آراء

نهاية الحرب الباردة الثانية.. كيف ترى الامور محليا وعالميا؟

الاسئلة الاكثر تعقيدا في عالم السياسة اليوم، تلك التي تحتاج الى عباقرة تفكيك المصطلحات وفهم النوايا السياسية الدولية، ولديها مراكز بحثية متخصصة في دراسة المراحل التاريخية الطويلة لنمو وخمود الحضارات والامبراطوريات العظيمة، وتمتلك ادوات قراءة الواقع، وطرق استقراء المستقبل، ولديها قواعد الاهتمام للتحليلات الشخصية وطريقة تفكير قادة الدول الكبرى، ومعرفة نسبية ببرامج ومخططات اصحاب مراكز القرار الامبريالي الراسمالي العالمي...

انتهت الحرب الباردة الاولى في اوحال الخليج العربي وصحراءها القاحلة، بعد احتلال العراق للكويت 1990، والتي تزامنت صدفة او وفق السياقات والمخططات الدولية المسبقة مع انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي يقال انه جاء نتيجة الهزيمة والانسحاب من افغانستان 1989...

الملفت ان تعليق ملف انهاء نظام صدام بعد انتفاضة شعبان عام 1991، وابقاء الحصار الاقتصادي المدمر على البلاد، واستمرار عزله دوليا، حتى بعد دخول لجان التفتيش الى قصوره، وتدمير ترسانته الكيميائية، والتأكد من انه لايملك اسلحة دمار شامل، والموافقة على ترسيم الحدود المجحف مع الكويت، والقبول بدفع كامل التعويضات الهائلة عن ما تسببه به في احتلاله لهذه الدويلة الصغيرة، يبدو انه تابع لسلسلة مترابطة معدة مسبقا، وصلت الى مراحل التنفيذ المباشر بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، بعد الضربات الارهابية لابراج التجارة العالمية في امريكا، ثم جاءت مرحلة الحرب المباشرة، والتي انتهت باسقاط حكومة طالبان، ونظام البعث البائد 2003، واعلان دخول مشروع الشرق الاوسط الجديد بعد مدة حيز التنفيذ..

وحصل مايعرفه اغلب شعوب المنطقة من انهيارات سريعة لانظمة الحكم العربي الشمولية، لكن مرحلة انتقال الارهاب والاحداث الى سوريا غيرت مجرى الاحداث العالمية، مما عجل بتورط الروس في ملف اخر دولة حليف مباشر لها بعد ايران (وبعد انهيار نظام القذافي) في الشرق الاوسط، ومن هنا بدأت مراحل نهاية الحرب الباردة الثانية، التي ظهرت رسميا مع استلام بوتين للسلطة، واستعادة روسيا عافيتها وقوتها الاقتصادية والتقنية العسكرية وحتى الصناعية الحديثة في عهده، وبالفعل لم تتمكن امريكا ولا حلفائها من اسقاط نظام بشار الاسد، او حتى البقاء في افغانستان، او السيطرة على العراق كليا، حيث لعبت ايران دورا محوريا في تلك المعركة المصيرية، وهم من كان مع روسيا وراء اسقاط محاولة الانقلاب العسكري في تركيا، والحفاظ على نظام اردوغان، علما ان هذا الاخير يمسك العصا من الوسط، ويعمل بسياسة الابتزاز بين الاطراف الدولية المتنافسة في مناطق النفوذ والهيمنة، الا انه هو احد القادة الذي قال عالم مابعد كورونا ليس كما قبله!.

ذهاب ترامب ومجيء العجوز بايدن قلب طاولة الموازين الدولية وعجل بالحرب الروسية الاوكرانية، حيث اعتمد منذ بداية مجيئه للبيت الابيض على تغيير الاولويات ومنها السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامريكية، وهذا مايرغب برؤيته الاتحاد الاوربي، اذ تم تسريب الكثير من المعلومات والاجندات والملفات، من ان الاولوية القصوى للادارة الجديدة هي الصين وروسيا، وليس دول الخليج العربي والمنطقة، علما ان الادارة السابقة والحالية اعلنت اكثر من مرة انها ترغب بمغادرة المنطقة، وترك العراق وسوريا لمن يريد ابتلاعهما، ومع هذا لازالت القواعد والقوات الامريكية متواجدة ولم تتزحزح من مكانها، حتى تم قلب الطاولة على الجميع من قبل بوتين، وبات العالم يراقب تحركات الروس واسلحتهم النووية...

ان ازمة الطاقة العالمية الحالية، والمعاناة الاوربية الكبيرة القادمة مع نقص امدادات الغاز في فصل الشتاء، اعاد التفكير الاوربي والامريكي بغاز ونفط الشرق الاوسط، فمن الواضح انهم لايريدون انهاء الحرب الروسية الاوكرانية، وهي بالفعل اصبحت مركز الصراع الدولي بين القوى العظمى، فالمجتمع الدولي المناوئ للروس لايريدون الاعتراف بعالم متعدد الاقطاب، ويعملون على الاستمرار بحرب الاستنزاف لانهاء الحرس الروسي القديم(ومنهم بوتين)، لاخضاعه لشروط الاستسلام والعودة الى مربع الدولة النووية الخاضعة للشروط والمراقبة والاملاءات الدولية كما كانت في عهد الراحل غورباتشوف ومن بعده يلسين، ولهذا تجد ان لغة التصعيد في المواجهة بين الروس والناتو باتت اكثر حدة، واقرب فعليا من اي وقت مضى للصدام والمواجهة العسكرية، ولعل المهتم في الشؤون السياسية الدولية، لديه قراءات وتحليلات مسبقة عن حالة الحرب الباردة الساخنة السابقة بين روسيا والصين من جهة وامريكا واوربا من جهة اخرى، وعن مشوار الاستعدادات السرية البطيئة للحرب، اذ يبدو ان لا احد منهم يريد العودة الى المربع الاول...

فكيف ترى العالم محليا ودوليا؟

ان لغة المال والاعمال والتجارة والتنافس الاقتصادي هي السائدة في العالم، وهي كاسحة هائلة لثقافة الشعوب وعاداتها وتقاليدها وحتى منظومتها القيمية التقليدية، غابت الفلسفة والثقافة والادب عموما، وانتشرت موسيقى الشوارع، ولوحات فناني الحيطان والجدران العامة، واصبحت مجهودات فردية واجتماعية محدودة، فتحولت الحياة الرأسمالية الى غابة من الصراع والتنافس غير المتكافئ، واللامشروع احيانا، شركات رأسمالية عالمية عبارة للقارات والحدود، تسلب كل شيء من سيادة الاوطان الاقتصادية، وتعبث بأمنها القومي باية وسيلة او طريقة متاحة امامها دون الالتفات الى شرعيتها الدولية، وتحولت الديمقراطية الى مشاريع للتجارب المحلية في الدول الهامشية المرتبطة عضويا بالمشاريع الراسمالية الدولية الكبرى...

بعد اشاعة فوبيا التشدد والتطرف الاسلامي في العالم، تصاعدت وتيرة التشريعات الرقابية في امريكا واوربا، وفتحت شهيتها لقوانين التنصت دون الحاجة الى الرجوع للقرارات او الموافقات الرسمية المسبقة من قبل السلطة القضائية، منتهكة الخصوصيات بشكل سافر (في مسألة الرقابة الشخصية)، وهذه الامور يبدو انها تحشيدات مسبقة للحرب العالمية الثالثة المحتملة، اذا العالم المنقسم الى معسكرات وتجمعات اقتصادية غربية وشرقية متداخلة، اي بمعنى هناك دول في الشرق حليفة للغرب، وهناك دول اخرى محسوبة على الغرب حليفة للمعسكر الروسي الصيني، هذه التعقيدات والتناقضات ذابت جميعها في الحرب الروسية الاوكرانية، واستعدادات الصين للحرب ضد تايوان، حيث بدأت مرحلة الاصطفافات الجديدة الواضحة، مع بقاء بعض المناطق القلقة في الشرق الاوسط..

رؤية العالم من خلال الاوضاع المحلية في بعض البلدان العربية

لاترى شيئا في الافق العربي غير ضبابية الاحداث والتوجهات والتحولات، ولايعرف مستقبل بعض الانظمة الخليجية التي ارادت ان ترد على اهانة الادارة الامريكية الجديدة (عندما اعلنت تخليها عن الحلفاء الاستراتيجيين)، عبر فتح قنوات الاتصال المباشرة مع روسيا (وحتى الانفتاح على الصين)،

والضغط في مجال خفض الانتاج النفطي (الذي حتما سيزيد من ازمة توفر الوقود وزيادة الاسعار)، حتى بات يسمع في الكونكرس الامريكي اصوات المطالبين بمعاقبة الحكومة السعودية على هذا التأرجح في العلاقة مع ادارة بايدن، ولان الكرامة كانت مهانة امام التجبر والتكبر الرأسمالي، في قبال التواضع الظاهري المحسوب بدقة في عالم كسب الولاءات، جاء التقارب الشرقي الروسي الصيني مع العرب، فرق بين رد بوتين بشكرا على تهنئة رئيس دولة الامارات له بعيد ميلاده، وبين سخرية ترامب من ملك السعودية في حملاته الانتخابية السابقة...

روسيا بوتين اختارت طريق اللاعودة لاحادية القرن الامريكي، واصبح مسار تعدد الاقطاب لديها هو الخيار الوحيد المتاح في حرب الاستنزاف المتبادلة الطويلة الامد، وهذا يعني ببساطة مانطلق عليه انحطاط الحضارة، فلا نخب امريكية او اوربية او حتى روسية قادرة على فرض رؤيتها العقلانية العلمية الاخلاقية للحضارة التكنولوجية والفضائية الحديثة القادمة، واغلب هذه العبقريات والعقول المفكرة مبتعدة كليا عن عالم السياسة، مما شجع العقليات المريضة بالصعود باليمين المتطرف الى مقدمة الاحزاب المهيمنة على الشارع وانظمة الحكم احيانا، بينما النظرية العلمية التي نؤمن بها هي ان الدول او الامم والشعوب التي لايقودها العباقرة والاذكياء سوف ترى الفشل عاجلا او اجلا، فكل شيء في المجتمع والحياة بحاجة الى فلسفة علمية ناجحة من اجل البقاء والديمومة والتطور، بدلا من فلسفة التقدم والتراجع المستمرة منذ بدء الخليقة، هذه الحالات المنتشرة في اغلب دول العالم هي التي تدفع بالدول المتقدمة العظمى بالرجوع الى ثقافة واسلوب الاستعمار القديم للتعامل مع الدول النامية والناشئة وحتى الهامشية، بغية فرض اراداتها وخياراتها الاقتصادية والتجارية العالمية، وبهذه العقليات والمستويات العنصرية البائسة (التي تؤمن كبقية المجتمعات المتخلفة بالاساطير وقصص الرجوع والعودة للمخلص بعد انتشار الفساد والتحلل والانحراف) سوف لن يرى العالم اية خطوات عملية يمكن ان تتخذها القوى العظمى (سواء كان عالم القطب الواحد او المتعدد) للانتقال بهم الى عالم الحضارة الانسانية العلمية العالمية، حضارة بلا تخلف او جهل او عنصرية او نفاق او تنافس غير مشروع، يهتم بالبحوث والدراسات والعلوم والاكتشافات العلمية، خال من الاسلحة النووية او الفتاكة، واي سلاح جرثومي او دمارشامل، وان تبقى لغة الرفض العالمية قائمة ضد اية قرارات استفزازية او محاولات عدوانية ترقى لمستوى الحرب بين الامم والشعوب والدول الامنة، وان تعود الدول الى عالم القوانين والانظمة الاممية المحترمة من قبل الجميع، لتكون ضمانة حقيقية على الارض تمنع ظاهرة سلطة وقرار الفرد في الحكم او في اثارة النزاعات والازمات والحروب مع الدول الاخرى...

ان كان القرن الحالي قرن كراهية النخب لعالم السياسة، لابد ان تكون نهايته بداية الاستعداد النخبوي للقرن القادم، قرن العلم والعقل والحكمة والذكاء السياسي في الحكم وادارة الدول والعالم.....

***

مهدي الصافي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5884 المصادف: 2022-10-15 02:36:04


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م