قضايا

ثقافة الاستشراق الأميركي ودعمها للصهيونية

قاسم خضير عباسإنَّ اليهود قد استغلوا الاستشراق ووظفوه لصالحهم، ففي العام 1505م التقى أحد الحاخامات مع البابا وأقنعه بضرورة احتلال الأراضي المقدسة، وإعطاء فلسطين لليهود لتكون شوكة في خاصرة المسلمين. ويعتبر (الاستشراق الأميركي) حالياً أكبر مكسب للصهيونية؛ لأنه يجعل: (دعم إسرائيل أهمية استراتيجية لحماية الأمن القومي للولايات المتحدة والحفاظ على مصالحها).

وقد أصدر المستشرقون الأميركيون مجلة (العالم الإسلامي) المعروفة بعدائها للإسلام، ومهاجمتها للمسلمين، ودفاعها عن (إسرائيل). وقول الرئيس الأميركي الأسبق (جيمي كارتر)، في أول تصريح رسمي له بعد تسلمه رئاسة البيت الأبيض، يجسد المفهوم الاستشراقي، لأنَّ (كارتر) ألزم نفسه (التزاماً كاملاً كإنسان أميركي، وكمسيحي متدين بإسرائيل) قائلاً: (إنَّ إسرائيل هي مصداق نبوءة الإنجيل... وإنَّ قيامها وفاء بعهد الرب لإبراهيم، هو تحقيق لوعد مقدس)؛ وهذا الالتزام دفعه إلى تأييد خطة صليبية سرّية سمّيت (خطة كارتر) لاحتلال المناطق العربية.

ويتجسد المفهوم الاستشراقي الأميركي أيضاً في تصريحات (كلنتون) المؤيدة لـ(إسرائيل)، وفي تصريحات نائبه (آل جور) الذي حضر مؤتمر (ألباك الصهيوني) يوم 23/5/2000م ووعد بدعم (إسرائيل)، وتقوية دفاعاتها إذا فاز في انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، لأنّ ذلك يحفظ (المصالح الحيوية الاستراتيجية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط).

ومن المحاولات التي بذلتها واشنطن لتسهيل سياستها الخارجية في الشرق هو تشجيع الإنتاج الاستشراقي الديني القديم، الرامي إلى تحويل المجتمع المسلم باتجاه أوروبا، وانبهاره بثقافة الغرب. ومن دعائم هذا الاستشراق (فيليب كت رايت)، و(سوروكين) الذي دعا بصراحة إلى البحث عن عوامل محلية في المجتمع المسلم تساعد على التشكيك بالفكر الإسلامي، وإيجاد الأرضية المناسبة لتغريب المسلمين.

وأخطر ما في الاستشراق اليوم سيطرته على مصادر القرار السياسي في أوروبا. ويرى الدكتور ادوارد سعيد بأنَّ الاستشراق امتد إلى كل العلوم، ووسائل الإعلام، والاقتصاد، والسياسة خصوصاً في الولايات المتحدة.

ويصف ادوارد سعيد أيضاً (تأريخ كمبردج للإسلام)، الذي صدر بمجلدين وطبع في انجلترا عام 1970م، بأنه: فشل فكري، فقد تقبّل محرّروه عدداً كبيراً من الأفكار دون تمحيص، وكأنَّ ثمة اعتماد مفرط فيه على مفهومات غائمة، ولم يُلق كبير بال إلى المسائل المنهجية التي تركت على مالم تزل عليه في الإنشاء الاستشراقي لقرنين تقريباً، ولم يبذل من جهد لجعل حتى فكرة الإسلام تبدو شيقة؛ وعلاوة فإنَّ تأريخ كمبردج للإسلام لا يخطئ تصور الإسلام ويخطئ تمثيله كديانة فحسب، بل يفتقر كذلك إلى فكرة موحدة من حيث هو تأريخ.

إنَّ الفشل الفكري للدراسات الأكاديمية الغربية المتخصصة في الإسلام، وكذلك امتداد الاستشراق إلى مصدر القرار السياسي الأوروبي مردّه الاستغلال الغربي البشع للمقولات الاستشراقية القديمة، التي أصبحت المعين الثر في مواجهة حضارة الشرق وفلسفته وفكره.

وبالرجوع إلى قاموس اكسفورد عام 1769م، وقاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838م نعرف بوضوح معنى كلمة استشراق في ذهنية الغرب المتعالية. لهذا لا نستغرب عندما نجد الحكومات الأوروبية تجند كثيراً من المستشرقين في أجهزتها... كما فعلت (بريطانيا) سابقاً عندما استعمرت الشرق... وتفعل اليوم (الولايات المتحدة) من أجل رسم سياستها المصلحية في المنطقة... فالإسلام أولاً وأخيراً في نظر الغرب هو الخطر المحدق بـ(المصالح الاستراتيجية الأميركية)، وبمصالح حلفائها الأوروبيين... وسيبقى الإسلام كذلك طالما ظلت هذه المصالح قائمة... لأنَّ (الإسلام هو الإسلام، والشرق هو الشرق) على حد تعبير المستشرق (جب).

***

الدكتور قاسم خضير عباس

كاتب سياسي وخبير القانون الجنائي الدولي والوطني

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5723 المصادف: 2022-05-07 01:49:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م