قضايا

قاسم حسين صالح: في العراق المثقفون محبطون والمفكرون مغتربون

استطلاع وتحليل سيكوبولتك

ما سنقوله.. ليس رأيا شخصيا، بل نتيجة استطلاعين في فترتين زمنيتين متباعدتين، شارك في الأجابة عليهما أكاديميون ومثقفون ومفكرون وفنانون ورأي عام، الأول في (2018) والثاني في (2023).

استطلاع (25/ آذار/ 2018)

تضمن الأستطلاع تساؤلات عن حال المثقف ودوره في عملية التغيير، وما اذا كان المثقفون صنفا واحدا أم اصنافا.. اليكم نماذج من اجاباتهم:

* مثقف مساير للسطة لا يرى املا في اصلاحها وهو حلمان، ومثقف رافض للسلطة يرى ان لا جدوى من الانتخابات وهو غلطان، ومثقف يبحث عن تغيير في السلطة ولا يعرف اين يتجه وهو تيهان.

* ثلاثة اقسام: الامير الذي لم يبع قلمه للحاكمين، والاجير الذي باعه من اجل المصالح، والاسير الذي التزم الصمت.

* مثقف مساير مذعن، وآخر حالم مثالي، وثالث مثابر متاني، وآخر متردد انسحابي.

* مثقف ملتزم بالحقيقة منحاز لمجتمعه، ومثقف انتهازي انتقل من دور المعارضة في ساحة التحرير الى مكتب رئاسي.

* مثقف متمرد ثائر تعبوي صاحب مشروع (قلّة في العراق)، واكاديمي يعتبر نفسه مثقف وهو جاهل، ومثقف مطلّع ولكنه لا يحمل شهادة عليا.

* مثقف يواجه ثقافة دينية طائفية وهم قلة، ومثقف مساير للسلطة وهم كثرة، ومثقف يئس وهاجر.

استطلاع (25/مايس/2023)

بعد خمس سنوات على الأستطلاع الأول، اعدنا نفس التساؤلات.. اليكم نماذج من اجابات حرصنا ان تحمل افكارا مختلفة:

* عبد العزيز ججو: حسب رأي غرامشي فالاكثرية في المجتمع هم مثقفون لكن بثلاثة اصناف: التقليدي المهني مثل الموظف والمعلم، والثاني الذين يعرفون الأخطاء ويقبلون بها طمعا بعطاء من السلطة وهم الأغلبية في العراق من كتاب وفنانيين وآخرين، والثالث هم الذين يشخصّون الاخطاء ويعملون على تصحيحها ويدافعون عن التغيير نحو الأفضل.

* رعد ستار: المثقف العراقي الحقيقي غائب او مغيب في وسط هذا التزاحم والفوضى وقلة الوعي وانتشار الخرافة والتدين الزائف والجهل المدقع والتدليس والاميه بكل أنواعها .هناك مثقف اجتماعي يحمل هموم الناس ويسعى إلى تغير الواقع، واخر لا يهمه سوى منجزه الأدبي .أما الانتهازيون والمتكسبون فهم الفئه الأكبر الآن، وهولاء يلعقون ما ترميه لهم السلطه ويعتاشون على فتاتها.

* معن الحمداني: المثقف ليس أمامه الا الشارع وهو الان بيئة كبيرة للتجهيل والتسطيح الفكري، وذلك كون للسلطة أدوات ممتازة لفعل ذلك. المثقف العراقي صوت خافت وسط ضجيج هائل.

* د.علي: صنف ابن المؤسسات السياسية، وصنف غارق في العزلة، وصنف مهووس بوجع الوطن.

* طالب الزبيدي: الثقافة معرفة كل شيء عن الشيء ومعرفة الشيء عن كل شيء.المثقفون في وقتنا الحاضر قليلون جدا والسبب هو تغلب النزوات والغرائز على العقل بسبب ظروف الحرب وقساوة الحياة وتدمير عقل الانسان. المثقف هو الذي يعمل بكل الاتجاهات ويوازن بين التوافقات لحل لغز الحياة والحديث يطول يا دكتورنا الغالي .

* ريسان الركابي: الموجود منهم.. وعاظ السلاطين.

* أحمد العبيدي: المثقف العراقي انسان اولا، منهم النرجسي والموضوعي والذاتي والمتواضع والمتكبر .. وقد لا تغير ثقافته من طبعه.الكم الهائل من ثقافة العصر جعلت من الصعب على المثقف الحفاظ على موقعه، ولا اعتقد ان على المثقف ان يطلب من الآخرين جلد ذواتهم، وهو الأمر الذي يحدث لدينا ولا يحدث في العالم المتقدم الذي يعتبر المشاركة الثقافية فخرا لصاحبها.

* عامر محمد: الثقافة وعي واحساس بالحدث.. المثقف العراقي اليوم نتاج بيئة مجتمعية وسياسية متدنية، فاعتقد مثل هذه البيئة ستنتج عقلا ثقافيا يحاكيها.. لذلك امثالكم نتاج بيئة مستقرة كان فيها الحراك الثقافي والسياسي يستطيع الحركة.اليوم المثقف متعالي لاينزل للشارع وكأن الثقافة تقول له: تثقف لتعلو على الآخرين.المثقف لا زال بعيدا عن الناس والناس بعيدة عن المثقف، وحين يتحقق الاستقرار السياسي عند ذاك سيصل صوته والناس ستقترب منه، اما في ظل بيئة شائكة معقدة كالتي نشهدها فأن السعي وراء المال هو الهدف.وللاسف الكثير يحمل صفة المثقف لكنه لا يزال يفكر بعيون طائفية وما ان يمس طائفته (يعوج براطمه).خالص احترامي دكتور.

* يوسف حسين الهيازعي: مثقف عضوي، ومثقف لايسمعه الناس، ومثقف خامل.

* حمد عبدالرضا والي:المثقف الحقيقي ذو الكرامة والاحساس الوطني منزو (بامكاني أن أعطي اسماء ولكن أخشى أن أصحابها لا يوافقون).أما البقية فهم مثقفو الطموح.. أن يكون مستشارا في سوق بيع وشراء المثقف والثقافة والتجارة بها كما التجارة بالدين وهم كثر.

* حيدر عبد الخضر: والله دكتور هم تحولوا لفرق ومذاهب للاسف، والنادر منهم من يستحق كلمة مثقف.

* د . لطفي جميل محمد:ليس كل مثقف واع لكن ان كل واع مثقف . اذن من الضروري الفصل بين الوعي والثقافة.

* اثراء الجبوري: المثقف العراقي ثقافته تكون محدوده ويحب رأيه. والمثقف الواعي لازم يكون عنده مرونه برأيه ويسمع آراء الاخرين. والمثقفون اصناف.. مثقف ثقافة محدوده، متعلم وليس مثقف ويدعئ بانه مثقف ويعرف كل شي.. وهم الأكثر.

* وسام موسى: لا يوجد مثقفون في العراق، لان الثقافة تعني الوعي و الفكر و المحتوى المثمر، من يدعي الثقافة في هذا البلد اما ان يكون جزءا من ماكنة التجهيل او تراه صامتا.

* الاعلامي جعفر يونس العقاد:الثقافة العراقية الرصينة هي التي أرسى ركائزها ذلك الجيل الذهبي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ويعود الفضل لمثقفي الحزب الشيوعي الذين اسسوا مدارس في الشعر ظلت منهلا خصبا للباحثين عنها.الثقافة العراقية كانت مزدهرة في الستينيات بشكل رائع جدا في مجالات القصة والشعر والفن التشكيلي والنحت بحيث حتى دور الطباعة العربية أطلقت شعار حينها ان القاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرأ.. اين نحن الآن من ذالك العصر الذهبي يادكتور؟!

المفكرون في العراق.. مهمشون

في (27 /5/ 2023) نشر الدكتور صالح الطائي في صفحته بالفيسبوك: (عش وحيدا تعيش سعيدا) وصورته وحيدا!، فوجدت في ذلك مفارقتين:

الاولى: ان دكتور صالح .. اكاديمي مرموق وشخصية محبوبة، فما الذي دفعه الى ان يدعو (للعيش وحيدا ليعيش سعيدا) وهو الباحث في الفكر الأسلامي ايضا!؟.

والثانية: ان معظم التعليقات ارتاحت لهذه الدعوة (صدقت القول، فعلا .. .) وبين المعلقين مثقفون معرفون.

الأغتراب .. دالته السيكولوجية

تعكس هذه الدعوة (عش وحيدا لتعيش سعيدا) دلالة سيكولوجية هي ان المفكر والمثقف في العراق يعيشان حالة اغتراب.. نفسي اجتماعي.

وفي تحليلي، ان اوجع اسباب الأغتراب عند الدكتور صالح هو انه يشعر بالتهميش، وانه اراد ان يعّبر بعبارته تلك عن حال المفكرين والمثقفين الحقيقيين الذين ما عادت الدولة تهتم بهم ولا ترعى منجزاتهم الابداعية، فيما الأقل منهم شأنا يحتلون مراكز متقدمة بمؤسسات الدولة ويحظون بالامتيازات.. وان مهمتي بوصفي سيكولوجست.. ان اتحدث للمثقفين والمفكرين عن خطر الأغتراب عليهم.

حذار من.. الأغتراب

شغلت ظاهرة الأغتراب اهتمام الفلاسفة وعلماء النفس والأجتماع.. وكتب عنه مجلدات، نوجز خمسة مفاهيم لمفكرين كبار يختلفون ايديولوجيا:

• الأغتراب هو انفصال او تنافر ينشأ بين الفرد والبيئة الأجتماعية (هيجل).

• هو تلك الحالة التي لا يشعر فيها الانسان بأنه المالك الحقيقي لثرواته وطاقاته، وخضوعه لقوى خارجية لا تمت له بصلة (اريك فروم)

• الأغتراب عن الذات أمر ناجم عن ظروف الحياة المعاشة في عالم يتسم بالعبثية واللامعنى (سارتر)

• الحضارة هي مصدر الأغتراب مع ان الانسان هو الذي اسسها دفاعا عن ذاته ازاء عدوان الطبيعة فجاءت على نحو يتعارض وتحقيق أهدافه ورغباته (فرويد)

• الأغتراب ناجم عن انفصال الأنسان عن الطبيعة عن طريق العمل والأنتاج، ومع ازدياد قدرته في السيطرة عليها فأنه يواجه نفسه كشخص غريب محاطا باشياء هي من نتاج عمله ومع ذلك تتخطي حدود سيطرته وتكتسب قوة متزايدة (ماركس).

وكان روسو اول من استخدم تعبير (الغربة) حين رأى بعض النواب لا يمثلون الشعب، فوصف الهيأة النيابية بأنها أداة حكم وليس أداة للتعبير عن الأرادة العامة، وأن مجلس النواب (لا يمثلون الشعب ولا يمكن أن يمثلوه، وأن السيادة لا تمارس بالأنابة). وفي مؤلفاته (اللامنتمي، ما بعد اللامنتمي، سقوط الحضارة) توصل ممثل الوجودية الجديدة، كولن ولسن، من تحليله لأعمال كتّاب وفنانيين معروفين (ويلز، كامو، سارتر، فان كوخ، دستيوفسكي..) الى ان حالة الغربة التي عاشوها كانت بسبب وقوفهم ضد المجتمع ومن اجله.

من جانبنا نرى ان الاغتراب هو حصيلة تفاعل عدد من الاسباب نوجز اهمها بالآتي:

1. العجز: ويعني احساس الفرد بأنه لا يستطيع السيطرة على مصيره، لأنه يتقرر بعوامل خارجية اهمها انظمة المؤسسات الاجتماعية.

2. فقدان الهدفية: او فقدان المعنى.. ويعني الاحساس العام بفقدان الهدف في الحياة.

3. فقدان المعايير: ويعني نقص الاسهام في العوامل الاجتماعية المحددة للسلوك المشترك.

4. التنافر الحضاري: ويعني الاحساس بالانسلاخ عن القيم الاساسية للمجتمع.

5. العزلة الاجتماعية: وهي الاحساس بالوحدة والانسحاب من العلاقات الاجتماعية او الشعور بالنبذ.

6. الاغتراب النفسي:ويعد اصعب حالات الاغتراب، لأن الفرد فيه يشعر بانه اصبح بعيدا عن الاتصال بذاته.. غريبا عنها (أنا .. منو؟!).

وتحذيرنا للمثقفين والمفكرين الذين يشعرون بالأغتراب، انه اذا وصل أحدهم الى قناعة بأن الآخرين أو السلطة صارت مصدر شقاء له، فانه سيشعر بعدم وجود معنى للحياة، ويصاب بالأحباط فينعزل عن المجتمع والسلطة او ينقلب ضدهما. وحين يصل حد الشعور بأن ذاته أصبحت غريبة عليه، فأنه سيحقد عليها وينهيها، اما بموت بطيء بالأدمان على الخمور او بانتحار سريع، بطلقة. وتعرفون من أدمن وانهاها.. ومن انهاها بطلقة!

***

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

في المثقف اليوم