قراءة في كتاب

نبيل الربيعي: الحنين إلى نجمة وتمائم حميد سعيد

الشعر الحقيقي هو ما لا تستطيع أن تفصله عن صاحبه، ولو حللته في مختبر اللغة، وما يخرجه ويذيعه الأديب على الملأ يصبح ملك الجمهور، يحق لكل مفكر أن يقول كلمته فيه، ولا حسد ولا حقد ولا غيرة هناك. فإن أصاب الناقد أفاد، وإن أخطأ هزئ به الناس، وهل يكترث النقاد في الشعر البارع والنثر الممتع؟ هناك يتميز الأديب بكثرة منتقديه، فترك النقد عندهم منقصة وسُبّة.

اليوم أصبح النقد يسير عندنا وخاصة الخصوم منهم في الفكر والعقيدة؛ فتُختم المأساة بأكل اللحوم ونبش ما بين السطور! فمن هواة النقاد نقول لهم كونوا منصفين، فهل من نقاد للأدب لا يحابون كاتباً ولا يمالئون شاعراً، فلا يكيلون الثناء إلا لمن يعتقد بما يعتقدون من حزب وفكر وعقيدة، فليترك النقاد هذه الطلاسم التي يحتار بها قرّاءها، وتنفخ بالأدباء حتى يصبحوا كالقطن المنفوش. والبلية إنكَ إذا اصدرت كتاباً جديداً، وقلت كلمة في أحد المؤلفين والأدباء الجديرين بالكتابة عنهم تغامزوا جميعاً عليك وقالوا: حسداً، أو يواجهك البعض ممن يحمل روح الكراهية بذلك. وهكذا ينجوا المتلبسون والحساد بالجري.

3459 حسين نهابةمطلع الشهر الماضي أهداني الصديق الأديب حسين نهابة كتابه الموسوم (تمائم حميد سعيد) الصادر عن دار نينوى في دمشق عام 2018م، وبواقع (212) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الجميلة والغلاف الأجمل، والكتاب يذكر فيه الشاعر والناقد حسين نهابة سيرة الشاعر حميد سعيد، واستعراضاً نقدياً لإصدارات الشاعر مع بعض ما عُلن وخفي من سيرته الذاتية، بالارتكاز على المصادر المتوفرة وبعض المحادثات الهاتفية بين حسين نهابة والشاعر المغترب حميد سعيد.

ومطلع هذا الشهر أهداني الأديب الشاعر شكر حاجم الصالحي كتابه (حنين بابلي.. مختارات من ابداع الشاعر العراقي حميد سعيد)، الصادر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع والصادر لهذا العام 2022م، وبواقع (110) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الجميلة وتظهر صورة الشاعر بقلم فنان تشكيلي على غلاف الكتاب، والكتاب احتوى على قصيدة للشاعر الصالحي بحق الشاعر حميد سعيد، وسيرة ذاتية للشاعر، و(19) قصيدة للشاعر حميد سعيد، وكلمات محبة من الأدباء والفنانين: كامل حسن الدليمي، ومالك مسلماوي، إنصاف قلعجي (ناقدة أردنية)، والموسيقار علي عبد الله، محمد المحاويلي، غالب العميدي، عباس خليل العاني.

كما حمل لي الصديق الكاتب والأديب د. نصير الحسيني هدية الشاعر حميد سعيد في زيارته الأخير للأردن ديوانه الأخير (نجمة.. بعد حين)، الصادر هذا العام عن دار دجلة، وبواقع (102) صفحة من الحجم المتوسط، ويتضمن الديوان (18) قصيدة حديثة للشاعر، فضلاً عن كتاب آخر وهو دراسة نقدية للأديبة الأردنية إنصاف حسن خيرو قلعجي) تحت عنوان (تَطواف في حدائق الموريسكي عن الشاعر حميد سعيد)، الصادر عام 2021م عن دار هبة، وبواقع (97) صفحة من الحجم المتوسط.

وقفت عند هذه الكتب بين ديوان الشاعر حميد سعيد ونقد أدبي كُتب بحق قصائد الشاعر حميد سعيد؛ وقفة النابه والمتردد كوني باحثاً بعيد عن النقد والدراسة الأدبية، ولولا أن هناك عنواناً في قلبي ومكانة للشاعر والأصدقاء والإهداء لما قرأت تلك القصائد والنقد، وبرد قلبي. فالشاعر حميد سعيد لهُ مقاماً في نفسي وبين الشعراء والأدباء العراقيين والعرب، كمقامه فترة الصبا والشباب  بأرض مدينته الحلة المزيدية والعاصمة بغداد التي غادرها، وظللت أروح وأجيء حتى خفت أن يموت الوقت ولا أقول كلمتي، ولا سيما أن الكتب تتكاثر على رفوف مكتبتي، فأخذت تلك الهدايا الجميلة؛ فما كدت أمسك القلم حتى أقلتّه. لا أفكر بما أقول في تلك الهدايا القناديل، حتى تراءى لي شبح الشاعر حميد سعيد اللذيذ فأتمثل نظراته التائهة البريئة، فوقفت كالغريب في مفترق الطرق حائراً. وبقيت هكذا حتى قالت لي نفسي: ما تراه يكون لو ضحيت بوقتك اخلاصاً للشاعر واصدقائه؟ ثم ما قيمة العاطفة السامية وهي سكوت ونوم؟ ولماذا أهدى إليك الشاعر ديوانه والأصدقاء تلك الكتب؟ أليس لتقول كلمة فيها؟ فقهرت عاطفتي وألقيت قاربي في أمواجه، فعسى ألا أغضب الشاعر كما أغضب سواه من رفاق وأصدقاء.

حقاً إن ديوان حميد سعيد نجمة فيها كل شيء، وما أشبهه بليل امرئ القيس. حميد سعيد وشعره فيه فناً يثقّف بنيّات القرائح ويهذبها. ومشى القلم رويداً رويداً فأخذت اقرأ ديواناً أهداه إليّ، وقد خرج هذا الأثر من يده وصار ملكاً للأدب العربي، فعلينا أن نصدق صاحبه القول، كما نصدق النصيحة سواه، وشعره العتيد مستقيم له من الفن والشاعرية، فالشاعر لا يحيى بلا فن للقصيدة.

وسألت نفسي: أتعرفين يا هذه، بماذا يجرف حميد سعيد الشعراء اجمعين؟ فعيّت جواباً. فرحت اتساءل: أبالمواضيع؟ انها وحدها، لا تعمل شاعراً، فقد يكتب ناثراً أروع منها، أبالنظم؟ فهو يعترف أنه لا يصنع شعره بل يرسله كما خلقتني يا يا رب. فقد كتب الشعر منذ شبابه أيام عاش في مدينة الحلة، وعرف أغراض الشعر وأنواعه. وفي مرحلة مبكرة من قراءاته الأولى التي توزعت على ثلاثة مصادر، مكتبة المدرسة والمكتبة العامة في الحلة، وما كان يقتنيه خاله من كتب ومجلات، وخاصة مجلة الرسالة، وجد نفسه ميالاً إلى قراءة الشعر، ومن ثم في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي كانت له محاولات في كتابة القصيدة ومقطوعات من الشعر، نشرت بعضها في الصحف آنذاك.

الشعر موسيقى قبل كل شيء، والنثر خير منه وابقى، فليس للناقد أن يعرض الشاعر في اغراضه، بل أن ينظر فيها، فرأينا أن العناصر التي تتألف منها شخصية حميد سعيد في ديوانه (نجمة.. بعد حين) ليست جديدة، فهو لم يكتشف اقليماً جديداً ولكنه يوسّع وبتبسط في وصف أقاليم عرفناها فأتانا بشعرٍ صادق النسيج.

إن أكثر الذين حدثونا عن حميد سعيد وعن شاعريته لم ينظروا إلى فنه بل عبروا لنا عن تأثرهم بأغراضه. ينبئنا سعيد أنه يعنى بشعره، ولشعره لغة خاصة في الخلق والإبداع، وليس في الأغراض وفي المعاني فقط بل في التعابير التي تتغذى على حياتنا المعاصرة. ومن تلك القصائد: زهرة الكوجرات، خضراء، ذاكرة مشاكسة، من أيام الفقير إلى الله، رؤى بغداد، فرائض الأطلسي، ما يتذكره عن بستان عبد الله، ودعتنا الرياح المضيئة واستقبلتنا المراثي، نخلة الله، من حميد سعيد إلى سعدي يوسف، نجمةً بعد حين، رَقيمٌ مَوصلي، أطفال الماء، في انتظار فضة الصباح، البحر يفك أزرار قميصه، مآلات غجرية.

أجد مهمة الشعراء شاقة جداً، ولهذا لم أتعجب حين قرأت ما وصلني من ديوان الشاعر حميد سعيد، نحن في حاجة إلى اقلام لا تراعي في المنام خليلاً، وأول واجباتها تقدير الشعراء الكبار، كالشاعر حميد سعيد مثلاً، فهو المبدع مبنى ومعنى، والمدافع عن الأدب ضد الدجالين المغرورين، فشعره متدفق، والأفكار الصور فيه تتوالد باستمرار، ومحروسة بوحدة عضوية واحدة، ومنها قصيدته (زهرة الكوجرات)، جاء فيها:

أقول لسيدتي.. زهرة الكوجرات..

أهذا الذي لا يفارقني.. أنتِ؟

كنّا أقمنا معاً في الثواني

وفيها كتبنا معلّقةَ الريحِ..

يوم أعدنا إلى مدن العشق..

ما ضاع منها.

أما حبيبة الشاعر حميد سعيد العاصمة بغداد، ومعشوقته لا شيء سوى بغداد، يقول الشاعر في قصيدة (رؤى بغداد):

توقظه بغداد صباحاً..

يفتَحُ عينيهِ..

يَراها..

فَيُقَبلُ جبهتَها..

ويَشُمُ عَراَ جدائِلِها وقُرُنفُلَ ضحكتِها..

وأريجَ صِباها

سمَعُ وَقعَ خُطاها

في الروح.. من البابِ الشرقيِّ إلى الميدانْ

يا ما كانْ

أما قصائد الشاعر في ديوان (حنين بابلي)، من اختيار وتقديم الشاعر شكر حاجم الصالحي، فقد احتوى على قصيدة للصالحي تحت عنوان (قالوا..... وقلتُ!!) مهداة للشاعر المغترب حميد سعيد، جاء فيها:

مالكَ يا ابن الحلة قالوا:

أطلقت صهيل عتابك

في مضمار الورقِ

وأقمت طويلاً مندهشاً

ما بين شراك الظنِّ

وبين بيوض القلقِ

وأشار قليلُ الحظِّ.

أنّ سهامك طاشت

فأصبت محبيّك بوابلها.

من خلال القصيدة اعلاه أجد أن الشاعر شكر حاجم الصالحي قد أوفى عهده مع صديقه الأقرب إلى نفسه الشاعر حميد سعيد.

وجماع الكلام أن الناقد النزيه كالصقيل الماهر يبدو جوهر السيف تحت أنمله شيئاً فشيئاً، أو كالمرشد الأمين يجذبك إلى متحف مليء بعرائس الفنون، ويدلك عليها واحدة واحدة، ويشرح لك معاني جمالها. وما كان النقد الأدبي قد؛ منذ كان إلا معواناً على رقي الفنون، وشاعر لا يسمع غير التقريظ لا يبدع، والماء إن لم تصفّقه الرياح ركد وأسن.

لقد آمن طه حسين وقال: "إن إمارة الشعر ستكون في العراق بعد شوقي"، ويقول مارون عبود في كتابه (على المِحك): "لولا الشاعر لماتت الآلهة"، فالشعراء خالدون ومخلدون، لا نعني بالشاعر ذلك الصاف للكلمات، الغوّاص على درر الألفاظ، فمن يعجز عن التفكير والابداع يعتصم بالفصاحة الجوفاء، فالشاعر الجدير بالكتابة عنه يقول الشعر متى جاش صدره، وهذا إلا شاعر وجد نفسه. ومن خلال متابعتي لقصائد الشاعر حميد سعيد وجدته جدير بوصفه الشاعر الجياش للمشاعر والأحاسيس، فهو الشاعر الرقيق الذي عود أوتار شعره على أن يصفف ألفاظه ويصلحه ليخرج اللحن الذي يود.

إن مخيلة الشاعر المبدع كالراديو يلتقط حديث عوالم الأثير، وقريحته راديوم يشع نوراً خالداً، فعبثاً يحاول قرع باب الفن إن لم يكن في عونه قلب متقد وعين ثاقبة، وإن فعل فهو كالنادبة تُبكيّ ولا تبكي.

أما الشاعر والأديب حسين نهابة فقد اعطى الشاعر حميد سعيد حقه في كتابه النقدي (تمائم حميد سعيد)، فالكتاب دراسة نقدية وافية لقصائد الشاعر حميد سعيد. ومن خلال متابعتي للكتاب خرجت بنتيجة أن الشعر هو الحلم، حلم اليقظة الذي يتمتع بها شاعرنا حميد سعيد، ويمتلك عين ترى وقلب يشعر وإذن تسترق، وعقل يحلم، فهو الذي يصغي ليسمع صراخ نفسه من خلال قصائده، وقد وضحت من خلال قصائده قمة فن الشعر. حقاً أن في الكلام رقى وقد خلدته اسطر قصائده كلها، فشعره فيه فن وألفاظ جميلة، ومتعة الاطلاع على قصائده كمتعة مشاهدتي لشمس المغيب وألوانها، وقد خلدت قصائده عبقريته في اختيار الصور الفنية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5677 المصادف: 2022-03-22 02:19:31


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5928 المصادف: الاثنين 28 - 11 - 2022م