قضايا

الليبرالية البغيضة!

بعض القراء الأعزاء يقولون كلاماً فحواه أنهم يحبون الحرية، لكنهم يبغضون الليبرالية. هذا ليس أمراً سيئاً بطبيعة الحال، فلكل منا طريقة في عيش حياته، وفي التعبير عن أولوياته، واختيار الإطار الذي يجمع أطراف رؤيته لذاته والعالم المحيط به. وهذا هو المضمون الداخلي لما نسميه «الانتماء».

بيان ذلك: حين يقول شخص إنه مسلم أو ليبرالي أو يساري أو محافظ، وحين تصف فتاة نفسها بأنها نسوية أو قبيلية... إلخ... فإنَّ كلاً من هؤلاء يشير إلى الإطار الذي تنتظم فيه الرؤى والصور العديدة، التي تشكل ما نسميه الرؤية الكونية، أي فهم الإنسان لذاته وحياته وموقعه، وطريقة تعبيره عنها. إنها أقرب إلى عنوان الكتاب الذي يلخص، في كلمات قليلة، الفكرة العامة التي تشرحها مئات الصفحات.

الانتماء - إذن - ليس علاقة مادية تربط الإنسان بالمكان أو بالأشخاص الآخرين، بل هو حالة ذهنية، مضمونها الرغبة في الوقوف تحت هذه اللافتة أو تلك، حمل هذا الوصف أو ذاك. قد يكون الأمر قراراً واعياً، مسبوقاً بتأمل وربما تعاقد واتفاق مع بقية أعضاء الجمع (كما يحصل حين تنتمي إلى شركة أو حزب سياسي مثلاً) وقد تكون مجرد رغبة أحادية بالانخراط في حشد تربط بينهم عاطفة مشتركة، مثل الالتحاق بمشجعي نادٍ رياضي مثلاً.

وإذا كنت تنتمي لمجتمع شرقي، وقررت تبني الليبرالية كمذهب في السياسة أو في الحياة، فإن قرارك هذا سيكون - على الأغلب - نتاج تأمل ومكابدة ذهنية، تتضمن سلسلة من المجادلات الداخلية، حول المكاسب والخسائر، وردود فعل المحيط الاجتماعي على ما يعدونه انحيازاً عن الطريق المعتاد.

حين يدعي شخص ما الانتماء إلى الليبرالية كتيار سياسي أو كمنهج حياتي، فهو يشير إلى قناعته بشريحة من العناصر التي تشكل أركاناً أساسية لهذا المذهب، وفي طليعتها الحرية. الحرية جوهر المذهب الليبرالي، وهي الفارق الرئيسي بينها وبين أي مذهب آخر، ومن هنا فإن نزعها يعادل إلغاء المذهب كله.

ما يميز الليبرالي عن عامة المؤمنين بالحرية، هو قناعته بفوقيتها على أي قيمة أخرى. فلو احتجنا إلى استثناء أو تعديل، بناء على قيمة المساواة أو النظام أو التكافل مثلاً، فإن هذا التعديل يجب أن يؤسس على أرضية الإيمان بالحرية، وكونها الفرض الأولي والمعيار الرئيسي، في تعيين ما هو صحيح وما هو خطأ. من الأمثلة الشهيرة في هذا الصدد نذكر رأي الفيلسوف المعاصر جون رولز، الذي عارض الليبرالية الكلاسيكية، لصالح نظرية في العدالة تركز على إنصاف الطبقات الضعيفة، إلا أنه أكد في كل جزء من شروحاته لتلك النظرية، أن الحرية الفردية جزء حيوي في مفهوم العدالة، بحيث لا يمكن التضحية بها، حتى لو توقفت على هذا مصلحة المجتمع كله. تبعاً لرؤية رولز، فإن هدر حرية الفرد تعادل هدر العدالة الاجتماعية في أدق تعريفاتها.

ليس ضرورياً أن تقف تحت لافتة الليبرالية، مع أنها أكثر العناوين إشراقاً. ما هو مهم في حقيقة الأمر أن تؤمن بالحرية في معناها الكامل، أي كون حريتك الشخصية معادلة لحق الآخرين في أن يعيشوا حياتهم من دون تدخل أو جبر. وأن التمتع بالحرية يعادل الإقرار بالمسؤوليات والتكاليف التي تترتب على الحرية والتي تؤدي بالضرورة إلى تحديدها. وأخيراً الإيمان بأن التطبيق الحضاري لمفهوم الحرية، ممكن فقط في ظل المجتمع المدني وسيادة القانون، القانون الذي يصون حرية الجميع، فيمنع تدخل الآخرين في حياتك، كما يمنعك من التدخل في حياة الآخرين.

***

د. توفيق السيف

كاتب ومفكر سعودي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5923 المصادف: 2022-11-23 03:28:32


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م