آراء

مقتدى الصدر: ثائر خذل أنصاره ام مصلح حفظ دماء شعبه؟.. تحليل شخصية

يعدّ رجل الدين الشيعي السيد مقتدى محمد محمد صادق باقر سلمان الصدر (4 آب 1974) الشخصية الاكثر شعبية بين جماهير الشيعة، ويعدّ التيار الصدري الكتلة الاكبر في الشارع العراقي، وهو الشخصية الأكثر جدلا عراقيا وعربيا وعالميا.وما ينفرد به السيد مقتدى أنه (رجل المفاجئات).. كان آخرها اعلانه في (30 آب 2022) اعتزاله العمل السياسي بشكل نهائي في مرحلة دقيقة يمر بها العراق.

ولقد اعتدت أنني استطلع الآراء بخصوص ظاهرة اجتماعية خطيرة او شخصية سياسية مؤثرة، بوصفها اهم شروط الدراسات العلمية، لأنها تبعد الباحث عن تنظيره الذاتي وتجعل دراسته اكثر موضوعية وتشخيصا للحقيقة.. وهذا ما فعلناه، ففي اليوم الذي اعلن فيه الصدر اعتزاله العمل السياسي والطلب الى انصاره بالأنسحاب خلال ستين دقيقة من المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان الذي احتله انصاره لثلاثة اسابيع تبعها اقتحامهم للقصر الجمهوري.. قمنا بنشر استطلاع اليكم نصه:

(هل تعتبر موقف السيد مقتدى الصدر الذي اعلنه اليوم في مؤتمر صحفي.. موقفا شجاعا لحفظ العراق واهله، ام انه موقف خذل فيه الشعب وفرّط بدماء شباب ضحوا بحياتهم للخلاص من طبقة سياسية نهبت المليارات وافقرت الملايين، راجين ان تكون اجابتك موضوعية لا انفعالية او عاطفية لانها ستعتمد في دراسة علمية).

شارك في الاجابة (511) بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون.. توزعت مواقفهم على ثلاث فرق.. كالآتي:

الفريق الأول:

رأى هذا الفريق ان ما قام به السيد مقتدى بسحب انصاره فورا من المنطقة الخضراء كان موقفا صائبا، اليكم نماذج من أجاباتهم كما هي:

* موقف شجاع قلّ نظيره في العالم، لا يريد سفك الدماء والقتال بين الاخوه.

* نعم.. كان موقف شجاع ومسؤول حفظ فيه دماء العراقين والقم الكلاب الحاقده على العراق واهله حجرا، وافشل دعوات امريكا وبعض دول الجوار الحاقد على العر اق واهله.

* بصراحة موقف شجاع جدا.. حفظ فيه دماء ابناء الشعب من فتنة مقيتة.

* من يستطيع وقف دماء ابناء العراق فله ترفع القبعه.. موقف السيد مقتدى موقف الثائر البطل الشجاع، فعادت بغداد كما كانت، ليبقى ليلها منيرا في مقاهيها وحاناتها وبجميع تفاصليها، علما انا مستقل.

* بعيدا عن الدوافع والعواطف والعناوين، السيد انقذ المتظاهرين من كارثه كبيره.

* الشعارات الاصلاحيه التي رفعها هي مطلب جماهيري، اما انسحابه اعتبره خطوه شجاعه لحقن الدم.المحاصصه هي اساس الفساد ويتعالج الفساد بتطبيق القانون بقوه وصرامه، اما تفسير عبارته (القاتل والمقتول في النار).. يقصد من يحمل السلاح من الطرفين.

* والله شجاع.. انا لست صدريا ولا انتمي لأي جهه، الرجل اعتذر وقال اني اليوم مطأطأ الرأس للشعب العراقي، وهذه من صفات الشجعان.. تضحيه واعتذار وانسحاب من موقع قوه والا كانت الأمور اخذت غير منحى.

الموقف الثاني:

 ادان هذا الفريق ما اعلنه السيد مقتدى في مؤتمره الصحفي، اليكم نماذج من اجاباتهم كما هي:

* خذل الشعب وأمات آخر أمل لهم بألخلاص,وسوف لن تنتهي ألأزمة بل ستظهر مرات ومرات مستقبلاً,لأن ألأحزاب سوف لن تتنازل عن مكتسباتها، وحتى بعد ممات جميع جيلها الحالي سيرثها جيل آخر منهم!.

* خذل من كان يتوهم منه اصلاحا، والاكثر خذل اتباعه.

* كنّا نامل ان يساند الشعب الثائر، ولكنه فاجئنا بما قام به وأراح الفاسدين وافرحهم وضاع حق الشهداء الذين ضحوا لأجل العراق.

* هل كان بهذا الغباء بحيث لا يعرف انه لابد تحدث أعمال عنف! بما ان الطرفين عبارة عن ميلشيات ارهابية مسلحة، وهو براكماتي أكثر من زعامات الاطار.

* لعبه بيد ايران وامريكا لتثبيت التيارات المواليه لأيران. هذا من جهه، ومن جهة ثانيه اريد اعرف ليش طلب من نوابه يستقيلون وفسح المجال للقوى الخاسره بالصعود للبرلمان.. هذه أكبر غلطه وخيانه للشعب.

* قمة الجهل والغباء السياسي، بحيث جعل خصومه يفرحون ويضحكون عليه.

الموقف الثالث:

ركز هذا الفريق على شخص السيد مقتدى، اليكم نماذج من أجاباتهم كما هي:

* رجل دين عنده ميلشيات إرهابية طائفية ارتكبت جرائم و انتهاكات كبيرة ضد الأبرياء آخرها قمعه لثوار تشرين على يد جماعة القبعات الزرق المجرمين.. كيف يحفظ دماء العراقيين؟

* هو مسؤول عن القتلى والجرحى والدمار.مواقفه غير ثابتة و متغيره. رجل فردي يتخذ القرارات حسب هواه. لا يمكن الاعتماد عليه. صبي لا يفقه من السياسة شيئاً.

* تصرف غريب وغير متوقع!. لكنه حقن الدماء وافرح الفاسدين.

* مختصر مفيد.. تهديد خامنئي للحائري عزل نفسه عن المرجعية والسياسة هو ومن يتبعه، والمؤيدون للصدر من الضحايا راحوا هباءا منثورا.

* لماذا ادخل الناس للخضراء؟ ولماذا اخرجهم؟ وعلام الشهداء؟ وما هي الضمانات لمستقبل العملية السياسية؟.لقد ترك الباب مفتوحا لاحتملات خطيرة.

* كل الحوزات والمؤسسات الدينية تعبد المال والوجاهة باسم الله والشعب المخدّر.

* رجل يصارع من اجل الاستحواذ الاكثر على السلطة ومن خلالها الحصول على النفوذ والمال.

* اذا القرار فردي فان عقله غير موزون، واذا له مستشارون فأنها لعبة براس الفقراء ابناء الشعب المظلوم.

* متخبط لم يتخذ له مستشارين يوجهون سياسته، لقد خذل انصاره.

* لعبة قمار بين سبعة من حيتان المافيات على حساب شعب مغلوب دائما

تحليل سيكولوجي

تتجسد في شخصية السيد مقتدى الصدر صفتان هما (الرمز الديني) و(الرمز المخلّص)، فهو نجل السيد محمد محمد صادق الصدر ابرز رجال الدين الشيعة المعارضين للرئيس الاسبق صدام حسين الذي قتله، ومنه ورث مقتدى (هالة الجهاد) التي حشدها عمليا في الانتفاضة الشعبانية 1999 وقيادته المقاومة ضد القوات الامريكية في 2003 التي وضعته على رأس المطلوبين، وصولا الى تأسيسه سرايا السلام في 2014.

وهو يرث من جده محمد حسن الصدر (هالة سياسية) حيث كان عام 1948رئيسا للوزراء ورئيسا لمجلس الاعيان في النظام الملكي.. وبتوحد هاتين (الهالتين، الرمزين الديني والسياسي) في شخصية مقتدى فأنهما دفعتاه سيكولوجيا الى ان يكون (الرمز المخّلص) للمظلومين.. وقد تحقق له ذلك في واقعة اقتحامه المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في (20 ايار –مايس 2016) برغم تصدي قوات الامن واطلاقها الرصاص الحي ووصول انصاره الى مكتب رئيس الوزراء، ورفعها شعار (شلع قلع) الذي عزف به على اوتار ملايين الفقراء الذين اذلتهم وافقرتهم حكومات بهويات شيعية ونجاحه في ايصالهم الى منحه صفة (القائد) وتولد اليقين لديهم بانه (المنقذ المخلّص) ما دفع تلك الملايين المقهورة الى منحه صفة (القدسية).. نجم عنها (تضخّم الأنا) لدى السيد مقتدى وصار يرى في نفسه أنه الآمر الناهي بعد ان صار في اللاوعي الجمعي الشيعي انه (المخلص) الذي يجب ان يطاع حتى لو كانوا يعرفون ان في أمره هلاكهم!

ولنتوقف عند مفهوم (تضخم الأنا) لنوضح ان شخصية (الانا المتضخم) تجمع صفات في توليفة من ثلاث شخصيات، هي النرجسية التي تأخذ منها حاجتها القسرية الى الاعجاب بالصورة التي هو يريدها بأنه بطل يمتلك قدرات استثنائية.وتأخذ من الشخصية (التسلطية) انفعالاتها الغاضبة ومزاجها الصارم التي تجسدت بشكل واضح في لغة جسده اثناء مؤتمره الصحفي، فيما ياخذ من الشخصية (الاحتوائية) السعي الى السيطرة على الاخرين واحتواء وجودهم المعنوي والفكري، لأنه يعتبر نفسه انسكلوبيديا يعرف كل شي!

ولقد تعززت هذه الصفات عنده اكثر بعد دخوله المنطقة الخضراء في (2016) وهروب الكثير من الفاسدين، ليحقق لدى الملايين من الفقراء والمسحوقين اعلى درجات التميز بمنحهم اياه صفة (القدسية) لدرجة ان كثيرين منهم يقبلّون سيارته حين يمشي في الشارع.

مقتدى وخصومه السياسيون

* ما الصفات التي يتفرد بها مقتدى الصدر دونا عن كل السياسيين العراقيين؟

نختصر الاجابة بالآتي:

- اذا قارنته بخصمه السيد نوري المالكي فان افعال مقتدى تطابق اقواله في الغالب فيما افعال المالكي لا تطابق اقواله والشواهد على ذلك كثيرة، اوضحها قوله في حوار تلفزيوني " جميعنا نحن الطبقة السياسية فاشلون". ويسأله المحاور: بمن فيهم انت؟ فيجيبه نعم بمن فيهم انا، ويضيف: وعلينا ان نفسح المجال للشباب.. وحصل بعدها انه رشح نفسه لرئاسة الوزراء!

- ومع ان التيار الصدري شارك في كل الحكومات الفاسدة، الا انه كان يحاسب من تثبت عليه تهمة فساد فيما حزب الدعوة الذي تولى السلطة 12 سنة كان يحمي الفاسدين في زمن السيد المالكي، وحين تولى رئاسة الوزارة الدكتور حيدر العبادي فانه وعد "بضرب الفاسدين بيد من حديد "وقال بالنص "يقتلوني خل يقتلوني".. ثم اعلن بأنه لا يستطيع لأن الفاسدين "يمتلكون المال والسلاح وانهم.. مافيات".

- ومقتدى اقرب نفسيا للناس، فيما السياسيون عزلوا انفسهم سيكولوجيا بعشرة كيلومتر مربع وتحصنوا بالكونكريت في مفارقة.. ان النظام دبمقراطي!

- ومقتدى تحالف مع الشيوعيين في (سائرون) الذين يصفونهم خصومه السياسيين بانهم كفرة وزنادقة.

- والاهم، ان السيد مقتدى ينفرد عن السياسيين باعتبارين: ديني، كونه من ابرز العوائل الدينية الشيعية العراقية، ورسمي يرثه من جده محمد حسن الصدر الذي كان رئيسا للوزراء عام 1948، وعضوا ورئيسا لمجلس الاعيان زمن النظام الملكي.

غير ان السيد مقتدى.. شخصية جدلية، لأنه يجمع بين صفات تجذب الناس اليه تتمثل بانتسابه لعائلة كريمة، وتقديمه لنفسه بوصفه قائدا لاكثر الحركات الشعبية نفوذا، ولأنه طيب القلب و شجاع وذكي ولديه كارزما وقدرة استثنائية على تحريك الشارع، في رأي كثيرين.. وصفات نقيضة تجعل كثيرين ينفرون منه حيث يرون فيه انه:متناقض، متذبذب، متعدد الاهواء وكثير التقلبات والقرارات السريعة، وانه لا يمتلك سمات القائد الرشيد.

والمحنة.. في الخاتمة، أن ملايين الفقراء والمسحوقين وجدوا في السيد مقتدى الصدر(المخلّص) الذي سيطيح بأفشل واقبح طبقة سياسية في تاريخ العراق، فأصيب ملايين منهم بخيبة قاتلة لحظة خذلهم باعلانه اعتزاله السياسي، فيما ملايين اخرى يعرفون أنه بالرغم من أن ايران ارادت ان تقضي على السيد مقتدى معنويا، فانهم باقون يرون فيه أنه املهم الوحيد لخلاصهم من فاسدين افقروهم واذلوهم في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش اهله بكرامة ورفاهية.

***

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

2 أيلول 2022

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5842 المصادف: 2022-09-03 02:39:46


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5927 المصادف: الاحد 27 - 11 - 2022م