آراء

بغداد المفجوعة.. عين العراق وصَفوته

دون المحامي والمؤرخ باقر أمين الورد (ت: 1989) أسماءَ الحاكمين ببغداد، مع ترجماتٍ مختصرةٍ، منذ تمصيرها (145هـ) إلى (1404هـ)، مِن أبي جعفر المنصور(ت: 158هـ) حتَّى صدام حسين (أعدم: 2006)، وكان يُشار إلى العِراق ببغداد، في الكثير مِن العهود. واليها العثماني عُرف بوزير العراق. أتى الوّرد على الخلفاء والولاة والملوك والرُّؤساء، مَن بقى له أثرٌ بها ومَن ضيعت أثره الاجتياحات والانقلابات وعوارض الأزَّمان.

حكمت بغداد الشَّرق لستة قرون متواصلة، وقبلها كان حُكم الشَّرق مركزه البصرة أو الكوفة أو واسط، مِن بلاد فارس وما وراء النَّهر إلى ممالك مِن الهند والسّند وأطراف الصّين، لم يجانب الشّاعر الحقيقة: «ويكادُ يُجهلُ أنَّ بغداداً بها/ كانت يدُ الدُّنيا تطولُ وتقصرُ/ أو أنَّ كوفاناً وبصرةَ منهما/ كانت إلى الأُمم الحياة تُصدرُ»(الجواهري، إلى الشَّعب المصريّ 1951). ظلت مقصودة، مِن قِبل كلّ غازٍ طالبِ مُلكٍ، فلم يكتف الغازون بسلخ ولايات عنها، لأن وجودها سالمة يعني العِراق سالماً معافى، وهذا يدركه ساسة عصرها الحاضر، عندما جعلوها خصماً مع أنَهم ينعمون بأروقة خضرائها، فمَن يفسد بها لا يهمه العراق بشيء.

من يتصفح «العراق بين احتلالين» للمحامي والمؤرخ عباس العزاويّ (ت: 1971)، يشيب مِن تعاقب الاحتلالات على بغداد، ومما جرى عليها من مقاتل وفراهيد، كم غازٍ حول ماء دجلة إلى مقبرة لأهلها، و«مقبرة المياه» رواية للأديب اللِّيبي محمد عبد المطلب الهوني، وعندما عاينت العنوان حسبتُ أنه يعنيها. مَن يغزوها ينهب ويسلب ويتركها خاويةً تنعب في حاراتها الغربان.

انقض عليها المغول (1258م)، فالصَّفويون (1633) فالعثمانيون (1534 و1638)، حتَّى غزاها البريطانيون (1917)، فالأميركان (2003) والانقضاض الأخير داهية الدَّواهي، أسس لتدميرها الممنهج.

استمر تقزيمها وإهمالها، بمحاولات تقديم عواصم مدن عليها، باسم الأقاليم، ليس بالعذر الذي اتخذه المعتصم بالله (ت: 227ه) بنقل العاصمة إلى سامراء. لكنّ مع محاولات إهانتها بالصُّورة التي عليها الآن، لم يستطع أحد تجاوزها، هكذا جعلتها الجغرافيا الصَّرة مِن العِراق. قيل: «وفي العراق بغداد، صفوة الأرض ووسطها، لا يلحق من فيه عيب سرف ولا تقصير»(الخطيب، تاريخ بغداد).

يعتقد أهل الشّمال أنّ لهم ثأراً معها، والأحزاب الدِّيّنية تحملها ثأراً طائفياً، فكلّ تاريخها كان عباسياً، وشريانها اسمه «الرَّشيد»، وإذا كان المنصور مصرها، فهارون الرَّشيد(ت: 193هـ) جعلها زاهيَّةً، والأخير مطلوب ثأر، لابد مِن أخذه مِن بغداد نفسها. إضافة إلى أنّ الإسلاميين كافة يعدونها «فاجرة»، مع كثرة أضرحتها ومساجدها، لأنها لم تخضع لصحوتهم، ظل تمرد أبي نواس بها مجاوراً لتدين الكرخي.

بعد (2003) تغير الموقف، وصار رمز الدَّولة بها كردياً، فهل يبقى يبغض بغداد بسبب أنَّ الجيوش تحركت بأوامر منها يوم كان في حرب معها، أيحملها تبعة ما حصل؟! أم يكون ساريةً يجتمع حوله العِراق كافة، ولا يجعلها أربع سنوات، يعيشها بلا عاطفة لها؟ نقول هذا اعتماداً على ما نقله حاكمها الغازي في «عام قضيته في العراق» أنَّ رأساً كردياً قال: «أكره بغداد»! لكنَّه عندما حوصر، في يوم ما، مُدّ حبل النَّجاة إليه مِنها.

أقول لرئيس الجمهوريّة الجديد القادم مِن السُّليمانية، حيث الشّمال، ورئيس الوزراء القادم مِن ميسان، حيث الجنوب، أعطيا بغداد حقَّها وارفعا عنها الغبن، فهي «أم بلاد العِراق»، و«مجمع الرَّافدين، وغرّة البلاد، وعين العراق» (الحمويّ، معجم البلدان)، لا تتركاها مفجوعة مغلوبةً على أمرها، يتحكم فيها بسلاحه مَن لا يقر بالولاء لها.

***

رشيد الخيون - كاتب عراقي