آراء

بعض من مشكلات القيادة الاستراتيجية وإدارة الافراد في العراق الجديد

وصلت المجتمعات الاوربية اليوم الى مراحل متطورة علميا وثقافيا في عصر الآلات الذكية وتكنولوجيا النانو، خاصة خلال العشر سنوات الماضية عندما حقق العالم قفزة نوعية هائلة في كافة المجالات ولا نعرف بالضبط اين يسيرون بالعالم.. هل هم اصبحوا قادته نتيجة الثورات العلمية التي ادت الى الذكاء الصناعي وتكنولوجيا الفضاء وأنظمة الحاسوب وبرامجه السحرية.؟

ومتى نلحق بهم اذا كان اصحاب الشهادات العليا في مجتمعنا بلا عمل يفترشون الساحات العامة يبيعون الفواكه والخضر؟ ومن توظف منهم في دوائر الدولة القي في زاوية منسية ولم يستلم دورا قياديا، وكما يقال ان النجاح بالعمل قد يكون عمل جماعي وليس عمل فردي ولكن اغلبية من يخفقون بالعمل يكون بسبب السياسة المكتبية التي تحرمهم النجاح والكثيرون يرفضون المغامرة في امور العمل بسبب الخوف من الفشل او الاهمال باختيار مستقبل مهني عالي،

وما يميز بعض الموظفين الذين يملكون شهادات دراسية متواضعة ومعرفة بالعمل وتقنيات ضعيفة انهم يكثرون من الكلام ولا يصغون الى الاخرين، لكن من صفات القادة الناجحين اداريا انهم يتخذون قرارات شجاعة بسرعة وحسم ويفسحون المجال لأصحاب الشهادات العليا بممارسة اختصاصاتهم بكل فعالية والاعتماد عليهم بشكل كلي في الادارات الفرعية سواء كانت هيئات او اقسام او شعب لان كل من يحصل على شهادة اعلى يرغب الحصول على منصب اعلى ويقبل اول مركز يعرض عليه في البدء، لأنه قد يكون مترددا في اتخاذ قراراته، ويعمل الكثير من الموظفين ممن حصلوا على شهادات عليا اليوم في مراكزهم المتواضعة لأنهم افتقروا الى وضوح القرار بالتخطيط الى المركز الذي يريدون.

ان من يتحمل المسؤوليات الكبيرة سواء في المجتمع او في قيادة دوائر الدولة هم اصحاب الشهادات العليا الذين لا يعرفون الكلل والملل ويركزون على تحسين انجازاتهم بدلا من الحاق الهزيمة بمنافسيهم من هم بشهادات ادنى وهم يهتمون بتنفيذ اعمالهم بأسلوب العمل الجماعي بدلا من العمل الفردي.. انهم يدركون ان جهود المجموعة يمكن ان يحل المشاكل المعقدة وهم تواقون الى اشراك الاخرين في تفاصيل العمل باعتماد روح المنافسة، بينما الاخرون يأتي انجازهم محدود لأنهم يهتمون وحدهم بكل تفاصيل العمل ويخفون تلكم التفاصيل لأسباب شخصية .

هذه هي مهارات اصحاب الشهادات العليا او ما يطلق عليهم – الكفاءات – فإذا اردت ان تفيد من مواهبك اكثر وتستغل قدراتك كاملة تعلم كيف تستخدمها، أن الوقاية خير من العلاج كما يقولون، وأداء العمل بشكل صحيح أقل تكلفةً من تصحيحه بعد وقوع الخطأ، كون الحياة ساحة سباق وصراع وتنافس بين المجموعات غير المتجانسة علميا وثقافيا.

واليوم الكثير من دوائرنا الحكومية لا تعرف التخصص، كالطبيب الذي يعالج كافة الامراض او المحل التجاري الذي يبيع كل شيء للناس، هذا ما حدث سابقا ولكن بعد التغيير يجب ان يأخذ التخصص مكان ذلك .

فمن الممكن زج أعداد كبيرة منهم في الانتاج مباشرةً شريطة ان يكون الاقتصاد الوطني قادر على استيعاب هذه الاعداد الجديدة الراغبة في العمل بعد تحسن شروط القبول .

إلا أن أغلب قطاعات الدولة باستثناء القطاع النفطي والقطاع التعليمي تعاني صعوبة في ايجاد فرص عمل جديدة لهم بسبب طبيعة اعمالها المنخفضة نوع ما وأدائها الروتيني واغلبها يعاني من تراكم أعداد العاطلين عن الانتاج والعمل اساسا مع تخلف اساليب العمل ووسائل الانتاج السلعي والخدمي على حد سواء.

ان الواجب الوطني يستلزم المضي في عمليات البناء وتفعيل قوى التنمية وتعبئتها على اسس واضحة وصيغ متجددة من العمل ورفع معدلات الانتاج ومردودات راس المال المستثمر واستغلال الموارد المتاحة بصيغ عقلانية وحسابات متطورة والعمل على تطوير البنية الفنية لجهاز الانتاج وتوسيع طاقاته وإخضاعها للتخطيط بصورة مترابطة.

يقول العالم الامريكي – امرسون – ( للأوقات الصعبة قيمة علمية، أنها فرص لا يهملها من يحسن التعليم )، ونظرا لوجود شركات نفطية عملاقة عاملة في العراق توظف رؤوس اموالها في القطاع النفطي فان جزءا كبيرا من الدخل القومي المنتج في هذا البلد يذهب الى البلدان المتطورة علميا عن طريق تلك الشركات العملاقة على شكل ارباح وفوائد ويؤدي ذلك الى تقليص في الدخل القومي، وحتى نتخلص من ذلك الاستنزاف والتقليص لمقدار الدخل القومي المنتج في الاقتصاد الوطني، لا بد من أعداد كوادر علمية على مستوى عالي من التحصيل الدراسي .

كما ان الغرب الصناعي نفسه يواجه حالة من التفاوت العلمي ما بين دوله وهذا يعود الى التفاوت في البحوث والدراسات العلمية بالدرجة الاولى، حيث هناك دولا مصدرة بشكل اساسي لبراءات الاختراع وهي الناتج الطبيعي للبحوث العلمية لكوادرها الفنية والإدارية، في الطرف الاخر نجد هناك مستورد لهذه البراءة وتراخيصها، أن ما اردنا ايضاحه هنا هو التفوق العلمي لأصحاب الشهادات العليا الذي اصبح يخلق اثاره الاقتصادية الواضحة على الصعيد الداخلي او على صعيد العلاقات الاقتصادية الدولية .

والعراق كأحد البلدان النامية يواجه متغيرات عديدة بسبب المضي في تحقيق التغيير المطلوب في المجتمع وبشكل كبير وواسع النطاق، وبجانب المتغيرات الاقليمية التي تعيشها المنطقة وطموحات الحكومة وتأييدها للتغير تأخذ عملية التطوير الاداري موقعها الهام في خلق جهاز اداري كفء يأخذ على عاتقه مسؤولية تنفيذ خطط التنمية الوطنية، كما ان التوسع الكبير الذي حصل في حركة الجهاز الاداري والاتساع في حجم وعدد الموظفين لم يصاحبه توسع ملائم في اعداد وتهيئة القادة الاداريين، كما ان التخلف الحاصل بالهياكل التنظيمية لبعض الشركات والدوائر يرجع الى عدم متابعة تطوير هذه الهياكل بما ينسجم والظروف المتجددة والأسس العلمية، والمطلوب اليوم هو وضع اسس ومبادئ علمية وضوابط تحدد عملية تغيير الهياكل التنظيمية وجعلها منسجمة والمهام الملقاة على عاتق الاجهزة الادارية .

وتتضح هذه الظاهرة في العراق ومعظم البلدان الشرق أوسطية، التي ينتاب فيها ذلك المسؤول شعور طاغ من النرجسية والتشبث بالموقع والشعور بالسلطنة، فقد أدمنت تلك الإدارات العامة والعليا وحتى الصغيرة منها مواقعها حتى أصبحت ممالك صغيرة ضمن الدولة، يتصرف فيها المدير أو المسؤول وكأنه وارث الدولة في تلك المؤسسة، وربما كان ذلك مبرراً في الأنظمة الشمولية التي لا تثق ببقاء أي مسؤول فترة طويلة في موقعه خوفا من تبلور أو تكلس مجاميع من الناس حوله ليؤسس شيئا يثير مخاوف النظام، الا ان ما واجهنا اليوم في معظم الدول التي تغير هيكل نظامها فيما يسمى بالربيع العربي او كما حصل في العراق منذ عقدين هو مواصلة الالتصاق والتكلس على كراسي الإدارات، وبالذات ما دون كرسي الوزير او النائب، وما يترتب على ذلك من انتشار عنقودي للفساد المالي الذي طفح بشكل جعل هذه الأنظمة ومنها العراق في مستويات لا يحسد عليها تحت سقف الفساد، في ظل إدارات نافست المياه الراكدة في تعفنها وانتشار رائحتها التي تزكم الأنوف.

***

شاكر عبد موسى/ كاتب وأعلامي

....................

المصـــــادر

1- شاكر عبد موسى/ كتاب أفكار في الإدارة والقيادة الناجحة.. القطاع النفطي نموذجا / بغداد. مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر والتوزيع ص8- ص12.

2- علي عبد الحسين حميدي العامري / رسالة ماجستير.. دور القيادة الاستراتيجية والشفافية في محاربة الفساد الإداري- جامعة كربلاء/ كلية الإدارة  والاقتصاد ص35.

3- كفاح محمد كريم/ متحجرات الإدارة / صحيفة المثقف الصادرة في أستراليا/ العدد 5911 في 2 تشرين الثاني 2022.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5923 المصادف: 2022-11-23 03:16:38


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م