قضايا

قوى الإنسان الخفية وظاهرة الديجافو

قال تي أس إليوت: كل شيء في هذا الكون غريب إلا أنت وأنا،

وحتى انت أكثر مني غرابة

تكمن غرابة الإنسان لا في هيئته وشكله وجماله واستقامته فحسب، بل وفي مقدرته على التفكير والاستنتاج، وصنع الجمال والقبح، والرحمة والقسوة، واللطف والتوحش، وهذا يعني أن جزءً من غرابته يكمن في مقدرته على الجمع بين الأضداد، ومقدرته على التلون والتعاطي مع المستجدات عقليا وغريزيا وجسديا وفيزيائيا، على خلاف الكائنات الأخرى التي تقودها غرائزها وتتحكم بها نزواتها.

ومع ذلك أرى أن الإنسان هذا الكائن الأكثر غرابة في الكون كله، رغم عظيم أهميته وسطوته وقوته، هو ابن بيئته، يتأثر بها، ولها عليه سطوة ظاهرة. والبيئة هي الأخرى تتأثر وتتبدل بدورها تبعا لأبوة الإنسان لها، فهي أبوة متبادلة متفاعلة، مرة يصبح الإنسان فيها هو الضحية مسلوب الإرادة مقيد السلوك، وأخرى تصبح البيئة تحت سطوته وقوته، ينتهك أدق خصوصياتها ويغير ملامحها، ومنذ الأزل وإلى الأزل لم تنجح البيئة في تطبيع الإنسان مثلما تحب، ولا الإنسان في تطويع البيئة مثلما يهوى. هي بقيت تمثل الشخصية الحساسة، وهو كان ولا زال يمثل الشخصية الاعتمادية، ذلك لأن للبيئة قواها الخفية، وللإنسان قواه الخفية أيضا، ومتى ما وجدت قوتان في حيز واحد لابد وأن تتصادما، سواء كان تصادما مرنا أو غير مرن، الفرق الوحيد أنه في التصادم المرن يبقى مجموع زخم الأجسام قبل التصادم مساويا لمجموعه بعده، وهو ما أطلق عليه علماء الفيزياء "قانون حفظ الزخم"، وعادة ما يكون هذا التصادم مثمرا نافعا بنائيا معطاءً، تماما مثل تصادم كرات لعبة البليارد؛ الذي تتحقق بموجبه نقاط الفوز، أو مثلما تضرب كرة على الأرض لكي تعود إليك في لعبة كرة السلة، لتمنحها زخما يساعد على إدخالها السلة، لكن التصادم غير المرن يوقع عادة أضرارا تتناسب طرديا مع شدته ومغذياته، وفيه يحدث فقدان لجزء من طاقة الحركة بسبب تحولها إلى طاقة من نوع آخر.

في هذه المعادلة يبدو التأثير أكثر ظهورا وتشخيصا على الإنسان منه على البيئة، حتى في حالة التغير الكبير الذي يصيب البيئة نفسها، خذ على سبيل المثال ما أحدثه التصادم غير المرن بين مطالب الإنسان والغلاف الجوي؛ الذي أنتج الاحتباس الحراري ذو التأثير المباشر على البيئة، فأثرة على الإنسان نفسه كان أكثر وأشد وقعا منه على البيئة نفسها، وانتج قوى مدمرة أصبحت تتهدد الإنسان في بقائه وعيشه، وتؤثر على أنماط سلوكه؛ الذي يكون عادة مرتبطا بالبيئة الخارجية؛ والذي أطلق عليه أخصائي علم النفس الأمريكي "بورهوس فريدريك سكينر" اسم "السلوك الإجرائي"، وهو السلوك الذي يعتمد على مثير معين في البيئة الخارجية. وهذا المثير لا ينحصر في التعامل مع البيئة فقط، بل يمتد إلى التعامل البيني فيما بين الأشخاص أنفسهم في بيئة محددة أعدت بعناية لتبيان أثر التصادم.

وتكاد تجربة ستانفورد أن تكون الشاهد الأكثر واقعية على هذا التصادم التاريخي، وهي تجربة أجراها عالم النفس "فيليب زيمباردو" مع مجموعة من زملاء آخرين في سنة 1971، كانت غايتها تبيان أثر البيئة على صنفين تم اختيارهما من بيئة واحدة ليؤديا مهمتين مختلفتين، المهمة الأولى يقع أعضاؤها تحت طائلة المسؤولية، والمهمة الأخرى يتبنى أعضاؤها مهمة المسؤولية والإشراف، مثل السجين والسجان. عرفت هذه التجربة باسم "تجربة سجن ستانفورد" لأنها أجريت على طلاب منتخبين من جامعة ستانفورد، وكان هدفها أن تتقصى تأثير المتغيرات الظرفية على السلوك البشري في بيئة منتخبة.

ولغرض إزالة الفوارق المحتملة وتوفير البيئة المطلوبة، اختار الباحثون مكانا ليصبح سجنا وهميا، مكوناً من ثلاث زنزانات بمساحة 54 قدماً، على أن يوضع في كل زنزانة ثلاثة من الطلاب الذين أوكلت لهم مهمة لعب أدوار السجناء. وخصصت باقي غرف السجن للطلاب الذين أوكلت لهم مهمة لعب أدوار الحراس ومراقبي السجن. كما أفردت مساحة صغيرة من السجن كغرفة سجن انفرادي، وغرفة أخرى كساحة أو باحة للسجن. ثم اختاروا بشكل عشوائي أربعة وعشرين طالباً من أصل سبعين تطوعوا للعمل في التجربة من بين طلاب الصف المنتهي المهيئين للتخرج، ممن ليس لديهم سجلا إجراميا، ولا يعانون مشاكل جسدية أو نفسية واضحة. اختاروهم للعب أدوار السجناء وحراس السجن، للمشاركة في الاختبار الذي حدد له سقفا زمنيا لمدة أسبوعين مقابل أجر يومي يدفع لهم. وتم اختيار الطلاب الذين يلعبون دور السجناء والطلاب الذين يلعبون دور السجانين من بينهم عشوائيا.

كانت التجربة تنص على أن يبقى السجناء في سجنهم الوهمي بشكل دائمي طوال مدة التجربة، أما الحراس، الذين سمح لهم بالتصرف وفق الطريقة التي يرغبون بها، فيتولى كل منهم مهمته لمد عشر ساعات، ثم يُسمح له الذهاب إلى منازله بالتناوب لحين انتهاء المدة. وكانت مراقبة المشرفين على التجربة للحراس والسجناء تتم من خلال استخدام كاميرات ومكبرات صوت غير مرئية بالنسبة للممثلين.

الغريب أن التجربة أنهيت بعد ستة أيام فقط بسبب التبدلات السلوكية المتطرفة التي ظهرت على السجناء والسجانين كليهما، والتي تمثلت بسوء المعاملة العدائية واللاإنسانية للسجانين، الذين أصبحوا يتصرفون بطريقة عدوانية ومسيئة تجاه السجناء، بينما أصبح السجناء أكثر خنوعاً واكتئاباً، فظهرت عليهم علامات القلق والإجهاد الحاد، بما في ذلك البكاء والنحيب، مما اضطر المشرفين على التجربة إلى إخراجهم من السجن مبكراً. وقد أظهرت هذه التجربة الفريدة أهمية الدور القوي الذي تلعبه الظروف البيئية في تغيير أنماط السلوك البشري.

وفي بحثي عن مصادر موثوقة لكتاب كنت أعمل عليه، نويت أن أصل من خلاله إلى معرفة أصول الغجر وأنماط عيشهم، ثم تركته بسبب فقدان المصادر المحايدة، اكتشفت حقيقة اتفق عليها كل من كتب عنهم وهي أن الغجر ـ وبشكل سريع ومدهش وغريب للغاية ـ يتطبعون بطباع المنطقة التي يبنون معسكرهم فيها وبشكل كامل، فيعتنقون دين المنطقة ويحاولون تعلم لغتهم ومناغمة سلوكهم. وهذا مثال حي على صحة أثر وتأثير البيئة على المجاميع البشرية وليس على الأفراد وحدهم.

يعني هذا أن للبيئة قدرة لا حدود لها، لكن للإنسان هو الآخر حدودا تفوقها إذا ما أحسن استخدامها، والذي جعل البيئة تتفوق علينا اليوم في التأثير والفعل المدمر ليس لأنها أقوى من الإنسان، وإنما لأن الإنسان انشغل بأموره الثانوية عن الهدف الأكبر، الذي يتمثل في إعداد الدفاعات التي يتصدى من خلالها لقوى الطبيعة وأثر البيئة. خذ على سبيل المثال أمريكا التي تصرف سنويا مليارات الدولارات من أجل تطوير ترسانتها العسكرية ففي سنة 2016، خصصا أمريكا وفق المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، في تقريره عن التوازن العسكري العالمي 2016 (لعام 2015) ما مقداره (597،5) مليار دولار لميزانيتها العسكرية، وفي مايس من عام 2021، بلغت الميزانية العسكرية التي طلبها الرئيس الأمريكي للسنة المالية 2022 مبلغا قدره (715) مليار دولار، بزيادة قدرها 10 مليارات دولار عن السنة المالية 2021. وبلغ إجمالي طلب ميزانية وزارة الدفاع ووزارة الطاقة للسنة المالية 2022 مبلغا قدره (753) مليار دولار، في وقت تسببت الظواهر الطبيعية في تدمير البنى التحتية لعدة مدن أمريكية وبشكل متكرر ومأساوي، ولو تم تخصيص تلك المبالغ الكبيرة لإجراء دراسات معمقة لحالات تبدل سلوك الأعاصير، وابتكار آلات جديدة لها قدرة التحكم بحركتها، لجنبت أمريكا رعاياها ويلات التشرد وفقدان المدخرات والمنازل والمزارع والثروات، ولكانت قدمت للإنسانية ما يجنبها الويلات، بدل أن تصدر لها أخطر أنواع الأسلحة وأشدها فتكا وتدميرا.

ومن المفارقات المضحكة المبكية أن العلماء يبحثون دائما من خلال تجاربهم العلمية عن أصول القوى الخفية الموجودة لدى الإنسان، عسى أن يتم توظيفها لتجنيبه نتائج حماقاته، ومنها حماقة حربه ضد بيئة لم يعد لها آليات تحقق له النصر، ولكن الإنسان نفسه يأتي بأعمال نزقة حمقاء تثبت أنه لم يفد شيئا مما قدموه له، فعمل خلافه بدل أن يوظفه ليستشرف الحدث المستقبلي من خلاله، خذ على سبيل التوضيح ما تحدث به الكاتب والفيلسوف الفرنسي "إميل بواراك" في كتابه الموسوم "مستقبل العلوم النفسية" عن ظاهرة أطلق عليها اسم "ديجافو". ومعناها "شوهد قبل ذلك"، ومما جاء في أقواله إن هذه الظاهرة تحدث عادة وبنسبة 70% لدى الشباب بين السابعة عشر والخامسة والعشرين من أعمارهم ممن يشعرون حينها وكأنهم عاشوا من قبل الحدث المعاصر الذي يحدث أمام أعينهم مباشرة، وكأن ما يحصل لا يحدث هذه المرة فقط بل حدث من قبل، ولكنهم لا يتذكرون متى وأين وقع الحدث، بل قد تتطور هذه الظاهرة لدى بعضهم بما يتيح لهم معرفة أو توقع ما سيحدث خلال الثواني اللاحقة التي تتلو وقوع الحدث الجديد أيضا. وقد وضعت الكثير من التفسيرات لهذه الظاهرة، ولكنها لم تتوصل إلى حقيقتها التكوينية الخفية، وهذا ما دفع بعض الذين مارسوها للاعتقاد بأن لديهم حاسة سادسة تمكنهم من إدراك المستقبل.

وهي سواء كانت ظاهرة من بين خفايا ظواهر العقل البشري، أم كانت بفعل الحاسة السادسة التي يمتلكها بعض الأشخاص، أم مجرد تخمين استنتاجي، لم تنجح في تغيير أنماط سلوك البشر الذين جبلوا على النزاع والتخاصم حتى مع استشعارهم بالخطر الداهم الذي يصبغ وجود الإنسانية المستقبلي بلون الرعب الأكبر، بل ودفعت بعضهم للإفادة من تلك الخبرات لتحقيق المكاسب الشخصية على حساب آلام الإنسانية، وهنا تكمن المأساة، مأساة أن يفرط الإنسان بكل تلك القوى التي من الممكن أن تحول حياته إلى نعيم وحقل مُرْبعِ لمجرد أن يحقق ربحا ماديا أو اعتباريا سرعان ما سيتبخر مع أول عصف قادم من المجهول.

وهي ليست نبوءة، بل مجرد استنتاج لحظة صفاء ذهني، يتيح فتح مغاليق العماء، وأقفال وسلاسل الخديعة ليجهر بالحب وسط ضجيج الحماقات، وما يهمنا من هذه الظاهرة والدراسات العديدة التي تجرى عليها ليست النتائج المتحققة فحسب بل ما هو أهم من ذلك، وأقصد به تمكن الإنسان من تهذيب قواه الخفية وتسخيرها لتخدمه وتخدم أبناء جنسه، المشكلة أن الإنسان نفسه يبدو متهاونا في نظرته لهذه القوى الجبارة، خذ على سبيل المثال علاقتنا بأثنين من أقرب الأجهزة إلى الإنسان المعاصر اليوم، أقصد بهما الحاسوب والهاتف الذكي ستجد أن الأعم الأغلب من العاملين عليهما بما فيهم بعض المتخصصين، كانوا ولا زالوا وسيبقون يجهلون الكثير من قدرات أجهزتهم، وأن المستقبل لن يكون كفيلا بحل هذا الإشكال؛ الذي سيتطور مع تطور الأجهزة ذاتها، أما الإنسان الذي خلق الحاسوب والهاتف الذكي فهو قوة خفية لا حدود لها، لها قدرات هائلة لا توجد أجهزة لقياسها، ولا يمكن قياس حجمها بأي معيار متداول أو متوقع ابتكاره مستقبلا، وهذه القوة الخفية تفوق بمرات عديدة ما لدى جميع حواسيب الدنيا وهواتفها، والهاتف الموجود في داخل هذه القوى الخفية يمكنه من صنع ما يتيح له لا رؤية الحاضر فحسب، بل واسترجاع رؤية الماضي واستشراف ورؤية المستقبل، وما وراءهما أيضا. لكن هل أن هذا متاح للجميع، أو محصورا في ذوي الأعمار التي حددها "بواراك"؟

إن علم المستقبل (Futurology) أو علم الدراسات المستقبلية (Futures studies)‏ علم يختص بدراسة الممكن والمحتمل حدوثه مستقبلا، ومع أنه لا زال احتماليا وليس يقينيا إلا أنه حقق نتائج باهرة في كثير من القضايا، ولاسيما بعد أن تطور خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وأجريت عليه الكثير من الدراسات الأكاديمية والتخصصية والعلمية، لا بشكل عام ولكن من خلال دراسة مواضيع محددة بمحتوى معين وفق جدول زمني والعمل من خلال استخدام منهج علمي، وأرى أن الإنسان الذي نجح من قبل في اجتياز أصعب الامتحانات سينجح اليوم أيضا في اجتياز الامتحان المعاصر، إذا ما آمن بقواه الخفية التي نجحت في توظيف الدراسات المستقبلية؛ التي تتنبأ من خلالها وبشكل متكرر بمستقبل مأساوي ومظلم للبشرية من صنع البشر أنفسهم، قد يعود فيه إلى عالم الكهوف والبدائية الذي فارقه منذ آلاف السنين، بعد أن يفقد الإنسان أسس التحضر، ويفقد معها كل ما بناه على مدى آلاف السنين نتيجة نزق حاكم أو حقد جماعة متطرفة أو وسواس شيطان عابث. والأشد إيلاما أننا نحن المسلمين والعرب لن نكون بمنجى مما سيحدث مع أننا لا ناقة لنا ولا جملا فيها، لكننا برضانا كنا المطايا التي حملت على عاتقها وبرضاها آلات الحرب والدمار، وسنكون أول ضحايا العصف، تماما مثل الدولفين المدرب الذي يربطون على ظهره المتفجرات ويبعثونه ليصطدم بغواصة عدوة أو باخرة أو فرقاطة للعدو فتتشظى حمولته ويتشظى معها، فتراه مندفعا نحو هدفه بكل همة ونشاط، وهو لا يدري ماذا سيحل به، المشكلة أن الدولفين حيوان بلا عقل والإنسان عقل خارج حدود الحيوانية فلماذا يسعى الإنسان ليكون دولفينا؟.

***

الدكتور صالح الطائي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5984 المصادف: 2023-01-23 06:19:15


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م