قضايا

لمحات عن النهضة الفكرية والسياسية في العراق

على الرغم من أن العراق يعتبر مهد أقدم الحضارات الإنسانية وأعظمها، منذ سقوط بابل عام 115م أحداث أول قطيعة حضارية استمرت حتى الفتح الإسلامي عام 625م، وبالكاد يؤسس الإسلام دولة وحضارة مزدهرة حتى أُسقطت على يد هولاكو. غير أن الانحطاط الحضاري والثقافي كان قد بدأ في الواقع مع دخول العسكر الرعوي السلجوقي إلى العراق، واجهاض الحركة التنويرية للعصر الإسلامي الوسيط، وهو ما شكل قطيعة حضارية أخرى استمرت حتى العصر الحديث، كان من نتائجها:

1- دخول موجات بدوية واحدة بعد الأخرى.

2- دخول إثنيات وطوائف ولغات مختلفة.

3- حدوث أوبئة وكوارث وفيضانات ومجاعة مستمرة.

4- دخول هجرات وجيوش غازية ومجموعات مرتزقة، وذلك لعدم وجود حدود وحواجز طبيعية للعراق..

ويلاحظ الباحث الاجتماعي أنه كلما ضعفت الدولة المركزية في العراق خلال القرون الماضية، قويت شوكت القبيلة والطائفة وأخذت بالتمرد والعصيان، وأما المدن فيأخذ رؤساء الطوائف والمحلات بالخروج على سلطة الدولة وعدم طاعتها، ولم يشهد العراق حتى تشكيل الحكم الوطني في بداية القرن الماضي دولة قوية ذات سيادة وطنية وحكم مركزي.

لكن الانتقال التدريجي من نمط الاقتصادي الذاتي إلى اقتصاد السوق وانتشار النقود ودخول البضائع والسلع الأوروبية إلى الأسواق العراقية في بداية القرن العشرين، أدى إلى ضعف الولاءات المحلية في المدن والولاءات العشائرية في الريف نسبياً، وأدى أيضاً إلى ولادة قوة اجتماعية جديدة، وإن كانت جنينية هي طبقة (الافندية) التي انجبت الانتلجنسيا العراقية، ومن الأفندية والانتلجنسيا معاً تطورت طبقة وسطى جنينية.

وكان الحدث الأهم في عهد اصلاحات الوالي مدحت باشا (1869-1872م) نقطة تحول في تاريخ العراق الحديث، ومنها إصدار جريدة الزوراء باللغتين العربية والتركية عام 1865م. ومن الأعمال الإصلاحية المهمة التي دعمت النهضة الفكرية والسياسية تأسيس مدحت باشا أول مجلس للشورى في العراق، الذي شجع على نقد الموظفين ودفعهم إلى المطالبة بالإصلاحات الضرورية.

وكان لحركة المشروطة التي اسهمت في نشر مفاهيم الحرية والمساواة وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم ورفض الاستبداد تأثيراً كبيراً على استقطاب فئة المتنورين من الأدباء والشعراء ورجال الفكر وعلماء الدين ضد أنصار المستبدة الذين دعوا إلى بقاء الحكم الاستبدادي بدعوى حماية الدين. وساعد الانتماء إلى جمعية الاتحاد والترقي ثم إعلان الدستور العثماني عام 1908 على تطوير الحركة الفكرية والثقافية وصدور عشرات الجرائد والمجلات وطبع مئات الكتب، وكان من بينها جريدة بغداد التي أصدرها فرع جمعية الاتحاد والترقي، وجريدة الرقيب وبين النهرين ومصباح الشرق والنهضة ومجلة القلم ولغة العرب وغيرها، التي وضعت أساساً متيناً لحركة النهضة الفكرية والاجتماعية الحديثة في العراق، التي توَّجت بتشكيل الحكم الوطني في العشرينات من القرن الماضي.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر بدأت تتطور اساليب الانتاج الجديد وادواته، كانت قد أثرت في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وغيرتها، حيث أخذت الولاءات القبلية بالتآكل منذ إصلاحات مدحت باشا وفتح قناة السويس وحدوث تحولات تراكمية تحول بموجبها الاقتصاد الطبيعي القائم على الاستهلاك الذاتي إلى اقتصاد السوق القائم على الربح والإنتاج من أجل السوق العالمية، وهو ما أدى في الأخير إلى تفكك نظام الملكية القديم وكذلك نظام العشيرة، وأخذت العشائر العراقية بإنتاج يتعدى حدود الحاجة الذاتية إلى البيع في السوق الخارجية، حيث أخذ العراق منذ تلك الفترة حتى عام 1913م بتصدير الحبوب إلى الهند والشعير إلى فرنسا، وهذا ما قاد إلى الاستغلال وعدم التوازن والتكافؤ في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

لكن مشروع بناء الدولة في أن يكون مصدراً لتوحيد الهوية الوطنية قد فشل بسبب الانقسام الحاد في الهوية على إثنيات وأديان وقبائل وطوائف، وإن جميع محاولات الدولة في بناء هوية وطنية من الممكن أن يحتضنها المجتمع كانت قد باءت بالفشل، لأن المجتمع كان يؤمن بهوية ثقافية إسلامية خارج إطار الدولة، وهو ما أحدث انفصاماً حاداً بين الهوية السياسية والهوية الثقافية الوطنية.

وحينما حاول سكان المدن توليد السلطة وتأسيس دولة حديثة، انكشف ضعفهم وبانت هشاشة مقوماتهم الحضرية وتسربت العصبيات الإثنية والقبلية والطائفية والجهوية إلى قمة السلطة، وبدأت المنازعات العشائرية والانقلابات العسكرية، وهو ما يفسر إشكالية الدولة وعدم نضجها وتخلفها وضعفها.

ومن الممكن القول بأن سكان المدن كانوا أكثر وعياً بإسلامهم من سكان الريف، على الرغم من تأثير المرجعات الدينية الذي كان تأثيره طقوسياً أكثر منه ألتزاماً بالشعائر الإسلامية، ومن جهة أخرى لم يكن الوعي القومي ناضجاً ولم تشغل القومية مركز استقطاب لمشاعرهم العربية ولا الأفكار الليبرالية أو الاشتراكية.

وكانت النخب السياسية التي قادت العراق آنذاك تعود إلى أصول إثنية متعددة، في مقدمتهم عوائل تركية وعثمانية توطنت في العاصمة بغداد، وعوائل من أصول كردية وأخرى تركمانية وآرومية وفارسية وأذرية وقوقاسية وجركسية وافغانية وداغستانية وهندية وغيرها استوطنت وتعربت وأصبحت عربية بفعل استيطانها الطويل. ومن الأمثلة على ذلك ساطع الحصري الذي يتحدر من أصول تركية، وسامي شوكت من أصول قوقازية، ورشيد عالي الكيلاني من أصول كيلانية وغيرهم.

لكن مفهوم الوطنية قد ظهر لأول مرة في العراق في العصر الحديث خلال ثورة العشرين، وفي المدن الكبيرة ولا سيما بغداد وعلى يد تجار المدن والوجهاء وعلى رأسهم جعفر أبو التمن، مؤسس الحزب الوطني، وكانت المدن قد اضطلعت بدور مهم في تطوير الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي، وفي تحريك الانتفاضات ضد سلطة الاحتلال الانكليزي. وقد ظهر تضامن أهل بغداد خلال الاحتفالات بعاشوراء في توحيد صفوفهم ونبذ الخلافات الطائفية بين السنة والشيعة، حيث قادوا أول تظاهرة دينية/ سياسية اطلق عليها المولد/ التعزية، التي كانت ايذاناً بولادة الروح الوطنية، وأقاموا احتفالات دينية تجمع بين المولد النبوي على الطريقة السنية ومجلس عزاء على الطريقة الشيعية في مساجد الشيعة والسنة في بغداد والكاظمية والأعظمية وغيرها على التعاقب.

ومن الممكن الحديث عن النخب السياسية الأساسية التي سيطرت على الدولة بعد تشكيلها عام 1921م وهي الأفندية والعسكر وشيوخ العشائر، وقد تألفت فئة الأفندية من مجموعة من المثقفين الذين كانوا النخبة العراقية/ العثمانية قبل تأسيس الدولة العراقية، التي تكونت عناصرها من المنطقة العربية الشمالية السنية المتحالفة مع عناصر تركية وكردية وتركمانية استعربت. واعتمد الملك فيصل الأول على عدد من المثقفين العراقيين واسند إليهم مسؤوليات كبيرة في وظائف الدولة. وقد أطلق على هذا الجيل اسم الأفندية، الذي يرتدي أغلبه الزي الأوروبي ولبس السدارة الفيصلية. والأفنية كلمة يونانية الأصل، وهي لقب من ألقاب الشرف والعظمة.

في هذه الحقبة الزمنية فتح التطور الحضاري الاجتماعي والاقتصادي والثقافي باباً واسعاً للدخول إلى الحداثة في العراق، وكوّن مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ العراق الحديث، انجبت عدداً كبيراً من العلماء والمفكرين والفنانين والتكنوقراط والتجار والصناعيين الذين كونوا (الانتلجنسيا)، وحملوا على اكتافهم مهمات كبيرة لبناء العراق الجديد. وكذلك تميزت تلك المرحلة بتنامي الاتجاهات السياسية والايديولوجية المتصارعة التي تمثلت بالأحزاب القومية، كحزب الاستقلال، وتأسيس النوادي والجمعيات العروبية مثل نادي المثنى وجمعية الدفاع عن فلسطين وجمعية النهضة القومية ونادي الجزيرة وجماعة العقداء الأربعة وغيرهم، وأسست أحزاب يمينية وليبرالية مثلت بعضها الطبقة الحاكمة، كحزب الاتحاد الدستوري الذي ترأسه نري السعيد، وحزب الأمة الاشتراكي الذي ترأسه صالح جبر. وتنامت الأحزاب السياسية ذوات الطابع الوطني/ الديمقراطي والاشتراكي. فقد مثلت جماعة الأهالي تياراً وطنياً ديمقراطياً معارضاً، وكان من أبرز روادها الأوائل عبد الفتاح إبراهيم، وأصدرت جريدة الأهالي عام 1932م، وفي عام 1932 أسست جمعية مكافحة الاستعمار والاستثمار التي كانت تمثل البوادر الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي عام 1934م، الذي نمى خلال الأربعينيات والخمسينيات، وأصبح حزباً جماهيرياً واسعاً، وبقيّ سرياً حتى ثورة تموز 1958. كما أسست جمعية الجوال القومية منتصف الثلاثينيات (نادي المثنى فيما بعد) وأسس الحزب الوطني الديمقراطي عام 1946م، وأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1953م، وأسست جمعية الأخوة الإسلامية بقيادة محمد حامد الصراف عام 1960م (فيما بعد الحزب الإسلامي).

لذلك سبق تأسيس الأحزاب العراقية تأسيس النقابات والمنظمات الجماهيرية، ويعود السبب في ذلك إلى أن الديمقراطية ليست إفرازاً فكرياً وتاريخياً طبيعياً، فهي تحتاج دائماً إلى مقومات اجتماعية واقتصادية وثقافية. وبقدر ما شكل المثقفون فئة اجتماعية تتعامل مع منظومة الأفكار، فإن تحديد علاقاتهم مع الفكر الديمقراطي تتطلب بطبيعة الحال تحديد مفهوم المثقف ثم متابعة أصول نشأة الفئة المثقفة العراقية، ومن ثم تعيين حجمها الاجتماعي ودورها السياسي والفضاءات التي تتحرك فيها.

ومن هنا نستطيع القول إن عقد الخمسينيات من القرن الماضي كان يعد من أخصب العقود في تاريخ العراق الحديث وأغناها من حيث التقدم الفكري والاجتماعي والثقافي، ومن حيث التسامح الاجتماعي والديني والسياسي من جهة، وتوسع المؤسسة العسكرية وبداية صعودها إلى السلطة من جهة أخرى. وإن ثورة 14 تموز 1958 الوطنية كانت قد أجهضت على يد المؤسسة العسكرية، على الرغم من أهمية انجازاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وساعدت على ضرب الأحزاب التي تمثلها من جهة وصعود الأحزاب الشمولية ذات النزعة الثورية، التي ساعدت بشكل أو بآخر على ضرب الحركات الديمقراطية التي أخذت تنمو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهاء الأحزاب الوسطية، مما دفع إلى الإبطاء في تكوين مؤسسات المجتمع المدني، وتأخير التحول إلى الديمقراطية، ثم صعود دولة البعث في شكلها الأولي إلى السلطة(1).

وكما لعبت المقاهي دوراً اجتماعياً وثقافياً وسياسياً مهماً، وذلك عن طريق مشاركة الطبقة المثقفة في حياة المقهى ودوره الجديد، حيث لم يعد المقهى مجرد مكان لشرب الشاي والدردشة، وإنما أيضاً للعب دورٍ ثقافي وسياسي جديد يعبر فيه المثقفون عن نشاطهم وانتاجاتهم وطموحاتهم وتبادل الخبر والتجارب فيما بينهم.

أما اليوم فتعد الطبقة الوسطى التي كانت لها الدور الفكري والثقافي والسياسي، فقد اصبحت نموذج هش لدولة المحاصصة السياسية والانقسام الإثني والطائفي المتعايش على ريع النفط، ودولة استهلاكية مناطقية تتحد مع سوق العولمة وتغترب معها. ومهما ضعفت الطبقة الوسطى وضمرت وتشتت قسم منها في المنافي، فغن المخزون الفكري والاجتماعي والاقتصادي لها يبقى غنياً وثرياً لوعيها الطبقي العام والنسبي.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

............................

المصادر:

1- ستيفن لونكريك، أربعة قرون من تاريخ العراق، بغداد، 1952، ص358

2- إبراهيم الحيدري، تراجيديا كربلاء سوسيولوجيا الخطاب الشيعي، بيروت، دار الساقي، ط2، 2015م ص184.

3- حنا بطاطو، العراق (الكتاب الأول) الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، ط2، 1996م، ص32.

4- سيار الجميل، البنية الثقافية العراقية/ محاضرة في قاعة ماجد في أبو ظبي، موقع إيلاف الالكتروني يوم 15/2/2007.

5- إبراهيم الحيدري، تراجيديا كربلاء، مصدر سابق، ص377.

6- عامر حسن فياض، الطبقة الوسطى والتحول الديمقراطي (حوار)، الثقافة الجديدة، العدد 321، ص28

7- إبراهيم الحيدري، الشخصية العراقية، البحث عن الهوية، بيروت، دار التنوير، 2013، ص153.

8- إبراهيم الحيدري، الطبقة الوسطى في العراق نشوؤها- نموها- ضمورها، دار مكتبة عدنان، بغداد، ط1، 2022.

1 إبراهيم الحيدري، الشخصية العراقية، البحث عن الهوية، بيروت، دار التنوير، 2013، ص153.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5922 المصادف: 2022-11-22 01:17:32


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م