قضايا

أشباه المثقفين أم غباوة المتعالمين

محمود محمد عليالثقافة ليست درجةً جامعية، أو رسمية، وليست علما بكل شئ، الثقافة هي الفعالية الفكرية والأدبية والفنية، الثقافة إعراب عن الحياة، ومطلب كمال، وكمال الإنسان وعي إنسانيته، صحيح أن الإنسان يتحرك بعمق في المجال الثقافي الذي يألفه، وفي جو البيئة الثقافية التي ينهل منها، ويعي مقتضياتها. إن الثقافة جهد يشارك فيه البشر قاطبةً، وهي الجسر الذي يصل الطبيعة بالحضارة، التي هدفها في نهاية المطاف الغاية الحضارية التي يريدها الإنسان لعالمه ووجوده في الأرض.

وهنا أود أن أتساءل: لماذا طال غياب مثقفينا؟ لماذا أصبحنا نعاني من عدم وجود نخب حقيقية غير مزيفة تقود المجتمع الى التغيير الحقيقي لواقع ما عاد يصلح إطلاقا لمعارك المستقبل؟

في اعتقادي أن السبب في ذلك يرجع إلى انسحاب بعض المثقفين الحقيقيين تحت وطأة المقولة المهلكة " مفيش فايدة " وسيق بعضهم إلى حيث المصالح الشخصية الضيقة، بينما استمر البعض يكافح ويناضل حتى الرمق الأخير، لكن الآن الدولة غير الدولة والزمن غير الزمن، كما أمتلئ واقعنا المعاصر بأنصاف المثقفين أو أشباه المتعالمين بعد ثورات الربيع العربي في أواخر 2010، والذين يقال عنهم لا هم بمثقفين ولا هم بجهلة، وللأسف في أيامنا هذه كثُر هؤلاء ممن يدعون الثقافة، وأصبح الجميع علماء وخبراء ومحللين.. يفهمون في شتى مجالات الحياة، يدركون كل شئ، حتى باتوا خطرًا يداهمنا كل لحظة تمر علينا .

ولذلك هناك مفهوم خاطئ شاع كثيرا بين الناس مفاده أن المثقف هو من حصل على فرصة التعليم الثانوي الجامعي والعالي، ويرجع وجه الخطأ في هذا المفهوم الى أن الثقافة ليس لها حدود ولا تنحصر في نطاق محدد كالمدرسة والجامعة والمجتمع .. فالثقافة تحتاج إلى المزيد من القراءة والاطلاع والتعرف على ما يحدث حولنا من جديد ومتغيرات وتحولات، والتعلم كذلك يحتاج إلى الممارسة والقراءة .

بيد أنه مع الأسف الشديد في مصرنا الحبيبة الكثير من حملة الشهادات الثانوية والجامعية، بل والأدهى من ذلك حملة الشهادات العليا الذين تنحصر معارفهم في حدود ضيقة جدا لا تتجاوز ما تعلموه في مناهج التعليم الثانوي والجامعي .

وفي أحد جوانب صورة المشهد الثقافي السائد برزت الى السطح ثقافة الانترنت التي اذا ما استخدمت بطريقة خاطئة فإنها ستولد التشتت وعدم القدرة على التركيز والفهم بسبب كثرة وزخم المادة الالكترونية المتناثرة في هذا الموقع وذاك وتعدد مصادرها، فاذا ترك طالب الثقافة والعلم العنان لنفسه في تصفحه دون تنظيم أو رؤية محددة تثري معلوماته فسوف يفقد قدرته على استيعاب وفهم ما يقرأه .

علاوة علي أن أنصار وسائل التواصل الاجتماعي وتنوعها، يطلقون على أنفسهم مدونين ويوتيوبرز، فيقدمون محتوى ضعيفا ومبتذلا مثل كيف يقضون يومهم ومسابقات لسرعة التهام الطعام، ما يساعد على تشويه العقول وتحويل المجتمع إلى سطحي مادي، لا تعنيه قيم ولا تعليم ولا ثقافة.. كل ما يهتمون به هو زيادة عدد متابعيهم لتحقيق الأرباح..

كذلك شهد مجتمعنا المصري مثقفون يلعبون في ملعب السطحية وادعاء المعرفة بكل شيء، ومحاولة الهروب من المواجهة في حالة السؤال عن مصادرهم، التي اقتبسوا منها معلوماتهم، فتراهم يلتفّون على الأمر بعدم إعطاء الجواب، بل لديهم القناعة بأنهم وصلوا لمرحلة «كفى قراءة، كفى بحثا، كفى سؤالا» وما الحاجة إلى السؤال ما دام أنه مثقف يوهم نفسه بأن له شأنا، فتراه دائما مشاكسا في كل شئ، معترضا على أي معلومة أو فكرة لا تتفق مع آرائه وأهوائه، متهما الأطراف الأخرى بالجهل والتخلف، هؤلاء يطلق عليهم «أنصاف المثقفين».

فنصف مثقّف هو مَن قرأ مقدّمات وخواتيم الكتب، دون أن يكلّف نفسه في أن يبحر في تفاصيلها، فصار يتكلم بالعولمة والفلسفة والطبّ، في قرارة نفسه هو لا يعلم ماذا يفعل، وأمام الناس والمجتمع تصبح شخصيته الشكلية مثقفاً مرموقاً فارغاً من مضامينه المعرفية، فنصف المثقف يستطيع خداعك بمصطلحاته التي لا يفقه هو نفسه مضامينها، فتراه يتكلم باصطلاحات المحللين الاستراتيجيين والصحفيين، لكنه متخبّط في فحواها لا يفهم لها معنى، وغالباً ما نضطر إلى تصديقه، لأنه يتكلم بلسان المحلّل أو الصحفي، فلا نستطيع – كعوام – أن نعرف إن كان حقاً متعلماً أم جاهلاً لم يصل بعد ثقافة الجهل؟!

ولمواجهة هؤلاء يظهر المثقف بآرائه وفكره، الرافض لكل ما يقدمونه وأساليبهم.. يبدو غريبًا وسط هؤلاء الجهلاء الحمقى، هو المثقف الحقيقي المبدع المحترف والذي يعى معنى الكلمة ويدرك قوتها وإلى من ستؤول وإلى أين ستصل.. صاحب رؤية وفكر هادف، ناقل لهما بسلاسة ووضوح.. هو من ينأى بنفسه عن الثرثرة، قادر على التأقلم والتكيف مع الظروف المحيطة به، فكلما زادت ثقافته ووعيه زاد احتواؤه لمن حوله.. زاد تواضعه وبساطته.. هو من يستوعب الماضي، يقف أمام أخطائه ويعالجها.. يتقبل الحياة بمصاعبها ويتأمل الحاضر ويخطو نحو المستقبل بخطوات قوية.. عندما يتبنى فكرة ويسعى لتحقيقها، لن تكون غايته الربح وتحقيق الشهرة.. يتطلع دومًا إلى المستقبل وأعينه على الأجيال القادمة؛ تنوير عقولهم، هدفه الأول والأخير، وأن تصل رسالته هى ربحه الحقيقي.. مثل من يطلقون مبادرات للتعريف بأهمية تراث القاهرة وغيرها من الكنوز المنتشرة فى ربوع مصر.. بهدف نشر الوعى والمحافظة على تاريخنا الذى يعد جزءا من حاضرنا وصانعا لمستقبلنا وبناء مجتمع قوى متعلم يدرك قيمة الفكر والثقافة.

والمفكر الحقيقي هو الذي يسبح بخياله الى عوالم أخرى قد تكون خفية على الجميع، المثقف لا يعني بالضرورة أن يتقمص دور المعارض لتحقيق مكاسب شعبوية يتم ترجمتها الى مكاسب مادية، وليس شرطا أن يكون رجع صدى لما تراه الحكومة دون تفكير أو نقاش، نحن في حاجة الى مفكرين يسبقون الحكومة والمجتمع بالحلم والخيال، لم يعد لدينا هذا النمط من الشخصيات التى تحظى باحترام وتقدير الجميع، فنوعية المعارك التي يخوضها هؤلاء تبدوا تافهة وبلا عمق.

يا سادة دعونا نقول بأننا نحن نحتاج الى مثقفين ومفكرين.يملكون من الدراية والوعي ما يجعلهم حاملين لهموم مجتمعهم، ومنشغلين بإصلاحه، وتطويره، والارتقاء به، نعم نحن بحاجة لمثقف يكون بحق هو قائد للجماهير في مكانه وزمانه، يعلمها، ويبث فيها الوعي الإيجابي بواقعها، وبالتحديات التي تواجهها، ويرشدها إلى طرق الخلاص من الأزمات، ومسالك الرقي والتقدم في مضمار الحضارة.

وهذا المعنى للمثقف هو الذي قدمه للعالم المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو جرامشي الذي توفي ١٩٣٧م، وقبله قدمه للعرب عالم اللغة جمال الدين بن منظور الافريقي صاحب "لسان العرب"، توفي ١٣١١م، حين عرّف الإنسان المثقف فقال: "الثقف، أي المثقف، هو إنسان فطن ثقف، أي ثابت المعرفة بما يحتاج إليه". أي أن المثقف هو الذي يعرف ما يحتاج إليه في زمانه ومكانه، وهذه المعرفة لا بد أن تكون ثابتةً راسخةً.

هذا المعني للمثقف هو ما قال عنه د. نصر محمد عارف أصبح في عصرنا ومصرنا حدثاً تاريخياً -في ذلك العصر- وكان للدولة دور في نشرها وتنميتها والحفاظ عليها، وكانت لوزارة الثقافة قيادات مثل ثروت عكاشة رحمة الله عليه؛ كان المثقف طليعة للجماهير، كان يفني عمره لتنوير عقولها، وتمهيد طريق نهوضها، وتقدمها ورقيها، أما مثقفو عصر الانفتاح وما بعده فقد أصبحوا "تجار شنطة"، يبيعون هواياتهم في "سوق الثقافة"، الذي تباع فيه مواهب متوسطة، وإنتاج عقلي يتناسب مع منتجيه ومستهلكيه، تراجعت الثقافة بنفس مستوى تراجع المجتمع على المستويات كافة، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من ارتباك، وفوضى ثقافية عارمة، لا تتناسب مع موقع مصر، ولا مكانة مصر، أصبح المثقفون الحاملون للجنسية المصرية يأتون في الصفوف المتأخرة في العالم العربي، ناهيك عن العالم، وظهرت طبقة من "المؤلفة جيوبهم" الذين يعيشون على حساب صحف، وقنوات فضائية، ومراكز أبحاث، يسوقون أهدافها، ويحققون مصالحها؛ مستغلين ما لديهم من مهارات بهلوانية، أو فهلوية.

إن علاج هذه الظاهرة يكمن في إصلاح أنفسنا أولاً، ومحاربة أنصاف المثقفين ثانياً، فعلاج النفس هو بتأهيل الذات على التزام الحدود واحترام التخصّص مع الاستزادة من الثقافة، وإسقاط هؤلاء المتعالمين من حساباتنا، وألا نجعل لهم شأناً، والحرص على متابعة أهل التخصّص، والحذر من جماعة التلصّص، هذه الجماعة التي أصبحت وباءً وآفة خطيراً، فلا هم بمثقفين ولا هم بجهلة، إذاً باتوا سبباً في تسميم عقول القرّاء، من خلال الترويج لثقافة المجون والجنس الشاذ وادعاء الديمقراطية والحرية قولاً ومحاربتهما فعلاً، لأنهم أقلام مأجورة مأسورة بيد أولئك المجنّدين والمؤدلجين، هدفهم الوحيد هو جمع المال والسلطة وحبّ الشهرة واكتساب رضا الأعداء.

أخيراً؛ إن أولئك المُنَصّفين سيظلون مُنصّفين للأبد، لأنهم يعتبرون تلك الكلمات التي يكتبونها في بعض الصحف البعيدة عن الإعلام والصحافة أو على صفحاتهم في الفيس بوك وتويتر مجرّد حروف تجلب ألوف الدولارات واليوروهات، ولا يهمهم إن كانت روائحها هابطة عفنة تزكم أنوف المجتمع والناس أم لا، لأنهم يعتبرون تحصيل تلك الأموال فهلوة وشطارة، ولا عيب في ذلك عندهم، لكنني أتساءل: «نصفُ مثقّف، أم ماذا؟».

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5723 المصادف: 2022-05-07 01:57:27


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م