آراء

كيف استفادت روسيا من العقوبات الغربية المفروضة عليها؟

محمود محمد عليصدق أو لا تصدق روسيا نجحت في تتخطي العقوبات المفروضة عليها إثر الحرب في أوكرانيا، حيث مكَّنها من صد التأثيرات المدمرة للعقوبات الغربية على الأمد القصير، بل وجعلها تُقْدِم على فرض عقوبات على دول أخرى، كقطعها إمدادات النفط عن بلغاريا وبولندا وفنلندا، بعدما رفضت أن تدفع أثمان مشترياتها من النفط والغاز بالعملة الروسية.

فلا ننسي كيف فرضت شركة الغاز الروسية العملاقة، (غازبروم)، عقوبات على فروعها الأوروبية، التي التزمت بالعقوبات الأوروبية على روسيا، مخالفة بذلك توجيهات الشركة الأم.

والسؤال الآن: كيف استفادت روسيا من العقوبات الغربية التي كانت تستهدف إضعافها؟

وفي اعتقادي أن موسكو استفادت من تجربتها السابقة مع العقوبات؛ فحين احتلت روسيا شبه جزيرة القرم قبل 8 أعوام، لم تواجه أى صعوبات عسكرية، لكنها عانت صعوبات اقتصادية فى ظل تراجع أسعار النفط وتأثر الاقتصاد الروسى بالعقوبات نتاج اعتماده بشكل كامل على الأسواق المالية الأوروبية المرتكزة فى تعاملاتها على الدولار؛ ففى نوفمبر 2014 أعلن وزير المالية الروسى، أنطون سلوانوف، خسارة بلاده 40 مليار دولار سنويًا بسبب العقوبات الأوروبية، ما أدى لانكماش حجم الاقتصاد الروسى فى السنوات الأخيرة؛ إذ تراجع نمو الاقتصاد الروسى بمتوسط 2.5% سنويًا، منذ فرضت العقوبات الأوروبية فى 2014، وتقلصت قيمته من 2.3 تريليون دولار فى 2013، إلى 1.3 تريليون دولار فى 2020، ما يعنى تراجع الناتج المحلى.

علاوة على أن تجربة العقوبات القاسية عام 2014 منحت روسيا مناعة ضد العقوبات؛ إذ أعاد بوتين هيكلة اقتصاد بلاده، استنادًا لتجربته مع العقوبات الغربية، وقلص اعتماد اقتصاده على الدولار، وبالتالى أصبح الاقتصاد الروسي أقل تأثرًا بالعقوبات المفروضة، أى أنه أصبح اقتصادًا «شبه مستقل ومقاومًا للعقوبات».

إن روسيا استبقت وضع سياسات للتخفيف من تأثير العقوبات الغربية، تضمنت الاحتفاظ باحتياطات مالية من العُملات الأجنبية، وتقليص الاعتماد على الدولار، وتوفير بدائل لاستيراد ما تحتاجه موسكو من غير البلدان الغربية، وأنه فى خطوة استباقية وطدت موسكو العلاقات الاقتصادية مع الصين، وزادت حجم تصدير الغاز الروسى إليها؛ إذ بلغ 16.5 بليون متر مُكعب فى عام 2021، فيما سيزداد 10 بلايين متر مُكعب، وفقًا للاتفاق بين الرئيسين بوتين وشى جين بينج المبرم يوم 4 فبراير الماضى.

لقد قللت روسيا اعتمادها على الدولار فى المعاملات البينية بين الدول لتصل نسبة الاعتماد على الدولار فى معاملاتها مع الصين إلى 33% فقط عام 2022، مقارنة بـ97% فى 2017، كذلك رفعت روسيا قيمة احتياطاتها من النقد الأجنبى والذهب؛ إذ يقترب الاحتياطى الروسى من 643 مليار دولار، مقارنة بـ385 فى العام 2014، غير أن نسبة الدولار فى الاحتياطى الأجنبى الروسى لا تتجاوز 16%، فيما تتشكل النسبة الباقية من يوان صينى وين يابانى وذهب»، وفق تقديرات البنك المركزى الروسى الذى أكد فى بيان له، الأحد الماضى، أن البنوك الروسية التى تعرضت للعقوبات كانت مستعدة لذلك.

أثبتت العقوبات الاقتصادية المفروضة على كل من كوبا وإيران وفنزويلا وكوريا الشمالية، محدودية تأثيرها؛ إذ لم تؤدِّ إلى تغيير التوجه السياسى للدول التى استهدفتها العقوبات»، مشيرا إلى أن العقوبات الغربية سلاح ذو حدين، سيضر بمصالح الدول الغربية التى تتعامل معها روسيا، أو تُتاجر معها، لافتًا إلى أن نسبة اعتماد دول الاتحاد الأوروبى على الغاز الروسى تمثل 40% من إجمالى استهلاك هذه الدول، وتعتبر ألمانيا أكثر الدول الأوروبية الكبيرة اعتمادًا عليه، إذ تستورد قُرابة 65% من احتياجاتها من الغاز من روسيا، وتليها إيطاليا بنسبة 43%.

ولهذا السبب نجد أنه استنادا إلى مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل، فإن كلفة مشتريات الاتحاد الأوروبي من النفط والغاز الروسييْن تقدر بمليار دولار يوميا. غير أن إعلان الدول الغربية بأنها ستتوقف عن شراء الطاقة الروسية بحلول نهاية العام الحالي، قد تسبب في رفع أسعار النفط والغاز العالمية، الأمر الذي ضاعف تقريبا إيرادات روسيا المالية من النفط والغاز خلال الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2022 (يناير-أبريل)، إذ بلغت 78 مليار دولار، مقارنة بحوالي 40 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة نفسِها من العام المنصرم، استنادا إلى بيانات وزارة المالية الروسية، وقد مكَّنت هذه الزيادة في الإيرادات روسيا من الصمود أمام المقاطعة الغربية لها، ومواصلة الحرب دون صعوبات مالية، لأنها وفرت لها العملات الأجنبية التي تحتاجها.

والأمر الآخر الذي نفع الحكومة الروسية، هو أن المقاطعة الغربية للأسواق والشركات الروسية قد أفرغت البلد من البضائع الأجنبية، الأمر حتَّم على كثيرين توفير أموالهم لعدم وجود ما يمكنهم إنفاقها عليه. كما دفع شُح البضائع المستهلكين إلى البحث عن بدائل، محلية أو من دول أخرى لم تفرض عقوبات على روسيا، كالصين، أو حتى الاستغناء عن البضائع غير الضرورية وتوفير الأموال التي بحوزتهم إلى الأيام الصعبة اللاحقة، إذا ما استمرت الحرب لفترة طويلة، والتي يبدو أنها ستستمر، خصوصا مع تحوّلها إلى حرب استنزاف، كما صرح بذلك الأمين العام لحلف الناتو، جنز ستولتنبيرغ، أثناء لقائه بالرئيس بايدن مطلع الشهر الجاري.

ولأن اندلاع الحرب قد حصل فجأة بالنسبة الاقتصاد الروسي، فقد صار إيجاد البدائل محليا بالسرعة المطلوبة أمرا صعبا، وهذا الأمر نفسه ينطبق على الدول الغربية التي باغتها التدخل الروسي في أوكرانيا وجعل موقفها حرجا، خصوصا الدول التي تعتمد اعتمادا كبيرا على الطاقة الروسية، ولم تتحصن ضد هذا الاحتمال، مع معرفة الجميع بأن المنظومة الحاكمة في روسيا، منذ تولى الرئيس بوتن الحكم عام 1999، لم تكن مرتاحة للوضع الجديد الذي وجدت فيه روسيا نفسها، كدولة متوسطة القوة والنفوذ، وليست دولة عظمى كما كانت إبان الاتحاد السوفيتي السابق.       لكن الوفرة المالية التي حصلت عليها روسيا بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز العالمية ستبقى مؤقتة، لأن العقوبات الغربية ستزداد شراسة بمرور الزمن، خصوصا مع توفر البدائل واتساع استخدام الطاقة المتجددة. ومن المحتمل أن تفرض واشنطن عقوبات ثانوية على الدول التي تشتري الطاقة من روسيا، كالهند والصين، ولكن، بعد التأكد من أنها لن تعود عليها بالضرر.

وإن لم تُحَل الازمة الحالية سريعا، وهذا غير مرجح حاليا، مع عدم وجود مبادرات دولية لحلها، وعدم استجابة روسيا لمطالبة محكمة العدل الدولية في 16 مارس/آذار الماضي بوقف الحرب، فإن روسيا سوف تتضرر أكثر فأكثر في الأعوام المقبلة. وحتى عند انتهاء الازمة، فإن من المستبعد أن تعيد البلدان الغربية العلاقات الاقتصادية والتجارية مع روسيا بالسرعة التي قطعتها فيها، وهذا ما يحصل في العادة، فقطع العلاقات يمكن أن يحدث فجأة نتيجة لحدث طارئ، لكن إعادتها تحتاج إلى وقت طويل وعملية تطبيع قد تستمر سنوات.

ومن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الروسية لتمكينها من التحكم بالاقتصاد، هو إلغاء القيود على صرف الإيرادات الريعية في الموازنة العامة للبلاد لعام 2022، الذي مكَّنها من إنفاق تلك الإيرادات في القطاعات التي تحتاج إلى تمويل، ويأتي في مقدمتها الجيش والأمن والتصنيع العسكري. لكن هذا الإجراء سوف يقلص رؤوس الأموال المتوفرة لتمويل المشاريع التنموية الضرورية، خصوصا مشاريع البنى الأساسية، ما يباطئ النمو الاقتصادي، أو يدفعه إلى الانكماش، ويفاقم البطالة.

العائدات الريعية لا تصنف في علم الاقتصاد على أنها دخل، بل يوضع الصافي منها (بعد استقطاع التكاليف) في خانة رأس المال (K)، وليس الدخل (Y)، لأن الدخل في العادة يأتي من النشاطات الاقتصادية الحقيقية، الإنتاجية والخدمية، بينما يتعلق الريع بالثروات الطبيعية وما تجود به الأرض، دون جَهد أو بقليل منه. والدول الناجحة اقتصاديا، هي التي تتمكن من استخدام أموال الريع في الاستثمار في المشاريع الإنتاجية المجدية اقتصاديا والمولِّدة للثروة، ولا تلجأ إليها إلا أثناء الأزمات كاحتياطي مالي.

وهنا يقول ياكوف فيغن، خبير الاقتصاد السياسي في معهد بيرغرون (Berggruen) الأمريكي، إن الروس تمكنوا من تعزيز استقرار الاقتصاد، وكان هذا متوقعا، "لكنه لن يساعدهم على الأمد البعيد. لن تكون هناك طوابير على المواد الغذائية قريبا، لكن هذا محتمل مع بقاء الأوضاع على وضعها الحالي"؛ وتتوقع وزارة الاقتصاد الروسية، وفق ما نشرته صحيفة (فيدوموستي) الروسية بتأريخ 26 أبريل/نيسان 2022، أن الناتج المحلي الإجمالي الروسي سوف ينكمش بنسب 8.8% خلال العام الجاري، نتيجة للعقوبات الغربية، لكنها تتوقع أن يعود إلى النمو بنسبة 1.3% في العام المقبل، و4.6% في عام 2024، و2.8% في عام 2025. ومثل هذه الحسابات مطاطة، لأنها تعتمد على متغيرات كثيرة وعلى السنوات المتخذة مقياسا لحساب النسبة. مع ذلك، يمكن اعتبار هذا التنبؤ متفائلا، لكنه في الوقت نفسه اعتراف بفاعلية العقوبات الغربية.

ولقد كانت روسيا قد اتخذت إجراءات لتحصين اقتصادها، إثر العقوبات المحدودة التي فُرِضت عليها بعد ضمها شبه جزيرة القرم، فراكمت ما قيمته 640 مليار دولار، على شكل ذهب وعملات أجنبية، وفقا لموقع (إنتلينيوز) الروسي الرسمي، لكن استهداف العقوبات الغربية للبنك المركزي الروسي، أعاق الوصول إلى نصف هذا الاحتياطي المالي، باعتراف وزير المالية الروسي، أنتون سيليونوف، الذي نقلته جريدة (إنسايدر) الاقتصادية في مارس الماضي.

ويأمل الغربيون أن يتمكنوا خلال هذا العام من الحصول على بدائل للطاقة الروسية، كي يتمكنوا من التحرر من التحكم الروسي باقتصاداتهم، وإذا ما تحقق هذا خلال العام المقبل، فإنه بالتأكيد سيكون على حساب روسيا، خصوصا إذا ما بقيت العلاقات متوترة بينها وبين العالم الغربي، ولا شك أنها ستبقى، إلا إذا تغيَّرت المنظومة السياسية الحالية، وحلت محلها منظومة أخرى يمكنها أن تؤسس لعلاقات تفاعلية على أسس مختلفة.

يبدو أن الحرب الروسية-الأوكرانية سوف تبقى تراوح مكانها في منطقة الدونباس، التي تسعى روسيا للسيطرة عليها، في حين أبدى الأوكرانيون مقاومة شرسة، رغم تقديمهم خسائر بشرية ومادية كبيرة. وحسب الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينيسكي، الذي نشرته وسائل إعلام عديدة، بينها بي بي سي، فإن مئة أوكراني يقتلون يوميا في الدونباس، بينما بلغ عدد اللاجئين في الخارج والداخل 14 مليونا، حسب بيانات الأمم المتحدة. أما الخسائر الروسية، فلم تعد معروفة بسبب توقف الحكومة عن الإعلان عنها.

ليس في مصلحة روسيا أن تتوسع الحرب أكثر مما هي الآن، ولكن محاصرتها أوكرانيا ومنعها من تصدير القمح، قد يدفع حلف الناتو، كما أشارت بعض المصادر، إلى فك الحصار عبر أرسال سفن حربية لمرافقة السفن الناقلة للقمح، وقد يتسبب هذا في احتكاك عسكري مباشر مع القوات الروسية.

لا شك أن المساندة الغربية، العسكرية والاقتصادية، الواسعة النطاق لأوكرانيا، سوف تمكِّنها من الصمود وصد الهجمات الروسية. وهذا الدعم، ليس من أجل أوكرانيا فحسب، بل لأن الأوروبيين، ومعهم حلفاؤهم، يشعرون بأن الخطر الروسي يتهدد أوربا برمتها. يبقى تأثير العقوبات الغربية على روسيا بعيد الأمد، خصوصا وأن العديد من الدول الأوروبية لم تتوقف عن استيراد الطاقة الروسية، ما يعني أن الإيرادات الريعية الروسية سوف تتواصل خلال هذا العام. أما في الأعوام اللاحقة، فإن المشهد سيختلف دون شك.

وتاريخيا فشلت العقوبات في تحقيق أي أهداف سياسية، وهي أسوأ ما أنتجه النظام الدولي الحديث والمعاصر. في كل مرة فرضت فيه العقوبات كان من يدفع الثمن هي الشعوب، بينما لم تستطع تلك العقوبات النيل من القادة والمسؤولين في البلدان (المعاقبة). مع بداية الحرب الروسية على أوكرانيا بدأت سلسلة من العقوبات الغربية على الجانب الروسي التي كادت تشمل كافة الميادين، حتى أن إحدى الجامعات الغربية ألغت محاضرة عن تولستوي بحجة أنه روسي! العقوبات الغربية أرادت أن تكون ساحقة بحيث تكون ضربة قاضية للاقتصاد الروسي بحيث جمدت الودائع الروسية وكذا الأصول الروسية في الخارج ولم تترك مجالا يمكن أن تصل إليه اليد الغربية إلا وتمت معاقبته. الأسوأ هو محاولة عزل روسيا عن النظام المصرفي العالمي سويفت، وهذا يجعل الاستيراد والتصدير مسألة في غاية التعقيد، ولكنها ممكنة. الاقتصاد الروسي استوعب الضربة الأولى رغم ترنح العملة الروسية الروبل، ولكنها سرعان ما استعادت عافيتها، بل إنها حققت مكاسب أعلى مما هي عليه قبل الحرب.

***

أ.د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط

.....................

المراجع:

1- إنجي عبد الوهاب: العقوبات الغربية والقرارات الأممية محللون: روسيا اتخذت خطوات استباقية، المصري اليوم، السبت 05-03-2022 20:05

2- حميد الكفائي: كيف انتفعت روسيا من العقوبات الغربية؟، هربية سكاي نيوز، 11 يونيو 2022 - 04:19 بتوقيت أبوظبي.

3- رامي الخليفة العلي: فشل العقوبات الغربية على روسيا، العربية، الأربعاء 23 ذو القعدة 1443 هـ - 22 يونيو 2022.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5773 المصادف: 2022-06-26 04:31:57


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م