آراء

مقترح السيد مقتدى لتجريم التطبيع أم لتخفيف عقوبة القانون الحالي؟

صائب خليللا شك ان الوعد الذي طرحه سيد مقتدى لتقديم "مقترح مشروع لتجريم التطبيع والتعامل مع الكيان الصهيوني" مثير للاهتمام. وهو يثير اهتمامي بشكل خاص، لأني قبل سنة ونصف قدمت طلبا (مشفوعا بتواقيع اكثر من 300 مشارك) إلى المرجعية في النجف لدعمنا في "تحريم" التطبيع من الناحية الدينية وبشكل نص فتوى صريحة يمكن ان نستخدمها لدرء الخطر المتزايد والواضح على العراق. ومازال ذلك الطلب بدون جواب منذ ذلك الحين، رغم ارساله من خلال ثلاثة معتمدين، إضافة الى عدد من الأصدقاء الذين وعدوا ان يوصلوه اليها. وقد أوصل لنا أحد السادة المعتمدين أنه أوصل الرسالة الى المكتب، وانهم اخبروه بأنها قد وصلتهم قبل ذلك! ومع ثقتنا أن السيد السيستاني لا يمكن ان يرفض مثل تلك الفتوى (او على الأقل الإجابة على سؤالنا)، كما يستدل من تاريخ حرصه على القضية الفلسطينية وحماية العراق عموما من الاخطار، فلا تفسير لدي سوى أن الرسالة لم تصل اليه ابداً!

عودة الى تغريدة السيد مقتدى، أقول ان الأمر مختلف هنا، فنحن طلبنا فتوى شرعية، وليس قانون، لأنه موجود بالفعل! ورغم ضرورة دعم مثل هذا الإتجاه عموما، إلا أن النقاط التي تحيط بالقضية تثير الأسئلة.

وهنا نتذكر التصريحات التي وصل بها الرئيس التونسي "سعيد" إلى الرئاسة، بأنه سيقر قانونا لتجريم التطبيع مع إسرائيل. وكذلك ارتفعت شعبية اردوغان بشكل مهول بموقفه من شامير وبمسرحية اسطول الحرية الى غزة. وفي النهاية لم ينفذ "سعيد" وعده عندما صار رئيسا، بل حطم دستور بلاده (بحجة "الإصلاح" أيضا) وزاد اردوغان من علاقاته المتطورة مع إسرائيل بعد ان استخدم شعبيته لتغيير الدستور ليناسبه، وقام بدور كبير في تحطيم سوريا. ويبدو ان الأثنان يعملان بتوجيه إسرائيلي لتحطيم العرب وتقوية إسرائيل!

إذن تبني العداء لإسرائيل لا يكفي للثقة وكثيراً ما استخدمته إسرائيل لتمرير مشاريعها ورفع عملائها. فرغم انها ليست اول مرة يكتب فيها مقتدى ضد التطبيع، إلا ان مواقفه لا تشجع على الثقة بصدقه هنا. فقد اعلن دعمه لـ "عودة" اليهود من اصل عراقي ان شاءوا ولم يضع شرطا سوى "إخلاصهم للعراق"، وهو شرط لا يمكن التحقق منه. كذلك كان اكثر الشخصيات دعما وحماسا لمشروع الدين الإبراهيمي، وهو مشروع صهيوني بكل تأكيد. كما ان مقتدى يشير الى النبي موسى في تغريداته بكثافة مثيرة للتساؤل، ويصوره اتباعه وهو يقودهم، بصورة موسى وهو يشق البحر ووراءه اتباعه اليهود، ويكرر كلمة "السلام" بشكل يذكرنا بما فعله السادات لتهيئة الشعب المصري لقبول الاستسلام والتطبيع.

نلاحظ أيضا ان تغريدة مقتدى تقول انه سيقدم هذا المقترح مع "حلفائه". ونحن نعلم ان أهم حلفاء مقتدى هو مسعود البرزاني، الذي له تسجيلات مجاملة للصهيونية. إضافة الى العلاقة المستمرة مع إسرائيل، وتحويل كردستان الى بؤرة إسرائيلية في العراق. وابرز مظاهر التعاون الكردستاني الإسرائيلي، هو تهريب النفط العراقي (علنا) الى إسرائيل وتأمين ثلاثة ارباع حاجتها منه بهذه الطريقة!

فكيف نعقل ان يوافق "حلفاء" مقتدى على تقديم نص قانون يحكم عليهم بالإعدام أو يجرمهم؟

وإن كان مقتدى جاداً في موقفه من إسرائيل والتطبيع، فلماذا لا يبادر أولا بإلقاء ثقله النيابي لاستغلال حكم المحكمة الاتحادية بمنع كردستان من تصدير النفط، وبذلك يمنع عنها تغذية إسرائيل بثلاثة ارباع حاجتها من النفط؟ لماذا لا يرد على مسعود البرزاني الذي قال بصراحة ان تحالفه وافق على استمرار كردستان بتصدير النفط، رغم قرار المحكمة الاتحادية؟

لكن التساؤل الأساسي هو: لماذا يسعى مقتدى الى تقديم مشروع قانون موجود بالفعل؟ أليس المنطقي والأسهل ان يطالب بتنفيذ القانون الموجود بحق المخالفين؟ إنه في هذه الحالة لا يحتاج الى اغلبية لإجبار الحكومة على تنفيذ القانون، بل يمكن لنائب واحد ان يفعل ذلك، او حتى شخص واحد له القدرة ان يسمع صوته! ويمكنه التهديد بان يشكو الحكومة والقضاء نفسه ان رفضا تنفيذ القانون!

التساؤل المنطقي هنا: ما الذي يمكن أن يفيده تكرار قانون موجود (بفرض إمكانية ذلك قانونيا)؟ من الذي يمكن ان يستفيد من قانون جديد؟ التفسير الوحيد الذي توصلت اليه، هو ان إسرائيل التي تريد بلا شك الغاء المادة 201 التي تجرم التطبع من قانون العقوبات العراقي، لكنها لم تتمكن من اقناع أي من عملائها الذين يمتلكون اعلى السلطات في العراق، من القيام بمبادرة ذلك لخطورتها، اوانها رأت ان الموضوع سيثير ضجة مثيرة للقلق بين الشعب العراقي.

هل يزعج إسرائيل قانون لا يلتزم به احد، وهي تسيطر على السلطة في البلاد؟ نعم.. فهو سيف معلق في الهواء قد يسقط في اية لحظة على عملائها. وهؤلاء يتحسبون لذلك، ولا يقبل إلا نسبة قليلة منهم ان يكون بصراحة مثال الآلوسي بعمالته. وبالتالي بحثت أجهزتها السياسية الإعلامية عن حل وتوصلت كما يبدو إلى انه بدلا من الغائه، ان يتم تخفيفه. لكن حتى التخفيف، او أي تحرش بالقانون، لم يكن سهلا ولا توجد صيغة لتمرير المشروع بدون اثارة انتباه الناس إلى حركة التقرب من اسرائيل، فتوصلوا إلى أن يفعلوا ذلك بطريقة تبدو وكأنها هجوم على إسرائيل! وأوصلوا الى مقتدى تلك الفكرة، ربما بشكل غير مباشر.

كيف عرفنا ان القانون الذي سيقترحه مقتدى سيكون تخفيفا للقانون النافذ حالياً؟

المادة 201 من القانون الحالي تقول: "يحكم بالإعدام كل من حبذ او روج مبادئ صهيونية"! فهي في اقصى الشدة، ليس فقط في حكم الإعدام، وانما أيضا في ابسط شكل للجريمة. فيكفي حتى "التحبيذ" للمبادئ الصهيونية، للإعدام! أي ان المادة تنزل اشد العقوبات وبشكل وقائي مسبق لأي تقرب من التطبيع، وليس التطبيع نفسه، فما الذي يمكن ان يقدمه مقتدى اشد من ذلك؟ إذن في افضل الحالات لن يكون القانون إلا تكرار للحالي، ولكن بوجود كل العملاء في مجلس النواب ومؤسساته ومؤسسات الحكومة والقضاء، ستقدم مختلف الحجج القانونية و"الإنسانية"، لتقديم نص اخف وطأة.

وبإضافة الكليشة القانونية التي لا تثير الانتباه: "ولا يعمل بأي نص قانوني يتعارض مع هذا القانون" يتم عمليا الغاء القانون الحالي الشديد، واستبداله بنص اكثر لينا، واقل إقلاقا للذين يفكرون بتنفيذ خطوات التطبيع التي يتلقونها من اسيادهم.

ملاحظة أخيرة ضرورية: نحن لا نثق بالمقابل ان خصوم مقتدى السياسيين في الإطار، وبعد مشاركتهم بالصمت، في تنصيب عميل السفارة وتمرير جرائمه بلا اعتراض، سيتخذون حينها الموقف الوطني اللازم، ولا استبعد من هادي العامري ومن يرضى ان يرأسه هادي العامري، تمرير مثل هذا القانون ان وجدوا الجو مناسبا، ربما بعد "دردمة" وتعديلات "عن العين"، فهم مخترقون ايضاً ولدرجة لا نعرفها، وما نأمله من هذا الكشف المسبق للاحتمالات، زيادة الوعي ووضع الصعوبات امام إخفاء مثل هذه المراوغات.

لنقف بانتظار نص السيد مقتدى لنرى إن كان تخفيفا للقانون الحالي أم لا، وما موقف "الإطار" منه؟ وهل هو رفض مبدئي حاسم ومطالب بتنفيذ القانون الحالي على المستحقين، أم "دردمة" حياء مؤقتة، وهل تقديراتنا صحيحة أم لا.

***

صائب خليل

26 نيسان 2022 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5713 المصادف: 2022-04-27 03:23:41


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م