قضايا

جميل صدقي الزهاوي والسُّدُم (10)

عبد يونس لافييرى الزهاويٌّ أنَّ السُّدُمَ التي تُشاهَدُ في المَجَرَّةِ (وأظنُّهُ هنا يقصِد مَجَرَّتَنا، مَجَرَّةَ دربِ التَّبّانَة)، ليست كما يظنُّ العلماءُ أنَّها مادةٌ غازيَّةٌ أخذت أجزاؤُها تتكاثفُ فتشع حرارةً ونورًا، وإنما هي شموسٌ هَرِمَتْ فأخذت تنْحلُّ بشكلٍ لَوْلَبِيٍّ لدورانها حول نفسها.  أمّا سببُ هذا الانْحلالِ فيقول انه قلة جرَيانِ الاثير اليها او توقفه، إذ أنها في سيرها قد وصلت في الفضاءِ الى مكانٍ قلَّ فيه مقدارُ الاثيرِ ولطُفَ كثيرًا، فهو لا يجري اليها قدر ما تُرسلُه من الاكترونات التي تُشِعُّها، او انها قد تشبَّعت من الاثير لطول قِدَمِها، فأخذت تُرسلُه في الفضاء اكثر مما تأخذ منه.

ثم يمضي فيقول: إنَّ في كثيرٍ من هذه السُّدُمِ، شوهدت نواةٌ منيرةٌ في الوسط، وسوف تضْمحِلُّ هذه النواةُ ايضًا تاركةً السَّديمَ مجرَّدًا الى ان يتشتتَ فَيَحورُغبارًا  مُنْبثًّا في الجو او اثيرًا بحتًا، إذ أنها تعود الى الأصل كأي مادة تولَّدت من الأثير والى الاثير تعود.

هنا ينتهي ما نظَّرَ به الزهاوي.

نقول بدايةً إنَّ السُّدُمَ جمعُ سَديم، وقد عرَّفنا السَّديمَ في الحلقة التاسعة من هذه السلسلةِ على أنَّه سحبٌ غازيَّةٌ عظيمةٌ مذهلةٌ توجد كأحدِ مكونات المَجَرّات.  تتكون السُّدُمُ نتيجةَ ما يحدث من انفجارات داخل تلك المَجَرّات، وتكون على اشكال غير منتظمة، وفي حركةٍ دايناميكيةٍ مستمرةٍ تبعًا لما يحدث في داخل السَّديمِ من تغييراتٍ تعود الى عوامل  الحرارة والضغط  والجاذبية فيه.

تحتوي هذه السُّدُمُ على غاز الهيدروجين بنسبة كبيرة جدًّا بالاضافة الى الغازات الأخرى كالهليوم والأوكسجين، والكربون، والنيتروجين بنسب قليلة جدًّا.  كما يحتوي السَّديمُ على غبارٍ يتكون من جزيئاتٍ صلبةٍ صغيرةٍ جدًّا، مصدرها نجومٌ تكونت ثم تلاشت جرّاءَ ما عانته من  انفجارات بسبب الحالة القلقة التي مرت بها، نتيجة اختلالٍ حصل في عملياتها.

ان هذا السَّديمَ قد يعاني انهيارًا تدريجيًّا بسبب ما يحصل من اضْطراباتٍ خارجَه، او بسبب تخلخل الجاذبية داخلَه، مما يؤدي الى رفع درجة حرارة مركزه ليكونَ نواةً  لنجمٍ جديدٍ يتولد. وهكذا فالنجومُ تموتُ وتندثرُ ثم تتولدُ من جديد.

مرةً اخرى نكرِّرُ أنَّ فكرةَ الأثيرِ الذي نظَّرَ بها الزهاوي وكرَّرها في آرائِه المختلفة، لا وجودَ لها وقد دُحِضَت من قبل العلماء منذ زمن.  جديرٌ بالذكر هنا ان المادة المُظلمة ربما تكون قريبةً مما كان يفكِّر به الزهاوي من ناحية واحدة انها تملأ الكون، إلّا انها لا علاقةَ لها بتكوين الأشياء، ولا تُرى ولا تشِع ولا تُدرَك إلّا بتاثيراتِها التجاذُبيَّةِ في تركيبات الكون، وهي بالتأكيد الجزء الأكبر من كتلته، لكن هذا موضوعٌ آخرُ ولا رابطَ بينها وبين ما يصف الزهاوي به الاثير.

هنا نقول ان مجرَّةَ درب التبّانة كغيرها من المجرّات، تضم المليارات من الكواكبِ والنجومِ والسُّدُمِ بالاضافة الى الغبارِ والموادِّ المظلمةِ والثقوبِ السوداء.  قولُه ان في كثير من هذه السُّدُمِ شوهدت نواةٌ منيرةٌ في الوسط، هذا ممكنٌ، فالسُّدُمُ المُشِعَّةُ هي الوحيدةُ بين السُّدُمِ التي تبعث بأشعةٍ حمراء.  وهذه الأشعةُ انما هي نتيجةُ اتحادِ الإلكتروناتِ الحرة بأيوناتِ الهيدروجين (البروتونات) لتشكيل ذرات الهيدروجين ثانيةً، فتنجم عن هذا الاتحاد طاقة تُشاهَدُ كضوءٍ أحمر.

اما كيف تتولد ايونات الهيدروجين ومن اين جاءت الألكترونات الحرة، فيكون نتيجة مرور نجم يمتلك حرارةً عاليةً بالسَّديم، فيُؤيِّنُ ذراتِ الهيدروجين القريبة، أي يحرر الالكترون من المدار الخارجي لذرة الهيدرجين تاركًا النواة وحدها وهي بروتون أي أيون الهيدروجين.

لا بد ان نذكر أنْ ليس كلُّ السُّدُمِ تكون مُشِعَّةً بنفسها بل هناك من السُّدُم ما يكون عاكسًا فقط للضوء الصادر من نجومٍ اخرى مجاورة.  وهناك ايضا السُّدُم المظلمة فلا هي بالمُشِعَّةِ ولا هي بالعاكسة.

أخلصُ الى القول اننا كما في الحلقات السابقة لا نريد ان نعاملَ الزهاوي او نحاكمَهُ على انه مختص بدقائق هذه المواضيع قدر ما نُبْرز انه رجلٌ مثابرٌ، كان عنده من الشجاعة ان يتحدث في هذه المواضيع ما لم تكن لغيره من الأقران، ولذا اسْتحق منا الاهتمام والتقدير.  ان الغاية من تعليقاتنا ايضا الا يفهم ان ما نعرضه من التنظيرِ الذي جاء به الرجل كان دقيقًا وصحيحًا علميَّا لكي لا يكون هنالك لَبس.

ان موضوع الكون ما يزال يحيِّر العلماءَ ازاء ما يصلنا من موجات كهرومغناطيسية قادمة من المجرات المنبثة فيه، والكون السحيق هذا إنَّما هو (الكونُ المنظورُ المرصودُ الصامتُ) حسب، ولا أظن ان الإنسان مهما امتلك من تقنية، سيصل الى ادراك ما بعد المنظور فيما هو عليه من تمدُّدٍ مستمرٍّ واتساعٍ ونحن نستمع الى (الكون الناطق) يقول:  (وَالسَّماءَ بَنَيْناهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعون).

***

عبد يونس لافي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5781 المصادف: 2022-07-04 03:23:05


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5865 المصادف: الاثنين 26 - 09 - 2022م