قضايا

صادق جلال العظم.. رائد الإشكاليات الفلسفية

3916 صادق جلال العظميعد صادق جلال العظم، أحد أهم مفكري القرن العشرين في العالم العربى، بل ومن أبرز المفكرين العرب في العصر الحديث، واشتهر بأفكاره الجدلية ، حول العلمانية، ونقد الأفكار الدينية، مخلفاً إرثاً ثقافياً كبيراً،  وقد ارتبط اسم صادق جلال العظم بكتابه المثير للجدل "نقد الفكر الديني"، الذي صدر في بيروت عن دار الطليعة عام 1969، والذي عالج، عبر فهم علميّ وروح علمانية، قضايا تتصل بالإسلام، وقد قاد عليه هذا الكتاب حملة شعواء ومطالبات بتكفيره وملاحقته وإهدار دمه ومحاكمته،  والتي انتهت بإنصاف حيثيات الحكم الصادر بحق العظم باعتباره يضم "أبحاثاً علمية فلسفية تتضمن نقداً علمياً فلسفياً".

ويمثل العظم الجيل الثالث من روّاد التنوير العربي، إلى جانب لويس عوض، الجابري، جمال حمدان، محمد أركون، مهدي عامل وحسين مروة... إلخ، هذا الجيل الذي أُثقل كاهله بأزمة وجودية بكل أبعادها الحضارية، عقب هزيمة حزيران 1967.

كما كان مفكراً إشكالياً وسجالياً من الطراز الرفيع، وصاحب عقلية نقدية وعلمية جدالية، همّها تفكيك التابوات والولوج للأعماق المظلمة في الفكر والمجتمع الإنسانيين، لاستجلاء مكوّناتهما ورفع الحصانة عنهما. كان موضوعياً في نقده ورؤاه قدر الإمكان، حيث لا مكان للذات الباحثة عن المعنى والفعل في إسقاط تصورات مسبقة، حيادياً تجاه الظاهرة المجتمعية التي يحللها إلى حدّ ما، لأنه لا مجال للعواطف في تعرية الظواهر المجتمعية وتفكيكها، مشاكساً ومستفزاً ومبتكر أفكار، سواء للذات الباحثة والنهمة للحقيقة والمعرفة، أو للمستنقعة في مطلقاتها ويقينياتها على السواء.

ولهذا فقد مثّل جلال العظم، ذو العقل الفلسفي الجسور والضمير الأخلاقي الحي، مشروع الإنسان العربي، لوعي ذاته وقدراته، ونقد مواجعه، وأماكن ضعفه، لكي يتجاوز السيئ إلى الأفضل، لكن المؤسسات الرسمية كافة تصدت له، بما في ذلك "الجامعة الأمريكية" في بيروت، بما كانت تطرحه من حداثة متوهمة، تحت إدارة اللبناني اليميني (شارل مالك)، في منتصف ستينيات القرن المنصرم، يوم طرق العظم أبوابًا محظورة في عالم الفكر، والثقافة، والسياسة، والاجتماع.

وهنا يقول الكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر: "إن صادق العظم، كان أحد ألمع الكُتّاب العرب الذين نجحوا في إثارة الدبابير من أعشاشها، وشرع في تحطيم الأيقونات السياسية العربية، بعد هزيمة الخامس من حزيران/يونيو 1967م؛ كالماركسية، والناصرية، والبعث، والخرافة، والدين. وفوق ذلك، اندرج صادق العظم وكتاباته في سياق الحداثة، والتقدّم، والنهضة، ومقارعة الاستبداد، والدفاع عن الحرية والديمقراطية والعلمانية. ولعلنا نجد في سيرته، وسيرة عائلته، البدايات التأسيسية؛ التي جعلته مفكّرًا حرًّا، وتقدّميًا، وعلمانيًا في الوقت نفسه.

كما يرى المفكر الفلسطيني السوري، الدكتور أحمد برقاوي، رئيس قسم الفلسفة بجامعة دمشق سابقًا: "أن صادق مفكر الممكن بامتياز، ولهذا ظلت عيناه نحو المستقبل، وظلت روحه مفعمة بالأمل، ولهذا، اختار عين الناقد لما هو كائن، نقد الواقع، ونقد الوعي منحازًا دون تردد إلى الحقيقة، كما يراها، وبارتباط بمصير الكائن. فحق القول: إنه مفكر الاختلاف مع الواقع، ومع الوعي الذي لا يراه خارج المايجب أن يكون.

وفيما يرى الباحث السوسيولوجي التونسي شكري الصيفي: "أن أفكار العظم، عرفت عدة مراحل، بدأت ما بعد النكسة، بحثًا عن أسباب الهزيمة، وركز على ذلك في مؤلفيه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، و"نقد العقل الديني"، وتمحور بحثه على، ما أطلق عليه، "نزع القداسة عن نقد الدين"، وصنف إيديولوجيا الإسلام السياسي على أنها لا تمثل كل الإسلام، ولا تمتلك سلطة تأويل النص الديني. ومن هذا المنطلق؛ قسم العظم هذا التيار إلى ثلاثة نماذج؛ الأول: أطلق عليه نمط (الإسلام الرسمي الراديكالي)، واعتبره مناهضًا للحريات، ومانعًا للتعددية الدينية، والأنساق الثقافية والفكرية المغايرة له. والثاني: أطلق عليه (الإسلام التفجيري الانتحاري)، وهذا النمط يقوم على مبدأ الحاكمية، ويؤمن بعقيدة التكفير والقتل بحجة حماية الدين، وقاد هذا النمط صراعات عنيفة في الداخل، وخاض حربًا مع الغرب انتهت بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول. النمط الثالث: هو (إسلام البيزنس والسوق)؛ وهو إسلام الطبقة الوسطى البرجوازية، المرتبطة بالبنوك الإسلامية، وصيغ المرابحات التجارية، وهو نموذج يهتم بالبعد الاقتصادي.

من جهته، يرى الباحث والشاعر السوري د. ركان الصّفدي، أستاذ الأدب العربي بجامعات الكويت وسوريا: "أن العظم جاء في زمن الأسئلة الحادة، بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967م، التي هزّت الثوابت العربية، وزلزلت السائد، وطرحت مشروعية محاسبة كل شيء في واقعنا العربي المريض، من الدين إلى السياسة إلى المجتمع، ولذلك؛ كان كتابه "نقد العقل الديني"، الواخز ضمن هذه الحالة التي عمّت الأمة المصدومة، وقد انطلق فيه من رؤيته الماركسية في تفسير العالم، وحركة التاريخ؛ فوجّه نقده الجريء إلى أهمّ مكوّن من مكوّنات العقل الجمعي العربي (الدين)، وحمّله الكثير من مسؤولية انكسارنا التاريخي، كما فعل فلاسفة التنوير في عصر النهضة الأوروبية. وفعل مثل ذلك في كتابه "في الحب والحب العذري"، الذي كان إنارة لجانب معتم آخر من حياتنا، وهو الجانب العاطفي والاجتماعي، وفي الكتابين نلمس فكرًا واحدًا، ومقولة واحدة هي: رفض القمع، قمع الفكر وقمع الجسد؛ فالدين الذي تأنسن في منطقتنا، أصبح صورة عن الإنسان المسيطر، الذي يحكم بسوط الخوف والجوع، والإنسان الذي تألّه فرض أعراف وعادات، تحوّلت إلى ما يشبه الدين، وقد أراد العظم أن يفكّك هذه البنية، ويعيد إلى الإنسان إنسانيته المستلبة عن طريق الحرية، بحسب المفهوم الماركسي؛ أي الحرية المرتبطة بتحرر المجتمع من الاستعباد بجميع أشكاله، وهو، وإن سبق إلى الكثير من هذه الأفكار، ولاسيما في كتابات عصر النهضة العربية، وكتابات؛ سلامة موسى، وشبلي الجميل، وغيرهما، تميّز بالوضوح الصارخ والجرأة المطلقة في المس بالمقدّس، في زمن المواربة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، وهو ما جعله في دائرة الضوء، وعلى مرمى من أعدائه الكثيرين"

ولد الراحل في دمشق عام 1934، وتخرّج في قسم الفلسفة بالجامعة الأمريكية ببيروت عام 1957، وحصل بعدها على الدكتوراه من جامعة "ييل" في الولايات المتحدة الأمريكية باختصاص الفلسفة المعاصرة، حيث قدّم أطروحته حول الفيلسوف الفرنسي "هنري برغسون".

شغل عدّة مناصب، من أهمها أستاذ للفلسفة والفكر العربي الحديث والمعاصر في جامعة نيويورك والجامعة الأمريكية في بيروت التي سيُفصل منها لاحقاً بعد الضجة الكبيرة التي أثارها صدور كتابه نقد الفكر الديني، ثم يغادر بيروت التي سُجن فيها لمدة بسيطة على خلفية هذا الكتاب للتدريس في الجامعة الأردنيّة، قبل أن يعود إلى دمشق ليعمل أستاذاً في جامعتها.

ترأّس صادق جلال العظم تحرير مجلة الدراسات العربية الصادرة في بيروت، ثم شغل منصب رئيس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في كلية الآداب بدمشق بين عامي" 1993-1998".

وبعد تقاعده تنقل العظم بين جامعات عدّة في العالم، حيث عمل أستاذاً في جامعتي برنستون وهارفارد في أمريكا، وفي جامعات هامبورغ وهومبولت وأولدنبورغ في ألمانيا، وفي جامعة توهوكو في اليابان وفي جامعة أنتويرب في بلجيكا، وهو عضو في أكاديمية العلوم والآداب الأوروبية، ومن أهم المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم العربي.

إن إطلالة العظم الفكرية، كانت مدوّية منذ مطلع شبابه، حين أصدر في بيروت العام 1968م، كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة"، ثم أتبعه بكتابه، الذائع الصيت "نقد الفكر الديني" (1968م)، ومنذ ذلك التاريخ، اندرج الراحل وكتاباته في سياق الحداثة، والتقدّم، والنهضة، ومقارعة الديكتاتورية والاستبداد، والفساد، والدفاع عن الحرية، والديمقراطية، والعلمانية، وكان في الطليعة من سؤال العقل والسؤال لأجل الحرية، وهو المؤمن بما جاء به، مبكرًا.

ولهذا لقد تخطى العظم، وفقًا للكاتب الفلسطيني خيري منصور، "منذ بواكيره، السقف الأكاديمي، وأسوار الجامعة، ليكون طرفًا في عدة معادلات، منها؛ السياسية، والاجتماعية، والإيديولوجية؛ لهذا لم تكن أطروحاته داجنة إلى الحد الذي يضمن له البقاء في مأمن من المساءلات، وربما كان كتابه "النقد الذاتي بعد الهزيمة" خروجًا عن السرب، فلم يصفق للهزيمة، باعتبارها لم تحقق هدفها، كما قال الإعلام الذي احترف التزوير والتبرير، ولم يذرف الدموع على أطلال ما قبل حزيران/يونيو؛ لأن ما قبل الهزيمة، كان حاضنة نموذجية لإفرازها، وقد سمى صادق العظم الأشياء بأسمائها؛ فالهزيمة، هزيمة ولا شيء آخر، أما النكسة أو مرادفاتها من الصفات المستعارة من معجم المرضى؛ فلم تكن بالنسبة إليه نافذة للهرب

وقد حاولت إسرائيل، كعادتها، استثمار بعض ما جاء في كتبه، وخاصة كتاب "دراسات نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية" 1973م، على نحو مضاد لأهدافه؛ فأذاعت فقرات من كتب تلك المرحلة منزوعة من سياقاتها، ولكن ذلك لم يثن العظم عن مقارعة الكيان الصهيوني، وكان، في حينها، ذلك الصوت الجريء الآتي من البرية، بعيدًا عن تدجين الأنظمة والمؤسسات، ودجل المجتمعات، والتواطؤات المسبقة، ولم يكن حاملًا لأُطروحات نظرية، تعارض الحجة بالحجة، والنظرية بالنظرية فحسب؛ بل قرن القول بالعمل.

وقد حاز جلال العظم عدّة جوائز دوليّة، كان آخرها "وسام الشرف الألماني" من معهد غوته الألماني عام 2015، كما نال جائزة ليوبولد لوكاش للتفوق العلمي، التي تمنحها جامعة توبينغن في ألمانيا وجائزة إيرازموس الشهيرة في هولندا.

أما كتابه "نقد الفكر الديني"؛ الذي تطرق فيه لثنائية المقدّس والمدنّس، والتحريم والتحليل؛ فكان بمثابة تدشين لمرحلة سوف يستعيد فيها النقد جدواه وضرورته، وقد دفع العظم ثمن ذلك مرّتين؛ مرة في مساءلة قضائية، وأخرى في مساءلة وطنية شعبوية.

إلى جانب "نقد الفكر الديني" قدم العظم العديد من المؤلفات أبزها "الحب والحب العذري"، و"فلسفة الأخلاق عند هنري برغسون"، و"دراسات في الفلسفة الغربية الحديثة"، و"النقد الذاتي بعد الهزيمة"، و"دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية"، و"الصهيونية والصراع الطبقي"، و"زيارة السادات وبؤس السلام العادل"، و"الاستشراق والاستشراق معكوساً".

وجلال العظم الذي قرّر منذ البداية "ألا يتحول إلى مثقف عربي في المنفى" كما كان يقول، حاول أن يكون  قريباً من القضايا التي تشغله، مع الحفاظ على حريته في معالجتها ونقدها، فقضى حياته متنقلاً من جبهة فكرية إلى أخرى، لذلك كان يلقب أحياناً بـ"المشكلجي" أي من يثير المشاكل باللهجة الدمشقية، لكنه كان مدافعا شرسا عن حرية الفكر، وكان ذلك جلياً في دفاعه عن الكاتب سلمان رشدي بعد صدور روايته "آيات شيطانية" فأصدر كتاب "ذهنية التحريم" ثم "ما بعد ذهنية التحريم" مدافعاً عن حرية الكتابة، ومنتقداً الاستقبال العربي والإسلامي للرواية.

وقد رحل المفكر السوري الكبير "صادق جلال العظم"  ليلة الأحد 11 كانون الأول/ ديسمبر 2016م، عن عمر يناهز 82 عاماً، وكان يخضع للعلاج في أحد مستشفيات برلين بألمانيا، حيث فشلت عملية استئصال الورم الخبيث في المخ، وبرحيله خسر لنزوع العقلاني أحد أبرز ممثليه، والاحتفاء بالراحل وأبحاثه اليوم؛ هو احتفاء بعقلانية مطلقة العنان في قراءة التاريخ، باعتباره سرديّة تقدم وارتقاء

تحية لجلال العظم الذي كان بحق ضمن أبرز رموز ربيع دمشق، ومن الذين اتخذوا موقفاً مبكراً مؤيداً للثورة السورية، ورفض تسمية ما يحدث بالحركة الاحتجاجية، وبرحيله في 2016 يختم صادق جلال رحلة غنية بالإنتاج الفكري المميز، تاركاً سجلاً حافلاً من الكتب والمقالات، بعد أن طرق أبواباً محظورة في عالم الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع إلى أن حاكت الثورة السورية ضميره الفكري، ورأى فيها الخلاص من سطوة الديكتاتور والزعيم الملهم.

وخلاصة القول، أخيرًا: إن سوريا والأمة العربية قاطبة، والفكر الإنساني النبيل، خسروا برحيل صادق جلال العظم، عقلًا فلسفيًا ونقديًا كبيرًا، ومفكّرًا حرًّا وتقدّميًا وعلمانيًا، لامعًا، ورفيعًا، وفريدًا في الوقت نفسه، وبعض تكريمه بعد رحيله الجسدي، قد يكمن، أيضًا، في ما بيناه من نزر يسير من إرثه الفكري والحضاري هنا.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

المراجع:

1- العين الإخبارية: صادق جلال العظم يفارق الحياة في منفاه، مقال منشور يوم الإثنين 2016/12/12 01:58 م بتوقيت أبوظبي

2- محمد شيخ أحمد: صادق جلال العظم... جانب من مسيرة مفكر إشكالي، مقال منشور يوم الأحد 28 مارس 202111:10 ص

3- أوس داوود يعقوب‎: قراءة تنويرية في إرث المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، مقال منشور في 3 مارس 2012.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5780 المصادف: 2022-07-03 01:42:48


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م