قضايا

الطفولة المعطوبة وسطحية الذات

يرى عالم النفس النمساوي “بول فرديناند شيلدر” Paul Ferdinand Schilder ، وهو تلميذ فرويد وأحد الآباء المؤسسين لعلم النفس الجماعي باعتباره  مجالا بحثيا يدرس وضع الفرد في سياق الجماعة، أن “درجة الاهتمام التي يتلقاها الشخص في طفولته شديدة الأهمية”.

وإن اختلفت الأساليب فإن كل الناس الأسوياء يهتمون بأطفالهم ويحبونهم  ولكن من المفيد هنا ملامسة الفرق بين الحب المشروط والحب اللامشروط.

يعني الحب اللامشروط أن نحب الآخر  كما هو أيًا كان ما يفعله أو يخفق في فعله وبقطع النظر عن تحقق أي مصلحة مهما كان نوعها. أما الحب المشروط فهو ذلك الحب الذي ترتبط فيه المشاعر بأفعال معينة مقابل منحه.

إن افتقار الطفل إلى القبول التلقائي والمحبة الخالصة في سنوات طفولته المبكرة تجعله يتحرك بعيدا عن ذاته، ويوجِّه كل طاقته نحو ما يجب عليه أن يكونه لا نحو ماهو نابع بالأساس عن حقيقة شعوره.

إن الحرمان من المحبة اللامشروطة في فترة الطفولة يؤدي إلى ما يسمى بالانسحاب العاطفي* Emotional withdrawal ذلك أن التعود على الحصول على الحب في مقابل الطاعة مثلا يجعل الطفل عاجزا على أن يكون منفتحا بشأن عواطفه مما يضطره إلى الهروب نحو طمس هذه العواطف، ذلك أن الوعي بالذات الأصلية يثير لديه الاضطراب والقلق والصراع الداخلى كنتيجة لعدم قبوله كما هو أثناء فترة الطفولة.

هذا التعامل يقوده إلى الاتجاه نحو حياة أكثر أمنا، لا تعبِّر عن الذات لكنّها تضفي طابعا مثاليا متوهّما عنها، حياة تسميها “كارن هورنى” Karen Horney وهي محللة نفسية ألمانية يُعزى لها الفضل في تأسيس علم النفس النَّسوي، تسميها “الحياة السَّطحية”.

الحياة السطحية حياة يتم التخلص فيها من عبء الالتزام بالذات المكروهة، وصرف كل الاهتمام إلى العمل أو الوظائف التي تشغل الوقت وتكون بمثابة التخدير للتخلص من تجربة الاضطراب والقلق  الأساسي ** Basic Anxienty،   هذا القلق الذي نشأ منذ اكتشاف الطفل لعجزه في مواجهة الكبار.

مع تقدُّمه في العمر يسعى صاحب هذه الشخصية إلى توجيه كل طاقته إلى إثبات ذاته والثأر لها بتدمير الاحتقار والكراهية التي مورست عليه. هو يفعل كل ما في وسعه ليس لأنه يحب تحقيق ما يريده بل ليكون ،حتى بصورة كرهية، كما مطلوب منه أن يكون.

فماهي علاقة الذات السطحية بالآخر؟

إن وجود الآخر في حياة صاحب الذات السَّطحيَّة لا يعدو أن يكون سوى رمز خارجيّ، أي مجرد مرآة تشعره بوجوده فهو يختبر من خلال الآخر هويته المثالية والتي بذل كل الجهد في بنائها بكل حرفية. بالنسبة إليه ليس لوجود هذا الآخر قيمة مستقلة أو منفصلة.  ما إن يتوقف الغير عن أداء دوره، حتى تنهار علاقته به.

يظل البحث عن الشركاء / المرآة مستمرا لدى صاحب الذات السطحية لأن هؤلاء يشكلون المصدر الرئيسي الذي يمده بالطاقة الضرورية ليحيا حياة الازدواجية.

ظاهرة الازدواجية هذه انتقلت من كونها ظاهرة فردية لتصبح سمة من سمات المجتمع الذي انسحب من الواقع ليستعرض نفسه في عالم إفتراضي.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مجالا  تتمظهر من خلاله الذات “المثالية” السطحية لتستتر وراءها ذات مقهورة خبأت أصالتها و شجاعتها هروبا من القهر والكبت.

تنشد الذات السطحية التـأقلم حد الكمال مع كل ما هو مثالي أوتقليدي. نشاهد مثلا صورا وهمية لأشخاص مثاليين أخلاقيا ولكنهم في الحقيقة انتهازيين أو متحرشين، يلبسون أقنعة تغطي وجوههم، وهي وسيلتهم للتّعويض عن الذات الأصلية / الحقيقية التي فشلت في التعبير عن نفسها.

هذا ما يصعب معه، ونحن نتشارك الحياة مع الناس، الانتباه إلى هذه “الذات المثالية” التي يكون ظاهرها سكونا أما باطنها فكبت للتفاعل الصادق مع الوجود.

قد لا ننتبه لأننا نمر على هؤلاء مرور الكرام.

غالبا ما تضطرنا ممارسة حياتنا اليومية بمشاغلها الكثيرة أن نركض مع الراكضين دون أن نتوقف لنتساءل عن حقيقة الوجوه من حولنا. ولكن لسبب أو لآخر يحصل أن نتوقف ونتساءل عن هذه الذوات السطحية التي كثيرا ما  نضطر للتعامل معها. ذوات لا يشغلها إلا الانتصار لنفسها.. ذوات لا تبذل أي جهد لتصويب نظرتها للوجود من حولها.. لا تعير وزنا للآخر أو احتياجاته بل تعتبره مجرد وسيلة لتحقيق مصالحها.. ذوات لا تتعامل مع الحياة إلا من خلال المظاهر الزائفة.

أن يتشارك الإنسانُ مع الإنسان وينخرط معه في بناء حياة أفضل قوامها الاهتمام المتبادل والتعاطف والتآزر والإيثار هو أرقى ما تتطلع إليه الإنسانية، ومع انتشار مفاهيم من قبيل الأنانية والتمركز حول الذات حري بنا أن لا نفقد الأمل في إصلاح ما هو متاح لنا وأن نتذكر ما يقوله الطبيب النفسانيّ والفيلسوف الاجتماعي الفرنسي” فرانز فانون” Frantz Fanon في حديثه عن الإنسان:”يجب أن نفتح صفحةً جديدة، يجب أن نكتشِف مفاهيم جديدةً وأن نحاول خلق إنسانٍ جديد”.

**

درصاف بندحر - تونس

................

شرح بعض المفاهيم:

* الانسحاب العاطفي: الحاجة الباطنية للشخص لإقامة حاجز عاطفي بينه وبين الآخرين.

** القلق الأساسي: تهتم المحللة النفسبة "كارين هورني" من خلال نظريتها بالقلق الأساسي والذي تقصد به القلق الأولي الطبيعي (تفريقا له عن أنماط القلق الأخرى الموضوعية أو العصابية الناتجة عن القلق الأساسي نفسه) الذي ينتج عن اكتشاف الفرد لعجزه في مواجهة الكبار وخاصة الوالدين اللذين يجد نفسه مضطرا للاعتماد عليهما.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5865 المصادف: 2022-09-26 02:21:48


تعليقات فيسبوك

 

 

في المثقف اليوم

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م