قراءة في كتاب

سبتة وبليونش.. دراسة في التاريخ والحضارة للدكتور عدنان أجانة

محمد سعيد صمديوأنا أزمع السفر إلى الجزيرة الخضراء عبر مدينة طريف لبضعة أيام، كان الكتابُ الأقربُ إلى يدي من بين جملة من الإصدارات الجديدة كتابَ "سبتة وبليونش"، وفي سرعة البرق خطفته قبل أن يسرقني عنوان آخر، فجعلته أنيس الرحلة ومفيد الخلوة، خاصة إذا كانت الجلسات مقابلة لثغر سبتة السليبة وجبل المرأة الميتة (la mujer muerta) التي تكسو وتزين قمة قرية بليونش؛ عندئذ يلتئم الجسد بالروح؛ فعينُك على الحرف وواقع الحال والمأل، وفكرُك ومشاعرك مع حركة التاريخ ومجد العرب والمسلمين على واقع الضفتين...

المؤلف: لا أنكرُ أنني أحملُ لصاحب هذا العمل مكاناً في قلبي ومحبة صادقة ترسخت مع قِدَم العهد؛ فالمؤلف الدكتور عدنان أجانة ابن مدينة طنجة وأحد أعلامها، سليلُ أسرة علم وفضل ودين بطنجة، لغوي مدقق، وفقيه متمكن، وخطيبُ جمعة مفوه، وشاعر أديب، وباحث مشارك، وأستاذ مبرَّز، درَّس بمراكز تكوين الأساتذة بكلميم قبل أن يلتحق أستاذا جامعيا بكلية آداب تطوان متخصصا في الدرس النحوي والبلاغي والأدبي، بارك الله في علمه وصحته وعطائه...

الإصدار:  بعد عمل شاق ومتعب تشاء الأقدار أن يُنشر هذا الإصدار الجديد في زمن الوباء (ط1 ــ 2021) عن منشورات تطاون أسمير بمطبعة باب الحكمة التي أخرجته في حلة بهية ودفتي كتاب ضم 266 صفحة من الحجم الكبير والورق الأصفر الأنيق.

خطاب العنوان: "سبتة وبليونش: دراسة في التاريخ والحضارة "، اختار المؤلف هذا التركيب الذي استحضر مكونَي سبتة/ بليونش، وملحق الدراسة تاريخا وحضارة، وهو عنوان استوفى كل عناصر المتن ومحاوره الكبرى والأساسية. والجمع بين سبتة وبليونش ذكاء لغوي مقصود يُشعر القارئ أن التأريخَ ل"بليونش" قرينٌ بالتأريخ ل"سبتة"، وتخصيص "بليونش" بالتأليف والتصنيف لن يستقيمَ ويستوعبَ ويحقق الفائدة إلا بارتباط وثيق بالحاضنة الكبرى والمدينة العامرة"سبتة السليبة" التي يُعتبر ثغرُ "بليونش" ذيلاً وتكملةً لتخومها وحوزتها؛ فقد كان قاصد سبتة قديما من جهة طنجة لا يدخلها إلا إذا اجتاز واد المرسى والجزيرة المحتلة" تورة" ثم قطع "بليونش" التي وصلها عمران سبتة من الناحية الغربية.

فإذا كانت حاضرة تطوان عبر تاريخها قد وجدت في ساحل مارتيل متنفسا ومنتزها تكاد كل أسرة تطوانية قد حظت ببيت وحديقة بها، فإن قرية"بليونش" كانت هي أيضا متنفسا طبيعيا ومنتزها متاخما لحاضرة سبتة. وبناءً عليه يكون المؤلف قد أحسن وأجاد حين جمع في خطاب العنوان بين سبتة وبليونش مع أن التأليف ينصب أصلا على تاريخ قرية بليونش. ويكون بذلك المؤلف سباقا للتأريخ لهذه القرية وأعلامها ومنتزهاتها ومآثرها وأدوارها التاريخية والسند والمدد في مقاومة زحف المستعمر لها ولغيرها من الأحواز المتاخمة. كما أن هذا التأليف تأريخ وسِفرٌ مفيد لسبتة في فصل من فصول امتدادها الغربي بمنفذٍ مهم جرَّ إليها منافع ومواردَ لا تُعدُّ.

يقول المؤلف مفسرا وموضحا اختيار هذا العنوان:" ولا يخفى أن الحديث عن بليونش من بابة الحديث عن سبتة، إذ هي متنزهها الغربي المشهور في الآفاق الذي لا تُذكر إلا مقرونة معه، وكل من كتب عن سبتة، فإنه ذاكرٌ بليونش ومتحدثٌ عنها بلسان الإعجاب"[1]؛ ويضيف موضحا في مقطع آخر: "وبليونش تابعة لسبتة منذ القديم، وهي من أشهر منتزهاتها وقُراها، ترتبط بها ارتباطا وثيقا جغراقيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وتاريخيا. وإذا كانت المدائن قديما لا تُبنى إلا على ثلاثة أشياء: على الماء والكلأ والحطب[2]، فإن بليونش بعيونها وأنهارها وغابتها ومرعاها قد مثلت المورد الطبيعي الرئيس الذي كان يزود سبتة بالضروري من هذه المقومات."[3]

وعلى هذا الاعتبار والتأويل يكون هذا السِّفرُ البديعُ إضافةً نوعيةً وغنية للمكتبة المغربية والأندلسية؛ فالمصادر والتآليف عن تاريخ سبتة قديمة قدم هذا الثغر الأغر، ولن تتوقف الكتابة عنها لسبب أساسٍ، إنها مدينة استثنائية في وضع استثنائي؛ لا يمكن عدُّه  باعتبار الواقع القائم والتقادم، بل ثمة أمور في حياة الأمم وحقوقها لا تنتهي بها المآلات إلا بالعودة إلى الأصول والجذور والحقوق ...

ومن الجميل أيضا في هذا الإصدار أن صاحبه أسند تقديم الكتاب لباحث مؤرخ ابن المنطقة،   أستاذ  الدرس التراثي أسدى وما زال للدراسات الأندلسية والمغربية خدمة جليلة على عدة مستويات المشاركة: تأليفا وتحقيقا وتأطيرا وتدريسا، إنه الدكتور جعفر بن ىالحاج السلمي سليل البيت العلمي لآل ابن الحاج السلمي التطواني؛ يقول وهو يمهد القارئ لسبر أغوار هذا السِّفر ويشوقه للضفر بفوائده ودرره:"هذا كتاب غريب في بابه، في المغرب الأقصى، عزيز في مبناه ومعناه، ذلك أن الكتابة عندنا في تاريخ القرى منعدمة في القديم، قليلة نادرة في الحديث... وهو كتاب جامع الضروب من المعرفة التاريخية، تبتدئ بأخبار بليونش، وتنتهي بوصف عمرانها؛ وللأدب والشعر والتراجم فيه نصيب يُذكر ويُحمد..."[4]

بالفعل جمع المؤلف عدنان أجانة أشتات المتفرقات من الأخبار والمختارات من الأشعار وما اندرس من آثار العمران والمحلات والدور والجنان، ولا شك أنه أجهد نفسه في البحث والتنقير فيما مجموعه 156 أثرا بين كتاب مطبوع ومقال ومخطوط؛ وهو عمل شاق متعب مرهق، لأنه كمن ينحت في صخر، لولا قوة عزيمته وشغفه بالبحث وحبه لبيئته وتاريخها. لقد تتبع المؤلف أخبار سبتة مستقصيا منقبا عن أثر يذكر خبرا أو شاردة أو معلومة عن بليونش؛ فقد كانت هذه الأخيرة ــ عبر التاريخ ــ مرتبطة بأحوال سبتة ازدهارا ورفاهية واستقرارا أو عُسرا واضطرابا وحصارا؛ ومن ذلك ما دونه عنها في سياق حديثه عن بليونش زمن الحكم المرابطي بقوله:"وقد انعكس هذا الثراء على أهل المدينة فاتخذوا بليونش جنات وبساتين كانوا يخرجون إليها، وممن كانت لهم جنة في بليونش في هذا العصر (المرابطين) القاضي التاجر عبود بن سعيد، والقاضي عياض، والعلامة المحدث يحيى بن رزق الأندلسي، ومحمد بن أحمد السبتي وغيرهم"[5].

بنية الكتاب: تشكلت بنية هذا السِّفر من تقديم وتدبيج وقسمين مهمين؛ خُصص القسم الأول لتاريخ بليونش وأخبارها، وضم 115 صفحة، فيما خُصص القسم الثاني لمعالم بليونش وآثارها، وقد ضم 70 صفحة، وأثرى المؤلِّف خاتمته بملحقين فريدين: الأول وصف أدبي لبليونش وما قيل فيها من أشعار، والملحق الثاني توثيقٌ لصور ملونة نادرة لقرية بليونش وبعض بقايا آثارها (86 صورة).

تحقيق التسميةّ"بليونش":  ومن جميل البحث والتدقيق عند المؤلف وقوفه على سبب إطلاق هذا الاسم على هذه القرية ليصل إلى القول بأنها تسمية قديمة جدا لا علاقة لها باللسان العربي أو أنها مُحَوَّرة عن (ابن يونس) كما قد يُتوهم. والأرجح عنده أنها كلمة قشتالية Penones= الصخور، أو أنها معرَّبة من اللاتينية Vignobles= الكروم. وهذا التأويل أدركه وأثبته الحسن الوزان صاحب (وصف إفريقية) حينما زارها في القرن العاشر الهجري، حيث قال:" في ظاهر مدينة سبتة أملاك فخمة وديار في غاية الحسن لا سيما في مكان يدعى بنيونش لكثرة ما غرس فيه من كروم"[6].

بعض نفائس التأليف: وعلى هذا المنوال تتبع المؤلف عدنان أجانة أخبار بليونش واستقصاها منذ ما قبل الفتح الإسلامي إلى ما بعد احتلال سبتة سنة818هـ؛ ورغم هجوم البرتغاليين على قرية بليونش واحتلالها، إلا أن موقعها الجغرافي سمح بالإمداد والإسناد القتالي اللذين كانا يُسندان ظهرها من جهة قبيلة أنجرة، ومسالكها الوعرة التي استعصت على المحتل البرتغالي مما اضطره للفرار إلى سبتة تاركا بليونش لأهلها.

ومن نفائس هذا الكتاب المحتفى به، أن صاحبه نقل نقولات مهمة ونادرة وأحال على أصحابها ممن أرخوا أو تعرضوا لذكر هذا الثغر الشامخ، الأمر الذي يسَّر وسهَّل على الكثير من الباحثين المهتمين بتاريخ المنطقة الرجوع والاعتماد على المصادر الغميسة المنقول عنها، أو المراجع الحديثة التي وقف عليها الباحث أثناء التنقير والتنقيب.

ولاستبيان واستحضار الجهد المبذول في استقصاء أخبار بليونش وأدوارها التاريخية، تطرق - في معرض حديثه عن مآثرها وعمرانها - لمساجدها التي كان لها نصيب وافر في نشر العلم وحلقات الذكر، وأحصى منها أربعة مساجد بما فيها المسجد الجامع. ومن الفوئد والدرر التي يحظى بها قارئ الكتاب، قوله معلقا على خبرين -متعلقين بمسجد صغير بناه القاضي عياض - أوردهما لمحمد بن عياض ابن القاضي في كتابه الشهير "التعريف بالقاضي عياض" يقول الأستاذ عدنان أجانة:" ويستفاد من هذين الخبرين بأن هذا المسجد كان يرتاده طلبة العلم وخواص أصحاب القاضي عياض، وأنه كان له دكان إلى جهة البحر يجلس فيه القاضي وأنه كان تابعا لِجنته التي اتخذها في بليونش. ولا يُدرى بالتحديد موقع جنته، وإن كان الراجح أنها كانت بحومة الغروس. والظاهر أن هذا المسجد والجنة قد بقيا إلى زمان الأنصاري، ويرجح هذا أن دار القاضي عياض في سبتة بقيت معروفة عند الناس إلى القرن التاسع الهجري، وسكنها الخطيب..."[7]

وعلى هذا النَّفَس درج المؤلف في استقاء الأخبار وتوصيفها وتحليلها واستنتاج ما يمكن استنتاجه مما تبوح به بعضُ النتف من الأخبار والمتفرقات.

إلى جانب هذا انتقى المؤلف أيضا مختارات شعرية تحفظ وتوثق جمالية المكان وطيب المقام وأنس الأصحابِ والخلان:

بلوينش أسنى الأماكن رفعةً             وأجَـــلُّ أرض اللــهِ طُراًّ شانا

هو جنة الدنيا التي من حلَّها             نال الرضا والرَّوْحَ والريحانا

قالوا: القرود به؛ فقلت: فضيلةٌ        حيوانُها قد قـــارب الإنســانا[8].

ويقف القارئُ في هذا الجانب على باقة شعرية متميزة من أمثال هذه الأبيات المنتقاة، والتي تُسهم بطعمها الجمالي وبُعدها التصويري في تمثُّلِ صورة مثلى عن تاريخ البلدة وموقعها وأدوارها...

وأضحى في تقديري كتاب الأستاذ عدنان أجانة "سبتة وبليونش" مرجعا معتمدا من مراجع  تاريخ البوادي؛ ولمن يبحث أيضا ويدرس تاريخ سبتة وضواحيها وأعلامها بما تضمنه من تراجم أعلام المنطقة ومن زارها.

***

قراءة وتقديم د. محمد سعيد صمدي

.......................

[1]  ــ  سبتة وبليونس دراسة في التاريخ والحضارة: 9.

[2]  ــ نقلا عن ابن قتيبة في عيون الأخبار: 1ــ 313.

[3]  ــ سبتة وبليونش: 16.

[4]  ــ نفسه: 5.

[5]  ــ نفسه: 45.

[6]  ــ نفسه: 17 نقلا عن المصدر وصف إفريقية: 317.

[7]  ــ نفسه: 129 نقلا عن بلغة الأمنية لأبي بكر الحضرمي: 144.

[8] ــ نفسه: 107؛ نقلا عن ديوان لسان الدين ابن الخطيب1 ــ 102.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5837 المصادف: 2022-08-29 02:54:38


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5929 المصادف: الثلاثاء 29 - 11 - 2022م