قراءة في كتاب

عن غرين وأشرعته القرمزية بترجمة نزار كنعان

ضياء نافعهذا كتاب مدهش بدءا من غلافه - (لوحة تشكيليّة حالمة وملوّنة بشكل ساطع)، وحجمه - (المتناسق والمنسجم تماما مع سمات عصرنا العاصف وايقاعاته السريعة)، ومضمونه - (الرومانسي الواقعي الخيالي الغريب بخليط متجانس رائق)، ولغته الروسيّة الجميلة الرقراقة، والتي حافظ عليها - بمهارة ودقّة – المترجم الدؤوب نزار محمود كنعان بلغتة العربيه الصافية، وقد أشار د. نزار في بداية هذا الكتاب الى شكره الجزيل للاديب علي احمد ناصر (... لجهوده الكبيرة في انجاز هذا العمل ...)، وهي اشارة رائعة تؤكد على الموقف النبيل للمترجم، الذي لا يمكن له الا ان يذكر دور اليد التي تمتد لمساندته، وهذا بحد ذاته تأكيد للقول الشهير في تراثنا عن (تواضع العلماء) طبعا، وكل ذلك كان واضحا - وبسطوع - على صفحات هذا الكتاب الرشيق والجميل شكلا ومضمونا، والذي جاء بعنوان – (ألكساندر غرين // الأشرعة القرمزية // ترجمة نزار محمود كنعان)، وهو كتاب صادر في موسكو عام 2020 ويقع في 142 صفحة من القطع المتوسط، الكتاب الذي أضافه د. نزار محمود كنعان الى سلسله كتبه المتميّزة العديدة، التي قدّمها لنا في الفترة الاخيرة، وأغنى بها المكتبة العربية في مجال الادب الروسي مثل كتابه الموسوعي الكبير – (أعلام الشعر الروسي)، او في مجال اختصاصه العلمي - آفاق علم الفلك المعاصر، مثل كتابه – (الطريق الى النجوم من أجنحة بن فرناس الى ملحمة فوياجير)، وغيرها من المؤلفات والمساهمات الثقافية الاخرى له.... .

الاشرعة القرمزية للكاتب الروسي الكساندر غرين، هو الكتاب الذي قال عنه باوستوفسكي – اذا مات غرين، ولم يترك لنا سوى واحدة من قصائده النثرية، واعني – (الاشرعة الحمراء)، فان هذا سيكون كافيا كي نعتبره واحدا من كوكبة عظماء الادباء الروس، ونحن نتفق مع رأي باوستوفسكي الموضوعي والدقيق هذا، وليس عبثا، ان (الاشرعة القرمزية) قد تحولت ومنذ الستينيات ولحد الان الى (عيد الاشرعة القرمزية)، الذي يحتفل به خريجو المدارس الثانوية بمدينة بطرسبورغ في اقرب يوم سبت لاطول ليلة بيضاء في تلك المدينة الرائعة الجمال، حيث تمخر سفينة باشرعة قرمزية نهر النيفا وترافقها مسيرة الالعاب النارية المتنوعة، وتستمر هذه الاحتفالات طوال الليلة البيضاء وحتى الصباح، ويشارك بها الملايين من الروس والاجانب، الا ان تسمية هذا المهرجان بعنوان رواية غرين قد تمّ عام 1968، بينما توفي الكاتب عام 1932، ولهذا، لا يوجد بتاتا اي ربط مباشر بين الكاتب غرين نفسه وبين هذا المهرجان، الا ان المنظمين الاوائل له استعاروا عنوان تلك الرواية القصيرة لغرين انطلاقا من جماليتها ورومانسيتها وانسجامها مع تلك الفعّالية،

ولا يعرف الادب الروسي ابدا تجربة تشبه هذا التقليد الشبابي الجميل في تاريخ روسيا، التقليد الذي يمكن لنا ان نقول – (خلقته !) واحدة من نتاجات غرين الابداعية، ولا مجال للحديث – في اطار مقالتنا – بتفصيل اوسع حول العلاقة المتبادلة بين هذا العيد غير الاعتيادي وبين رواية غرين القصيرة (الاشرعة القرمزية)، اذ ان هذه الظاهرة الجميلة تستحق مقالة تفصيلية باكملها .

ألكساندر غرين – مؤلف النتاجات الفلسفية السايكولوجية بعناصرها الخيالية الرمزية في تاريخ الادب الروسي، هو شبه مجهول وشبه معروف (في آن واحد!) للقراء العرب، اذ توجد بالعربية بعض الترجمات لبعض نتاجاته، بما فيها ترجمة اخرى للرواية القصيرة (الاشرعة القرمزية) نفسها، والتي يدور حولها حديثنا هنا بترجمة د. نزار محمود كنعان، الا ان القراء العرب لا يعرفون اهميّة الموقع الحقيقي لهذا الكاتب الروسي في مسيرة الادب الروسي وتاريخه عموما، الكاتب الذي عاش 37 سنة في الامبراطورية الروسية (من ميلاده 1880 الى ثورة اكتوبر 1917)، وعاش 15 سنة في الاتحاد السوفيتي (من 1917 الى وفاته عام 1932)، وامتاز عن جميع الادباء الروس قاطبة (وعبر كل تاريخ الادب الروسي) بعالمه الخيالي البحت تماما، والذي لا مثيل له في الادب الروسي، لدرجة، انه حتى بعض القراء الروس كانوا يظنون، ان نصوصه الادبية ليست روسيّة، وانما هي لكاتب اجنبي، وانها مترجمة الى اللغة الروسية ليس الا، بل وتم اطلاق تسمية خاصة للمكان الذي تجري به احداث نتاجاته الخيالية، التي لا يمكن ان تحدث على الارض الروسيّة لأنها تمثّل رومانسية جديدة بكل معنى الكلمة، وهذه التسمية هي – غرينلانديا (اي الارض المرتبطة باسم الكاتب غرين نفسه)، ولم يتفهم البعض اثناء حياة هذا الكاتب عمق تلك النتاجات وجماليتها غير الاعتيادية، وانه كان (المترجم بين العالم الواقعي والحلم الانساني) كما كتب مرة أحد الباحثين الروس المعاصرين، وباختصار، فان غرين هو – أديب المعجزة، التي يحلم الانسان دائما ان يحققها ولو في الخيال، رغم انه قال مرة بحدة معترضا على ذلك – روايتي رمزية وليس خيالية ...

ألكساندر غرين بانتظار الباحثين العرب، كي يقدموا ابداعه ومكانته الحقيقية للقراء العرب، وتحية للدكتور نزار محمود كنعان على مساهمته العلمية في تحقيق هذه الخطوة بكتابه هذا، اذ جاء الكتاب شاملا بمقدمته العميقة واسلوبه السلس الرقيق وصوره الملونة العديدة للفيلم السوفيتي (الاشرعة القرمزية) الذي انتجته موسكو عام 1961، وشاهده في حينها عشرون مليونا من المشاهدين ....

***

أ.د. ضياء نافع

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5810 المصادف: 2022-08-02 03:56:24


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5865 المصادف: الاثنين 26 - 09 - 2022م