آراء

نبيل الربيعي: فاضل البراك يستقطب بعض الشيوعيين العراقيين

ولد فاضل البراك في مدينة بيجي عام 1942م، وأكمل دراسته في تكريت عام 1960م ودخل الكلية العسكرية، بعد انقلاب 17 تموز 1968م، منح البراك رتبة نقيب وألحق في حماية الرئيس أحمد حسن البكر، ثم بعد خلافه مع زوجة البكر نسبه صدام حسين في حماية مقر الإذاعة والتلفزيون في منطقة الصالحية.

عُين نهاية عام 1971م معاوناُ للملحق العسكري في السفارة العراقية بموسكو، وبقي في هذه الوظيفة حتى عام 1976، وليكون أيضاً مسؤولاً حزبياً عن تنظيمات حزب البعث في الاتحاد السوفيتي، وللحقيقة يذكر الدكتور خليل عبد العزيز في مذكراته (هارب من الإعدام) ص163/175 إن فاضل البراك (كان ممثلا لدوائر الأمن والمخابرات العراقية لدى المخابرات السوفيتية، أي كان عضو الارتباط بين التنظيمين. وانطلاقاً من وظيفته هذه فقد كان يتردد على المركز الرئيسي للمخابرات السوفيتية وسط موسكو لتنسيق العمل المخابراتي وتبادل المعلومة، وقد أخبرني بوظيفة البراك هذه مدير معهد الاستشراق السيد بابا جان غفوروف).

وطيلة مدة بقائه في وظيفته بالسفارة العراقية، كان البراك مسؤولاً عن تنظيمات حزب البعث في عموم الاتحاد السوفيتي، حيث كان هناك العديد من الطلبة العراقيين من المبتعثين الحكوميين، يدرسون في الجامعات السوفيتية ومثلهم الكثير من العسكريين الذين كانوا يتلقون علومهم في العديد من المعاهد والكليات العسكرية وفي مختلف الجمهوريات السوفيتية .

وفيما يتعلق بحصوله على شهادة الدكتوراه من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية، فالحقيقة أن فاضل البراك لم يكن مؤهلاً علمياً لكتابة رسالة الدكتوراه، وإن قبوله لأعداد الرسالة من خلال معهد الاستشراق، جاء بناءً على طلب من لجنة العلاقات الخارجية بالحزب الشيوعي السوفيتي، وذلك تنفيذاً للاتفاقية الموقعة بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي السوفيتي والتي نصت على قيام المعاهد العلمية السوفيتية بإعداد مجموعة طلبة، وبالذات في مجال الدكتوراه وبمختلف العلوم دون الحاجة لحصولهم على المستوى العلمي الذي يؤهلهم لإعداد رسائل دكتوراه.

ويؤكد الدكتور خليل عبد العزيز في مذكراته قائلاً: (خلال لقاءاتي في معهد الاستشراق مع فاضل البراك وكان من مهامي متابعة إعداده لرسالة الدكتوراه، حسب تكليف مدير المعهد الأكاديمي السيد بابا جان غفوروف. وفي مجريات المتابعة كان فاضل البراك يعرض عليَّ ما يعده من فصول لمتن رسالته، لأطالعها ثم أعرضها على رئاسة المعهد. وفي أحد المرات سلمني الفصل الثاني من رسالته، وحين أخذته وجدت بين طيات أوراقه رسالة صغيرة موجهة للبراك من مفكر حزب البعث الياس فرح، وقد جاء في تلك الورقة ما يلي: أبعث لك الفصل الثاني من رسالة الدكتوراه... وبدوري قمت بعرض وتقديم الرسالة وترجمتها لمدير المعهد السيد غفوروف فأجابني بضرورة أن يحتفظ بالرسالة وأمتنع عن أعادتها ليَّ). من خلال رسالة الياس فرح يتبين لنا أن أطرحة رسالة البراك كان الياس فرح وآخرين يكتبوها لهُ وفق نهج حزب البعث.3206 هارب من الاعدام

وبعد مناقشة رسالته عن حركة رشيد علي الكيلاني عام 1941 وحصوله على شهادة الدكتوراه وعودته إلى بغداد، واستلامه منصب مدير الأمن العام قام بطبع الرسالة على شكل كتاب حُذف منه كافة الإضافات والتعليقات النظرية التي وجهت له خلال مناقشة الرسالة وعدل عنوان الرسالة حين طبعت ككتاب، ليكون الكتاب في النهاية وثيقة قومية بعثية خالصة، سارع بعدها الانتهازيون والمتملقون لكتابة وتدبيج المقالات التي تشيد بالبراك ورسالة الدكتوراه، وتجاوزت تلك الكتابات الأربعين مقالا.

ويعقب الدكتور خليل عبد العزيز في مذكراته قائلاً: (كان فاضل البراك وخلال وجوده في موسكو وعبر علاقته بمعهد الاستشراق وتكليفي بمتابعة إعداده رسالته للدكتوراه، شديد الوضوح والصراحة في بيان معاداته للشيوعية والشيوعيين وبالذات الحزب الشيوعي العراقي رغم معرفته بموقعي القريب من الحزب الشيوعي. وإن البراك وفي أحد المرات حضر احتفال منظمة الحزب الشيوعي العراقي في موسكو والتي أقيمت بمناسبة تأسيس الحزب، وخلال الحفل تم عرض صورة مؤسس الحزب الرفيق فهد لأجراء مزاد عليها، فقال ليَّ البراك بأنه يرغب بالحصول على الصورة بأي ثمن كان، وفعلاً بدأ بالمزايدة عليها ورفع المبلغ بما يؤهله الحصول عليها، وقد نال واستحوذ على الصورة، عندها طلب من سائقه وضع الصورة في الصندوق الخلفي للسيارة، وقد استرعى ذلك انتباهي، فسألته عن سبب رغبته باقتناء صورة الرفيق فهد وما عساه فاعل بها، أجابني بشيء من الهزء بأنه سيمزقها كونه لا يريد أن تكون من حصة أي عراقي).

وفي فترة عمل البراك في السفارة العراقية في موسكو كان مسؤول تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي لعموم الاتحاد السوفييتي خليل الجزائري، ويذكر د. خليل عبد العزيز في ص173 من مذكراته قائلاً: (من خلال معرفتي بفاضل وجدت أن الكثير من أفعاله تبعث على الريبة، فقد استطاع بناء علاقات ليست بالبسيطة أو العابرة مع بعض الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي، ولوحظ تقربه ولقاءاته الكثيرة بالبعض من هؤلاء، وبالذات خليل الجزائري(1). كان فاضل البراك ومنذ بداية قدومه إلى موسكو قد وضع نصب عينيه شخصية خليل الجزائري، وكان له حسب ما يدعي كرهاً شديداً، وقد ألمح لذلك أمامي، وكانت هناك فعلاً مماحكات كثيرة بين الشخصين، رغم أن تلك الفترة كانت فترة الجبهة الوطنية بين البعث وحزبنا الشيوعي، بعد فترة ليست بالقصيرة أخبرني بعض الرفاق في المنظمة الحزبية برؤيتهم لفاضل البراك جالساً في أحد مطاعم العاصمة مع خليل الجزائري، عندها سألت خليل الجزائري عن تلك الجلسة، فأخبرني بأن فاضل البراك قد دعاه على وجبة طعام فلبى دعوته، ودار الحديث بينهما عن طبيعة العلاقة بين الحزبين، والتطورات السياسية في العراق، وسألت فاضل البراك عن تلك الدعوة، فأخبرني بأنه أراد منها أن يكسر جناح خليل الجزائري ونعته بالسافل، بعد تلك الجلسة راح خليل الجزائري يتقرب من البراك ويدخل ويخرج من السفارة العراقية، ثم خرج من تنظيمات الحزب الشيوعي وسافر إلى براغ، وهناك عمل مع مجموعة النهج، ثم سافر إلى بغداد وشكّل هناك مع خالد السلام وماجد عبد الرضا مجموعة أراد حزب البعث تسويقها بديلاً عن الحزب الشيوعي، ولكن بعد مقتل فاضل البراك وصف صدام حسين هذه المجموعة من نتائج العلاقة مع فاضل البراك ومن عوائده الخاصة).

كانت الزمالات الدراسية والحصول على المقاعد للدراسة في الاتحاد السوفييتي كتجارة رائجة، مما خلقت ظهور شخصيات من العراقيين، استطاعت توظيف علاقتها مع الجانب السوفيتي وكذلك مع أوساط منظمة التضامن الأفرو أسيوي ومجلس السلم السوفييتي، للحصول على المقاعد الدراسية بصورة غير سليمة، من خلال الرشى وشراء الذمم. فكانت تلك الشخصيات تقدم المغريات المالية للحصول على الزمالات الدراسية من الجانب السوفيتي، ومن ثم تقوم ببيعها لمن يدفع أكثر، وكانت بعض تلك الشخصيات تدير تلك الأعمال بشكل علني، ولكن تحت أنظار ومراقبة ورصد المخابرات السوفيتية وليس بعيداً عن دوائرها. يذكر الدكتور خليل عبد الكريم في مذكراته ص239 قائلاً: (كان هناك شخص اشتهر بعلاقته الوطيدة بالأوساط السوفيتية اسمه جبار حاجم، هذا الشخص بنيّ له شبكة من العلاقات المشبوهة مع الكثير من المسؤولين السوفييت، ودائماً ما كانت تثار حوله الشكوك ويتهم بالعلاقة بجهاز أمن الدولة السوفيتي (كي جي بي)، ويعزو ذلك لقدراته الفذة على الوصول إلى ما يرغب فيه والحصول على مبتغاه عبر شراء الذمم، وكان أيضاً يمتهن تصريف العملة بشكل غير مشروع... والمدهش في حياة جبار حاجم قدرته الغريبة للوصول إلى أي جهاز حكومي سوفيتي، فكانت أية قضية مستعصية للعراقيين عند الجانب السوفيتي، فإن تدخل جبار حاجم يضمن نجاح حلها. وكمثال على طبيعة تلك السمسرة، أذكر حادثة لها دلالة كبيرة عما كان يحصل. فقد كلفني أحد شخصيات الحزب الشيوعي العراقي بالاتصال بجبار حاجم لمعرفة كيفية حصوله على الزمالات وبيعها، بعد أن انتشرت أخبار قيامه بهذا الأمر. وحين اتصلت به أخبرني مباشرة بأنه كان يشتري بعضها من بعض الحزبيين في موسكو وكذلك من بعض الموظفين المتنفذين في المؤسسات السوفيتية. وحدثني أحد الأصدقاء عن عملية شراء كان يقوم بها شخص عراقي آخر محسوب على التقدميين، هو شاكر القيسي. حيث استدان منه مسؤول منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي وقتذاك خليل الجزائري مبلغاً قدره 3000 روبل وكان هذا المبلغ بالنسبة للموظفين السوفييت ومثلهم الطلبة العراقيين، يعد ثروة كبيرة في ذلك الوقت. وحين استفسر الصديق من السيد شاكر القيسي عن كيفية استرداده للدين من خليل الجزائري، الذي لا يملك ما يوفي فيه هذا المبلغ الكبير، فأجاب القيسي ضاحكاً بأنه لا يفكر إطلاقاً باسترداد المبلغ وإن هذا الدين يعد من الديون الميتة، ولكنها وعلى المدى القريب سوف تحيي أموات. ولتفسير ذلك يستعرض القيسي الحال بالقول، دائماً ما تكون هناك زمالات فائضة، وفي تلك الحالة يقوم بالطلب من خليل الجزائري الحصول على عدد من المقاعد الدراسية من خلال معرفته وعلاقة الحزب بالمؤسسات السوفيتية، وكان ذلك يتم مقابل قسم من الدين، ويقوم الجزائري بإبلاغ الجهة المانحة موافقة الحزب على ذلك التخصيص، فيأخذ القيسي من خليل الجزائري المقاعد الممنوحة ومن ثم بيعها).

مع كل هذا الفساد والإساءات لم يكن ذلك ليمنع من بروز اعداد ليست بالقليلة من الطلبة العراقيين بشكل جيد، وكان هناك الكثير ممن استطاع بجهود جدية أن ينال درجات علمية رصينة، وأن ينجحوا نجاحاً بيناً وباهراً في دراستهم. إلا أن البعض من الطلبة على مدى فترات قد نشأت علاقات غير سليمة بين الكثير منهم والأساتذة في الاتحاد السوفيتي، حيث بدأ الطالب يحوز على شهادته في مستوى البكالوريوس أو الماجستير وحتى الدكتوراه من خلال الهدايا العينية والمادية السخية التي يقدمها إلى الأساتذة، والتي كانت الرشاوى فيها تفقأ العين.

كان للبراك الدور الكبير في انقلاب وردة حزب البعث عن الجبهة الوطنية، وقيامه بقيادة الهجمة الشرسة على الحزب الشيوعي العراقي، وقتله وتشريده للعديد من اعضاء الحزب. وبعد فترة طويلة من عمله الوظيفي ألقى القبض عليه واقتيد إلى مبنى الحاكمية في شارع 52 ببغداد، ووجهت إليه تهمتان، الأولى بوصفه جاسوساً لألمانيا الشرقية والاتحاد السوفييتي، والتهمة الثانية إثراؤه غير المشروع، والحصول على عمولات من تجار ورجال اعمال، أمضى البراك عامين في السجن وأصيب بالشلل ومن ثم أعدم نهاية عام 1993م.

وللتعقيب عن استقطاب بعض رموز الحزب الشيوعي العراقي مثل خليل الجزائري وماجد عبد الرضا وحسين سلطان وعبد الوهاب طاهر وناصر عبود وآخرون، حيث تعاون البعض مع الحكم في العراق بقناعة سياسية منهم حول ضرورة عودة "التحالف" مع حزب البعث والتبشير بدعوات النظام حول الأخذ بالديمقراطية في إدارة البلاد. ولكن ما حدث هو أنه تم إعدام خليل الجزائري بدعوى تورطه في العلاقة مع فاضل البراك. إن خيار هؤلاء هو خيار ذاتي وموقف سياسي مسبق منذ أن بدأ الحزب التفكير في تعديل سياسته عام 1978، والانتقال إلى معارضة حكم البعث بسبب التحول الجذري في سياسة الحكم.

بعد سقوط نظام البعث على يد الاحتلال الأمريكي عام 2003م وقد ظهرت الحقائق بالوثيقة كما يذكر ذلك الدكتور نزار آل إبراهيم المقيم في امستردام بمقالته الموسومة (إيضاح وتنوير حول مقالة ذكريات استاذ عراقي في جامعة عدن) على موقع (صوت العراق) ليوم 2021-11-28 قائلاً: (بعد ان أظهرت وكشفت وثائق وأرشيف المخابرات العراقية بعد السقوط المدوّي لحكم البعث عام 2003 والذي أضحى لحسن العاقبة بيد قيادة الحزب الشيوعي العراقي من أن ”خليل الجزائري” بالذات كان عميلاً لديها باسم توريه وهو ”توما”، وفي حوزتي وثائق مستنسخه من الاصل كان أن بعثها الراحل عزيز وطبان من المانيا، وبخط خليل ذاته، الذي لا يمكنني أن لا أعرفه إلاّ جيداً. هكذا، وفي الفم مرارّه، اقول من أن “خليل الجزائري ً استطاع وعن حنكّه ليس فقط أن يخذل رفاقه من الذين وثقوا به، وأنا منهم، اعترف بذلك بل وخذل تاريخه النضالي قبل ذلك، هكذا وبدفعة واحده. والشيء بالشيء يُذكر أيضاً كان ولا يزال لدي ملف بعنوان ”ملف خليل الجزائري” طال واستطال توثيقه لأمد ينوف عن 25 عاماً وما زلت متماطلاً في إظهاره إلى العلن لدواعي شتى. هذا الملف الذي تضخم بذكريات ووثائق ووقائع شتى ومقابلات حصرية مسجلة).

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

...........................

(1) د. خليل ألجزائري، سكرتير منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفييتي في سبعينيات القرن الماضي، خريج معهد بليخانوف في موسكو، عمل آنذاك استاذاً في جامعة قسنطينة بالجزائر.

في المثقف اليوم