قضايا وآراء
سؤال كبير وخطير: إمارة الشعر العربي من امرئ القيس إلى امرئ العراق (2)
ألف مضت وابنُ عبّاد بها أحد
واليوم ألفُ ابن عبّاد ولا أحدُ
وكان كافور فرداً تستقيم له
واليوم شتى كوافير وننفردُ
وكان إنْ لم تهبه مدحةً حرداً
واليوم من نختلي في مدحه حردُ
وبالتوازي مع صيحة الجواهري الخالدة، هناك صيحة عبد الرزاق عبد الواحد في حضرة أبي الطيب، وهو يخاطبه في قصيدته الرائعة (يا سيدي المتنبي)، قائلاً:
يا سيدي المتنبي لا أقولُ كما
قالوا ولا أزعمُ الطهرَ الذي زعموا
يُقالُ عنك عتيّ في تجبّره
وعندنا كلّ شبر فوقه صنمُ
وقد تجبّرت إعجازاً ومقدرة
بينا تجبّر فينا العيّ والصممُ
لنوافق جدلاً، إن عبد الرزاق عبد الواحد هو شاعر الدكتاتور، فليدلونا (الهؤلاء) على شاعر واحد جاء بعد الاحتلال، في شعره ربع خصوبة شعر عبد الرزاق، ونحن موافقون أن يمجّد هذا الشاعر جميع الأصنام، والأوثان، والأنصاب البشرية، التي جاءتنا بثياب الديمقراطية، التي يصحّ فيها قول عمر أبو ريشة:
أمتي كم صنم مجّدته
لم يكن يحملُ طهر الصنم
ومع أنني أؤمن أنه ليس في مقدور أحد، أن يحجب أحداً غيره، فاني أقول ببساطة، ليكن، تفضلوا، وها هو المجال فسيح، لمن يشاء، كما يشاء .
إن المجال مفتوح .. والفرصة سانحة .
وسنكون أول من يرفع لكم الرايات، ويدق الطبول، ونهتف من قلوبنا .
إن الذي يتجاهل التأريخ، هو من ينسى أن البذرة هي التي تصنع الشجرة .
والذي يعيش خارج التأريخ، هو من يتصور أن بمقدوره أن يفرض على اليوم، ما لا علاقة له بالأمس .
وقيل، وما أكثر ما قيل !.
قيل: إن عبد الرزاق مفرط شعره في المديح .
ولو صح هذا الهراء الذي يقولون، لألغينا ديوان الشعر العربي كله، من العصر الجاهلي إلى زماننا الحاضر، لأننا لم نقرأ شاعراً لم يكرّس نصف قصائده للمديح، ابتداء من امرئ القيس، الذي وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذهب إلى قيصر مُستنجداً بعودة ملك أبيه على كندة، وتلك قصيدة مشهورة، معروفة، يقول فيها:
أرى أمّ عمر دمعها قد تحدّرا
بكاءً على عمر وما كان أصبرا
بكى صاحبي لمّا رأى الدرب دوننا
وأيقنَ، أنّا لاحقان بقيصرا
فقلتُ له: لا تبك عينك إنما
نحاولُ ملكاً، أو نموتَ فنعذرا
والحمد لله، إن عبد الرزاق عبد الواحد لم يستعن بقياصرة، ولا أكاسرة، ولا أباطرة، على غزو بلاده، وسفح دم شعبه، بل استعان بشعبه على القياصرة، والأكاسرة، والأباطرة .. وكانت مواقفه هزة ضمير، ورد فعل طبيعي لإيمانه بوطنه، مقاتلا بكلمته دفاعاً عن مبادئ يعتقد أنها حق، لأن وطنيته ليست في طبل أجوف يضربه، إنما هي أزمات عاشها، ومعارك خاضها، أيام ثبت في الميدان، بينما كان غيره، يكاد يقتله الخوف، والفزع، والجبن، والأشباح .
فات على طواحين الهواء، من سوء الحظ، أن (المدح) كان، وما يزال، من أوسع أغراض الشعر العربي، قديمه، ومعاصره ؟.
أما كانوا يسمّون الشاعر الأعشى، وهو من كبار شعراء الجاهلية، ومن أصحاب المعلقات، ب (صناجة العرب) لكثرة مدائحه ؟.
وهل ننسى مدائح النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر (ملك الحيرة)، في قوله:
فانك شمس والملوكُ كواكب
إذا طلعتْ لم يبد منهنّ كوكبُ ؟!.
أليس هو النابغة الذبياني، الذي كان يأكل في جفان من ذهب، وآنية من فضة ؟..
وكان عبد الرزاق عبد الواحد، وأنا قريب منه، يأكل من حصته في البطاقة التموينية مثل أي مواطن عراقي .. لا جفان من ذهب، ولا آنية من فضة .
أليس من المحزن، أن شاعراً بقامة عبد الرزاق، يعيش اليوم في مهجره، وهو يستوفي عامه الثمانين، في شقة بسيطة متواضعة، ليست ملكاً له، يذكرني ببيت شعر لنزار قباني، يقول:
في عصر زيت الكاز يطلبُ شاعر
ثوباً .. وترفلُ بالحرير قحابُ ؟!.
ولم يكن أمامه وسط ما أحاط به من المحن والآلام، إلا أن يحلم، إن الغربة التي مرت به سلبته الكثير، سلبته الحرية أحياناً، وسلبته لقمة العيش أحياناً أخرى، لكن سنوات الغربة، التي مرت به لم تستطع أن تسلبه أحلامه، وكان حلمه أن يجيء يوم، ويجيء بطل، ثم يدور الزمن دورة كاملة .
وكان المتنبي هو من مدح كافور الإخشيدي، بقوله:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله
فإني أغني منذ حين وتشربُ
إذا لم تجد لي ضيعة أو ولاية
فجودك يُغنيني وشغلك يُسلبُ
إلا أن عبد الرزاق في جميع قصائده، لم يطلب ضيعة، ولا ولاية، ولا مديرية ناحية، ولا مختارية في قرية عراقية، وإذا كان كافور من الولاة العادلين، طبقاً لروايات التأريخ، فقد أساء له المتنبي، فيما بعد، بهجائه بعد مديحه، بسبب أنه لم يوله ما أراد من ملك .. لكن عبد الرزاق برغم كل الظروف المحيطة به، لم ينقلب على عقبيه، فيهجو بعد مديح، كما فعل المتنبي، وتوفيق الحكيم من بعده في (عودة الوعي)، غفر الله لهما، إنما استقام على موقفه، صواباً كان أم خطأً، لم يتعرّج ثم يستقيم، ويعلو ثم يهبط، ولم يقف موقف الخجل إزاء ماضيه، لكنه اجتهد، و(من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران)، وعلى نحو ما، فإن أحداً لا يستطيع أن يمس سجله الشعري بشائبة .
يكفيه أنه لم يُؤثر السلامة لنفسه، لأنه مدرك إن إيثار السلامة في الأوقات الصعبة، مرادف للهرب، وإن الذين يولدون في العواصف لا يفزعون من زئير الرياح، وهو على أي حال، لا يستطيع أن يهرب من سجله، أو يتهرب .. إلا بمثل ما يستطيع إنسان، أن يهرب من نفسه، أو يتهرب .
لماذا لا نواجه الحقيقة كما هي، بلا هستيريا، لا نخدع أنفسنا فيها، ولا ندير عيوننا عنها، ونعلقها بالأوهام، والأحلام ؟.
هل نسينا مدائح الفرزدق، وجرير، والأخطل .. وعشرات، عشرات من طبقات الشعراء ؟.
ونتأمل العصر الحديث، ونجد أن أمير الشعراء أحمد شوقي عاش على موائد الخديوي .. والزهاوي أفرط في مدائحه حتى التحق عضواً في مجلس المبعوثان (مجلس البرلمان) في استانبول .. ونقرأ أكثر من نصف ديوان الجواهري قصائد مديح .. وحسين مردان نظم ديوان شعر بكامله، في مدح الزعيم عبد الكريم قاسم .. وبدر شاكر السياب كتب قصائد يمتدح في أبياتها التيار القومي العربي، كانت من تبعاتها أن اختلف معه يساريون كثيرون .. وفي شعر البياتي كثير من المديح .. وكذلك محمود درويش مدح ياسر عرفات في أكثر من قصيدة .. وهكذا شفيق الكمالي، وخليل الخوري .. والشواهد لا تكفيها مجلدات .
وعلى هذا القياس كثير .. كثير .
ثم، أننا نقيس (النص) على مضمون (النص)، وليس على (الناص)، بمعنى أننا نقيّم الشعر على الإبداع، ولا نقيّمه على الأشخاص .
إذا كانوا يقيّمون الأدب على (الأشخاص)، وليس على مضمون ما يحتوي النص من إبداع، فلماذا لا يعترضون، إذن، على منح جائزة نوبل إلى أدباء صهاينة .. بينهم (شموئيل يوسف عفنون) الفائز بنوبل للآداب 1970 تقديراً لأسلوبه القصصي الذي يستمد (قيمة النص) من الحياة اليهودية ؟!.
فهل من المعقول أن نلغي أدب (عفنون) لأنه صهيوني، على الرغم من أن (الصهيونية) حركة عنصرية، طبقاً لقرار الأمم المتحدة سنة 1975؟!.
ولقد أضع في اعتباري سبباً آخر للتركيز على عبد الرزاق عبد الواحد، من دون تجنّ، أو تعسف على الوقائع .
ذلك أنهم يركزون هجومهم عليه، ويشنون حملتهم الضارية، لأنه، في تقديري، الشاعر الأكبر بين أبناء جيله، برغم أن معظم شعراء هذا الجيل، كانوا من أصحاب الأسماء التي تدق وترنّ، ممن مدحوا، ذات يوم، ما يقولون أنه (دكتاتور) !.
الحق، إنني أشفق كثيراً من صميم قلبي، على الذين حكموا على شاعرية عبد الرزاق عبد الواحد غيابياً، جاعلين من أنفسهم الخصم، والحكم، ف (فيم الخصامُ وأنت الخصمُ والحكمُ)، والقارئ، والجلاد، والسيّاف، والمشرّع، والناقد، والقاضي، والمفتي .. وقد أعذرهم أحياناً، أقول أحياناً، لأنني لا أظنهم قرأوا يوماً، طبقات الشعراء، ولا حماسة أبي تمام، ولا حماسة البحتري، ولا حماسة الشجري، لا قرأوا ابن قدامة، ولا ابن سلام الجمحي، ويبدو الأمر مُضحكاً، أن كثيراً منهم لم يقرأ القراءة الخلدونية .
هؤلاء لا نصروا صديقهم، ولا هزموا عدوهم .. لا هم قادرون على الصمت، ولا هم قادرون على الكلام .
ولي كلمة أضيفها على شكل سؤال:
هل من المعقول أن نختصر شاعرية عبد الرزاق في قصائد المديح وحدها، ونكتفي بمثل هذا التفكير السطحي الملون ؟.
دلوني على واحد، عاقل واحد، يستطيع أن يفهم، ويستطيع بالتالي، أن ينقل إليّ فهمه .. يفتح المُقفل، ويُنير المظلم !.
ما هي هذه العقدة النفسية من عبد الرزاق عبد الواحد بالتحديد .. ما هي مظاهرها .. ما هي مضاعفاتها، إذا صدّقنا الحكمة الطبية القائلة: تشخيص الأمراض نصف الطريق إلى علاجها .. وهل علاجها بالسحر، والاستعانة بالجن ؟!.
لا بد هنا من وقفة أمام حكاية طويلة، طويلة .
وليت علماء النفس كلهم يجلسون معي عندما أبدأ يوماً بكتابتها .
يا لها من أحكام جائرة !.
ويا لها من كانتونات، وشلليات ثقافية، و(دون كيشوتية) جديدة بعد قرون من اليوم الذي كتب فيه ذلك الأديب الاسباني الخالد (سيرفانتيس) رائعته الباقية مع الزمن !.
إنهم يكرهون كل شيء، ويحسدون كل أحد، ويغارون حتى من التأريخ الذي كان قبل أن يكون .
قلت لعبد الرزاق مرة، ونحن ضيفان على عشاء: إنني أحسدك على خصومك .
وكان جوابه لي ذكياً:
أنت على حق .. إنني أستحق الحسد على خصومي، لكنني أيضا أستحق الحسد على أصدقائي .
إن الأمر لا يحتمل كثرة سفسطة .
ثم ماذا ؟.
لقد أبدع عبد الرزاق في جميع أغراض الشعر من الغزل، والوصف، والرثاء، والنسيب، والفخر، والإخوانيات، والحماسة، وشعر الأطفال، والشعر المسرحي كرائعته (الحر الرياحي)، وتسجّل له الريادة، أنه أول شاعر في القرن العشرين، الذي أعاد شعر الرجز إلى مجده، فلم يكتب قبله أحد في العصر الحديث من شعراء الأمة جمعاء، وقد حلق بجناحيه في الذرى العالية، حتى وصل مستوى رؤبة، والعجاج، في شعر الأراجيز، وما زال قادراً على التجلي والإلهام .. أمّا إذا جمعنا مراثي عبد الرزاق لأصبحت ديوانا مجيدا من دواوين الشعر العربي .
من هنا أدعو، مخلصاً، شعراء العربية، بجميع طبقاتهم، من محيطهم الأطلسي إلى خليجهم العربي، إلى بيعة عبد الرزاق عبد الواحد أميراً للشعراء، بلا منازع، لأسباب منها: أنه لا يقل شأناً في الشعر عن أميريه: امرئ القيس أمير شعراء الجاهلية، وأحمد شوقي أمير شعراء القرن العشرين .. وإذا كنا نعيش عصر الألفية الثالثة في التأريخ، وكان امرؤ القيس أمير شعراء الألفية الأولى، وأحمد شوقي أمير شعراء الألفية الثانية، فلنبايع عبد الرزاق عبد الواحد أمير شعراء الألفية الثالثة .
ولتكن بيعة شعرية كبيعة شوقي عام 1927 عندما تنادت جميع الأقطار العربية إلى تكريمه، وبايعته الوفود العربية، وأقيم احتفال بدار الأوبرا المصرية، وتجمع الأدباء والشعراء، وبايعوه أميراً للشعراء، وفي ذلك أنشد حافظ إبراهيم:
أميرَ القوافي قد أتيتُ مبايعاً
وهذي وفودُ الشرق قد بايعتْ معي
وإذا كان أحمد شوقي خليفة أمير الشعراء الأول امرئ القيس، فلماذا لا يكون عبد الرزاق الخليفة الثاني لإمارة الشعر العربي ؟.
ومن الخطأ في الرواية، أن يُنسب إلى عبد الرزاق، قوله: أنه خليفة الجواهري .. ولست أعلم، متى قالها عبد الرزاق، وفي أية مناسبة ؟.. لأنني لم أسمعه يوماً يقول، أنه خليفة الجواهري، فذلك قول يُلقى على عواهنه .. وإذا كنت أدعي لنفسي، بتواضع، قراءة الشعر العربي، من ألفه (امرئ القيس وأحمد شوقي)، إلى عينه (عين الفراهيدي وعبد الرزاق عبد الواحد)، إلى يائه، فمن الحق أن أشهد، أني لم أجد عبد الرزاق يقل شاعرية عن الجواهري، بل يتفوق عليه في كثير من قصائده .
وكان مُحزناً أن اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين لا ينحتُ تمثالاً، ولا يقيم جدارية، أو يعلق صورة، لشاعر عملاق بقامة عبد الرزاق عبد الواحد، لكن الأكثر منه مدعاة للحزن، أن هذا الاتحاد، لم يقم مجلس عزاء لشاعر عراقي رائد كبير، بقدر الراحل يوسف الصائغ، وقد يتبدد الاستغراب ويتلاشى، إذا عرفنا أن مجلس عزاء الشاعر والأديب منذر الجبوري، كان موضع اختلاف في الاتحاد، وأقيم على استحياء، وقديما قال أمير الصعاليك عروة بن الورد:
وإني لأستحيي من الله أن أرى
أجرجرُ حبلاً ليس فيه بعيرُ
وأتساءل بحزن ومرارة: أين وزارة الثقافة من أدبائنا، ومثقفينا، وفنانينا الكبار، من المنفيين في الوطن، والمنفيين عن الوطن .. هل هي وزارة للمناصب والمكاسب، أم هي وزارة للإبداع والمواهب ؟!.
وهل؟ .. وهل؟ .. وهل؟ ..
وإذا كان إيليا أبو ماضي، وفوزي المعلوف، وصلاح لبكي، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وميخائيل نعيمة، وأدباء آخرون، ممن اصطلح على تسميتهم ب (أدباء المهجر)، نسبة إلى هجرتهم بعد احتلال أوطانهم، وقد هاجرت الطيور من أوكارها، فمن الحق، أن نقول: إن عبد الرزاق عبد الواحد هو شاعر المهجر بعد احتلال وطنه العراق .
أليس من المؤثر، والمدهش، أن عبد الرزاق عبد الواحد الذي تعمّد بتعاليم الديانة الصابئية المندائية، يقيم اليوم في مهجره بجوار مدفن رأس النبي يحيى (يوحنا المعمدان) خوفاً من أن يقطعوا رأسه هو الآخر، كما فعل هيرودس عندما قطع رأس يحيى إكراماً لبغي من بغايا بني إسرائيل؟!.
وهل ذلك استسلام لما كانوا يسمونها بالحتمية التأريخية، أم أنها المصادفة والأقدار ؟!.
.....................................
.....................................
وتحية بعد هذا كله، إلى عبد الرزاق عبد الواحد في موقفه .. تحية له في رجولته .
إن المال يشتري شعراء، وسياسيين، ومثقفين .. وربما ملوكاً، وتيجاناً، وحكومات .
لكنه لا يستطيع أن يشتري الرجال .
ماذا بقي .. وماذا أقول ؟.
بقيت كلمة أخيرة ..
إن هذا المقال، ليس دفاعاً عن عبد الرزاق عبد الواحد .
بل هو أيضاً، ليس دفاعاً عن القيود والسلاسل، التي تربط العراق .
وغير هذا .. لا شيء أبداً .
............................ الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1290 الاثنين 18/01/2010)







