آراء

قميص عثمان وحجاب إيران!

الملبس اختيارٌ شخصي يخص المظهر الخارجي للإنسان، ويشكل لديه مسألة محورية يسعى جميع الناس، بدرجات متفاوتة،  إلى ما يشعرهم فيه من الراحة والرضا عن النفس، سواء غطى أجسادهم كلها أو كان كاشفاً أو مُلوَّناً أو مبهرجاً، وحتى إذا كان غير مقبول لدى من يتعامل معه بوسطية ملتزمة بالموازنة بين راحتهم الشخصية وبين إرضاء الآخرين، وما يتطلبه من الإتزام بمظهر خارجي معين، إما لمناسبة ذات طبيعة خاصة، أو استجابة لمتطلبات العمل التي تفرض نوعية معينة من الملبس، الذي يبقى في الحدود العادية والمريحة، ولا يتحول إلى مظهرٍ مضمرٍ لرمزيات إشهارية تجارية أو سياسية أو دينية، يُجبر الناسُ على قبولها تحت الترغيب أو الترهيب غير المستساغ، كما هو حال الحجاب - أو الشادور أو الإيشارب أو النقاب - الذي تفرضه بعض البلدان والجماعات الذينية، وتعاقب من لا يلتزم به، ولا تهتم بلدان إسلامية أخرى بإلزاميته، لعلمها بأن إجبار الناس على مظهرٍ مُعين، هو سياسة غير حكيمة ومصيرها الفشل، لأن الناس في مجملهم يتفلتُون من القوانين التي تحكم مظهرهم الخارجي بتقليد ملبسي صارم، وسرعان ما يتخلون عنه حينما يستطيعون، حتى لو كانوا من أشد الدعاة إلى ذلك التزمت، ويستبدلونه بما يرضيهم من الملابس المتحررة، كما حدث مع قيادية البيجيدي ...عند تواجدها خارج الابلاد، وبعيدا عن تشدد حزبها، ليقينها بأن "الحجاب"ليس مجرد غطاء شعر بريء من عوامل الضغط السياسي وما يحكمه من تقليد ملبسي مفروض بالقهر والترويع،الذي روع إيران التي تحول فيها غطاء الرأس إلى علامة حكم  تٌقابل بالرفض من الإيرانيين الذين نشؤوا على الحرية المتعرية في عهد الشاه، ومن الوسطيين، المبغضين للتزمت المتشدد في حياتهم وعبادتهم وملبسهم، الذين يعلمون أن "الحجاب" ليس مجرد غطاء شعر بريء من عوامل الضغط السياسي وما يحكمه من تقليد ملبسي صارم مفروض بالقهر والترويع كالذي خلق الصراع والخلاف والجِراح في إيران وباقي ديار العرب والمسلمين، ليس حول آراء وأفكار ومواقِف الدين من قضية الحجاب، ولكن حول ما هو أكبر من غطاء الرأس، الذي تتجاوز الملبس إلى صراعات السُلطة والزعامَة وحُكم الدولة، الموروثة مند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي  يستعمل فيها الحجاب كـ"قميص عثمان" يُلَوّحُ به كمَطية لتجييش المسلمين لمصلحة من سيحكُم من، هذا الطرف أو ذاك، والذي غدا في إيران علامةَ حكم وعلامةَ بُغضٍ للحكم، كما يظهر ذلك جليا من غضب الشارع الإيراني بسبب الملبس الذي تجاوز الملبس إلى ما هو أكبر وأشد إرهاقا للطرفي لعبة، الحاكم والمحكوم، اللذان يُصلون معا نيران ثورة وينظبق عليها تمام الإنطباق المثلُ الذائع : أن مستكبر النار من مستصغر الشرر، يصدق فيها قول "توماس بين" المفكر الأمريكي ذي الأصل البريطاني، وأحد أبرز فلاسفة عصر التنوير في أمريكا: "أعظم الآلام التي أصابت الجنس البشري هي تلك التي كانت لها جذور دينية" الأمر الذي يفضح أننا ما زلنا كعرب ومسلمين، نعيش في ذات الحقبة التي عاشتها أوروبا في العصور الوسطى، وأنهُ لا سبيلا أمامنا إذا اردنا وضعِ حدٍّ لمآسينا وصراعاتنا وخلافاتنا الدينية قبل السياسية،الاستفادة من التجربة الأوروبية الناجحة التي نقلتهم إلى نهج الدولة المَدنية التي تفصل بين الدين وبين قوانين وأنظمة الدولة، إلا التوقف عن نظرية الإسلام: دين ودولة، التي يعشقها الأخوان المسلمون وكافة التنظيمات الدينية، التكفيرية والمتطرفة والمعتدلة..

ولا بد هنا من الإشارة إلى أن والعلمانية بكل اختصار وبساطة، هي إعمال العقل بكل شيء، وأن العلمانيين هُم الأشدُّ احتراما للدين، وهُم مع الدين في الحياة ومع احترم كافة خصائص الطوائف الدينية، وممارسة عباداتهم وطقوسهم بكل حرية

***

حميد طولست