نصوص أدبية

هوس

هوسا بالنور من رمادي أبعث محاربا

كما ولدت أول مرة

مازلت عاشقا لهدير موج البحر

ولغناء الحوريات

وللمرافئ البعيدة

ولسيرة أوديسيوس المهووس بالحرب

فارس اسبرطي

كفارس  اسبرطي

تقبل على الحرب بلاهوادة

فالحرب وجدت للفرسان

هكذا تقول الملحمة في اليونان

تعانق الموت بحب كأنه رفيق العمر

والوغى بخيلها وفرسانها

شاهدة على عمق هذا الوصال

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

 

تأوَّهَ مَنْ رأى وجَعَ الليالي

وما بلغتْ مُعاناةُ الأهالي

*

ولا سُرَّتْ بها أبداً بلادٌ

تُعاقِرُها النواكبُ بالعِضالِ

*

تَساقطَ توأمٌ وهَوى ضَريحٌ

وأنوارٌ بداهيةِ الزوالِ

*

فعمّ وجودَها ألمٌ وكيْدٌ

وتَحْشيدٌ لقاسيَةِ النِزالِ

*

وكمْ دارتْ وما جَلبتْ مُفيداً

ودامَتْ في مُباركةِ المُحالِ

*

تُؤجِّجها مَطامِعُ مُنْطَواها

فَتَسلبُها مَواثيقَ العَقالِ

*

فهلْ تَبقى مُكَبّلةً بحَيْفٍ

تؤرِّقها مآلاتُ الضَلالِ

*

ألا سُرَّتْ برائعةِ افْتِكارٍ

وإمْعانٍ بسامِقةِ العَوالي

*

تلوّتْ في مَرابِعِها رُؤاها

وشادَتْ صَرْحَ أمْجادِ النِضالِ

*

وما وَهَنَتْ مَعانيها وعاشَتْ

تُعانقُ لهفةً ذاتَ ابْتِهالِ

*

سَمَوْنا فوقَ أكْتافِ ارْتِقاءٍ

إلى مَجْدٍ بعَلياءِ الوِصالِ

*

بها الأجيالُ مَرَّتْ ثمَّ غابَتْ

وحاضِرُها سيَحْيا في الخَيالِ

*

يَنوءُ تُرابُها منْ قَهرِ دَهْرٍ

تَداعى نحوَ فائقةِ الجَمالِ

*

ليَهْدِمَ شاهداً نَطقَ افْتِخاراً

ويَأتينا بحاديَةِ الخَبالِ

*

مُعللتي بأحْلام اقْتدارٍ

صَبَرْنا مِثلَ أيّوبٍ بحالِ

*

فما عادَ الزمانُ لنا صَديقاً

وكلّ قرينةٍ بنتُ اهْتِبالِ

*

ومِنْ ألمٍ إلى ألمٍ خُطاها

وإنْ نَطقتْ أفاضَتْ بالجِدالِ

*

سَعَيْنا نَحْوَ فاضِلَةٍ وطيْبٍ

وإيْمانٍ برائدَةِ المِثالِ

*

ودُمْنا رَمْزَ إنْسانٍ عَزيزٍ

يُبادِرُها بطاهِرةِ الخِصالِ

*

فهلْ نَفعَتْ جَواهرُ مُبْتَغانا

وعِشنا مثلَ إخْوانٍ عِيالِ؟

*

لماذا صارتِ الدُنيا عَليْنا

تُكبّلنا بأسْبابِ انْتكالِ؟

*

وتَرْجِمُنا بجائرةٍ وأخْرى

تُسوّقها أبابيلُ افْتِعالِ

*

ألا عَرَفتْ لنا مَجْدَ ابْتِداءٍ

تُبَرْهِنهُ الشواهِدُ بالكَمالِ

*

وتُظهِرهُ الخَرائدُ في قَريضٍ

وتَسْطيرٍ لماجدةِ المآلِ

*

الا تبَّتْ رؤى الأحْقادِ تَباً

سَتُصْلى عِندَ قاضيةِ السِجالِ

*

مَعالمُ إنَّنا أقْوى سِلاحٍ

فَكنْ فيها كمَحْزومِ النِصالِ

***

د. صادق السامرائي

13\3\

 

هشام بن الشاوينعم، ستغيبين..

سيكون غيابك متلكئا، قاسيا، طويلاً، موحشا...

ستسرقين من الأيام طعمها وأسماءها. لن أنشغل بالجمعة، لن أنتظر السبت ولن أبالي بالأحد، ولن أفكر في غربة بقية الأيام الميتافيزيقية، فالألم  - ببساطة - لا يعرف العطل، ولا يتقاعد.

كل الأيام ستغدو يوماً سرمديا،  مدته عام كامل؛ يوم كئيب، جنائزي مثل شتاء لا يريد أن ينتهي، وكل ما سأدركه أن غيابك سوف ينكل بدموع هذا الطفل اليتيم: قلبي.

قلبي سوف يصادق ذلك المكان في غيابك، كمن يحرس هشيم اللوعة، سيبقى وفيا لذكرى ذلك المعول الذي انهال - بكل وحشية، ذات هاجرة-  على جدار فاصل بيننا، لا يراه سوانا، وأنت تنحنين في جلستك المتوارية، لكي يندلع بستان البهجة فوق أحراش الإسفلت.

ستغيبين مثل طائر مهاجر ، يتكاثر في الصيف، غير مبال بقلب ينوح على الضفة الأخرى للفجيعة..  فهل كان ينبغي أن تنحني، لكي تسددي رصاص عينيك نحو قلبي الأعزل؟! هل كان من الضروري أن تشي بوحشة منتصف العمر (عمرك/عمري؟!)،  وتزجين بسىرب من الدموع  في  هذا الحداد الطويل، القادم.. اللاينتهي: غيابك؟!

هل كان ينبغي أن نمرح، هنيهة، في بستان ملتقى النظرات، ذات قيظ، لكي تزهر - الآن، غدا وبعد غد- هذه الدموع على قارعة هذا الحزن الأعشى؟.

***

هشام بن الشاوي

ليلةٌ ولكن!!!

في ليلةٍ ليْلاءَ يُرهِبُ صَمتُها

سِرْتُ الهُوَيْنا لا أرى غيرَ الظَّلامْ !

أَسْرَعْتُ تحملُني همومي حائرًا،

مُتَثاقِلًا، مُتَسائِلًا،

أَإِلى النجاةِ أَمِ الحِمامْ؟

*

وتَباطَأَتْ قَدَمايَ

شَيْءٌ قد تَخَلَّلَني،

أُحِسُّ بأنَّه يمشي معي،

ينسابُ في مجرى دمي.

تَتَدافعُ الأفكارُ في رأسي

اضاعتني!

كذا الكلماتُ ضَيَّعَها فمي.

*

وهنا تراءى من بعيدْ

قَبَسٌ حثَثْتُ السيرَ لكنْ دونما

شيءٌ يُفيدْ

فَوقَعْتُ في جُبٍّ عميقْ

وإذا بِوَحْشٍ رابِضٍ

سالتْ نواجِذُهُ دمًا

قد سُرَّ بي،

وأنا اعيشُ ثوانيًا

كادت تمزِّقُني، فقد كانت تعيسَةْ

فأنا الفريسةُ سهلةً

جاءَتْهُ دونَ متاعبٍ، وأنا الفَطيسَةْ.

*

أجْهَشْتُ أبكي لا أُطيقْ

لا أهلَ قُربي لا صديقْ

أأموتُ؟  تلك مصيبةٌ

من سوف يحملُني الى قبري ومن

يُبلغُ أهلي والأقاربْ؟

من سوف يرحمُ وحشتي

وسْط الغَياهبْ؟

*

ياربِّ آنسْ وحشتي

إني وحيدْ،

يا ربِّ إني راعَني هذا الظلامْ

فأنِرْ سَماكَ فإنَّ عينيَ لن تنامْ

يا ربِّ أدعوكَ النجاةْ

يا ربِّ إني أرتجي نورَ الحياة

فَرَفعْتُ رأسي في أناةْ

وإذا بشيخٍ أَصْبَحِ الوجهِ

أَزاحَ الرَّوْعَ عني

راحَ يسألُني لماذا

أنت في هذا المكانْ؟

فَأَجَبْتُهُ

إنّي ضَليلٌ منذ ساعاتٍ الأصيلْ

فَدَنا فَأَدْلى دَلْوَهُ

فخرجتُ لكنْ

لم أجِدْ أثَرًا لهُ!!!

***

شعر عبد يونس لافي

 

عبد المجيد احمد المحموديطلّ عليّ من النافذة، وتارةً من كوةٍ في الحائط، وكثيرًا ما أشعر بخطوه خلفي خاصة حين أكون وحدي في البيت، وكلما طُرِق الباب اعتقدت أنه هو من في الخارج...

حتى حين أفتح دفتر مذكراتي أجده متربعا على صفحاته...

عائلتي باتت تلحظ ما يعتريني...

بدؤوا يتهامسون بينهم عن احتمال إصابتي بالجنون بعد تلك الحادثة...

من أين نَبَتَ أمام سيارتي لست أدري؟!

 كان شيئا مرعبا بحقّ...

لم أكن مجنونا كما يظنون...

إن كلّ ما يحدث معي حقيقةٌ.. حقيقةٌ صارخة لا تخيلات، ومع أنهم أكدوا لي خبر بقائه على قيد الحياة، وعودته للمنزل سليما معافى، لكنني كنت أؤكد لهم أنه قد مات، فكيف لرجل تدهسه سيارة ضخمة أن يعيش، وسائق تلك السيارة لم يقم بإنقاذه؟!!

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود - سوريا

مهما أقول فلن يفيك فصيحُ

إنَّ المديح لمن سواك جريحُ

*

أنا بعض ما عانى الحسين وإنني

بالضَّيم في أمضى السُّيوف ذبيحُ

*

أبكي أضجُّ مدى الزمان بغربتي

مازلتُ أبكي في دمي و أنوحُ

*

لا صوتَ لي يحكي.. يقولُ بعالمي

صوتي على سمع المدى مبحوحُ

*

شتّان في ذاك الزَّمان و ما على

هذا الزمان.. فذا الفراغ فسيحُ

*

قد كنتَ بالأمس البعيد مناضلاً

قد صار بعدك للنِّضال طموحُ

*

كنا نثور فلم نصلك كرامةً

إذ كنت وحدك و الزمان شحيحُ

*

و غداةَ ساد الظَّالمون.. تحكَّموا

في كلِّ شيءٍ في الحياة أُطيحوا

*

و بقيت أنتَ أيا حسينُ منارةً

للعزِّ تزهو و الفضاء صبوحُ

*

لمّا قفوناك الطَّريق تعبّدتْ

كلُّ الدُّروب.. فذا الحسين صحيحُ

*

يا فارسَ الطَّفِّ المجيد بثورةٍ

أثنى لها طه النبيُّ و نوحُ

*

قد كان يوسفُ في الظَّلام  بجبِّهِ

يدعو و بسمك (يا حسين) يصيحُ

*

ذو النون كان على البحار بحوتهِ

أنجاه ربُّهُ (يا حسين) يصيحُ

*

في النار إبراهيم الخليل ممنجقاً

يهوي وبسمك (يا حسين) يصيحُ

*

الكلُّ صاحَ أيا حسين بضيقهِ

و الكلُّ يبقى (يا حسين) يصيحُ

***

رعد الدخيلي

 

لا تَرغبُ المرآةُ بي

عَيني ترىٰ فيها الغُصونَ الخضرَ

في جِذعٍ يُقشّرهُ انحِسارُ الوَقتِ

عن شطآنيَ العَطشىٰ

وقد عَدّتْ وقوفي بدعَةً

لمّا انحنيتُ مُنقبّاً عن شامةٍ

جَلَسَت بغيرِ مَكانِها

زَحَفتْ كما لو أنَّ وَجهي شَمعَةٌ

ذابتْ

فساحَ الى أركانِها

ما كانَ غضّا لم تَطأهُ رحى السنينْ

لكنّني .. مُتفائلٌ

عَلّلتُ صَدعاً في الزُجاجِ

لَوىٰ عُروقي

وانتهىٰ بي

غيرَ ما أنا في عُيونِ الآخرين

ولَعَنتُ مِرآتي

فقد شاخت لتُظهرَ عاجزاً يَطأُ العَرين

**

ماذا تقولُ مَلامحي

وعوارضي ملويةٌ

إنْ عُدتُ أنفُضُ عن أديمي غُبرَةَ الأيّامِ

هل تأتي بما يَخفىٰ

وتَسردُ قِصّةً أخرى جَهَلتُ فُصولَها

ألتَفُّ حولي.. راثياً

وأدورُ في العَدَمِ الرهيبِ

أناولُ الأفُقَ الأمانيَ والرجاءْ

عَبّثاً أُحاورُ جَبهَتي

لو كانَ فيها ما يُزيلُ ذُبولَها

تَعَبتْ يَدايَ ولم تزلْ

معلولةً

تَشكو الى الغَيبِ الكَتومِ خُمولَها

**

ها عدتُ كالجَوّالِ في زَمنِ الظُهور

قلَمي العَصا

وصَحائفي الحيطانُ أنقشُ فوقَها

اشباحَ أُنثىٰ

غادرَتْ سَفحي

وعافَتني بقايا عابثٍ

أستلُّ اشيائي من الذكرىٰ

فأبسمُ دامعاً

كوّرتُ أطرافي أُمَجّدُ ماضياً

ضاعتْ لأجلِ رجوعهِ

أغلىٰ النُذور

**

عادل الحنظل

 

ذوو البَدَلاتِ الفاخرة

والقُبّعاتِ الأَجنبيةِ الأَنيقة

والأربطةِ والأَحذيةِ اللمّاعة

وذواتُ الوجوهِ المَطليّةِ بأحدثِ

مُستحضراتِ التجميلِ والمساحيقِ

الباذخةِ منها والفاقعةِ حدَّ القرفِ والتهريجْ

و" الفائخونَ والفائخاتُ "

من ذوي وذواتُ المُؤخراتِ والعجيزاتِ

والكروشِ والبطونِ الرجعيةِ والتقدّمية كلِّها

وكذلكَ تُجّارُ الحروبِ والقلوبِ

والصفقاتِ والبورصاتِ والعُملاتِ والبترودولاراتِ

والمُخدَّراتِ والبغايا والعاهراتِ والغلمانِ والخصيانِ

والمثليين والمؤمنينَ والمُلْحدينَ

والظلاميينَ والغواني والجنرالاتِ المُجرمينْ

كلُّهم يدخلونَ الفنادقَ الفارهة

ليمارسوا كلَّ عوالمِهم

ووطقوسَهم وملذّاتِهم وجنوناتِهم الفنتازية

*

أَمّا مُعوقو الحروبِ

والآباءُ المُتعبونَ من القهرِ والفاقةِ والجوعِ والحرمانْ

والأُمّهاتُ ذواتُ الامراضِ المُزمنة

فيعرضونَ أقدامَهم وأَذرعَهم المُمَزَّقةَ

وأَدويتَهم الرخيصةَ و " الإكسباير "

أمامَ حضراتِ السادةِ الاثرياء

وسيداتِ الصالوناتِ السرّيةِ

والخاصةِ جداً جداً .

عسى أَن يعطفوا على هؤلاءِ الضحايا والسبايا

ويتصدّقوا عليهم ببضعةِ

ملاليمَ وفلْساتٍ ودراهمَ وليراتٍ

بالكادِ يقدرونَ أَنْ يشتروا بها

" ساندويشات " فلافل وطنية

***

سعد جاسم

2022 - 8 -7

هشموا مرايا

الامل والحكمة

ومضوا مضوا

زارعين في طرقات

الحب والعطاء

شوكا

عوسجا

وحنظلا

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر

حينذاك قلنا سنحتمي

بقرص الشمس

بقوس قزح الصباح

وبالشفق الازرق

ونطرز بيارق

احلامنا  امالنا ورؤانا

بشاع نور

التصميم  الازرق

فهشموا هشموا

مرايا الحب والحكمة

واختبأوا خلف جدر

اسفلت الاقاويل

غير مبالين بغضب

البرق الريح

والمطر.

***

سالم الياس مدالو

 

 

احمد الحليمفارقات

بقيت غرفةُ الفندقِ ذاتُ الرقمِ 11 ساكنةً وهامدةً لبعضِ الوقتِ، ولا يدري أحدٌ كيف اتّفقَ أن يجتمعَ فيها ثلاثةُ مَعطوبينَ في وقتٍ واحدٍ: المصباحُ وساعةُ الجدارِ وجسدُ نزيلٍ يُحتضَر .

**

كابوس

كان الصمتُ والوجومُ يخيّمانِ على المكانِ المقفرِ الذي قادتني خطاي إليهِ ، بدا لي كلُّ شيءٍ مريباً، تملّكني هاجسٌ أن ثمةَ بين هذه الخرائبِ من يصوّبُ بندقيّتَه نحو رأسي وأنه يوشكُ أن يُطلقَ رصاصةً ، تذكّرتُ أنني منذ يومينِ لم أحلق ذقني .

**

تتوجَّسُ الوردةُ

أن تمتدَّ لها يدُ عابثٍ

فتؤذيها

لكنها ، ما إن رأتكِ

حتى صارَ هاجسُها

أن تقطفيها

*

تتقدُ فوقَ رأسي

شُعلةٌ

حينَ لا تصطدمُ

خُطواتي إليكِ

بعثرة

**

شبكةُ العنكبوت

منذُ أمدٍ بعيدٍ

وهذهِ الشبكةُ المُمَوَّهةُ

منصوبةٌ فوقَ رؤوسِنا

تلتهمُ أيّامَنا بشراهةٍ

تمتدُّ خيوطُها اللزِجةُ

لأبعدِ نقطةٍ في الأفقِ

وعلى الرغمِ من أنها

موغِلةٌ في القدمِ

لكنها لم تهتريءْ

أو يتطرّق إليها الوهنُ

لم تزلْ تحتفظُ

بنضارتِها وسحرِها

على الأقلِّ بالنسبةِ للذبابِ

الذي يتساقطُ فيها بإطّرادٍ

فيُصبِحَ جزءاً

من كينونةِ

عنكبوت

** 

هايكوات

يتركُ شطراً

من فريستِهِ للصّ

الذئب

*

تتمنّى لو تتلقّفُها

يدا ساحرة

المكنسة

*

لا تنخدع بسكونِها

ستعقِبُه عاصفة

تاء التأنيث

*

بحذرٍ وتوجُّسٍ

يقتربونَ من جُثتِهِ

الأسد

*

يتباهى بأنه شجرةٌ

وأنّ ثمرتَهُ تُضيء

عمود الكهرباء

***

أحمد الحلي

 

إلى روح أمي التي وافتها المنية دون أن أفلح بزيارتها

كنت أروم زيارتها مترقبا أحوال الوطن الذي غدر الزمان به من قبل أحزاب السلطة الفاسدة، لكنني على حين غرة وجدت نفسي أمام كلمات التعزية التي كتبها أخي الأكبر في يوم السبت المصادف 7 من الشهر الثامن لعام 2022 ، وذلك في تمام الساعة 3:52 بعد منتصف الليل بتوقيت العراق قائلا فيها: "عقيل حبيبي البقاء في حياتك توفيت والدتنا العزيزة"

هنا وأنا في حرقة الشوق كتبت:

إلى التي تزاحمت في ليل حدادها الصباحات،

ومن بريق طهارتها تشع رائحة الحياة،

إلى التي من تراب حضورها أصنع أقراط مسبحتي،

ولعفة صبرها أتلو الكلمات

**

دعيني أصلي بجوار ظلك أيتها الروح!

أغتسل بنقاء طهرك أيتها الطهور،

فها أنذا اليوم أجلس في حديقة مأتمك الموصدة،

أنصت لأنين أنفاسك المتعبة،

أبحث عن طريقة للعزاء،

أتلو لطقوس قبرك الصلوات،

هنالك حيث يستفيض الخير،

ينبعث النور وتنجلي الظلمات.

***

عقيل العبود سان دييغو

حاولتُ يا سيِّدي..

حاولتُ كلَّ مرَّة..

حاولتُ في الماضي ألفَ ألفَ مرَّة..

لكنَّني لم أرَ الماءَ

منبجسًا من عمقِ صخرة..

*

حاولتُ أنْ أكظمَ غيظي

أتناسى أعمارَنا الملقاةَ

في مهبِّ الرِّيحِ..

و حياتَنا المُرَّة..

*

حاولتُ جاهدًا أن أُسكِتَ

الأجراسَ في رأسِي

أنْ أقهرَ الوساوسَ و الظُّنون

لكنَّها كانت تعصفُ فيهِ

كبركانِ ثورة..

*

أنا لم أكنْ شيئًا يا سيِّدي

أقتاتُ همومي كالحمارِ

في الليلِ و في ضوءِ النَّهارِ

نصحوني بالأفيونِ و أغاني الصَّبرِ

لكنَّني لم أفقدْ ذاكرتي

لم أفقدْ من أحزانيَ الغُبرِ

قيدَ شعرة..

*

كم قد زفرتُ أنينيَ المبحوحَ

في مداخنِ الحذرِ المريرةِ

و كبحْتُ أعنَّةَ الأحلامِ و الأقوالِ

و كلَّما صحوتُ..عُدْتُ

أمزِّقُ أفكاري التي اجتاحتْ

عليَّ فضاءَ سَكْرَة

*

يا سيِّدي..إنِّي رفضْتُ الأحزابا

أوصدْتُ على فكري الأبوابا

فأنا ابنُ الأرضِ..

أحبُّ كتابي و قهوةَ أمِّي

أكرهُ الإرهابا..

أحبُّ عيونَ العاشقين..و بساطةَ الفقراءِ

و العسلَ المعقودَ من زهرة..

*

يا سيِّدي أنَّى لحرفيَ المقتولِ

أنْ يصحو؟!!

و سياطُ جلَّادِ البلادِ في ظهري

على لسعاتِها السُّودِ أرسمُ

أنَّاتي و قهري

فأينَ أرحلُ يا سيِّدي و قد أغلقوا

علينا أبوابَ المجرَّة؟!!

*

يا سيِّدي لقدْ شبعَتْ

من لمسِ أناملي الحيطانُ

و اغدودنَ البؤسُ في قلبي

و نسيتُ أنَّني إنسانُ

و نسيتُ طعمَ الثَّلجِ و التُّفاحِ

و طعمَ اللونِ و الفكرة..

*

يا سيِّدي إنَّا نعيشُ في بلدٍ

عبيدُها يغنُّونَ للجلَّاد

و الذلُّ عنوانٌ عريضٌ

باتَ يقرأُهُ الغرابُ

في وجهِ العباد

و غدا الفقيرُ ليسَ يشكو

في ليالي الهمِّ...فقرَه

ها قدْ تشبَّعَتْ شفتايَ بالدِّماء

و الكرسيُّ خلفَ رأسي صارَ مثلي

ضحيَّةً خرساء

يا سيِّدي هذا وطنٌ..

ليسَ يحيا في جنانِهِ الفقراء

و عيونُ اليتامى ليسَ

تعرفُ ما المسرَّة..

*

يا سيِّدي..ها هنا يضيِّعُ النَّهرُ بحرَه

ها هنا يقيِّدُ الليلُ فجرَه

ها هنا يصلبُ الحقُّ سِفرَه

*

إنَّا وُلدنَا نصلِّي للساسةِ الكبار

معَ الخبزِ نحترمُ الكبار

معَ الطَّعامِ و الشَّرابِ

معَ الغناءِ..مع البكاءِ

معَ الشَّقاءِ..معَ البقاءِ

نقدِّسُ الكبار

حتَّى غدونا عاجزينَ في وطنٍ

عاجزٍ عنْ أيِّ موتٍ أو قرار

و صارَ الضَّعفُ فينا عدوًّا

لم نستطِعْ بعدُ قهرَه

*

يا سيِّدي..إنَّا نعيشُ في وطنٍ

كلماتُ المرءِ فيهِ

تصنعُ قبرَه

***

د. عبد المجيد أحمد المحمود - سوريا

أشتهي الآن أصابعك الناعمة، وهي تغوص في شعر راسي الابيض المُقمر، تنبش مثل حمامة، عُشَ جمجمتي الملقاة على ركبتيك، وأنت تحكي لي بصوت خافت فيه بعض ضوء.. كقنديل أمي القديم.. تتحدثي..

عن يوم الغد الذي لم يعد يهمنا.. عن أمنيات تضيء قليلا ثم سرعان ما تتلاشى كانها قوس قزح..

- كنت تقول لي:

لا تدع اصابعي ترتخي يا حبيبي.. لا تَفرح قَبْلي...

إنّ قلبي موحش مثل الوطن، غريب مثل جسر مهجور..

جارح كانه الزجاج المكسور..

أنا " مراثي قرطاج" كلها

تستجدي ضجيج العابرين

مع هديل الحمام..

لا راهب يشم عظامي..

يرش عند خرائبي ماء الكنائس..

*

لماذا تركتني أذبل

كل هذا الوقت

مثل عشبة في قَبْو مهجور

انتظر..

على الرّيق

مثل طائر البطريق

عند شاطىء مهجور..؟

كنت أظن..

سوف تعود

في زَبَد الموج

وانّ البحر لا يخون،

أنت الريح التي تشمني

وانّ النوارس

ومراكب الصيادين البعيدة..

سوف تراني.

مَنْ اخذك من حضني،

من أحرق في بستاني

عود الأقمار...؟

*

لا تدع الخيط ينفلت من الإبرة هذه المرة..

توجد بعض اوهام جميلة ورياح اخرى تبرعم في الذاكرة مثل ازهار القطن..

.. أن تُحِــبَّ،

ليس بالضرورة أنْ تُنَقّـِطَ كل آهات حروفك،،

وليس إشاعةً أن تكون قد بكيتَ، وآحترقْتَ، ونزفْتَ مثل جُرْح خفِي..

أشتهي،

أن يلفّنا دخان الحرائق وروائح النار،

ننصرف إلى حديقة منسية أخرى في منعطفات البدن، لم تَمْسَسْها بَعْدُ حوافر اللّعنات،، ولم يَشْمَلْها أيُّ نعيقْ....

*

أشتهي يا حبيبي،

ان تَكْتمِل أجمل الغَيْمات وأحزان الحبّ فيك، وتصبح سيّد المَعْبد..

تجري كنهر يتيم..

- انا احبك، أنت قميصي البالية المتبقية في هذا العراء، وانا البرتقالة المضحكة...

- دَعْني أتوهّم

انك ما زالتَ تُحبني

ايها الطفل الجريح.

وأنّ قرنقلة القلب..

لم تسقط من يدي،

لم يأخذها تيّار النهر،

الى بُحَيْرات الملح...!!

***

* عبد الرؤوف بوفتح / تونس

 

محمد الدرقاويقبل أن يعي علي بعضا من حقائق الناس، وتمحو سلوكات الكبارعبق البراءة من ذاته، قبل أن يميز بين أصناف الناس وسلوكاتهم ومعاييرهم، كان يكره أن يكون معلمه في المدرسة رجلا، فأن يكون معلمه رجلا، فذاك في نفسه إثارة اشمئزاز.. ضيق صدر، وتلبس خوف من أن يداهمه من المعلم شر..

كذلك كان قبل أن ينمو، فتمكنه الحياة وخبراتها من التمييز بين ما هو"مألوف وسائد بين الناس، وبين ما هو مختلف وغريب الأطوار.. حتى انه في سنته الأولى بالمدرسة، لما عاد الى البيت زوالا، وفي اليوم الأول من السنة الدراسية، تمارض، وتعمد أن يدخل ، ويضع اصبعه في فمه حتى يتقيأ،.لما سمعته أمه، هرولت اليه خائفة ان يكون قد اصابه مكروه، او تناول شيئا من أحد الباعة المتجولين..

هكذا تحجج بعدم العودة مساء الى المدرسة، وحين استفسره ابوه، لماذا؟ رد وعيونه تمسح الأرض: "أكره رائحة الدخان في معلمي".. ونسيي ان يكون المعلم ربما لم يدخن سيجارة واحدة في حياته.. وحيث أنه كان ابن اسرة عريقة نسبا وشرفا وتاريخا، فكان من السهل ان تغير الإدارة قِسمه استجابة لرغبة الشريف ـ والده ـ الذي لا يرد له طلب..

كان علي يفضل أن تعلمه أنثى، لان المرأة عنده قدوة، أناقة ومبعث رحمة، وفيض إحساس وذوق ؛كان يرى في كل أنثى تعلمه، أمه التي يحمل لها سرا من أسرار ما يعي ويفهم ، كان يردد في نفسه عبارة كانت تتغنى بها عمته اعتزازا بنفسها:

"لولا الأنثى، ما جرى نهر، ولا غرد طائر، ولا نبت بستان، حتى وهي تخطئ فلن يجرها أو يغريها أو يحرضها على الخطأ الا رجل استغل فيها ثقة، أو خوفا، أو اغتصب طيبتها المتأصلة فيها"..

كل معلم كان عند علي مبعث غثيان ومثاراشمئزاز وكراهية، استغلال وقدرة على دوس كل الشرائع من اجل رغبات شريرة وأنانية فادحة؛ كل معلم عنده كان شيطانا يرتدي زي الصالحين ويتخفى وراء الدين..

بعد فعلة القيء المتعمد بأيام كان علي عند والده في دكانه، سأله عن دروسه، عن قسمه الجديد، عن معلمته، وعن كثير مما يحدث في مدرسته..

صَمت الاب َقليلا ثم سأله: علي !!.. لماذا لا تحب أن يعلمك رجل في المدرسة؟..

طأطا علي رأسه، وترك عيونه تمسح الأرض من تحته، اعتلى وجيب صدره، وخاف أن يبوح لأبيه بالحقيقة كما يعرفها ويخفيها عن جميع الناس..

بتجربته وخبرته، أدرك والده أن ابنه يخفي شيئا، قال:

ــ لن تكون ابني اذا لم تخبرني بالحقيقة..

تدمع عينا علي وقد صار يرتجف، ومن سذاجته يومئذ فكر:

"ومن يصير لي أبا اذا تركني أبي" ؟..

ارتد في سمعه الصدى، وتملكه الخوف من جديد، أحس كأن يدا تعاود مسكه من قفاه، وصوتا بغيضا يقول:

ـ "والله يابوك واخبرت شي واحد بما رأيت حتى نقتلك.".

عيون الأب سهام تخترق ذات علي، تقرؤه، تكشف سره..

"ليت عيون أبي ترى اليد التي مسكتني من قفاي، وتصغى أذناه لألفاظ التهديد التي اخترقت طبلة أذنيّ، وصدى الصوت وقد تجلجل وعيدا مرعبا في اسماعي.. "

صار علي يعايش اللحظة كأنها تعيد نفسها بكل صور رعبها وقسوتها.. وفي نفس الآن يتمنى لو يعفيه أبوه من الرد، لأن قلبه الصغير لايتحمل هذا الهدير الذي يدوي بين اضلعه، فيعيده الى لحظة يكره أن يعود اليها بإلتفاتة أو تلوح بذكرى.

سنة مرت على الحدث، بعد أن غادر الكتاب، وبدأت تتلاشى مع الأيام صورة الفقيه في عقله وصدره، لا تتداعى على البال الا حين كان يشاهد حمالا بين أزقة المدينة القديمة يضرب بهيمة، يستحثها على المشي، فيهتزعلي فرقا وألما نفسيا..

وحين صار تلميذا في مدرسة تعود رؤية المعلمين حوله باطمئنان حذر، يراقب عن بعد أحاديثهم البريئة مع المعلمات، ويتسقط اخباراعن هذا المعلم أوذاك من تلميذاته وتلاميذه، وكلها تمحوالصورة القاسية التي طبعها فقيه الكتاب في نفسه.

ها هو أبوه يثير الحدث من جديد، فيعيده الى الإحساس الاول بكل فظاعته وقسوته ورعبه، وما غابت او تغيرت له صورة، محفورة كرسوم الشياطين على أثر صخري، كم يلزمها من عوامل التعرية حتى تتلاشى وتغيب، فكم اقضت نومه، بأحلام مزعجة مرعبة، كان يصحوعلى اثرها خافق الصدر دامع العينين..

كان علي صبيا صغيرا أو "محضري" كما يقولون في كتاب قرآني يقع قريبا من بيته، وكان الفقيه رجلا أربعينيا اسمر اللون، فاره الطول، عريض المنكبين، لا تفارق راسه عمامة في فصل الشتاء، وطاقية بيضاء في الصيف، وكان حين يعري رأسه يبدو الرأس كبيدر عتت فيه حوافر الحمير أثناء الدرس!!.. بنظرة واحدة كان يحرك زوبعات الخوف في نفوس الصبيان، فيرفعون عقيرتهم باجترار المكتوب على ألواحهم من آيات، يرددونها ولا يفهمون لها معنى، أو يصحون من غفلة إغماضة جراء تعب أو عياء أو رتابة ترديدات ببغائية متراخية حين انشغال المدرر عنهم مع احدى زائراته من النساء..

ذات اصيل من يوم جمعة، وقد كان يوم عطلة، كان الأطفال يلعبون لعبة غميضة قريبا من بيوتهم ؛ركض علي ليختفي وراء باب أحد منازل الحي، اثارته باب الكتاب نصف مفتوحة.. دفعها فانفرجت، صعد الادراج.. مدَّ راسه الى الداخل.. لا أحد.. ربما نسي الفقيه ان يقفل باب الكتاب..

وهو يستدير للعودة سمع أنفاسا قوية تتلاحق، اعاد الاطلالة؛كانت في الكتاب سدة خشبية عالية، هي مرقد الفقيه وشبه مسكنه.. حين رفع علي راسه، رأى الفقيه على السدة في وضع مخجل مع أم أحد المحضرية الصغار ؛ كانت تزوره يوميا ليكتب لها أحجبة، او تحمل له أكلا، او تهديه صحونا صغيرة من حلويات منزلية، وأحيانا كانت تأتيه بملابسه بعد غسلها، دون أن يخلو حضورها من همسات وغمزات وضحكات.. كانت بالنسبة له كزوجة لا تنقصها الا الإقامة الدائمة معه؛ لم تكن المرأة كغيرها ممن يأتينه من النساء، يخط لهن جداول على ورق أبيض، يكتب عليه بصماغ أو زعفران وماء الزهر، فيقدمن له نقودا أو صرات من ثوب كان الصبيان لا يعلمون مافيها، كانت هذه المرأة عنده حظية تطيل الجلوس الى أن يشير عليها بغمزة من عينه اليسرى فتنصرف، ثم يترك الصبيان تحت حراسة أكبرهم من المحضرية ويلحق بها الى بيتها القريب، ام يكتفيان بالوقوف على أدراج سلم الكتاب..

تفاجأ على بما رأى ، وتخيل علي لو أن ابنها هو من شاهد الوضع المخزي !!.. ربما لن يفعل شيئا، فقد ألف أمه، وتعودها وهي تزورالفقيه يوميا في الكتاب، بل كثيرا ماكان يفتخر بزيارة الفقيه لبيتهم كلما عاد أبوه من بلاد الغربة فيكرم الفقيه بالهدايا..

كل المحضرية كانوا ينادون الفقيه "أَسِّي" إلا هو فقد كان يناديه "عمي"

بين ذهول وارتباك، زلت قدم علي وهو يهم بنزول الأدراج.. سقط، ثم وقف، وقبل أن يعاود النزول، كانت يد الفقيه تمسكه من قفاه، ترفعه الى أعلى كمن يمسك أرنبا مذبوحة من رأسها:

ـ والله يابوك وأخبرت شي واحد بما رأيت حتى نقتلك..

ترك الفقيه قفا علي فتدحرج الصبي على السلم، بعد أن رماه كما يرمي أي شيء كان في يده..

بحث علي عن قطرة ريق في فمه فلم يجدها، فصار يبتلع جفاف حلقه وكانه يمرر حصرم التمر عبر حنجرته، رفع راسه ليتوسل الفقيه، فأرهبته عين الفقيه اليسرى كورم أحمر يغطي سوادها، وعينه اليمنى كجمرة ملتهبة على وشك أن تحرقه من قلب محجرها..

قاوم علي الرعب الذي داخله بقدر مقاومته لألمه، من رضوض راسه الذي ارتطم بجدار السلم، ومن ركبته اليمنى التي تورمت وغطتها حمرة مشوبة بزرقة غامقة.. عاود الصبي الوقوف نصف راكض الى بيته.. وصورة واحدة هي ما يكتسح ذاته وكيانه، صورة شيطان أسود، يرسل شررا من عيون دموية حمراء تلاحقه..

كان الحاح أم علي كبيرا أن تعرف ما وقع لابنها.. لكن علي أصر على ان الامر لا يتعدى سقطة بسيطة وهو يلعب في الدرب..

عرضته الأم لحمام ساخن، جست فيه جسمه مكانا بعد آخر، ثم ضمدت جروح رأسه وركبتيه وتأكدت أن الامر لا يتعدى رضوضا بسيطة وان كان بعضها بليغا ..

من يومها لم يعد علي الى الكتاب الا قليلا، يتمارض، أو يخرج ثم يعود بعد وقت قصير بحجة غياب الفقيه.. وحتى يتجنب ولوج الكتاب دون أن يثير شكوك أبيه أو أمه، كان يدخل ضريح سيدي أحمد التيجاني يصلي الضحى، ويستمع الى ترتيلات القراء، أو يتهجى أحاديث رياض الصالحين من كتب الضريح الى أن يحين الزوال، وكثيرا ما كان يقصد ضريح المولى ادريس، يندس تحت سترة قبة الضريح، يدعو متوسلا باكيا على الفقيه، أو يتوجه الى مسجد القرويين، يقضي فيه الساعات، مستمعا الى دروس العلماء وفي رأسه ألف سؤال وسؤال عن كل ذي عمامة، وحقيقة ما يمكن أن يخفيه تحتها وما لا يعرفه عنه السامعون..

فقبل أن يكبر علي ويعي مقدار العلماء بتمييز، كانوا عنده اشبه بالفقيه، الكل نسخة من نفس الأصل.. يخفون مالا يبدون، وغلالة التقوى على الوجه ماهي الا رداء مكذوب سيتمزق ذات يوم حين يفضحهم الله ويلبسهم رداء حقيقتهم.

ان الساعات التي قضاها علي في هذه الفضاءات كان لها اثر كبير، في تشكيل بنيته النفسية، وتكوينه المعرفي، وقناعاته التعبدية، ورايه في الحياة والناس بين الظاهر الذي نراه على وجوههم، والمتخفي الذي يتسترون عليه بمختلف التلوينات والمساحيق.. وصار يؤمن أن مظهر الانسان لا يدل أبدا على حقيقته..

إن ما سكن أعماق علي كان أبلغ من السقطة، ومن عيون نارية تملكت كل حواسه، بل وابلغ من أثر لوح مكتوب كان الصبيان يحفظونه عن ظهر قلب بلا معنى او شرح، ما وقر في نفسه، كان صورة مقرونة بسوط وقهر من فقيه سفيه حقير، جبار، كان بكاء وتوسلات، يترقب لها استجابة الله مذل الجبابرة وهازم الطغاة ان ينصفه مما لحقه..

كبرعلي، وتغيرت رؤاه وافكاره، وصار يميز بين أصناف الفقهاء في الكتاتيب القرآنية، وبين علماء يحدثون في مسجد، وآخرون يمتهنون التدريس.. لكن كبرمعه الشك في كل ذي لحية وعمامة يرتدي جلبابا ابيض، عيونه من نار السعير اذا غضب، وتحته يتحرك شيطان في الصدر، ومعول به يهدم القيم والدين والأخلاق..

مازال يذكر أنه بعد أن استمع اليه والده ضمه الى صدره، قبَّل يده وقال:

كنت أظن الامر أكبر من ذلك.. لاعليك الناس معادن يابني !!..

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

من ذكريات الكتاب

 

إلى سبارتاكوس الثائر

الْتَقَت نيراننا على متنِ تلكَ

القصيدة..

يا لهذا المكانِ الفَسيحِ

محميّةٌ بواباتُهُ بالعيون

اقتنيتُ ابتسامتكَ بعينيَ الممتلِئةِ بكَ

مزجًا أوّلًا واغتيالًا للحروفِ

*

مَنْ يُوازنُ الغضَبَ في جَنباتِ الجُنونِ

عابرًا لذّةَ الوَحلِ

فيكتُبُ ميلادَ الحريّةِ

إنّ أكوامَ الطينِ تثيرُ شهيّةُ مناضلٍ

تُفضي إلى سَماحةِ العُروش

و ربّ القصيدة يغارُ من قَطْرٍ مغموسٍ

في سراديبِ السّحابِ

لأتعلّقَ في محاولات الوصول

أرعى السّرابَ في حدودِ اللّانهائيةِ

*

أدونيس .. هل مازال حاضنًا سنبلةَ الوقتِ

أم تحضنُها الجبالُ البائدةُ

واللّيلُ يسامرُ هدوءَ أبراجِ النّار

يثور الوقتُ كلّما حبِلَتِ الأرضُ بالعيونِ الكاذبة ِ

لاتقفْ كطفلٍ علِقَ في نسيجِ أسطورةِ

التّغريبِ

*

بعدَ الانعتاقِ لن نرقصَ بدَرْوَشةِ السّوقيين

فالأغاني العطْشَى مازالتْ تُنادينا

ومازلتُ أحتفظُ بذلكَ الإعجابِ

أنتَ سيّد الخيالِ الجامحِ في المتُون

*

لربّما التَقينا..

على متنِ تلكَ القصيدةِ القادمةِ

من صدى العويلِ

تحتَ ظلّ القياصرَةِ

لنكسِرَ عقدَ الملحِ والسّحابِ

نُحرّرُ الماءَ من الغرقِ

أو ننتهي هنا.. هنا

في عشّ النّشوَةِ

وهمسِ التّسابيحِ

*

لتكتبَ على صدري أبجديّةَ

الحزنِ العميقِ

بأناملِ النّورِ

فيكون الميلادُ خالدًا على

عروش ِالسّماءِ

ومع انحسارِ الخيالِ

يغيبُ اللّهبُ

وتتراءى لي كالذّهولِ في

متنِ القصيدةِ.

***

ريما آل كلزلي

8-8-2022

 

 

وطلعتَ كالشمسِ المضيئة

بِجبينِكَ ارتسمتْ نبوءةْ

*

بِلسانِكَ الفُصحى هديـ

ــرٌ يُنطقُ الفِكرَ الجريئةْ

*

في قلبِكَ القرآنُ يُتـ

ـلى لستَ تقترفُ الخطئية

*

يا مَنْ نشأتَ بخيرِ بيـ

ـتٍ خيرِ مُجتمعٍ وبيئة

*

يا مَنْ يُشابِهُ خيرَ خلـ

ـقٍ حُسن أخلاقٍ وضيئة

*

يا فارسًا ما كرَّ إلا

والحقُ قُربتُهُ المليئة

*

ما همَّهُ سيفُ الردى

وبِكفِهِ سيفُ المشيئة

*

وعكستَ بوصلةَ الورى

عن مَسلَكِ الدربِ الرديئة

*

وجهتَها نحو الذي

تتعلمُ الدنيا وضوءه

*

نحو المثيرِ بِمَنْ زكى

ماءَ الكرامةِ والمرؤة

**

يا ناشرًا فينا هوىً

تَشتَاقُ دُنيانا هُدوءه

*

العزُّ شيَّدَ مسكنًا

بالطُهرِ يَلزَمُ أنْ نَجيئه

*

تَتسارعُ الخطواتُ عجـ ـلاها كذلكمُ البطيئة

*

نحوَ اتقادِ عُلاكَ يا

بَدرًا ويا شمسًا مضيئة

*

وغدوتَ رمزَا للتقى

أنَّى لنذِلٍ أنْ يَسوءه

*

لا زلتَ تُشرقُ في العُلى

وعِداكَ في بؤرٍ وبيئة

*

دكدكتَ عرشَ أميَّةٍ

وكشفتَ صورتَها القميئة

*

وبذلتَ نفسَكَ للهدى

بثباتِ خطوتِكَ الجريئة

*

وتركتّ مِنهاجَ الورى

في رَوحةٍ يبكي وجَيئة

*

يرنوكَ ثَغرًا وادعًا

قتلوا ابتسامتَهُ البريئة

*

ويرى النبوةَ في الثرى

بِدمٍ ومُهجتُها ظميئة

*

ويقولُ بعَدَكَ لا صفا

عيشٌ ولا طابت هنيئة

***

أديب عبدالقادر أبو المكارم

21/7/2018م

 

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا

فوق النِّسيان

لا أذكر كيف زُلزلت الأرض زلزالها في ذلك الفجر المشؤوم، وصوت المدافع والرّشّاشات يزرع في قلوبنا ما لا يحيط به الكلام...

وعندما مسح النّهار بيده البيضاء على ما تبقّى من المدينة أدركت أننّي ما نجوت إلّا ليكون عذابي أشدّ من الموت نفسه... وسط الخراب كان رضيعي البكر يصرخ ملء آذان العالم، وهو يشدّ على ثدي أمّه البارد.. يحرّكها فلا تجيب...

**

أبي.. يروي

خريف سنة 1954

تفقّد بعيره فخرج يقصّ أثره.. هنا برك. هنا رعى قليلا... وها هي الآثار تتّجه إلى...

- آشْ تَعْمِلْ هْنَا؟

- (...)

- ضَاعْلِكْ فِي الجْبَلْ يَا قَوَّادْ فْرَانْسَا!؟

- وَاللهِ خَطِينِي... يَا امِّيمْتِي!!

- مِتْخَافِشْ. امْشِ قُدَّامِي!

- رَانِي وِلْدْ عَمّْكُمْ... بْجَاهْ رَبِّي!!!

مشى خطوات. وفجأة أحسّ بشيء بارد في رقبته فتحسّسها بأنامله.. كان ذلك قبل أن ينفر الدّم ويسقط متخبّطا...

**

الوجه المظلم للقمر

الحقّ أقول ما دفعني إلى الجبل إلّا الجوع. بوثيقة من قائد "الثّوَار" أحصل على الأرزّ...

بتّ ليلتي معهم محاصرا بنظرات الشّكّ ونواح يأتيني من مكان خفّي... صباحا رأيت شيخا وولده الشّاب في الوثاق...

"اقضوا حاجتهما"

"لن تُنصروا ودماؤنا البريئة تلطّخ أيديكم"!

"اسكت يا خائن!"

وقشع الذبّاح رأس الشّاب ومرّر سكّينه... وكان الأب الشّيخ مذهولا، ينظر ولا ينظر...

فكّرت في الهرب ولكن...

لا يحدث دائما

"لعن الله الفقر. ذبح زوجتي أمام عينيّ وها هو يشحذ سكّينه البشعة ليذبح ما تبقّى لي منها."

وأرسل نظرة قلقة على أطفاله الرّاقدين تحت قبّة سماء صيفيّة... رفع رأسه فانحبست أنفاسه فجأة، وهو ينظر مدهوشا إلى ذلك الشّهاب الذي انفلت من السّماء واتّجه نحو بيته...

"قل وداعا للفقر.. ألفا مليون دولار لك وحدك. ثمن النّيزك الذي اختار دارك دون سواها!"

***

حسن سالمي

يا سوطاً يصرخُ من وجعٍ

ببوادٍ تسكنها الوحشة

وثكالى شموع تتسامى

بمدادِ دموع الأيتام

ظمأ يقتات من ظمأ

بقرابٍ أرهقها الرمض

ورمال الصحراء تأنُّ

تُقبّل أقدام الأطهار

وتطوف طيورا نائحة

لربيعٍ أسفكهُ الغدر

ياصوت الله بالملكوت

وصلاة نبيّ يتهجد

بغاة تأسر بضعتهُ

ويلاحقهم سوط أبتر

في أرض الله نمت وربت

أضرحة فداء وشموخ

مواكب للخلدِ تسامت

ترنوا لرياضِ الرحمن

صوت الاسباط صدىً يبقى

يتردد بين الأزمان

***

مريم لطفي

 

إنهُ الصبحُ أَفِقْ يا مُهجتي

ألقتْ الشمسُ جذيلاتِ الذهبْ

*

قهوتي الشقراء تغلي، عطرُها

ما تُغنيهِ مهابيجُ العربْ

*

يا لَها راقصةً شرقيّةً

فوقَ نارٍ من خفيفاتِ اللّهبْ

*

قُمْ و شاركني معي فنجانُها

طعمُهُ أشهى لأني مَن تُحبْ

**

مِن يدي الفنجانُ يُهدَى فتفضّلْ

و اسرقِ العمر و بدّدْ و تدلّلْ

*

لا يطولُ الوقتُ ما دُمنا معًا

أعطنا مِن زحمةِ الساعاتِ أطولْ

*

اشرب الفنجان تهنَأْ بعدها

ذوقُنا راقٍ بها والطعمُ مُذهلْ

*

هاتِ حدّثني و قل لي صادقًا

لونها البنيُّ أم عينايَ أجملْ

*

إنّما عينايَ شعرٌ نادرٌ

فتّشَتْ عنهُ جميلاتُ الكتُبْ

**

نكهةُ الفنجان موسيقى و حبْ

فارتشفُ حبي و ذوّبني و ذُبْ

*

مُرَّة بالطبعِ كانتْ إنّما

طعمُها حلمُ عناقيدِ العنبْ

*

حبُّنا قد ذابَ فيها سُكّرًا

أو كما الشهد على الدنيا انسكبْ

*

بُحتُ بالسرِّ الذي في طعمها

فابتسمْ و اترُكْ تعابير العجبْ

**

أعطِني الفنجان مقلوبًا أُبصّرْ

إنّ حُسنَ الحظّ في الفنجانِ أزهَرْ

*

بيّض الفألَ و هِبني غايتي

قلبَكَ الفيّاضَ لم أطمعْ بأكثرْ

*

أوسَطَ الفنجانِ حسناء لعوبٌ

تقرأُ الفنجان شعريًا ثمّ تنثُرْ

*

قد سقتكَ البُنَّ خمرًا من يديها

أنتَ تهواها و قدْ تهواكَ أكثَرْ

*

أمسكِ الفنجانَ و ابصُمْ ههنا

بصمة الفنجانِ صارتْ قلبَ حبْ

**

إنني أغنيةٌ لحني الهوى

غنّني تحلو مواويلُ الطربْ

*

قهوتي أسطورةٌ لا تنتهي

لا تدانيها أساطيرُ الحِقَبْ

***

صباح الخير

شعر: إسراء فرحان

من كتاب: قمر الزمان

يعلمني حبها أن افتح نافذتي بين تقاسيم السحاب وسوسنات النداء

وتنهمر جلاجل السمر حينما تتساقط أيقونات لنا في مواسم البرتقال

يفر الليل من وهج مودتها عبر أردية البيوت وكواكب سحب الضباب

من شرفتها يتدلى البنفسج  يناغم الخزام والمقلتان في عبق الكتاب

دربها مر المذاق للدالفين من وخزات العيون وحرقة النجوم الناعسات ظلال

مقلتاها تشرب النابالم خمرا عسجديا تهمس في حرقة النوافذ والغلال

همسي يدور بي في فلك الخطيئة وهوامس الظلام شبه فكرة من الهيام

هي غزة تسبح في ضباب من نسمات الموج وابتسام قبلتها القمراء

ليلتها تزفها عرسا بين أشباح تذوب على هواجس الحنين والذكريات

إليها في افقها وميض انطفاءة   تنسجها حالات اكتمال دورات الضياع

هي ظلنا لا يخترقه قرار في مصابيح العناق إلى اليباب والعناق في الغبوق

جديلتها تنبض في جداول من بريق  مبهورة الأضواء من أجساد الغلمان

فتياتنا يخنقها ظلام دامس في انتظاري كالفراغ ويأس الباقين رماد

لن تمنع الاذن القيامة في صراخ قيامة تنسج من الفؤاد جداول القرار

حبها المجنون غزة يلفه الديك المسفوح من حدقات شوقها لتلك العيون

حبيبتي غزة كيف اصف لها ما بقلبي من شجون وشوق لتلك العيون

حب الآخرين في قلبي وان طال لا يدوم لأن حبها الأزلي لا يهون

***

نادي ساري الديك - رام الله / فلسطين

إليها حبيبتي وهي تلتحف غرامي حين لا ينطق سكون العارفين من القدود .

 

أراك ياحُسين، عابر النهايه ْ

وفي يديك النور، والهدايه ْ

أراك بين أمّة ٍ

مشلولة الشريان!!

تغالب الموت، تصيح بالزمان ْ

وصوتك العظيم يملأ المكان ْ

أراك في كلّ العصور، والمدى

تعلّم الإنسان!!

**

أراك ياحُسين،

في عباءة الرسول

حاملاً دموع (فاطمة ْ)!!

أراك عدت توقظ الموتى!!

فلم تزل دماك

في قميص كلّ مسلم ٍ، ومسلمة!!

ياثائراً مدماه ُ طائر المدى،

وكوكب الطريق ْ!!

يا ... (فلك نوح ٍ )، يا ... (عصا موسى)

ويا ... (روح المسيح)!!

يا ... وجه (يوسف النبيّ)، جاء بالسنابل المذهّبه ْ

ياعودة الأمطار للقفار

والطيور للشجر ْ

ياوارثاً حبّ الذي ... صلّى عليه الله، والملائكة!!

أراك كالغفران للذنوب،

كالخلاص للبشر ْ!!

**

أيقنت ياابن أطهر النساء ْ

بأنّك الصوت الذي

ردّده الزبور، والتوراة، والإنجيل، والهدى!!

وأنك الجرح الذي

يضيءُ في المسار ْ!!

والشمس فيه تحتمي، ويحتمي القمر!!

يا أيّها الركب الذي

يحدو به (جبريل) للسلام ْ!!

ياسيّد الفردوس ..

ياقاتل الظلام ْ!!

الموت في ذكراك مات!!

والليل في خطاك مات!!

وها أنا أراك ْ

ودورة النجوم في خطاك!!

أنشودة ً للسائرين!!

وقبلة ً للثائرين!!

وراية ً أخيرة ً في زمن المقاومه ْ!!

**

حُسينُ، ياحرّيّتي

حُسين ُ، يامرثيّتي

لم يكفني عليك حزن العالمين ْ!!!

فبعدك الماء صدىً للماء ْ!!

وبعدك الحياة لاحياة،

والسنين لا سنين ْ!!

***

بغداد / الشاعر أبو يوسف المنشد

شاهدتُهُ مِن شاهِقاتِ قصائدي

يَبكي ويَضحكُ،

في صباحٍ باردِ

مَن أنتَ؟

يا شيخًا يُسَبِّحُ ماضِغًا تَعَبَ السِّنينِ،

كأُفعوانٍ حاقِدِ؟

بِمُرقَّعاتٍ بالدُّموعِ،

خُيوطُها مِن دامِياتِ مَواجِعي ومَواجِدي

شابتْ مَعانِيهِ،

وأُقْعِدَ لَفْظُهُ،

ثَكِلًا بِطارِفِ نَصِّهِ والتَّالِدِ

وكأنما طَرَدُوْهُ مِن تابوتِهِ

لم يَنْجُ حَتَّى مَوتهُ مِن طارِدِ!

**

مَن أَنتَ؟

يا مُدُنَ الجِياعِ،

بِعالَمٍ تَشْقَى بَيادِرُهُ بِكَفِّ الحاصِدِ؟

في عَينِكَ التَّاريخُ يَكتُبُ نَهرَهُ بِالجَمْرِ،

والتَّاريخُ أَوْثَقُ ناقِدِ!

**

مَن أَنتَ؟

يا وَطَنًا تَوَلَّدَ في دَمِي

مِن أَلْفِ مَوْتٍ كالهِلالِ الوالِدِ؟

ما ماتَ،

تَبكِيهِ القَوافي يُتِّمَتْ،

ما عاشَ بَدرًا،

كالشِّفاءِ العائِدِ

كسِجارةٍ تَعْلُو دُخانا لَحظةً

لتَحُطُّ ساجِرَها بِحَتْفٍ راصِدِ!

**

وخُيولُنا تَأْبَى الفَوارسَ كُلَّها

لمَّا رَأَتْها أُمَّةً في واحِدِ

إِعصارَ أسماءٍ تَقادمَ رَسْمُها

لا عاشتِ الأسماءُ رَسْمَ شَواهدِ!

وسَفينةُ الطُّوفانِ تَغسِلُ رايتي

بَينَ السَّحابِ مِنَ الزَّمانِ الخالِدِ

بَرِئتْ مِنَ الماضي المَجيدِ

وجاسَدَتْ في حاضِرِ الأَوباشِ ذُلَّ الماجِدِ

(جَعْماءَ)(1)،

يَقْلِبُها الصَّبِيُّ فتَنْثَني رَهْنَ انقِلابٍ،

في انحِدارٍ صاعِدِ!

**

شاهدتُهُ،

يا لَيتني أَعمَى،

ولم أَرَ ما رأيتُ بِعَينِهِ مِن شاهِدِ

وإذا أنا،

والعاصِفاتُ تَلُفُّني،

فأَلُوْذُ مِن ظَمَئي بِمائي النَّافِدِ

أَشْتامُ، عَن عُمُرٍ، مَخايِلَ بارِقٍ

هَطِلِ الشُّؤونِ بِعارِياتِ مَعاهِدي

وإذا التي كَمْ راسَلَتْني في الهوَى

تَختالُ كالرَّشَأِ النَّفُورِ العاقِدِ!

**

شافهتُها،

فارتَفَّ عُنَّابٌ عَلَى شَفَتي،

وأَجْفَلَ جِيْدُها عَن ساعِدي

قالتْ:

إِلَيكَ، فقَدْ سَلَوْتُ،

ورُبَّما وَأَدَ الفُؤادُ فُؤادَهُ بِعُطارِدِ

ماذا وراءَكَ غَيْرُ أَطيافٍ هَمَتْ؟

والأرضُ لا تَحْيا بِطَيْفٍ شارِدِ!

عِشْ لِلخَيالِ، وبِالخَيالِ،

فإِنَّني عانقتُ في جَسَدِي انبِعاثَ المارِدِ

عانقتُ أَيَّامِي الجديدةَ،

نِسْغُها ماءُ الحياةِ .. قَلائدًا بقَلائدِ!

**

ساءلتُها:

- مَن ذلِكَ الشَّيخُ الذي تَعِبَ الزَّمانُ يَعُدُّ فِيهِ مَوالِدي؟

وعَلامَ يَرمُقُني بِطَرْفٍ صارِمٍ؛

فتَطِيرُ مِن عَيْنَيَّ شُقْرُ مَواعِدي؟

**

- هُوَ والدِي.

مِن أَيْنَ تَعْرِفُهُ، إذا لم تَعْرِفِ الأُنثَى التي بِمَجاسِدي؟

غادَرْتَهُ نَهْبَ الجُنُوْنِ بِصَحْصَحٍ

رَضِعَتْ ذِئابُ الجِنِّ فِيهِ بِناهِدي!

**

- ما لي أنا؟

لا ذَنبَ لي في قِصَّةٍ تَحكينَها ..

لا تَطْعَني بِعقائدي!

فأنا عَشِقتُكِ،

ما عَشِقْتُ قَبِيلةً،

لا شأنَ لي بِأَقارِبٍ وأَباعِدِ!

**

- العِشْقُ قَطْرُ الرُّوْحِ،

إِمَّا يَنْهَمِي فيُبَرْعِمُ الباقِيْ بِغُصْنِ البائدِ

لا،

ما عَرَفْتَ الحُبَّ،

لولا تَرْتَوِي مِن بِئرِ آماسِيْ وعِطْرِ مَوارِدِي!

يا مَن عَشِقْتَ،

أَما عَلِمْتَ بِأَنَّ في قَلْبِ المُحِبِّ يَثُوْرُ شَعْبُ خَرائدِ؟

**

ودَّعتُها،

إِذْ وَدَّعَتْ أَيامَنا الأُولَى،

بِذِكْرَى كالشِّهابِ الواقِدِ

وخَلَوْتُ، أَتْلُوْ دَرْسَها في الحُبِّ،

عَلِّي أَرْتَقي مِعراجَها بِقصائدِي!

***

أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1)  الجَعْماء: دُويبة من فصيلة الجُعلان (الخنافس). ذات لونٍ أسود. غير مؤذية. ربما عَبِثَ بها العابثون من الصِّبيان فقلبوها على ظهرها، فتظلُّ تُحَرِّك أطرافها في الهواء، لا تستطيع الانقلاب على وجهها، للتحرُّك على طبيعتها، إلَّا بعد برهة. قد يُضرَب بها المثل في المسالمة والبلاهة.

 

أتأمل  وجه الغيمة  المعلقة

كمشجب بالسماء

تصر ألا تمطر

كغيمة القلب الملبدة .

ارقب الغيمة

علها تبوح لي بسر

لماذا لا تمطر مثلا ..؟؟

أؤجل سؤالي

انظر إلى وجهي في المرآة

أخاطب  اساريرى

التي لا تنفرج  بالتبسم

أتساءل لمَ لا تمطرين ؟؟

لم َلا  تفتحين قلبك  بالبوح

عله يأذن للملامح إن  تتحرر من  التجهم.

2

شاءت السيارة أن تركن قرب المطار

نزلت ..

أتأمل الوافدين بحقائبهم

يتعثرون  في سيرهم

صوب أول سيارة تحملهم  لوجهتهم

حركة دؤوبة

و ديكور رائع للحياة في صولاتها و جولاتها

وحده المطار قبلة القلب لجزر النسيان

لملرافىء  البعيدة

هناك,,لا صوت لأبجدية الملل

لا مكان للملل

و أنت تودع  كل محطات الرتابة

و تلوح للجميع

وداعا.

3

ليثنى استطيع ألا أعود

لكنها السماء ذاتها

التي احتمى بها

مهما ابتعدت

إنها سماء الوطن!

4

غيمة فاجرة

عبرت كل الحدود

و لا يحلو لها المقام

إلا على  شواطئ  قلبي

غيمة  عمرها

نكسة

بل

نكستان  !!

أراقب خطوي

احتمى بالسماء علها تمطر

لماذا

منذ الأزل

تصطف كل الخيانات

و لا يلتفت الجناة لنبضي؟

***

صليحة نعيجة

قسنطينة  ꞉8 /11/2021

كيف النجاةُ و أنتِ اليومَ مُهلِكَتي؟!!

الروحُ تنهارُ

و تغربُ شمسُ مملكتي!!

*

ما عُدتِ

قابَ قوسينِ أو أدنى

من القلبِ المعنّى

أو من نبضِ مُشكلتي

*

و لقد رميتِ وردَ الودِّ في نزقٍ

و علا شراعُكِ

فيما خُضتُ

مَعركتي

*

هذي الحياةُ لا تبقي وجعًا

و لا فرحًا

زنديقةٌ

من بطنِ مشركةِ

*

إذا عَلُوتُ

فلا تأتيني طائعةً

لا الحبُّ يُضْعفُني

و لا الحروفُ مُربِكَتي

*

إنّي نسيتُكِ

مثلَ ندبةٍ سقطت

من وجهِ فاتنةٍ

فلا اهتزّتْ

ولا بَكَتِ

*

دعي الأيّامَ

تمضي بيننا سَقَطًا

العينُ قرَّتْ

فما وَهَنَتْ

ولا شَكَتِ

*

إنّي لأُومِنُ

بالأفراحِ تحملُها

ذاتٌ من الأيّامِ كانتْ

أُسَّ مَهلَكتي

***

د.عبد المجيد أحمد المحمود

سوريا

 

يشد قوامك نحو الرحيل،

ينخر عظامك المتعبة،

يحول بينك وبين طقوسك المبجلة،

يتزعم خطواتك،

يذهب بها بعيدا،

يطمرك الوهن،

ينازع جبروتك،

تصبح مكبلا.

*

ينظر نحوك،

تغدو عاجزا عن أداء التحية،

ترفع يديك ببطء قليلا،

تلوح بالاستسلام،

تغادر وسادتك،

يفارقك المكان.

*

يحتجز كلماتك،

يستنزف مشاعرك،

يصر قدميك،

يجرك إليه،

يكتم أنفاسك،

يفصل بيننك وبين من تحب دون استئذان.

*

يجعل منك كيانا غارقا في بحر غامض،

يقتحم أسوار جبروتك،

يغور بك صوب العتمة،

يسقط حقك في الإعتراض،

تشعر بالخذلان.

*

هنالك عند نقطة من الأفق،

تخفق روحك،

تشد قيود حضورك المسافات،

تنطوي حقبة من الزمان،

يضطرب الخوف عند مشارف الجبل،

تخر متقلبا،

تلفك المغارات،

تطفو صورتك عند السفح،

تغرب عند المقام،

تستعيد القافلة شروط انتمائها الأزلي،

ينتشر السكون،

يكف الآخرون عن البكاء.

***

عقيل العبود/ سان دييغو

 

يا زَميلي دَعْ سَراباً غَشَّنا

فَرؤانا إسْتَباحَتْ مَجْدَنا

أنْتَ نِبْراسُ حَياةٍ عِنْدَنا

وانْطلاقٌ لعُلانا قَبْلَنا

كُنْتَ إنْساناً طموحاً بارِقاً

وحَصيفاً مُسْتقيداً بَيْنَنا

إعْتلى ظهْرَ مُرادٍ جامِحٍ

نحوَ آفاقِ تَراءَتْ مَوْطِناً

وبنا دارَتْ وأجَّتْ نارُها

فَتَناهى كَرَمادٍ حُلْمُنا

وَطنٌ عانى وشَعْبٌ مُبْتلى

وإذا العُمْرُ هَباءٌ خَلفَنا

أمّةٌ أضَحَتْ شظايا أمَّةٍ

وبها الأوْطانُ أشَقَتْ أمَّنا

يا زميلي خابَ سَعْيٌ وانْتهى

وتَداعى كلُّ شيئٍ حَوْلنا

فلماذا أنْتَ فيها عازمٌ

يَتَحدّى مُسْتَديْناً صَوْتَنا

سَتُجِبْني عَربيٌّ صامِدٌ

وعَنيدٌ فأبيٌّ أصْلنا

قُلتَ صِدْقاً دونَ فِعْلٍ صادقٍ

دَحَضَ الفِعلُ نَوايا قَوْلنا

ما بَذرناهُ تَوارى خائِباً

فانْهَزَمْنا وقَتَلنا إنَّنا

قد تَرَجّلنا وبانَتْ خُدْعةٌ

ما وَعيْناها فأغَوَتْ جيلَنا

عَصَفَتْ فينا أعاصيرٌعَتَتْ

فَتوارى ما بَنَيْناهُ هُنا

وكذا عِشْنا زَماناً قاسِياً

كنِيامٍ في خُداعٍ لفَّنا

ما انْتَبهْنا وعَلينا أجْهزَتْ

إنّها فازَتْ فأنْكتْ جُرْحَنا

قَدْحةُ الأفكارِ أذْكتْ شُعْلةً

في رَميمٍ وسَقيمٍ حَفَّنا

ذِكْرَياتٌ أجَّجَتْ روحَ المُنى

واسْتَشاطتْ رُغْمَ أنّاتِ الأنا

لسْتُ أدْري خَبَراً جاشَ النُهى

أنْتَ حَيٌّ أمْ بها خبْطَ الضَنى

يا زَميلي تلكَ أيّامٌ خَلتْ

ما عَرفناها فجَهْلٌ سادَنا

قدَرٌ يَسْعى وأقدارٌ أتَتْ

وبها سِجْنٌ أكولٌ قدَّنا

بدنٌ خانَ وروحٌ أُزهِقَتْ

وعُروشٌ إسْتعارَتْ وَهْمَنا

ولنا فيها كِتابٌ مُبْهَمٌ

خَطّهُ الضوْءُ برمْسٍ ضَمَّنا

هائمٌ أنتَ بدهْماءِ الوَرى

وبرَمْضاءِ نَشاطٍ ذَلّنا

فَتَعلمْ كيفَ تُسْقى يَقظةً

أ بعَقلٍ سَوْفَ نَحْيا عُمرَنا؟

زَمَنٌ ولّى وشَمْسٌ أشرَقَتْ

وعليْنا بجَديدٍ يُهْدِنا

يا زميلي إنْتَهَكْنا سِفْرَنا

وبفكرٍ دونَ فِعلٍ حَتْفُنا!!

ما تآخَيْنا كجَمْعٍ واعِدٍ

فَرْدُها طاشَ مُبيداً جَمْعَنا!!

وبها الأيّامُ برهانُ الأذى

عِزَّةٌ ضاعَتْ وخَلقٌ إنْفَنى!!

فَتَرَجَّلْ عَنْ دُخانٍ ضامِرٍ

وتَمَسَّكْ بحَنايا شَعْبِنا!!

خَطأٌ يَرْعى خَطايا فاقَمَتْ

لوْعْةً جازَتْ مَزايا هَمِّنا!!

أيُّها الرائيْ لماذا إشْتَكَتْ

أمَّةٌ قادَتْ صِراطاً يُهْدِنا؟

هلْ سَنُسْقيها بفِكْرٍ فاعِلٍ

أمْ بقَوْلٍ دونَ فِعْلٍ يُشْفِنا؟!!

رَحِمَ اللهُ زَميلاً ثائِراً

أطْلقَ الروحَ فهامَتْ روحُنا!!

كَثُرَ الطيْشُ وقلّتْ حِكْمَةٌ

وخريدٌ في ثَنايا وعْيِنا!!

***

د. صادق السامرائي

29\3\2022

في غابةِ الاحتمالْ

يخترقُ المُمْكِنُ وجهَ المحالْ

وترتدي الشكوكُ وجهَ اليقينْ

فما الذي تصبو  إليه السنينْ،

بعد مخاضاتِ عذابٍ طوالْ؟

**

- 2 -

مَنْ وَأَدَ الأحلامَ في مهدِنا؟

مَنْ زَرَعَ الأشواكَ في دربِنا؟

أوقاتُنا مُجْدِبةٌ قاحلةْ

متى تجئينَ ربيعاً لنا،

لتُمْرِعي واحاتِنا الذابلةْ،

و ترجعي أيّامَنا الراحلةْ؟

**

- 3 -

هذا الذي تشدو  به دائماً

حيْرةُ أيّامنا

صارَ  لنا

نشيدَنا المُزْمِنا

يُمكِنُ، لا  يُمكِنُ، قَدْ  يُمكِنُ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

 

وأنت تطل من الشرفة

تقول للبحر

المأساة يا رفيقي

هي أن تجد نفسك

على ضفاف نهر مورق

رفيقا للخسارة وخيانة الأحبة

تتأمل أسراب الطيور المهاجرة

في مشهد حزين

يشبه لوحة مرسومة بالأبيض والأسود

معلقة على جدار مقبل على الانهيار.

المأساة هي أن تجد نفسك وحيدا

كنورس مكسور الجناح

ينظر بحزن إلى البحر ورذاذ موجه

والمراكب العابرة إلى الموانئ

عاجزا عن التحليق في أفقه الأزرق.

المأساة يارفيقي

هي أن تجالس ظلك المنسي

في حياد تام مع فلسفة الوجود

من غير لغة..

ولا حكاية..

ولا ذاكرة..

تداعب فنجان قهوتك المرة

وتعبت بقطع السكر على المائدة

وأنت تجتر بداخلك الخسارة تلو الخسارة.

المأساة هي أن تجد نفسك عاريا

كأشجار الخريف بلا أوراق

على رصيف شارع مهمل منسي

بلا مصابيح..

وبلا أمواج عاتية..

وبلا فرح يعيد إليك شغب الطفولة

وبلا حضورها المتوهج كالنار

في الزمان والمكان .

المأساة هي أن يمر بالقرب منك الناس

والطيف والحرف دون مواساة..

ودون تحية الصباح

يشغلهم الوقت بعيدا عنك

وتشغلك رؤاك بعيدا عنهم.

***

عبدالرزاق اسطيطو

 

مثلَ نسمةٍ تتهادى

يرفعُ طرفَهُ

يلقي السلامَ

فتجفلُ الطيورُ:

لا سلام

إلّا في الأضغاثِ

*

يسيرُ مع نفسِه

لا يبالي

إن أمسكَ ظلَّه

أو صار وظلَّه شبحينِ

*

واقفٌ عند البوابةِ الأخيرةِ

ينتظرُ التحليقَ

نظرَ إلى أعلى النافذةِ

تذكّر ذلك الطائرَ

الذي حلّق ولم يعدْ

*

بعد عامٍ ونيف من الدمعِ

تذكّر أن عينَهُ

صارت قربةً مثقوبةً

وأن الماءَ لا يكفّ

عن الإنهطالِ

*

كلما تذكّر فتاتَهُ الأولى

وجد أمامَهُ

صورةَ المرأة التي تتشحُ بالسوادِ

وفوق رأسهِ راية الفقدِ

*

في كلّ عامٍ

يقفُ الحسينُ وحيدًا

يلتفتُ

فلا يجد خلفَهُ

إلآ بقايا كفّ

وراية

*

سألت مجنونًا؛

لماذا لا تجيدُ البكاءَ

قال غاضبًا:

لأني بكيتُ

ما يكفي

***

د. جاسم الخالدي

أنشودة للأطفال تحت عنوان

وَطَني - هذا السِّرّ الجَميلُ

***

وَطَني رُبوعُكَ

لوحَة ٌ لِفنانٍ

رَسَمَ الرّبيعَ

ذهَبَ الخَريفِ

غَزْلَ البَناتِ

زُرْقة َ البَحر

وَزينَة َ الشّطآن ِ.

**

وَطَني رُبوعُكَ

لوْحَةٌ لِفنان ٍ:

شَبّابَة ُ الرّاعي

شُموخُ الجبال ِ

تَدَفّقُ الوادي

وَفَزْعَة ُ الشّجعان ِ.

**

وَطَني...

أحْبَبْتُ فيكَ

جَمالَ الغاباتِ

شَدْوَ الحَمام ِ

طيَرانَ الفَراشاتِ

وَمَوسِمَ أزهار الرّمّان ِ.

**

وَطَني..

أنتَ الفَرَحُ والغِبطَة ُ

أنتَ المَحَبّة..ُ

أنتَ الأهْلُ .. يا وَطَني

فيك البَيْتُ والدّفءُ

ليْ...وَلِكُلِّ إنْسان ِ.

***

بقلم الدكتور إسماعيل مكارم

.........................

هوامش:

غزل البنات: حبات الثلج كبيرة الحجم في موسم الشتاء

شبابة الرّاعي: مزمار الراعي

الفزعة : هي نجدة المستغيث ومن يطلب العون،

أي النخوة العربية.

دونت عام 2019

على هامش اجتياح 1982 للبنان*

اولا: نُذُرُ الحرب

الطير العربيُّ الفينيقيُّ اللؤلوء في عينيهِ

والطير العربي الفينيقيُّ لألئه تتصدرُ قائمة الانباءِ المجهولة

الريشُ الكث على  كلتا عينيهِ

والطُحلبُ والتعتيمُ مروجٌ تتعسكرُ من حول الأُذُنينِ

الطيرُ البيروتيُّ قوادِمُهُ المرمرُ من لبنان

وخوافيهِ سهامُ الفتحِ الاسلاميّ وأسيافُ الرومانِ

الطير الفينيقيّ الابيض نورسُ بحر الدنيا

يتوسط هذا العالمْ

والطيرُ اللبنانيّ بلا عينين يحدّق في أمواج البحرِ

كسروا حدّة عينيه

جعلوا المسمار الفولاذي إطاراً أممياً للاحداقِ

قصّوا الريش الذهبيَّ - الثلجيّ الزاهي

فتبعثر قشاً يقطر قاراً مغليا

وتناثر في البحر الى الاعماقْ.

النورس مخنوقٌ مذبوحٌ

المقلةُ لا نورٌ فيها لا ومض لا إشعاع

الطير النورس لا عشَ ولا زوجَ ولا اهل له

والنورس مقطوع الاصل سوى صوتِ الجيرانِ

منكوبٌ تتقاذفه الانواءُ الجوية والمعسول من الانباءِ

الريش أكفُّ الاطفال وأذرع قتلانا

من يرحم هذا الانسانَ التعبانا ؟

النورس ماتت في عينيه حبيبات الرمانِ

والنورس لحن الناقوس الكنسيّ المتذبذب في امواج الشيطانِ

لا يعبر إلاّ جسراً دموياً من أحزانِ

فالآتي أكبر مما تتحمله ذاكرة الانسانِ.

النورس مفقوء العينينِ

والنورس مقطوع الأرجل والايدي

طير اسطوريٌّ فينيقيٌ جاب الشطآن وحيداً إلاّ المجدافْ

يضرب في نوء الدنيا ارشق من اسماك القرشِ

وحيتان البحر الطامي

في عينيه البللورُ الازليّ الصافي

وعقيق التيجان الملكية ثم كريم الماسِ.

*

تَرَفٌ ما تسمعه يا إنسانُ

كذبٌ ما تسمعه عن لبنانْ.

صُوُرٌ في خير واللهِ يغازلها المرفأُ والساحل والكثبانُ

صُوُرٌ سور العرب الادنى

قلعة هذا التاريخ العصريِّ

تصد الريح من الاسفل والاعلى

صُوُرٌ سوّرها الرحمن وحصّنها المولى ...

كذبٌ ما تسمعه يا إنسانُ

دجلٌ ما تسمعه عن لبنانْ

المسرح مفتوح مائةَ يومٍ في الشهرِ

تعالَ تفرجْ يا سكرانُ

إفتح عينك يا إنسانُ

فمصائرنا تترنح في رأس الغثيانِ

والجيل القادم مسمومٌ منذ الآنْ

باعته العرب العاربة الشماءُ مهيناً وذليلاً

باعوه مع النفط المتوهج قنديلاً.

**

ثانيا: النبي داوود في الجنوب

داوودُ الملكُ الطالوتُ ترفرف نجمته هولاً في صيدا

وملوك الطين تصفّق للطائر والعابر والساقط والهارب والنعسانِ

إرفع صوتك يا إنسانُ

ما من عار فوق القمة اكبر من هذا العارِ

صيدا ساحلك الرمليّ بلا ماءٍ إلاّ الاشلاءُ

يقضمها الموج الابدي العاتي

ويسأل في شبق محموم اين الآتي ؟

الهجرة أمواج تدفعها الريح شمالاً

صفّاً

صفّاً

والريح مخالبها أمضى من حد السيفِ

البشر المهزوم مساكنه اضحت مأوىً صرفا

للجن وللغيلانِ

والبشر المطرود ضحية هذا الطوفانِ

من التصريحات الجوفاءِ

لا تشبعُ لا تروي ظمآنا

لا تنقذ حتى جرذٍ في حفرة نسيان .ِ

البشرُ البشر الملأ المظلوم المهمومُ المكلومُ

تقاعس عن درس التاريخِ

فأغمضَ عينيهِ ونام على ذيل الثعبانِ.

*

الحربُ الحربُ الريح العاتيةُ الصَرْصَرْ

وصلاح الدين عساكره في قعر اليمِ

مدافعه صدئتْ

والرياتُ المقلوبة ما من أحد يرفعها للأعلى

فتهيأْ لبنانُ لكارثةٍ لا تُبقي للموتِ سوى

حفنة أقزام مأبونين ومنبوذين مقاعدهمْ

من إعصارٍ أو من نارِ

خذهم يا موتُ فهل بعد النكبة من عارٍ

اكبر من هذا العارِ؟؟

**

ثالثا: الحرب في بيروت

بيروتُ مآذنُها اضحت وكراً للغربانِ

هدفاً سهلاً للطائر والغائر والمتفجّرِ

والمتفسفرِ من آلات الموت المكتوب على لبنانْ.

*

بيروتُ مقاهيها غلّقت الابوابَ

وأغفى الحانوتيُّ جريحاً ظمآناً جوعانا

والبرج تفّلق فسفوراً مصهورا

وحديداً مغلياً ودخانا

والبارجةُ السوداءُ تفحّ فحيحَ الحيّات السودِ

وناباها بالسمِ الاصفر منتفخانِ.

*

بيروتُ الساعةُ ها قد حانتْ

فإغتسلي بالضوء الضاربِ في قلب الاعصارِ.

*

من ذا يصرخ في الليل العاتي؟

إمرأةٌ تبحث عن طفليها حيث هوت جدرانُ الدارِ

من ذا يمشي بين الأنقاضِ؟

طفلٌ يبحث عن ابويهِ؟

من هذا الجاثم مصفرّاً من فرط الإعياءِ؟

شيخٌ يرأسُ عائلةً وصلت تواً من صيدا

من هذا؟

هذا ياسرُ عَرَفاتْ.

*

بيروتُ جنائزُ لا حَصْرَ لها

والموت يدق عليها باباً بابا

بيروتُ مقابرُ لا عدَّ لها

ومساكنها أنقاضٌ فوق الاحبابِ.

الحربُ إلهي

رُحماك إلهي

إرحمني من ظلم شقيقي الانسانِ

العبد المؤمن يستغفر يستعظم ماضيهِ

والعبد المؤمن يستصرخ يستنجدُ لكنْ

مَن يحميهِ؟

بيروت موانيكِ البيضُ صواريها مقلوبةْ

بيروتُ الربانُ بلا بوصلةٍ شق اليما

وأمواج الريح وكثبان الحيتانِ

والصقرُ الساميُّ مدافعهُ وا أسفا

أفواهٌ دُرْدٌ جوفاءُ

والسهلُ الموتُ مروجٌ من غيلانِ

أ أنا دون الانسانِ؟

أ أنا أصغر من قنبلةٍ في الميدانِ؟

*

الموت يخطّطُ للرائح والغادي

والنكبة لا شكلَ لها

والرعبُ يدق على الحيطانِ بلا إنذارٍ أو إخطارٍ واستئذانِ

وعناقيدُ الأجل الأصفر والأخضر والأسودِ والأحمرْ

تتطايرُ من هول الرعبِ شظايا

أجسادا وأكفا ورؤوسا وطقوسا

وجيادا ورجالا ونساء وفؤوسا ...

ما أعظمَ سيماكَ وأنت تُهانُ

ما أكبر قتلاك تلّظى فوق النيرانِ

ما أروع هذا الانسانُ.

**

رابعا: الفاتحة

لبنانُ الشجرُ الزيتونُ المتوهجُ نوراً عُلْويا

مشكاةُ الكون وطعمُ العنبر والسكّر والتفاحِ

أزليُّ الهيكل والمعصمُ زنبقةٌ تتفتح فجراً

قبل الأصباحِ

والجدول نهرٌ في جنَّةِ عَدْنِ

ومزاجُ الماءِ المتألقِ كافورا

الكرمةُ تحت الارض يعتّقها الرهبانُ دهورا

كأساً مسحوراً وبخورا

والجبلُ العالي يحدّقُ في ماء البحرِ

طيوباً و خُزامى وعطورا ...

*

لبنانُ الآنَ خرابُ

ودموعٌ ودماءٌ وسرابُ

والنورسُ مقتولٌ مرميٌّ تحت الأعقابِ

فإقرأْ

فاتحةَ الأحياءِ الموتى

واقرأْ فاتحةَ الموتى الأحياءْ.

***

دكتور عدنان الظاهر

..........................

* اذيعت بصوت الشاعر من اذاعة صوت الجماهير في طرابلس - ليبيا اثناء حصار بيروت 1982

 

لِمَ يا فُراتَ الخيرِ تجري غاضِبًا؟

مهلًا ولا تغضبْ،

فإنّا حائرونْ.

موجاتُكَ الهَوْجاءُ  تُرْهِبُنا،

وإنّا خائفون.

*

الليلُ داهَمَنا ولا

ندري الى أين الرحيلْ،

أَإِلى الجبالِ فلا جبالْ!

مشلولةٌ أقدامُنا،

مكتوفةٌ كلُّ الأيادي،

كلُّ شيئٍ عندنا شِبْهُ مُحالْ

*

خاشِعةٌ أبصارُنا،

الوقتُ يسبِقُنا وما زلنا نُكابِرْ

صَعْبٌ علينا

أن نُغادِرَ…. لا نُخاطرْ

*

لُطْفًا فُراتَ الخيرِ أمْهِلْنا رُوَيْدا

صَرَخَ الرضيعُ

أما سمِعْتَ الصارخينْ؟

هلاّ رحمتَ العاجزين؟

رِفقاً بأهْلِكَ يافُراتَ الطَّيِّبينْ

فلقد عَشِقْناكَ سنينْ،

ولقد أَلِفْناكَ سنينْ!

*

منك نَهِلْنا كُلَّ خيرٍ كُلَّ طِيبْ،

واذا اسْتُغِثْنا نسْتَجيبْ.

ألْهَمْتَنا معنى الحياةْ

علمتنا نحيا الإباءْ

نَنْشُرُ نورَ اللهِ في الأرض بلا

مَنٍّ ونحنُ السُّعَداءْ

*

واحَسْرَتاهُ أرى عُيونًا

باكِياتْ

تجْهلُ ما تحملُ تلك القادماتْ!

أبناؤُكَ النُّجُبُ الغَيارى واجِمونْ

ماذا عساهُم فاعلون؟

إيْ يا فراتْ

اليومَ لا نعلمُ ما هو اۤتْ

إنّا لنَخْشى أنْ تَموتَ الذكرياتْ

*

يا أيُّها النهرُ العظيمْ

أتَحِلُّ ضَيْفًا عندنا عند الصَّباحْ؟

أمْ في دُجى الليلِ البَهيمْ؟

هل لكَ أن تُخْبِرَنا قبلَ الوُصولْ،

ليسَ لدينا ما نقولْ!

*

سَتَرى أحِبّاءً يُحَيُّوكَ

يُجيدونَ التَّحِيَّةَ …… حَيِّهِمْ

سيعانقوكَ يُوَقِّروكْ

ستراهُموا عينَ اليقينْ

كُنْ يا فراتُ لهم وقُلْ

يا طيِّبونَ لكمُ السلامْ

خَجِلُ أنا منكم، وها

سأعودُ ناموا آمِنينْ

***

شعر عبد يونس لافي

....................

* كتبت هذه القصيدة تحت تهديد الفرات في المناطق الغربية من أرض العراق، في فيضانه العارم عام  1968، وقد سبقه اخر عام  1967 أي قبل اكثر من نصف قرن..

 

رَجَــزَ البـــدرُ ، فحـيّاهُ الحُـسـامُ

واقــتـدى بالنهْـج أنـصارٌ كــرامُ

*

أذْهَـلَ الخَـصْـمَ ، بأوصافٍ بهـا

قَـبـَسُ المـوروث :عِـلـمٌ ومَـقـامُ

*

زانَـها فـي مُعجَم الأبطالِ نَـهْـجٌ

هــو لـلحَـزْمِ  ولـلعَــزْم  وســامُ

*

فـاوَضوه  باسْــمِ أنســابٍ لــهـم

بحــديــثٍ  فـيــه آمــالٌ جِـســامُ

*

لِــيَـنالـوا مـأرَبـا ، فــي سعـيهم

هَــزُلَ الـفِـكـرُ لــديـهـم والـمَرامُ

*

زأرَ الـشِــبْـلُ ، فــدَوّى زاجِــراً

انني للسّــبْطِ ، ســيـفٌ لايُضـامُ

*

قــيل مـَنْ ذا الشـبلُ، قالـوا  انـه

حامـِلُ الرايـة عــباسُ ، الهُـمـامُ

*

لــه صَـوْلاتٌ كصَـوْلاتِ عـلـيٍّ

فـأصـابَ الـخَصْمَ ذعـرٌ وسـَقـامُ

*

اقدمَ الضرغامُ صوْبَ الماء يسعى

حـطّــمَ الأسـوارَ فاسْـتاءَ الـنظــامُ

*

نَـــسْـلُ طه ، فــي خُطى إقْـدامِـهِ

عَــزْمُ صنـديـدٍ تـؤاخـيـه الـمَهـامُ

*

شـتتَ الفرســانَ في سُوح الوَغى

راجـزا ، والحـربُ نـارٌ وحِـمـامُ

*

(انني  العــباس أغدو فـي السِّقا)

لا أخاف الموتَ إن حان الصِدامُ

*

قِـربةُ الماء – فراتٌ – وعُطاشى

مفـرداتٌ ، مـؤلِـمٌ فيـــها الـكـلامُ

*

سـَـجَّـلتْ للـظلـم تاريخـاً ، معيبا

كـلُّ سَـطْرٍ فيــه عـارٌ و ظـــلامُ

*

مـفـرداتٌ أفصـحـتْ عـن فاعلٍ

عِلــةُ الـنـقصِ بـــه ، داءٌ مُـقـامُ

***

(من الرمل)

شعر عدنان عبدالنبي البلداوي

محمد الدرقاويكنا على مائدة الإفطار حين رن جرس الباب، كانت الرنات متسارعة مقلقة، تتلوها دقات متوالية، تحمل معها رعدا وبرقا، أوخطرا داهما، قالت أمي: حتما تورية أختي لا تأتي الا والقيامة في أعقابها..

صدقت، فقد دخلت خالتي وهي ترمي شرارات لسانها سبا وشتما، بلا تحية أو سلام: قالت لوالدي وكأنها تصدر له أمرا بلا مقدمات: يلزم ان تنهي الامر مع زوجي اليوم قبل غد...

رفعت أمي اليها نظرات لوم و تأنيب متثاقلة، وكأنها أدركت ما أقدمت عليه:

ـ ياك ما جبتي الثالثة معك؟ ارجو ان تتركي زوجي بعيدا عن مشاكلك، فهو لا يعمل بأمر من أحد..

ردت خالتي بنوع من التحدي وكانها تفرض أمرا وتزيح ثقلا على أكتافها قد رزح:

ـ ومن بعد، لم أعد أحتمل العيش معه.. لا عليك سأعرف كيف آخذ حقي وزيادة..

تنهدت أمي بغصة حارقة:

ـ ربما العكس هو الصحيح، فمن يتحمل حياة معك وعليها يصطبر؟، رغباتك ألوف..طيش، حمق وطلبات لا تنتهي..الى متى تورية، الى متى؟..

لم أكن أصغي لحديثهما فانشغالي بصور تترى على التلفاز ضمن أخبار الصباح، أبعدتني عن متابعة ما يقال.. "قوم اصطفوا على الطرقات كالفطر يغسلون السيارات وقد تعمدوا قطع أوصال أنابيب الماء المدفونة في باطن الأرض، كغيرهم داخل المدن ممن سدوا المنافذ والشوارع في فوضى مستغلين الملك العمومي بلا رقابة أو احتراس، أنانية، فوضى وامعان في التحدي، بداوة صارت تأتي على الأخضر واليابس بلا وعي وكأنها تنتقم لإهمال طال البوادي والقرى، عمقت جراحه سنوات القحط ودعايات العمل المكذوب في المدينة، فباع القرويون أراضيهم لسماسرة الانتخابات ممن تصدروا المجالس والقيادات وهاجروا يكتسحون المدن كالجراد يعيثون فيها فسادا..

حاول والدي التدخل بحديث لكن أمي صدته قائلة:

"كمل فطورك ونوض لشغالك، الله يعطي لبلا للي يقد به.. فران قاد بحومة "

خالتي تورية أصغر من أمي بأربع سنوات، لكن العلاقة بينهما دوما متوثرة لا تصفو، خالتي تنظر الى أمي بعين الغيرة والحسد، فأمي كلمة الصدق التي لا تكسر في البيت، عزم وإرادة، وقد عوضها الله بهما عن جمال هو ما لبسته خالتي رداء غرور، تحد وطيش الى حد الانحراف، اقله ما يتردد في عائلتنا، أن خالتي قد استحوذت على خطيب أتى لأختها السعدية التي هي اليوم أمي بعد ان عنست لجمال محدود ولخصلتين يكرههما الرجال في النساء: الصرامة وقوة الشخصية، فالسعدية لا تسمح لأي كان أن يتقافز على أكتافها، يتحكم في قراراتها، أو يخالف أوامرها، أو يفسد نظاما تعود عليه البيت حفاظا على طقوسه وأناقته، وقد استطاعت خالتي ان تقتفي أثر الرجل فاستمالته بإغراء ونزق منها، أعدته السعدية طيشا، اذلالا لكرامة المرأة وقلة حياء منها، كما هو فقدان رجولة، وضعف قرار، من الخاطب الذي أبت ان ترتبط به بعد أن جرب ألاعيب خالتي، من طيش ورغبات لا تنتهي ثم عاد متوسلا، فركلته السعدية بعد ان تحققت من رعونته وتقلبه..

تم طلاق خالتي، وصارت ثقلا ولسانا لاغطا يعيش بيننا، أنف مدسوس بفضول في كل صغيرة وكبيرة، صراع يومي بين عقليتين متناقضتين ضاعف من مشاكل قلما تخبو بين ما يأتيه أبي من سلوكات وبين ما يظل يردده مما يستبطنه محفوظا بلا تأويل ولا سبب نزول من كتاب الله وأحاديث الرسول، وما يحاول أن يفرضه على أمي وبه لا تقتنع، كارتداء الحجاب، و عمل المرأة بين الرجال بألبسة شبيهة بما يلبسه الذكور بالرغم من أن أبي شخصية انفصامية فهو أول من يقع في نقائص وتباينات ما يجتر فتضيع معها محفوظاته و قراراته كلما رأى انثى، او تبسمت له صبية، أو مر على مسامعه حديث زواج من قبل أحد دعاة التعدد..كما أنه كان لا يتعفف من أن يقضم من المدخول اليومي ما يخفيه عن أمي فتتظاهر بلا مبالاة.. كانت أمي تكره أن تتسرب أمور بيتنا خارج أسوار البيت مفضلة أن تظل بعيدا عن الأنظار والأسماع، فهي تكره أن تجد نفسها تعيش بين مطرقة وسندان لسان أبي الذي يمطرق عقولنا بلا وعي ويتكلم بلا دراية كالرحى تدور ولا تدري لها طحينة، وبين سلوكات كانت تنتزع منها ضحكات سخرية وهي تردد بينها وبين نفسها:" معذور، حديث عهد بنعمة، مقهور ضربته الدنيا بحظ دون أن يتمزق له سروال على مقاعد الدراسة، او تتهرأ له جفون على البحث والتحصيل، أو يجد نفسه بين أمواج البحر مقدما روحه للمتاجرين في البشر"..

لم ترتح أمي لوجود خالتي بيننا، فهي تمقت الدسائس أو التعامل بوجهين، كما تكره أن يطول تفكيرغير تفكيرها في بيت هي صاحبته وأعلم بما يدور فيه..

ذات صباح نهض ابي ليجد حقيبة ملابسه قرب الباب، وكأنه أدرك السبب بعد عبارة رمتها أمي على وجهه:" شدة الحرص على الأمانة دليل خيانة، ولن يؤتمن رجل خائن يركل ما وهبه الله بلاحساب" فلم يجد أبي غير الصمت، ولم يتوان في حمل الحقيبة ويفتح الباب، قبل أن تضيف أمي ما قد يفرقع الرمانة، فأعرف ما لا يريد أبي أن يبلغني، لكن قبل الخروج قالت له أمي بكل ثبات ورباطة جاش:

ـ ألم تنس شيئا؟..

تطلع اليها كانه يستفسرها عما يمكن ان يكون قد غاب عنه دون أن يتوقف لسانه عن اجترار ما يحفظ، فتبادره:

ـ يمين الطلاق ومفاتيح المتجر..

لأول مرة أتأكد ان التجارة التي كان يديرها أبي هي خالصة لأمي مما ورثته عن جدي لا شراكة بينهما، وان ابي لم يكن غير عامل من عمال جدي الذي توسم فيه الخير فزوجه أمي بعد ضغوط قوية عليها، فالرجل "درويش" خدوم أمين، حافظ لكتاب الله أو هكذا رآه ويستطيع أن يساعد بنته بعد أن بلغ بجدي العجز والوهن ؛ لكن تقلبات الانسان في الزمان تجعله قضية مطروحة دوما للنقاش، ثم لماذا هذا السلوك المفاجئ من أمي؟ أي جرم اقترفه ابي حتى يستحق هذا العقاب القاسي من قبلها؟ اعي تفكير أمي الإيجابي والذي حققت من خلاله نموا تجاريا واتساعا لما ورثته عن جدي، وانها لم تكن مع ابي تترك أي شيء للصدفة، فرغم ما تعرفه عنه فهي تحاول ارضاءه بما يحقق له استقلالا ماديا، على الأقل ظاهريا، فهي لا تتوانى في محاسبته، توجيهه، والتغاضي عن هفوات تتعمد على الا تثيرها بحك على الدبرة فكيفما كان الامر فهو رجل يلزمه نوع من الاستقلال المادي..كانت لا تتوانى في اقتراح حلول لما قد يداهمه من مشاكل تجارية ، كما أنها كثيرا ما كانت ترافقه في سفرياته لعقد الصفقات والبحث عن أسواق جديدة، خصوصا وهي تخشى أن ينساق لنزواته أو يقع تحت اغراءات أصحاب المشاريع ممن أسسوا بنوكا إسلامية غارقة في الضبابية وعدم الانسجام مع الواقع المالي، هيمنوا على السوق التجارية بالمظاهر واغراءات الربح الحلال، وهذا ما كان يحرك طمع أبي وميولاته؛ ويوم وشوش بعض افراد العائلة بعلاقات يعقدها ابي خارج أسوار البيت لم تنزعج أمي، فليس من عادتها أن تؤمن بما تسمع بلا دليل، فهي تكره ان تسمح لأي تفكير سلبي بغزو نفسها أو احباط ثقتها في عزيمتها وقوة شخصيتها، فهي دوما توظف قوة تفكيرها الإيجابي وتتطلع الى المستقبل بثقة وهذا سر نجاحها، حتى في تربيتي كنت لا اعرف غيرها فهي من يقوم نحوي بكل شيء، والحق يقال أنها تكون مبدعة في كل ما تأتي به، ما خلقت واقعا الا كان النجاح في ركابه، ومن هذا السلوك كانت توجهني، وتعلمني الحياة بحرص وضبط وصرامة أحيانا وهي تتابعني خطوة خطوة، لهذا فأثر أبي في حياتي يكاد يكون منعدما، أولا لان ابي لم يدخل مدرسة في حياته، وكل ما يتوفر عليه من معارف هي محفوظات غيبية التقطها من بيوت عشعش فيها الجهل والقهر الظلامي، و من مسموعات تتكررمن هذيان فقراء الزوايا وأساطير الأضرحة، ثانيا لانه لا يملك قوة شخصيتها، وقد كنت لا ادري هل سلوكات ابي من طيبته أم من مشحوناته وسذاجته؟!!.وكما خرج والدي من البيت لا يحمل غيرحقيبة ثيابه، كذلك لحقت به خالتي بعد اسبوع بعد ان اشترت شقة بعيدة عنا، فيها تزوجت ولم يكن الزوج غير أبي..

وقد علمت من خلال نقاش حاد بين أمي وخالتي يوم رحيلها، أن أمي افتقدت أبي ذات ليلة فوجدته نائما في غرفة خالتي وبين أحضانها.. وحيث ان أمي لا تعالج مشاكها بالصياح والتشهير فقد افترقت مع أبي بلا دراما ولا قيل وقال.

تولت أمي تجارتها بنفسها، وأعادت ترتيب اعمالها متكئة على حبها لأن تتعلم كل جديد، وعلى صيانة رأس مالها، مستعينة بانفتاح عقلي مبدع، وبنساء ممن كن يقدرنها ويحترمن قوة شخصيتها، صدقها واخلاصها مع نفسها و غيرها.. صارت أمي في السوق التجارية بعد أن أسست شركة خاصة بالنساء رقما يضرب له ألف حساب، فكل متعامل يدرك انها ليست ممن يمكن التلاعب معها، تقدر قيمتها وتحترم قيم الغير..

لم تستقم الحياة بين أبي وخالتي غير سنتين وبضعة اشهر، فقد رزقهما الله طفلة ماتت بعد أن تركتها خالتي قرب سخانة كهربائية جرتها الصغيرة فاحترقت وماتت بعد ان لم ينفع معها علاج؛ وكان الطلاق..

كلما كبرت ازدادت لهفتي لرؤية أبي، يعصرني اليه حنين قاتل فأتساءل: هل هو حقا أبي؟ لماذا عني لا يسأل ابدا؟..كان يتلبسني تفكير يؤرقني حول شخصية أمي بذكائها وأفكارها، وشخصية أبي بضعفه وسلبيته واستسلامه المتسرع لنزواته، فمظهر أبي وما كانت تفرضه عليه امي من اناقة حتى يظهر بمظهر التاجر الميسور السعيد ليس هو عمقه الهش والذي يتصاغر أمام كل انثى تلاعبه بنظرة أو تغريه بكلمة ؛حين كنت أسأل امي عن هذا الإهمال من قبل أبي كان يأتي ردها منطقيا في كلمات:

ـ هاتفه معك، كلمه أولا، حق الأبوة عليك يلزمك بالسؤال عنه..

أكثر من مرة يعدني بان يأتي الي ويخلف وعده، لا أدري لماذا كان يتهرب من رؤيتي؟..

للمرة الخامسة تتزوج خالتي، فقد كانت لاتخرج من عدة حتى تجد نفسها مرتبطة برجل آخر دون أن تكلف نفسها مراجعة قناعاتها وإعادة ترتيب افكارها، كانت تعي أن أزواجها ممن يلهثون وراء غناها وطمعا في بيتها، لكن سرعان ما يتحسرون على طمع لم يقدهم الا لحتفهم وفشل مسعاهم فقد صارت خبيرة بما يجعلهم يفرون قبل أن يبلغوا مأربهم..

أصيب والدي بسرطان في غدة البروستات سنة تخرجي من كلية الطب، حين علمت أمي بمرضه جهزت له غرفة في بيتنا وخصصت له خادمة للسهرعليه:

"ـ كيفما كان الامر فهو أبوك وأنت من صلبه، كما أنه شرف وجهك ومرآة مستقبلك، فربما لم يكن له اختيار في تشكيل بنيته النفسية وضعف شخصيته..

كانت حالته تسوء يوما بعد يوم بعد ان استنفذ كل وسائل العلاج بلا نتيجة، فقد انتشر الداء في جهازه التناسلي الى أن أتى على عمره.. لقد أكبرت أمي وأنا أراها تبكي لحاله، وهي التي قلما تسمح لماء عينيها بجود، كانت تحس وهنه وعيناه تتعلقان بها، تتوسلان تجاوزا عما بدر منه، كانت ترفع عينيها اليه وتحدق فيه بثقة وتمعن، ثم لا تلبث ان تشهق وكأن رجفة قوية تلف جسدها بقشعريرة من رهبة الموت فتتمتم بهمس:

يرحمك الله ويغفر لك، فقد سامحتك، فأنت أبو ابني أولا وأخيرا..

يومها أدركت أن أمي أنثى بقلب رجل لفيف قوة وحزم ورباطة جأش بين ثناياها تتولد الرقة والحنان والنعومة ولا تموت حقيقة أو يغيب منطق..

تم استدعائي يوما على عجل لاجراء عملية فورية لسيدة تشكو نزيفا حادا في رحمها..لم أمكث في غرفة العمليات غير وقت وجيز جعلني اعود أدراجي باكيا منتحبا فلم تكن المريضة غير خالتي التي بلغت درجة مستفحلة من سرطان الرحم يستحيل معه القيام بأية عملية وكأن المريضة كانت غائبة عن وعيها، منشغلة عن الداء الذي ينخرها بلا انتباه او إحساس بنزيفها وآلامها..

بعد يوم فقط توفيت المريضة.. مرة أخرى أرى صرة الدمع تنفجر في عيون أمي مترحمة طالبة الغفران لخالتي التي كم أساءت لنفسها ولغيرها...

كبرت وصرت جراحا وأتحمل مسؤوليات، وانا قريب من أن اصير أبا لوليد ثالث بعد بنتين، تعلمت الكثير وامتلكت خبرات عن الوجود والمعرفة والأخلاق، وصرت أنا نفسي معيارا للخير والشر وحين أتذكر كل ما مر ببيتنا من نزاعات عائلية اتراجع عن كثير مما اولته وفسرته حول علاقة امي بخالتي وعلاقتها بابي وعلاقة ابي بكل من امي وخالتي وغيرهما.. ترى من كان منهم يقرر الحقيقة؟ أم أن كلا منهما كان خيرا لنفسه بمقدار ما يحقق مصالحه الشخصية ومنافع ترضي غروره النفسي؟

ربما لم تكن أمي خيرا مطلقا بإرادة من حديد كما كنت اراها، ولا ابي كان ضعفا مطلقا الى درجة العته، رغم ما كان يستبطنه من محفوظات الحلال والحرام لم تردعه عن هوى النفس، وعن الذوبان برغبة الى انثى قد تشده بهمسة أو لمسة او نظرة اغراء كما كان يتبدى لي وتراه أمي، أو ما كان يقضمه من المدخول اليومي للمتجر بلا علم أو إذن من صاحبته، ولا خالتي كانت شرا مطلقا، أنانية وتطاول على كل ما ليس لها، والاستحواذ عليه لنفسها..

ربما هي التربية والتنشئة وما يتلاعب في عقول الناس متسربا بلا ارادة وفي غفلة من كل رقابة، او يفهمه و يتشربه كل فرد حسب ما يعي ويفهم ويستبطن، وحسب مايتعلم ويتلقى ويمارس بل وكيف يسوس ويساس..

أخيرا تبقى لكل منا نزعته الإنسانية، حقيقته ومعرفته والتي على ضوئها يمارس حياته وحقيقته، وبها يصير مرآة أمام نفسه وغيره...

***

محمد الدرقاوي ـ المغرب

يا لضجيج النوارس!

على الجسر

الريح تكاد تتكلم أيضا.

**

يا للريح!

تحرك الأغصان

ونهديك المتبرعمين.

**

يا للقيظ!

الشمس تحتكر جميع المقاعد

في الحديقة.

**

صراخ الخطاف،

قلبي مذعور جدا

مما يخبئه الغد.

**

ضربة شمس،

الفزاعة تتدلى

كما لو أنها مغمى عليها.

**

على الحائط المهترىء

وجه غوريلا

يحدق في اللاشيء.

**

رائحة الصنوبر،

الغابة تكبر

في أعماقي

**

على ضريح

دون شاهدة

حزمة أقحوانات.

**

على الحائط

ظل السحلية

أسرع من الضوء.

**

هدية للضفدع،

القبعة التي تحملها الريح

إلى البركة.

**

بعد موسم الحصاد،

من الوحدة

يكاد يشيب رأس الفزاعة.

**

مظاهرة،

رائحة سمك السردين

تتعالى أصوات القطط.

**

يا لمسكني الأبدي!

على قدم وساق

يجري ترميم ضريح الأم.

**

آناء المطر

عينا التمثال

مغرورقتان بالدموع.

**

المصابيح كابية

كومة أوراق

في شكل ضريح.

**

تملأ الفراغ

بصوتها الأجش

ذبابة المشرحة.

**

بعد قطع قدميه،

يصنع طائرة من ورق

الجندي المهزوم.

**

دم على اللحاف،

عن غير قصد

يدهس العجوز ذبابة.

**

إلى القمر

متجه سرب اللقالق

ليت لي جناحين.

**

يا لسخرية عالمنا الفاني!

ما أقصر الخيط الرابط

بين القماط والكفن.

**

طائر الغاق

كا لو أنه ينادي:

هناك تسونامي شمسي .

**

على علو منخفض،

الكراكي

كما لو أنها تتبع الجنازة

***

فتحي مهذب

 

 

(مهداة للحاضر الغائب، النائم على أطراف إحساسي)

مازلت أبحث عنك... في ذكرياتي

في المذكرة

في الذاكرة

في الصور والرسائل

وفي أوراق الدفاتر

**

مازلت أبحث عنك

في الفؤاد

والشريان والأوردة

في الذات

وأشلاء الروح المنثورة

خلف ظلال بقاياك

**

مازلت أبحث عنك

فلم أجد

سوى طيف... خيال

في منام

مسح ذكراك من ذاكرتي

اغتال حروف اسمك... بحروفي

وطارد

ملامح وجهك

في شوارع... حبي

ليعانق الظلال

تلك الساقطة من قصائدي

أبياتا من الماضي

تعاتبني

عن فراق ما أختره

لذاتي

غربة في الشوق إليك

حنين هروب منك... إليك

لكن؛

لست أعثر عليه

في جسدي

وما نمت به تحت

قدميك

**

مازلت أبحث عنك

يا من توهمت يوما أنك صنوي

في سراديب الحب

تحضنين حبك... بحبي

وتغفين على أطراف يومياتي

وتستغرقين...

كل الجوارح

في القصائد

ومنمنمات أصباغي

**

لكن يا حبيبتي

ما استغرق حبك... حبي

ولا عاد يضم كل المشاعر

هجر كل ألوان اللوحات... وقوافي الأبيات

رغم ذلك...

مازلت أبحث عنك

في الذكريات... المسحوقة

بمطرقة الزمن

زمن الجهل... والفقر والغبار

والقيل والقال

**

مازلت أبحث عنك

في رمال الصحاري

وفي الإحساس والأمل

أبحث عمن ترقد

في الطرقات... مشردة

وحيدة ...

يتيمة ...

أتقصى غائبة قلب

في زوابع الهجر

والندب والنوح

في السحاب ...

والمطر

**

فما عدت أبحث... عنك

أنت ماض يلاحق كل أوطاري

يغتابني بنظرات

السؤال

ما عدت أشتاق... إليك

مهما كنت كياني

فمازلت أبحث... يا قدري

في الأماكن والأفضية

وفي الأسماء

والهواء ...

فأنت... ذاتي

عنوان كياني

فانعطفي عني كما كنت ...

تفعلين في أمسيات اللقاء

***

عبد العزيز قريش

فاس في: 19/07/2022

يمضي بك الشوق كطفل حيث يشاء

كعادتك ساعة الغروب تقف قبالة البحر

وحيدا تحدث نفسك

عن لوعة الغياب

تغريك النوارس بالسفرمن جديد

يغريك رذاذ الموج بالجنون

شاردا تدندن كأنك وتر قيثارة

هدها الانتظار والترحال

الغياب مأساة   الوالهين

هكذا قالت العرافة

وهي تقرأ  كفك المشرع كشرفة

تعذبك الكلمة الأولى

التي وشوشتها لشغاف القلب

أحبك   قالت ...ومضت هائمة كطيف

شردتك حروف الكلمة

المأساة هي أن تعود لكمنجتك وحيدا

يخنقك  الغياب..وهذا المساء تقول العرافة

كمياه الأنهار المتدفقة

يخنقك عزفك لها فتغيب..

***

عبد الرزاق اسطيطو

 

قحطان محبوب مندويمرثاة لشاعرالعرب الكبير

محمد مهدي الجواهري

***

ما ضرّكَ الموتُ، موتُ الحرِّ إيـثارُ     بـه الخـلودُ وما فـي المـوتِ مختارُ

بئسَ الخطوبُ الـتي خالت تروعـنا      لو بِــنْتَ عــنّا وإن شــطّـَـتك أقدارُ

من وهنةِ النّومِ يصحوالعقلُ منشرحا     تـمتـدُّ مــن ضوعهِ للــمجدِ أعــمارُ

أذ ذاك يجـلو زمـانٌ فاســدٌ، وخــمٌ         قــد خطَّ دســتورَهُ السـفّاحَ أشرارُ

في الموت يصبو رفاقُ الشّعرقاطبةً      ويحسـدون عليك الـخُلـدَ إن غاروا

فأهنأ لموتٍ سعيـــــدٍ كنتَ تنشـــده       وتشــتريه، ومــا للمـــوت تجّــــارُ

ما ضرَّك الموتُ ذا دينٌ ومقترضٌ       والعمرُ طيفٌ مضى والمرءُ بحارُ*

***

خالوك متَّ غريباً إذْ نفوكَ ضُحًى        وأنـتَ بـــاقٍ وعمرُ الظّلمِ معشــارُ

وذي بلادُك، شاءَ القومُ أم رفضوا         والدارُ دارُك أنّــى حلّـــتِ الـــدارُ

أنت الحبيبُ وأرضُ الشّامِ عاشقةٌ          وما نأيـتَ، فــلا بِــيــدٌ وأمصــارُ

سيصرخُ العفرُ في الجُلّى بلا وجلٍ        أنا العراقُ وبــاقي الــبعــدِ أشـبارُ

وقد وَطِئْتَ ثراها صــابيا، ثــمــلاً         تحدوكَ من أنبلِ الأشـــعار ِأشعارُ

فإن تعشّــقتَها، لا مُشْــتَــهٍ وطـنـاً          بل قدرَ ما يدمنُ الأفيــــونَ خمّارُ**

وإن نحبــتَ على أرضٍ مجـاورةٍ          كـأنّـمــا دونــهـا قـــفــرٌ وإبــحارُ

هذي خصالُ نبيلٍ، صادقٍ، وَلِـــهٍ          والعشــقُ أولُهُ، والــوجدُ ســـهّارُ

نبكي المَواطن، تقصـينا، ويــتبعنا          من جورها لــبلادِ النّفيِ أوجـــارُ

***

ما ضرّكَ الموتُ،لا نبكيكَ،نحنُ بنا        الدّمـعُ طـبـــعٌ بــلا أســبابِ ينهارُ

واللهِ نــبكي إذا يومـــا يـــعاودنــا            ذكرُ العراقِ وجاءت منهُ أخبارُ

وهو العراقُ الذي ما زالَ يرصِدُنا           كمُخبرِالأمنِ في برديهِ أوضارُ

أنّى مضـينا، أتـتنا منــــهُ صافعـةٌ            وحـورت عشقنا للشــــكِّ أوزارُ

نبكي على كائنٍ مـاتَ الضّميرُ به           "بذُّ" الفؤادِ، عديمُ الخلقِ، غــدّارُ

القتلُ والبطشُ بعضٌ من سوابقـهِ            ومــا تخــيّــلَ أنَّ الــدهــرَّ دوّارُ

نبكي على أمّةٍ يفنى العـظيمُ بـها             كما تســـاوى بها شوكٌ وأزهارُ

تباركُ الجاهلَ الغــافي وتــكرمهُ             ويمتطيها صغيرُ القومِ، سمسارُ

وما لها ولــهذا الكونِ من صــلةٍ           تحدو بها من عصورِالجهلِ أوطارُ

تهابُ من شاعرٍ لو صاحَ يُخْصِفُها          خَصفَ النّعالِ، فبالأشعار ِأخطارُ

وهو البجيلُ الذي كتَّ الدّموعَ لها           ورجفةَ القــلبِ مــا غــنّاهُ قــيثارُ

وشـــعَّ والدّرُّ بعــضٌ مـن فرائدهِ            وقلَّ كالمـاس، لو للْمـاسِ مـعيارُ

النخلُ والدوحُ في الشّطّين يعشقهُ            في كــلِّ نفـــسٍ لــهُ وقعٌ وتذكارُ

ورخّصَ الروحَ من منفى لمعتركٍ           تطــويهٍ كــارثةٌ أعــتى وأكــدارُ

قرنٌ مديـدٌ مضى والغـمُّ تـابـعُـــهُ           وفــوقَ مــتـنـيــهِ أعـبـاءٌ وأوقـارُ

ما كادَ ينفضُ عفراً عن ملابســهِ            حتى قــفـتهُ لهولِ النـّفيِ أســـفارُ

يغفو العراقُ قريرَ العينِ مغتبقــاً            وذا يـنـوحُ بدمــعٍ لونـــــهُ القــارُ

من قبل ألفٍ، به الأحقابُ توعدنا           وبعد ألفٍ، سيسري أينما سـاروا

قومٌ تغنّوا وقالوا الشّعرَ إذْ عشقوا            أو حـــاربَ الظّلمَ والظّلاّمَ ثوّارُ

***

أبا الفراتين، من جوعٍ ومن سقَمٍ             بــه علــيمٌ ولا تخــفاكَ أســرارُ

ومن جراحِ جـليـلٍ حــاملٍ بـــيَدٍ             نجلاً ببلســـمهِ والخـــبز محتارُ

من ضنكةِ العيش، من بؤسٍ ومبكيةٍ        أنبــيك نحــنُ العراقــيين أحرارُ

ما كادَ يخرجُ منّا عن مشــيمتــهِ             طفلٌ، يحفّزهُ للـوتـــــرِ وتّــــارُ

دماؤنا كــبراكــيـــنٍ مـــؤقـــتــةٍ             نـارُ تصولُ بها مـــا بعدها نارُ

في لحظةٍ يستشيطُ الغيظُ منفجراً            وينجلي الجورُ والأصنامُ تنـهارُ

ويدركُ الوغدُ والأرذالُ ما وُجِدوا          أيَّ الرّجالِ تخطّوا عندما جَاروا

تباً لمنْ لا يراعي غيــــظَ جائعِنا           ويلٌ لمــــن غــرَّهُ ســيفٌ وأنفارُ

هم خيّرونا بعيشِ الذّلِّ في وطـنٍ          فكيفَ بين الرّدى والموتِ نختارُ؟

ونحنُ تجري طباعُ النّخلِ في دمِنا         يــموتُ منتصباً لوْ حــمَّ إعصارُ

يشدو بأشـجانه والتّمرُ في يـــدهِ            عدا السّـــماءُ فــلا يعــلوهُ مقدارُ

لا يرتضي الذّلَّ إلّا من به عورٌ         ولا المهانــة إلّا مــــن بــه عــــارُ

***

أهلوك نحنُ، حدودُ الشّرِّ تدرُكـنا       والصّدقُ والنّــبلُ والعــذّالُ والـجارُ

ما راعنا الضّيمُ والتّعذيبُ قرّحنا       أو شــــــلّنا بمهــبِّ الـــــويلِ تيــّارُ

تلك السّجونُ وذاك البطشُ يسبقها      نزفُ الجراح التي في روعها حاروا

واستفحلَ الشّـرُّ واستخلى بنا قدرٌ       مــرُّ المنــاهلِ، مســــمومٌ، وجزّارُ

أهلوك مـــن وهبوا أغلى فتوّتِهم        لحومةِ الحربِ لا شـــكوى وأعذارُ

وقدّموا كنذورِ العـــيد إخـــوتَهم         للموتِ، والأرضُ دارت أينما داروا

وقسّــموا وأضافوا بعدما طرحوا        وكلُّ ما ظــلَّ أوهـــــامٌ وأصـــفارُ

نعمَ الرّجالِ، ولكنْ جاعَ أشطرُهُم      واليومَ بالخبزِ، حافي الخبزِ، يحتـارُ

حدّق بما اسطَعْتَ من وسع المدى بصراً  تجِدْ جياعاً بمحضِ الصّبر تقتارُ

ووسط هذا الخنا يحـــدو بنا أملٌ          لنـا ســتهطلُ بــعد الغــيمِ أمـطارُ

***

غــداً أراهُ بلا وعــدٍ ولا خــــبرٍ             يأتي فترقصُ في لــقياهُ أطيارُ

والهورُ والجبلُ العملاقُ يحضنهُ           والنّخلُ والتّينُ والزّيتونُ والغارُ

وحينذاك ســـيعلو مــنهُ منتصبا             صرحٌ ويأتــيهِ أحبــابٌ وزوّارُ

يبقى سراجاً بحلك اليمِّ مؤتـــلقا             للفقرِ مُنتصِفٌ، في العُــتمِ نوّارُ

يمشي الرجالُ على آثار خطوته           ويورقُ الرملُ عطراً فيه انضارُ

ما ضرّهُ الموتُ موتُ الحرِّ عُبّارُ         إلى الخلودِ وما في الموتِ مختارُ

***

شعر قحطان محبوب مندوي

٢٧-١٠-١٩٩٧ بتسبرك- بنسلفانيا

........................

* قال الجواهري: قالوا الحياةَ: فقلتُ دينٌ يقتضى  والموتُ قيل، فقلتُ: كانَ وفاءَ

** قال أيضا عن دمشق:

وسرتُ قصدكِ لا كالمشتهي بلدا       لكن كمن يتشهّى وجه من عشقا

* أُنشدت القصيدة في الأمسية الشّعرية التي أقامتها الجالية العراقيّة والجمعيّة المندائيّة في ميونخ، ألمانيا، في تمّوز ١٩٩٩.

* نُشرت القصيدة في ديوان أغانِ لوردة الصّباح، دار المدى، دمشق، ٢٠٠٠ ص ٤٩-٥٦

امرأةٌ لا يلغيها الغياب

تلك التي تُحدث خدوشاً

في مرايا الروح

تنسابُ مِن ثُقبٍ في الذاكرة

تروي أنوثتَها المورقة

في قلبِ النسيان

بمياه النرجس

تهمسُ في أُذنِ الليل

يُغمضُ جفنيه على حُلم

وتبتسمُ في وجهِ الصّباح

يفتحُ راحتيه على أمل

ومابين الحُلم والأمل

تقفُ هُناك

تجردُ الكونَ مِن الزحام

بحضورِها

وتملأُ فراغَ الفضاءِ

بعطرِها

يرسمها الزنبقُ

على أكمامِ الريح

ساحرة النظرة

تُحدث قطعاً في شريان النّص

يتدفقُ نهرٌ مِن زهرِ الدحنون

يا امرأة تسكنُ صوتي

يرتعُ صمتك في حنجرتي

قولي أحبكَ

ودعيني اجتث الظُلمة

مِن أوراقي

انتزع الشكَ مِن الأسطر

قولي أحبكَ

لكي اتبعثر فيك

شعراً ونثراً

امنحيني التماعةَ عينيك

لأضيء الطريق

لقبلةٍ ضيعتها ضحالةُ التوجس

ومِن بعدها توغلي في الغياب

ازرعي الفوضى في

ذاكرةِ الحواس

لألثم عِطرك

في كفِ المساء

وأتلمس الضّوء

في وجنةِ الصّباح

لأحسب الأيام على أصابعٍ

خضبها الفراغُ

بالتشابه

قولي أحبك

بعد الغياب

سراً في أذن الريح

ستعبرني ذات رحيل

وتبتسمُ لي

وسأفهم

فالريحُ يا حبيبتي

صديقتي

لغتها تُشبه لغتي

بلا قيود أو وتيرة

تقول الكثير

ولا تقول

قولي أحبك

فالصمتُ لا ينفي

حقيقة الأشياء

كما الغيابُ لا يلغي

صراحة الحضور ...

***

أريج محمد احمد

قرب صفصافة

عمري

منحت القطا

العصافير

واليمام

لبلابا

نرجسا واقحوانا

ومضيت مضيت

صوب تلة عمري

الحزين

مغنيا للمطر

ومانحا ينابيع

وسواقي املي

وحلمي

لليمامات

وللايايل والغزلان

الحزينة والمطاردة

في ارض الله الواسعة

زمردا عقيقا

وعنبرا

شاتما العناكب

بنات اوى

الثعالب

والذئاب

وهناك هناك

قرب مدارات

قوس قزح الصباح

والشفق الازرق

عزفت على اوتار قلبي

الحزين

لحن الاقمار

والنجوم

لحن البنفسج

ولحن المطر

***

سالم الياس مدالو

هشام بن الشاويآن لغيمة هذه الدموع أن تهطل

لأن الحياة مجرد سوء تفاهم لا ينتهي،

لأن الحب مجرد زلة قلب...

على رصيف سوء تفاهم!

**

في البدء كانت الموسيقى.. 

تلك الفراشة الملونة، التي تحلق فوق الزمان والمكان، تنشر قميص كينونتك الهشة على حبل يتأرجح بين الحضور والغياب في حضن أبدية شفيفة.

في البدء، وحدها الريح كانت تسمع نشيج أوراق الشجر، قبل أن تضرج في ذبول صفرتها..

وحده الحسون يحن إلى خرير النهر، عندما يتهاوى الماء في مغسلة مطبخ، فينشج مثل تراب مزهرية، تحتضن زهرة بلاستيكية.

في البدء كان الصوت، ذلك المطر البهيج، الذي يقضم تفاحة هذا الصمت في نهم طفولي، قبل أن تغرد الشمس ذات شتاء.

**

هل يمكن أن أتهم - كل هذا الغياب- بإضرام نيران هذا الأنين في أسمال القلب؟!

***

هشام بن الشاوي

رِثاءٌ يا زَميلي مِنْ هُلوعِ

ومِنْ ألمٍ تَنامى في الضُلوعِ

*

ذَكرتُكَ يومَ كُنا في رياضٍ

تُداعِبُنا نِداءاتُ الذيوعِ

*

ومِنْ دَرْسٍ إلى دَرْسٍ ذَهَبْنا

نُنازلُ مُبْهماً بينَ الجُموعِ

*

تَدارَسْنا بمَكْتبةٍ ونُزلٍ

وأفْنينا شَباباً بالقروعِ

*

هيَ الدُنيا تُعللنا بوَهْمٍ

وتُلقينا على جُرْفٍ جَزوعِ

*

وتُطعِمُنا مِنَ الآهاتِ راحاً

وتَدفَعُنا لأوْهِدَةِ النزوعِ

*

رَفَعْنا رأسَ أحْلامٍ بعَزْمٍ

وكُدْنا بأسَ راعيَةِ الرُكوعِ

*

وإنْ خَبَأتْ بها نيرانُ وَجْدٍ

توَّقِدُها مَجاميعُ الشموعِ

*

رَجَمْنا كلّ صَدّاحٍ بفِكْرٍ

بأحْجيَةٍ مُعَطِّلةِ القنوعِ

*

وكُنّا في مَحافِلها هُيامى

بأشْعارٍ مؤجّجَةِ الوُلوعِ

*

لنسرينٍ وهيفاءٍ عَشِقْنا

ووادعَةٍ بأحْضانِ النِصوعِ

*

وحينَ توافَقتْ نَبَضاتُ حُبٍّ

تَواصى ما جَنَيْنا بالهُجوعِ

*

ومِنْ أفُقٍ إلى أفُقٍ تَداعَتْ

مَشاعِرُنا بأرْوقةِ الرجوعِ

*

فما شَفَعَتْ بها أشْلاءُ كُنّا

ولا نَسَجَتْ لنا بَعضَ الدُروعِ

*

تَرَنَّمْ شاعرُ الأيّامِ إنّا

كهادلةٍ على ساجي الفُروعِ

*

عَبَقنا من عَواصِفها أريْجاً

وذبْنا في تَراتيلِ السُجوعِ

*

أ يُحْلبُ تَيْسها والضِرعُ يُنْسى

وإنَّ حَليبَها نَضْحُ الفزوعِ

*

تَساقاهُ الثَرى ومَضى عَليلاً

يُخاطبُنا بصَمْتٍ من خُروعِ

*

خَوافِقُنا تَوَجُّدُها اضْطرامٌ

يُؤازرُهُ التَشوّقُ بالهُروعِ

*

إذا الأبدانُ تُدْحى في تُرابٍ

فما بَذرَتْ سَيَبْقى بالربوعِ

*

بها الأمواتُ تَحْيا في قبورٍ

وأحْياءٌ كباليَةِ الجِذوعِ

*

مَلأنا كأسَ دُنيانا بوَهْمٍ

يُبشِّرنا بخادعَةِ الطلوعِ

*

تشنّجَ وَجْهُنا والعَينُ تُدْمى

وتُسْقى مِنْ ينابيعِ الدُموعِ

*

توافدَتِ المَنايا والأرضُ ثكلى

مُضَرَّجةٌ بمَنزوفِ النُجوعِ

*

وكُنّا بعدَ مُحْتَرَبٍ مُريبٍ

كحائرةٍ بغيْهبها اللذوعِ

*

وسِرْنا نَحْوَ طالعةٍ بغَمٍّ

ودمْنا في مُطاردةِ الوجوعِ

*

نُخيِّبُ حَيَّنا فيَنالُ سوءاً

وفي مَوْتٍ نُداعي بالشفوعِ

*

إذا بَصَرَتْ فؤادَ الصَبِّ ظبياً

تَعنّتْ مِنْ تَباريحِ الطُموعِ

*

حَقائبُنا كتذْكرةِ اغْتنامٍ

وَهبْناها لأرْصِفَةِ الشروعِ

*

مَحَطّاتُ الوجودِ بلا دليلٍ

سَننزلُها بمَرْغومِ القلوعِ!!

***

د. صادق السامرائي

 

أدري بأنَّك لم تزل تهوانِي

وبأنَّ إسمَك شاخصٌ بلسانِي

*

أدري وما أدريك أنَّك هاجري

وبأنَّ عينَكَ لم تعدْ لترانِي

*

لكنَّها الأيامُ حالتْ بيننا

وقضتْ علينا  النأيَ بعد تدانِ

*

أشتاقُ أنْ ألقاكَ بعد غيابةٍ

هل من لقاءٍ بعد عامٍ قانِ

*

لا زلتَ في قلبي تنامُ موسدًا

لا زلتَ في مُقلي وفي وجدانِي

*

خذنِي إلى حيثُ المرابعُ والصبا

خذني إلى حيثُ الزمانُ الحانِي

*

لا أبتغي بدلًا بغيرِك صاحبًا

إنِّي وحقِكَ  ما خسرتُ رهانِي

*

أشتاقُ وجهَكَ بعد كلِّ سحابةٍ

أشتاقُ معنى أن تكونَ بيانِي

*

كلُّ القصائدِ أقفلتْ  أبوابها

إلآ بلاغة وجهِك الفتّانِ

*

أمسيتُ أستجدي الزمانَ سويعةً

تأتي بها لِتُعيدَ ليْ سلواني

*

ضاق الفضاءُ على جناحِ مسرّتي

وأتتْ على طيري سهامُ زماني

*

يأتي إليَّ الصوتُ من خللِ النوى

إياكَ تحلمُ باللقاءِ الثاني

*

تبقى بقلبي ما حييتَ قصيدةً

كُتِبتْ بنبضي لا يدي ولساني

*

ربّاهُ قد  ضاق الطريقُ ولم  تعدْ

تقوى على صحرائهِ الساقانِ

*

حزني عليكَ مدى العصور وأدمعي

تجري كما الأنهارُ في الوديانِ

*

من عالمِ الدنيا أصوغكَ نجمةً

لا تشبه النجماتِ في أكوانِي

*

أسرفتُ في جَلْدي  وقطعِ تواصلِي

وازددتني نارًا على نيرانِي

***

د . جاسم الخالدي

 

 

في ساقيةٍ تأتينَ منها بالصباح

عيناكِ تسحبانِ مرآةَ سماءٍ باهرة

من فراشاتٍ بأرجلهن آثارُ طينٍ هادئة

أوراقُكِ تأوي صدى بحرٍ غائب

من زهرةٍ تدخلين الرؤيةَ سعيدة

مطلِقةً جنحيكِ للتذكّر

وغاباتكِ للغيوم

من رحيق لمعان الحجارة

تشعُّ العلومُ باللسان

والجوهرُ بالبصر

والفلكُ الممتدُّ بالحدود

تدوّنين الحبَّ الذي لم تعطِه الساقية

واللونَ الذي لا ترسمُه الفراشات

والسعادةَ التي تبخلُ بها الزهور

مبديةً وجهاً غريباً وقوةً زاهدةً بالعلم

الذي ليس يسنح.

**

2.

الحمامةُ تصيدُ شبكاً

السربُ يقنصُ

اتجاهاتٍ

أنا مفترَضةٌ وحية

أزاوجُ الأحياءَ بالدهور

والكائناتِ العالقةَ

بالموتِ السائب

ألتمعُ بتسميةِ الحريّة

وأغرّدُ فجراً موارباً

أطلقُ إشاراتي

إلى العين السعيدةِ

بالفراسة

الليلُ خارجٌ عن مضيِّه

والأعمارُ قد ملّتِ الدوران

**

3.

يصنعُ حديقةً هذا المؤجَّل

يصنعُ سفراً خارجاً من كل عدم

يصنعُ يوماً بعيداً سوف يدخِّنهُ

قربَ بردٍ ما

محدِّثاً أولاداً من ذهنٍ ما

سيولدون.

**

4.

تماثل للبقاء غرينُك البرّي

وأغلق العينين نورسُك السومري

وأنتَ يا ربّ تنظر

وقد تهاطل

وانطفأ آخرُ طيرٍ يسنحُ لقلبي

فأتلمّس الحدود التي تحاصرُ

تقتربُ وتقترب

وغرين الموتى

يبنونه في دأب

يبنون آخر سرابٍ لبقاء

يبنون آخر ماء

***

سهام جبار

 

 

فراس ميهوبلم تكن حبيبة، بل حلما لم يرغب بهجرانه، حلَّق وعلا به، فارتطم بسقوف الوحدة.

ذاك الصمت الجليل، الكلام يدنسه، والتصريح يقتله، نوع من تعاطي العذاب، والإدمان على الفناء المقنِّع بألوان صاخبة.

عيناها لوز وسكر، رموشها حراس ليليون، مستعصية على الحب، مسلسة لفرح مزيف عادي، خالٍ من عصف الدهشة، وفارغٍ من أي شغف.

امرأة سكنت ظل البدرعلى وجه الزرقة الحائرة، رثت عيون الغسق في محاريب العزاء، وتنشقت قُبلَ الموت الساكن.

رانيا كانت شلالا من فتنة، وكان هو ناجيا من هاجرة خانقة، فلا هي توقفت عن التدفق العاصف، ولا هو قدر على مجاراتها، فاستكان مع حمرة الشفق الأخير.

عاندتِ الحياة، كمن قتلت ابنها، وبكته عمرا كاملا، عاقبت روحها باحتراق ذاتها، وتطهرت بالندم من جريمة شبه مكتملة الأركان.

قصمه بعدُها، وحيرها ضعفُه، فلا هو اقترب من العين، ولا هي غادرتِ القلب، معادلة من درجة مستحيلة.

لا هي بهزيمة كاملة، ولا هو أمل منطقي، استباحَتْ حنوَّه فدمرته، وأبت أن تهشِّم فيه الخيبة المقيمة.

لم يستطع إخراجها من روحه، ولم تسعفه بخطوة إلى حضور الجسد، تأرجحا في منطقة الوسط القاتل، واهتزّا كأغصان شجرة خضراء، في خريف نحيب مائج، لا هي انكسرت فأراحت، ولا بقيت فأسعدت.

في العيون سكنا معا، وفي المكان تقاطعا، كان الزمان مبكرا حد الإجهاض، وخديجا حتى السُكر.

أخرست شعره، ولم يسمع نثرها، تساقطا كلمات وصور، وتاها تعابير وبلاغات مفرطة، بلغة أقصر من تداني النبض الصاخب، وأشعة أكثر حدة من قدرة الحدقات المطفأة على إدراكها.

رانيا، كانت ومضة سحر عابر في ساحة اكتئابه الأبدي، محطته الأخيرة في قطار عمر لم ينطلق، عذاب عشقه كله، فرق التوقيت القاتل.

مدَّ يده بالسلام، تعثر اللفظ على أعتابها المضرجة بلهيب الرغبة الشاقة، ضاعت بين القرنفل والجوري تمتمات حروفه الطائرة، قُتلِت قوافيه المتطرفة على عتبات التأتأة المحبطة.

صادف غروبُه الوادعُ شروقَها العاصفَ المبكر، وصل بعد الأوان، رحلت قبل اشتعال الحركات الأولى.

كان ومازال، بلا اسم محدد، عنوانه الثابت الوحيد ملقى على حيطان المدن المهاجرة، كان اسمها رانيا.

تلاقت سهام العيون، واحتارت دفقات الأفئدة، الشوق أكيدٌ كلحظة ولادة، والفراق قدريٌّ كموت مشتهى.

ارتدتِ السواد بلا حداد، وتدثر بالابتسامة الكدرة، تبادلا الأدوار في لحظة الذروة، فخرجا من واقع الممكن المحدود إلى أفق الخواء المستحيل.

ظنّ انتظاره حكمة امتلاك الوقت، وما رأته إلا وهنا، انكسرتْ ساعتُه الرملية، انحصرتْ آخر حباتها في العنق المختنق.

تهاديا تهما و عتابا:

-ترددكَ فاق صبري.

-بل أنتِ من استعجل الرحيل.

رانيا لم تنتظر، وهو لم يُقدم، فانتهت حكايتهما قبل أن تبدأ.

ما عجز عن قوله همسا في أذنيها، رتلّه بطلاقة بعد غيابها، ما أخفاه سرا في احتدام الأيام الأولى، فضحه علانية في رثاء الوداعات اليائسة.

مضى وقد أضحى وراءَ المستقبل، تبعته أحزانه وذكرياته، أغانيه ونغمات نايه، أمطار أيامه، أقمار لياليه ونجومها.

ترجَّل رفاقه مع مفارق الدروب، و بقيت رانيا ساكنة تحت السنديانة الفتية.

***

فراس ميهوب

2021/06/05

ذكرى لعيبيلم يكن الطريق الذي قطعتهُ للوصول إلى أوربا شاقًا، بقدر قسوة الطريق الذي قطعته للعودة إلى نفسي وقراراتي المهلكة بحقها!

هزائم كثيرة؛

منحنيات مغلقة ودهاليز كان عليّ العبور من فوقها وليس الولوج فيها؛

أشخاص سلبيون متلونون، أيضًا كان عليّ عدم الأقتراب من عالمهم؛

لكن هذا كلهُ كان يتلاشى حين يبادرني بتحية الصباح والمساء، أو حين أجد رسالة منهُ على الإيميل.

أذكر أول رسالة وصلتني بتاريخ عيد ميلادي، لم تكن تهنئة عادية:

ـ أيتها العظيمة، هل تدركين أن شهور السنة أجمعها تغار من تموز؟

وقتها لم أردّ، فلم أعرف هوية المرسل؛ لكن الرسالة بقيت تدور برأسي، هذا رجل غير عادي لأنه بادرني بجملة لن يكتبها ألا صاحب قلم وفكر عميق: " أيتها العظيمة"!

في صباح اليوم التالي، وجدت رسالة أخرى:

ـ أيها العظيمة، كنتُ أعرف أنكِ لن تردّي، لكني سعيد لأنكِ قرأتِها، لصباحكِ تغنّي العنادل.

ـ هل أعرفك؟

ـ ربما.. المهم أنا أعرفكِ، وصورتكِ تلازمني طوال اليوم

ـ صورتي؟

ـ نعم، صورتكِ نسختها من صفحتكِ

يا إلهي هذا الرقم ليس ضمن جهات الاتصال، وهو رقم أجنبي غير مخزن بالقائمة.

لا أنكر أنه أصبح شغلي الشاغل، خاصة وأنه لا يهمل تحايا الصباح والمساء، ومابينهما جملة:

ـ على بالي

أو

ـ مشغول، لكن هذه الثواني التي أكتب بها إليك أوكسجين نقي لرئتي

أو

ـ نستمع الآن أغنية لعبد الحليم أنا وصورتكِ ..

هل هذا حُبّ؟

ليته الرجل الذي أتمناه وأحلم به، لكن لا أنكر أيضًا أني صرت انتظر رسائله بشوق، أشعر بفرح كبير يغمرني حين اسمع الرنّة التي خصصتها لاستلام رسائله.

ـ تصبحين على رجل ينتظر ابتسامتكِ.

إذن هو أكثر من حُبّ!

ـ أيها العظيمة، أنا اتألم لأني لم أخبركِ من أكون، لكن المهم جوارحي تعرف من تكونين!

ـ حبيبتي العظيمة، العالم لا يتوهج إن لم يشرق وجهكِ على نوافذه.

ـ عظيمتي، قلبي يخبرني أنكِ تبادلينني نفس المشاعر، لكني أقدّر كونكِ امرأة شرقية، لا تُبوح بمشاعرها بسهولة كما تفعل النساء الأجنبيات هنا.

ـ أيها العظيمة، حبيبة روحي التي انفصلت عن جسدي وسكنت في جسدكِ، لا انتظر أن تبادليني هذه التحايا بالكتابة، لأني أشعر بأنفاسكِ قريبة منّي.

كنتُ اقرأ هذه الرسائل وقلبي يتمزق لوعة وأسئلة تتقاتل برأسي، قد اسرتني رسائله، طوّعت حديد قلبي وهزمت قبائل سنواتي العجاف، بل جعلتني أصدّق نبوءة الحب، لكني أخشى من الوهم والسراب، قررت أن أميل لنفسي وأنزع عباءة الاستسلام هذه، خلاص؛ غدًا سأضع حدًا لهذا الأمر.

ـ عظيمتي، سلطانة قلبي، لاداعي لهذا القلق، أعرف أنكِ متوترة هذه اللحظة، كوني مطمئنة، فالعالم يبدو خرابًا أن لم أشعر بأنكِ هادئة، تصبحين على آخر نجمة صبح، لن تنام حتى تصحو نجمتا عينيكِ.

عندما بادرني بهذه التحية في هذا الوقت بالذات الذي كنت اتحدث به مع نفسي، أصابني بعض الهلع، خُيل إليّ أنه هنا، معي، متخفًّ، أو ربما متحّدْ معي.

ما الذي أصابني؟ غدًا لابد أن أعرف من هو، لا أحب ضباب العلاقات والمراوغات والمخاتلات والحزورات، رغم أنه يبدو مغرمًا بشكل حقيقي دون خداع، وألا ما الذي يجبره على الألتزام بهذه التحايا وهذا الاهتمام طوال اليوم؟

ـ أيتها العظيمة، صباح الحياة التي تبدأ بكِ ولن تنتهي

ـ أرجو أن تخبرني من أنتَ، لا داعي لهذا كله

ـ ستعرفين قريبًا جدًا، وقد تتفاجئين!

ـ اتفاجأ!

ـ نعم.. نعم أيتها العالم الذي فتح أبوابه بعد أن قضم منّي سنوات مديدة، أنتِ الطيف والحقيقة والمأمول وكل الروايات التي كتبتها دون أن أعرفكِ، أنتِ أيها العظيمة الخلاص الذي وعدت نفسي بالإخلاص له

ـ " رويات كتبتها "! منْ أنت؟

نعم كانت المفاجأة التي كادت أن توقف نبض قلبي؛ الروائي الكبير " الدكتور سرّ البحرالناصري" الذي كنتُ أطير فرحًا حين يردّ على تعليقي أو يمرّ حتى لو بكلمة على نص أكتبه:

ـ يا عظيمتي؛ سلطانة عمري وأميرة قلبي، ها أنتِ حقيقة ماثلة أمامي، وها أنا متجرد أمامكِ من بؤس الدنيا وما فيها من بشر، ألتمسكِ ضفّة لما تبقى من العمر، رأيتكِ في كل الأحلام، ولم اتجرأ أن أحلم بأن تكوني حقيقة، أنتِ حوريتي على الأرض وفي السماء، أنتِ جنتي ونفسي..

كنتُ متسمرّة، مشدوهة، كأني بين يدي الله يوم الحشر، بلعتُ ريقي عشرات المرات قبل أن أنطق أي كلمة:

ـ لكن كيف؟ أقصد متى؟ يعني لماذا أنا؟

ـ كنتُ أشعر بكِ من خلال كتاباتكِ، تعليقاتكِ، كنتِ قريبة من ذاتي، من أفكاري، من نفسي، بل أنتِ نفسي أيتها الروح

ـ أنا حقيقة معجبة بكَ جدًا، أقصد برواياتك، مدهشة وهذا ليس رأيي فقط ..

ـ برأيكِ أرى الجميع فهو الأهم بالنسبة لي..

ـ لكن كيف تجد كل هذا الوقت لي، أقصد..

ـ لأني أعشقكِ، أحبكِ، أنتِ الكاتبة " تسنيم الحياة الأسعد" ولستِ امرأة عابرة، أنا سعيد الحظ أن ألتقيك وأحبك .

انتبهت لنفسي: نعم أنا تسنيم الحياة، يجب أن لا أظهر هذا الكم من المشاعر قبل أن أعرف الناصري الانسان وليس الروائي الشهير.

فاستجمعت شجاعتي وجرأتي وعدّتُ صلبة، كما لو أني استعد لكتابة قصيدة هجاء ضد الطغاة والخونة:

ـ أنا لم أعرف شيئًا عن حياتك

ـ تهمكِ؟

ـ نعم إن كنت تفكر في الأرتباط بي، ولا.. إن كنت تريد أن أبقى صديقة مقربة فقط.

وفي داخلي كانت الأمنيات تتعانق وتدعو أن أصبح عروسه.

ولم أكن أعلم أن حبّي الكبير والعميق له هو فراق مؤجل، وإدراك غيابه فريضة عشق عليَّ أن أؤديها في وقتها.

عرفتُ أنه مرتبط بزوجة، وأبناء، حتى وإن ماتت العلاقة الحميمية بينهما من سنوات، كما قال.. لكنها ما زالت على ذمته، في بيته، داخل غرفة نومه وعلى سريره، وهذا الأمر بحد ذاته يجعلني شبه مجنونة، طبع سيء ربما، لكن هكذا بروتوكولي بالحياة العاطفية، لا أحب أن اتشارك رجلي مع أخرى، غيرة تقتلني وهواجس تبتلع لوني وضحكتي وتسلب راحتي، وربما تجردني من قلمي

ـ حبيبتي العظيمة، هناك نساء لا يأتين في حياة الرجل ألاّ مرّة واحدة، وأنتِ من كنت أحلم بها، سأخلص لكِ

ـ وأم أبناءك؟

ـ ستبقى كما هي، فقط بالأسم

ـ لا أتقبّل امرأة أخرى في حياتك، لن أقدر، لا أستوعب..

ـ وحبي لكِ؟

هنا كان لابد من حسم الموقف وقلبي ينزف:

ـ لم تعد صالحًا للحب، هكذا أجبته بكل قساوة، لأجل أن يبتعد عنّي، بعد أن إيقنت أنه لم يعد لي، ثم جلست أبكي بحرقة لأنني تحطمتُ للمرّة الألف.

بعد أن رحل قررت أن أجلس مع نفسي لأحاسبها على كل قرار اتَخَذته بعيدًا عن قلبي، عن كل اجحاف وضياع حلم.

فتحتُ جهاز الحاسوب، وباشرت بكتابة رسالة اعتذار وشوق ووله ومشاعر مختلطة:

ـ كيف تركتكَ ترحل وأنتَ الذي رَوضتَ الـ" لا " الجامحة التي كانت تقود مشاعري؟ كيف تركتك ترحل؛ وأنتَ تملأ تضاريس أيامي هياما؟ وتنقشُ فوق شفاهي الإبتسام؟ أيها العظيم، يا سدرة الروح؛ امتلأتُ بك، هل تعرف ماذا يعني لي صوتك؟ وبماذا يمدّني وجودك في حياتي؛ أنهما تعويذتي من وحشة الدنيا.

أغلقت الحاسوب بعد أن جففتُ لوحة المفاتيح من دموعي التي تساقطت عنوة وأنا أكتب..

وجلست انتظر الردّ.

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا

قصي الشيخ عسكرالفصل الثامن الأخير من الرواية القصيرة

صفرة ما على الجدران

***

ساعات أمامه يقضيها بغيبوبة حتى يحين موعد الظلام الذي يسبق الفجر..

ولم يعد يعنى بما يجري حوله غاب فحدث أمر وسيغيب فيصحو ويغادر يلتهم الحلوى ويهبط الدرجات من جديد..

لكن ليس هذه هي نهاية العالم، وفي باله يخطر أكثر من احتمال.. ماذا لو داهمت نوبة جديدة رياض قبل الزواج فهل تدفعه زاهية لشراء قبر في المقبرة ذاتها، سوف يطرق الباب عليه كلّ يوم وحين يعلو صراخه يذهب إلى كريستيانيا لا ليبتاع هذه المرة حشيشا. يجلب إبرة مقدارها يفوق الحدّ يدّعي أنّه لم يجد حشيشا والأفضل أن يدبّر رياض حاله بقليل من المخدر..

لن يرفض..

لا يقدر أن يقول لا مع ألم حاد يحزّ كالخناجر أوردته يحقنه .. يضع الإبرة جنبه في السرير ويخرج متسللا، كل ّشئ يثبت أنه انتحر

ياللشيطان..

لعنة الله عليكن.

في بيروت يمكن أن يكون قتل أحدا من دون أن يدري لا أحد في الحرب لا يطلق الرصاص ربّما أصابت رصاصة أطلقها أحدا..

أفكار متوحشة يدري سببها

يعيها كما يعي نفسه أكثر مما هو في حالة يقظة وصحو:

ابتهال دفعته لحب سالمة ، وسالمة استدرجته إلى زاهية وزاهيه دفعته لقتلٍ برئٍ لا مناص منه أما إذا تمّ الزواج قبل أيّة نوبة فعليه أن يقرّ بالهزيمة.. هي زاهية التي تتعامل مع أيِّ رجل تراه بصراحتها حتى يظن من يسمعها أنها تخصّه وحده في الوقت نفسه تحب الآخر الذي يظنها لا تحبّه.. كانت الساعة تشير إلى الرابعة قبل الفجر حين استيقظ من غيبوبته الطويلة، تاجر الحشيش لا يدخن ياجمال.يسقي السمّ للآخرين.. الحلويات موجودة.. ومحل السبعات الثلاث موجود.. إذن أنا أيضا موجود..

ينهض متثاقلا.. يرتدي معطفه الثقيل يلفّ عنقه، ويخرج إلى الشارع.يتهادى على الرصيف.. ينعطف من نهاية طريق المجمّع فتلوح له النقبرة هادئة.. مقبرة في وسط كوبنهاغن على أحد قبورها كتابة بالعربية..

هذا لا يعنيه.

هناك مجنونة عاقلة تشتري قبرا في بلدية بعيدة.. بستة آلاف كرونة كرونة لا تريد أن تدفنها البلديّة على نفقتها ولو كان في المقبرة التي على يساره من مكان يبتظرها لكلفها أكثر..

مجنونة

لكن هل تداّهم النوبة رياض قبل الزواج؟

قد تكون زاهية أصيبت بالجنون خلال قتالها مع السحرة

وأنا أصبت بالجنون يوم أحببت سالمة وصفعت زوجتي ثم حاوات أن أهرّب طفليّ إلى مكان ساخن

لكن

رياض يعاني من مرض عضال فكيف أصابت لوثة ما عقله؟

تساءل وهو يهز كتفيه ليعبر التقاطع إلى محل 777 الإشارة على اللون الاحمر انتبه لا تكن دنماركيا أكثر منهم .. الطريق خال والفجر لم يهبط بعد لاحافلات ولا سيارات ولا هم يحزنون.. لفحته نسمة باردة وتراقصت أمام عينيه أضواء المصابيح.هل مازلتُ في غيبوبة؟

لا يظنّ .. راح يلتهم قطع الحلوى.. أتى على نصف الكمية التي اشتراها واستند إلى الحائط يتطلع في الدرجات التي تخترق السلم..

لا أحد ينزل..

لا أحد يصعد

عبر إلى الرصيف الآخر ولم يلتفت إلى الإشارة هذه المرة ربما مرقت سيارة قبل أن يعبر ولعله سمع صوتا ما لمحرك يدور من بعيد.أعادت له كمية حلوى التهمها بعض انتباهه فأخذ يهبط الدرجات ومع آخر درجة لامستها قدماه واجهته صورة لفتاتين إحداهما تنام على جنبها الايسر والأخرى جالسة وظهرها إلى الحائط تتطلع في درجات السلم كأنها تنتظر أحدا

قات وهي تغمض عينيها:

هل تريد؟ معك عشر كرونات؟

صحبها إلى المرحاض.. رد الباب خلفها فأزاحت سروالها لى الكعبين وحسرت لباسها البنفسجي إلى أسفل ركبتيها ردت على فم المرحاض الغطاء واستندت إليه بيديها دفعت عجيزتها نحوه..

ظل لحظة يتحسس نفسه

Kom do do it

راوده صمت فرفعها نحوه، نظرت إليه بعينين تملؤهما الدهشة ، وقالت كما لوتنطق عن إنسان آليّ:

Hvad hvad laver du?

لم يجب وهوى بشفتيه على شفتيها، فانفلتت منه، واستندت إلى حافة المرحاض ثانية بيديها:

Kom

جسد رائع لفتاة في الثامنة عشرة بوجه فتان وعينين سارحتين لكنه لا يقدر..

شئ لايحتمله

صامتة تستند إلى حافة المرحاض تتمتم مثل الروبوت، خصرها عجيزتها فخذاها.. لا رغبة ولا همّة بل يطلب الهرب فيرفع سرواله يشده ويفتح باب المرحاض يهرول صاعدا الدرجات، لون المصابيح الصفراء الداكنة يتآكل في جسده.. يتوحد مع صفرة ترتسم على وجه رياض.

لايقدر

يهرب..

يتلاشى

يغيب حتى تلتهم رجلاه الرصيف فتطالعه نسمة هواء باردة، يعبر التقاطع نحو رصيف المقبرة ، فيسند كتفيه وهامته إلى جدارها.

كانت أنفاسه تتلاحق.

فدفع اللفاف عن رقبته

وراح ينشج بصوت عال.. إلى أن هدأت أنفاسه شيئا فشيئا وهام في غيبوبة.

أخذته غفوة لا يدري أطالت أم قصرت.. فاستفاق من شئ بارد يلامس وجهه وشعره ففتح عينيه على زخة مطر تتلاحق في شدتّها لتسبق الفجر، فتثاقل قليلا ، فأزاح ظهره عن حائط المقبرة واستند براحتي يديه إلى أرضية الرَّصيف يستعين بهما على الوقوف تمتم:ابتهال .. سالمة وزاهية.هل حقّا تأتيه نوبة حادة قبل أن يُقضى الأمر ثمّ بحث في جيبه عن كيس الحلوى و لم يدر أنه سقط منه قبل أن يغادر دورة المياه ذات المرايا الصّفراء.

***

د. قصي الشيخ عسكر

الحب يسكننــــي ولا أدري

إنْ كان مَن أهوى به يدري

*

والناسُ تلحظني وتسألُ عــ

ما كان من سري ومن أمري

*

هلْ كان مَن في الماء والبرَدِ

مثل الذي يمشي على الجمرِ

*

نفسي تُحدثني وأسألهـــــا

عمّن أحبُّ أكان بي يدري

**

سأريهِ أشعارًا من اللهبِ

ليرى جليًّا ما حَوى قلبي

*

سيرَى الحروف بها لها ألمٌ

تعبتْ بما شالتْ من العتَبِ

*

وبشعريَ الأشواقُ حاضرةٌ

وبشعريَ الأحلام لمْ تغبِ

*

سأريهِ أشعارًا من اللهبِ

ليرى جليًّا ما حوى قلبي

**

أسرارُ قلبي كيف أخفيها

علمت بها الدنيا بما فيها

*

مني نجوم الليلِ تحفظها

وأتتْ عصافيرٌ تغنيها

*

وقصائدٌ للحب أكتبها

ومدامعٌ كالدرِّ أبكيها

*

أسرارُ قلبي كيف أخفيها

علمتْ بها الدنيا بمَن فيها

**

الحبُّ مصدره ومعناهُ

لم تُكتبِ الأشعارُ لولاهُ

*

والقلب يصرخُ سيدي رفقًا

زادَ العذاب، فقلتُ : اللهُ!!!!

وأكادُ من عجَبٍ أقول لهُ:

أتعيشُ يا قلبي لتهواهُ

*

الحبُّ مصدرهُ ومعناهُ

لم تكتبِ الأشعارُ لولاهُ

**

سَتُقِرُّ أشعاري وتعترفُ

وتُحدّثُ الدنيا بما أصفُ

*

والناسُ سوف تقولُ :ما هذا؟!

فالحب عندي غير ما ألِفُوا

*

لفظٌ له دُقّتْ معانيهِ

فتناقشوا في الوصفِ واختلفوا

*

سَتُقِرُّ أشعاري وتعترفُ

وتُجَنُّ دنيانا بما أصفُ

**

لاموا وذاكَ اللوم مردودُ

في مذهبي الحبُ موجودُ

*

ما جربوا أن يعرفوهُ ولا

غنّى لهم نايٌ ولا عودُ

*

ما زارَهم نيسانُ في يومٍ

لم يستجيبوا عندما نودوا

*

لاموا وذاك اللوم مردودُ

في مذهبي الحب موجودُ

**

الناسُ تقرأ في بساتيني

وتشمُّ عطرًا من رياحيني

*

والحب عندي صار شلالًا

ينسابُ في نغمٍ وتلحينِ

*

ومُعذّبي سيقولُ من حسدٍ

يا ليتَها بالشعر تعنيني

*

فيتوه ما بين البساتينِ

ويذوبُ في عطر الرياحينِ

**

ألبست أشعاري شذى الحبِ

فتألقتْ كسبائك الذهبِ

*

ألبستُها صدقًا وإحساسًا

مزّقتُ عنها معطفَ الكذبِ

*

لو جاء فيها كلُّ ما أخفي

ضاقت بها الأوراقُ في الكتبِ

*

كم مرةٍ في العمرِ يسجننا

حبٌّ لكي نسعى إلى الهربِ

*

كم مرة في العمر يسكننا

حب يعذبنا بلا سببِ

*

ما العمرُ إلا ومضةٌ لمعتْ

تمضي بسرعة رفة الهدُبِ

*

ولربما أذنَ الزمان لنا

بالوصل أنهارًا بلا نضبِ

*

فمتى زمان الوصل يذكرنا

عُدْ يا زمان الوصلِ واستجبِ

***

شعر: إسراء فرحان

من كتاب :قمر الزمان

مُهْدَاةٌ إِلَى الشاعرة السورية

نهاد هاشم النقري ‏‏تَقْدِيراً وَاعْتِزَازاً

**

أُنَقِّرُ أَشْتَهِي النَّقْرِي

 بِلَهْفَةِ حُبِّهَا الْبِكْرِي

*

وَأَلْمَسُ فِي حَنَايَاهَا

 وَمُهْجَتِهَا شَذَا شُكْرِي

*

أُخَابِرُهَا فَأُلْفِيهَا

 تَمُوتُ بِحُبِّيَ الْفِكْرِي

*

أُكَلِّمُهَا فَأُلْفِيهَا

 جِنَاناً فِي رُبَى ذِكْرِي

*

أُعَلِّقُهَا تُعَلِّقُنِي

 وَآخُذُهَا إِلَى سِفْرِي

*

أُعَانِقُهَا تُعَانِقُنِي

 عَلَى أُرْجُوحَةِ السِّحْرِ

*

نَنَامُ مَعاً عَلَى كَنَبٍ

 يُعَانِقُ مَوْجَةَ الْبَحْرِ

***

د. محسن عبد المعطي.. شاعر مصري

حسن السالميوقصص أخرى قصيرة جدّا

صروف

كلّما التقينا تأمّلتُ بطرف خفيّ تورّد وجنتيه، وقامته الممشوقة، ووسامته التي تقع في قلب الأنثى فتذيبه.. تمنّيته لو كان لي. بيد أنّه في عصمة امرأة أخرى مثلما أنا في عصمة رجل آخر..

بعد فترة صدمني منظره، فكأنّما مسّته عصا ساحر شرّير..

وسمعته يقول للذي يستوقفه من معارفه:

"آه.. اجتمع علي عدوّان.. الخبيث والكيماوي!"

**

رجلان لسرير واحد

كان معها في قوّة مائة حصان.. ومع ذلك لم تكن تريحها نظراته الغامضة ولا ابتسامته المبهمة.. شعرت بأنّ شيئا ما فيه تبدّل رغم إقباله عليها بنهم..

بعد رحلة الحبِّ تلك نهض ورمى على وجهها ورقة نقديّةً زهيدةً وانصرف مقهقها..

"لماذا عاملني كعاهرة. ألست زوجته؟"

وجاءها الجواب برنّة من هاتفها.. إنّه هو.. وشعرت بالأرض تهوي بها وهي تتصفّح صورها الفاضحة مع رجل آخر..

**

الزّيــــــــــــف

كانت أجمل ليلة في حياته.. رقص كثيرا وشرب كثيرا.. إنّها ليلة العمر بحقّ.. وهو يختلي بها في غرفتهما لأوّل مرّة راح يتأمّلها مبهوتا وعيناه تبرقان..

وراحت تتخفّف من فستان العرس. وشيئا فشيئا أخذت تقاسيم وجهه تتبدّل من الانبهار، إلى الحيرة، إلى الصّدمة. رآها تطرح شعرا طالما فتنته به، ورموشا كانت أَحَدُّ عليه من السّيف..

واستمرّت تطرح وتطرح.. صرخ في مرارة:

"هاه..  كُفّي وإلّا..!"

**

بذرة النّـــــــور

وكان لا بدّ ككلّ ليلة أن أنام على صوت جاري الخشن وهو يغنّي ويسبّ ويشتم وينادي على زوجته وبناته وأولاده..

سمعته يتجشّأ كثيرا، ويتقيّأ كثيرا بعد أن قضى اللّيل كلّه يعبّ من "القيشم" ما يُسكِرُ قبيلة بأكملها..

وارتفع صوت آذان الفجر من مئذنة قريبة فنزلت عليه السّكينة لحظة، ثمّ سمعته يلهث داعيا بصوته الخشن المثقل بالشّراب: "اللّهمّ.."

"أين وضَعْتِ السّجّادة يا بِنت ال..؟!"

***

حسن سالمي

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م