آراء

مجازر الموصل وكركوك في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم

كُتِبَ الكثير عن هذا الموضوع المهم والحَسّاس جداً، فأغلب المصادر والمراجع ـ إن لم تكن جميعها ـ التي تناولت فترة الزعيم قاسم قد تَطَرّقت لهذا الموضوع. ولا أحتاج الى التأكيد على "تباين" هذا التناول، فسيخضع الأخير بكل تأكيد للخلفيات الأيديولوجية القاهرة لتكون المُوَجّه الفعّال لقلم الباحث. فهناك من يُرجِعها ل"التطرف الشيوعي"، وهناك من يُحَمّلُ الأطراف القومية والبعثية الوزر، وحكومة قاسم لن تنجو من مسؤوليتها الكبيرة بكل تأكيد. ونحن بدورنا سنتناول هذه القضية من منظار آخر، سندرس المسألة بتجرد ما إستطعنا.

لم يُبدِ حُكام العراق في العهد الملكي بعد نيل الإستقلال في عام 1932 كبير إهتمام بتنظيم الأحزاب السياسية، بل كان هذا النظام مُضمِرَاً العداء للنظام الحزبي، لهذا فقد إضطر زعماء الأحزاب "المعتدلة" الى العمل في الخفاء ثم التحالف مع "المتطرفين". المعتدلون: حزب الإستقلال و الحزب الوطني الديمقراطي. المتطرفون: حزب البعث والحزب الشيوعي (سايرنا الباحث القدير مجيد خدوري في هذا التقسيم مع بعض التحفظ).

أسفر هذا التعاون الى تشكيل "جبهة الإتحاد الوطني" والتي أصدرت بيانها الأول في 9 / 3 / 1957، وعلى الرغم من تباين الإتجاهات والأهداف بين تشكيلة هذه الجبهة، الى أن هدفها الأول هو التصدي للسلطة الحاكمة ولإجراءاتها الإرهابية. أما المطالب الوطنية الكبرى التي أكّدَت عليها الجبهة، فيمكن حصرها بما يلي:

تنحية وزارة نوري السعيد وحَلّ المجلس النيابي ـ الخروج من حلف بغداد ـ مقاومة التدخل الإستعماري ـ إطلاق الحريات الديمقراطية ـ إلغاء الإدارة العُرفية.

تهاوى النظام وسقطت الملكية نتيجة قيام ثورة 14 تموز 1958 بتدخل عسكري بقيادة الزعيم قاسم وزميله العقيد عارف. فوجدت هذه الأحزاب نفسها أمام عمل جديد غير مألوف، فقد تَمَرّسَت سابقاً على العمل في المعارضة والخفاء، خصوصاً الحزب الشيوعي الذي إضطهدته السلطة الملكية إضطهاداً لا مثيل له في تلك الحقبة. وعليه فقد وجدت هذه الأحزاب نفسها أمام عملٍ غير مألوف. وهذا ما أكّده د. عبد الحسين شعبان: فقد فاجأ العمل العلني قيادة سلام عادل التي إعتادت على العمل السري، ولم يكن لديها خبرة في شؤون الإدارة والدولة.

قيل الكثير عن دكتاتورية قاسم ونزعته الفردية في الحكم، ونحن هنا لا نريد أن ندفع ذلك عنه، خصوصاً أن الرجل كان عسكرياً، وطبيعة العسكر معروفة عند إستلام السلطة. لكن هل نضع اللوم على قاسم فقط؟ الموضوعية تأبى هذا التعامل الحَدّي! يقول الباحث مجيد خدوري:

(كان من المُنتَظَرِ أن تُوَفّرَ جبهة الإتحاد الوطني قيادة حكيمة للجيل الجديد بعد الثورة لو أن الأحزاب السياسية بقيت متضامنة، وإستطاعت أن ترفع الى السلطة العسكرية برنامج عمل من شأنه أن يُحَوّل الحكم العسكري المؤقت الذي قام في أعقاب الثورة، الى حكم مدني ... ولقد حاول قاسم أن يجعل من الأحزاب المعتدلة العمود الفقري للحكم، ولكن المعتدلين أبوا أن يتجاوبوا معه)

قصورٌ كان قاتلاً من الزعماء الوطنيين "المعتدلين" خصوصاً! أي حزب الإستقلال والحزب الوطني الديمقراطي، فقد قَدّموا السلطة على طبقٍ من ذهب الى العسكر! وتركوا الشارع ـ إذ لم يكن لهم جمهور واسع ـ الى "المتطرفين"! أي حزب البعث والحزب الشيوعي!

مجزرة الموصل:

أُذيع بيان "حركة ـ ثورة" العقيد عبد الوهاب الشواف في يوم 8 آذار 1959، وقد كتبه الضابط القومي محمود الدرة. وقد إستهدفت الحركة قيادة الزعيم قاسم، فكان رد الأخير سريعاً، إذ إستهدفت الطائرات العراقية مقر قيادة العقيد الشوّاف، فأصيب الأخير ثم قُتِل، فإنهارت المقاومة.

قبل أن نتجه الى الأحداث المأساوية، لا بُدّ من تسليط الضوء سريعاً على أوضاع هذه المدينة العريقة:

كانت هناك عناصر ناقمة على العهد الجديد في الموصل، وفي طليعتهم أصحاب الأراضي وشيوخ القبائل، وهذا ما دفعهم لإثارة النقمة ضد هذا العهد. إضافة للفئات التي تدعو الى الوحدة العربية الشاملة، فهؤلاء لا يتفقون مع قاسم وسياسته، وعليه فقد خلقت هذه العناصر الناقمة مناخاً ملائماً لثورة مضادة. وكانت الموصل ـ لعلّها ـ بيئة تعتمل فيها مشكلات شديدة التعقيد عند إندلاع حركة الشواف. فقد شعر أهلها بأن مدينتهم، وهي المدينة الثانية في العراق، مهملة إهمالاً تاماً. وكان هذا الشعور قديماً، فقد تضررت الموصل إقتصادياً بعد إنفصالها عن تركيا.

لا أحتاج الى التأكيد بأن إعتمادنا هنا سيكون على المصادر "المحايدة"، فهي الأسلم والأوثق.

عندما أعلن الشواف ثورته، أخذت العناصر الوحدوية والمناوئة للشيوعية بمهاجمة الشيوعيين ومؤيديهم في الموصل، وتَعَرّضَ أنصار السلام الذين لم يكونوا قد غادروا الموصل بعد الى الأذى، وقُتِلَ منهم إثنان بطريقة وحشية. لكن الموقف تغير بعد هزيمة الشواف، فلم يتقدم أحد لدعم الشواف وحركته، وهذا ما جعل الكفة تميل الى الجانب الشيوعي، وقد ضعف الموقف الوحدوي بسبب هجمات الأكراد الموالين لقاسم، فقد زحفوا على المدينة وأعملوا فيها تقتيلاً وتخريباً. وقد هَبّ سكان الأحياء الفقيرة لنجدة الشيوعيين، فهاجموا أحياء الطبقات الغنية، فتم بعدها إرتكاب أعمال فظيعة من جانب الشيوعيين.

واضحٌ هنا أن المسألة أكبر من أن تُختَزَل بطرف دون آخر، وطبعاً فالجميع مُدان.

يُسَلّطُ الأستاذ جرجيس فتح الله الضوء هنا على فترة سمّاها ب"الإرهاب الأعظم في الموصل"، إمتدت من عام 1960 الى 1963، أي الى سقوط قاسم. ويقول بأن الصمت عن هذه الفترة كان تآمرياً مقصوداً، وبرأيه أن هذا التكتم التآمري قد وصل الى كتاب حنّا بطاطو الضخم! وبحسب فتح الله إن إرادة عبد الكريم قاسم تقف وراء هذا التدمير المنظّم للموصل، مع التأكيد بأن القتل لم يكن من نصيب جهة واحدة، فقد شمل المسيحيين والشيوعيين وغيرهم من الأبرياء، وقد سَجّل فتح الله نفسه 158 إسماً من القتلى، ويتوقّع أن العدد كان أكثر.

مجزرة كركوك 1959:

تسامحت القيادة الشيوعية العراقية في قبول أعداد كبيرة من الأعضاء الجُدد، وهؤلاء لم يُعَدّوا إعداداً فكرياً صحيحاً، فقد كانوا يؤازرون قاسم وعلى إستعداد للقيام بأعمال العنف إن تَطَلّب ذلك.

ساعد تركيب الطبقات الإجتماعية في كركوك على المذابح فيها، فقد الوضع حساساً جداً بين الكُرد والتركمان وشركات النفط. يقول القيادي الشيوعي الكردي عزيز محمد في تفسير له عن هذه الأحداث، أي أحداث الإحتفال بذكرى السنة الأولى لثورة تموز وما أعقبها من حوادث دموية:

إنطلقت المسيرة ولم يخطر في بالنا أن يحصل ما حصل، وكان من المقرر أن تسير المظاهرة بإتجاه ساحة الشركة، وشارك في المظاهرة الكثير من النساء والأطفال. وبينما كانت المسيرة تشقّ طريقها في شوارع المدينة، وتحديداً عند دار السينما في كركوك، سمعنا صوت إطلاق للنيران على المظاهرة، ولم يُعرَف المصدر. كنتُ في العادة أحمل معي مسدسي الشخصي، ولكن من قُبيل الصدفة لم يكن معي لكوننا لم نتوقع تفجر الوضع ولم نسعَ إليه.

لا بُد من التركيز الآن على ما يلي:

1ـ حساسية الوضع بين الكرد والتركمان وشركات النفط

2ـ عزيز محمد هو المسؤول عن التنظيم الشيوعي في كركوك وكان كُردياً، وهذا ما سنعود إليه لاحقاً.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن وبقوة: هل قامت تلك المذابح بناءاً على أوامر صادرة من مكتب الحزب الشيوعي في بغداد؟ سنستأنس الآن بعدّة مصادر:

1ـ الدكتور أوريل دان:

لقد أظهر الشيوعيون في أحيان كثيرة قسوة مجنونة، ولا سيما الجنود الكُرد الذين إعتراهم هياجٌ صعب ضبطه. ليس في الإمكان التحقيق في من كان البادىء بالإستفزاز يوم 14 تموز. وليس ثم دليل قانوني يُثبت صدور أمر من مركز الحزب الشيوعي العراقي في بغداد لتنفيذ مخطط مذبحة. ولكن يمكن التأكيد وبصورة معقولة أن أمراً كهذا لم يصدر.

2ـ المؤرخ حنّا بطاطو:

لا شيء آذى الشيوعيين بقدر ما فعلت أحداث كركوك الدموية في 14 ـ 16 تموز يوليو. ومع ذلك، فقد أصبح مؤكّداً الآن أن هذه الأحداث لم تكن مُدَبّرة من قِبَلِ زعمائهم، ولا هُم سمحوا بها. ولكن يمكن أن تُعزى هذه الأحداث جزئياً الى طبيعة تلك الأزمنة من أفعال القسوة القصوى التي كانت شائعة في لحظات عدم الإستقرار الإجتماعي والغليان غير الطبيعي. ولكن اللوم المباشر يقع بوضوح على عاتق الأكراد المتزمتين ذوي الميول المختلفة.

3ـ الدكتور عبد الفتاح البوتاني:

ليس ثمة إتفاق على من كان البادىء بالإستفزاز وإطلاق الشرارة الأولى، كما أن تقارير مدير شرطة كركوك "جاسم محمد السعودي" ومدير الأمن "نوري الخياط" لا تتفق على الجهة التي أتت الإستفزازات منها أيضاً. وليس ثمة دليل قانوني يُثبت صدور أمر من المكتب السياسي للحزب الشيوعي أو من اللجنة المحلية للحزب في كركوك لتنفيذ مخطط مذبحة. وهنا لا بُد من القول بأن الصورة المأساوية التي ثبتت في أذهان الناس كانت تميل الى أن الحزب الشيوعي هو الذي دَبّرها عن سابق إصرار، وخطط لها ونفذها، والقصد من ذلك إرهاب الناس وإخضاعهم لإرادته والتمهيد للإستيلاء على السلطة في النهاية، وكان لعبد الكريم قاسم الدور الحاسم في ذلك. حتى أن أحد المعاصرين ـ ويذكر في الحاشية الأستاذ عبد الغني الملاح ـ كتب يقول: إن قاسم هو الذي وَرّط الكورد في ذبح التركمان، كما ورط الضباط الثائرين في الموصل في إعلان ثورتهم لكي يسحقهم.

4ـ الأستاذ جرجيس فتح الله:

على أن ما بات في حكم المؤكّد الآن وبالشكل الذي لا يقبل جدالاً أن تلك الأحداث الأليمة لم تكن مدبرة، وإنما هي بنت ساعتها. وأن قادة الحزب الشيوعي في العاصمة لم يكونوا وراءها ولم يأمروا بها ولم يوطئوا لها عن قصد، وإنما فوجئوا بها مثل غيرهم. لا سيما إذا أخذنا في الإعتبار الظروف التي سبقت وزامنت وقت إرتكابها. وأما ما لا سبيل إلاّ الى نعته بأعمال بربرية وفظائع وحشية إرتُكبت ضد الخصوم فهي أعمال لم تكن بالنادرة ولا بالجديدة ولا قاصرة على مدينة كركوك وحدها. ولا سيما في ظروف فورة الدم والغليان وعدم الإستقرار الإجتماعي كهذا الذي إجتاح العراق من أقصاه الى أدناه في فترة ما بعد الثورة.

ساهم الشيوعيون وأنصارهم ومؤيدوهم فيها "كَكُرد" أكثر منهم "شيوعيين". وإن كانت النهاية التي طمحوا إليها شيوعية أكثر مما هي كردية. وغالبية من شارك في أعمال القتل والنهب والتدمير لم تكن شيوعيتهم تَتعدى بشرتهم عمقاً. فهُم من شيوعيي الرابع عشر من تموز. كما أن جميع المنظمات الشيوعية المساهمة في المسيرة التابعة منها والواجهة كانت مرتبطة بالفرع الكردستاني للحزب. إنتهى

ولولا الخوف من التطويل والإسراف في تثبيت النصوص لأستشهدنا بكُتّابٍ آخرين. وطبعاً يجب أن لا ننسى تأثير الإعلام الخارجي على الساحة العراقية ودوره في إشعال النار، إعلام عبد الناصر إنموذجاً.

وما يجدر ذكره هنا أن قيادة الحزب الشيوعي العراقي قد قامت بعدها ب"نقد ذاتي مرير" أُطلق عليه ب"الجلد الذاتي". قامت القيادة بهذه الخطوة في سياق إستنكار هذه الأعمال البشعة، وهذا ما أفقدها شعبيتها أمام جماهيرها كما ذكر عدد من الباحثين.

ما تَوَصّلنا إليه من خلال هذه الجولة البحثية السريعة:

1- لم تكن "جبهة الإتحاد الوطني" منسجمة من حيث البناء الداخلي، هدف واحد جمع بين أطرافها، وهو إسقاط الملكية العراقية.

2- إنعكس "عدم الإنسجام" هذا على الساحة العراقية بعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية. ف"المعتدلين"، أي الإستقلال والوطني الديمقراطي، وكانت احزاباً نخبوية، لم تشترك في العمل السياسي وأحجمت عن التدخل بحجة سيطرة العسكر. أما "المتطرفين"، البعث والشيوعي، فقد بقيت الساحة لهما، وضاعت فرصة ثمينة.

3 - كانت الأحداث الدموية "بنت ساعتها"، والتركيز على المدينتين "سوسيولوجيا" مهم جداً، فبدونه لن يتمكّن الباحث من تقديم صورة منضبطة عن هذه الأحداث المأساوية.

4 - فتحت قيادة الحزب الشيوعي باب الإنتماء الى الحزب على مصراعيه لأسباب مهمة آنذاك برأيها، وهذا ما أثّر سلباً عليها وعلى الأحداث اللاحقة.

5 - تَصَرّف الشيوعيون في كركوك "كَكُردٍ" قبل أن يتصرفوا "كَشيوعيين"، بل كان على رأس الحزب الشيوعي في كركوك عزيز محمد، وهو شيوعي كردي. ولا يوجد دليل رسمي يُثبتُ صدور أمر من مكتب الحزب الشيوعي في بغداد أو كركوك على تنفيذ مذبحة بالخصوم.

6 - قامت قيادة الحزب الشيوعي بمراجعة ذاتية مريرة في سياق إستنكارها لهذه الأعمال الوحشية.

7 - الجميع مُدانٌ هنا، ولن نُبَرّرَ لأحدٍ أبداً.

***

بقلم: معاذ محمد رمضان

...................

المصادر بحسب الإستخدام:

1ـ مجيد خدوري: العراق الجمهوري، إنتشارات الشريف الرضي ط1 إيران 1418

2ـ جعفر عباس حميدي: التطورات والإتجاهات السياسية الداخلية في العراق 1953 ـ 1958 ط1 1980 ساعدت جامعة بغداد على نشره

3ـ عبد الحسين شعبان: سلام عادل / الدال والمدلول وما يمكث وما يزول ـ بانوراما وثائقية للحركة الشيوعية، دار ميزوبوتاميا في بغداد ط1 2019

4ـ محمود الدرة: ثورة الموصل القومية 1959، منشورات اليقظة العربية في بغداد ط1 1987

5ـ جرجيس فتح الله: العراق في عهد قاسم ـ أراء وخواطر ج2 دار آراس ودار الجمل ط1 2014

6ـ عزيز محمد يتحدث ـ صفحات من تاريخ العراق السياسي، حوار وتعليق: سيف عدنان القيسي، مكتبة النهضة العربية في بغداد ط1 2019

7ـ أوريل دان: العراق في عهد قاسم، ترجمة وتعليق: جرجيس فتح الله، دار آراس ودار الجمل ط1 2012

8ـ حنا بطاطو: العراق ك3 ـ الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، بترجمة: عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية ط3 2003، دار القبس الكويت

9ـ عبد الفتاح البوتاني: العراق ـ دراسة في التطورات السياسية الداخلية 14 تموز 1958 ـ 8 شباط 1963، دار الزمان دمشق ط1 2008

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5983 المصادف: 2023-01-22 02:51:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م