قضايا
عن مفهوم فلسفة العلم اتحدث
للعلم تاريخ طويل بدأ اثر محاولات وتجارب اولية عديدة قام بها الانسان البدائي، بغرض حل بعض معضلات الحياة وتحقيق اغراض ظرفية، لكنها مع ذلك كانت كافية لبدأ العلم، ويطرح مؤرخ العلم كرواثر ان العلم اقدم عهد واسبق في الوجود من الانسان ذاته. ويوصف العلم بأنه منهج بحث لانتاج المعرفة، او بأنه مجموعة من الاجراءات المعروفة التي تراجع وتصوب بأستمرار وتقود الى خلق نظريات تتطور في كنف المعرفة نفسها، ومن مميزات العلم الموضوعية والتحليل والتركيب والتحقق عن طريق البرهنة والتجريب.(1)
فلسفة العلم هي حديث فلسفي عن العلم، وقد ظهر هذا الفرع من الفلسفة في بداية او وسط القرن التاسع عشر، وسبب هذا الظهور وتزايد على هذا الفرع هو من قبل الفلاسفة والذين يرون بأن العلم خاضع الى التجربة حقق نتائج كبيره ومن العلماء الذين يرون بأن العلم لابد ان يخضع لأسئلة الفلسفة، فظهر فلاسفة علم كثيرون منهم من كان عالمآ وعمل بالفلسفة ومنهم من كان فيلسوفا وعمل بأختصاص فلسفة العلم. وبذلك ان فلسفة العلم كمبحث تخصصي ومتميز، يهدف الى تكوين معرفة بالمعرفة العلمية او نظرية عن النظرية العلمية.(2) و فلسفة العلم هي الفلسفة التي تركز اهتمامها بمنطق ومنهج العلم وخصائصه وشروط المعرفة العلمية وكيفية تقدمها، وكافة العوامل التي تساهم في عملية التقدم، حيث ان فلسفة العلم تقدم آليات معرفية ومنهجية في سبيل تشكيل العقل لتمكينه من حل كافة المشاكل والعراقيل التي تعترضه، وفلسفة العلم ليست جزءآ من العلم ذاته، وانما هي ذلك الفرع من الفلسفة الذي يستهدف فحص العلم وتحليله بطريقة نقدية، وكذلك تسعى فلسفة العلم الى فهم اهداف العلم ومناهجه ومبادئه وتطبيقاته وانجازاته. اماعن نشأة فلسفة العلم فيكاد يكون هناك مايشبه الاتفاق على ان اول من وضعه هو الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي اوجست كونت(1798- 1857) الذي عرفه بأنه الدراسة الخاصة للمفاهيم العامة لمختلف العلوم من حيث ان هذا الدراسة خاضعة لمنهج واحد، وعلى ذلك ان فلسفة العلم هي دراسة لمفاهيم ومناهج العلم بقصد الاستفادة منها في مجالات اخرى تسعى للوصول الى العلمية، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين شهدت فلسفة العلم تطورآ كبيرآ، بل اصبحت هي اهم فروع الفسفة واكثرها تطورآ، واهتمت فلسفة العلم بالاجابة على عدد من الاسئلة مثل ماهو العلم وماهي طبيعته وماهي حدوده. وعند الرجوع الى تاريخ الفلسفة، نجد كثير من الفلاسفة عملوا في مجال العلم وصاغوا نظريات كثيرة في العلم، واعتمدوا على الملاحظة، لأعطاء وصياغة ارائهم الفلسفية، فمثلآ طاليس اول الفلاسفة الذي اعتمد على الملاحظة في صياغة رأيه الفلسفي وهو اصل الكون الماء، والفيثاغورين هم جماعة علمية دينية سياسية يخضعون لنظام مشترك ويعملون في الرياضيات والفلك، ويعتقدون ان العلم هو خير وسيلة لتهذيب الاخلاق، وافلاطون الذي كتب على باب الاكاديمية لايدخلها الا من كان ملمآ بالهندسة، وذلك لأيمانه بأن العلم له نصيب كبير من المعرفة. وبذلك اهتم فلاسفة اليونان كثيرى بالعلم، اما فلاسفة المسلمين كان لديهم الكثير من العلوم سواء في الطب او الفلك او البصريات والكيمياء. ولقد بدأت التفرقة في العصر الحديث بين العلم والفلسفة على يد رواد البحث العلمي التجريبي من فلاسفة وعلماء، الذين اعتمدوا الملاحظة والتجربة والآلآت والادوات التي تمكنهم من دراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف اسرارها، فكان من نتيجة ذلك انفصال العلوم الجزئية عن الفلسفة ومنها علم الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة، كما انفصلت علوم اخرى لاحقآ مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا.(3) وتاريخ العلم منذ الاغريق الى وقتنا الحاضر ماهو الا تاريخ انشقاق قسم من الفلسفة تلو الاخر لتصبح فروعآ معرفية مستقلة، اذ في القرن الثالث قبل الميلاد جعلت اعمال اقليدس الهندسية في علم المكان تنفصل عن الفلسفة، الا انها كانت تدرس بواسطة الفلاسفة في اكاديمية افلاطون وقد جعلت ثورة غاليلو وكبلر ونيوتن في القرن السابع عشر من الفيزياء موضوعآ منفصلآ عن الميتافيزيقا.(4) ولكن مع هذا لايمنع من وجود نزوع علمي عند الفلاسفة ونزوع فلسفي عند العلماء، وظهور انظمة فلسفية ذات اسس او توجهات علمية ونظريات علمية ذات ابعاد فلسفية.(5) ومنذ القرن العشرين ازداد الاهتمام بفلسفة العلم ومن اهم من بحثوا في فلسفة العلم وتاريخ العلم هم سارتون(1884- 1956) وكراوثروباشلار(1884- 1962) ورايشنباخ(1891- 1953) وهنري بوانكاريه(1854- 1912) وبرتراند رسل(1872- 1970) ووايتهد(1861- 1947) وتوماس كون(1922- 1996) وكارل بوبر(1902- 1994) وامري لاكاتوش(1922- 1974) وجورج لاكاتوش وفي وطنا العربي من اهم من كتب في فلسفة العلم يمنى طريف الخولي(1955- )، وقد تناولوا العلم بالبحث والفحص والتحليل ومراجعة تاريخه ومن قال بان العلم تراكمي ومن رآى العلم عبارة عن ثورات ومن يرى العلم هو قطيعة ومن يرى بأن العلم عبارة عن زمرة علمية تحدد العلم.
يؤكد الكثير ان هناك رابط وثيق بين الفلسفة والعلم، اذ فلسفة العلم اصبحت لاتنفصل عن الابعاد التاريخية لظاهرة العلم وتعتني عناية شديدة بتاريخ العلم، وان مسألة العلاقة بين العلم والفلسفة هي في حد ذاتها مسألة تاريخية معقدة، ومسألة التاريخ هي في حد ذاتها موضوع تساؤل بأعتباره علمآ، فالكثير من الاختصاصات كانت تعد علمآ وليس فلسفة.ومع ذلك ان الصلة وثيقة بين الفلسفة والعلم، اذ مثلما يؤثر العلماء في بناء الانظمة الفلسفية، فكذلك يؤثر الفلاسفة بأنظمتهم الفلسفية في بناء المعارف العلمية.(6) (وهذا واضح بكثير من النظريات العلمية او الفرضيات الفلسفية، فكثير من الفلاسفة اعتمد على الطرح العلمي في بناء فرضية فلسفية، اما العلماء فكثير ما اتبعوا المنهج الفلسفي والفرضيات الفلسفي في صياغة نظرياتهم) وبذلك يرى كثير من الباحثين ان العلاقة متلازمة بين الفلسفة والعلم في الفكر الفلسفي، فالعلم يخدم الفلسفة من خلال محاولة حل بعض الاشكاليات التي تطرحها في الواقع، ان الفلسفة كثيرآ ما يستندون الى العلم، كما ان الفلسفة كثيرآ ما الهمت العلماء وهذا ما اكده كارل بوبر "ان المشكلة الفلسفية الوحيدة هي عينها المشكلة العلمية وهي مشكلة فهم العلم" وظهر الانفصال تدريجيآ من القرن السادس عشر، (ويبدو ان هذا الرأي غير صحيح فأبقراط كان طبيبآ ولم يكن فيلسوفآ واقليدس لم يكن فيلسوفآ كان عالمآ بالهندسة ورياضيآ، وكثير من كان مختصآ بالفن، اذا الانفصال بين الفلسفة والعلم وجد من بدايات التفكير لكن عدم دقة التجربة هي من دعت للعمل بالنظريات الفلسفية، وعند اختراع الآلة ودقتها جعل البعض يلتجأ الى الآلة لأثبات الحقيقة) ان فلسفة العلم هي من تتكفل في البحث عن تاريخ العلم وتظطلع بالتفكير في ذات العلم، في منهجه ومنطقه وخصائص المعرفة العلمية، فالعلم على حد قول هايجر(1889- 1976) لايفكر بذاته، أي لايعني بذاته ولايلتفت الى ماضيه، اما الفلسفة فتاريخ الفلسفة هو ذات الفلسفة.(7)
هناك فرق بين الفسفة العلمية وفلسفة العلم، وهو كل عمل يتناول تحليل المفاهيم والطرق المعرفية والمنطقية فهو في صلب فلسفة العلم، وكل عمل يتوسل بالنتائج العلمية من اجل رسم صورة شاملة فهو في صلب الفلسفة العلمية. وايضآ الفرق بين العلم وفلسفة العلم، ان العلم عبارة تتحدث عن الظاهرة حديثآ مباشرآ، اما اذا تناولنا العبارة العلمية بالتحليل والتعليق، فعندئذآ لا يكون مدار كلامنا هو الظواهر الخارجية، بل يكون مداره هو العبارات العلمية ولهذا فهو فلسفة العلم وليس علمآ، اذ تهتم فلسفة العلم بالدراسة والتحليل والنقد المعرفة وانواعها، امثال المعرفة الحسية والمعرفة العقلية والمعرفة التجريبية والمعرفة الحدسية، وغيرها من المعارف العلمية لبيان درجة اليقين فيها وحدودها في الوصول الى الحقيقة والموضوعات التي تتعامل معها هذه المعارف ومدى امكانية تحقيق اليقين فيها وبيان الشروط المنطقية الصحيحة، وتتناول ايضآ بالدراسة والتحليل والنقد ومناهج البحث العلمي التي تعتمدها تلك المناهج في الوصول الى الحقيقة، ولهذا تتوجه بالمناقشة والتحليل لموضوعات مثل القياس والاستقراء والاستدلال وبيان درجة اليقين فيها، ومدى امكانها في الوصول الى المعرفة العلمية.(8)
حيدر جواد السهلاني
........................
الهوامش
1- ينظر باتريك هيلي: صور المعرفة (مقدمة لفلسفة العلم المعاصرة)، ترجمة نورالدين شيخ عبيد، المنظمة العربية للنشر، ص11.
2- ينظر يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، عالم المعرفة، ص129.
3- ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، بيت الحكمة بغداد، ص38- 39.
4- ينظر أليكس روزنبرج: فلسفة العلم (مقدمة معاصرة)، ترجمة احمد عبدالله السماحي وفتح الله الشيخ،المركز القومي للترجمة، ص12- 13.
5- ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، ص39.
6- ينظر المصدر نفسه، ص11.
7- ينظر يمنى طريف الخولي: فلسفة العلم في القرن العشرين، ص9- 10.
8- ينظر محمد محمود الكبيسي: فلسفة العلم ومنطق البحث العلمي، ص135- 136.







