نصوص أدبية

نصوص أدبية

فجأة رأيته. شوقي فهيم، نعم. هو. اللغز الذي حيرنا سنوات الاعتقال ولم نصل إلى سره. قضيت نحو عامين في الحبس وخرجت وظل شوقي وراء الأسوار. لم أره من ساعة خروجي، لكنه شوقي. نعم. لا شك في هذا. كان قادما من الاتجاه المقابل. يسير على الرصيف بقامته الطويلة، تلفه سكينة من توحده، يتفرج بواجهات المحلات. لم يرني ونفسي تجيش بذكريات عزيزة عكرتها درجة من الحذر جعلتني أتردد في أن أستوقفه، فتثاقلت خطواتي وأنا أتلفت وأهمس لنفسي" أليس من الأفضل أن أواصل سيري؟". من شتت التردد تولدت صور قديمة من الحبسة التي جمعتني به سنوات لم يبح شوقي خلالها بسبب سجنه ولا ألمح إليه، وكان يروغ من الإجابة بلباقة إذا تطرقنا إلى الموضوع، وها هو الآن  أمامي، لغزا مازال، بهدوئه ولطفه.

ضقت بحذري ومخاوفي فقطعت الطريق عليه، وقفت أمامه فاتحا صدري ووضعت يدي اليمنى على كتفه. التفت إلي. حدق بي مذهولا. صاح بدهشة: " معقول؟!". ضحكت سعيدا أنني استوقفته وقلت: " نعم. معقول جدا". رنا إلى بنظرة تألقت بالتذكر ثم السرور: " ياسلام.. مفاجأة.. وأي مفاجأة!". اندفع ليعانقني، وصددته لأستبقي وجهه أمامي. هتف مبتسما: " الدنيا صغيرة حقا. دعنا نجد مكانا لنجلس وندردش. أي مكان". أحنى رأسه إلى أسفل كأنما يفتش بين أقدامنا عن موضع ثم اعتدل وقهقهه مندهشا مما فعله. سرنا على مهل نبحث عن مقهى. كل منا يربت على كتف الآخر، ويقاطعه بكلمات الاشتياق ونتف الذكريات والاستفسار عن الحال.

في العنبر بالمعتقل حافظ شوقي على مسافة محسوبة بينه وبيننا، لكنه كان يقربها بالتودد وتقاسم السجائر والنقود والأطعمة التي تأتي بها أخته في الزيارات الشهرية. كان يومنا محكوما بنظام حياة متكرر، الصحو مبكرا والافطار والشاي، وطابور الفسحة الرابعة عصرا حين يخرجون بنا إلى فناء المعتقل المغطى بالرمل الأصفر، وأيادي كل اثنين منا مقيدة بسلسلة. وكان شوقي يفضل صحبتي فنقطع معا الفناء الأصفر في دورات، تتابعنا من الأكشاك الأربعة أعلى الأسوار أعين وبنادق الحراس. لم يكن شوقي يتكلم كثيرا، لكنه كان يعرب بمرارة عن أسفه على اغلاق مكتبه الهندسي، وانفصال زوجته عنه، أحيانا قليلة يتحدث عن مشاريع المستقبل عندما يطلق سراحه. لكنه لزم الصمت تماما عن سبب حبسه حتى تصور البعض أنه مدسوس علينا ليتلقط أقوالنا. لم أسترح منذ البداية إلى ذلك الارتياب مهتديا بشعوري بأن إنسانا له نظرة شوقي المستقيمة الواضحة يستحيل أن يبيع نفسه لمهمة رخيصة، لأن لأولئك نظرة مختلفة، جارحة ونادمة، أقرب إلى شظايا روح تحطمت. يعودون بنا ويغلقون باب العنبر في الخامسة عصرا، وفي المساء يتضح لنا بقوة أننا محبوسون بالفعل، ويزول في العتمة آخر أمل أن نفتح لأنفسنا طريقا إلى الخارج إلى الهواء والحرية فينفتح الطريق إلى الداخل حيث الذكريات والماضي وأسماء الزوجات والأبناء وعبارات من أفلام قديمة ونكات لم تعد مضحكة بالمرة. يصبح الماضي حاضرا، ويورق كل ما ولى وذبل، لولا أن الحياة عنيدة تدافع عن حقها في البقاء فتسوقنا إلى اختراع حاضر، نصنع كوتشينة من أوراق علب السجائر، نتجمع في حلقات حول حشايا النوم، نفتح نقاشا سياسيا أو فكريا، وفي تلك الأثناء يجلس شوقي صامتا ينصت لنا بتعبير مهذب، مكتفيا بهزة رأس أو كلمة مقتضبة لا تؤيد رأيا ولا تختلف مع أحد. بمرور الوقت نشأت بيننا قرابة روحية من صرير الأبواب الحديدية الذي يفري أعصابنا، ومن التحديق بخيالات الأحبة بسقف العنبر في الليل. لكن حتى تلك الصلة لم تدفع شوقي إلى الفضفضة الصريحة مع أي منا، إلى أن حدث ذات يوم أن أقبل الشاويش شعبان مهرولا في الممر بين الزنازين متجها نحو عنبرنا. توقف عند الباب يلهث، ثم همس في إذن عم طاهر يحذره من كبسة تفتيش قادمة. شكره عم طاهر وغمزه كالعادة ببضعة جنيهات أخفاها الشاويش في جيبه واستدار منصرفا. وصاح بنا عم طاهر من حيث يقف عند فتحة الباب:" كبسة يا زملاء.. كبسة .. خبئوا كل شيء". أشاع صوته المتوتر الاضطراب فينا. هب من كان راقدا على الحشايا واقفا، وتلفت آخرون في كل اتجاه يفتشون بعيونهم عن مخابىء للممنوعات وهي الأقلام والورق والكتب. وكان عند شوقي دفتر صغير يحتوي على القصص التي كتبها زميلنا العجوز أستاذ كامل. أخفى شوقي الدفتر في أقرب مكان خطر له في غمرة اللهوجة والارتباك. وقفنا بعد ذلك في حلقات متباعدة من ثلاثة أو أربعة أفراد نتظاهر أننا ندردش في أمور اعتيادية، وما لبث أن ظهر ضابط شاب يتبعه أربعة عساكر. اقتحموا المكان، وراحوا يفتشون جيوبنا ثم تفرقوا يولجون أصابعهم في ثقوب الجدران، وأخذوا يبقرون بطون الحشايا، ولم يعثروا على شيء فاستداروا والضابط في المقدمة منصرفين من دون كلمة.

ارتخت أعصابنا المشدودة. تمدد البعض على الحشايا يفرد ساقيه ويهدأ. أشعل آخرون سجائرهم بأصابع مرتجفة. تحركنا بعد أن استرخينا لنخرج ما أخفيناه. هنا ظهر الأستاذ كامل في منتصف العنبر، واقفا بالبيجاما والشبشب، تابع ببصره استعادة ما أخفيناه، ثم صاح على شوقي بقلق: " دفتر القصص يا باش مهندس؟". طمأنه شوقي:" دفترك في الحفظ والصون أستاذ"، قالها واتجه إلى حيث تقع المبولة في نهاية العنبر. اختفى بين جدرانها المنخفضة فلم نعد نرى سوى رأسه يتحرك. خرج بعد لحظات. وكان كامل قد بسط يده لتسلم الدفتر. مشى شوقي نحوه ومد إليه عجينة يقطر الماء من حوافها، ثم تمتم باكتئاب وغم: " متأسف جدا أستاذ.. الظاهر أعصاب الزملاء فكت بعد التفتيش فدخلوا المبولة.. و.. وأغرقوا الأوراق". صاح كامل مبهوتا:"تبولوا على قصصي؟!". رحت أنقل بصري بين وجه شوقي المتألم بعجز وبين الذهول الواضح على أستاذ كمال، وشعرت بعمق المهانة التي أحسها الرجل العجوز لأن أعز ما لدينا عرضة للتبول. لكن بعض الزملاء انفجروا في القهقهة حين سمعوا " تبولوا على قصصي؟". وقال زهير لشوقي بجدية مصطنعة: "عليك الآن، تعويضا للمؤلف عن خسارته أن تكتب له العدد نفسه من القصص وفي القضايا الطبقية ذاتها وأن تنصف الكادحين وتلعن أم الرأسمالية"، فتضاعفت الضحكات وكان معظمها تنفيسا عن التوتر الناجم من التفتيش الذي كان يمكن أن ينتهي بمنع الزيارات عنا أو حبس البعض انفراديا.

خرجت من غمرة الذكريات على صوت شوقي: "ها هو مقهى". نظرت حيث أشار بيده فرأيت مقهى في شارع جانبي مد الكراسي إلى الرصيف وبجواره وقفت عربة كبدة. قطعنا الطريق. تخيرنا منضدة وطلبنا فنجاني قهوة. حدجني شوقي طويلا كأنه يغترف من ملامحي شعوره بالماضي. سألته بفضول:" من الذي تعاودك ذكراه من الحبسة؟". رفع حاجبيه. فتح عينيه على آخرهما. قال مبتسما بأسى: " أستاذ كامل ودفتره. زهير وقصائده ". قطع الحديث بائع صحف حام حولنا ثم اقترب يعرض علينا الجرائد. صرفناه فتوقف عند منضدة مجاورة وأذناه مشرعتان ناحيتنا. لزمنا الصمت برهة حتى ابتعد البائع. في نفس اللحظة أطل من عيني فجأة السؤال القديم، بقوة، محسوسا، وظل معلقا في الهواء ما بيني وبين شوقي " لماذا كنت معتقلا"، وعندما استطالت اللحظة خفضت بصري فتمتم شوقي بصوت دافئ مثل ركبة طفل مخدوشة:" لعلك ما زلت تريد أن تعلم لماذا وضعوني في السجن؟". كنت أريد أن أعرف لكنني زممت شفتي كأني أقول له إن التصريح بالسبب رهن برغبته. عاد شوقي بظهره إلى الوراء. انسحب بروحه إلى زمن آخر. قال ببطء:" السبب غريب شوية. لقد رأيت حلما". لم أفهم ما يقصده. سألته:" حلم ؟". أجاب:" نعم. حلم. رأيت فيه سيارة تنعطف عند كوبري، وشخصا ملثما على دراجة نارية يقترب منها بسرعة خاطفة ثم يفتح النار على من بداخلها من رشاش. مجرد حلم، حتى أني بعدها بيومين كنت في منزل أحد الأصدقاء ورويت ما شاهدته على الحاضرين وكان من بينهم ضابط شاب كان ينصت إلى مبتسما". قلت مستفسرا: " وما المشكلة في ذلك؟". قال: " المشكلة أن الحلم تحقق بحذافيره بعد أسبوعين من تلك السهرة، فوقعت عملية اغتيال مسئول كبير بواسطة ملثم على دراجة نارية، وحين كتبت الصحف في ذلك تذكر الضابط الشاب أنه سبق أن سمع بمكان العملية والطريقة التي نفذت بها، ثم تذكر تلك السهرة، وتذكرني، وجزم من التطابق بين ما سمعه وما وقع بعد  ذلك بأنني ضالع في ما جرى، وتقدم ببلاغ بما لديه، فهبطوا علي في الليل واقتادوني من غرفة النوم إلى القلعة. في حجرة ضيقة خانقة يسألني الضابط: " كيف لك أن تعلم بالدراجة النارية؟ والملثم؟ والكوبري؟ إن لم تكن لك علاقة بمن قاموا بالعملية؟". أقسمت أنه حلم فهتف ساخرا: " لابد إذا  أنك ولي من أولياء الله لكي يتجلى لك المستقبل". انقضت عشرة أيام بلياليها ما بين الزنزانة ومكتب الضابط، الواضح أن الأجهزة كانت تتحرى عني خلال ذلك، ولم تجد لي علاقة بشيء فتقرر ترحيلي إلى معتقل طرة ربما يتضح شيء. أربعة أعوام وراء الجدران لأنني لم أستطع أن أثبت أنه مجرد حلم ". سألته مهموما بأسف: " لكن لماذا أخفيت عنا كل هذا ؟". ضرب شوقي ركبته بأطراف أصابعه قائلا: " فكرت أن الكلام قادني للسجن مرة ولعل التزام الصمت أفضل". تنهد يسألني: " هل تذكر الليلة التي جلسنا فيها حول عم طاهر حين أخذ يروى علينا نتفا من ذكرياته في المعتقلات؟ كان مسترسلا في حكاياته، ونوادره، وفجأة توقف عن الكلام، شرد، ثم تمتم يحدث نفسه كأنما يلومها ويعاتب القدر:" أخلصت العمر كله لقضية، كيف لم يتحقق منها شيء؟". في تلك اللحظة بدا وجهه كأنما مزقت الهواجس والشكوك يقينه. أما أنا فبقيت طوال مدة الاعتقال أفكر أن عم طاهر كان يعلم ماذا يفعل، ولأجل ماذا، والضريبة التي سيتحملها، بينما حبست أنا بالمصادفة، مجرد مصادفة". حاولت أن أفسر له وأن أهون عليه:" هي مصادفة، لكن لا تنس أنها في سياق القانون العام. المصادفة تحدث فقط حين يسمح بها الوضع العام، وحين تكون جزءا منه، وتعبيرا عن الممكن في ظل ظروف معينة". تأملني شوقي مفكرا، فأردفت: " وعلى سبيل المثال فإنك لا يمكن أن ترى ولو بالمصادفة جملا يمشي في السماء!". ابتسم شوقي وهز رأسه وفي عينيه دهشة سعيدة بما قلته.

لزمنا الصمت برهة، وبدأت أشعر ببرودة الليل، أحكمت ياقة قميصي حول رقبتي والعتمة تتحدر من السماء موجا بطيئا، تطفو بين قمم العمائر، وتنزلق إلى المنضدة حيث نجلس فتطفي لمعة الملاعق الصغيرة. أدار شوقي إصبعه على حافة فنجانه الفارغ تقدم بوجهه ناحيتي وسألني باهتمام:" وأنت.. قل لي.. ما أخبارك؟". تمتمت: " تمام.. الحمد لله". نهض شوقي واقفا:" يا الله.. فلندفع الحساب ونتحرك". خرجنا من المقهى نسير ببطء من دون أن نتكلم وقد سرحنا في الشوارع والأشجار تلفها عتمة وظلالها تسيل في هواجس الصمت والسكون الذي حل على المدينة.

***

د. أحمد الخميسي - قاص وكاتب صحفي مصري

قلبي العنيدُ يسألني

في صيّغ شتى

عن أيام تنفلت من يدي

عن حاضر يوشك

أن يصبح ذكرى؟

عن عيون بريئة

ترنو لحلم يتلاشى؟

عن أشياء كانت تسعدني

عن أحلام كانت ترافقني

عن أنسام كانت تنعشني

عن أسماء كانت تبهرني؟

قلبي العنيد يعاتبني

في صِيّغ شتى

يرسم للوجع صورة

بلا معنى

يخطُّ للعمر مسارا

دون مغزى

قلبي العنيد يسألني

في صيغ شتى

عن حب أزهر ذات مرة

عن موجة بياض عذراء

تسكن عقلي

عن واحة جَذَلٍ خضراء

تشرح صدري

2

حكايتي لا تحتمل وجع

السؤال

حكايتي لا تحتمل هذا

المآل

والمرور من حال إلى

حال

حكايتي مجرد حلم

رتيب

مر عابرا كذكرى

باهتة

3

سأرقص وحيدا عند ربوة

أحزاني

سأحمل باقة ورد ذابلة

وأقيم قداسا عند جذع

سنديانة عجوز

سأطرق باب الحياة

وأعلن الثورة

على أزمنة البوار

سأوزع مناشير التمرد

على فقراء المدينة

ثم أختار صقيع المنفى

4

وجع السؤال يدحرجني

بين أقدام الأيام

يمنعني من التقاط

الأنفاس

الدرب يضيع مني

أنا الشريد التائه في

حقول البوار

أنا الغريب الشارد الخطى

بين بساتين الضجر

أهدهد ذكرياتي في دوح

الانتظار

ابتسم بحرقة لغيمات تحتضر

أرتق بكارة أحلامي التعيسة

***

محمد محضار

6 شتنبر 2022

 

 

الاشجارُ حزينةٌ

لا تصدقُ

أن موسمَ الخريفِ

قد حانَ

وأن أوراقها

تفترش الأرضَ

معلنة الشحوب

*

نافذته مغلقة

ومصابيح غرفته شاحبة

كوجه أمه المتعب

*

حلمت

أنك عائد

فتحت عيني

وجدتني في العراء

*

احسب ان عيوني

جفَّ دمعُها

وانَّ المعزينَ

اشاروا عليّ بالحزنِ

*

عنفني أحدُهم:

حين رأني

بالقميص الرماديّ

وآخرُ:

حمد اللهُ متهكّمًا

لأنّي ابتسمتّ

لطرفةٍ سَردَها

وأمّا الثالثُ

فكان يتمنى انطفائي

*

ما بعد العاصفة

ليس كما قبلها

*

صحيح اني امشي

وامارس حياتي

مثل كل رجل

اخرج صباحا للعمل

وأعود محملا

بأعمال اليوم القادم

لكن النائحة حولي

*

اتابع التلفاز

لكني

كرهت البرامج السياسية

لأني رجل مهزوم من العويل

ولا طاقة لي

بتحمل الأكاذيب

*

بعد عام ونيف

انتظر عودتك

فاتساع الامنيات

لا يندر  بالاياب

*

مثلما تركتك وحيدا

أجدك وحيدا

تنتظرني

بثوب ابيض

*

لم اصب بالاحباط

ثمة يقين في داخلي

انكم  طاهرون

أراك مبتسما دائما

تلوذ بعباءة بيضاء

وراية

وكف

***

د . جاسم الخالدي

حينَ يصيرُ الفَجْرْ

ساقيةً ظامئةً

يَسْخَرُ  منها النّهْرْ

أُحسُّ أنّ لا جَدْوى مِنَ الدموعْ

وأنّ لا مَأْمَنَ في الرجوعْ

فترتدي مشاعري

علامةُ اِستفهامْ

تَهْجُرُني وِسادتي

تَهْرُبُ مِنّي

وأرى السّريرْ

يَتبعُها

وإنني أطيرْ

خلفَهما

بالرّيحِ أستجيرْ

...........................................

...........................................

حين يصيرُ  اليَوْمُ، لا ليلَ لهُ

ولا نهارَ بعدهُ

أو قَبْلَهُ

كَيْفَ سَيُنهي بَطْشَهُ الكابوسْ؟

وكَيْفَ يَسْتطيبُ الوقتُ للنّفوسْ؟

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

الى: صديقي العذب،

زميل الأيام الخوالي في مستنصرية القلب

 جمال شاكر محمود ..

***

مِنْ تِـلكَ الأيامْ

ونافِذَةِ الذّكرياتِ العَـذِبة

أُدَغْـدِغُ نبَضاتِ قـلبِكَ الطيّبِ يا صَديقي

مُشاكِساً بِـروحٍ شفّافةٍ

تِلكَ الانكِساراتِ التي ما انْفَكتْ تُطارِدُ رومانسيَتكَ

مِنْ بَـينِ كلِّ الوُجوهِ

وكُلِّ تلكَ الابْتِساماتِ المُشْرِقةِ

وَهالةٌ من الأنوثَةِ الساحِـرَة

كانَ وجْهُ (أيسرَ)(2) أكْثرَ إشْراقاً

منْ كُلِّ نُجومِ هذا الكونْ

كانتْ نظرتُها مُطرزةٌ ب (غَـنِجِ) الأُنْـثى

وابتسامَتُها هادِئةٌ مُوشّحةٌ بكُلِّ الألوانْ

مُحلاةٌ بِنَكْهةِ ذاكَ العَـقـْدُ الثَمانينيُّ المَجْـنونْ

ظلَّ صَدى نغَـماتِها في كُلِّ أرجاءِ المُستنْصِريةِ

يشِدُّك بِعذوبَةِ تِلكَ الذِكْـرياتْ

وَحـينَ انْتَهـتْ سَنواتُ الدِراسةِ فُجأةٍ

انْفـرَطَ عَـقـْدُ اللوْعةِ

وألقَـتْ بِنا الحَياةُ في مَتاهاتِ الحُروبِ

لـكِنّكَ بقـيتَ تسْمعُ أنـينَ هَـمساتِكَ

وَيغْـتالُكَ في كُلَّ لحْظةٍ ذاكَ الماضي

فالذِكْرياتُ تَـبْقى شفّافةً حـينَ الوَجَعِ

وَفي آخِـرِ الـلّيلِ وَحيداً تهْـمِـسُ

(أه لَـوْ تَـدري حَـبـيبي

كَـيفْ أيّـامي بِدونكْ؟

لـيه كُلْ ما جيتْ اسألْ هالمَكانْ

اسمعْ الماضي يكولْ: الأماكِنْ، الأماكِنْ .. كُلّها مُشتاقة لكْ)(3)

لكِنَّ العُـمرَ يا صَديقي مَضى

وَظلَّـتْ أماكِنُ تِلكَ الأيام بشَوْقِها

تَـنْخـرُ فينا الصَدى

وضحِكاتٌ لا تُنسى

شابتْ اللِحى

وكبُـرْنا معَ الأولادْ

وقِصصُ الأحْفادْ

وَصِرنا منْ مُخلفاتِ تِلكَ الظنونْ

يعـتصِرُنا كلامٌ في القـلبِ مكنونْ

ويحتضِنُـنا لـيلٌ لمْ يبُحْ حتى الآنَ بكُلِّ أسْـرارِ الشّوقِ

نَغْـفـوا على شجَـنِ أمِّ كلثومَ

وَنصْحوا على صوْتِ فَـيروزَ

وَنُداري هَـزائِمَنا

وَبعدَ أنْ ضاعَ العُـمرُ في متاهةِ العَـثراتْ

بّقـينا في حَـيْرةٍ لا مُـتناهيَة

وَ (ما مِشْ بعَـدْ كل رِجا والدِّنيا حَـزْنانَة

والهَجِـر جودرْ غَـفُـلْ والروحْ عَـطْشانَة

رَدّيتْ ما مِشْ وِفَة والشِفّة خَجْلانَة

جا وِينْ أودّي الحَجِي واتْعاتَب ويامَنْ)(4)

بَعْـدَ أنْ فـَرّقـتْنا الأماني

وَ(لَـوْ) التَّمنّي

أحدُنا يَبعدُ عَـنِ الآخـرِ نبْضةَ قـلـبْ !

لكنْ . . !

أنّى لهُ اجْـتيازَ كُـلِّ تِـلكِ المَسافاتْ ؟

***

د. ستار البياتي - بغداد

في 15/5/2020

................................

1. من قصائد ديواني القادم () .

2. أيسر: كانت احدى زميلات الدراسة الجامعية في النصف الأول من عقد الثمانينات من القرن العشرين . .

3. جزء من قصيدة (الأماكن) للشاعر السعودي منصور الشادي، غناها الفنان المعروف محمد عبده، وهي من الحان الفنان ناصر الصالح .

4. جزء من قصيدة (جاوبني تدري الوكت) للشاعر العراقي كامل جبر العامري، لحنها الملحن محمد جواد أموري وغناها المطرب حسين نعمة .

 

حينَ أبحرتُ على مَركبِ شكّي

وشِراعي ..

نُقشَت فيهِ تَراتيلُ اليَقينْ

ومَجاذيفي ..

على أعوادِها خَتمُ الوُجوب

صَدّني مَوجٌ كسخطٍ لإنصياعي

هادراَ يَلطمُ فُلْكي

مُغرقاً ماكانَ يَطفو في الغُيوبْ

فاستدارت دَفّةَ الترحالِ عن عَصفِ القيامَة

وغُبارِ الأوّلينْ

كيفَ أرسو

وهَياجُ الرَيْبِ أعتىٰ من يَميني

ورياحٌ كَشَفتْ سترَ الظُنون

غيرُ مُجدٍ لسَفيني

شاطئٌ يومئُ للجانحِ في أهوالهِ

هادٍ كَذوب

فادّعىٰ مَن قَبِلَ الفِريَةَ ديناً

أنّني ضَيّعتُ إيماني

ولم أتبعْ وَليَّ المؤمنين

إنّ تقوايَ اضمحَلّتْ في الغُروب

حينَ ماتَ اليومُ مَحمولاً بتابوتِ الدُعاءْ

واليَتامىٰ كَسْبُهُم نَبشُ القمامة

**

إنّني، مَولايَ ياحامي الصَحيفَة

أرتَدي ثَوبي

ولا ثوبَ الوَريث

وبأرضي يبَسَ البذرُ الذي

يَنبتُ منهُ اللّعنُ والتهويلُ

مِن حَدٍّ قَريب

أنتَ يامولايَ أكثرتَ الحَواشي

في كِتابِ الغابةِ العُليا

فصارَ المَتنُ مَخفيّا عَليّْ

وأضَفتَ النقطَةَ العَرجاءَ

في لَفظِ الرَحيم

كيفَ لي أقفو خُطاك

فطريقي هُدّ فيها صَرحُكُ البالي

وقد أدرَكتُ منها مَوضعَ التَغييرِ

كي أُلقي رِحالي

ذلكُم كانَ انكسارَ الدَربِ حَتى لا أراكْ

ولتقُل أنّي مُريب

قلَمي يكتبُ عنّي

وأَريبٌ أنتَ في التَحريفِ كي يَعمىٰ سواك

***

عادل الحنظل

(الإصحاح الأوَّل والأخير)

**

-: هَلُمُّوا، أَيها الشُّعَراءُ: مَعْنَى،

يُعِيْدُ المَسْجِدَ الأَقْصَى كأَدْنَى!

فرُبَّ مُطاوِلٍ زُحَلًا مُعانٌ،

ورُبَّ مُحاوِلٍ زَحْلًا مُعَنَّى

-: كُنِ المَعْنَى! تَقُوْلُ بَناتُ شِعْرِي،

وما لِسِواكَ مِنْ مَعْنًى لِيُبْنَى؟!

تُـمِيْطُ الحَزْنَ عَنْ مَسْرَى (سُهَيْلٍ)

وتُنْكِحُهُ (الثُّرَيَّا) قَبْلَ تُمْنَى

"إِذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُوْمٍ"،

فلا تَقْنَعْ بِنَجْمٍ، أو بِأَسْنَى

وسِرْ فَوْقَ المُحالِ، بلا مُحالٍ،

فما لِنِهايةٍ نَسْلٌ لِتُكْنَى

وسِيَّانِ اصطِباحُكَ كَأْسَ نارٍ

وما اصْطَبَحَ النُّواسِيُّ فجُنَّا!

**

-: وما الدُّنيا؟

-: "تِراجِدْيا الكُمِدْيا"!

بُطُوْلَتُها: الطَّعِيْنُ.. وسَنَّ طَعْنا!

-: أ هذا "ما جَناهُ أَبٌ على ابْنٍ"؟

-: وَصالَ ابْنٌ على الجانِي بِأَجْنَى!

**

تَمُجُّ الأرضَ شُطْآنُ المَنايا،

بِفاضِحِ مَوْجِها، إِنْسًا وجِنَّا

وتَرقُصُ خَيْلُها، سُودًا وبِيضًا،

غِضابا، في مَراقِصها اغتُصِبْنا

أَلا مَن يَلْتَحِمْ؟ والحَرْبُ عِيْدٌ،

بِأَيةِ حالَةٍ عادَ احْتُلِلْنا؟!

ومُنْذُ "الفَتْحِ"، (رُوْبِيْنُ)(1) يُدَلِّي

على الكَتْفَيْنِ رِجْلَيْهِ، وهُنَّا!

إِذا ما النَّمْلَةُ استَوْفَتْ مَداها

غَزَا رِيْشُ الهَوَى ظَهْرًا وبَطْنا(2)

وصَارَ لَها بِقَحْطانٍ عِيَالٌ

ومِنْ عَدْنانَ أَبناءٌ تَبَنَّى

أُسُوْدُ (شَرًى)، و(عَثَّرَ)، حامِياتٌ

(خِيامَ الرَّبِّ)، إِنْ ذَرٌّ تَجَنَّا!

**

متى يُجْدِيْ البُكَاءُ عَلَى بِلادٍ؟

وإِنْ شَهِدَتْ خرائطُها؟! وأَنَّى؟!

خَرِيْطَةَ (بَطْلِمُوْسَ)، عليكِ مِنَّا

دَمٌ يَرْوِيْ المَواطِنَ، إنْ جُهِلْنا

ولكنْ إنْ نَبَا لِلْحَقِّ سَيْفٌ

يَهِفُّ العُمْرَ حَسْراتٍ وأَنَّا

فعَيْنُ الشَّمْسِ تَعْمَى عَنْ يَدَيْها،

إِذا لَمْ تَبْتَقِمْ(3) في الشَّمْسِ عَيْنا!

**

كم اضْطَرَمَ العَواصِفُ في فُؤادٍ،

على جَمْرِ الحَنِيْنِ، بَكَى وحَنَّا

تَطُوْلُ صَلاةُ مُستَسْقِيْ اللَّوَاظِي،

ويُصْلِيْ (مالِكٌ) سُقْياهُ لَعْنَا

سَرابًا في كُؤوسٍ مِنْ رِمالٍ

شَرِبْنَ العِيْسَ، في الفَلَواتِ، ظَعْنا!

**

نَهَضْنا مِنْ ضَرِيْحِ المَوْجِ عُرْيا،

نَضِجُّ إِلَيْكَ، (بُوزَيْدُوْنَ): ...تُبْنا!

كَنَخْلٍ مِنْ غَياهِبِ (بِرْسِفُوْنٍ)،

لِفَجْرِ أَبِيْ المِياهِ، نَصِيْحُ: إنَّا...!

إِلى (دِيْمِيْتَرٍ)، أُمِّ المَهارَى،

نُعِدُّ الخَيْلَ (لابنِ زِيادَ) سُفْنا

لِتُبْحِرَ مِنْ مَواتِ (هَدِيْسَ)، تُحْيِيْ

رَمِيْـمًا، أَرْضَعَتْ سَلْواهُ مَنَّا!(4)

**

بِطُولِ شَوارِعِ التَّارِيْخِ نَعْدُو،

مِنَ البَرْدِ الجَحِيْمِ، نَفِرُّ مِنَّا

نَرَى حَدَقَ القُبُوْرِ طُيُوْرَ ماءٍ

ومِنْ صَخْرِ الجِبالِ السُّحْبُ تُجْنَى

يُصَلِّي الكاهِنُ النَّارِيُّ نارًا،

ونَحْنُ صَلاتُنا بِالمَاءِ تُبْنَى!

**

-: أُنادِيها؟ أ تَعْرِفُ صَوْتَ طِفْلٍ

يُنادِي أُمَّهُ: يا أُمُّ، عُدْنا؟

-: لِأَصْواتِ الطُّفُولَةِ أَلْفُ أُذْنٍ

بِقَلْبِ الأُمِّ، ما يُطْفِئْنَ أُذْنا

ولو نادَيْتَ ساجِيَةَ اللَّيالِي،

أَجابَ الفَجْرُ، مِدرارًا وهَتْنا

فما لِنُعاسِ غافِيَةٍ جُفُونٌ؛

يُكَحِّلُ لَيْلُها بِالخَيْلِ جَفْنا!

**

-: أَلا يا أَيها الأَطفالُ، يَكْفي!

اهْبِطُوا عَن سُلَّمَ الأَصواتِ، شِبْنا!

مَتَى تَأْتِي؟! دُعاؤكُمُ ثُغاءٌ..

كَأَنَّ المَوْتَ ناداها: كَأَنَّا...

**

-: أَلا يا نَظْرَةً مِنَّا إِلَينا..

إلى تِلْكَ المَدائنِ.. زِدْتِ غَبْنا

إلى تِلْكَ المَنائرِ كالثَّكَالَى

تُفَتِّشُ جَيْبَ (عِزرائيلَ) عَنَّا!

**

-: أ كانتْ أَمْسِ فينا؟ إِذْ سَمِعْنا

أَذانَ الفَجْرِ، صَدَّاحا تَغَنَّى؟

فعَبْرَ شَآمِنا أَسْرَى شَمالًا،

وعَبْرَ جَنُوْبِنا أَجْرَى وأَجْنَى؟

برُغْمِ كُهُوْفِنا، شادَ المَعالِي،

ورُغْمِ خَصاصَةٍ، أَغْنَى وأَقْنَى؟

**

أفاعي النَّارِ تَجتاسُ المَوانِي،

تُبِيْدُ شُمُوْسَها إِنْ لم تُبِدْنا

وتَمْتَحِنُ الذُّكُوْرَ بِكُلِّ أُنْثَى،

وتَمْتَحِنُ الإِناثَ بِكُلِّ أَزْنَى

لِتَعْرِفَ فارِقَ التَّوْقِيْتِ فِينا،

هِزَبْرَ الغِيْلِ، والرَّشَأَ الأَغَنَّا!

**

يَنامُ النَّوْمُ، والأَضواءُ تَسْهُو،

فيَلْتَمِعُ الحَنِيْنُ بِـ(قَيْسِ لُبْنَى)

وتَقْلَقُ في سَماءِ اللهِ شُهْبٌ،

ويَغْفُو ابنُ السَّمَالِقِ مُطْمَئِنَّا!

**

أ كانتْ أَمْسِ فينا؟ إِذْ سَمِعْنا

أَذانَ الفَجْرِ، صَدَّاحا مُغَنَّى؟

على عَرْشٍ مِنَ الشِّعْرِ المُصَفَّى

تُناغِي طِفْلَها، تُصْفِيْهِ فَنَّا

تُمَشِّطُ شَعْرَهُ الأَحْوَى بِمُشْطٍ

مِنَ العِطْرِ الأُمُوْمِيِّ المُحَنَّى

تُصَلِّي فَوْقَ رُكْبَتِها الصَّبَايا

لِتَقْبِسَ مِنْ لَـمَى شَفَتَيْهِ عَدْنا

تَقُولُ لَهُ: ستَمْشِي، يا أَمِيْرِي،

على الأَمْواج، غُصْنًا ضَمَّ غُصْنا

فأَدِّ صَلاةَ الاِستِسقاءِ تَنْدَى

قصائدُكَ السَّجِيْنَةُ فِيْكَ دَنَّا

(سَمِيرَامِيْسُ) تَسْبَحُ في القَوافِي

لِتُقْرِئَكَ الغَرامَ: رُؤًى، ووَزْنا

إِلى شَمْسِ القِيامَةِ عِشْ هَدِيْلًا،

يُراوِدُ غَيْمَةَ الكَشْفِ المُكَنَّى!

**

-: أ إِخْوَةُ (يُوسُفٍ) رَهَنُوا أَباهُمْ؟

ويُوسُفَ؟ وارْتَأَى (التَّلْمُودُ) رَهْنا؟

أَصِخْ، يا جُبُّ: يُوسُفُنا عَزِيْزٌ،

كـ(مِصْرَ)! وخِبْتَ، إِخْوانًا، وفُزْنا!

وحتَّى يَسْقُطَ الغُيْبُ المُرَجَّى،

سنَغْزِلُ مِنْ أَزِيْزِ النَّوْلِ كَوْنا

لِتَكْتَشِفَ النَّوافِذُ وَجْهَ لُبْنَى؛

يُشَكِّلُ في الهَوَى قَيْسًا مُثَنَّى!

**

-: أَلا يا أَيها الأَطفالُ، هُبُّوا!

اصعَدوا في غُلْمَةِ الأَصواتِ لَـحْنا!

لَقَدْ تَأْتِي! دُعاؤكُمُ ارتِقاءٌ..

إلى صَدَفِ الكَواكِبِ، حَيْثُ كُنَّا!

*

تَشُبُّ الطَّيْرُ صاخِبَةَ الخَطايا،

لِتَبْنِي الصَّمْتَ: إِيمانًا، وأَمْنا

لِتَسْطَعَ فيكَ أَضْواءً غِزارًا،

تُبَدِّدُ مِنْكَ، في الظُّلُماتِ، سِجْنا

لِتَسْطَعَ فيكَ أَضْواءً غِزارًا،

فتَأكَلَ رِيْبَةً، أَكَلَتْكَ ظَنَّا

لِتَسْطَعَ فيكَ أَضْواءً غِزارًا،

تُدِيْرُ لِـمَسْرَحِ الإِبداعِ شَأْنا

فتُوْقِظَ فِيْكَ بَيْدَرَكَ الشَّآمِي،

وتَحْصُدَ مِنْكَ ما يَمَنٌ تَـمَنَّى

عُواءُ الرِّيْحِ.. لا يَثْنِيْكَ رِيْحا،

هَدِيْرُ البَحْرِ.. لا يَعْلُوْكَ حِصْنا

-: كُنِ المَعْنَى! تَقُوْلُ بَناتُ شِعْرِي،

وهَلْ لِسِواكَ مِنْ مَعْنًى لِيُبْنَى؟!

وَحِيْدًا، تُشْعِلُ الآبادَ، بَدْرًا

يَصُوْغُ هِلالَهُ، والمَوْتُ يَفْنَى!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

...................................

(1) رُوبين: أكبر إخوة (يوسف)، الذين تآمروا عليه، حسب القِصَّة القرآنيَّة.

(2) هذا مَثلٌ شعبيٌّ. يُضرَب لما بلغ من الأمر اكتماله؛ فآذن بالنقصان فالفناء. مِثل النمل الذي لا تنبت له أجنحة إلَّا حين يبلغ نهاية حياته.

(3) ابتقَمَ، في لهجات جبال (فَيْفاء): اقتلَعَ، ولكن على نحوٍ استئصاليٍّ فيه عُنف. ولا نَجِد من هذه المادة في العربيَّة المدوَّنة إلَّا بقايا آثارها، الدالَّة على أصلها المندثر، أو المهمَل. من ذلك قول اللغويِّين: إنَّ التَبَقُّمُ: أكْلُ البَهِيمَةِ الكَلأ. وإنَّ بُقامة النادف: ما سقط من الصوف لا يقدر على غَزْله. (انظر: الصاحب بن عباد، المحيط في اللغة؛ ابن سيدة، المحكَم؛ ابن منظور، لسان العَرَب، (بقم)).

(4) الأسماء المشار إليها في الأبيات من أعلام الميثولوجيا الإغريقيَّة. ف(بوصيدون): إله البحار والمياه في أساطيرهم، ويقال إنه في الأصل إلهٌ (أمازيغيٌّ لِيبيٌّ)، اسمه (بوزيدون)، اقتبسته الميثولوجيا اليونانيَّة. و(ديميتر): آلهة الأرض والزرع والربيع. و(بيرسيفون): ابنتها الجميلة، عشقها (هَديس/ هاديس): إله العالم السُّفلي والموت، فاختطفها من أُمِّها، وغيَّبها عنها زمانًا. أمَّا (ابن زياد)، فإشارة إلى بطل الفتح الأندلسي المشهور: (طارق بن زياد)، المنسوب إليه حرق السُّفن، في الحكاية التاريخيَّة المعروفة؛ لمنع جيشه من الفرار، واضطرارهم إلى المواجهة. وهو- كما يرجِّح بعض المؤرِّخين- ينحدر من أصول أمازيغيَّة، مثل (بوزيدون)، إله البحار والمياه.

 

(سيرة شوكة وسكين)

رواية مهجرية قصيرة

***

الفصل الأول

صندوق خشبي صغير

شيئان فقط أثارا اهتمامي في الصندون الخشبيّ القديم!

كانت هناك عدة أشياء بدت لي عاديّة لاتستفزّني في تلك اللحظة:ولا تثير فضولي:

مذياع صغير من عام 1966 على شكل صندوق توفير لا يعمل إلا إذا وضعت في فتحته من الأعلى قطعة نقود فإذا ضغطت بإصبعي على القطعة عندئذ تهوي إلى قعر الصندوق فيصمت المذياع.

ثمّة أيضا وعاء شاي ابتعته في سبعينيات اقرن الماضي من سوق الخزافين. وعثرت على عملات نقدية من فئة الخمسة فلوس والعشرية والخمسين.

أوراق.. نقدية قديمة مصفوفة في رزمة ذيلت بورقة لم تتسرب إليها الصفرة.

محفظة جلدية وصلت عام 1969 هدية من القسم العربي في هيئة إذاعة اليابان هدية عن الفوز بإحدى المسابقات التي لم أعد أذكرها.

قلم حبر علامة سايكو: اشتريته في السنة الجامعية الأولى. دائما أراهن أبي الذي يقول إن علامة باركر أفضل من سايكو وكان بعض زملائي في الجامعة يفضلون علامة شيفر..

مشط من النايلون لشعر مجعد فاحم كان ذات يوما غزيرا فأصبع مع السنين بضع شعرات تتناثر على جانبي الرأس.

مقراضة الأظافر.

كراس خريجي دفعة عام 1971 بالأسماء والصور.

ركوة قهوة لا أستطيع أن أقول عنها قديمة مثل قلم الحبر وكراس الجامعة.. كنت منذ سن المراهقة أحبّذ القهوة على الشاي. لاأستسيغه أشرب فنجان قهوة كل صباح على الريق وأبقى أتلذذ بطعمه المر على طرف لساني. من أجل المرارة التي أتلذذ بها لا أفطر بعض الأحيان.

هذا الخاطر يسطع في ذهني الآن.

لا أكثر.

أما الشوكة والسكين فكان لهما لون آخر لا لكونهما أقدم محتويات الصندوق زمنا، كانا قد دخلا البيت منذ بداية أربعينيات القرن الماضي، بل لأنهما يعنيان عندي الشئ الكثير.

معنى آخر

علاقة عميقة تشدني إلى قريتي التي انمحت من الوجود بسبب حرب الخليج الأولى.

وإذ أتحدث عنهما فإنه يمكن أن أن أتكلّم عن سيرة قرية بكاملها أو شخص ما وربما عدة أشخاص.

هل يُعقل ذلك؟

بعد عقد من الزمان وأكثر.. كل هذا الخراب الذي شاهدته وكل تلك التفجيرات والحرب الأهلية التي تحيطني من كل جهة حالما وصلت لا يثير اهتمامي إلا صندوق صغير يضم بعض القديم الذي نسيته تماما وتلاشى من ذاكرتي.

لكن لماذا اختارت والدتي الشوكة والسكين فجعلتمها من محتويات الصندوق.

تقول لي أختي المرحومة تركت لك هذا الصندوق لم تسمح لأحد أن يفتحه وطلبت منا أن نسلمه لك وكانت تبتسم ابتسامة مرة وتضيف:لك أن تتصور أنها لم تقبل أن نتصرف بالنقود التي وضعتها مع الأشياء الأخرى قبل أن تفقد قيمتها وكنا في ذلك الوقت بحاجة لها.

امتدت يدي نحو الرزمة ونزعتها من الحبل المطاط فتوزعت بين يدي النقود بعضها ارتسمت عليه صورة الرئيس عشرة آلاف دينار .. البنك المركزي العراقي. وبعض منها مازالت تحتفظ بصورة الملوية الشهيرة، فأهزّ رأسي وأقرأ:

عشرة آلاف دينار للغائب الغالي حصته من إرث المرحوم والده.

التفت إلى أختي:

أظن هذا خطك؟

نعم وأكدت ثانية كالمعتذرة:

أبدا لم تكن تسمح لنا بالتلاعب بنقودك

فغطيت على تأففي بابتسامة:

على الاقل كنتم تستفيدون منها زمن الحصار مثلما قلت.

وقد أعرضت عن كل المحتويات ماعدا هذين الشيئين اللذين بانا غريبين وسط حشد من سلع متباينة فأغلقت الصندوق برفق وهززت رأسي رحت أتمتم مع نفسي:

ياله من زمن طويل وجدته أمامي ينحشر بصندوق خشبي صغير على شكل أشياء متباينة ليس بينها من رابط في سوى شيئين لم يكونا ليعودا إليّ وحدي مثل بقية الأشياء..

**

الفصل الثاني

على مشارف الخراب

هل كان الصندوق يلاحقني طوال تلك السنوات المرة أم ينتظرني وأنا في غفلة عنه؟

شئ محير حقا

مدة طويلة مرت وانا غافل عن الشوكة والسكين عبرت حرب الخليج الأولى ففر أهلي إلى البصرة ولم تعد قرية نهر جاسم تبدو للرؤية

انقرضت

تلاشت

عاشت في الضمير فقط

وقتها تابعت أخبارها وأنا في لندن من المذياع.. النخيل تهاوى.. الأنهر اندرست.. البيوت البسيطة الجميلة تساوت مع التراب .. لا عنب ولا رمان.. ساحة معركة.. تلة عريزة مقبرة الأطفال.. . رصاص ودبابات.. ألغام فحسب هذا ما سمعته من جميع الإذاعات .. القرى الحدودية لم يعد لها وجود..

هذه المرة اعترتني فكرة أن أذهب وحدي. لم يمر على وصولي البصرة سوى أربعة أيام . منذ اليوم الأول انكشف لي الصندوق الخشبي الصغير فطلت علي الشوكة والسكين، استفزاني كأنّهما وحدهما يدعواني إليهما.. يتحدثان معي بلهجة ودودة غريبة.. فأرى فيهما سجلا لبعض مامر بعض ما وجدته في الصندوق انقرض بعامل الزمن أو تعطّل .. العملة فقدت قيمتها، انتهت العملات المعدنية. المذياع صامت لعله يعمل فَلِمَ أصرف وقتا لأبدّل بطاريته وأضع في شقه قطعة معدنية.

عبث..

حين أردت المجئ لأرى المشهد الذي سمعته قبل سنوات راودتني فكرة أن أذهب وحدي

لا أحب أن يشاركني أحد رؤية هذا الخراب العظيم

هناك مسحة جمال في كل شئ

الدمار نفسه يكون أحيانا جميلا فاتنا يجذبك فتطيل النظر إليه. تنبهر به

قال لي سائق سيارة الأجرة

هذا هو الطريق العام

أليس هذا ضريح الولي السيد جاسم؟

نعم ياسيدي

سأبقى بعض الوقت هنا هل يمكنك أن تعود بعد ساعة؟

نعم ياسيدي خذ راحتك . أدّ نذرك لكن احذر أن تتوغل في العمق الطريق وحده آمن من الألغام

شكرا لك

كيف لم تُودِ الحرب بالضريح، أهي معجزة أخرى؟أظن الآجر نفسه، والباب القديم، وهناك:صاحب الشوكة والسكين نفسه أدى نذرا ذات يوم للسيد جاسم. فأصبح شاهدا على إحدى المعجزات.. نجس لم يجرؤ على الزيارة لكنه اشترى خروفا وطلب من مختار القرية حسين صعيبر أن يذبح الخروف بباب ضريح السيد ويوزعه على الفقراء،  وقتها كما شاع بين الأهالي أن ابنة مستر دوسن مرضت بطاعون الكوليرا الوباء الجديد الذي غزا العالم من أقصاه إلى أقصاه فجلبت لها إحدى الفلاحات العاملات في القصر علقا من ضريح السيد جاسم فشفيت.

وكذوبان الملح في الماء التفت فرأيت أن قصر مستر دوسن ذا الآجر الأنيق والحديقة الواسعة اختفى فتساوى مع التراب.. وتلاشى المسبح المهجور الذي بناه أمام قصره، لقد سكن ذلك القصر الجميل ابو محمد جاسم العبد حالما غادرت العائلة الإنكليزية القرية وسكن فيه يفلح الارض لمالكيها الجدد حتى استعرت الحرب.

عادت نهر جاسم إلى صيغتها الأولى

قبل أن ينتشر فيها النخيل بعدما انحسر طاعون الحرب العظمى.

هل كل ذلك يمر بدقائق وينتهي إلى التراب؟

أم أن القرية كانت مسحورة ظهرت مدّة وغابت فجأة عن العيون؟

أما الضريح نفسه فقد بقي وحده يروي بصمت جليل عن كل ماجرى من أسرار ومعجزات.

راودني شعور أني شحص غريب أزور المكان للمرة الأولى

صحفي

عابر سبيل

سائح.. جلس في الباب يستريح وصرف نظره عن شماله حيث القصر الذي كان والمسبح

تطلع باتجاه القرية من على يمينه فوقع بصره على امتداد لامتناه. النهر الأعمى اختفى. غاب النهر المالح. النهر الكودي . بقايا النخيل تدعوه كساحرات يحببن أن يقدنه فيما لو تحرك من مكانه إلى تلة عريزة حيث يدفن الأهالي جثامين الأطفال الصغار ثلاثة إخوة له ولدوا موتى التهمتهم عريزة، . والتلّة نفسها اختفت وبقيت الساحرات يحطن بها عن بعد. وتلك أحب النخل إليه النخلة الأصغر سنا من الجميع في الصف عن يسار باب البيت الكبير الخلفي سماها نشوة كان يشهق من الغبطة حين يرى في عذقها تمرة مثقوبة يتجمع في حفرتها الصغيرة سكر لسائل لزج يروح يمتصه ولا يجد لحلاوته شبيها.

بصري كاد يتعب وأنا أشطر نفسي بين شخص عاش في المكان وآخر غريب يراه عن بعدبصر

كأني غفوت

كنت غريبا عن نفسي

كانت العائلة تأتي إلى البستان من التنومة كل يوم خميس لتعود في إلى التنومة عصر اليوم التالي.

والآن دفعتني إليه الشوكة والسكين

إذ

لم يبق من الخراب العظيم سوى هذا المكان، أما بصري فيفترض أن المشاهد التي اندرست كانت على وفق ماتصورتها من قبل!

تخمينات لاغير

وفي غفوتي التي طالت رأيت بياضا يأتي من بعيد.. يتخطّى إلي أخاديد الأرض من جهة الحدود. أعرفه ليس رجل الضريح المهيب الذي قلب السكين ووضعها على رقبتي في عاشوراء وصاح الله أكبر بل القادم الغريب. المهيب السيد جاسم نفسه يطالعه بابتسامته الرزينة، لم يتكلم بل يضع يده اليمنى على كتفي:

هل أديت نذرك ايها الاستاذ

أنتبه

أرفع بصري

فإذا هو السائق الذي عاد وراح يهزني برفق من كتفي فرفعت راسي أسفا على حلم ضاع قبل أن يتمّ ولعل السائق أحس بما يجول بذهني فقال كالمعتذر:

آسف استاذ قلت لي أن أعود بعد ساعة!

**

الفصل الثالث

في البدء كانت الشوكة والسكين

أظن أن حكاية طويلة عريضة بدأت معهما حالما فتحت الصندوق..

أرجع للتاريخ نفسه:

عام 1930 وربما قبل ذلك العام ببضع سنين قدم مستر دوسن إلى المكان ذاته. كانت عدما لا أحد يعرفها لا نخل فيها ولازرع. امتداد خاوٍ إلى الحدود.

فراغ

برّ تسرح فيه الذئاب وبعض الضباع

وخنازير تتمرّغ في مستنقعات ضحلة تخلفت بمحاذاة الضفاف من ماء ينضح تسرّب من النهر.

عندئذٍ

بنى القادم الغريب الوجه واللسان قصرا على بعد مرمى من الشط الصغير سماه الناس بعدئذ (بيت جوك)، كانت هناك بعدئذٍ غابة من االبرحي والحلاوي والساير ذي البلح الطولي والزهدي والخصاب.. غابة تسبح بالضوء وتردّ الحرّ اللاهب بظلال نخلها كانت هناك سواقٍ تجري مع المدّ، و يشخص بين النخيل برقوق وعنب وتين ورمان وعندما أزهر النخل وتلألأت عناقيده راح مستر دوسن يبع الأرض الواسعة التي زرعها في الفراغ..

من أين جاء بالنخل؟لا أحد يدري

ولا تعتريني الدهشة إذا عرفت أن والدي اشترى بستانا من مستر دوسن. رأيته وأنا صغير أجمل أرض. صديقتي النخلة القريبة من باب البيت الخلفي كانت فسيلة وقد كبرت وعانق سعفها سطح بيتنا القديم. حين غادرت البلد . من الغريب أني لم أر الشوكة والسكين حين كنت صغيرا في نهر جاسم. ليست هناك من مناسبة لأراهما بل سمعت من أمي وجدتي أن والدي بعد أن عقد صفقة مع مستر دوسن لشراء الأرض دعاه إلى مأدبة:

قاطعت جدتي بفضول:

لِمَ باع مستر دوسن الأرض؟

أراد أن يرجع إلى بلده؟

ويقول أبي: ياولدي الإنكليز أحسوا أنهم لن يبقوا طويلا في البلد ففضلوا تصفية ممتلكاتهم في العراق.

يعني عرفوا ستكون 14 تموز؟

الإنكليز دهاة يعرفون كل شئ

متى اشتريتها منه ؟

عام 1943

يعني قبل أن أولد بسبع سنوات والتفت إلى جدتي:

هل رأيت مستر دوسن؟

لمحته مرة أو مرتين وهو يعبر على حصانه إلى أرضه في (حسجان) قبل أن يبيعها كان طويلا نحيفا تكاد رجلاه تخطان في الأرض يتقي الشمس اللاهبَه بقبعته وكلما مرّ من أمام ضريح السيد جاسم رفع قبعته يحيي صاحب الضريح.

تضيف أمي بكلّ حماس:

صحيح أنه نصراني يشرب الخمر لكنه والحق يقال كان يخاف من السيد وقدم نذرا للضريح بعد أن شفى ابنته من الكوليرا.

لقد تطبع بعاداتنا هو وعائلته

أهل نهر جاسم يتداولون إنه نصراني الدين والهوى رؤوا قسسا يزورونه وأجانب يقصدون قصره، لكنه مسلم السلوك، والدين .. أخلاق رفيعة تنقص الكثير منّا نحن المسلمين. ماعلينا منه ومن دينه الم يبن لنا مدرسة ابتدائية في الدعيجي ووعد الأذكياء من التلاميذ والمتفوقين منهم ببعثات إلى لندن. وحين سألوا الشيخ إمام جامع العشّار قال إذا عاشرتموه اغسلوا الصحون بماء النهر الجاري وامسحوا مكان جلوسه بخرقة مبللة بالماء.

ذلك كاف لأن يزول معه كل دنس ورجس.

قبل الدعوة بيوم ذهب أبي إلى العشار اشترى شوكة وسكينا، لم يدع أحدا مع مستر دوسن وربما كان هو الوحيد من بين الذين ابتاعوا الأرض الذي دعا السيد دوسن إلى وليمة. جلس بسرواله على الأرض. تربع مثلنا .. كان أبي يمدّ يده إلى الطعام. ويرفع المستر دوسن الشوكة والسكين ويتمتم مع مضيفه بالبسملة.

ثمّ

بعدها

غسلتهما أمي والصحن الذي أكل منه بماء نهر المالح الجاري وكانت تبسمل!

**

الفصل الرابع

اكتشاف

ذات يوم، عبثت برفوف المطبخ فوقع بصري على الشوكة والسكين في الرف اليمين فوق حنفية الحوض أكاد من قبل لم أرهما، ولا أعلم أن ابي أو أمي استخدماهما. كنت أحيانا أعبث في درج المطبخ والرفوف ذات الأبواب المعدنية لعلني أعثر على قطعة حلوى أو فتات سكر .

حملتهما إلى أمي كأني عثرت على كنز ثمين:

شئ غريب في بيتنا.

هل تسلقت إلى الرفوف لا أظن أن هناك سكرا أوبعض حلوى

ماهذا؟

هذان اشتراهما والدك للمستر دوسن يأكل بهما.

تخيلته هذه المرّة شأني كلما سمعت باسمه، ولم تكن صورته لتثبت في ذهني بصيغة واحدة، مرة أراه رجلا أبيض ا شقرة يلبس الطربوش أو من حاسي الرأس، وفي كثير من الأحيان أتخيله راكبا حصانا أحمر بيل أبيض، وحين دعتني والدتي إلى الطعام، تركت الملعقة جانبا، ونططت إلى المطبخ أخرجت الشوكة والسكين وعدت إلى طعامي.. في القرية كاننا نأكل-شأن الآخرين- بأيدينا لكن العائلة بعد أن استقرت في المدينة اخذت تأكل بالملعقة. الاسرة كلها من دون استنثاء والدتي ووالدي يحنان إلى الأكل باليد. يريانه أكثر ثوابا بل الأفضل أن نمص أصابعنا. أثرت دهشة أمي فقالت:

هل أصبحت إنكليزيا ؟

وسخر أبي وهو يعوج فمه yes ok

ثمّ استغرق في ضحك طويل وعقب:

هم يمسكون السكين باليمنى والشوكة باليسرى يلتقطون بها الطعام

حولتهما كما قال أبي أما أمي فقد انحنت والتقطتهما من يده وهي تقول:

ايها المتنكلز كفى لعبا كل بالملعقة وإلا سيطير الطعام من بيتنا!

لا عليك أدرس جيدا وانجح بمعدل عال وسوف أبعثك إلى لندن إن شاء الله لتدرس وتعود لنا طبيبا أو مهندسا.

تضيف جدتي:

الله على كل شئ قدير يا عبد غسع وأنا أعينك.

ترى يا أبي لو بقي دوسن في نهر جاسم لكان يرسلني إلى لندن؟

تعلق أم ثانية:

 وأين هي المدرسة التي أسها في الدعيجي حالما باع البساتين أغلقت الحكومة لاوفقهم الله مدرسة الدعيجي وإلا لكان أخواك الآن في الثانوية..

وعقب الأب متذمرا

والله لولا دراستك وسهولة النقل لما تركت البستان هناك واشتريت بيتا في التنومة!

تضيف جدتي:

البركة فيك خسر أخوك الكبير المدرسة أنت وأخوك سمير (كان يجلس جنبها في أغلب الأحيان وتدلله أكثر منا لكونه الأصغر) فيكما شدوا حيلكم المدرسة قريبة من البيت.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى، فقد أعرضت عن الأكل بهما تأملت في قول أمي أننا نتناول الطعام باليد اليمنى اما مع السكين والشوكة باليد اليسرى فإنّ البركة تضيع . كنت أمثل فقط وأقلد الأجانب فقط أجلس ألعب مرة دور المعلم وثانية ضابطا هكذا أتخيل نفسي ومرة أخرى إنكليزيا في التمثيل نفسه الذي يلجأ إليه الأولاد بعض الأحيان أحول الشوكة إلى اليد اليمنى من أجل البركة وقد خرجت ذات يوم إلى الشارع فسألت اصحابي في بيت أيّ أحد منهم شوكة وسكين. لو قلت سكينا وحدها لأثار السؤال سخرية الجميع إذ لا بيت يخلو من سكاكين وقد اعترضوا جميعهم:

الشوكة حرام نعم حرام

فأجبت مفتخرا:

نحن لا نأكل بهاي لكن والده اشتراهما حين دعا المستر دوسن. في نهر جاسم إلى طعام غداء.

لكل جسد

ربعه الخالي...

تقطنه أشباح أحلام متسكعة

في غفلة من الليل

حينما يكون الصمت

سيد المقام...

لكل شبح قصة غرام

تزن بالحرف

صفحات من الآلام...

الروح

تسري به ليلا

إلى حيث النجوم

تقيم لهم عرسا

بإناث الأحلام...

وفي النهار

يُعلق في الأعالي

كورق مقوى

على جبل من صخر

تقابله شمس

من فوق صدى الجبال...

***

محمد العرجوني

05-9-2022

من ثقب باب العالم.

عيوننا للضوء ترتقب

على ومضات نوره

صغنا الحلم املا

نحيا الحاضر به

و لغدنا نعبر

صرير المفتاح

بباب مدينتي

يقتل كينونة الإنسان

قسرا بيادق الجسد

على الرقعة تنتقل

حشود من اللاعبين

بلا رايات أو خجل

يبحثون عن الأمل المجنون

لآلهة تنشر الحقد ثم تندثر

ونحن في ليالينا

تمضغنا الكآبة

و يقتلنا الملل

نستذكر الأموات

وأيامهم في حفلة الأجيال

حيث الدهور تنصرم

بلا حول ولا قوة

نفهرس اللعبة

ونفلسف المأساة

نكتة مؤدبة

كيمياء الحياة

حينما يزحف الموت

على أطرافه

بوقاره القديم

ليسخر من أقدار

الزمن الموطوء

وافعاله الممنوعة

من الصرف

***

أروى السامرائي

 

هَلْ يُصلحُ الخيّاطُ

ما مزَّقَهُ الذئابُ

والثعالبُ والضباعُ

والافاعي والكلابْ؟

وهَلْ يُصْلحُ العطّارُ

ما افسَدَهُ الخائنونْ

وطغاةُ القَهْرْ

وزُناةُ العَصْرْ

وصُنّاعِ الحرائقِ والخرابْ

وتجّارُ العروشْ

وخرفانُ الكروشْ

والحروبِ والذنوبْ

والرؤوسِ والكؤوسْ

والآراضي البورِ

والوطنِ اليبابْ

والمُشعلونَ حروبَهمْ

والشاهرونَ نيوبهمْ

والنافثاتُ سمومهنْ

حتى يُمَزّقوا

جلدَكَ الكوني

وكلَّ الخرائطِ

وأديمَ أَرضِكْ

أَيُّها الوطنُ الجريحُ

بلا أَحدْ

وأَنتَ تحملُ فوقَ ظهرِكْ

بلداً على شعبٍ

وشعبٍ على بَلَدْ

ولالالالالالالالالالا

لالالالالالالالا أَحَدْ

**

ماذا تبقّى منكَ

ياآبنَ الرافدينْ؟

سوى الخرائبِ ْ

والضحايا والمصائبْ

والسبايا والعرايا

وكلُّ شيءٍ

فيكَ شاحبْ؟

**

لمَ انتَ ترضى

ثُمَّ تصمتُ

ثُمَّ تخنعُ

ثُمَّ تركعُ؟

ياااااااااهْ

يا أأأأنتَ

ياشعبَ العُلى !

يا ااااااااهْ

يا أأأأأنتَ

يا شعبَ الذُرى !

يا شعبَ بابلْ

وشعبَ سومرْ

وشعبَ أورْ

وشعبَ آشورْ

وشعبَ جلجامشْ

وشعبَ تموزْ

وشعبَ علي

وشعبَ الحسينْ

وشعبَ العشْرينْ

وشعبَ (كريمْ)

وشعبَ المقتولينْ

وشعبَ الشهداءِ

وشعبَ القدّيسينْ

وشعبَ البؤساءْ

وشعبَ المغدورينْ

وشعبَ المنفيينْ

وشعبَ النازحينْ

والهاربين والجائعينْ

يااااااااهْ

وآآآآآخْ

ياشعبي الحزينْ؟

**

يااااااااهْ ياربي

آآآآآآآهْ ياشعبي

آهِ لو تدري

كمْ أَنا حزينْ

وعليكَ يوجعُني زماني

وعليكَ يذبحُني الحنينْ

**

ماجدوى الحزنِ إذاً

وماجدوى البكاءِ

والنحيبِ والأنينْ؟

في العالمِ النَذْلِ القبيحْ

ومقابرِالموتِ اللعينْ؟

**

ها أَنا الآنَ اسألْ

ها أنا الآنَ أصرُخْ

ها أنا الآن أنْحَبْ

وأعذروني سَلَفاً

فأنا منفعلٌ

وأَنا مُنْزعجٌ

وأنا مُرْتبكٌ

وانا مُضطربٌ

حدَّ الصراخِ والجنونْ :

لمَ هذا الصَمْتْ؟

أَينَ راحَ الصوتْ؟

من حناجرِكمْ

وأَيْنَ هوَ الضميرْ؟

لِمَ ترضونَ بهذا الضيمْ

والذلِّ العظيم ْ

والجوعِ الحقيرْ؟

لمَ؟

لماذا؟

الى مَ؟

الى مَ تبقونَ جوعى

في الحياةِ الفاجعةْ؟

الى مَ تبقونَ موتى

في البلادِ الضائعةْ؟

***

سعد جاسم

2022 -9 -1

 

بَينَ المَتخومِ والمَحرومْ

مسافةً طولها

يُعادل

ألفَ أمنيةٍ صعبةِ

المنالِ

*

والف

نَوعٍ منَ الطعامِ

المتروك على' الموائدِ العامرة

التي لا يُشتَهىٰ منها

اِلا

ماكانَ حَديثُ العَهدِ بهِ

لِكَي يُأكَلَ مِن أطرافهِ

قليلاً فَيكتفي

مِنهُ المَتخومُ

*

يـاتُـرىٰ

كم هيَ المسافةُ

بين المائدتين؟

على' وحدة قياس الشَبعْ

في الحد الأدنى'

منه !؟

*

اِذا عَلِمنا أن مائِدةَ المَحرومِ

تَتَراوَحُ مابَينَ الكَفافِ

والكفافْ

***

بقلمي: فاضل الجاروش

8/8/2021

وأخيرا وصلت أم خالد إلى ضفة الوطن الممتدة من القلب حتى القلب.

بينها وبينهم أسلاك شائكة وفضاء أمواجه أشواك جامحة.. وجنود قدت قلوبهم من صخور الحقد والبغضاء والكراهية. لا أحد يقدر على اعتقال النظرات والإشارات وهي تخترق أسلاك الموت وحقول الألغام ضاحكة.. مقهقهة.. ساخرة.. شامتة.. نحو الضفة الأخرى...

اليوم عيد النصر.. ها قد فر العدو بقضه وقضيضه تحت جنح الظلام من أرض الجنوب الصامد. قالت أم خالد:

- اليوم الجنوب.. وغدا فلسطين..

و انطلقت زغاريد النسوة مرفرفة في عنان السماء، كأنها سرب من القطا. لتعانقها زغاريد. عند الضفة الأخرى من الوطن المغدور..

خمسون سنة والقلب يكتوي بجمرات الفراق. ما أبشع الحقد.. بضعة أمتار فقط. تتسرب يدها من تحت الأسلاك الدامية.. تلامس التراب بأناملها ثم كفها. تشتعل في أعماقها رعشة. يهتز جسدها. تزلزلها اللحظة وينهرها ذلك العسكري القذر قذارة الخنزير البري. يهم بالدوس على يدها بنعله النجس ويردد وهي تضغط بجمع أصابع يدها على أديم الأرض:

- اسحبي يدك من أرضنا..

لكن يدها مازالت ملتصقة بكومة التراب.. تحاول أن تأخذ حفنة لتقبلها.. أو تمضغها كما يمضغ الصبيان التراب على حين غفلة من أمهاتهم..

- اتركي التراب في مكانه.. لا تسرقي أرضنا..

و تزداد يدها التصاقا بحفنة الثرى.. هي خمسون حولا لم تلامس التراب المسك..

استبدت بها الأشواق إلى ظلال أشجاره، ومزنه الحبلى، وشموسه المعسولة المضمخة بلون العزة والشهامة..

تسحب يدها خشية أن تدوسها أرجل الغزاة.. ودموع الفرح القادم تتناثر على الأسلاك المميتة كحبات عقد انفرطت من سلكها.. تلوح بيدها إلى من في الضفة الأخرى. لا العدو الغازي.. ولا الصديق الخائن يقدر على كبح الأحلام الخالدة.. أو بت حبال الروح المشدودة بصخور بحر عكا.. خمسون سنة وجذور الوطن الغالي تمتد في سويداء القلب.. لا أحد على وجه الأرض يقدر على إيقافها.. إنسا كان أم جنا..

يا لروعة المشهد.. حملتها أشرعة الحنين إلى ضفة الوطن لتشهد بزوغ فجر جديد على أرض الجنوب وتزغرد.. وتنشد ملامح البطولة ومواويل النصر.. وتردد بملء فيها: - قفي أيتها الهزائم والنكسات، وارحلي عنا إلى الأبد.. وترى رؤية اليقين كيف تطمر الأيادي القوية البيضاء، والجباه المرصعة بالإيمان العار إلى مثوى الجحيم، وتعيد الروح إلى مواطنها..

بينها وبينهم خمسون سنة من المأساة والحنين والشوق.. كان قطار العمر عند محطة العاشرة..ليلتها كانت عكا آمنة مطمئنة.. مستلقية بين أحضان نسمات البحر.. وزرقته.. تداعبها أمواجه كطفلة تعشق الدلال.. وفجأة أطل الغدر والحقد كالجراد.. وأبلى أهلها خير البلاء.. كروا وصبروا. جاهدوا حتى الرمق الأخير. كانت عدتهم غير كافية. استنجدوا. طلبوا المزيد من السلاح لكن استغاثتهم تاهت في فجاج صماء بكماء.

ليلتها اغتصب آل صهيون براءة عكا الآمنة.. أعدموا.. شردوا.. وعذبوا.. كانوا يحملون أطنان الحقد والانتقام.. ألقوا أوزارهم على صدور عكا.. كأنها حائط مبكى.

هي صور الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ.. وأزيز الرصاص.. وصرخات الصبيان وأنين العجائز.. وبرك الدم.. وآهات الجرحى.. كلها مازالت منقوشة في هرم الذاكرة... مازال بيتهم القديم منارة شامخة في سويداء قلبها.. اقتلعها آل صهيون من حضنه عنوة.. وحقدا..

و تلوح بيدها لعلها ترى ابن عمها. ذاك الذي أحبها وأحبته في زمن كان فيه الحب خطيئة عقابها الشنق.. كانا عصفورين على شاطئ عكا.. يذهبان إلى المدرسة ويعودان معا..

عصفور.. وعصفورة.. من أجلها خاصم.. وقاتل وضرب..و ضرب.. ولطم ولاكم. وعفر ملابسه بالتراب. هاهو يلوح بيده انه هو.. عرفها وعرفته.. رغم كالحات الليالي. لم تزل صورته كما هي. لونه كلون عكا لم يتغير قط. الوقفة وقفته. عيناه سوداوان.. وخصلات شعره الرملي المجعد.. إنه هو رغم فصول العمر التي انقضت وأفرزت الشيب والهرم.

هاهو ينتصب أمامها خلف الأسلاك.. والألغام ونظرات الحقد والموت. تود لو تقترب منه. خمسون سنة بكل لحظاتها المرة. ماذا تحكي له؟ جعبتها ملأى بالأتراح.. ويوميات المخيم القابع داخل أسوار المنفى.. هزائم تدفع هزائم.. والمنافي تجر المنافي. وعكا ساكنة في أعماق الجوانح..

تود لو يحكي لها عن بحر عكا وشاطئها الصخري وقفزاته من أعالي الصخور نحو اللجة تارة على قدميه وتارة على رأسه..

هل ما زال يجيد السباحة.. ويسبح في عرض البحر حتى يصبح كنقطة فوق موجة. كم تخشى عليه من الغرق وسمك القرش. لكن ذراعيه كمجدافين.. مما جعل أترابه يلقبونه " بذي المجدافين "....

تود لو يصف لها كل شجرة وحجر في عكا.. عن بيوتها القديمة وجدرانها وقرميدها الأحمر ونوافذها المقوسة وأبوابها المنقوشة من أشجار الجوز وحدائقها المعبأة بزهور الياسمين والحبق والنعناع وأشجار الليمون والبرتقال والتين والزيتون وأرجوحة الصيف والظلال الوارفة...

تود لو يحكي لها عن أسوار عكا وحمائمها وعصافيرها.. عن مطرها وبردها وعواصف شتائها ونسائم صيفها. عن حبات رمل شاطئها. عن فضائها وسمائها.. عن رجالها ونسائها وأطفالها عن كل ذرة من تربتها المسكية.. مشتاقة حتى النخاع إلى رنة صوته النحاسي.. هاهو يلوح بكلتا يديه. أحنت الخطوب ظهره.. كنخلات عكا،، التصق محياه بأديم الأرض.. رمقها ذلك العسكري كمن يتوعدها.. يتمنى لو يمنع النظرات والتلويحات من التواصل والتعانق.. لكن هيهات.. ثم هيهات.. لن يقدروا على كبح دموع الفرح والأشواق واعتقال الأمنيات، وأسر الأحلام الخالدة. هي حبال العودة معقودة بصخور عكا.. وجذور الوطن الغالي مطمورة في سويداء القلب المحفوف بأجنحة العشق الملائكي.. لتذهب تلك الأسلاك إلى هوة السعير.

يا لجنون اللحظة..

مازال هناك واقفا. تقترب منها تجاعيد وجهه الوسيم البراق.. ونظراته الثاقبة المضمخة بروائح الزعتر والزيتون..

خمسون سنة من حرائق المنفى صامدة كصخور عكا.. ما زالت منمنمات حناء عكا وشما على قدميها. وحفنة التراب لا تغادر وسادتها منذ تلك الليلة النحس.

خبأتها في صدرها وهي العصفورة الصغيرة، الطرية البريئة، المجني عليها.. كما تخبي العجائز الأشياء الثمينة. تشد على يد حفيدها.ترفعها إلى الفضاء، فتعلو اليد فوق الأسلاك الدامية، وقبعات العساكر، وعيون التماسيح. تردد وهي تطلق العنان لنظرة لا متناهية:

- من هناك الطريق إلى عكا..

ترتسم على شفتي الطفل ابتسامة معجونة بطعم العسل وعطر الياسمين.

- احفظها جيدا.. وانقشها وشما على ناصيتك. إياك والنسيان ياكبدي.

وهز الطفل رأسه، وهو يلوح بيده كعقاب نفض جناحيه استعدادا للانقضاض على فريسته.

مازالت الأيدي تخنق الأسلاك اللعينة.لكأنها صارت امتدادا لها. تود لو تفتتها وتعيدها إلى سيرتها الأولى.

- كيف حالك ياابن العم..

- اشتقنا إليكم ياابنة العم..

وينتابها إحساس غريب. الأسلاك تستغيث. تصرخ ولا يسمع صراخها إلا هي. سئمت رائحة الغرباء،استحت من صوفية الأيادي الملائكية. تريد التحررمن قبضة الزمن الأسود

- احذري الألغام ياابنة العم.

- سنزرع مكانها أزهار القرنفل والياسمين

وتلوح وتلوح أم خالد بيدها المتعبة.. هم أهلها..و جيرانها وأترابها.. خمسون سنة من علقم المنفى. لم تمح ملامحهم من جدران الذاكرة. كيف ينسى التراب لونه ؟

تقول لحفيدها المعلق من عرقوب الدهشة:

- ذاك خالك، وتلك عمتك، وذاك الشيخ جدك، وفلان جارنا، وذاك فتى عكا، ذو المجدافين و..و..و..

وتسترسل في سرد قائمة العقد، ورياح الشوق تزجي مراكب الحنين نحو الضفة الأخرى

- ومن أين طريق القدس يا جدتي ؟؟؟

- هي نفس طريق عكا يا كبدي.

أشار لهم العساكر بوجوب الانصراف، والابتعاد عن الحدود. تحركت الأجساد في الضفتين بعسر. أقدامها وأيديها وعيونها لا تبغي عن المكان حولا.رأته يلوح بيده إيذانا بالانصراف.

- سنعود غدا ياابنة العم.. سنعود غدا.

تمنت لو أن شمس الأصيل تبطيء قليلا لعلها تشفي بعض غليلها. يداها مازالتا معلقتين بالأسلاك الشائكة، وعيناها ترنوان بعيدا بعيدا. شعرت بقوة خارقة تدفعها نحو الجنوب، وصوت قادم من الضفة الاخرى

- اليوم حررنا الجنوب، وغدا القدس، وكل فلسطين.

{تمــــــت}

***

بقلم: الناقد والروائي: علي فضيل العربي

منذ طوفان جيناتهم الهجينة على منابع وطني، وأنا أذود بجيد التوسل لوعة رحيل، تخضرمتُ بكهولة قدري تسابقت لهفتي لوصال المدافن، هاربة فلذات صداي من أروقة الندى لشتاء عتمة،  فلا ملاذ يا أبي لأساوري البيض إلا تحت ردائِكَ الملائكي بفوضى دموعي، وأنا أراهم حثيث قنافذ عاصفةٌ النبض مبعثرة زفيرهم القاني، يمدُّ صدأَ شخيرهم أشرعة عقائد مبتورة التماس برؤى وجودي، يغزل حبل انتمائهم المفتعل نسيج توهم. حينها كانت أمي تتذوق عنا شهية السنابل المندرسة بوطيء اليباس، تعتذر منها لعنة السبات المخذولة الطين :عنوة احتطابنا، كنا نجثوا على قراطيس أحلام، نحتسي الهواء رحيق الأمل، يدثرنا والدي بدفء معوذاته، فتهمس بسماته: سنصحوا بقبلةِ ربيع الغد، علنا نغفوا بقميص الأمنيات ويقدح الانتعاش فجر يضوع، غير أن صهيل الشُتات ضوضاء مباح، والأُماني هزائم روح تتهجى البراءة .فمنذ مُلمات تصحري ونيف غزوات، ووجه فراشاتي عارية الألوان، تكسرت مرايا كحلها بإزميلهم المعتوه، تخترق غلالة أيامي هياكل وأشباح معفرة بأقنعة السواد، تغص كؤوس شهواتهم قرابين نزاع، آه لقلب ترابي متخبط بدم الأنامل يدون جروحه رائحة حنين، تغط عيون أحلامي على أسوار كف الانتظار، معتكفة أرجوحة تعدد الغياب ، فكيف أفارق جدران سكنتها أسماء الوداع، تختلط أطيافهم المعتدة بهذيان حزن الكنائس، وفوحان دموع صلوات المنائر، اصرخ: بهيفاء حقولي المخضبة المآسي بتجديد عقيم الحواس، إذ لا مطرقة تلوِح لسنديان عرفان، فيبرق عويل مدني: لِمَ تسرقوا صوت ألواني بنهم القبور؟؟، بوهم تصدعكم أذ (لا عمرا يذر ولا قطراً يدر، كي لا يحيى زيدا ليشد أزر عمرا..!!)، إلى متى تسكنوا ضياح ضياعكم ؟؟، يا أأأيـــــــــها المسافر بمفاصل خارطتي :مطفأة ذاكرة خطاك بتاريخ مهترئ، فذاكرتي مشكاة خلود مجندلة بطيف دهشة التساؤل، كلما راودتني خطاياكم المزمنة أقارع التحدي بصفوة الهشيم، حتى لا تتغرغر شهقتي الأخيرة بقوقعة متاهاتكم، فنشيج حطامكم مؤونة أرملة سوداء تلتهم صُلبَ عقوقها بنهم عداء قبل تطوع الخيبة بمبالاة لوم صغارها، وأِن مضخ الجوع أضراسه في واحات ملح صدئة من ضمور حيائكم، سنشد على قلب بلادي عزائم ود منتشية الأوتاد، ها أنا اسمع دلالكم المقلوبة تئن خلاخيل أوجاعها بخيامكم المائلة عناقيد رئات موبوءة النسب، لا قهوة لمضايف العرب، فتيمموا رؤوس العباد واشربوا صهير الزبد .

***

إنعام كمونة

عمت مساء

ايها الجائع القابع تحت عمود الكهرباء

ترسم خبزا فتلتهمه اقدام امرأة  تمرّ على عجل الى عملها الليليّ

ترسم سمكا فتنقضّ عليه قطط الشّارع

تمتلأ روحك مواء

ترسم املا فينطفئ ضوء الحاكم يسقط القلم من بين اصابعك

و يجهش الرّصيف بالغياب

*

منذ متى و أنت هنا

تقشّر الحياة  لترى كنهها؟

*

منذ متى و أنت تسافر لتترك الأثر في الطّرق الجانبيّة لهذا العالم الفذّ

فتنطلي على الأرض حيلُ الوصول

*

كنت ترتل آيات  بيّنات من كتاب الوجع و تحل ضفائر الشّمس على ضوء شمعة عندما تهاطلت الألوان في ذاكرتك و لبست اللّغة حزنا مطرّزا

يرافقك في السفر

*

تعود الآن من طريق هي امامك

لترتّق وقتا  سيقطّع البؤس اطرافه

و تنتظر ما مضى

***

امال جبارة / تونس

 

وحوشُ الغابِ مَطلوقٌ شَراها

فلا تَعْتَبْ على شَرَهٍ حَداها

*

بها دولٌ مُكَبّلةٌ ببَعْضٍ

تُسيِّرُها كما شاءَتْ رؤاها

*

عَجائِبُ خلقِها ناءَتْ بقَهْرٍ

ومِنْ وجَعٍ إلى وجَعٍ خُطاها

*

تَعذَّر عَدْلها والظلمُ نَهْجٌ

وقانونٌ تُترْجمُهُ عُتاها

*

وإنّ الدينَ مَرْهونٌ بكَسْبٍ

وتَخنيعٍ لِمَنْ رَهَنتْ نُهاها

*

فلا عَقلٌ بدائرةِ التَعادي

ولا حُلُمٌ يُعالجُ مُهْتواها

*

كَساجعَةٍ على أيْكِ ابْتهالٍ

تُخاطبُ مَن تَداعى في رُباها

*

قويٌّ عادلٌ والجَورُ عَدْلٌ

وبُرهانٌ لطاغيةٍ دَعاها

*

تُعلمُنا الحَوادِثُ ما أرادَتْ

وتَرْهَننا بمَجْهولٍ قِواها

*

وتَسْجُرُنا بتَنّورٍ لهوبٍ

وتَمْحَقنا فَهَلْ بُتنا غَضاها

*

حُروبٌ في مَواطِننا اسْتقادَتْ

وحَفَّت عالماً يَخْشى ضَراها

*

مَتاهاتُ البرايا دونَ حَدٍّ

تَسيرُ بها وما ألقتْ عَصاها

*

وما وَصَلتْ لأرْصفةِ انْتشالٍ

ولا غَطسَتْ بأعْماقٍ مُناها

*

على أفقٍ من الوَيلاتِ دامَتْ

يُوشِّحُها بداميةٍ مَداها

*

فَهلْ جلبَتْ لنا خَيْراً وفيراً

وهلْ بَرزتْ وما أغْرَتْ عِداها؟

*

تَصيّدَ غادرٌ بديارِ غَفلٍ

حَبائلهُ أصابَتْ مُبْتعاها

*

شرائعُ قوةٍ فَرَضَتْ مُراداً

وأوْقعَتِ الخَطايا في أساها

*

تَشرْنَقَ واعِدٌ وهَوى خَبيرٌ

وكُلّ صَغيرةٍ بلغَتْ سُعاها

*

تُلازمُنا عَقابيلُ امْتِهانٍ

وتَدْفَعُنا كما رَسَمَتْ حَجاها

*

على وَطنٍ بهِ الأوطانُ ضاقتْ

عَفاريتٌ تَداعَتْ فاحْتواها

**

د. صادق السامرائي

25\7\2022

 

أريدك ان تحبني بشيء لا يشبه الحب

بمفهوم اخر وبمخيلة أوسع

تفر منه الى نحوي بمديات أعمق من البعاد

تلهب الضوء في داخلي، تملأ به جميع خلاياي

ان ترغبني بشيء لا يشبه الرغبة

ان تمسني كما الأشياء الممنوعة من المس

لأبعد مما ينبغي وأقصر مما تتصور

النهار وذلك الصيف الحار

لك ان تجمع خيوط الشمس المتحررة من راحة يدك

تكورها ولفترة أطول وقبل ان تسيل حمم بركانك

بين شقيه والنافرات بلا كلل على صدري

ان تحبني بشيء لا يشبه الحب

وتلعق الشمس من على شفتي

***

رغيدة العلي

 

غذيتُ في النفسِ أملًا، وهذَّبتُ صوتي الغافي في حِنجرتي قبلَ أن أسمعهُ، كلّ تلكَ المحاولات كانت توأم ليالي السُهد، كلّما هَبَطَ الليلُ عَرَّيتُجنون عالمي من قوانين العالم المجنون.

خَلَّفتُ ورائي كلَّ تلكَ الحصارات المترصدة المُنتَهِكة صفو ذهني، حَدَّقتُ في الفراغ قائلةً: ألم تَعلمي بأنَّ الله يرى…

لمحتُ من نافذة ذاكرتي فاتنةً سمراءَ أذاقتني الحُلوَ من مُرِّها، وبِقَدرِ إنكسارها علمتني الصّمود، عالمُها النوراني أخجلَ الضجيجَ من حوليوصمتُها المُنبعث من صمودِها صرخةٌ بوجهِ طاغٍ ظنَّ أنه عفا.

للعُظماء أحلامٌ تختبئُ خلفَ ظلالهم، وقُدُراتُهم شمسٌ على الجِباه.

**

- المحجر

أحمِلُ أثقالًا فوق أثقالي، وذاكرةً لا تُشبه الفصول إلا في خريفها.

أعودُ للوراءِ خطوةً،  فأراني جُثةً منحنيةً على الدّوام، ولا مُبررَ للإنحناء سوى عادةٍ شببتُ عليها، وذنبي الوحيد أننّي أحيا في زمن العبيد.

ورثتُ من سُلالتي الجوعَ، الطين والصمت مقابلَ أنذالٍ تَطغى تحتَ مُسمى النبلاء.

الخُبز اليابس وسيلة بقائنا والقرّ والحرّ طريق مُعبدة تقودك إلى الموت في رُكن مَنسيّ…

**

- دُعابة

بدأ الحديث على سبيل الدُّعابة وانتهى بغضب !

كيف لك أن تَزحفَ في الظلام وأنتَ تُرخي ظلالك تحت هذا النور؟

كيف لكَ أن تُداعبَ الطفلَ في ذاتي بمهارةٍ وأنتَ تَضمرُ كلَّ هذه العتمة؟

كيف لكَ أن تَطغى وكلُّ من حولكَ حُرٌّ؟

أيها الطُغاة: كلَّ فناجينكم الضيّقة بزوابعها لا تألفها الرّوح ولا الحياة ولا الامتداد.

أكثروا  ما شئتم أثقالكم، فلنا ربّ الصّمود.

***

هناء شوقي

 

(أولى سنوات العصف)

"هل والدك متآمر؟"

سؤالٌ يواجهني به زملائي في المدرسة، يتسرب إليهم مما يسمعونه في غفلة من ذويهم، يباغتني مثل صفعة مدوية تحط على خدي، لا تترك لي مجالًا للحراك أو الرد بكلمة، فقط يتجدد كل شيء أمامي، كما لو أنه يحدث للتو، ومن ثم يعود ليتمثل في وجه والدي، آخر صورة تم التقاطها له بالتحديد، كان في كامل أتاقته التي تلفت الأنظار دومًا، يتأكد من مواءمة الألوان وتناسقها، البذلة مع القميص وربطة العنق والجَورب والحذاء، يضع عطرًا نفَّاذ الرأئحة، فيبدو لي مثل أحد نجوم السينما في الأفلام التي كنت بدأت مشاهدتها برفقته، إن سمح لي بالسهر معه حتى ساعة متأخرة من الليل.

أجمد في حضنه داخل الصورة، بوجهٍ ذاهل عما حوله، يظل يطاردني شروده وأنا أكاد أتفجر من غيظٍ أخرس لا يهب طفلًا دون العاشرة من عمره فرصة النطق بحرفٍ واحد، فكيف لي أن أرد على تهمة يتحير بشأنها الكبار، وتظل الكلمات تتلجلج داخل الأفواه قبل أن تؤول كل الأصوات إلى الصمت المتخوف من الإفصاح بما يثقل الأنفاس ويدب الرعب في القلوب والأوصال، من الثرثرة غير المجدية، وإن كانت لا تعلو عن الهمس المتواري خلف الأبواب، الأبواب التي صرنا نتأكد من إيصادها كل ليلة ونحن على يقين إن كل الأقفال لن تصد شيئًا من الريح العاتية التي ستظل تعصف بنا طويلًا طويلا.

تطغى على دوي قذائف الحرب المتخطية جبهات القتال لتهوي نحو المدن مسلوبة الإرادة، ألبستْ أغلب الرجال البزة العسكرية وأمسكتهم الرشاشات، أبصرُ أصابعهم وهي تكاد تلامس الزناد، تطلق رشقة هنا وأخرى هناك، رشقات تقتل الأعداء على الحدود الشرقية، ورشقات تنفذ في صدور الرفاق، تنخر أجسادهم أمام ضحكة عربيدة تزهو بفرحة الانتصار بعد حربٍ مضمرة ظل (الرئيس المناضل) يعد لها جيدًا على مدى سنوات، ربما سبقت قيام آخر ثوراتنا المجيدة.

دومًا كنت أجد تلك الرشقات النارية متزامنة مع بعضها، أو بالأحرى متواصلة، إحداها تسترسل من الثانية، ومع توالِ البيانات العسكرية زحف السواد على أجساد النساء من مختلف الأعمار، وكأنهن يشاركن في الحزن على والدي ورفاقه، وبمباركة سيادية من قيادة الحرب التي أمرت بتنفيذ أحكام الإعدام في منتصفف شهر المغفرة والرحمة، مفارقة عجيبة لم أفهمها، لعلها بلا معنى وليس لها أي أساس سوى في عقل صبي يتعلم أحرف الأبجدية لتوه، وقد تكون مثار سخرية الكبار إن سمحتُ لها بتجاوز عتبات الصمت، إلا أنها ظلت تستملك ذهني الذي اجتهد في الربط بين الأحداث ونسج الكثير من الأخيلة المخيفة المتأتية عنها، تسطو على حكايات يصعب إدراكها ووجه والدي يتموج في خاطري ما بين قرب أشعر بعبق حنوه وبعد يكاد يخفيه عني للأبد، تحت التراب كما أخبروني، منذ ذلك الوقت أيضًا بدأت تراودني هواجس الموت وألغازه عصية الحل على كل من لم يدركه بعد، مهما تفقه في الدين وتقرب من الله، وبدوري صرت أتقرب من الله ما بوسعي، عسى أن يزرع في قلبي السكينة والصبر على غيابٍ لا ينتهي مهما امتد بي  العمر، والأهم من ذلك رحت أتضرع إلى الله أن يدفع عني ولو بعض الرعب الذي صار يطاردني حتى وأنا بين جنبات النوم، أتوجس من اقتحام رجال الأمن المنزل مجددًا كي يوالوا التفتيش دون أن يهملوا جارورًا أو صندوقًا صغيرُا، وإن كان صندوق اللعب التي كان والدي يحب مشاركتي أوقاتي المستمتعة ببعثرتها من حولي، رغم كثرة مشاغله وسفرياته من أجل تحقيق أهداف خبت مع وهج فرحي الطفولي، فصرت أردد الشعارات المفروضة علينا في كل درس دون وعي، وفي داخلي غصة ممزوجة بسخرية مقيتة أحرص ألا تثير انتباه زملائي ولا أي من المعلمات.

ظللت في تلك السنوات أسير رعب ما حصل وما يمكن أن يحصل، قد أنهض مفزوعًا في جوف الليل ومشهد ومض الرصاص المتتابع يوالي هديره في الظلمة المخترَقة بوهج القصف المستمر مع بدء كل غارة، تعلن مقدمًا عن المزيد من الموتى دون تمييز، بل ربما تسلط نيرانها على المناطق السكنية أكثر من المنشآت العسكرية، ترج قلبي أكثر من اهتزاز الجدران التي تتهددنا مع سقوفها بالسقوط فوق الرؤوس، فتزداد الوجوه جهامة وحزنًا، توجسًا ورعبًا وشرودا، وتتطاول مخالب الصمت.

صمت تتضاعف وحشته عند ذرف الدموع والتواببت الملتفة بالأعلام لا تكف عن التوافد نحو المقابر، لكن جثمان والدي لم يلف بعلم ولم يُسمح أن يقام على روحه مجلس العزاء، رغم أنه أحب البلاد كثيرًا وضحى من أجلها قبل أن تدركنا أزمنة الحروب بعقود، لذا شعرت بالغيرة من صديقي إثر أستشهاد والده في أحد ميادين القتال فتم تكريمه خلال تحية العلم، حيث ألقت مديرة المدرسة كلمة خاصة لأجله، بينما كان هو يقف إلى جانبها متفاخرًا بالبزة العسكرية التي يرتديها، وكأنه كان قد فصلها واعتنى بنظافتها وداوم على كوائها استعدادًا لتلك المناسبة، يعلِق على جانبٍ من صدره نوط الشجاعة الذي تسَلمه أحد أفراد عائلته من الرئيس شخصيًا، مع ابتسامة أخذت تتسع يومًا تلو الآخر، في كل مكان، في صوَره المعلقة أعلى السبورة أمامي، تجبرني على التمعن بملامح وجه قاتل والدي كل درس، في الشوارع والساحات وكل المحال، بل وفي الكثير من البيوت أيضًا، لكنني عودت مخيلتي أن أضع مكانها صورة أبي ذات الشريط الأسود في كل مكان، دون أن أترك أي شخص يتنبه لِما يذهب إليه تفكيري طبعًا، فقد تعلمت جيدًا ألا أظهر ما أخفي أمام أي كان، وأن أسامح نفسي، وأطلب من والدي أن يغفر لي ما أسَطره في مديح القائد ضمن كل موضوع إنشاء، حتى لو كان عن حضارات العراق القديمة، عندها أبصره ينظر لي وكأنه يطمئنني أنه لن يفشي سري لأحد، لئلا يصل ما في نفسي إلى مسامع المتسيد على عموم البلاد، رفيقه القديم الذي ضحى به وبكثير من القيادات في محراب السلطة ما أن تسلم صولجان الحكم، وصار صاحب الكلمة العليا والوحيدة، منذ أن كشف عن مؤامرة شاركت فيها شخصيات معروفة في الحزب والدولة، معظمهم أقدم منه بسنوات في صفوف الحزب.

أخبارٌ ومعلومات كثيرة أخذتُ أسترق إليها السمع من هنا وهناك، إلا أنني لم أستطع صياغة حقيقة واضحة المعالم من فحوى الحكايات الصادمة والغريبة تلك، والتي عرفت فيما بعد أنها ترسم خطوط مرحلة مهمة من تأريخ بلد بأسره، وأنها ستظل تتردد في الأسماع لحينٍ طويل من الزمن، قد يستغرق عمري كله، بل أن أهميتها ستبقى في تزايد، تثير الكثير من الجدال والتساؤلات بين أجيال مختلفة، ومن جهات عدة، في الداخل والخارج، لتظل علامات الاستفهام والتعجب الملتاثة بعصف الذكريات تترنح من عامٍ لآخر.

الخوف من القادم، ومن كل شاردة وواردة، بالإضافة إلى الشعور المتجدد بمهانة الظلم المنبعث مع كل موقف حياتي، يجعلان الإنسان يفقد طمأنينته وثقته بالحاضر والمستقبل، وكأن شيئًا منه آل إلى مرحلة الشيخوخة وهو ما يزال في عهد الصبا، حتى أنني صرت أجد بعض تلك الطمأنينة في أجواء القصف وأهوال الفزع الجاثمة على كاهل المدينة في ليالٍ لا ندري أيها ستنتهي آجالنا خلال ساعاتها المظلمة قبل أن يغشاها شروق النهار، أطمئن للرعب الجماعي الذي يتراجع أزاءه خوفنا الممنوع من الجهر، وإن كان على سبيل الفضفضة، ننفث معها بعض حسرات القهر المتطاول عبر الملاحقات الأمنية والاستفسارات عن كل شيء يخص الوالد، كما لو كان على قيد الحياة، والقائد الهمام يسعى لتتبع أخباره وأخبار تحركاته بأدق التفاصيل، أو أنه يريد أن يواصل انتقامه من خلالنا، ومن خلال الأقارب حتى الدرجة الرابعة أيضًا، لعل أحدنا نفذ من مصيدة العقاب التي يجب أن تطارد كل متمرد، وإن لم يبدُ ذلك على أي من تصرفاته، فتعاوده تلك الفرحة (الرئاسية) المزهوة بالظفر لتؤكد له خلاصه من كل قيود الماضي التي كانت تضطره إلى مداراة شراهته لسطلة لا تقف عند حد، ينتصر بها للطفل الذي ظل يسكنه شقاء نبذه من الدنيا، حتى بعد أن صارت مصائر الملايين مرتهنة بإشارةٍ بسيطة منه.

رحت أتوجس كثيرًا من فكرة اللاقطات والكاميرات الموزعة في جميع الغرف، ربما زرعوها خلال فترة طردنا من البيت، فإن خرجنا تتبعنا سيارة مخصصة لمراقبة تحركاتنا في كل مكان، كما لو أن القيادة بكل سلطاتها المتوغلة في بطون البلاد تترقب نوايا عائلة تتلفت من حولها في كل خطوة وكلمة وإيماءة، فيعاودوا وضعنا تحت الإقامة الجبرية لمدة لا نعرف أمدها ولسبب ليس لنا أن نسأل عنه، فعائلة (المتآمر) لا حق لها في شيء، فقط عليها الانصياع إلى الأوامر في إذعانٍ لا بد من استمراره، بل مضاعفته في بعض الأحيان، ضمن تصفية حسابات عقد نقصٍ وأحقاد بددت كل حلمٍ راود رفاقه بمنأى عن طموح ال (الأنا) العظيم.

الديكتاتورية مفردة أخرى تضاف إلى (معانِ الكلمات) التي كنا نتعلمها في دروس القراءة، بالإضافة إلى مفردات غامضة ضبابية لم تكن لي القدرة على تحديدها، مثلها مثل الفرٌاش الذي نرقبه يتطاير من حولنا، نحاول القبض على أجنحته مبرقشة الألوان بكل لهفة بلا جدوى.

كانت الأغنيات وتهاليل المديح تجدد قتل والدي كل يوم وساعة، كل نغم ومعزوفة، ودعاء يلهج به رجال الدين، كل شعار أردده ضمن صخب تحية العلم صباحًا في الساحة الكبيرة للمدرسة، كما لو كنا نستعد نحن أيضًا للذهاب إلى جبهات القتال كي نحقق النصر المؤزر على الفرس (المجوس) وتلقينهم درسًا لن ينسوه، لكن عندها هل يمكن لابن (خائن) المشاركة في معارك الشرف والعزة والكرامة، أم أن ذلك سينال من مجد وطهر معارك القادسية الثانية المستعرة في ميادين الجبهات للدفاع عن بوابة العرب الشرقية!

ولمَ لا وأنا وعائلتي لا نملك حق الانضمام للحزب الذي استنزفت أفكاره ومبادؤه جل عمر والدي، منذ أن كان ابن السادسة عشرة، ما بين ملاحقات ومطاردات أمنية وفصل من الدراسة ومن ثم الوظيفة، هذا غير مرات الاستجواب والاعتقال التي ملَّت جدتي عدها، حتى أنها صارت لا تعيد ترتيب البيت بعد خروج عناصر الأمن، تنتظر عودتهم ليجدوا كل شيء كما خلفوه وراءهم، مساهمةً منها في تأدية واجبهم بسرعة، وعلى أساس الثقة المتبادلة بينها وبين من صارت تراهم أكثر من ابنها الذي غادر الدنيا مبكرًا، فما خلف وراءه سوى أحداث ومواقف متواصلة التشابك والتعقيد، لدي على الأقل، كما لو أنه عاش نحو مئة عام في كواليس السياسة، مع أن جذوة حياته انطفأت وهو في سن الحادية والأربعين، فكم فرحة انتصار وخيبة انكسار شهدتَ يا والدي في وطنٍ يرتدي (الخاكي) الملطخ بالدماء، وعويل الفقدان يتلاشى بين صخب القطارات المحملة بوقود الحرب دون توقف، لا ندري من سيعود إلى أسرته حيًا، ولو إلى حين، لكنك يا من خبرت دروب الثورات التي أقرأ عنها في مادة (الوطنية) لن تعود إلينا أبدًا، بذات ابتسامتك وضحكتك الصافية الصدّاحة التي ستظل تتردد في أذنيّ وتطغى على ضجيج خطابات بطل العروبة المنصور الزاعقة فينا ليل نهار.

ارتدى (الفارس القائد) البزة العسكرية بدوره ولم ينزعها أبدًا، سوى في مناسبات أعياد ميلاده (الميمون) التي كنا نُجبر على الاحتفال بها كل عام، صغارًا وكبارا، من العامل حتى أقرب مسؤول يحظى برفقة سيادته، فكنت أتخيل كل ذوي المناصب السيادية لا يكفون عن الرقص وإطلاق الزغاريد الطويلة، كما لو كانت من صدى الانفجارات المحاصرة للمدن، دون أن تهدأ ساعة واحدة في الجبهات النائية عند أطراف الحدود.

بتلك البزة، التي لم يرتدها حتى من أجل أداء الخدمة العسكرية، قد يأتي لزيارة المدرسة، كي نتراقص من حوله ونقبِل كتفيه كما يفعل الكبار، ويا لسعد الطفل الذي يرضى أن يستمع إلى ما حرص والداه على تحفيظه كي يبلغ سيادته، طلب، رجاء، أمنية... أي شيء يستطيع (بابا نويل) تحقيقه في غمضة عين، بينما أكون واقفًا متصلبًا، كما لو أن حكم الإعدام قد طالني من بعد والدي الذي يعرفه جيدًا جدًا ولا أظنه قد نساه يومًا، وما سيأتي إلى هذه المدرسة بالتحديد إلا كي يرى ابنه وما يمكن أن يخبره عن والده، بنبرة انكسار تستبق ذرف الدمع الذي لن أقدر منع هطوله ولا إخماد حرائقه ولو بأمرٍ من رئيس البلاد المهاب، قد تصير لديه مثل ابتهالات أمان وتهاليل بشر تبارك خلاصه ممن كانوا يصدعونه بشعاراتٍ تبقى لديه من الرومانسية الثورية المثيرة للسخرية لا أكثر.

لم أعرف ماذا يمكنني أن أفعل، وكيف لي أن أتصرف إن رأيت قاتل أبي على بعد خطوات مني، وقد يهفو قلبه الحنون إلى احضاني ومعانقتي، ثم يسمعني لازمته المعروفة "عفيه، عفيه، هيه هيه هيه...".

عندئذِ قد يتجمد الدم في عروقي وأصير مثل قطعة خشب متأهبة للاحتراق في أية لحظة، فهل يمكن أن يتحرر لساني من شلله وتواتيني الجرأة على سؤاله بصوت مسموع، وواضح للجميع، لماذا أمر بإعدام والدي دون محاكمة حقيقية ولا شهود ولا محامِ دفاع يقرأ ما جاء في محاضر التحقيقات ليعرف على أي أساس يبني مرافعته أمام القاضي الذي يتحرى الدقة في كافة التفاصيل والملابسات قبل النطق بالحكم، خاصة وأن المتهمين بالعشرات، قد يسخر رافع راية القادسية المجيدة، والتي سماها باسمه كذلك، من سذاجتي ولغوي الصبياني، ثم يحنق على من قد يكون أدخل في رأسي مثل هذه الأفكار (التآمرية اللعينة) وربما أؤكد له بثرثرتي تلك إنني وريث الخيانة والغدر، أكبر خطر يمكن أن يهدد مسيرة الثورة العظيمة ال... ماذا؟ نعم، التي جاءت من أجل تحقيق أهداف أمتنا العربية المجيدة، ومحاربة الإمبريالية العالمية والصهيونية والرجعية، بعد انتهاء حربنا (المقدسة) وانتصارنا على الأطماع الفارسية في أراضينا...

ربما الأفضل أن أنتقي مفردات كلامي لتصل إلى قلب ووجدان (والد أطفال العراق) الرؤوف دون إثارة سخط القيادة الحكيمة التي لها أن تمضي بنا صوب الشرق وصوب الغرب أنى تشاء، كما يمكن أن تصفي البذرة الخبيثة لأحد المتمردين على أهداف ومبادئ الحزب القائد.

هذر سخيف وأحمق، بالتأكيد لن أجرؤ على التلفظ بشيء منه أمامه، ولا أظن إن شخصًا في بلاد الثورات والبطولة قادر على ذلك، فالجميع أسرى فضله في البقاء على قيد الحياة، حتى من يتكومون في زنازين القصاص (العادل) للتفكير عن خطاياهم بحق الشعب الأبي وقائده الملهم...

صرت وأنا في ذلك العمر أحفظ جلَ الكلام المهم للنفاذ من مصائد القائد التي ظلت تتربص بنا طيلة فترة حكمه المجيد، كله مجيد وليس لي أن أسأل عن السبب أو المعنى في نوبة تهور شيطانية، تتبدى فيها نية الغدر والخيانة من جديد.

كان يجب أن أجد وسيلة للتهرب من رعب ذلك اللقاء بأية وسيلة، بينما الجميع منشغلون في حماس انفعالي مشحون بشتى الهواجس في التحضير وترتيب كافة الاستعدادات اللازمة للزيارة السعيدة، لكنني أيضًا لم أعرف كيف لي أن أتصرف إزاء ذلك الموقف الرهيب، وقد صرت أشعر بمراقبة كل العيون لأقل حركة أقوم بها، كما أن تعابير وجهي بالتأكيد تفضحني لديهم.

لم يأتِ والحمد لله، ذهب إلى مدرسة ثانوية للبنات، هو يحب رفع معنويات المرأة العراقية دومًا، خاصة أمهات المستقبل المشرق (بعون الله وعزم القائد)، مع ذلك راودتني رغبة جامحة بالركض، الركض بعيداً بعيدا عن كل شيء حتى أتوه ولا أعرف طريق العودة إلى سوح الجنون الذي أخضع وأهلي إليه في كل ساعة ودقيقة، جنون الاستلاب المرير والنكران لكل ما قدّم والدي لوطنٍ أخذ يتهاوى بين مخالب الحروب المنتصرة دومًا، فلم أجد ملاذًا ينجدني من هذيان السنوات المخمورة سوى الكتابة، ربما تلك الأحداث بالتحديد كانت السبب الأول في رسم ملامح الكاتب داخلي، كتبت كثيرًا، كثيرًا جدًا، وكم كان يتناوبني القلق من اكتشاف أجهزة القمع لِما أدون في دفاتر لا أعرف أين يمكنني تخبأتها لتنجو، وأنا وأسرتي، من مهالك المعتقلات.

أقبلتْ سنوات الحرب والقهر بمآسيها بلا هوادة، مات وأسِر وفُقد الكثيرون في الحرب، هذا غير المعاقين ومن أصيبوا باضطرابات وأمراض نفسية تجلت تداعياتها في كافة مظاهر الحياة المكلومة بجبروت البطل المغوار، تلك الشخصية التي صار الكثيرون يرغبون الاحتذاء بها، بالأحرى تقمصها، حتى من خلال نبرة الكلام الآمرة في غطرسة (طاووسية) تثير المزيد من السخط، والخوف في آنٍ واحد، بينما بقي وجه والدي على ذات ابتسامته، يعبر بي وديان الاندحار المحيطة بنا من كل صوب مهما تمادت، وصوته الواثق بكل ما آمن به من أفكار ومعتقدات يهامسني بما لا يستطيع كل رجال الأمن التنصت إليه ولا مصادرته كما صودرت مني براءة الطفولة وطمأنينة مرح الصبا خلال السنوات العشرة الأولى من حياةٍ مخفية في ظلال أمجاد القائد الوضاءة.

***

أحمد غانم عبد الجليل

كاتب عراقي

20 ـ 8 ـ 2022

متى تكفُّ الليالي عن مراوغتي

مذ كنتُ احبو وهذا الفعل يغريها

*

وأنتِ فوق الليالي خلتِ أوردتي

تكون مسرحَ لهوٍ كيف تبغيها

*

لوكنتِ بالأمس قلتِ مايثير دمي

لكان وقع اللظى في الأمس يحييها

*

لكنَّ قولك هذا قد محى زمناً

قد كان يحنو على الدنيا ومن فيها

*

إيّاكِ أعني أتبغين الهوى حُطَماً

حين التزوّدِ توري كفَّ واريها

*

تكفيك اسماء من تبغين اعرفها

لاتستعيري من الأسماء وانسيها

*

لا أعشقُ الاسمَ حتى استغيث هوىً

ولستُ أبحثُ عن معنى معانيها

*

إني زهدتُ عن الدنيا فلا كَلِفٌ

بحبها أو ببغضٍ سام من فيها

*

حتى رغبتُ بنفسي لا أرى هدفاً

يسوقني نحو مغنىً من مغانيها

*

وأنتِ تأتين حين الشيب جللني

وتدعين بأني كنتُ حاويها

*

إني عن الغيدِ ألهو لستُ في ترفٍ

وإنني بتُّ للأنفاسِ أحصيها

*

وقلتُ ألقاكِ علَّ العمر ُ يسحبني

حتى أعودَ الى ذكرى مواضيها

*

لكنّ ويحي فذاك العمرُ غادرني

وأنتِ غادرتني تيهاً تلى تيها

*

ماذا أؤملُ والأيامُ منقصةٌ

إنْ ضاع يومٌ أرى للموتِ تنبيها

*

اليومُ دنيا وترجو في قوادمها

ماذا ترومُ فقولي من خوافيها

*

ليلى التي ارهقتني بتُّ ارهبها

لأنها قد تراني في مساويها

*

أرهقتُ نفسي وويلي من يعوضها

انْ كان في شيبها ترجو معاصيها

*

حتى كأن بكأسي روح غانيةٍ

وكنتُ أشربها معنىً وتشبيها

*

وصفتُ طيفك حتى خلتُ أغنيتي

قد لا تغادرُ معنىً من معانيها

*

وقلتُ صمتاً على دنيا تعانقها

كالراحلين دروبٌ مات حاديها

*

فلذتُ أشربُ ما في الكأس من أملٍ

حشاشةُ الروح تبغي من يواريها

*

لو وُزّعَ الكونُ اجزاءً مقسمةً

لما جلبتُ انائي كفَّ معطيها

*

لكنني جئت للدنيا على كرهٍ

بكيتُ حين ركابي زار واديها

*

إني كفرتُ بعيشي كلّهُ سأمٌ

ماطاب يوماً على مرٍّ نصافيها

*

إني أغني وكأسي ضجَّ حاملها

وضجَّ شاربها بل ضجّ ساقيها

***

محمد الذهبي

جاءت تُلملِمُ دمعها

مِن فاقةٍ

*

والخَدُ يَفضَحُ

دمعها المُتناثِرِ

*

وخِمارُها المَسدولِ

تحتَ عباءةٍ

*

سوداءَ لكنَ السوادَ

مُجَرَدٍ وَمُغَبَرِ

*

وحِذاؤها المحفوفُ

مِنْ أثَرِ

التعثُرِ في الطريقِ

الأعسَرِ

*

فكأنما قَد راعَها

رَوعٌ أضاعَ صَوابَها

أو أنها فَرَت فِرارَ

غَزالةٍ من قَسوَرِ

*

خَمسونَ ألفاً

لاتريدُ فِراقَها

*

لكِنها مُضطرةً

مِن دَفتَري

*

تَرنوا الىٰ عَينِي

كأنَ مَصيرَها

*

قد صارَ بَينَ

أصابِعي والدَفتَري

*

لكنني آليتُ إلا أن

أُساقِطَ مُقلَتَّيَ

*

علىٰ ضِفافِ أَدمُ

عِها فسألت أنهري

*

فَغدَتْ تُسابقُني

الىٰ الله الذي

*

قَد إشترىٰ مِنها

العَفافَ بِضاعةَ

المُتَسَتِرِ

*

وغدوتُ أشغَلُ ما

تَبَقىٰ من عُيوني

*

تحاشياً مِنْ أن

تنالَ تَحَمُداً

وتَشَكُرِ

***

بقلمي: فاضل الجاروش

8/2/2022

 

سوف أهاجر يا أمي

إلى جنان أندلس

فصلي من أجلي

ومن أجل أحلامي

ومن أجل رفاقي ساعة الفجر

سوف نترك عند شط البحر

أناشيدنا في حب الأوطان

وشغب طفولتنا وانكساراتنا

ونمضي خفافا في الظلمات

كالأحلام الهائمة

خفافا..خفافا نبحر

مابين الحياة والموت

بلا وداع وبلا صخب

كي لا يرصدنا الموج

وخفر السواحل

فقد علمونا يا أمي

الوقوف طويلا كفزاعة الطير

تحت الشمس وتحت المطر

بلا أمل ولا عمل

وعلمونا يأمي منذ الصغر

كيف نربي في صدورنا

عشق الرحيل بعيدا عن الوطن

فقد باعوا للغرباء كل شيء

هكذا قالت الصحف والمنابر

باعوا أحلامنا يا أمي

وباعوا شمسنا

وأرضنا وزرعنا

وبحرنا..

وخيرونا يا أمي

مابين الصمت أو السجن

ومابين الذل أو الرحيل

وكان الرحيل يا أمي

أهون في عيني من الذل

فماذا تركوا لنا يا أمي

غير الهجرة وسواد الليل؟

فإن نجوت يا أمي

فاعلمي بأني قد تحررت

من قفصي ومن قيدي

ومن قهري ..

ومن انتظاري القاتل

***

عبد الرزاق اسطيطو

اتفوق على ظلي

حينما اقفز

من علو أول غيمة

إلى نهر القصيد...

تحط رجلاي

على غيمة أخرى

رذاذها نقط وحروف

تناثرت من كتب الأولين

تُعمّدني بغير المألوف...

*

بينما ظلي

منهمكا يكون

يلبس حذاءه

على شرفة أول غيمة

كنت قد اعتصرت منها

أول حرف عنيد

أرميه بالكاف

فيلهيني بالهاء

متشبها بسفينة

ثلاثية الأشرعة

كحرف السين

تدفعها الريح نحو

أرض حيث الظلال تستريح....

*

اتفوق على ظلي

حينما أتكور

بين ثنايا فصل الصيف

يكون ظلي ربيعي الطلعة

منهمكا

في جمع شتلات الحروف

كنت قد زرعت بذورها

في فصل الخريف...

*** 

أ27-8-2022

محمد العرجوني

 

 

و كان ياما كان

و كنتُ طفلةً ألهو ولي جديلتانْ

ولي من الأفراح في طفولتي فستانْ

وأعشقُ الغناءْ

أغني حتى ترقص الجدران

وأعشقُ الرسومْ

وأطعمُ الأوراق من خيالي الخصيبْ

فتنطق اللوحات والألوانْ

ولي صديقٌ اسمه الشباكْ

أظلّ دومًا قربهُ هناكْ

أراقبُ الطيور في تشرين.. في نيسان..

جميلةٌ مشاعر الطفولهْ

جميلةٌ أيامها جميلهْ

يومٌ لها من أجمل الأيام

هديةٌ لي قُدّمتْ

هدية تبدد الآلام

وتبرئ الأسقامْ

هدية جميلهْ

كأدمعُ الأفراح وسط الأعين الكحيلهْ

*

هذان عصفورانْ

و إن هذا عاشقٌ وقربهُ المعشوقْ

حدقتُ فيهما

كالنور يضحكانْ

كالثلج أبيضانْ

كنسمةٍ غربية الإقبال ناعمانْ

والصوتُ إذ ترنّما

آهٍ وآهٍ منهما

يا ضحكة الرياض!!

يا تبسم الزمان!!

وظل عصفورايَ أصدقائي

بالحب ينعمان

بالقلب يلعبانْ

بالروح ينهبانْ

كأن في جنحيهما

يخبئان العمرَ والسرورَ

بين الريش في مكان..!!!

*

وجاء ذاتَ يوم

وليتهُ ما جاءْ

سحابةٌ سوداءْ

مرّتْ على قلبيهما

فأوجعتْ إسراءْ

تشاجرا..!!

تعاركا..!!

توقفا أرجوكم.. كُفّا عن المشاجرهْ

و أي شيءٍ يستحقُ هذه الدماءْ

و كنتما السلامَ والوفاءْ

لأ تجرحا إسراءْ

و أضربُ القضبانْ

لعلّ عصفوريّ يهدأانْ

توقفا.. أرجوكم.. كُفّا عن المشاجرهْ

لن يفهما المحاورهْ

*

وبعد ساعتين

وجدت عصفوريّ ساكنين

عينايَ تدمعانْ

لعل عصفوريّ متعبانْ

هربتُ منهما إلى السريرِ

لأمسحَ الدموع عن فؤاديَ الصغيرِ

غدًا سيلعبانْ

غدًا يغنيانْ

و يطربان مسمعي بأعذب الألحانْ

غدًا يرتلانْ

تعويذةً لتبعدَ الأحزان

و ربّما...

و ربّما...

و ربّما...

و أغرق السرير من مدامعي

و أشعلُ النيرانْ

*

تبسّمَ الصباحْ

و ظل عصفورايَ نائمَين

و مرت السنونْ

و ظل عصفورايَ نائمين

و منذُ ذاكَ اليوم أصدقائي

أراقبُ الطيور إذ تشتاقُ للأوطانْ

أراقبُ الطيور في تشرين.. في نيسان

و منذ ذاك اليوم أصدقائي

أقدِّسُ العشاق في سمائنا

و أمقتُ القضبانْ

***

شعر: إسراء فرحان

من كتاب قمر الزمان

على الطاولة عطرك

الأثير

وقطعة عِلكٍ

وأحمر الشفاه

ونصف سيجارة

محروقة

ومفاتيحُ وهاتفٌ

نقال

وفوضى تنتابُ

المكان

ورعشات نشوة

ترتع في الوجدان

صَوتكِ الخافت

يطرق مسامعي

ولا شيء غير صوتك

يحلو لي

وثوبك الحَرِيري

عند أقدام السرير

وحذاءك اللامع

ملقى

قرب الباب

*

عيناك نافذتان

أُطلّ منهما عَلى

حقول الحب الخضراء

وجهك المُدوّر

يجلو عتمات

الذات

أنفاسك العابقة

بعبير الحياة

توقظ في أعماقي

سنابل الفرح

أناملك الرقيقة

تجوس عشب

صدري

تَرسم خريطة

للعشق والصبابة

*

أمطار الخريف الأولى

تقرع زجاج نافذتنا

والريح تعوي

بلا اِستحياء

دقات الساعة

على الجدار

تعلن اِنتصاف

الليل

كُلّ الليل لنا

كل الفرح لنا

نَغسل حبنا ونطهره

نتساقى كؤوس

النور العسجدية

نرشف راح الهوى

في حضرة

إيروس

*

الليلة

تتناسل الابْتسامات

على شفاهنا..

وتولد رعشات

الشوق في

دواخلنا

الليلة

تموت غربتي

وأدَوّنُ ميلاد

فرحتي

ثم أعلن ثورة

على سنين رهبتي

وألملم بقايا

من ماضي وحاضري

وأقطع على نفسي

عهدا أنك حبيبتي

حبيبتي

***

محمد محضار

  2006

علي فضيل العربيجلس قرب النافذة يرقب حركة الشارع المزدحم حتى الحلق. قطرات من مطر الخريف راحت تتبدد على الزجاج برتابة وملل.الصمت الموشى بجدائل الحزن ينشر ستائر الكآبة في ردهات مهجته.

لم يعد العم صالح يطيق مبارحة منزله وملاقاة الناس. فقد تراءت له الدنيا كسقط المتاع وبدت له المدينة كهفا مظلما، تسكنه الخفافيش، بل اتخذت الشيطان بعلا لها.

كان العم صالح يبتهل الى خالقه في صمت رهيب.. ثملت على ملامحه عوالم الأسى والوجع. حاول الاحتماء بظلال أحلامه وشروده لعل غيوم سمائه تمطر..  جاءته زوجته حليمة تجر قدميها، انتشلته من لجة الصمت والشرود قائلة:

ـ ما بك يا سي صالح؟ منذ رجوعك من الحفل وأنت حزين.

وأكملت بعد ما لمحت مرارة التحديق في عينيه:

ـ آه كم أنا فرحة ومسرورة وفخورة بك لأنّك أديت ما عليك. ماذا جرى لك؟ افرح، ابتهج يا سي صالح.

- لم يجبها قط، رمقها بنظرات تذيب البشرى نشيجا

انسحبت حليمة وهي تضرب كفا على كف مرددة:

ـ عجيب أمره والله.. كل الذين سمعوا بتقاعد ه فرحوا ما عداه.. يا لحظك التعيس يا حليمة.. يا لحظك التعيس، يا حليمة.

-2-

عندما أعلنت الإدارة تقاعده حمله العمال على أكتافهم وطافوا به أرجاء المعمل وهم يهتفون ملء حناجرهم:

- يعيش عمي صالح.. يعيش عمي صالح.. يعي.. .. ش

ارتجف العم صالح، تصبب العرق من أرجاء بدنه حتى نضحت ثيابه ولحيته الكثة.. سرى الجزع في كيانه سريان الدم في أوردته وشرايينه.. توسلهم ان ينزلوه من على أكتافهم. فهو ليس زعيما، أو وزيرا أو أميرا أو ملكا، أو قائدا هماما، حقّق نصرا في حرب مصيرية، حتى يكون له أنصار يحملونه على الأكتاف ويهتفون بحياته واسمه.

قال له مدير العمل وهو يشد على يده بحرارة:

- مبروك عليك التقاعد يا سي صالح.

رد العم صالح مرتبكا حائرا:

ـ لكنني مازلت قادرا على العمل يا سيدي..

فقال المدير مبتسما ومازحا:

ـ صرت شيخا.. ابيضّ شعرك وشابت لحيتك.

فرد العم صالح وقد اتسعت عيناه وازدادت حماسته:

ـ لكنني لم أطلب التقاعد ولا أريده الآن..

فضحك المدير وقال له بلهجة متخمة بالإعجاب والتقدير:

ـ بارك الله فيك.. أمثالك قليلون في هذا العصر يا سي صالح.

فقال العم صالح وقد برقت في عينيه ملامح الرجاء والتوسل:

ـ أجّل تقاعدي يا سيدي.. و أمهلني بعض الأعوام وسترى.

فقاطعه المدير قائلا:

- القانون يا سي صالح فوق الجميع.. لا أستطيع إرضاءك على حساب القانون.

يكفيك ما أنفقت من شجرة عمرك، من حقك ان ترتاح بقية حياتك، لجسدك حق عليك.

اتّفق زملاؤه العمال على الاحتفال به أيّما احتفال، تقديرا له وإكراما على مدى تفانيه وإخلاصه في أداء واجبه. فمنذ التحاقه بمنصبه والحماس يتدفق عبر سواقي جوانحه.. ثلاثون سنة أنفقها من معين شبابه، ونبع عمره دون كلل أو ملل، لم يتغيب إلا لظرف قاهر ولم يتمارض كما يفعل الكثيرون من عمال المعمل. كان همه الوحيد مغازلة الآلة.

كان بعض سادة الحيلة والخذلان والمخادعة يخاطبونه بسخرية لاذعة:

- أنت إنسان أبله.. تمارض وخذ عطلة. افعل مثلنا، حافظ على صحتك، لا تكن مغفلا يا عمي صالح.

لكن العم صالح يمقت الغش والتلاعب والمخادعة أشد المقت.

يمتطيه غضب شديد، ويكفهر محياه، ثم يرد عليهم بنبرة تفيض حزما وعزما وإيمانا:

ـ العمل عبادة وشرف يا ناس، والعاقل لا يتلاعب بهما أبدا يا مغفلين.. الغش حرام يا ناس.

وحددوا ميقات الحفل. لكن العم صالح رفض حضوره. حاولت زوجته حليمة استجلاء كنه رفضه، فجاء رده دون مبالاة:

- لماذا يحتفلون بي. قمت بواجبي لا غير ولم أقم بما يستدعي هذه الضجة كلها.

- يجب أن تحضر ياسي صالح، غيابك لامبرر له، إنهم في انتظارك، فلولا حبهم واحترامهم لك ما فكروا في تكريمك أبدا.

وساد بينهما صمت كصمت منطلق من سحيق البراري. ثم ردد في دخيلته وهو يشعر بأن لهيبا شديدا ينوش قلبه:

- آه لو علمت يا حليمة ما معنى حضوري للحفل لأنشبت في جلدي أظفارك كي لا أذهب. مسكينة أنت يا زوجتي العزيزة لأنك لا تعلمين حقيقة الحفل، إنه الاعلان عن موتي إنه مأتمي وجنازتي، آه لو تفهمين ذلك.

وبترت خيط نجواه مرددة في رجاء وتحنان:

ـ أتريد أن تغضب أصدقاءك منك في هذا اليوم السعيد؟

وراح يحدق فيها مليا كمن رآها لأول وهلة. بينا أردفت حليمة وقد دنت منه حتى ذابت بينهما حضرة المكان.

ـ هيا يا رجل ألعن الشيطان الرجيم. لماذا أنت واقف هكذا.الوقت يمر والحفل على وشك البداية. لقد كويت لك بدلتك السوداء وقميصك الأبيض. وربطة العنق.هيا البس يا رجل، وتوكل على الله..

ردد في سره:

- هــه.. حتى أنت يا حليمة لم ترحميني. ها قد أحضرت لي الكفن والمشنقة. ليتك تدركين مقدار ألمي وعذابي. لقد أعددت لي مراسيم جنازتي دون أن تعلمي يا عزيزتي..

لم يقو العم صالح على الصمود في وجه الرغبة الجارفة لزوجته. كان كمن خسر أسهل المعارك بعد ما انتصر في أشرسها مرارا. انكسر مجدافا قاربه وجرت به الرياح بما لم يشته. لبس البدلة والقميص وربطة العنق والصمت شاهر سيفه على رقبة لسانه. كره الكلام، فلاذ بالصمت. قرفص وراء جداره كمسكين هارب من قسوة العدالة. أو كضحية فلت من أيدي جلاديه في غفلة منهم..

نبست حليمة ونظرات الإعجاب تملأ عينيها:

ـ بسم الله. أعوذ بربّ الفلق، ومن شر حاسد إذا حسد. ردد في قلبك المعوذتين وأنت ذاهب.. لا تنس عين الحاسد لا ترحم. والقرآن خير وقاء..

ـ ليتك تسكتين.كلماتك تؤجج لهيب العذاب الذي محق القلب المكدود.

كذلك ردد في صمت.

تمنى لو يطرأ مانع قاهر يحول دون ذهابه إلى ذلك الحفل الملعون. كأن يحدث زلزال أو طوفان أو يسقط مغشيا عليه فيفقد وعيه. أو يصيبه أي مكروه يمنعه من الذهاب.

ثم أضاف قائلا في دخيلته:

- هـه.. لماذا لا أسقط الآن مدعيا أنني فقدت السمع والكلام. إنه ظرف مقنع وموضوعي لاشك فيه.

سيقولون:

ـ مسكين لم يسع قلبه فرحة التقاعد.كادت تقضي عليه لولا لطف الله..

- هيء.. هيء.. هيء.. مساكين.مخدوعون.

لن يقولوا:

ـ مسكين كاد أن يقتله الحزن والهم. لم يطق قساوة الموقف.

بدت له الفكرة سخيفة إلى حد بعيد. هي أصغر من عقله وسنه. ثم ماذا لو اكتشفت الحيلة. سيغدو أضحوكة في عيون الناس. وستؤذي زوجته المسكينة أيما إيذاء. بل وستزيده هما على هم. وينفضّ عنه الأصدقاء، وربما ينفق بقية عمره وحيدا، منبوذا، غريبا، لأنه كذب وتمارض وخدع أعز الناس ؛ زوجته وأصدقاؤه.. لا.. لا.. لا.. لن يقدم على مثل هذه التصرفات الصبيانية.. هو أكبر منها بكثير.. إنه عاش رجلا شهما يقدس الحق. يدفع عن الصدق.ليس من الرجولة أن ينحو منحى الأنذال في مصب العمر. الرجولة، هي أن يواجه. يقبل بالخسارة كما الربح بكل روح رياضية. أن يكون صادقا مع نفسه وغيره ولو كان الثمن المقصلة أو حبل المشنقة..

- أعلم أنك صادقة يا حليمة.. لو لم تكوني جاهلة بما يموج في قلبي من أحزان. لم أعد في نظرهم سوى رجلا هرما.لا أصلح إلا للجلوس في البيت كالمشلول أو المعتوه.أنا أدرك أن دورك الآن هو إقناعي بكل قواك النفسية والعقلية بأن هذا يوم سعيد في حياتي أو ربما هو أسعدها على الإطلاق.وغدا ستمتليء الدار بالنساء وسيحملن إليك علب السكر وحبّات البيض،

وسيزغردن وسيرددن بملء أفواههن:

ـ مبارك عليه، وعليك.

- الله يبارك فيكنّ. العاقبة لأزواجكنّ ولكن.

- تقول حليمة لهن ( لكنّ ). كأن الأمر أمرها وأمرهنّ.

وسيجلسن ويثرثرن حول فناجين القهوة وكؤوس الشاي. ويتحدثن في مواضيع لا رابط بينها.هن معشر النساء يلغطن في كل شيء دون أن يقلن شيئا في أحايين كثيرة.

وستجلس بينهن حليمة معتزة، مفتخرة بزوجها الذي كرموه تكريما لائقا عكس مدى تفانيه في أداء واجبه. وعن حب الناس له. لكن الحقيقة المرة التي تجثم كالصخرة الصماء على قلبه تجهلها حليمة. ليس من العدل التغطية على مأتمي وجنازتي غدا سيناديني الصغير والكبير، الصديق والغريب والجار والبقال:

ـ يا ( متقاعد).

لاحظي يا حليمة، كوني فطنة، كي لا تُلدَغي في سويداء القلب. (مت.. قاعد..). يا إلهي كم هي واضحة وضوح الشمس في سماء الضحى.

جلس في صدر المنصة. وحفّه أعضاء الإدارة يمنة ويسرة. المدير ونائبه وكل الفريق الإداري. ورهط من المدعوّين. لم تفارق الابتسامات شفاههم. كأن التكريم لهم. أما صالح فقد بذل جهدا مضنيا للتغلب على هواجسه المؤلمة. تعلقت به أعين الحاضرين مفعمة بأسمى معاني الإعجاب والتقدير.

غمغم في أعماقه:

- كم تؤلمني نظراتكم يا سادة..

- أهنيء عمي صالح على جدّه وإخلاصه وتفانيه في أداء واجبه نحو الوطن. إنّه قدوتنا جميعا. ما عرفنا فيه سوى الإيمان بقدسية العمل وشرفه..

كذلك ردد المدير بنبرة إعجاب وسرور.

استرسل الذين تناولوا الكلمة في المدح والإطراء. أما سي صالح فقد كان جثة بلا روح. كأنّ الكلام لا يعنيه بل بدا له بلغة أغرب من لغات ما قبل التاريخ. كان يغرق في لجة الغياب فلا ينتشله منها غير التصفيق الذي تضج به الأكف من حين لآخر. فيعود إلى ساحة الوعي والحاضر القاسي بلا رحمة.

يردد سرا:

- لو كنتم تعقلون، ما صفقتم. إنكم تؤجّجون مأساتي يا رفاقي. تشيّعون رفيق دربكم إلى دار النسيان. تدفعونه دفعا إلى مستنقع الوحل ليغرق. تقولون له بكل بساطة:

ـ (مت ـ قاعد).

إنكم تجهلون مقدار الألم المزروع في قلبي. إنه يكبر كبقعة النفط. ينمو كأشجار الطلح والزقوم.

وقف الجميع تحية له. تقدم المدير نحوه وضع على صدره وسام الجد والإخلاص. ثم سلمه علبة موشاة بظرف وصك بنكي. وكذلك فعل ممثل عن نقابة العمال..

- قل لنا ولو كلمة قصيرة يا عمي صالح.. تفضل..

كذلك قال أحد الرفاق.

- ود لو أنه كان أصم أبكم. من أين يبدأ؟ وكيف؟.ما فائدة الكلمات التي لا تزهر في حديقة القلب؟ هل يفصح عن الحقيقة وليحدث ما يحدث؟ أليس من واجب المرء الحر أن ينطق بالحقيقة دون زيادة أو نقصان ولو مثقال ذرة؟ أيصرخ بمنتهى الصراحة والعنفوان قائلا:

- انظروا إلى هذين الساعدين. مازالا قادرين على إدارة الآلة يا سادة.ماذا أنا فاعل بهما بعد اليوم؟ لا أريد تهنيئا ولا تصفيقا.اللعنة على الت.. ق.. ا.عد.أنا ما أصبحت عاجزا ولا هرما. صدقوني يا سادة. تقولون لي إنه حقّك يا عمنا صالح. مبروك التقاعد أف.. أف.منه. ليذهب إلى الجحيم ما دام يسلبني إرادتي وحريتي ولذة حياتي.

استحى عمي صالح من أن تصيب الصدمة زوجته الغارقة في يم النشوة ورفاقه الذين دمعت أعينهم من شدة السرور. خشي أن يسفك دم الفرح ويزهق روحه في اللحظة الحرجة. فتتحول عبراته إلى جداول حزن وعويل. لحظتها يكون قد مارس أشد أنواع الاضطهاد والقسوة والأنانية في حق قلوب وهبته حبها واحترامها.

- شكرا لكم أيها السادة على كرم عواطفكم..

ولم يستطع إضافة حرف واحد. سقط مغشيا عليه ودموع غزار قد جمدت في عينيه. لحظتها قيل:

- لقد قتلت الفرحة ُعمي صالح.

لكن الحقيقة شيعوها معه في نعشه. دفنوها في لحده يوم قرر القانون أن يصنف العم صالح في زمرة (المت ـ قاعدين).

***

بقلم الروائي والناقد: علي فضيل العربي

قصيدتان

* شِالله، يا سيدنا!

فوق القُبّةِ، يا الگيلاني،

ـ عنكَ رضاءُ اللهِ،

وعنْ إخواني

مَنْ كانَ المصباحَ

ومَنْ ربّاني ـ

تلكَ حمامةُ أشجاني،

تهدلُ بالعشقِ الربّاني.

**

أفقْتُ يوماً فوجدْتُ لهفتي

أنْ أرفعَ الحمامةَ البيضاءَ

فوق كفّي،

أُطلقُها....

في حضنكَ الدافئِ

والرؤوفِ

والمحيطِ.

شِالله، يا سيدَنا،

أطلقْتُها.... فانطلقَتْ،

حطّتْ على القبّةِ،

فاشتاقَتْ الى الترتيلِ

والتحليقِ والغيابِ،

في صوتكَ الفسيحِ بالغيابِ،

في عالمٍ يرفلُ بالأطيابِ،

فأطلقَتْ هديلَها،

وحلّقَتْ.... وحلّقَت....

حتى استوَتْ على جوديّكَ..

الزاخرِ بالسحابِ،

مثقَلَةً بحرفكَ العُبابِ،

واستقبلَتْ عيوني،

فنقّرَتْ

في حقليَ الجديبِ،

فاخضرَّ  حتى ..

بانَ فيهِ

ثمرُ الجنةِ عشقاً..

دائمَ الهديلِ

**

* إشراقة...

مذْ عرفتُ اللهَ أشرقتُ..

فامطرْتُ ضيائي

بينَ عينيها..

وأهدابِ السطورْ

*

مذْ لقِيتُ الدربَ

أسرعتُ..

فسدّدْتُ..

خُطايَ

صوبَ تلكَ السدرةِ الكبرى..

وناجيتُ الغصون:

إرفعيني،

إشرحي صدري، املئيهِ

بأناشيدِ الزهورْ

*

زهرةٌ مِنْ عمْرِها وقتَ الشروقْ

سقطتْ في حضنيَ الدافىءِ..

نامتْ ....

وأفاقتْ،

فإذا حضنيْ حقولٌ

مزهراتٌ

ونجومٌ تتلألأْ

في مزاميرِ الحبورْ...

***

عبد الستار نورعلي

2022

تنفّسْ أيُّها الصبحُ الجميلُ

ودعني في براريها أجولُ

*

لقد تاقَ الفؤادُ إلى  ثراها

فما لي بعد لقياها سبيلُ

*

فكم غنيتُ ملهوفًا اليها

وكم طلعَ الضياءُ ولا وصولُ

*

وكم تاقَ الحمامُ الى رُباها

و راح الدمعُ يحبسه الذهولُ

*

أسافرُ  في فيافيها وحسبي

أرى الأطلال  تعلوها المُحولُ

*

مرابعُ شقوتي زدت اشتياقا

لأيام الصبا، فمتى القفولُ؟

*

وقفتُ  بُعَيدَ هجرٍ في حماها

أسائلها، فقد عزَّ المقولُ

*

فلي أمّانِ أم ارضعتني

وأخرى حضنها ظلٌّ ظليلُ

*

تحدثني بحبٍّ عن فتاها

ودمعُ عيونِها أبدًا يسيلُ

*

وكم من ليلةٍ بُتنا سهارى

وقد كانت تضاحُكنا الهُطولُ

*

وقد كانتْ ليالينا انتظارًا

تشاركنا المقالَ وما نقولُ

*

لقد جارَ الزمانُ عليكِ يومًا

وفرق شملَنا زمنٌ ضئيلُ

*

مررتُ على بيوتِ الحيِّ صُبحا

أسائِلها فلم تجبِ الطلولُ

*

بصرتُ النخلةَ الشّماءَ شوقًا

إلى تلك الوجوهِ وما تقولُ

*

لقد غطّى الترابُ وجوهَ قومٍ

مشوا في ربعِها وهم العدولُ

*

سلامُ الله أطلقها جهارًا

على وطنٍ تعانقُهُ الحقولُ

*

رضعتُ ودادَها طفلًا صغيرًا

وشبتُ وحبُّها أبدًا يطولُ

*

حبيبتُنا إليكِ القلب يرنو

فهل تدرينَ ما  تخفي الفصولُ؟

*

أيا دار الفتوّةِ  هل أراكِ

لنا دارًا وقد عزَّ السبيلُ

*

لوجهكِ دائمًا وجهتُ وجهي

لوجهكِ دائمًا يرنو العليلُ

***

د. جاسم الخالدي

ياله من أمرٍ سهل !

عليك فقط

أن تحب كل شيء

ترضى  بكل شيء

تعيش كما يعيش الزهر

بلا جلبة

لكنه لن يكون ملهما

قاسيا

صاخبا

لن يكون عصيا وغاضبا

مثل ليلة من ليالي الخريف

مثل طعنة في القلب

مثل صداع أبدي

مثل رفض لكل شيء منطقي

مثل شاي بلا سكر

وقهوة سوداء

ومطر غزير

ورواية لماركيز

وفلم من افلام هتشكوك

أن تكون إنسانا

فهذا يعني أن تجازف

بأكل تفاحة من الفردوس

وإن كان الثمن

عصور من الحزن والشتات!

***

تماضر كريم

 

 

مجارات / لسان الدين الخطيب في

**

لِمَ العَذابُ بِمَن تأتي مَعَ الغَسَقِ

والعُمرُ يَمضي حَثيثاً نحوَ مُفتَرَقِ

*

وَلِمَ التزاورُ لَيلاً بَينَ عاشِقَةٍ

وبينَ عَليلٍ كابدَ الأرقِ

*

إلا إذا كانَ الشَغوفُ بِها قَمَراً

تنتابُهُ الظَلماءُ في الشَفَقِ

*

وقَد تَحيرَ نجمٌ من تَعَنُتِها

ومِن تَجاهُلِ ما قَد تَنطَوي الطُرُقِ

*

مِن قاصِفاتِ الليلِ التي إن أرسَلَتْ

شُهُباً فَطارقٍ وَسِقِ

*

وَقَد تَزَينَ مأخوذاً يُعانِقُها

وَيلثِمُ الثَغرَ حَتىٰ أسفَل العُنُقِ

*

فَقَد تَضَوعَ الجيدُ من عِطرٍ

ألـمَ بِـهِ مِن فاضِلِ الريقِ حتى آخِـر الرمَقِ

*

حَتىٰ إذا قَد فاقَ مِن حُلُمٍ

فكأنما تَنفَسَ الصُعَداءَ مِن غَرَقِ

**

بقلمي: فاضل الجاروش

3/3/02022

راضي المترفيبعد طرده من الحانة ثملا مفلسا ترنح بمشيته على الرصيف باحثا عن مكان يرتاح به بعيدا عن ضجيج السكارى وصراخهم على الندل ولم يعثر حتى عتعته السكر وانهكه السير فوقع على الرصيف فاقدا الوعي وبعد فترة مر به احدهم تبدو العافية على محياه والصحة والعنفوان على جسمه فاصطحبه لبيته القريب من مكان سقوطه وفي حديقة البيت مدده على لوح خشب وسلط عليه ماء الموتور المندفع بقوة حتى بان اللون الحقيقي لكل قطعة من ملابسه ثم سحله من قدميه بدون رحمة ودخل به حمام قريب من غرفة الضيوف وطلب منه خلع ملابسه فامتنع فكرر عليه الطلب ولما امتنع ثانية أخرج صاحب البيت سوطا لا اعرف اين كان يخفيه وجلده به مرتين فامتثل للامر ثم ساعده في غسل جسده بكل انواع الصابون والمطهرات والمعطرات الموجودة بعدها حلق له ذقنه ورتب شعره وزوده بملابس على قياسه تماما فبان شخصا آخر غير ذلك السكير الشعث الوسخ المخمور ثم اقتاده إلى غرفة الضيوف وبعدما اجلسه التقط له عدة صور من جوانب مختلفة وادخل تلك الصور في حاسوبه الشخصي وأجرى بحثا عنه بعدها طلب فنجانين قهوة وجلس قبالته وسأله بعد اول رشفة من فنجانه..

- كم لغة تجيد غير العربية والفارسية والإنكليزية؟

نظر بوجهه بهدوء وقرأ ملامحه بصمت ثم خفض رأسه للأسفل للحظات ثم رفع نظره إليه بثبات ورد على سؤاله بسؤال.. ماذا يعني لك معرفة ذلك؟

- يعني الكثير خصوصا وأن ملابسك التي في الحمام وما وجدنا فيها قد يسر لنا الكثير من الأمور

- طيب انا اجيد التركية والروسية والفرنسية والألمانية وبعض لهجات الدول العربية

- منذ متى انت هنا؟

- منذ تسعة اشهر وعدة ايام

- كم منطقة تواجدت فيها خلال هذه المدة؟

- كل المناطق التي ممكن نصنع فيها رأي عام لكن غالبا ما اقضي الليل في المناطق التي يتواجد فيها كل طبقات الشعب.. حكام.. ضباط.. مثقفين.. مدمنو خمر.. قتلة.. عشاق المال وغيرهم.. لكن لماذا لا تصل إلى غايتك بالمباشر وتريحني وتريح نفسك؟

- كيف؟

- قبل أن أخبرك أود تطمينك اني لست خائفا وانا محميا تماما وفي مجلسنا هذا يجب أن تكون انت الخائف وليس انا مع اني اعرف انك تلاحقني منذ أيام وشاهدتك في أكثر من مكان وموقع ولا حظتني كيف ابدل جلدي بما يتناسب مع كل مكان احضر فيه ولم تستطع الإمساك بي اليوم لو لا اني متعب من عمل تطلب مني الجهد والسهر لمدة (٧٢) متواصلة.

- طيب حدثني عنك؟

- انا فرد من مجموعة يبلغ تعدادها (١٨٠) رجل وامرأة فينا من يحمل جنسية بلدكم وآخرون يحملون جنسيات بلدان مجاورة وبلدان بعيدة وكلنا نعمل ضمن برنامج واحد يتعلق ببلدكم وكلنا لنا القدرة على تبديل جلودنا مثلما تبدل ملابسك في الثقافة نحن مثقفين وفي السياسة مطلعين وفي الدين متشرعين وهكذا لكننا أساتذة في التحشيد للغاية التي يطلب منا تنفيذها وقد عملنا هنا في هذه الأشهر القليلة ما يعجز عن عمله جيش جرار في سنوات

- مثلا؟

- لقد تمكن من يحكمونكم وعلى مدار أعوام طويلة رغم كل ما فيهم من مساويء من الاتفاق على صيغة تعايش بينهم للحفاظ على تماسكهم ظاهريا رغم الخلافات والعداوات الشديدة بينهم من أجل إكمال ما أوكل إليهم من تخريب ودمار لبلد كان يشكل غصة في حلق من نعمل عنده وقد أنجز هؤلاء الحكام كل ما أوكل إليهم بجدارة يستحقون الشكر عليها لكن بما انهم من النوع الذي لا يشكر فلا يحصلون عليه

- ماداموا انجزوا ما طلب منهم أو أوكل إليهم فما سبب وجودكم انتم؟

- سؤال ربما لم يكن ذكيا لكنه يبدو مهما وعليه سأخبرك-

- تفضل

- اريد فنجان قهوة اولا

- لك ما طلبت

- هناك مبدأ مخابراتي ثابت تتعامل أجهزة المخابرات في كل العالم يقول هذا المبدأ (كل عميل ينفذ ثلاثة عمليات ناجحة يصبح خطرا على الجهة التي استعملته لذا يجب التخلص منه) وهؤلاء نفذوا عشرات العمليات وأن كانت ضمن برنامج واحد هو تخريب بلدكم وقبضوا عن ذلك ثمنا مجزيا إلا أن التخلص منهم أصبح حتميا لذا جئنا انا ومجموعتي لزرع الفتنة بينهم ودفعهم للاقتتال وتصفية بعضهم البعض جسديا وهذا سيتم في غضون أشهر قادمة أن لم تكن اسابيع

- ماذا لو حدثت حربا أهلية جراء ذلك؟

- اطمئن أغلب شعبكم يحب الحياة وليس على استعداد للتضحية بنفسه من أجل آخر حتى إذا كان معشوقه أو اخيه وما تراه اليوم هو المقدمات وما أن يلعلع الرصاص حتى يختفي الآخرون تاركين أصحاب الشأن يصفي بعضهم بعضا

- وبعد هذا؟

- لا من اختصاصي وليس من علمي وأن طال بك العمر اذكر جلستنا هذه بخير رغم اني اخاف عليك من الموت بنيران صديقة.

***

راضي المترفي

 

ما كان شيئاً عابراً

ذاك الشعور

أعاد تشكيل الفكرة

رسم للحرف

أجنحة

فانطوت كل الحدود

بات الكون بداخلي

يحتمل أن يصبح

قصيدة

وأن يمسي

لحناً

فترقصُ المدن

على أوتار الاغتراب

حد التعرق

ومساحاتُ الفراق

تتقلص بكلمة

تكسر العناد

بابتسامةٍ على شفاه الزهر

تغازل الندى

وتسافر في الأيام عطراً

يؤرخ للحظات من العمر

لا تشيخ

فيها خلاص الروح

من أشجان قديمة

تتكدس على هيئة أوراق متغضنة

تحجب الرؤية

وتحبس اللغة

في لون الوحدة

نحن

بداية تعتمد كل الفصول

لانجاب المزيد من التفاصيل

تنجبنا الشمس

ظلان يلتقيان في قبلة

ينجبنا المطر

نقطتان تعلقان في مظلة

ينجبنا الصقيع

معطفان يضمهما العناق

ينجبنا الربيع

زهرتان تحملان سر اللون

ميلادٌ للدهشة

نحن معاً

في حقائب الأيام

نسافر نحونا

في كل حين

في صمتنا كل الكلام

في شعرنا أصل الحكاية

***

أريج محمدأحمد

الشارقة  25/8/2022

 

 

أنا المبحوث عني

أنا المختفي بجسدي...

التائه في عمري

القابض على ضوئي

اسير بعكاز الحرف

والعين

تنظر إلى الخلف

أمشي والرجل

تدبر لا تقبل

كأن الريح

سطت على أمري

أنا المبحوث عني

وكل الطرقات والحارات

زعيق أبواق

وأنا المختفي

بأدغال آهات وأشواق...

فمن يعثر عني

يرديني حالا

حيا أو قتيلا

في جبي...

***

محمد العرجوني

 

لِلحُسْنِ، في شَتَّى اللُّغاتِ، نَماذِجُ

ونُضارُ حُسنِكِ جَسَّدَ الأُنموذَجَا

*

مُذ وَشّحَتْ يَقَقَ الجَبِينِ زَبارِجُ،

وأَنابُ خَدِّكِ أَسْكَرَ البابُونَجَا...

*

لِتَحُلَّ في نَبْضِ الوَرِيدِ لَواعِجُ

مِن سِحْرِ عيْنٍ تَحْضُنُ الفَيْروزَجَا،

*

وتُؤجِّجَ وَجْدَ الشُّغافِ عَرافِجُ

بِسَوادِ خالٍ يَرْسُمُ الإِهْلِيلَجَا

**

كَم دَغدغَتْ رَمْلَ الخَيالِ هَوادِجُ

تَتَمايلُ، وتُعَبِّقُ الرّاتِينَجَا…

*

وتَراقَصَتْ فوق النِّطاقِ سَفارِجُ

أَحْيَا شَذاهَا الآسَ، والهِدْرانَجَا…

*

تَتَقاذَفُ القَلبَ المَشُوقَ أَرائِجُ...

فيَحُطُّ... طَيْرًا يَنقُرُ الشَّهْدانَجَا...

**

لِرُضابِكِ ولَمَى الشِّفاهِ تَواشُجُ

كلَذِيذِ شهدٍ، زَيَّنَ الفالُوذَجَا

*

ورَحِيقُ ثَغرِكِ بَلسمٌ ومَباهِجُ

لفُؤادِ صَبٍّ يَلثِمُ المَيْبَخْتَجَا

*

فتَحُضُّه تَحْتَ الشِّفاهِ سَكارِجُ

لِيَذُوقَ طَعْمَ العِلْكِ والبَسْفايَجَا...

***

شعر: د. المنتصر العامري

 

من أيّ الأبوابِ سأدخلُ

إنّي مُرتابْ

مما يَحْصلُ خلفَ البابِ الأولِّ

أو  باقي الأبوابْ

فأنا في الفجرِ مررتُ

ورأيتُ

أفواجَ نساءٍ تبكي

خرجتْ تتراكضُ من أولِّ بابْ

ومن البابِ الثاني كانت تخرجُ

أفواجُ ذئابْ

كلّ الأبوابِ قد انفتحتْ

ثمّ اِنغلقتْ

خرجتْ منها أفواجٌ غاضبةٌ

وثعالبَ تضحكُ

ورجالٌ لا لونَ لَهَمْ

لا صوتَ لَهَمْ

أيّ عذابٍ هذا؟ أيّ عذابْ؟

أينَ سنمضي؟

قلتُ لها

صَمَتَتْ

ظلّتْ صامتةً .. وبَكَتْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

 

عِزَّةُ النَفسِ ونَفسُ العِزَّةِ

مَرَضٌ ذلَّ عَزيزَ المُهْجَةِ

*

كِبْرياءٌ في مَيادينِ الرُؤى

يَتهاوى بحَضيضِ الحُفرَةِ

*

عُمْرنا دامَ ببَحْرٍ هائِجٍ

ونُهانا في صِراطِ الغَفلةِ

*

وإذا الداءُ نِداءٌ مُرْعِبٌ

وعَدوٌّ مُستقيمُ الصَوْلةِ

*

صُفِعَ الروحُ ونَفْسٌ إشْتكَتْ

مِنْ وَجيْعٍ لشَديدِ الوَثبَةِ

*

أيُّ وَهْمٍ قادَنا نحوَ الدُنى

ورَمانا بأتونِ اليَقْظةِ

*

يا عَزيزَ النفسِ ما عِشْتَ بها

أنتَ طيفٌ كبَريقِ الومْضَةِ

*

أنتَ مِنْ نَسلِ تَرابٍ جامِعٍ

لخَليقٍ مِنْ غبارِ الكُثرةِ

*

آكِلٌ أنْتَ ومأكولٌ بها

هكذا شاءَتْ بدارِ الرحلةِ

*

وكَذا دامَتْ وجاءَتْ عِندنا

وتَرانا في فَزيعِ الحَيْرةِ

*

كُنْ عَزيزاً رُغْمَ أنّاتِ الضَنى

وتَحَدّاها بسَيْفِ الحِكْمةِ

*

وتَمادى بعَطاءٍ خالدٍ

واجْعلِ الأيّامَ بَيْتَ الألفَةِ

*

إمْرةُ السُوءِ لنَفسٍ نارُها

واسْتطابَ الخلقُ سُوءَ الإمْرَةِ

*

غابُ فعلٍ فاعلٌ في حالِها

شِرْعَةُ الغابِ عَمادُ العِلّةِ

*

لا رِسالٌ واهْتداءٌ أو تُقى

وارْتهانٌ بعَسيرِ الرِفقةِ

*

إنّهمْ قالوا وقوْلٌ قدّنا

فَسَقَطْنا بسَحيْقِ الهوّةِ

*

وتَدَحْرَجْنا لقاعٍ مُظلمٍ

فتَناسَيْنا مَعاني القوَّةِ

*

أشْرَقَتْ روحٌ ونَفسٌ غادَرَتْ

وتَلاشَتْ برِحابِ الفِتْنَةِ

*

جَوْهَرُ الإنسانِ في مَعْنى الأنا

عَسْجَدٌ أضحى خَسيْسَ القيْمةِ

*

يا رَسولَ الشَوْقِ مِنْ بَدْءٍ مَضى

إنْتَهَيْنا بأتونِ القبْضَةِ

*

وعلى الدُنيا سَلامٌ واجِبٌ

ومَقامٌ بديارِ الوَحْدَةِ

*

أيّ عزٍّ يا فؤاداً خاوياً

وكياناً برَميْمِ الهَيْأةِ؟

*

فتَعَلّمْ كيْفَ تَحْدوها إلى

بُقعةٍ فيها أريْجُ الرَوْعَةِ!!

***

د. صادق السامرائي

 

أتُرانا نستحقُّ أن يحبَّنا اللهُ

نحن من سَرَقَنا الوقتُ غفلةً

لازلنا نَتشدقُ بحروفِ أجدادنا

لم يَعدْ التاريخُ يذكر منا

غير رائحةَ الدمِ

النتنةِ

يَعدُّ علينا حروبَنا العبثيةَ

ألا زلنا

نحلمُ بالوطنِ السعيد ؟

وحبيبة لم تخن

لتكون شاهدَ صدقٍ

على تصدعِ الوطنِ

تعالوا لنطببَ خاصرةَ الوطنِ وهي تنزفُ

وذلك الذي يحلمُ

ان يثملً وهو يعاقرُ

ماءَ الفراتِ في الغربة

أتُرانا نستحق أن يحبنا الله

ونحن لم نفصحْ بعدُ

عن حبنا لجديلةٍ

أو

حتى خصرِ الغانيات وهو يتمايل

أترانا نستحق أن يحبنا الله

ونحن نشهد تصدع الوطن خانعينَ

لنبتكرَ أبجديةً جديدةً

للاعتذارِ عن كل المواعيدِ

المجهضةِ

لعودةِ العصافيرِ الى الحقولِ

والضحكةِ الى حضنِ الوطن

***

كامل فرحان حسوني

 

يا أيُها النهرُ المقيدُ بالسلاسلِ والرصاص

لن تذهب الايامُ حتىٰ تنحني

الهامات عند مقصلةِ القصاص

*

نهرٌ تَسابَقَ مَوجُهُ ماءاً زلال

ينزو علىٰ ملح الجنوب

من الشمال

*

تصطفُ أعوادُ الأرُزِ علىٰ

الطريق

تعانقُ المَوج الرشيق

عِناقَ عاشقةٍ تَغَشاها عَشيق

*

وأنسل من أحضانها قبل

صِياح الفجرِ بعد ما أنبتَ فيها

سُنبلةً بيضاءَ تسُرُ

المُنتظرينَ

أقواتهم

*

مُتجهاً نحوَ الجنوبِ حيثُ العرائس الباسقات

اللاهثات

يُكللُها

بياضَ الملحِ

المُتراكمِ فوق جُذوعها

الحمراء

*

يقطرُ من اذيالها البيضاء

فوق زهور الحِناء

*

إذن ....

فَليحضُن النهرُ الخَصرُ

فينهالُ عليه التمرُ

*

في حفلِ زفافِ النَهرِ

علىٰ بيضاءَ الخَصرِ

*

فانطفأ الجمرُ

وتراقصت أزهارُ الحِناء

فوق جدائل النساء

*

فلقد ذاب لسانُ الخليجِ

في قافلة الموجِ

البهيجِ

***

بقلمي

فاضل الجاروش

26/5/2022

 

 

كم أمقت السماء والنجوم يا إلهي

وأحب الحرب في الصيف

كم أحب القناصة إذ يطردون الميتافيزيقا

و يمارسون فن اليوغا بعيون من الكريستال

كم أحب ضجيج مروحيات الأباتشي

رعاة البقر في التلة المنطفئة

رقصة العميان في الجب

صرير عجلات القلب

الجنود وهم يوزعون شطائر البيتزا على الأموات

هروب شجرة الفستق من الحديقة العامة

الزجاج المتساقط على رؤوس الأرامل

وأنا في شقة متحصن بالفرار

أمزق فريستي بأنياب فهد أشقر

أفرغ عمودها الفقري من الفضة والغيوم

أحب رائحة البومة النافقة.

رائحة الأصابع المقطوعة في الشرفة.

رائحة الخيول التي تركض في براري دمي.

أحب ممارسة العادة السرية

تحت مطر القنابل

إيقاع أقدام الشياطين العذبة

أحب سمل العيون المشمسة بآلة حادة

صناعة مطريات جيدة من جلود الموتى

أحب الرصاصة التي تعض جارتي من إليتها المكتنزة

الرصاصة التي تقيم في القلب

تنبش كيس مخيلة الرهينة

تلتهم نهديك المقوسين

أيتها الإوزة المشبعة بالشك والنميمة

لمسدسي طعم الكاكاو

وعلى نافذتي ترتطم أشلاء القديسات

كم أحب ديدانك المتلعثمة

***

فتحي مهذب

 

تماضر كريمالأمر بدأ بفكرةٍ مضحكة، في لحظة منفلتة، كانت تسكب الشاي في الأكواب بكلّ أريحية، بعد أن وضعت كمية كبيرة من السكّر لابنتها وكمية متوسطة لزوجها وتركت كوبها بلا سكر، حسنا، ماذا لو أنهتٔ حياتها، انفرجت شفتاها عن أسنان سليمة لامعة وهي تتخيل شكل عائلتها وأصدقائها بعد سماعهم النبأ، كادت تضحك بصوت عال، لشدة غرابة الفكرة واستحالة وقوعها، عندما حملت الأكواب بخفة، وبهجة قلّ نظيرها، انفجر السؤال بداخلها (لم لا)؟

كثيرا ما أحب زوجها طريقتها في فعل الأشياء، لم يخبو شعاع انبهاره بها، حتى بعد عشر سنوات من الرِفقة، عندما حمل الشاي إلى شفتيه صدرت منه صيحة، لقد احترق لسانه، ضحكت بدلال وتهكّمت عليه، ما لبث أن حلّ صمتٌ مفاجيء، صمت غريب، ثم خيم على قلبها إحساس عميق بالحزن، وهي تشرب شايها المُر، يا للعجب، إنها تُمطر، إنها زخة مطر عجولة غزيرة، تطرق النوافذ بإلحاح واضح، وترسم على النوافذ خطوطا متعرجة وعلى الطرقات خرائط غامضة، والفكرة ذات الفكرة تنرسم في خيالها، كيف تُنهي هذا الوجود.. هذا الكيان، لمَ قد تكون هذه الفكرة مستحيلة، إنها قابلة للحصول، فتحت خزانة ملابسها، ألقت نظرة على كلّ شيء، الحقائب، الحليّ، علب التجميل، هنا حاسوبها وأقلامها التي تختارها بعناية، ودفاترها، ومكتبتها ذات الرفوف شديدة الترتيب، والجدران التي تزينها اللوحات الباهضة والصور التي تشرق بالبسمات، كل شيء هنا يريد أن يعيش، أن يدوم، أن يعانق الصباح  كلّ يوم، ويسهر مع النجوم كل ليلة، لكنها لم تفهم، لماذا كانت تشعر أنها تودّع كل أشياءها التي تحب، كأنها تلوّح لها.

هل هي لعنة الفكرة التي باغتتها؟ (نعم لمَ لا؟ لم قد تكون تلك التفاصيل مهمة، وتلك الأشياء ذات قيمة؟ ألم يكن أولئك الذين أنهوا حياتهم قبلي، في لحظة ما مستغرقين في أيامهم بتفاصيلها الحلوة والمرة، وربما كانوا في أوقات ما يعيشونها بشغف كبير، نعم، أظن أن ضحكتي المبالغ فيها اليوم حول فكرتي المباغتة كانت سخافة لا أكثر، فالأمر جاد، إنه ليس مضحكا أبدا) . أغلقت الخزانة، والكتاب الذي بقي مفتوحا على صفحة ما منذ ليلة، نزعت الخواتم من أصابعها وباقي الحلي.

رفعت شعرها الطويل إلى الأعلى، عندما خرجت من غرفتها كانت قد وضعت خطة لتنفيذ فكرتها، ذهبت  بثبات لتبدأ بالخطوة الأولى، لكن صوت ابنتها أوقفها لوهلة (ماما أين دفتر الرسم ..لم أعثر عليه في حقيبتي)، قالت لنفسها أن من ينوون عمل شيء مهم لن يثنيهم الأطفال عن ذلك، الأطفال سبب عاطفتنا الزائدة وسبب ضعفنا، كانت تفكر في ذلك وهي تبحث عن دفتر الرسم، تبا لدفتر الرسم، تحت السرير وجدته  بعد بحثٍ قصير، حملته بلا مبالاة إلى ابنتها (لا تُلقي أشيائك هكذا.. لقد نبهتكِ مرارا)، أدهشتها فرحة ابنتها بدفتر الرسم، ماذا سترسم الآن ؟ تبدو متحمسة.

لكن ماذا لو انتظرت قليلا ريثما تُنهي رسمتها، هذه الطفلة مذهلة في استعمال الألوان، نظرت إلى الأرض والسماء والبيت ذي النافذة الصغيرة وشجرة الرمان، في لوحة ابنتها، كان كل شيء كاملا هنا، عدا الأشخاص، إنهم مغيبون، حسنا تفعل، عالم بلا إنسان، هذا ما يجب أن نرسمه، لم تُظهِر ثناءً لابنتها، كانت غارقة في تفاصيل اللوحة، (ماما  ماما هل هي جميلة)؟

كلمّا علينا فعله أن نتجاهل جمال الأشياء من حولنا، الأطفال، لوحاتهم، الأصدقاء، الأيام القادمة، التفاصيل الحلوة، نكهات الشاي والقهوة مثلا، طعم الكعك المحلى، كل شيء، ينبغي أن نكون شجعانا، الأشياء العظيمة تبدأ بفكرة، فكرة مضحكة أحيانا، صدقيني يا صغيرتي حتى لوحتك هذه لن تصمد أمامها، حتى ابتسامتك، ورغبتك في الثناء، فقط لا تؤخري رجاء ما أريد البدء به !

***

تماضر كريم

 

راضي المترفيثلاثة قصص قصيرة جدا

تبديل

 تعرض إلى حادث سير كارثي ونقل للمستشفى شبه ميت وبعد إجراء الفحص أعلن كبير الأطباء أن الحالة ميئوس منها مالم يتوفر متبرع بقلب خلال ستين دقيقة فتحرك الجميع وقبل نهاية المهلة اخبروا الطبيب بعثورهم على قلب عاهرة كانت تبرعت به عند موتها عله يكون سببا للتكفير عن سيئاتها فوافق الطبيب فورا وادخل المريض غرفة العمليات وبعد ساعات أعلن الطبيب عن نجاح العملية وبقاء المريض على قيد الحياة وبعد عدة أشهر اكتسب الشفاء التام لكن لوحظ عليه انه غالبا مايرتدي ملابس الزهاد لكنه يتصرف تصرف المومسات.

**

خذلان

كانت تجلس وحيدة في مقعد الباص عندما صعد هو، حرك في صدرها مشاعر تراكمت فوقها سنين طويلة وبين لحظة صعوده ووصوله قريبا منها مر أمام ناظرها شريط ذكريات الصبا والشباب ومشاكسات ابن الجيران وقصة حب ذبحتها الأعراف، كان كل ما يهمه وجود مقعدا شاغرا يرمي جسده المكدود عليه بعد يوم عمل شاق وحين اقترب منها دعته باسمه للجلوس جنبها. اعتذر بأدب قائلا: عفوا أكره ثرثرة النساء، وتجاوزها دون اكتراث.

**

خيبة

اجتاز الشارع من الجهة المقابلة ليركب الباص الصاعد إلى مركز المدينة. نظر إلى وجه المرأة التي تقف أمامه على ناصية الطريق فتأكد له أنها تلك المرأة التي لم تستطع واحدة أخرى مزاحمتها على قلبه قبل سنوات وأسرع الخطى نحوها وحياها بكلمات راعشة فردت ببرود واستغراب وعندما هم أن يعلمها بنفسه كانت تضع قدمها على عتبة باب سيارة متجهة إلى جهة لايقصدها.

***

راضي المترفي

 

ابراهيم تبلسم جراحاته وجوه الصبايا اليافعات وتلابيب السماء هباته مثل الغيوم الباسمات تجرجر الرياح في اذيالها تصطنع الحياة أمه الوجلى ببسمتها تجلي السماء وبحيرات النشامى وأنهار خريف الذكريات صحبه من الفتيان يشيرون ذاك طريق مغلق النهود لنعود فاتحين إلى الوراء يا ويحكم هذا الطريق الأمن يوصل إلى الجنان والباسقات تتراقص مع اليمام يا صحبتي ثمة ثعبان كبير وتماسيح مجلجلة بدماء الأبرياء يقيمون حاجزا للاتقياء في لحظاتي هذه الشمس أكثر قربا من الروح ونسيمات المطر يترشرش منها الآفاق هي طريقي يتفصد منها ملح الأرض من الدماء لتوليد الشهوة في امي حتى العناق في خطونا إلى الوراء تزهر الهاوية فرحا وتتغشاني تسابيح النار في الفضاء في حضرتي تعانقني أمي وكأني لم ازل في أحشائها امتع نفسي بهوى الجنان مزمارهم يبحث عن رخويات الاهرامات وحدائق بابل والملك العربي النعمان قلبي يتلفع الجميلة بسمة أمي يطلق صيحات العناق في الزوايا الشامخات ثمة موسيقا صافية تنبعث من عبق حارة الياسمين والزوايا الهادئة في اللامكان تتجول الروح في حارات بلدتنا العتيقة تستنشق عبق المجد وعبير الكبرياء تستحثني بسمتها يتوالد الغضب كي يغلي الدم في عروقي وتلتحم اهات الشعب قلبي يدندن فرحا بالاتي يستمطرني شوق مدينتنا فالحرب المقدسة تستطرق الوجدان في بضع خطوات كي التقيك إلى سمرات الموت كي اتدفأ حبك يا ملح الأرض يعرض عليها قلبه فهو ماض إلى الحرب الجهمة في ليل يخلو من ظلمة اليباب يزهر التفاح في وادي العذارى يتبختر النسر البري يتهادى ضباب النهر يمجد الألحان هي مجدها تصنعه تصون متغيرات الدهر وينساب عطر البارود يجلجل الزمان جاءوا في غمرات الجمر الحاني على جلود المتعبين مع ظلال طرب الصخور والآفاق من صولته يرتفع مجد اللقاء عمودا تسند به الحسناوات أركان الخباء والبسمات يحمل ألمه في صدره يردد لحن دمه النازف يوصل رسائله إلى وجنتي الشمس في الأدغال دمه صوتها انتظرني حتى اعود لكن صمت الصمود يلجلج انتظار الأنين من الأمطار روحه تناجي جرزيم وعيبال تمضي مسرعة على دروب الأجداد الفاتحين وشموس القتال نفسه روحه تخاطبان مجد الثرى والطفولة والكهولة وتموجات الأنهار سمموا وكر من يحب ترابه وتبينوا حبيب الغيرة والخجل وانبعاث جذوة الأعماق اني اعشقك تسري جذواته في الأعماق تعشقينتي بصمت يتماثل جرحي للشفاء هي الروح تعبث بندف الثلج الاتي مع التماسيح يندفع وجد التيار ورقرقة الاوقات هي ظلمة من يموتون على موائد الثرى وتودع اليمامة غاليها والالم يتغلغل في الآهات ابراهيم يدندن لحنه القرمزي زمن الرجولة قد حان في ساعتها وما من خوف من ميت تحت الأنقاض ليس من الرجولة أن نفر ولا نروي مجدها هي أمنا وارضنا الجميلة لها صولات الكبرياء مقراتهم مرسومة في العتمة وابراهيم تتوضأ بدمه جديلة الشمس والنجم الساجد للرحمن أمي تلقن النفس بأن الحب يكتشف أسرار الصمت وتباشير الحياة والدلال زمني يا أم إبراهيم هو الثمين وزمنهم لا حكمة فيه ولا سرمديات ولا غلال طفولتي حلم الحياة ينبعث بها وصية الاله ونياشين انتصاف الليل حين يمتهن الصواب نصرنا مرح والجسور يغنيني فرحا في ارتياح الوجد وقصائدي فيهمو شدو الحياة.

***

 نادي ساري الديك رام الله _فلسطين 14/8/2022م

إليها ودمه يعيد الينا الطرق المقتولة في فواجعها وبسمتها تقف شامخة كانتصاب شعر الماجدات.

 

انعدام الرؤى

جعل شعاع

قوس قزح الصباح

ينحرف عن مساره

صوب القلوب اكثر

روعة وبهاء واكثر

تعلقا بالشفق الازرق

وبالمطر وببنفسجات

واقحوانات

العطاء

وجعل بنات اوى

الثعالب

والذئاب

تعوي في حقول

رؤاها الرمادية

الجرداء

والبومة الصلعاء

في خرائب احلامها

السود تنعق

والهداهد

العاشقة والمعذبة

في مروج امالها

وامنياتها

تعزف على اوتار

قيائر قلوبها الحزينة

لحن البرق

لحن الغيم

ولحن المطر.

***

سالم الياس مدالو

نامت على نَزْفِ البراءةِ أعينٌ

باســـم العروبةِ دمعُها مِـدرارُ

*

اُسْـــدٌ عـلى إخـوانِهم بتَطرُّفٍ

ومـــع الغُــزاة بوَهْنِهـم أبـقـارُ

*

أنـفـاسُ غــزّة مزّقتْ أستارَهم

فَـتَسـرَّبـتْ مِن جُـبْـنِهم أسْـرارُ

*

عــارٌ عــلى نوْط الزّعامةِ يَعـتلي

صَـدرَ الخــيانـة، فاثأري يا نـارُ

*

ياطـُهرَغزّة قد كشفتَ رؤوسَ مَن

فــيهــا الـنّــفـــاقُ مُعَـشِـشٌ مِـكْـثارُ

*

تــعـلـو مـآذنَهــم بِـصَوْتِ مـُكـبِّــرٍ

وَدَمٌ لإخـــوانٍ لــهــم ، أنـــهـــارُ

*

مِعـوان صاروا للعــدو بِصَـمْـتِهم

والحــقُّ أبـْلـجُ ، مـا عـليه غُــبارُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

أحتاجُ النومَ قبلَ أنْ يسرقني الوجعُ

أحتاجهُ لأن أطيافه

لنْ تتكررَ

بهِ أغادرُ كلَّ أشكالِ العبوديةِ

يحررني من جسدي المتعبِ

من أقوالٍ تتراكمُ فوقي

بحراً هائجاً

أحتاجُ النومَ كي أغادرَ  تعسفَ الأزمنةِ

أو ربما اكتبُ رسالةَ غرامٍ

عجزتُ أنْ اكتبها ساعةَ الصحوِ

أني لأساجلُ الذاتِ بالذاتِ

أتحررُ من قلمي المفرطِ بالأنا

أتحررُ من سماعِ صوتِ طفلٍ

يقتلهُ الجوعُ في وطنٍ

أشبعتهُ الخرافةُ دونَ أنْ يتحررَ

أني أشتهيكَ ايها النومُ

لاتكن عنيداً معي

كفكفْ عني تمردي

خذْ بيدي رسائلاً لم اكتبها

طوقني عقداً من الوردِ

أنا المقيدُ بنرجسيةِ الصبرِ

أحتاجُ اليكَ

حتى أني ما عدتُ اسكاتَ وسادتي

أتدثرُ فيكَ

وأقولُ متى ألقاكَ

أحتاجُ اليكَ رفيقَ الدربِ المؤبدِ

مَنْ سواكَ يذكرني بعشيقاتِ سلوتي

او حتى خطاباتِ ثورتي المحبطةِ

وحدكَ تتمشى معي

وحدكَ وهبتني نشوةَ الحبِ والغرامِ

شاركتني أسراري

ايها الحارسُ الأمينُ

كمْ مرةٍ حاربوك بيقضتي

لكنكَ كنتَ الاكرمَ

تعودُ تزقني احلامَ العصافيرَ

او ربما تأخذني لسواحلِ الغربةِ

تأتيني بكلِّ طيورِ السماءِ

تجعلني ارتلُ آياتٍ لا تعرفُ العبثَ

تعال لي معكَ مواثيقُ واسرارٌ

تعال قبلَ أنْ يسرقكَ مني الغبشُ

تعال شاركني البقاءَ

أنا لا اريدُ أنْ اصحوَ

ثمةَ جلادينَ ينتظروننا

ثمةَ من يمسكَ الاغلالَ علينا

يسلبُ منا سحرَ الجمالِ

ياصديقي يامن اورثني

وثاقَ العشقِ

وحدكَ الذي كنتَ معي وفياً

***

عبد الامير العبادي

قدر

على ضفافك المخضرة ولدت

كما شاء القدر

وكما شاءت رؤاك هلين

وكما شاءت الأساطير والحكايات

وكما وددت وتمنيت وانتظرت

وكما اشتهت البساتين والحقول

مطرا..مطرا

وغيثا..

ونبعا..

وفيضا..

ونهرا جارفا على ضفافك تدفقت.

سفر

كل مساء  يحن  إليها

يشرع بحب نافذة قلبه

المطلة على جنانها

كفيض  النهر المتدفق

يحرر من القفص مشاعره الحالمة

فيطير..

***

عبد الرزاق اسطيطو

إنتهت ..

إنتهت ..

إنتهت "اللعبة"!

لمْ يبقَ لي إلاّ "اللعب بالوقت الضائع"!

عَلّقتُ سلاحي على سِدرةٍ عتيقة ..

...................

لا بطولةً،

لا بَراعةً، أو فِطنةً أنّني أحيا!

سأَنكَبُّ على "مؤجلاتي "، فلا وقت للتبذير!

إنتهت اللعبة!

إنتهت!

لم تَعُد هناك فرصة أخرى ..

**

لمْ يَتسنَ لي أنْ أُهنِّأ أُمي بسلامتي معطوباً ..

كلُّ مَنْ حَوْلي هَنَّأني على "السلامة" المنقوصة!!

لكنني بقيتُ سيّدَ ذاتي،

لا  أنسى ولا أَتذكّرُ الماضي إلاّ حينَ يَشرَقُ الهواءُ بغبار "الآنْ"!

لمْ أُسائل نفسي لماذا أحتفي بصداقةِ اليومي،

وأَنتشي بالنَزرِ المُتاح!

ربما أكونُ أرجأتُ إستذكارَ "المَلاكَ" إيّاه كي أُموِّهَ ما إستبطنتُ من حُطامي!

وأَعرفُ أَنه ساديٌّ مراوغ،

يقضمُ "رأسمالي"/ أصدقائي من حولي .. واحداً، واحداً لينفَرد بي!!

أَتُراه خائفاً مِنّي ؟.. أَنا المعطوب ..؟!

**

هلْ يَمرَضُ مَلاكُ الموتِ مثلما نَمرَضُ ..؟!

أَيُصابُ بالأنفلونزا، وفقدان الذاكرة(ألزهايمر) أو يدَخَلَ  "الكوما" ..؟!

إذا كان كذلك .. لنْ أَدعو له بالشفاءِ والعافية،

كي أَكتُبَ نَصّي الذي أَحلَمُ به!

فَبِيْ شَبَقٌ إلى ما لستُ أَعرِفُ ..

وأُريدُ أنْ أحيا وأنساه!

........................

كلُّ ما في الأمر أَنّي أُصدِّقُ حواسّي، بأَنَّني لمْ أَزَلْ أَحيا ..

أتأبطُ ظِلِّي كي لا يتعثَّرَ فوقَ رصيفٍ مَجدورَ الوجه، فينكسَّرْ،

لمْ يأتِ موسمُ "القِطاف"،

لمْ يأتِ،

لمْ ..!

وساعتي لمْ تَحِنْ بعدُ !

**

وسطَ ضوءٍ نحيلٍ يَخبِزُ الليلَ، نَجوتُ مصادفَةً،

حاولتُ تعديلَ مسيرتي، كيف ما أَشتهي!

إذْ ما كُنتُ لأكونَ لو أَنَّ الموتَ لم يكنْ عشوائيا،

إختطفَ أخَوَيَّ الأصغرين قاسم  ورسول!

يزورني في المنام، دون دعوة، ويقولُ:

" ما نسيتكَ، لنْ تَفلِتَ منّي، وإنْ نَجَوتَ بضعَ مرّات!"

فأقولُ له: " غَلبتُكَ يا موتُ غير مرة! أما تستحي  ؟!"

**

ما كنتُ لأحيا لو أنَّ الرصاصةَ الغبية لم تُخطيء مسارها بعشرينَ درجة،

فتَستقرَّ  في ركبتي مرتين:

في ساحة السباع  وفي كردستانْ.

....................

ما كُنتُ لأَحيا  لو لمْ أُشاغل ضابط الجوازات صالح منهل- زميلي في المتوسطة –

فلو أَلقى نظرةً على قائمة " الثلاثونَ المُبشّرونَ بجهنم "*لَرُحتُ بشُربة ماء!!

...................

ولا كُنتُ سأحيا  لولا جَلَبَةٍ قام بها اليمنيون الجنوبيون في مطار الكويت، دفاعاً عنّي،

يومَ أرادت مخابرات جارهم الأكبر إختطافي!!

..................

ما كنتُ لأحيا في قصر النهاية، لو لمْ يكتشفوا أنني لستُ يحيى بابان **!!

..................

وأخيراً .. ما كنتُ لأحيا  لولا فَزَع صديقي د. إلياس البطل لما إكتشف بأن لديَّ سرطانٌ

فأرسلني إلى المستشفى فوراً!!

**

ما يُنسيني الموعد مع "المَلاك" إياه،

بُنيَّتي ندى، شَغَفي بزهرةٍ يانعةٍ شقَّت الجدار لتعرضَ فِتنتَها،

هَوَسٌ  بالطبيعة ..

كثرةٌ من الكتب تنتظر القراءة،

*

وبلسم الروح موسيقى وأعمال فنية .. وكــاس!

كلُّ هذا يبقيني أُناطحُ الموتَ ..!!

***

يحيى علوان

.....................

* المقصود قائمة بثلاثين إسماً من المثقفين صدرت أوامر من مركز النظام عام 1978 بمنعهم  من السفر وجرى تعميم ذلك إلى  دائرة الجوازات والمطارات والمنافذ الحدودية، وقد ضمت القائمة زهير الجزائري، نبيل ياسين، فاطمة المحسن، فالح عبد الجبار وكاتب السطور وغيرهم مما لا أتذكر الآن .

** يحيى بابان واحد من نشطاء القيادة المركزية، زميل لي في أتحاد الطلبة . كان يدرس في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية عام1969.

إرتفاعٌ

يغمر الإنحدارات حولي

بالخِصْب ..

2

تموّجٌ

يمتدُّ ويمتدُّ

حتى ينتهي

بنصف كرة الأرض ..

3

الأمطارُ لا تعلو

الأمطارُ دوامُها الهطول

وما سواها

نافورة شوق ..

4

مدوّرةٌ تبقى الأحلام

حتى يزورها

عمود ضوء ..

5

بوحٌ

تسرّب

وما تركَ زاوية

إلّا

وأيقض فيها الهواء ..

6

ساكنةً كانتْ

حتى

إعتراها صهيلٌ

وأفزعتْها شرارة ...

***

إنهاء الياس سيفو

 

حميد الحريزياخذت تتقاطر طوابير سوداء صوب المبارك، ذاع صيته بين ضفتي نهر (الياس) كما يذيع خبر هروب عشيق مع عشيقته في قرية عراقية، تبدو هذه الطوابير من بعيد وكأنها مزدوجة الراس، لما تحمله من هدايا ونذور للمبارك الذي (اشهر) توا في قرية (العميه)، الحمير محملة بأثقالها تبدو فرحة وهي تغذ السير نحو المبارك، كفرح لقاء حبيب لحبيبه، تطلق العنان لحناجرها بين حين وآخر اعلانا للفرح وكأنه يخصها برابطة قربى ....

كان (ريحان) حنونا، مميزا بالإيثار، مشبعا بروح المشاركة، فقد ولدا في يوم واحد هو و (حمدان) الذي توفيت امه اثناء عملية المخاض والولادة، فكانت ام (ريحان) هي امه الثانية، حيث اقتسم هو و (ريحان) ثديها، فترعرعا معا برعايتها، كانت، سخية في منحهما حليبها، مما جعل والد (حمدان) يوليها رعاية خاصة، رغم كونه كان جلفا قاسيا في تعامله مع زوجه محملا اياها سبب عدم الانجاب لعدد من السنوات، هذه الامنية التي تحققت اخيرا بولادة (حمدان)، وموت والدته كنيجة طبيعية لما عانتها من قسوة وقهر زوجها، وحدوث مضاعفات لم يحتملها جسدها العليل ...

لم يبخل وهو المعروف ببخله الشديد، على ام (ريحان) بالطعام وعمل سقيفة خاصة تحميها من حر ومن برد، فلابد ان ينمو (حمدان) معافى، ليكون (حزام) ظهر، وعزوة، ووريث عهد والده، على اقطاعيته ومواشيه وامارة عشيرته، مما دفعه الى مضايقة (ريحان) ومنعه من رضاعة صدر امه، ليكون ضرعها من نصيب ولده من صلبه، فعمل واقية تحمل واخزات تمنع رضاعته، مما يجعل الام تجفل منه عند محاولته الرضاعة، لما يسببه لها من الم .

اخذ (حمدان) يتألم لما يلحظه من ضعف وتردي صحة اخيه بالرضاعة، يوما بعد آخر، دون ان يتمكن من مساعدته، فلم يعد قادرا على مشاركته اللعب والعدو في الحقول والبساتين، مما أثار مخاوفه وقلقه على اخيه، وعلى مرضعته التي بدت حزينة، عاجزة عن فعل شيئا امام قسوة وغلظة والد (حمدان) على ولدها ورضيعها المسكين ...

ذات صباح لم تشرق غرة (ريحان) كعادته كل يوم، مما اثار مخاوفه وهرع صوب مضجعه، فوجده جثة هامدة متخشببة لاحياة ولا حرارة فيها، والدته (الاتان) منكسرة منهمرة الدموع تحوم حوله، محاولة ايقاظه دون جدوى، ما جعله يصرخ هائجا باكيا مهرولا صوب والده لإخباره بما حدث، استقبله الوالد ببرود كبير مثير للقرف والاستغراب وكأنه على علم بما جرى، قام متثاقلا استجابة لجزع وصراخ ولده، بإجراء مراسيم دفن ل (ريحان)، وهو ينظر شزرا لوالدته المفجوعة برضيعها العزيز ...

احس (حمدان) بفراغ كبير بعد فقدان اخيه الجميل تحت التراب قرب فسيلة طالما كانا يتسامران مستظلين بظلها، فأصابته كآبة شديدة، ارتفعت درجة حرارته، مما اقلق والده كثيرا، ولم تنفع لشفائه لا اعشاب الجدات ولا تعاويذ الملالي ولا حتى ادوية اطباء المدينة،وربطه بشباك (السيد) الذي يقع مرقده في الجانب الاخر من النهر، والنذور المتعددة الموعودة التي وعد بها والده ل (السيد) عند اكتساب ولده الشفاء، فسيطر الهم على والده زعيم القبيلة التي شاركت اميرها حزنه وكمده على ولده الوحيد، خصوصا وقد شح حليب مرضعته وهي تعيش الم فراق رضيعها، وهو يرفض رضاعة غيرها ممن تبرعن بذلك عطفا على (حمدان)، اخذوا يجلبون له الهدايا واللعب وأنواع الاكلات دون جدوى ....

في لجة هذيانه وموجات الحمى الشديدة طلب ممن حوله اخذه لزيارة قبر اخيه، في البستان، فكان له ما اراد، حيث حمل الى قرب القبر، وضعوه تحت ظل الفسيلة وشجرة الرمان والفسيلة الاثيرة لدى اخيه، شمته مرضعته منهمرة دموعها حزنا على حاله لفقدانه اخيه، انكفأ على وجهه يشم تراب القبر، متلفظا بكلمات لها صوت كصوت النهيق ...

حاول والده ان يلاطف مرضعته، فعاجلته برفسة خلفية قوية، افلت منها باعجوبة، فقد كادت ان تحطم رأسه وتذهب بحياته ...

شيئا فشيئا بدأ (حمدان) يستعيد حيويته، وتغادره رجفة الحمى، طلب شربة ماء، شرب وسكب الباقي على قبر اخيه ممزوجا بدموعه وحسراته، جلس طالبا الاكل فاطعم رطبا ولبنا، فكان محل استغراب الحضور وعجبهم للتحسن السريع والمفاجئ لصحته، تهللت الوجوه بالفرح وعمت بينهم البشرى، فرقص الرجال وزغردت النساء، نحرت الخراف، فرحا واستبشارا بشفاء عزيزهم، وهو عند قبر المبروك (ريحان)، فشاع خبر شفائه بين سكان قريته والقرى المجاورة، اخذ الناس رجالا وتساءا وأطفالا يتوافدون الى قبره، للتبرك وطلب الشفاء وتحقيق المراد، وقد تحدث الكثيرون عن كراماته، فمن كان مريضا شفى، ومن تعثر عيشه اصبح موسرا، ومن جفاها زوجها عاد اليها صاغرا، وووو، فتضاعفت النذور والهدايا، على مختلف انواعها، حبوبا، ودجاج، وخرافا وعجول وأقمشة وفواكه، وقد اصبح (ابو حمدان) راعيا لقبر المبروك، متلقيا النذور، وموقدا للشموع والبخور، وسط حيرة ودهشة (حمدان).

لوحظ عزوف الزوراق التي كانت تحمل الزوار كل خميس الى مزار (السيد) في الجانب الثاني من النهر، رغم ضخامة ووثوقية شجرة نسبه وحسبه، في حين يزداد عددها باطراد لتتوقف عند قبر (ريحان)، مما اثار حفيظة القيمين على ضريح (السيد)، وقد شنوا حملة تشكيك واسعة النطاق، حول اصل وفصل (ريحان) ولكن دون جدوى، فلم يطل بهم المقام حتى اتوا حاملين نذورهم للتبرك، وطلب المغفرة ...

تبرع اهل (العميه) ببناء (ضريح) للمبروك، وتم تسييجه بسياج امتد لعشرات الامتار، و فرشه بالحصران والسجاد والوسائد المزخرفة المزينة بالنقوش، و تعيين يوم يوما خاصا بزيارته وهو نفس يوم شفاء ( حمدان) من مرضه الوبيل، تفتح الابواب مشرعة للزائرين في هذا اليوم مع ملاحظة عدم السماح بدخول الدواب والحمير، مما جعل ام ( ريحان) تطوف ناهقة حول سياج قبته، مما اضطر (ابو حمدان) الى طردها بعيدا عن السياج،وان يسدد لها طلقة من مسدسه مرديا ايها جثة هامدة لمنعها من تدنيس قدسية المكان، لتكون وجبة دسمة للكلاب والثعالب والعقبان !!! .

***

قصة قصيرة

حميد الحريزي

مُعلقةً

في جيدْ البُندُقِيةِ

تلك الحبوبُ الذهبيةِ

التي وقعت في الأسرِ

عند عبور الجسرِ

الممدودِ

من بَحرِ آزوف

الىٰ البحر الأسودِ

*

ياربَ القَمحِ والشعيرْ

ورب الغني والفقيرْ

*

لقد أَسروا حَبةَ القَمحِ

وَحَرمو منها التنورْ

وتَوقفَ الناعورْ

الذي كان يدورْ

ليملأ السواقي

      والدمعُ في المَآقي

والخوفُ في التراقِ

    والتَفَّتْ الساقُ بالساقِ

*

كي يَشربو أنخابَ النَصرِ

بعدَ أِختمارِ العَّصْرِ

*

مُغَمسَةً بالسنابلِ

والنساءُ تحت القنابلِ

والأطفالُ في

المراجِلِ

*

أوكرينيا ياحَبةَ القَمحِ

الشقراء

وبذور الزيت السوداء

من جعل أرضك جرداء ؟

*

وفي الضِفةَ الأُخرىٰ من البحرِ الأسودِ

تقفُ المجرشةُ والتنورْ

تنتظر امواج البحرِ المسجورْ

*

طوفاناً يَهربُ

من أسرٍ

*

ليبدأ العناقُ

وينضُجُ الرِقاقُ

وتهدأ الاشداقُ

وتنعس الأحداقُ

*

وليَذهَب الأربابُ

الىٰ الجحيمْ

وليشربو من الحميمْ

*

فقد عَبرَتْ قوافلُ

الأسرىٰ بَحرَ آزوف

الىٰ البحرِ الأسودْ

***

بقلمي فاضل الجاروش

11/6/2022

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م