قضايا

فن اختيار المعارك

دعاء فتحي الشريفالمعركة هي صراع بين طرفين أو أكثر، وتنتهى غالبا بفوز أحد الطرفين، حيث يقول المؤرخ الإنجليزى "جون كيجان" أن المعركة هى "شيء يحدث بين جيشين يؤدي إلى التفكك المعنوى ثم الجسدي لأحدهما أو لآخر".

يعتقد البعض أن المعارك والحروب ماهي إلا التي تدار على أرض شاسعة بين جيشين ويستخدم فيها الأسلحة الفتاكة والآلات المدمرة، فضلا عن القتال الشديدا فيسقط القتلى واحد تلو الآخر .

لكن في الحقيقة أن الإنسان يدخل كل يوم في مئات المعارك، فيتورط بين لحظة وأخرى في معركة جديدة تنهكه نفسيا وجسديا، فيجد حياته تحولت إلى سلسلة من المعارك الجانبية يقاتل ويجادل ويناضل من أجل الفوز فيها .

ولكن هل يجب في كل مرة أن نفوز في تلك المعارك، إذا فكرنا بهذه الطريقة فلن نمتلك الوقت      للأشياء المهمة في حياتنا، لذلك يقول الغرب “ : “ Choose your battles wisely      "أختر معاركك بحكمة".

وإن كانت هذه المعارك تتطلب قتالا ومواجهة، إلا أن حسم هذه المعارك والإنتصار فيها يعتمد على فن إختيارها، وإدارتها، لذلك علينا أن نسأل أنفسنا هل كل هذه المعارك تستحق منا كل هذه المعاناة، ومحاولة الإنتصار في كل مرة، هل الطرف الآخر يستحق إهدار وقتك من أجله .

يجب علينا أيضا أن نحدد هل الخسائر تفوق المكاسب، فإذا كان الجواب نعم ففي هذه اللحظة يجب علينا أن ننسحب من أرض المعركة والمضي قدما .

ليس معنى هذا أن علينا أن نتجنب  كل معارك الحياة ونعيش منعزلين خوفا من الهزيمة، ولكن في الحقيقة هناك بعض المعارك هي الأهم في حياتنا، ولابد أن نخوضها لتحقيق أهدافنا السامية، أو الأدلاء ببيان يجعلك تتجنب الكثير من المعارك الأخرى التافهة التي تستنزف طاقتك ووقتك .

فالمحارب ليس فقط من يحمل السلاح ويقاتل العدو، بل أيضا من يملك القوة العقلية والنفسية والتي تبعده عن الإنغماس في عدوات مع الآخرين، فكل موقف تخرج منه سليم النفس معافى القلب فهو انتصار في حد ذاته .

يقول أنطون تشيخوفي " قد لا أملك انتصارات مدهشة، لكنى أستطيع إدهاشك بهزائم خرجت منها حيا "

أحيانا تحتاج الحياة إلى كثير من التغافل، وعدم الإنتباه إلى هفوات الآخرين، حتى تستطيع  في النهاية الحفاظ على سلامك النفسي والبعد عن التوتر، وحتى تجد طريقك إلى السعادة .

فيقول ابن الجوزى " مايزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام، فإن الناس مجبولون على الزلات والأخطاء، فإن اهتم المرء بكل زلة وخطيئة تعب، وأتعب " .

لذلك حاول أن تضع استراتيجية للتعامل مع الآخرين، وأن تتبنى نظرية الفوز للطرفين مع أي شخص، فالحياة أقصر من تضيعها في القتال والجدال، حارب فقط الأهم والأكثر أهمية، ودع البقية تذهب .

***

الدكتورة دعاء فتحي الشريف

دكتوراه فى التاريخ الإسلامي - جامعة الإسكندرية

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5804 المصادف: 2022-07-27 01:32:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5995 المصادف: الجمعة 03 - 02 - 2023م