قضايا

سيكولوجية مقامة دشداشة الخباز

لبديع هذا الزمان راضي المترفي

قرأت للصديق الزميل الكبيرراضي المترفي واحدة من مقاماته في هذا الزمن الصعب تحت عنوان (دشداشة الخباز) وهو يخاطب مجموعة او مجلس او مقامة من زملائه الرواد المبدعين فوجدتها مقامه رائعة فسألت نفسي أولا كمتلقي هل هذا المبدع وريث الحريري البصري أم حفيد الهمذاني أم خليفة تشيكوف العراق في هذا الزمان وهو يسلط الضوء في مقامته على مواقف قصيرة وقصص هزلية فكاهية في سلوكيات وقعت على أبطال روايته فاضحا صغائرالنفس ساخرا من التفاهة والقسوة والألم المكبوت وكل ما يحدث للإنسان وإنسانيته ويشوه حياة الأفراد والمجتمع ... وأعدت القراءة للمقامة وسألت نفسي للمرة الثانية كباحث سيكولوجي فوجدت المترفي يستخدم علم النفس في النقائض والمفارقات المتضادات وهو يقرب القارئ من ذاته أكثر فيضحكه من آلامه وقسوة الزمن عليه وبعد أن وصلت الجروح مداها وهو يظهر لنا مكنونات النفس ومواطن الجمال ونقاط الضعف فيها .فقام بتشريح أفراد مجموعتة زملائه أو مجلسه أو مقامته متلاعبا بالالفاض لتوصيف الواقع المتناقض في مضامين كتاباته وإنتقاداته اللاذعة لنمط الحياة بتهكم لاذع متاحاشيا التهجم بإدانة سياسة الاستلاب وتزييف القيم الانسانية من خلال دشداشة الخباز والمظاهرالاجتماعية السلبية التي تركت بصماتها على دشداشة الخباز..وللمرة الثالثة أعدت قراءة المقامة فوجدت نفسي وكأني أقرأ بحث علمي لعالم النفس جان بياجيه الذي كان يعتمد المنهج القصصي الواقعي في ابحاثه العلمية عندما كان يحلل المواقف التي يرويها له الاطفال او مرضاه ومعاناتهم وعللهم فالأديب القصصي يعبيرعن مشاعرالنفس والتاثير في الوجدان والعاطفة والخيال فالقاص والأديب المترفي هو أيضا بصير بالتقلبات النفسية عند الافراد اوالجماعات لكي يتمكن من ايصال احاسيسه للقارئ فوجدت المترفي بهذا الدورشبيه بالباحث النفسي الذي له القدرة على التحليل الادبي لمفردات القصة وإدراك الإفتراضات النفسية المتوقعة لكل موقف او حدث او مشكلة ..فكلما أعيد قراءة مقامة المترفي أكتشف جديد فوجدته يتلمس سلوك جماعتة في مقامته وفي حلة رائعة ومؤثرة من الألفاظ التي يسردها وبصياغة تبهرالمتلقي وهو يشبهها بمقامة الحريري التاسعة والسبعون بعد القرن والمعروف عن المترفي أنه يتقن حسن السبك النحوي المتماسك والمترابط وباستخدام جمال السجع المتوافق مع الفواصل في الكلام فيسردها ولا يفرغ لما تهدف إليه المقامة في مضمونها إلا بعد إكتمالها وهو في عمق التفكير والإحساس ولا تخلو مقامته هذه أيضا من الحكم والأمثال الشعبية ذات الصياغة الادبية الرائعة وهذه قدرة إبداعية كما تعودناها من راضي المترفي في بث عناصر التشويق وإقتاس قصص خفية معروفة أو أمثال شعبية بإستخداماته للقصة القصيرة والرواية في نقده الساخر وبإمكانيته اللغوية الممزوجة بالشعبية الرائعه ..ويأخذنا المترفي في مقامته دشداشة صديقه علي الخباز في سلسلته من الحكايات والأحداث التي مرعليها الزمن وأخرى قائمة الى الآن ونعاني منها وهو من خلالها يسلط الضوء على مواضيع جادة وهادفة وبصور بالغة الروعة عن مستوى الحياة التي مرت على مجتمعنا في زمنين متناقضين ونحن نعيش نفس المأساة والمعانات ..فالمترفي تفنن في مقامته هذه كمجموعة أحداث ساخرة من قصص بديع هذا الزمان فإختار بطلا لمقامته هو صديقه علي الخباز الذي عانى ماعانى مع مجموعة من أصدقائة وأصحابه يتنقل بين حكاياتهم في مصائب الزمان تجمعهم دشداشة بطل الرواية علي الخباز بين أيام الانتفاضة وصدى الروضتين وفي سرد روائي ذات قدرة عالية على التلون للربط بين الماضي بكل مآسية والحاضر بكل عذاباته .فالراوي الناقد المترفي معروف عنه له القدرة العالية وبطرق متنوعة في إستخدام الرواية والقصة في النقد والسخرية التي يستطيع إيصال نقده من خلالها بشكل رائع لجذب المتلقي وهو يعالج وينتقد موضوعات متعددة فهو يتنقل بالأحداث التي تدور حولها المقامة او الجماعة او الجلسة وترتبط بالبطل علي الخباز وهو يشير لكل منهم بطرفة او فكاهة معينة مرتبطة بسلوكيات انسانية معينة لكل من الشخصيات التي اشاراليها ثم ينتهي بجمل من المفردات والحكم المضحكة والساخرة مما جرى من الاحداث التي انقضت والاحداث التي تصاحب حياتنا الآن وباسلوب روائي قصصي مبهرللربط بين الماضي الأليم والحاضرالشرير.ففي مصطلح الأتان المأخوذ من قصص السيد المسيح والانجيل كما مذكورفي قصة (الأتان والجحش) والسائل يكرر السؤال عن الاتان وهكذا تحضر الذكريات والمشاعر والافكار التي يعيشها كمؤشرات شخصية لوجود هذا العنصر الثالث في مقامة المترفي واستخدامه في اطار بنية الانتباه التي يشاطرنا اياها ليقدم لنا مفهوما تحليليا نفسيا يقوم على فكرة مخطط الدافع بدلالة ضمنية مضافة بإسلوب التغريب التي اعتمدها المترفي وجذب انتباه القارئ بالتجاوب غير المألوف بين الكلمات والرؤية وفكرة العلاقة بين التعبيرات اللفظية وتاريخها ومعانيها .. كإسلوب جذب الانتباه للقارئ فاقتبس فيه فقرة من قصص السيد المسيح وفي هذه ذكاء المترفي فجعل المألوف غريبا بحيث ينتبه له القارئ فيلحظه..وعندما يضحك الموجوع من ألمه ويعيش واقعه بضحكات وحكايات تخفف عن آلامه يمكنه ان يضع حلولا لها ولو بأحلامه فهي أيضا سخرية وحين نعبرعن رفضنا للواقع المر بدون الاصطدام أو خلق مواجهة مباشرة مع السلطات المستبدة فنحن نسخر . فالسخرية فن ابداعي قريب من المجتمع ومشاكله ومن صميم حياته وهمومه واهتماماته وهي سلاح الضعيف في مواجهة الطغاة والفساد والسخرية من حيث عناصرها الفنية التي تبعث على الطرافة بسلاسة ووضوح وكذالك القدرة على التخيل وطرح المغزى بين سطور الموضوع بعيدا عن الالغاز التي تؤدي لاثارة تفكير القارئ وحدسه ودفعه لإدراك الفكرة بعيدا عن طرحها مباشرة وفي النهاية إن هذه المقامة هي بمثابة سيكولوجيا علاجية لجماعة أصحاب الآلام المكبوته.

***

د. قاسم محمد الياسري  

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5896 المصادف: 2022-10-27 01:00:12


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5989 المصادف: السبت 28 - 01 - 2023م