجامعية في النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن العشرين . .

3. جزء من قصيدة (الأماكن) للشاعر السعودي منصور الشادي، غناها الفنان المعروف محمد عبده، وهي من الحان الفنان ناصر الصالح .

4. جزء من قصيدة (جاوبني تدري الوكت) للشاعر العراقي كامل جبر العامري، لحنها الملحن محمد جواد أموري وغناها المطرب حسين نعمة .

 

حينَ أبحرتُ على مَركبِ شكّي

وشِراعي ..

نُقشَت فيهِ تَراتيلُ اليَقينْ

ومَجاذيفي ..

على أعوادِها خَتمُ الوُجوب

صَدّني مَوجٌ كسخطٍ لإنصياعي

هادراَ يَلطمُ فُلْكي

مُغرقاً ماكانَ يَطفو في الغُيوبْ

فاستدارت دَفّةَ الترحالِ عن عَصفِ القيامَة

وغُبارِ الأوّلينْ

كيفَ أرسو

وهَياجُ الرَيْبِ أعتىٰ من يَميني

ورياحٌ كَشَفتْ سترَ الظُنون

غيرُ مُجدٍ لسَفيني

شاطئٌ يومئُ للجانحِ في أهوالهِ

هادٍ كَذوب

فادّعىٰ مَن قَبِلَ الفِريَةَ ديناً

أنّني ضَيّعتُ إيماني

ولم أتبعْ وَليَّ المؤمنين

إنّ تقوايَ اضمحَلّتْ في الغُروب

حينَ ماتَ اليومُ مَحمولاً بتابوتِ الدُعاءْ

واليَتامىٰ كَسْبُهُم نَبشُ القمامة

**

إنّني، مَولايَ ياحامي الصَحيفَة

أرتَدي ثَوبي

ولا ثوبَ الوَريث

وبأرضي يبَسَ البذرُ الذي

يَنبتُ منهُ اللّعنُ والتهويلُ

مِن حَدٍّ قَريب

أنتَ يامولايَ أكثرتَ الحَواشي

في كِتابِ الغابةِ العُليا

فصارَ المَتنُ مَخفيّا عَليّْ

وأضَفتَ النقطَةَ العَرجاءَ

في لَفظِ الرَحيم

كيفَ لي أقفو خُطاك

فطريقي هُدّ فيها صَرحُكُ البالي

وقد أدرَكتُ منها مَوضعَ التَغييرِ

كي أُلقي رِحالي

ذلكُم كانَ انكسارَ الدَربِ حَتى لا أراكْ

ولتقُل أنّي مُريب

قلَمي يكتبُ عنّي

وأَريبٌ أنتَ في التَحريفِ كي يَعمىٰ سواك

***

عادل الحنظل

(الإصحاح الأوَّل والأخير)

**

-: هَلُمُّوا، أَيها الشُّعَراءُ: مَعْنَى،

يُعِيْدُ المَسْجِدَ الأَقْصَى كأَدْنَى!

فرُبَّ مُطاوِلٍ زُحَلًا مُعانٌ،

ورُبَّ مُحاوِلٍ زَحْلًا مُعَنَّى

-: كُنِ المَعْنَى! تَقُوْلُ بَناتُ شِعْرِي،

وما لِسِواكَ مِنْ مَعْنًى لِيُبْنَى؟!

تُـمِيْطُ الحَزْنَ عَنْ مَسْرَى (سُهَيْلٍ)

وتُنْكِحُهُ (الثُّرَيَّا) قَبْلَ تُمْنَى

"إِذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُوْمٍ"،

فلا تَقْنَعْ بِنَجْمٍ، أو بِأَسْنَى

وسِرْ فَوْقَ المُحالِ، بلا مُحالٍ،

فما لِنِهايةٍ نَسْلٌ لِتُكْنَى

وسِيَّانِ اصطِباحُكَ كَأْسَ نارٍ

وما اصْطَبَحَ النُّواسِيُّ فجُنَّا!

**

-: وما الدُّنيا؟

-: "تِراجِدْيا الكُمِدْيا"!

بُطُوْلَتُها: الطَّعِيْنُ.. وسَنَّ طَعْنا!

-: أ هذا "ما جَناهُ أَبٌ على ابْنٍ"؟

-: وَصالَ ابْنٌ على الجانِي بِأَجْنَى!

**

تَمُجُّ الأرضَ شُطْآنُ المَنايا،

بِفاضِحِ مَوْجِها، إِنْسًا وجِنَّا

وتَرقُصُ خَيْلُها، سُودًا وبِيضًا،

غِضابا، في مَراقِصها اغتُصِبْنا

أَلا مَن يَلْتَحِمْ؟ والحَرْبُ عِيْدٌ،

بِأَيةِ حالَةٍ عادَ احْتُلِلْنا؟!

ومُنْذُ "الفَتْحِ"، (رُوْبِيْنُ)(1) يُدَلِّي

على الكَتْفَيْنِ رِجْلَيْهِ، وهُنَّا!

إِذا ما النَّمْلَةُ استَوْفَتْ مَداها

غَزَا رِيْشُ الهَوَى ظَهْرًا وبَطْنا(2)

وصَارَ لَها بِقَحْطانٍ عِيَالٌ

ومِنْ عَدْنانَ أَبناءٌ تَبَنَّى

أُسُوْدُ (شَرًى)، و(عَثَّرَ)، حامِياتٌ

(خِيامَ الرَّبِّ)، إِنْ ذَرٌّ تَجَنَّا!

**

متى يُجْدِيْ البُكَاءُ عَلَى بِلادٍ؟

وإِنْ شَهِدَتْ خرائطُها؟! وأَنَّى؟!

خَرِيْطَةَ (بَطْلِمُوْسَ)، عليكِ مِنَّا

دَمٌ يَرْوِيْ المَواطِنَ، إنْ جُهِلْنا

ولكنْ إنْ نَبَا لِلْحَقِّ سَيْفٌ

يَهِفُّ العُمْرَ حَسْراتٍ وأَنَّا

فعَيْنُ الشَّمْسِ تَعْمَى عَنْ يَدَيْها،

إِذا لَمْ تَبْتَقِمْ(3) في الشَّمْسِ عَيْنا!

**

كم اضْطَرَمَ العَواصِفُ في فُؤادٍ،

على جَمْرِ الحَنِيْنِ، بَكَى وحَنَّا

تَطُوْلُ صَلاةُ مُستَسْقِيْ اللَّوَاظِي،

ويُصْلِيْ (مالِكٌ) سُقْياهُ لَعْنَا

سَرابًا في كُؤوسٍ مِنْ رِمالٍ

شَرِبْنَ العِيْسَ، في الفَلَواتِ، ظَعْنا!

**

نَهَضْنا مِنْ ضَرِيْحِ المَوْجِ عُرْيا،

نَضِجُّ إِلَيْكَ، (بُوزَيْدُوْنَ): ...تُبْنا!

كَنَخْلٍ مِنْ غَياهِبِ (بِرْسِفُوْنٍ)،

لِفَجْرِ أَبِيْ المِياهِ، نَصِيْحُ: إنَّا...!

إِلى (دِيْمِيْتَرٍ)، أُمِّ المَهارَى،

نُعِدُّ الخَيْلَ (لابنِ زِيادَ) سُفْنا

لِتُبْحِرَ مِنْ مَواتِ (هَدِيْسَ)، تُحْيِيْ

رَمِيْـمًا، أَرْضَعَتْ سَلْواهُ مَنَّا!(4)

**

بِطُولِ شَوارِعِ التَّارِيْخِ نَعْدُو،

مِنَ البَرْدِ الجَحِيْمِ، نَفِرُّ مِنَّا

نَرَى حَدَقَ القُبُوْرِ طُيُوْرَ ماءٍ

ومِنْ صَخْرِ الجِبالِ السُّحْبُ تُجْنَى

يُصَلِّي الكاهِنُ النَّارِيُّ نارًا،

ونَحْنُ صَلاتُنا بِالمَاءِ تُبْنَى!

**

-: أُنادِيها؟ أ تَعْرِفُ صَوْتَ طِفْلٍ

يُنادِي أُمَّهُ: يا أُمُّ، عُدْنا؟

-: لِأَصْواتِ الطُّفُولَةِ أَلْفُ أُذْنٍ

بِقَلْبِ الأُمِّ، ما يُطْفِئْنَ أُذْنا

ولو نادَيْتَ ساجِيَةَ اللَّيالِي،

أَجابَ الفَجْرُ، مِدرارًا وهَتْنا

فما لِنُعاسِ غافِيَةٍ جُفُونٌ؛

يُكَحِّلُ لَيْلُها بِالخَيْلِ جَفْنا!

**

-: أَلا يا أَيها الأَطفالُ، يَكْفي!

اهْبِطُوا عَن سُلَّمَ الأَصواتِ، شِبْنا!

مَتَى تَأْتِي؟! دُعاؤكُمُ ثُغاءٌ..

كَأَنَّ المَوْتَ ناداها: كَأَنَّا...

**

-: أَلا يا نَظْرَةً مِنَّا إِلَينا..

إلى تِلْكَ المَدائنِ.. زِدْتِ غَبْنا

إلى تِلْكَ المَنائرِ كالثَّكَالَى

تُفَتِّشُ جَيْبَ (عِزرائيلَ) عَنَّا!

**

-: أ كانتْ أَمْسِ فينا؟ إِذْ سَمِعْنا

أَذانَ الفَجْرِ، صَدَّاحا تَغَنَّى؟

فعَبْرَ شَآمِنا أَسْرَى شَمالًا،

وعَبْرَ جَنُوْبِنا أَجْرَى وأَجْنَى؟

برُغْمِ كُهُوْفِنا، شادَ المَعالِي،

ورُغْمِ خَصاصَةٍ، أَغْنَى وأَقْنَى؟

**

أفاعي النَّارِ تَجتاسُ المَوانِي،

تُبِيْدُ شُمُوْسَها إِنْ لم تُبِدْنا

وتَمْتَحِنُ الذُّكُوْرَ بِكُلِّ أُنْثَى،

وتَمْتَحِنُ الإِناثَ بِكُلِّ أَزْنَى

لِتَعْرِفَ فارِقَ التَّوْقِيْتِ فِينا،

هِزَبْرَ الغِيْلِ، والرَّشَأَ الأَغَنَّا!

**

يَنامُ النَّوْمُ، والأَضواءُ تَسْهُو،

فيَلْتَمِعُ الحَنِيْنُ بِـ(قَيْسِ لُبْنَى)

وتَقْلَقُ في سَماءِ اللهِ شُهْبٌ،

ويَغْفُو ابنُ السَّمَالِقِ مُطْمَئِنَّا!

**

أ كانتْ أَمْسِ فينا؟ إِذْ سَمِعْنا

أَذانَ الفَجْرِ، صَدَّاحا مُغَنَّى؟

على عَرْشٍ مِنَ الشِّعْرِ المُصَفَّى

تُناغِي طِفْلَها، تُصْفِيْهِ فَنَّا

تُمَشِّطُ شَعْرَهُ الأَحْوَى بِمُشْطٍ

مِنَ العِطْرِ الأُمُوْمِيِّ المُحَنَّى

تُصَلِّي فَوْقَ رُكْبَتِها الصَّبَايا

لِتَقْبِسَ مِنْ لَـمَى شَفَتَيْهِ عَدْنا

تَقُولُ لَهُ: ستَمْشِي، يا أَمِيْرِي،

على الأَمْواج، غُصْنًا ضَمَّ غُصْنا

فأَدِّ صَلاةَ الاِستِسقاءِ تَنْدَى

قصائدُكَ السَّجِيْنَةُ فِيْكَ دَنَّا

(سَمِيرَامِيْسُ) تَسْبَحُ في القَوافِي

لِتُقْرِئَكَ الغَرامَ: رُؤًى، ووَزْنا

إِلى شَمْسِ القِيامَةِ عِشْ هَدِيْلًا،

يُراوِدُ غَيْمَةَ الكَشْفِ المُكَنَّى!

**

-: أ إِخْوَةُ (يُوسُفٍ) رَهَنُوا أَباهُمْ؟

ويُوسُفَ؟ وارْتَأَى (التَّلْمُودُ) رَهْنا؟

أَصِخْ، يا جُبُّ: يُوسُفُنا عَزِيْزٌ،

كـ(مِصْرَ)! وخِبْتَ، إِخْوانًا، وفُزْنا!

وحتَّى يَسْقُطَ الغُيْبُ المُرَجَّى،

سنَغْزِلُ مِنْ أَزِيْزِ النَّوْلِ كَوْنا

لِتَكْتَشِفَ النَّوافِذُ وَجْهَ لُبْنَى؛

يُشَكِّلُ في الهَوَى قَيْسًا مُثَنَّى!

**

-: أَلا يا أَيها الأَطفالُ، هُبُّوا!

اصعَدوا في غُلْمَةِ الأَصواتِ لَـحْنا!

لَقَدْ تَأْتِي! دُعاؤكُمُ ارتِقاءٌ..

إلى صَدَفِ الكَواكِبِ، حَيْثُ كُنَّا!

*

تَشُبُّ الطَّيْرُ صاخِبَةَ الخَطايا،

لِتَبْنِي الصَّمْتَ: إِيمانًا، وأَمْنا

لِتَسْطَعَ فيكَ أَضْواءً غِزارًا،

تُبَدِّدُ مِنْكَ، في الظُّلُماتِ، سِجْنا

لِتَسْطَعَ فيكَ أَضْواءً غِزارًا،

فتَأكَلَ رِيْبَةً، أَكَلَتْكَ ظَنَّا

لِتَسْطَعَ فيكَ أَضْواءً غِزارًا،

تُدِيْرُ لِـمَسْرَحِ الإِبداعِ شَأْنا

فتُوْقِظَ فِيْكَ بَيْدَرَكَ الشَّآمِي،

وتَحْصُدَ مِنْكَ ما يَمَنٌ تَـمَنَّى

عُواءُ الرِّيْحِ.. لا يَثْنِيْكَ رِيْحا،

هَدِيْرُ البَحْرِ.. لا يَعْلُوْكَ حِصْنا

-: كُنِ المَعْنَى! تَقُوْلُ بَناتُ شِعْرِي،

وهَلْ لِسِواكَ مِنْ مَعْنًى لِيُبْنَى؟!

وَحِيْدًا، تُشْعِلُ الآبادَ، بَدْرًا

يَصُوْغُ هِلالَهُ، والمَوْتُ يَفْنَى!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

...................................

(1) رُوبين: أكبر إخوة (يوسف)، الذين تآمروا عليه، حسب القِصَّة القرآنيَّة.

(2) هذا مَثلٌ شعبيٌّ. يُضرَب لما بلغ من الأمر اكتماله؛ فآذن بالنقصان فالفناء. مِثل النمل الذي لا تنبت له أجنحة إلَّا حين يبلغ نهاية حياته.

(3) ابتقَمَ، في لهجات جبال (فَيْفاء): اقتلَعَ، ولكن على نحوٍ استئصاليٍّ فيه عُنف. ولا نَجِد من هذه المادة في العربيَّة المدوَّنة إلَّا بقايا آثارها، الدالَّة على أصلها المندثر، أو المهمَل. من ذلك قول اللغويِّين: إنَّ التَبَقُّمُ: أكْلُ البَهِيمَةِ الكَلأ. وإنَّ بُقامة النادف: ما سقط من الصوف لا يقدر على غَزْله. (انظر: الصاحب بن عباد، المحيط في اللغة؛ ابن سيدة، المحكَم؛ ابن منظور، لسان العَرَب، (بقم)).

(4) الأسماء المشار إليها في الأبيات من أعلام الميثولوجيا الإغريقيَّة. ف(بوصيدون): إله البحار والمياه في أساطيرهم، ويقال إنه في الأصل إلهٌ (أمازيغيٌّ لِيبيٌّ)، اسمه (بوزيدون)، اقتبسته الميثولوجيا اليونانيَّة. و(ديميتر): آلهة الأرض والزرع والربيع. و(بيرسيفون): ابنتها الجميلة، عشقها (هَديس/ هاديس): إله العالم السُّفلي والموت، فاختطفها من أُمِّها، وغيَّبها عنها زمانًا. أمَّا (ابن زياد)، فإشارة إلى بطل الفتح الأندلسي المشهور: (طارق بن زياد)، المنسوب إليه حرق السُّفن، في الحكاية التاريخيَّة المعروفة؛ لمنع جيشه من الفرار، واضطرارهم إلى المواجهة. وهو- كما يرجِّح بعض المؤرِّخين- ينحدر من أصول أمازيغيَّة، مثل (بوزيدون)، إله البحار والمياه.

 

(سيرة شوكة وسكين)

رواية مهجرية قصيرة

***

الفصل الأول

صندوق خشبي صغير

شيئان فقط أثارا اهتمامي في الصندون الخشبيّ القديم!

كانت هناك عدة أشياء بدت لي عاديّة لاتستفزّني في تلك اللحظة:ولا تثير فضولي:

مذياع صغير من عام 1966 على شكل صندوق توفير لا يعمل إلا إذا وضعت في فتحته من الأعلى قطعة نقود فإذا ضغطت بإصبعي على القطعة عندئذ تهوي إلى قعر الصندوق فيصمت المذياع.

ثمّة أيضا وعاء شاي ابتعته في سبعينيات اقرن الماضي من سوق الخزافين. وعثرت على عملات نقدية من فئة الخمسة فلوس والعشرية والخمسين.

أوراق.. نقدية قديمة مصفوفة في رزمة ذيلت بورقة لم تتسرب إليها الصفرة.

محفظة جلدية وصلت عام 1969 هدية من القسم العربي في هيئة إذاعة اليابان هدية عن الفوز بإحدى المسابقات التي لم أعد أذكرها.

قلم حبر علامة سايكو: اشتريته في السنة الجامعية الأولى. دائما أراهن أبي الذي يقول إن علامة باركر أفضل من سايكو وكان بعض زملائي في الجامعة يفضلون علامة شيفر..

مشط من النايلون لشعر مجعد فاحم كان ذات يوما غزيرا فأصبع مع السنين بضع شعرات تتناثر على جانبي الرأس.

مقراضة الأظافر.

كراس خريجي دفعة عام 1971 بالأسماء والصور.

ركوة قهوة لا أستطيع أن أقول عنها قديمة مثل قلم الحبر وكراس الجامعة.. كنت منذ سن المراهقة أحبّذ القهوة على الشاي. لاأستسيغه أشرب فنجان قهوة كل صباح على الريق وأبقى أتلذذ بطعمه المر على طرف لساني. من أجل المرارة التي أتلذذ بها لا أفطر بعض الأحيان.

هذا الخاطر يسطع في ذهني الآن.

لا أكثر.

أما الشوكة والسكين فكان لهما لون آخر لا لكونهما أقدم محتويات الصندوق زمنا، كانا قد دخلا البيت منذ بداية أربعينيات القرن الماضي، بل لأنهما يعنيان عندي الشئ الكثير.

معنى آخر

علاقة عميقة تشدني إلى قريتي التي انمحت من الوجود بسبب حرب الخليج الأولى.

وإذ أتحدث عنهما فإنه يمكن أن أن أتكلّم عن سيرة قرية بكاملها أو شخص ما وربما عدة أشخاص.

هل يُعقل ذلك؟

بعد عقد من الزمان وأكثر.. كل هذا الخراب الذي شاهدته وكل تلك التفجيرات والحرب الأهلية التي تحيطني من كل جهة حالما وصلت لا يثير اهتمامي إلا صندوق صغير يضم بعض القديم الذي نسيته تماما وتلاشى من ذاكرتي.

لكن لماذا اختارت والدتي الشوكة والسكين فجعلتمها من محتويات الصندوق.

تقول لي أختي المرحومة تركت لك هذا الصندوق لم تسمح لأحد أن يفتحه وطلبت منا أن نسلمه لك وكانت تبتسم ابتسامة مرة وتضيف:لك أن تتصور أنها لم تقبل أن نتصرف بالنقود التي وضعتها مع الأشياء الأخرى قبل أن تفقد قيمتها وكنا في ذلك الوقت بحاجة لها.

امتدت يدي نحو الرزمة ونزعتها من الحبل المطاط فتوزعت بين يدي النقود بعضها ارتسمت عليه صورة الرئيس عشرة آلاف دينار .. البنك المركزي العراقي. وبعض منها مازالت تحتفظ بصورة الملوية الشهيرة، فأهزّ رأسي وأقرأ:

عشرة آلاف دينار للغائب الغالي حصته من إرث المرحوم والده.

التفت إلى أختي:

أظن هذا خطك؟

نعم وأكدت ثانية كالمعتذرة:

أبدا لم تكن تسمح لنا بالتلاعب بنقودك

فغطيت على تأففي بابتسامة:

على الاقل كنتم تستفيدون منها زمن الحصار مثلما قلت.

وقد أعرضت عن كل المحتويات ماعدا هذين الشيئين اللذين بانا غريبين وسط حشد من سلع متباينة فأغلقت الصندوق برفق وهززت رأسي رحت أتمتم مع نفسي:

ياله من زمن طويل وجدته أمامي ينحشر بصندوق خشبي صغير على شكل أشياء متباينة ليس بينها من رابط في سوى شيئين لم يكونا ليعودا إليّ وحدي مثل بقية الأشياء..

**

الفصل الثاني

على مشارف الخراب

هل كان الصندوق يلاحقني طوال تلك السنوات المرة أم ينتظرني وأنا في غفلة عنه؟

شئ محير حقا

مدة طويلة مرت وانا غافل عن الشوكة والسكين عبرت حرب الخليج الأولى ففر أهلي إلى البصرة ولم تعد قرية نهر جاسم تبدو للرؤية

انقرضت

تلاشت

عاشت في الضمير فقط

وقتها تابعت أخبارها وأنا في لندن من المذياع.. النخيل تهاوى.. الأنهر اندرست.. البيوت البسيطة الجميلة تساوت مع التراب .. لا عنب ولا رمان.. ساحة معركة.. تلة عريزة مقبرة الأطفال.. . رصاص ودبابات.. ألغام فحسب هذا ما سمعته من جميع الإذاعات .. القرى الحدودية لم يعد لها وجود..

هذه المرة اعترتني فكرة أن أذهب وحدي. لم يمر على وصولي البصرة سوى أربعة أيام . منذ اليوم الأول انكشف لي الصندوق الخشبي الصغير فطلت علي الشوكة والسكين، استفزاني كأنّهما وحدهما يدعواني إليهما.. يتحدثان معي بلهجة ودودة غريبة.. فأرى فيهما سجلا لبعض مامر بعض ما وجدته في الصندوق انقرض بعامل الزمن أو تعطّل .. العملة فقدت قيمتها، انتهت العملات المعدنية. المذياع صامت لعله يعمل فَلِمَ أصرف وقتا لأبدّل بطاريته وأضع في شقه قطعة معدنية.

عبث..

حين أردت المجئ لأرى المشهد الذي سمعته قبل سنوات راودتني فكرة أن أذهب وحدي

لا أحب أن يشاركني أحد رؤية هذا الخراب العظيم

هناك مسحة جمال في كل شئ

الدمار نفسه يكون أحيانا جميلا فاتنا يجذبك فتطيل النظر إليه. تنبهر به

قال لي سائق سيارة الأجرة

هذا هو الطريق العام

أليس هذا ضريح الولي السيد جاسم؟

نعم ياسيدي

سأبقى بعض الوقت هنا هل يمكنك أن تعود بعد ساعة؟

نعم ياسيدي خذ راحتك . أدّ نذرك لكن احذر أن تتوغل في العمق الطريق وحده آمن من الألغام

شكرا لك

كيف لم تُودِ الحرب بالضريح، أهي معجزة أخرى؟أظن الآجر نفسه، والباب القديم، وهناك:صاحب الشوكة والسكين نفسه أدى نذرا ذات يوم للسيد جاسم. فأصبح شاهدا على إحدى المعجزات.. نجس لم يجرؤ على الزيارة لكنه اشترى خروفا وطلب من مختار القرية حسين صعيبر أن يذبح الخروف بباب ضريح السيد ويوزعه على الفقراء،  وقتها كما شاع بين الأهالي أن ابنة مستر دوسن مرضت بطاعون الكوليرا الوباء الجديد الذي غزا العالم من أقصاه إلى أقصاه فجلبت لها إحدى الفلاحات العاملات في القصر علقا من ضريح السيد جاسم فشفيت.

وكذوبان الملح في الماء التفت فرأيت أن قصر مستر دوسن ذا الآجر الأنيق والحديقة الواسعة اختفى فتساوى مع التراب.. وتلاشى المسبح المهجور الذي بناه أمام قصره، لقد سكن ذلك القصر الجميل ابو محمد جاسم العبد حالما غادرت العائلة الإنكليزية القرية وسكن فيه يفلح الارض لمالكيها الجدد حتى استعرت الحرب.

عادت نهر جاسم إلى صيغتها الأولى

قبل أن ينتشر فيها النخيل بعدما انحسر طاعون الحرب العظمى.

هل كل ذلك يمر بدقائق وينتهي إلى التراب؟

أم أن القرية كانت مسحورة ظهرت مدّة وغابت فجأة عن العيون؟

أما الضريح نفسه فقد بقي وحده يروي بصمت جليل عن كل ماجرى من أسرار ومعجزات.

راودني شعور أني شحص غريب أزور المكان للمرة الأولى

صحفي

عابر سبيل

سائح.. جلس في الباب يستريح وصرف نظره عن شماله حيث القصر الذي كان والمسبح

تطلع باتجاه القرية من على يمينه فوقع بصره على امتداد لامتناه. النهر الأعمى اختفى. غاب النهر المالح. النهر الكودي . بقايا النخيل تدعوه كساحرات يحببن أن يقدنه فيما لو تحرك من مكانه إلى تلة عريزة حيث يدفن الأهالي جثامين الأطفال الصغار ثلاثة إخوة له ولدوا موتى التهمتهم عريزة، . والتلّة نفسها اختفت وبقيت الساحرات يحطن بها عن بعد. وتلك أحب النخل إليه النخلة الأصغر سنا من الجميع في الصف عن يسار باب البيت الكبير الخلفي سماها نشوة كان يشهق من الغبطة حين يرى في عذقها تمرة مثقوبة يتجمع في حفرتها الصغيرة سكر لسائل لزج يروح يمتصه ولا يجد لحلاوته شبيها.

بصري كاد يتعب وأنا أشطر نفسي بين شخص عاش في المكان وآخر غريب يراه عن بعدبصر

كأني غفوت

كنت غريبا عن نفسي

كانت العائلة تأتي إلى البستان من التنومة كل يوم خميس لتعود في إلى التنومة عصر اليوم التالي.

والآن دفعتني إليه الشوكة والسكين

إذ

لم يبق من الخراب العظيم سوى هذا المكان، أما بصري فيفترض أن المشاهد التي اندرست كانت على وفق ماتصورتها من قبل!

تخمينات لاغير

وفي غفوتي التي طالت رأيت بياضا يأتي من بعيد.. يتخطّى إلي أخاديد الأرض من جهة الحدود. أعرفه ليس رجل الضريح المهيب الذي قلب السكين ووضعها على رقبتي في عاشوراء وصاح الله أكبر بل القادم الغريب. المهيب السيد جاسم نفسه يطالعه بابتسامته الرزينة، لم يتكلم بل يضع يده اليمنى على كتفي:

هل أديت نذرك ايها الاستاذ

أنتبه

أرفع بصري

فإذا هو السائق الذي عاد وراح يهزني برفق من كتفي فرفعت راسي أسفا على حلم ضاع قبل أن يتمّ ولعل السائق أحس بما يجول بذهني فقال كالمعتذر:

آسف استاذ قلت لي أن أعود بعد ساعة!

**

الفصل الثالث

في البدء كانت الشوكة والسكين

أظن أن حكاية طويلة عريضة بدأت معهما حالما فتحت الصندوق..

أرجع للتاريخ نفسه:

عام 1930 وربما قبل ذلك العام ببضع سنين قدم مستر دوسن إلى المكان ذاته. كانت عدما لا أحد يعرفها لا نخل فيها ولازرع. امتداد خاوٍ إلى الحدود.

فراغ

برّ تسرح فيه الذئاب وبعض الضباع

وخنازير تتمرّغ في مستنقعات ضحلة تخلفت بمحاذاة الضفاف من ماء ينضح تسرّب من النهر.

عندئذٍ

بنى القادم الغريب الوجه واللسان قصرا على بعد مرمى من الشط الصغير سماه الناس بعدئذ (بيت جوك)، كانت هناك بعدئذٍ غابة من االبرحي والحلاوي والساير ذي البلح الطولي والزهدي والخصاب.. غابة تسبح بالضوء وتردّ الحرّ اللاهب بظلال نخلها كانت هناك سواقٍ تجري مع المدّ، و يشخص بين النخيل برقوق وعنب وتين ورمان وعندما أزهر النخل وتلألأت عناقيده راح مستر دوسن يبع الأرض الواسعة التي زرعها في الفراغ..

من أين جاء بالنخل؟لا أحد يدري

ولا تعتريني الدهشة إذا عرفت أن والدي اشترى بستانا من مستر دوسن. رأيته وأنا صغير أجمل أرض. صديقتي النخلة القريبة من باب البيت الخلفي كانت فسيلة وقد كبرت وعانق سعفها سطح بيتنا القديم. حين غادرت البلد . من الغريب أني لم أر الشوكة والسكين حين كنت صغيرا في نهر جاسم. ليست هناك من مناسبة لأراهما بل سمعت من أمي وجدتي أن والدي بعد أن عقد صفقة مع مستر دوسن لشراء الأرض دعاه إلى مأدبة:

قاطعت جدتي بفضول:

لِمَ باع مستر دوسن الأرض؟

أراد أن يرجع إلى بلده؟

ويقول أبي: ياولدي الإنكليز أحسوا أنهم لن يبقوا طويلا في البلد ففضلوا تصفية ممتلكاتهم في العراق.

يعني عرفوا ستكون 14 تموز؟

الإنكليز دهاة يعرفون كل شئ

متى اشتريتها منه ؟

عام 1943

يعني قبل أن أولد بسبع سنوات والتفت إلى جدتي:

هل رأيت مستر دوسن؟

لمحته مرة أو مرتين وهو يعبر على حصانه إلى أرضه في (حسجان) قبل أن يبيعها كان طويلا نحيفا تكاد رجلاه تخطان في الأرض يتقي الشمس اللاهبَه بقبعته وكلما مرّ من أمام ضريح السيد جاسم رفع قبعته يحيي صاحب الضريح.

تضيف أمي بكلّ حماس:

صحيح أنه نصراني يشرب الخمر لكنه والحق يقال كان يخاف من السيد وقدم نذرا للضريح بعد أن شفى ابنته من الكوليرا.

لقد تطبع بعاداتنا هو وعائلته

أهل نهر جاسم يتداولون إنه نصراني الدين والهوى رؤوا قسسا يزورونه وأجانب يقصدون قصره، لكنه مسلم السلوك، والدين .. أخلاق رفيعة تنقص الكثير منّا نحن المسلمين. ماعلينا منه ومن دينه الم يبن لنا مدرسة ابتدائية في الدعيجي ووعد الأذكياء من التلاميذ والمتفوقين منهم ببعثات إلى لندن. وحين سألوا الشيخ إمام جامع العشّار قال إذا عاشرتموه اغسلوا الصحون بماء النهر الجاري وامسحوا مكان جلوسه بخرقة مبللة بالماء.

ذلك كاف لأن يزول معه كل دنس ورجس.

قبل الدعوة بيوم ذهب أبي إلى العشار اشترى شوكة وسكينا، لم يدع أحدا مع مستر دوسن وربما كان هو الوحيد من بين الذين ابتاعوا الأرض الذي دعا السيد دوسن إلى وليمة. جلس بسرواله على الأرض. تربع مثلنا .. كان أبي يمدّ يده إلى الطعام. ويرفع المستر دوسن الشوكة والسكين ويتمتم مع مضيفه بالبسملة.

ثمّ

بعدها

غسلتهما أمي والصحن الذي أكل منه بماء نهر المالح الجاري وكانت تبسمل!

**

الفصل الرابع

اكتشاف

ذات يوم، عبثت برفوف المطبخ فوقع بصري على الشوكة والسكين في الرف اليمين فوق حنفية الحوض أكاد من قبل لم أرهما، ولا أعلم أن ابي أو أمي استخدماهما. كنت أحيانا أعبث في درج المطبخ والرفوف ذات الأبواب المعدنية لعلني أعثر على قطعة حلوى أو فتات سكر .

حملتهما إلى أمي كأني عثرت على كنز ثمين:

شئ غريب في بيتنا.

هل تسلقت إلى الرفوف لا أظن أن هناك سكرا أوبعض حلوى

ماهذا؟

هذان اشتراهما والدك للمستر دوسن يأكل بهما.

تخيلته هذه المرّة شأني كلما سمعت باسمه، ولم تكن صورته لتثبت في ذهني بصيغة واحدة، مرة أراه رجلا أبيض ا شقرة يلبس الطربوش أو من حاسي الرأس، وفي كثير من الأحيان أتخيله راكبا حصانا أحمر بيل أبيض، وحين دعتني والدتي إلى الطعام، تركت الملعقة جانبا، ونططت إلى المطبخ أخرجت الشوكة والسكين وعدت إلى طعامي.. في القرية كاننا نأكل-شأن الآخرين- بأيدينا لكن العائلة بعد أن استقرت في المدينة اخذت تأكل بالملعقة. الاسرة كلها من دون استنثاء والدتي ووالدي يحنان إلى الأكل باليد. يريانه أكثر ثوابا بل الأفضل أن نمص أصابعنا. أثرت دهشة أمي فقالت:

هل أصبحت إنكليزيا ؟

وسخر أبي وهو يعوج فمه yes ok

ثمّ استغرق في ضحك طويل وعقب:

هم يمسكون السكين باليمنى والشوكة باليسرى يلتقطون بها الطعام

حولتهما كما قال أبي أما أمي فقد انحنت والتقطتهما من يده وهي تقول:

ايها المتنكلز كفى لعبا كل بالملعقة وإلا سيطير الطعام من بيتنا!

لا عليك أدرس جيدا وانجح بمعدل عال وسوف أبعثك إلى لندن إن شاء الله لتدرس وتعود لنا طبيبا أو مهندسا.

تضيف جدتي:

الله على كل شئ قدير يا عبد غسع وأنا أعينك.

ترى يا أبي لو بقي دوسن في نهر جاسم لكان يرسلني إلى لندن؟

تعلق أم ثانية:

 وأين هي المدرسة التي أسها في الدعيجي حالما باع البساتين أغلقت الحكومة لاوفقهم الله مدرسة الدعيجي وإلا لكان أخواك الآن في الثانوية..

وعقب الأب متذمرا

والله لولا دراستك وسهولة النقل لما تركت البستان هناك واشتريت بيتا في التنومة!

تضيف جدتي:

البركة فيك خسر أخوك الكبير المدرسة أنت وأخوك سمير (كان يجلس جنبها في أغلب الأحيان وتدلله أكثر منا لكونه الأصغر) فيكما شدوا حيلكم المدرسة قريبة من البيت.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى، فقد أعرضت عن الأكل بهما تأملت في قول أمي أننا نتناول الطعام باليد اليمنى اما مع السكين والشوكة باليد اليسرى فإنّ البركة تضيع . كنت أمثل فقط وأقلد الأجانب فقط أجلس ألعب مرة دور المعلم وثانية ضابطا هكذا أتخيل نفسي ومرة أخرى إنكليزيا في التمثيل نفسه الذي يلجأ إليه الأولاد بعض الأحيان أحول الشوكة إلى اليد اليمنى من أجل البركة وقد خرجت ذات يوم إلى الشارع فسألت اصحابي في بيت أيّ أحد منهم شوكة وسكين. لو قلت سكينا وحدها لأثار السؤال سخرية الجميع إذ لا بيت يخلو من سكاكين وقد اعترضوا جميعهم:

الشوكة حرام نعم حرام

فأجبت مفتخرا:

نحن لا نأكل بهاي لكن والده اشتراهما حين دعا المستر دوسن. في نهر جاسم إلى طعام غداء.

لكل جسد

ربعه الخالي...

تقطنه أشباح أحلام متسكعة

في غفلة من الليل

حينما يكون الصمت

سيد المقام...

لكل شبح قصة غرام

تزن بالحرف

صفحات من الآلام...

الروح

تسري به ليلا

إلى حيث النجوم

تقيم لهم عرسا

بإناث الأحلام...

وفي النهار

يُعلق في الأعالي

كورق مقوى

على جبل من صخر

تقابله شمس

من فوق صدى الجبال...

***

محمد العرجوني

05-9-2022

من ثقب باب العالم.

عيوننا للضوء ترتقب

على ومضات نوره

صغنا الحلم املا

نحيا الحاضر به

و لغدنا نعبر

صرير المفتاح

بباب مدينتي

يقتل كينونة الإنسان

قسرا بيادق الجسد

على الرقعة تنتقل

حشود من اللاعبين

بلا رايات أو خجل

يبحثون عن الأمل المجنون

لآلهة تنشر الحقد ثم تندثر

ونحن في ليالينا

تمضغنا الكآبة

و يقتلنا الملل

نستذكر الأموات

وأيامهم في حفلة الأجيال

حيث الدهور تنصرم

بلا حول ولا قوة

نفهرس اللعبة

ونفلسف المأساة

نكتة مؤدبة

كيمياء الحياة

حينما يزحف الموت

على أطرافه

بوقاره القديم

ليسخر من أقدار

الزمن الموطوء

وافعاله الممنوعة

من الصرف

***

أروى السامرائي

 

هَلْ يُصلحُ الخيّاطُ

ما مزَّقَهُ الذئابُ

والثعالبُ والضباعُ

والافاعي والكلابْ؟

وهَلْ يُصْلحُ العطّارُ

ما افسَدَهُ الخائنونْ

وطغاةُ القَهْرْ

وزُناةُ العَصْرْ

وصُنّاعِ الحرائقِ والخرابْ

وتجّارُ العروشْ

وخرفانُ الكروشْ

والحروبِ والذنوبْ

والرؤوسِ والكؤوسْ

والآراضي البورِ

والوطنِ اليبابْ

والمُشعلونَ حروبَهمْ

والشاهرونَ نيوبهمْ

والنافثاتُ سمومهنْ

حتى يُمَزّقوا

جلدَكَ الكوني

وكلَّ الخرائطِ

وأديمَ أَرضِكْ

أَيُّها الوطنُ الجريحُ

بلا أَحدْ

وأَنتَ تحملُ فوقَ ظهرِكْ

بلداً على شعبٍ

وشعبٍ على بَلَدْ

ولالالالالالالالالالا

لالالالالالالالا أَحَدْ

**

ماذا تبقّى منكَ

ياآبنَ الرافدينْ؟

سوى الخرائبِ ْ

والضحايا والمصائبْ

والسبايا والعرايا

وكلُّ شيءٍ

فيكَ شاحبْ؟

**

لمَ انتَ ترضى

ثُمَّ تصمتُ

ثُمَّ تخنعُ

ثُمَّ تركعُ؟

ياااااااااهْ

يا أأأأنتَ

ياشعبَ العُلى !

يا ااااااااهْ

يا أأأأأنتَ

يا شعبَ الذُرى !

يا شعبَ بابلْ

وشعبَ سومرْ

وشعبَ أورْ

وشعبَ آشورْ

وشعبَ جلجامشْ

وشعبَ تموزْ

وشعبَ علي

وشعبَ الحسينْ

وشعبَ العشْرينْ

وشعبَ (كريمْ)

وشعبَ المقتولينْ

وشعبَ الشهداءِ

وشعبَ القدّيسينْ

وشعبَ البؤساءْ

وشعبَ المغدورينْ

وشعبَ المنفيينْ

وشعبَ النازحينْ

والهاربين والجائعينْ

يااااااااهْ

وآآآآآخْ

ياشعبي الحزينْ؟

**

يااااااااهْ ياربي

آآآآآآآهْ ياشعبي

آهِ لو تدري

كمْ أَنا حزينْ

وعليكَ يوجعُني زماني

وعليكَ يذبحُني الحنينْ

**

ماجدوى الحزنِ إذاً

وماجدوى البكاءِ

والنحيبِ والأنينْ؟

في العالمِ النَذْلِ القبيحْ

ومقابرِالموتِ اللعينْ؟

**

ها أَنا الآنَ اسألْ

ها أنا الآنَ أصرُخْ

ها أنا الآن أنْحَبْ

وأعذروني سَلَفاً

فأنا منفعلٌ

وأَنا مُنْزعجٌ

وأنا مُرْتبكٌ

وانا مُضطربٌ

حدَّ الصراخِ والجنونْ :

لمَ هذا الصَمْتْ؟

أَينَ راحَ الصوتْ؟

من حناجرِكمْ

وأَيْنَ هوَ الضميرْ؟

لِمَ ترضونَ بهذا الضيمْ

والذلِّ العظيم ْ

والجوعِ الحقيرْ؟

لمَ؟

لماذا؟

الى مَ؟

الى مَ تبقونَ جوعى

في الحياةِ الفاجعةْ؟

الى مَ تبقونَ موتى

في البلادِ الضائعةْ؟

***

سعد جاسم

2022 -9 -1

 

بَينَ المَتخومِ والمَحرومْ

مسافةً طولها

يُعادل

ألفَ أمنيةٍ صعبةِ

المنالِ

*

والف

نَوعٍ منَ الطعامِ

المتروك على' الموائدِ العامرة

التي لا يُشتَهىٰ منها

اِلا

ماكانَ حَديثُ العَهدِ بهِ

لِكَي يُأكَلَ مِن أطرافهِ

قليلاً فَيكتفي

مِنهُ المَتخومُ

*

يـاتُـرىٰ

كم هيَ المسافةُ

بين المائدتين؟

على' وحدة قياس الشَبعْ

في الحد الأدنى'

منه !؟

*

اِذا عَلِمنا أن مائِدةَ المَحرومِ

تَتَراوَحُ مابَينَ الكَفافِ

والكفافْ

***

بقلمي: فاضل الجاروش

8/8/2021

وأخيرا وصلت أم خالد إلى ضفة الوطن الممتدة من القلب حتى القلب.

بينها وبينهم أسلاك شائكة وفضاء أمواجه أشواك جامحة.. وجنود قدت قلوبهم من صخور الحقد والبغضاء والكراهية. لا أحد يقدر على اعتقال النظرات والإشارات وهي تخترق أسلاك الموت وحقول الألغام ضاحكة.. مقهقهة.. ساخرة.. شامتة.. نحو الضفة الأخرى...

اليوم عيد النصر.. ها قد فر العدو بقضه وقضيضه تحت جنح الظلام من أرض الجنوب الصامد. قالت أم خالد:

- اليوم الجنوب.. وغدا فلسطين..

و انطلقت زغاريد النسوة مرفرفة في عنان السماء، كأنها سرب من القطا. لتعانقها زغاريد. عند الضفة الأخرى من الوطن المغدور..

خمسون سنة والقلب يكتوي بجمرات الفراق. ما أبشع الحقد.. بضعة أمتار فقط. تتسرب يدها من تحت الأسلاك الدامية.. تلامس التراب بأناملها ثم كفها. تشتعل في أعماقها رعشة. يهتز جسدها. تزلزلها اللحظة وينهرها ذلك العسكري القذر قذارة الخنزير البري. يهم بالدوس على يدها بنعله النجس ويردد وهي تضغط بجمع أصابع يدها على أديم الأرض:

- اسحبي يدك من أرضنا..

لكن يدها مازالت ملتصقة بكومة التراب.. تحاول أن تأخذ حفنة لتقبلها.. أو تمضغها كما يمضغ الصبيان التراب على حين غفلة من أمهاتهم..

- اتركي التراب في مكانه.. لا تسرقي أرضنا..

و تزداد يدها التصاقا بحفنة الثرى.. هي خمسون حولا لم تلامس التراب المسك..

استبدت بها الأشواق إلى ظلال أشجاره، ومزنه الحبلى، وشموسه المعسولة المضمخة بلون العزة والشهامة..

تسحب يدها خشية أن تدوسها أرجل الغزاة.. ودموع الفرح القادم تتناثر على الأسلاك المميتة كحبات عقد انفرطت من سلكها.. تلوح بيدها إلى من في الضفة الأخرى. لا العدو الغازي.. ولا الصديق الخائن يقدر على كبح الأحلام الخالدة.. أو بت حبال الروح المشدودة بصخور بحر عكا.. خمسون سنة وجذور الوطن الغالي تمتد في سويداء القلب.. لا أحد على وجه الأرض يقدر على إيقافها.. إنسا كان أم جنا..

يا لروعة المشهد.. حملتها أشرعة الحنين إلى ضفة الوطن لتشهد بزوغ فجر جديد على أرض الجنوب وتزغرد.. وتنشد ملامح البطولة ومواويل النصر.. وتردد بملء فيها: - قفي أيتها الهزائم والنكسات، وارحلي عنا إلى الأبد.. وترى رؤية اليقين كيف تطمر الأيادي القوية البيضاء، والجباه المرصعة بالإيمان العار إلى مثوى الجحيم، وتعيد الروح إلى مواطنها..

بينها وبينهم خمسون سنة من المأساة والحنين والشوق.. كان قطار العمر عند محطة العاشرة..ليلتها كانت عكا آمنة مطمئنة.. مستلقية بين أحضان نسمات البحر.. وزرقته.. تداعبها أمواجه كطفلة تعشق الدلال.. وفجأة أطل الغدر والحقد كالجراد.. وأبلى أهلها خير البلاء.. كروا وصبروا. جاهدوا حتى الرمق الأخير. كانت عدتهم غير كافية. استنجدوا. طلبوا المزيد من السلاح لكن استغاثتهم تاهت في فجاج صماء بكماء.

ليلتها اغتصب آل صهيون براءة عكا الآمنة.. أعدموا.. شردوا.. وعذبوا.. كانوا يحملون أطنان الحقد والانتقام.. ألقوا أوزارهم على صدور عكا.. كأنها حائط مبكى.

هي صور الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ.. وأزيز الرصاص.. وصرخات الصبيان وأنين العجائز.. وبرك الدم.. وآهات الجرحى.. كلها مازالت منقوشة في هرم الذاكرة... مازال بيتهم القديم منارة شامخة في سويداء قلبها.. اقتلعها آل صهيون من حضنه عنوة.. وحقدا..

و تلوح بيدها لعلها ترى ابن عمها. ذاك الذي أحبها وأحبته في زمن كان فيه الحب خطيئة عقابها الشنق.. كانا عصفورين على شاطئ عكا.. يذهبان إلى المدرسة ويعودان معا..

عصفور.. وعصفورة.. من أجلها خاصم.. وقاتل وضرب..و ضرب.. ولطم ولاكم. وعفر ملابسه بالتراب. هاهو يلوح بيده انه هو.. عرفها وعرفته.. رغم كالحات الليالي. لم تزل صورته كما هي. لونه كلون عكا لم يتغير قط. الوقفة وقفته. عيناه سوداوان.. وخصلات شعره الرملي المجعد.. إنه هو رغم فصول العمر التي انقضت وأفرزت الشيب والهرم.

هاهو ينتصب أمامها خلف الأسلاك.. والألغام ونظرات الحقد والموت. تود لو تقترب منه. خمسون سنة بكل لحظاتها المرة. ماذا تحكي له؟ جعبتها ملأى بالأتراح.. ويوميات المخيم القابع داخل أسوار المنفى.. هزائم تدفع هزائم.. والمنافي تجر المنافي. وعكا ساكنة في أعماق الجوانح..

تود لو يحكي لها عن بحر عكا وشاطئها الصخري وقفزاته من أعالي الصخور نحو اللجة تارة على قدميه وتارة على رأسه..

هل ما زال يجيد السباحة.. ويسبح في عرض البحر حتى يصبح كنقطة فوق موجة. كم تخشى عليه من الغرق وسمك القرش. لكن ذراعيه كمجدافين.. مما جعل أترابه يلقبونه " بذي المجدافين "....

تود لو يصف لها كل شجرة وحجر في عكا.. عن بيوتها القديمة وجدرانها وقرميدها الأحمر ونوافذها المقوسة وأبوابها المنقوشة من أشجار الجوز وحدائقها المعبأة بزهور الياسمين والحبق والنعناع وأشجار الليمون والبرتقال والتين والزيتون وأرجوحة الصيف والظلال الوارفة...

تود لو يحكي لها عن أسوار عكا وحمائمها وعصافيرها.. عن مطرها وبردها وعواصف شتائها ونسائم صيفها. عن حبات رمل شاطئها. عن فضائها وسمائها.. عن رجالها ونسائها وأطفالها عن كل ذرة من تربتها المسكية.. مشتاقة حتى النخاع إلى رنة صوته النحاسي.. هاهو يلوح بكلتا يديه. أحنت الخطوب ظهره.. كنخلات عكا،، التصق محياه بأديم الأرض.. رمقها ذلك العسكري كمن يتوعدها.. يتمنى لو يمنع النظرات والتلويحات من التواصل والتعانق.. لكن هيهات.. ثم هيهات.. لن يقدروا على كبح دموع الفرح والأشواق واعتقال الأمنيات، وأسر الأحلام الخالدة. هي حبال العودة معقودة بصخور عكا.. وجذور الوطن الغالي مطمورة في سويداء القلب المحفوف بأجنحة العشق الملائكي.. لتذهب تلك الأسلاك إلى هوة السعير.

يا لجنون اللحظة..

مازال هناك واقفا. تقترب منها تجاعيد وجهه الوسيم البراق.. ونظراته الثاقبة المضمخة بروائح الزعتر والزيتون..

خمسون سنة من حرائق المنفى صامدة كصخور عكا.. ما زالت منمنمات حناء عكا وشما على قدميها. وحفنة التراب لا تغادر وسادتها منذ تلك الليلة النحس.

خبأتها في صدرها وهي العصفورة الصغيرة، الطرية البريئة، المجني عليها.. كما تخبي العجائز الأشياء الثمينة. تشد على يد حفيدها.ترفعها إلى الفضاء، فتعلو اليد فوق الأسلاك الدامية، وقبعات العساكر، وعيون التماسيح. تردد وهي تطلق العنان لنظرة لا متناهية:

- من هناك الطريق إلى عكا..

ترتسم على شفتي الطفل ابتسامة معجونة بطعم العسل وعطر الياسمين.

- احفظها جيدا.. وانقشها وشما على ناصيتك. إياك والنسيان ياكبدي.

وهز الطفل رأسه، وهو يلوح بيده كعقاب نفض جناحيه استعدادا للانقضاض على فريسته.

مازالت الأيدي تخنق الأسلاك اللعينة.لكأنها صارت امتدادا لها. تود لو تفتتها وتعيدها إلى سيرتها الأولى.

- كيف حالك ياابن العم..

- اشتقنا إليكم ياابنة العم..

وينتابها إحساس غريب. الأسلاك تستغيث. تصرخ ولا يسمع صراخها إلا هي. سئمت رائحة الغرباء،استحت من صوفية الأيادي الملائكية. تريد التحررمن قبضة الزمن الأسود

- احذري الألغام ياابنة العم.

- سنزرع مكانها أزهار القرنفل والياسمين

وتلوح وتلوح أم خالد بيدها المتعبة.. هم أهلها..و جيرانها وأترابها.. خمسون سنة من علقم المنفى. لم تمح ملامحهم من جدران الذاكرة. كيف ينسى التراب لونه ؟

تقول لحفيدها المعلق من عرقوب الدهشة:

- ذاك خالك، وتلك عمتك، وذاك الشيخ جدك، وفلان جارنا، وذاك فتى عكا، ذو المجدافين و..و..و..

وتسترسل في سرد قائمة العقد، ورياح الشوق تزجي مراكب الحنين نحو الضفة الأخرى

- ومن أين طريق القدس يا جدتي ؟؟؟

- هي نفس طريق عكا يا كبدي.

أشار لهم العساكر بوجوب الانصراف، والابتعاد عن الحدود. تحركت الأجساد في الضفتين بعسر. أقدامها وأيديها وعيونها لا تبغي عن المكان حولا.رأته يلوح بيده إيذانا بالانصراف.

- سنعود غدا ياابنة العم.. سنعود غدا.

تمنت لو أن شمس الأصيل تبطيء قليلا لعلها تشفي بعض غليلها. يداها مازالتا معلقتين بالأسلاك الشائكة، وعيناها ترنوان بعيدا بعيدا. شعرت بقوة خارقة تدفعها نحو الجنوب، وصوت قادم من الضفة الاخرى

- اليوم حررنا الجنوب، وغدا القدس، وكل فلسطين.

{تمــــــت}

***

بقلم: الناقد والروائي: علي فضيل العربي

منذ طوفان جيناتهم الهجينة على منابع وطني، وأنا أذود بجيد التوسل لوعة رحيل، تخضرمتُ بكهولة قدري تسابقت لهفتي لوصال المدافن، هاربة فلذات صداي من أروقة الندى لشتاء عتمة،  فلا ملاذ يا أبي لأساوري البيض إلا تحت ردائِكَ الملائكي بفوضى دموعي، وأنا أراهم حثيث قنافذ عاصفةٌ النبض مبعثرة زفيرهم القاني، يمدُّ صدأَ شخيرهم أشرعة عقائد مبتورة التماس برؤى وجودي، يغزل حبل انتمائهم المفتعل نسيج توهم. حينها كانت أمي تتذوق عنا شهية السنابل المندرسة بوطيء اليباس، تعتذر منها لعنة السبات المخذولة الطين :عنوة احتطابنا، كنا نجثوا على قراطيس أحلام، نحتسي الهواء رحيق الأمل، يدثرنا والدي بدفء معوذاته، فتهمس بسماته: سنصحوا بقبلةِ ربيع الغد، علنا نغفوا بقميص الأمنيات ويقدح الانتعاش فجر يضوع، غير أن صهيل الشُتات ضوضاء مباح، والأُماني هزائم روح تتهجى البراءة .فمنذ مُلمات تصحري ونيف غزوات، ووجه فراشاتي عارية الألوان، تكسرت مرايا كحلها بإزميلهم المعتوه، تخترق غلالة أيامي هياكل وأشباح معفرة بأقنعة السواد، تغص كؤوس شهواتهم قرابين نزاع، آه لقلب ترابي متخبط بدم الأنامل يدون جروحه رائحة حنين، تغط عيون أحلامي على أسوار كف الانتظار، معتكفة أرجوحة تعدد الغياب ، فكيف أفارق جدران سكنتها أسماء الوداع، تختلط أطيافهم المعتدة بهذيان حزن الكنائس، وفوحان دموع صلوات المنائر، اصرخ: بهيفاء حقولي المخضبة المآسي بتجديد عقيم الحواس، إذ لا مطرقة تلوِح لسنديان عرفان، فيبرق عويل مدني: لِمَ تسرقوا صوت ألواني بنهم القبور؟؟، بوهم تصدعكم أذ (لا عمرا يذر ولا قطراً يدر، كي لا يحيى زيدا ليشد أزر عمرا..!!)، إلى متى تسكنوا ضياح ضياعكم ؟؟، يا أأأيـــــــــها المسافر بمفاصل خارطتي :مطفأة ذاكرة خطاك بتاريخ مهترئ، فذاكرتي مشكاة خلود مجندلة بطيف دهشة التساؤل، كلما راودتني خطاياكم المزمنة أقارع التحدي بصفوة الهشيم، حتى لا تتغرغر شهقتي الأخيرة بقوقعة متاهاتكم، فنشيج حطامكم مؤونة أرملة سوداء تلتهم صُلبَ عقوقها بنهم عداء قبل تطوع الخيبة بمبالاة لوم صغارها، وأِن مضخ الجوع أضراسه في واحات ملح صدئة من ضمور حيائكم، سنشد على قلب بلادي عزائم ود منتشية الأوتاد، ها أنا اسمع دلالكم المقلوبة تئن خلاخيل أوجاعها بخيامكم المائلة عناقيد رئات موبوءة النسب، لا قهوة لمضايف العرب، فتيمموا رؤوس العباد واشربوا صهير الزبد .

***

إنعام كمونة

عمت مساء

ايها الجائع القابع تحت عمود الكهرباء

ترسم خبزا فتلتهمه اقدام امرأة  تمرّ على عجل الى عملها الليليّ

ترسم سمكا فتنقضّ عليه قطط الشّارع

تمتلأ روحك مواء

ترسم املا فينطفئ ضوء الحاكم يسقط القلم من بين اصابعك

و يجهش الرّصيف بالغياب

*

منذ متى و أنت هنا

تقشّر الحياة  لترى كنهها؟

*

منذ متى و أنت تسافر لتترك الأثر في الطّرق الجانبيّة لهذا العالم الفذّ

فتنطلي على الأرض حيلُ الوصول

*

كنت ترتل آيات  بيّنات من كتاب الوجع و تحل ضفائر الشّمس على ضوء شمعة عندما تهاطلت الألوان في ذاكرتك و لبست اللّغة حزنا مطرّزا

يرافقك في السفر

*

تعود الآن من طريق هي امامك

لترتّق وقتا  سيقطّع البؤس اطرافه

و تنتظر ما مضى

***

امال جبارة / تونس

 

وحوشُ الغابِ مَطلوقٌ شَراها

فلا تَعْتَبْ على شَرَهٍ حَداها

*

بها دولٌ مُكَبّلةٌ ببَعْضٍ

تُسيِّرُها كما شاءَتْ رؤاها

*

عَجائِبُ خلقِها ناءَتْ بقَهْرٍ

ومِنْ وجَعٍ إلى وجَعٍ خُطاها

*

تَعذَّر عَدْلها والظلمُ نَهْجٌ

وقانونٌ تُترْجمُهُ عُتاها

*

وإنّ الدينَ مَرْهونٌ بكَسْبٍ

وتَخنيعٍ لِمَنْ رَهَنتْ نُهاها

*

فلا عَقلٌ بدائرةِ التَعادي

ولا حُلُمٌ يُعالجُ مُهْتواها

*

كَساجعَةٍ على أيْكِ ابْتهالٍ

تُخاطبُ مَن تَداعى في رُباها

*

قويٌّ عادلٌ والجَورُ عَدْلٌ

وبُرهانٌ لطاغيةٍ دَعاها

*

تُعلمُنا الحَوادِثُ ما أرادَتْ

وتَرْهَننا بمَجْهولٍ قِواها

*

وتَسْجُرُنا بتَنّورٍ لهوبٍ

وتَمْحَقنا فَهَلْ بُتنا غَضاها

*

حُروبٌ في مَواطِننا اسْتقادَتْ

وحَفَّت عالماً يَخْشى ضَراها

*

مَتاهاتُ البرايا دونَ حَدٍّ

تَسيرُ بها وما ألقتْ عَصاها

*

وما وَصَلتْ لأرْصفةِ انْتشالٍ

ولا غَطسَتْ بأعْماقٍ مُناها

*

على أفقٍ من الوَيلاتِ دامَتْ

يُوشِّحُها بداميةٍ مَداها

*

فَهلْ جلبَتْ لنا خَيْراً وفيراً

وهلْ بَرزتْ وما أغْرَتْ عِداها؟

*

تَصيّدَ غادرٌ بديارِ غَفلٍ

حَبائلهُ أصابَتْ مُبْتعاها

*

شرائعُ قوةٍ فَرَضَتْ مُراداً

وأوْقعَتِ الخَطايا في أساها

*

تَشرْنَقَ واعِدٌ وهَوى خَبيرٌ

وكُلّ صَغيرةٍ بلغَتْ سُعاها

*

تُلازمُنا عَقابيلُ امْتِهانٍ

وتَدْفَعُنا كما رَسَمَتْ حَجاها

*

على وَطنٍ بهِ الأوطانُ ضاقتْ

عَفاريتٌ تَداعَتْ فاحْتواها

**

د. صادق السامرائي

25\7\2022

 

أريدك ان تحبني بشيء لا يشبه الحب

بمفهوم اخر وبمخيلة أوسع

تفر منه الى نحوي بمديات أعمق من البعاد

تلهب الضوء في داخلي، تملأ به جميع خلاياي

ان ترغبني بشيء لا يشبه الرغبة

ان تمسني كما الأشياء الممنوعة من المس

لأبعد مما ينبغي وأقصر مما تتصور

النهار وذلك الصيف الحار

لك ان تجمع خيوط الشمس المتحررة من راحة يدك

تكورها ولفترة أطول وقبل ان تسيل حمم بركانك

بين شقيه والنافرات بلا كلل على صدري

ان تحبني بشيء لا يشبه الحب

وتلعق الشمس من على شفتي

***

رغيدة العلي

 

غذيتُ في النفسِ أملًا، وهذَّبتُ صوتي الغافي في حِنجرتي قبلَ أن أسمعهُ، كلّ تلكَ المحاولات كانت توأم ليالي السُهد، كلّما هَبَطَ الليلُ عَرَّيتُجنون عالمي من قوانين العالم المجنون.

خَلَّفتُ ورائي كلَّ تلكَ الحصارات المترصدة المُنتَهِكة صفو ذهني، حَدَّقتُ في الفراغ قائلةً: ألم تَعلمي بأنَّ الله يرى…

لمحتُ من نافذة ذاكرتي فاتنةً سمراءَ أذاقتني الحُلوَ من مُرِّها، وبِقَدرِ إنكسارها علمتني الصّمود، عالمُها النوراني أخجلَ الضجيجَ من حوليوصمتُها المُنبعث من صمودِها صرخةٌ بوجهِ طاغٍ ظنَّ أنه عفا.

للعُظماء أحلامٌ تختبئُ خلفَ ظلالهم، وقُدُراتُهم شمسٌ على الجِباه.

**

- المحجر

أحمِلُ أثقالًا فوق أثقالي، وذاكرةً لا تُشبه الفصول إلا في خريفها.

أعودُ للوراءِ خطوةً،  فأراني جُثةً منحنيةً على الدّوام، ولا مُبررَ للإنحناء سوى عادةٍ شببتُ عليها، وذنبي الوحيد أننّي أحيا في زمن العبيد.

ورثتُ من سُلالتي الجوعَ، الطين والصمت مقابلَ أنذالٍ تَطغى تحتَ مُسمى النبلاء.

الخُبز اليابس وسيلة بقائنا والقرّ والحرّ طريق مُعبدة تقودك إلى الموت في رُكن مَنسيّ…

**

- دُعابة

بدأ الحديث على سبيل الدُّعابة وانتهى بغضب !

كيف لك أن تَزحفَ في الظلام وأنتَ تُرخي ظلالك تحت هذا النور؟

كيف لكَ أن تُداعبَ الطفلَ في ذاتي بمهارةٍ وأنتَ تَضمرُ كلَّ هذه العتمة؟

كيف لكَ أن تَطغى وكلُّ من حولكَ حُرٌّ؟

أيها الطُغاة: كلَّ فناجينكم الضيّقة بزوابعها لا تألفها الرّوح ولا الحياة ولا الامتداد.

أكثروا  ما شئتم أثقالكم، فلنا ربّ الصّمود.

***

هناء شوقي

 

(أولى سنوات العصف)

"هل والدك متآمر؟"

سؤالٌ يواجهني به زملائي في المدرسة، يتسرب إليهم مما يسمعونه في غفلة من ذويهم، يباغتني مثل صفعة مدوية تحط على خدي، لا تترك لي مجالًا للحراك أو الرد بكلمة، فقط يتجدد كل شيء أمامي، كما لو أنه يحدث للتو، ومن ثم يعود ليتمثل في وجه والدي، آخر صورة تم التقاطها له بالتحديد، كان في كامل أتاقته التي تلفت الأنظار دومًا، يتأكد من مواءمة الألوان وتناسقها، البذلة مع القميص وربطة العنق والجَورب والحذاء، يضع عطرًا نفَّاذ الرأئحة، فيبدو لي مثل أحد نجوم السينما في الأفلام التي كنت بدأت مشاهدتها برفقته، إن سمح لي بالسهر معه حتى ساعة متأخرة من الليل.

أجمد في حضنه داخل الصورة، بوجهٍ ذاهل عما حوله، يظل يطاردني شروده وأنا أكاد أتفجر من غيظٍ أخرس لا يهب طفلًا دون العاشرة من عمره فرصة النطق بحرفٍ واحد، فكيف لي أن أرد على تهمة يتحير بشأنها الكبار، وتظل الكلمات تتلجلج داخل الأفواه قبل أن تؤول كل الأصوات إلى الصمت المتخوف من الإفصاح بما يثقل الأنفاس ويدب الرعب في القلوب والأوصال، من الثرثرة غير المجدية، وإن كانت لا تعلو عن الهمس المتواري خلف الأبواب، الأبواب التي صرنا نتأكد من إيصادها كل ليلة ونحن على يقين إن كل الأقفال لن تصد شيئًا من الريح العاتية التي ستظل تعصف بنا طويلًا طويلا.

تطغى على دوي قذائف الحرب المتخطية جبهات القتال لتهوي نحو المدن مسلوبة الإرادة، ألبستْ أغلب الرجال البزة العسكرية وأمسكتهم الرشاشات، أبصرُ أصابعهم وهي تكاد تلامس الزناد، تطلق رشقة هنا وأخرى هناك، رشقات تقتل الأعداء على الحدود الشرقية، ورشقات تنفذ في صدور الرفاق، تنخر أجسادهم أمام ضحكة عربيدة تزهو بفرحة الانتصار بعد حربٍ مضمرة ظل (الرئيس المناضل) يعد لها جيدًا على مدى سنوات، ربما سبقت قيام آخر ثوراتنا المجيدة.

دومًا كنت أجد تلك الرشقات النارية متزامنة مع بعضها، أو بالأحرى متواصلة، إحداها تسترسل من الثانية، ومع توالِ البيانات العسكرية زحف السواد على أجساد النساء من مختلف الأعمار، وكأنهن يشاركن في الحزن على والدي ورفاقه، وبمباركة سيادية من قيادة الحرب التي أمرت بتنفيذ أحكام الإعدام في منتصفف شهر المغفرة والرحمة، مفارقة عجيبة لم أفهمها، لعلها بلا معنى وليس لها أي أساس سوى في عقل صبي يتعلم أحرف الأبجدية لتوه، وقد تكون مثار سخرية الكبار إن سمحتُ لها بتجاوز عتبات الصمت، إلا أنها ظلت تستملك ذهني الذي اجتهد في الربط بين الأحداث ونسج الكثير من الأخيلة المخيفة المتأتية عنها، تسطو على حكايات يصعب إدراكها ووجه والدي يتموج في خاطري ما بين قرب أشعر بعبق حنوه وبعد يكاد يخفيه عني للأبد، تحت التراب كما أخبروني، منذ ذلك الوقت أيضًا بدأت تراودني هواجس الموت وألغازه عصية الحل على كل من لم يدركه بعد، مهما تفقه في الدين وتقرب من الله، وبدوري صرت أتقرب من الله ما بوسعي، عسى أن يزرع في قلبي السكينة والصبر على غيابٍ لا ينتهي مهما امتد بي  العمر، والأهم من ذلك رحت أتضرع إلى الله أن يدفع عني ولو بعض الرعب الذي صار يطاردني حتى وأنا بين جنبات النوم، أتوجس من اقتحام رجال الأمن المنزل مجددًا كي يوالوا التفتيش دون أن يهملوا جارورًا أو صندوقًا صغيرُا، وإن كان صندوق اللعب التي كان والدي يحب مشاركتي أوقاتي المستمتعة ببعثرتها من حولي، رغم كثرة مشاغله وسفرياته من أجل تحقيق أهداف خبت مع وهج فرحي الطفولي، فصرت أردد الشعارات المفروضة علينا في كل درس دون وعي، وفي داخلي غصة ممزوجة بسخرية مقيتة أحرص ألا تثير انتباه زملائي ولا أي من المعلمات.

ظللت في تلك السنوات أسير رعب ما حصل وما يمكن أن يحصل، قد أنهض مفزوعًا في جوف الليل ومشهد ومض الرصاص المتتابع يوالي هديره في الظلمة المخترَقة بوهج القصف المستمر مع بدء كل غارة، تعلن مقدمًا عن المزيد من الموتى دون تمييز، بل ربما تسلط نيرانها على المناطق السكنية أكثر من المنشآت العسكرية، ترج قلبي أكثر من اهتزاز الجدران التي تتهددنا مع سقوفها بالسقوط فوق الرؤوس، فتزداد الوجوه جهامة وحزنًا، توجسًا ورعبًا وشرودا، وتتطاول مخالب الصمت.

صمت تتضاعف وحشته عند ذرف الدموع والتواببت الملتفة بالأعلام لا تكف عن التوافد نحو المقابر، لكن جثمان والدي لم يلف بعلم ولم يُسمح أن يقام على روحه مجلس العزاء، رغم أنه أحب البلاد كثيرًا وضحى من أجلها قبل أن تدركنا أزمنة الحروب بعقود، لذا شعرت بالغيرة من صديقي إثر أستشهاد والده في أحد ميادين القتال فتم تكريمه خلال تحية العلم، حيث ألقت مديرة المدرسة كلمة خاصة لأجله، بينما كان هو يقف إلى جانبها متفاخرًا بالبزة العسكرية التي يرتديها، وكأنه كان قد فصلها واعتنى بنظافتها وداوم على كوائها استعدادًا لتلك المناسبة، يعلِق على جانبٍ من صدره نوط الشجاعة الذي تسَلمه أحد أفراد عائلته من الرئيس شخصيًا، مع ابتسامة أخذت تتسع يومًا تلو الآخر، في كل مكان، في صوَره المعلقة أعلى السبورة أمامي، تجبرني على التمعن بملامح وجه قاتل والدي كل درس، في الشوارع والساحات وكل المحال، بل وفي الكثير من البيوت أيضًا، لكنني عودت مخيلتي أن أضع مكانها صورة أبي ذات الشريط الأسود في كل مكان، دون أن أترك أي شخص يتنبه لِما يذهب إليه تفكيري طبعًا، فقد تعلمت جيدًا ألا أظهر ما أخفي أمام أي كان، وأن أسامح نفسي، وأطلب من والدي أن يغفر لي ما أسَطره في مديح القائد ضمن كل موضوع إنشاء، حتى لو كان عن حضارات العراق القديمة، عندها أبصره ينظر لي وكأنه يطمئنني أنه لن يفشي سري لأحد، لئلا يصل ما في نفسي إلى مسامع المتسيد على عموم البلاد، رفيقه القديم الذي ضحى به وبكثير من القيادات في محراب السلطة ما أن تسلم صولجان الحكم، وصار صاحب الكلمة العليا والوحيدة، منذ أن كشف عن مؤامرة شاركت فيها شخصيات معروفة في الحزب والدولة، معظمهم أقدم منه بسنوات في صفوف الحزب.

أخبارٌ ومعلومات كثيرة أخذتُ أسترق إليها السمع من هنا وهناك، إلا أنني لم أستطع صياغة حقيقة واضحة المعالم من فحوى الحكايات الصادمة والغريبة تلك، والتي عرفت فيما بعد أنها ترسم خطوط مرحلة مهمة من تأريخ بلد بأسره، وأنها ستظل تتردد في الأسماع لحينٍ طويل من الزمن، قد يستغرق عمري كله، بل أن أهميتها ستبقى في تزايد، تثير الكثير من الجدال والتساؤلات بين أجيال مختلفة، ومن جهات عدة، في الداخل والخارج، لتظل علامات الاستفهام والتعجب الملتاثة بعصف الذكريات تترنح من عامٍ لآخر.

الخوف من القادم، ومن كل شاردة وواردة، بالإضافة إلى الشعور المتجدد بمهانة الظلم المنبعث مع كل موقف حياتي، يجعلان الإنسان يفقد طمأنينته وثقته بالحاضر والمستقبل، وكأن شيئًا منه آل إلى مرحلة الشيخوخة وهو ما يزال في عهد الصبا، حتى أنني صرت أجد بعض تلك الطمأنينة في أجواء القصف وأهوال الفزع الجاثمة على كاهل المدينة في ليالٍ لا ندري أيها ستنتهي آجالنا خلال ساعاتها المظلمة قبل أن يغشاها شروق النهار، أطمئن للرعب الجماعي الذي يتراجع أزاءه خوفنا الممنوع من الجهر، وإن كان على سبيل الفضفضة، ننفث معها بعض حسرات القهر المتطاول عبر الملاحقات الأمنية والاستفسارات عن كل شيء يخص الوالد، كما لو كان على قيد الحياة، والقائد الهمام يسعى لتتبع أخباره وأخبار تحركاته بأدق التفاصيل، أو أنه يريد أن يواصل انتقامه من خلالنا، ومن خلال الأقارب حتى الدرجة الرابعة أيضًا، لعل أحدنا نفذ من مصيدة العقاب التي يجب أن تطارد كل متمرد، وإن لم يبدُ ذلك على أي من تصرفاته، فتعاوده تلك الفرحة (الرئاسية) المزهوة بالظفر لتؤكد له خلاصه من كل قيود الماضي التي كانت تضطره إلى مداراة شراهته لسطلة لا تقف عند حد، ينتصر بها للطفل الذي ظل يسكنه شقاء نبذه من الدنيا، حتى بعد أن صارت مصائر الملايين مرتهنة بإشارةٍ بسيطة منه.

رحت أتوجس كثيرًا من فكرة اللاقطات والكاميرات الموزعة في جميع الغرف، ربما زرعوها خلال فترة طردنا من البيت، فإن خرجنا تتبعنا سيارة مخصصة لمراقبة تحركاتنا في كل مكان، كما لو أن القيادة بكل سلطاتها المتوغلة في بطون البلاد تترقب نوايا عائلة تتلفت من حولها في كل خطوة وكلمة وإيماءة، فيعاودوا وضعنا تحت الإقامة الجبرية لمدة لا نعرف أمدها ولسبب ليس لنا أن نسأل عنه، فعائلة (المتآمر) لا حق لها في شيء، فقط عليها الانصياع إلى الأوامر في إذعانٍ لا بد من استمراره، بل مضاعفته في بعض الأحيان، ضمن تصفية حسابات عقد نقصٍ وأحقاد بددت كل حلمٍ راود رفاقه بمنأى عن طموح ال (الأنا) العظيم.

الديكتاتورية مفردة أخرى تضاف إلى (معانِ الكلمات) التي كنا نتعلمها في دروس القراءة، بالإضافة إلى مفردات غامضة ضبابية لم تكن لي القدرة على تحديدها، مثلها مثل الفرٌاش الذي نرقبه يتطاير من حولنا، نحاول القبض على أجنحته مبرقشة الألوان بكل لهفة بلا جدوى.

كانت الأغنيات وتهاليل المديح تجدد قتل والدي كل يوم وساعة، كل نغم ومعزوفة، ودعاء يلهج به رجال الدين، كل شعار أردده ضمن صخب تحية العلم صباحًا في الساحة الكبيرة للمدرسة، كما لو كنا نستعد نحن أيضًا للذهاب إلى جبهات القتال كي نحقق النصر المؤزر على الفرس (المجوس) وتلقينهم درسًا لن ينسوه، لكن عندها هل يمكن لابن (خائن) المشاركة في معارك الشرف والعزة والكرامة، أم أن ذلك سينال من مجد وطهر معارك القادسية الثانية المستعرة في ميادين الجبهات للدفاع عن بوابة العرب الشرقية!

ولمَ لا وأنا وعائلتي لا نملك حق الانضمام للحزب الذي استنزفت أفكاره ومبادؤه جل عمر والدي، منذ أن كان ابن السادسة عشرة، ما بين ملاحقات ومطاردات أمنية وفصل من الدراسة ومن ثم الوظيفة، هذا غير مرات الاستجواب والاعتقال التي ملَّت جدتي عدها، حتى أنها صارت لا تعيد ترتيب البيت بعد خروج عناصر الأمن، تنتظر عودتهم ليجدوا كل شيء كما خلفوه وراءهم، مساهمةً منها في تأدية واجبهم بسرعة، وعلى أساس الثقة المتبادلة بينها وبين من صارت تراهم أكثر من ابنها الذي غادر الدنيا مبكرًا، فما خلف وراءه سوى أحداث ومواقف متواصلة التشابك والتعقيد، لدي على الأقل، كما لو أنه عاش نحو مئة عام في كواليس السياسة، مع أن جذوة حياته انطفأت وهو في سن الحادية والأربعين، فكم فرحة انتصار وخيبة انكسار شهدتَ يا والدي في وطنٍ يرتدي (الخاكي) الملطخ بالدماء، وعويل الفقدان يتلاشى بين صخب القطارات المحملة بوقود الحرب دون توقف، لا ندري من سيعود إلى أسرته حيًا، ولو إلى حين، لكنك يا من خبرت دروب الثورات التي أقرأ عنها في مادة (الوطنية) لن تعود إلينا أبدًا، بذات ابتسامتك وضحكتك الصافية الصدّاحة التي ستظل تتردد في أذنيّ وتطغى على ضجيج خطابات بطل العروبة المنصور الزاعقة فينا ليل نهار.

ارتدى (الفارس القائد) البزة العسكرية بدوره ولم ينزعها أبدًا، سوى في مناسبات أعياد ميلاده (الميمون) التي كنا نُجبر على الاحتفال بها كل عام، صغارًا وكبارا، من العامل حتى أقرب مسؤول يحظى برفقة سيادته، فكنت أتخيل كل ذوي المناصب السيادية لا يكفون عن الرقص وإطلاق الزغاريد الطويلة، كما لو كانت من صدى الانفجارات المحاصرة للمدن، دون أن تهدأ ساعة واحدة في الجبهات النائية عند أطراف الحدود.

بتلك البزة، التي لم يرتدها حتى من أجل أداء الخدمة العسكرية، قد يأتي لزيارة المدرسة، كي نتراقص من حوله ونقبِل كتفيه كما يفعل الكبار، ويا لسعد الطفل الذي يرضى أن يستمع إلى ما حرص والداه على تحفيظه كي يبلغ سيادته، طلب، رجاء، أمنية... أي شيء يستطيع (بابا نويل) تحقيقه في غمضة عين، بينما أكون واقفًا متصلبًا، كما لو أن حكم الإعدام قد طالني من بعد والدي الذي يعرفه جيدًا جدًا ولا أظنه قد نساه يومًا، وما سيأتي إلى هذه المدرسة بالتحديد إلا كي يرى ابنه وما يمكن أن يخبره عن والده، بنبرة انكسار تستبق ذرف الدمع الذي لن أقدر منع هطوله ولا إخماد حرائقه ولو بأمرٍ من رئيس البلاد المهاب، قد تصير لديه مثل ابتهالات أمان وتهاليل بشر تبارك خلاصه ممن كانوا يصدعونه بشعاراتٍ تبقى لديه من الرومانسية الثورية المثيرة للسخرية لا أكثر.

لم أعرف ماذا يمكنني أن أفعل، وكيف لي أن أتصرف إن رأيت قاتل أبي على بعد خطوات مني، وقد يهفو قلبه الحنون إلى احضاني ومعانقتي، ثم يسمعني لازمته المعروفة "عفيه، عفيه، هيه هيه هيه...".

عندئذِ قد يتجمد الدم في عروقي وأصير مثل قطعة خشب متأهبة للاحتراق في أية لحظة، فهل يمكن أن يتحرر لساني من شلله وتواتيني الجرأة على سؤاله بصوت مسموع، وواضح للجميع، لماذا أمر بإعدام والدي دون محاكمة حقيقية ولا شهود ولا محامِ دفاع يقرأ ما جاء في محاضر التحقيقات ليعرف على أي أساس يبني مرافعته أمام القاضي الذي يتحرى الدقة في كافة التفاصيل والملابسات قبل النطق بالحكم، خاصة وأن المتهمين بالعشرات، قد يسخر رافع راية القادسية المجيدة، والتي سماها باسمه كذلك، من سذاجتي ولغوي الصبياني، ثم يحنق على من قد يكون أدخل في رأسي مثل هذه الأفكار (التآمرية اللعينة) وربما أؤكد له بثرثرتي تلك إنني وريث الخيانة والغدر، أكبر خطر يمكن أن يهدد مسيرة الثورة العظيمة ال... ماذا؟ نعم، التي جاءت من أجل تحقيق أهداف أمتنا العربية المجيدة، ومحاربة الإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية، بعد انتهاء حربنا (المقدسة) وانتصارنا على الأطماع الفارسية في أراضينا...

ربما الأفضل أن أنتقي مفردات كلامي لتصل إلى قلب ووجدان (والد أطفال العراق) الرؤوف دون إثارة سخط القيادة الحكيمة التي لها أن تمضي بنا صوب الشرق وصوب الغرب أنى تشاء، كما يمكن أن تصفي البذرة الخبيثة لأحد المتمردين على أهداف ومبادئ الحزب القائد.

هذر سخيف وأحمق، بالتأكيد لن أجرؤ على التلفظ بشيء منه أمامه، ولا أظن إن شخصًا في بلاد الثورات والبطولة قادر على ذلك، فالجميع أسرى فضله في البقاء على قيد الحياة، حتى من يتكومون في زنازين القصاص (العادل) للتفكير عن خطاياهم بحق الشعب الأبي وقائده الملهم...

صرت وأنا في ذلك العمر أحفظ جلَ الكلام المهم للنفاذ من مصائد القائد التي ظلت تتربص بنا طيلة فترة حكمه المجيد، كله مجيد وليس لي أن أسأل عن السبب أو المعنى في نوبة تهور شيطانية، تتبدى فيها نية الغدر والخيانة من جديد.

كان يجب أن أجد وسيلة للتهرب من رعب ذلك اللقاء بأية وسيلة، بينما الجميع منشغلون في حماس انفعالي مشحون بشتى الهواجس في التحضير وترتيب كافة الاستعدادات اللازمة للزيارة السعيدة، لكنني أيضًا لم أعرف كيف لي أن أتصرف إزاء ذلك الموقف الرهيب، وقد صرت أشعر بمراقبة كل العيون لأقل حركة أقوم بها، كما أن تعابير وجهي بالتأكيد تفضحني لديهم.

لم يأتِ والحمد لله، ذهب إلى مدرسة ثانوية للبنات، هو يحب رفع معنويات المرأة العراقية دومًا، خاصة أمهات المستقبل المشرق (بعون الله وعزم القائد)، مع ذلك راودتني رغبة جامحة بالركض، الركض بعيداً بعيدا عن كل شيء حتى أتوه ولا أعرف طريق العودة إلى سوح الجنون الذي أخضع وأهلي إليه في كل ساعة ودقيقة، جنون الاستلاب المرير والنكران لكل ما قدّم والدي لوطنٍ أخذ يتهاوى بين مخالب الحروب المنتصرة دومًا، فلم أجد ملاذًا ينجدني من هذيان السنوات المخمورة سوى الكتابة، ربما تلك الأحداث بالتحديد كانت السبب الأول في رسم ملامح الكاتب داخلي، كتبت كثيرًا، كثيرًا جدًا، وكم كان يتناوبني القلق من اكتشاف أجهزة القمع لِما أدون في دفاتر لا أعرف أين يمكنني تخبأتها لتنجو، وأنا وأسرتي، من مهالك المعتقلات.

أقبلتْ سنوات الحرب والقهر بمآسيها بلا هوادة، مات وأسِر وفُقد الكثيرون في الحرب، هذا غير المعاقين ومن أصيبوا باضطرابات وأمراض نفسية تجلت تداعياتها في كافة مظاهر الحياة المكلومة بجبروت البطل المغوار، تلك الشخصية التي صار الكثيرون يرغبون الاحتذاء بها، بالأحرى تقمصها، حتى من خلال نبرة الكلام الآمرة في غطرسة (طاووسية) تثير المزيد من السخط، والخوف في آنٍ واحد، بينما بقي وجه والدي على ذات ابتسامته، يعبر بي وديان الاندحار المحيطة بنا من كل صوب مهما تمادت، وصوته الواثق بكل ما آمن به من أفكار ومعتقدات يهامسني بما لا يستطيع كل رجال الأمن التنصت إليه ولا مصادرته كما صودرت مني براءة الطفولة وطمأنينة مرح الصبا خلال السنوات العشرة الأولى من حياةٍ مخفية في ظلال أمجاد القائد الوضاءة.

***

أحمد غانم عبد الجليل

كاتب عراقي

20 ـ 8 ـ 2022

متى تكفُّ الليالي عن مراوغتي

مذ كنتُ احبو وهذا الفعل يغريها

*

وأنتِ فوق الليالي خلتِ أوردتي

تكون مسرحَ لهوٍ كيف تبغيها

*

لوكنتِ بالأمس قلتِ مايثير دمي

لكان وقع اللظى في الأمس يحييها

*

لكنَّ قولك هذا قد محى زمناً

قد كان يحنو على الدنيا ومن فيها

*

إيّاكِ أعني أتبغين الهوى حُطَماً

حين التزوّدِ توري كفَّ واريها

*

تكفيك اسماء من تبغين اعرفها

لاتستعيري من الأسماء وانسيها

*

لا أعشقُ الاسمَ حتى استغيث هوىً

ولستُ أبحثُ عن معنى معانيها

*

إني زهدتُ عن الدنيا فلا كَلِفٌ

بحبها أو ببغضٍ سام من فيها

*

حتى رغبتُ بنفسي لا أرى هدفاً

يسوقني نحو مغنىً من مغانيها

*

وأنتِ تأتين حين الشيب جللني

وتدعين بأني كنتُ حاويها

*

إني عن الغيدِ ألهو لستُ في ترفٍ

وإنني بتُّ للأنفاسِ أحصيها

*

وقلتُ ألقاكِ علَّ العمر ُ يسحبني

حتى أعودَ الى ذكرى مواضيها

*

لكنّ ويحي فذاك العمرُ غادرني

وأنتِ غادرتني تيهاً تلى تيها

*

ماذا أؤملُ والأيامُ منقصةٌ

إنْ ضاع يومٌ أرى للموتِ تنبيها

*

اليومُ دنيا وترجو في قوادمها

ماذا ترومُ فقولي من خوافيها

*

ليلى التي ارهقتني بتُّ ارهبها

لأنها قد تراني في مساويها

*

أرهقتُ نفسي وويلي من يعوضها

انْ كان في شيبها ترجو معاصيها

*

حتى كأن بكأسي روح غانيةٍ

وكنتُ أشربها معنىً وتشبيها

*

وصفتُ طيفك حتى خلتُ أغنيتي

قد لا تغادرُ معنىً من معانيها

*

وقلتُ صمتاً على دنيا تعانقها

كالراحلين دروبٌ مات حاديها

*

فلذتُ أشربُ ما في الكأس من أملٍ

حشاشةُ الروح تبغي من يواريها

*

لو وُزّعَ الكونُ اجزاءً مقسمةً

لما جلبتُ انائي كفَّ معطيها

*

لكنني جئت للدنيا على كرهٍ

بكيتُ حين ركابي زار واديها

*

إني كفرتُ بعيشي كلّهُ سأمٌ

ماطاب يوماً على مرٍّ نصافيها

*

إني أغني وكأسي ضجَّ حاملها

وضجَّ شاربها بل ضجّ ساقيها

***

محمد الذهبي

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م