قضايا

كيف يقاد الرعاع إلى الطاعة بوهم المقدس؟

سليم جواد الفهدلا يوجد ولا ينوجد حيز المقدس إلا في نسق واحد من انساق الوعي الإنساني هو الدين. ومناط ذلك أن جوهر مفهوم الدين هو المقدس وهو المحور التي تدور عليه قضايا الدين برمتها. لأن الدين كمفهوم هو مضمون فكري مركب يتخذ شكل تمثلات وتصورات أولية تتمتع بدرجة عالية من التجريد والتعميم والتداخل والاختلاط والالتباس تحيل في النهاية الى متخيل وهمي يتخارج مع كل إدراك عقلي. وبتعبير آخر الدين هو مجموعة من العقائد والشرائع والمفاهيم الثابتة التي تطرح تصورا متعاليا للحياة عبر ربطها بأصول غيبية ميتافيزيقية غير خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان في نص منزل وحيا يحرم نقده وتمنع محاكمته محاكمة عقلية ولا يجوز الخروج منه أو عليه بشكل مطلق وهو ساري الصلاحية الى الأبد.

ما هو المقدس؟

المقدس هو الطاهر المطهر المتعري عن كل قيد نقص وحاجة وهو ما لا يعتمد على غيره وجودا وقدرة ودواما وغيره يعتمد عليه. ولا يصير المقدس مقدسا إلا بتوفر ثلاثة شروط هي:

1- أن ينعدم نظيره.

2- أن يعظم خطره.

3- أن يستحيل الوصول إليه.

ولنأخذ الماء كمثال فالماء منعدم النظير وإذا زال يكون عظيم الخطر حيث يزول مع زواله كل كائن حي لكن لا يستحيل الوصول إليه بل يسهل الوصول إليه وهكذا في كل أرضنا على الأقل لا يوجد شيء تتحقق فيه الشروط الثلاثة فعلا وامكانا إلا (الله). وقد ورد في القرآن اسم القدوس كاسم من اسماء الله الحسنى.

والسؤال الذي يتبرعم الآن إذن من أين يأتي التقديس للبشر والشجر والحجر؟

والجواب يأتي من التدين فما هو التدين؟

التدين هو: مجموعة من الممارسات الطقوسية التي يبتكرها الفرد أو الجماعة في حراكهم الاجتماعي لإنزال ذلك المقدس الثابت المتعالي وتجسيده في فعل مرئي يمكن رصده وتحسسه فضلا عن تحركه في متغير زماني مكاني مجسد.

صار واضحا أن الدين يطرح المقدس بقيمته الاعتبارية الرمزية المتعددة لكي يظل متوهجا في إطار التأويل فلا ينغلق على فهم واحد محدد.

بينما التدين يوفر فرصة لاختبار المقدس والخوض فيه سواء من خلال تجسيد أبعاده التجريدية في حركة معلنة أو من خلال اختراع نائب عنه يمكن معايشته أو استحضاره رمزيا وعليه سوف يكون لكل فرد أو جماعة رموز –قد تكون بشر أو شجر أو حجر- يتم انزالها منزلة المقدس باعتبارها واسطة ونائبة عنه فتستأثر بالتقديس والعبادة من دون الله.

ومن هنا يبدأ دور رجال الدين المخادعين فهم يعلمون أن التدين هو دين البسطاء وفي التدين يحتاج الإنسان الى واسطة الى الله لأنه غير قادر على تمثل الله عقلا وفهمه فهما تجريديا رمزيا. فيعلن رجل الدين المخادع عن نفسه كواسطة بين الله والإنسان وهو يعلم علم اليقين أن الله لا يحتاج الى واسطة. يعزز رجال الدين دورهم في المجتمع من خلال مؤسسات دينية تتخادم مع السلطة فإذا كانت السلطة غير دينية خضعت المؤسسة الدينية لها عن طريق التملق والنفاق وإذا كانت السلطة تلبس عباءة الدين ساندتها بالقول والفعل عن طريق إيجاد سند لشرعية السلطة وتكفير المعارضين وتجهيل المجتمع بإنتاج التخلف وإدامته بطريقة برمجة الجهل والمعرفة التلقينية المبنية على الخوف والرهبة التي يتلقاها العوام من المؤسسات الدينية وهذه المعرفة الزائفة تجعلهم يتشربون مجموعة من الأساطير والخرافات المناقضة لمقتضى العقل والواقع والمنافية للعلم الحديث بغباء أوهام الامتياز والاصطفائية التي تقودهم الى حضيض الادراك بأنهم أصحاب الحق المطلق وباقي البشر في ضلال مبين ومن هنا جهلهم المركب واحتفاؤهم بالتخلف بحسبانه اختلافا وتميزا يؤدي الى الحق المطلق.

هنا تنوجد أولى درجات الطاعة بنقل أنظار الناس من الخلاص المادي الى الخلاص الروحي لأن من مصلحة رجل الدين المختفي وراء ستار المقدس أن يفقد التابع قدرته العقلية على التمييز بين المقدس وما يختفي خلفة حتى لا تبقى لديه أي قدرة عقلية على التساؤل: من هو المسؤول عن فقره وجهله ومرضه  وتخلفه.

هنا يبدأ رجل الدين الدجال بتزييف وعي البسطاء فيوهمهم بأن الفقراء أحباب الله والجهلة أول من يدخل الجنة والمرضى تسقط عنهم الذنوب كما تسقط الأوراق الصفراء عن الشجر.

وامام هذا التخدير بالمقدس تفشل كل محاولات التثوير التي يخوضها المثقفون أو المصلحون  حيث يؤكد علم النفس إن احدى أضعف نقاط النفس البشرية هو المقدس فليس عند الإنسان نقاط ضعف مثل الأمن والمقدس والمصلحة والهوية وفي ظروف معينة يغلب المقدس حتى على الأمن والمصلحة والهوية وهكذا هُزم الإنسان امام المقدس بقدر تجنبه لفقد شرعيته الشعبية والأخروية وصار عاجزاً عن الثورة على المقدس ومن يحتمون به حتى حين يسرقه ويقتله ويظلمه ويسلبه كرامته وصارت الثورة على الظالم المحتمي بالمقدس مستبعدة جداً وغالباً ما تخذلها الجموع.

هنا نكتشف أن ولادة الإنسان الجديد تبدأ من استرجاعه لشرعية الثورة على الظالم المحتمي بالمقدس وفرز الظالم عن المقدس أو تحييد المقدس مؤقتاً أو كشف زيف المقدس ذاته وهذه ليست ثورة عادية بل هي من أكبر الثورات الاجتماعية والثقافية على الإطلاق وهي دليل على ولادة جيل ذكي يستطيع الفرز بين الظالم والمقدس وتحييد المقدس ورجم الظالم المحتمي به.

ماهي الطاعة؟

الطاعة هي: قرار جمعي لإنتاج القوة. والطاعة احدى أخطر اسلحة الإنسان عبر التأريخ ولقد قاتل الإنسان كثيراً وبكل السبل من أجل انتاج الطاعة واستخدم ووظف وجند وسيس وحرف الدين من أجل انتاج الطاعة فالطاعة هي القوة الأقوى حتى من كل اسلحة الدمار الشامل ولذلك كانت مطمع الطغاة دائما وانتاج الطاعة يعني الإمساك بالقوة والنفوذ وهذا يعني الإمساك بالقرار والإمساك بالقرار يعني فرض الإرادة واملاء قواعد السلوك وحيازة الفرص وتوسيع القدرة للتوسع ولتدمير الخصوم ومن اجل ذلك صنعت العبودية.

مما تقدم يتضح أنه ليس من مصلحة رجال الدين المختفين وراء ستار المقدس تثوير أشد الناس إيمانا لأنهم أقل الناس إيمانا لقد أصبح النفاق والرياء طبعا متأصلا فيهم وشعارهم يقول مادام الناس جهلة نبقى أسيادهم فنحن نواب المقدس!؟

أما من يريد أن يعيد الى هؤلاء الناس وعيهم ويحقق لهم إنسانيتهم تحقيقا فعليا فيرمى بالتهم الجاهزة كافر ملحد عدو الله.

***

سليم جواد الفهد

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5824 المصادف: 2022-08-16 01:44:21


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م