قضايا

حوار مع جاري الملحد.. الإله أم الطبيعة؟ (8)

بدأ جاري حواره هذا حول بنفي وجود إله في جميع الديانات – بحسب قوله – وبدأ بالقول: الذين يعبدون آلهة هم واهمون! فقاطعته - وأنا أمتلك معلومات عن هذا الموضوع ومنها مستقاة من كتاب والدي رحمه الله (الطبيعة في القرآن) وقبل ذلك عشرات الكتب التي قرأتها ومنها كتاب ( الله يتجلى في عصر العلم) في بدايات شبابي- بالقول: ومن خلق الأكوان بمجراتها وكواكبها ومنها الارض التي نعيش عليها بنظام غاية في الدقة والإنتظام؟

فقاطعني بالقول: إنها الطبيعة، تنظم ذلك، وعاد الى حوارٍ سابق معي، بالتأكيد على أن الانفجار الكوني العظيم هو من نتاجات الطبيعة التي أوجدت الأكوان جميعاً!

أجبته: سبق لي وأن أجبتك عن ذلك في حوارٍ سابق دار بيننا قبل عدة أشهر: " كيف لك أن تتصور بأن إنفجار كوني يخلق كواكب ومجرات تدور في فلك ونظام كوني غاية في الدقة وإنتظام وما هو حال عليه الأرض والشمس والقمر سوى أدلة قريبة على عقولنا وإدراكنا وحواسنا وهي جميعاً علامات تدل على وجود خالق عظيم ينظم عملها فاختلاف الليل والنهار وإنتظام درجات حرارة في أن لا تبلغ زيادة كبيرة فتصهر كل ما على الارض أو تنخفض الى درجات تجمد الارض ومن فيها وغير ذلك الكثير".

عاد جاري وكرر مرة أخرى رأياً قد طرحه لي في حوارٍ سابق، ولكنه ربما نتيجة لكبر سنه نسي انه لازال يكرره، عندما قال: " وُجدَت الأكوان وفقاً لقانون الصدفة، وهو ما توصل اليه أحد الفلاسفة صاحب نظرية (البرود اللامحدودة او المتناهية)، فإذا وفرنا لمجموعة من القردة عدة آلات كاتبة وتركناهم يضربون عليها بشكل عشوائي لمدة معينة فسينتج لدينا قصائد شبيهة بما تضمنته قصائد شكسبير من أحرف وكلمات وهو مماثل لما حصل في نشأة الكون".

أجبته: سبق وان أجبتك حول هذا الطرح من قبل، وهو اننا إمتلكنا روائع من أشعار شكسبير يمكن قراءتها والتمتع بكلماتها المليئة بالمشاعر الحساسة، ولكن ما أنتجه تطبيل القردة على الاَلات الحاسبة - حسب فرضية الصدفة التي تؤمن بها وتتبناها - لم ينتج سوى أحرف وكلمات متناثرة، ولو طُبقَ المثال على الكون لكانت مخرجاته عبارة عن دمار ونظام منفلت تتصادم فيه الكواكب وتحترق وتنطبق فيها السماوات السبع بعضها على بعض.

قال جاري متفاخراً: هل قرأت عن وحدة الوجود التي تبناها إثنان من كبار فلاسفة الغرب سبينوزا وهيغل؟ ثم أسترسل في شرح رأييهما باسهاب وأنا أستمع اليه دون مقاطعة لكي يفرغ ما في جعبته.

وما ان انتهى من كلامه حتى أجبته: وهل تعلم أن فلاسفة مسلمين وعرب مثل ابن عربي وابن الفارض وغيرهما قد تحدثوا عنها قبل علماء ومفكري الغرب ولكنها لم تصل اليكم لتّطلعوا عليها؟

وإسمح لي بالقول أن سبينوزا لم يكن ملحداً في طرحه لنظرية الوجود ليتمسك بالطبيعة وينكر وجود إله ولاسيما في كتابه الأخلاق - الذي لم أقرأه كاملاً للأسف ولكنني إطّلعت على خلاصات وتعليقات حوله - ولكنه أشار الى الإله في اطار فلسفي لم يفهمه كثيرون بسبب تعقيد طروحاته الفلسفية فبقي مدار خلافات كبيرة، فهو خلُصَ الى أن الكون له اصل واحد متناه في المطلق والله هو الوجود.

أما هيغل فهو قد ربط الطبيعة بالفلسفة والمنطق أكثر من الاشارة الى علاقتها بالاديان.

قال جاري: أبداً، كان هيغل واضحاً في الربط بين الدين والطبيعة فهو يقول بأن الدين حقيقة وكل حقيقة هي عقلانية، وبالنسبة الى الطبيعة، فقد وجد أنها جزء من فكرة مطلقة تتجلى في الانسان وديمومة المجتمع وهو أيضاً يؤمن بوحدة الوجود التي ذكرتها قبل قليل.

قلت لجاري: إنّ النقاش حول الطبيعة والدين قديم قدم الانسان مع انه تطور بمرور الزمن مع تطور الأفكار والعلوم والمعارف. خلاصة ما أستند اليه هو أن من لا يؤمن بوجود إله يرمي التبعة في خلق الكون على الطبيعة! في حين هو نفسه ينادي بتحكيم العقل والمنطق في كل جزئية يدور حولها جدال وخلاف، ولكنه هنا لا يرتضي بتحكيم العقل الذي يقول لا يوجد شيء في الكون بلا خالق. مثلأ ساعتك التي على هذه الطاولة، هل وجدت صدفة ؟ أم أن هنالك شخص إبتكرها وشركات طورتها في ما بعد ؟ إسمح لي أن أجيب نيابة عنك لأن السؤال بسيط جداً، بالتأكيد يوجد مبتكر ومطورين، فكيف بالأكوان المتناهية في العدد والحجم تعتقد أنها وُجدت بلا خالق؟!

يشير عدد كبير من المفكرين الغربيين - قبل المسلمين أو العرب- الى أن عصر التنوير قد إقترب من التوحيد بين الله وقوانين الطبيعة، ولعل إنتظام الطبيعة الذي كشفت عنه علوم نيوتن، يوثق اكتشافه بالألوهية، فالكون بكل دقته والطبيعة بكل جمالها، تؤكد وجود إله هو خالقها، يُسّيرها بقدرته ويحكم نظامها المتناهي في الدقة، أما الطبيعة فهي بيد الإله الذي يحكم السيطرة عليها ويدلل على وجوده بجمالها وبهائها.

ودعت جاري وعلامات عدم الرضا حول ما دار في حوارنا بادية على محياه، فهو لا يستسلم بسهولة، حتى ولو إقتنع بما أقول.

***

د. وليد كاصد الزيدي

باريس في 15 يونيو2017

في المثقف اليوم