قراءة في كتاب

القرآن وعلم الوجهة

عن دار الفكر المعاصر، صدر للباحث التونسي الدكتور ناجي بن الحاج الطاهر، كتاب بعنوان: "الإنسان والقرآن معالم علم الوجهة" في طبعته الأولى سنة 2021م، تأتي أهمية هذا الكتاب، بكونه ينتمي إلى حقل الدراسات القرآنية، وبكونه يشكل إضافة معرفية ومنهجية، يتجلى من خلالها أن التعاطي مع النص القرآني بشكل معرفي وفكري مباشر، بمعزل عن وساطة المدونات الفقهية والتفسيرية، تترتب عنه بسط الكثير من المفاهيم والتصورات والمقاربات... التي تنسجم مع السياق والمحيط الحضاري الذي نحن فيه اليوم.

التقابل بين الإنسان والقرآن، من خلال عنوان الكتاب يوحي بأكثر من معنى وبأكثر من سؤال، فالإنسان يقع في دائرة الفعل والمسؤولية وبشكل عام هو فاعل محوري في صناعة التاريخ، بينما القرآن رسالة موجهة إلى الإنسان، وهذا الأخير يتعاطى مع هذه الرسالة ويتفاعل معها بشتى الطرق، فالسؤال هنا كيف للإنسان أن يتعامل مع رسالة الوجود بما فيه رسالة القرآن، بشكل يعود بالنفع على الفعل الإنساني؟ الهدى بالتعبير القرآني.

وعندما نتحدث عن الفعل الإنساني هنا فهو فعل يقترن بالحرية والمسؤولية على الفعل وما يترتب عنه، فما يكسبه الانسان اليوم هو العلم/ التقنية، فبتعبير مارتن هايدجر(1889 – 1976) “العلم لا يفكر” "فعلى رغم وهم التحكم في الطبيعة وفي الإنسان، الذي ما تنفك التقنية تنشره، وعلى رغم وهم الضبط والعقلنة والتنظيم الذي ما يفتأ العلم يرسّخها، فإنهما (التقنية والعلم)، سرعان ما يدفعان الإنسان نحو تشكيل مدخرات هائلة من الطاقة تنفلت من كل عقلنة، ونحو نهَم الاستهلاك الذي لا تحدّه حدود، فيجران العقل إلى أن يعمل ضد كل تعقل، بل إنهما قد يعملان في النهاية ضد الإنسان ذاته."[12] فكل ما يصبح ممكنًا تقنيًّا لا يجب السماح به بالضرورة،[2] وإلا فسد حال الانسان وكوكب الأرض الذي هو عليه، وهذا ما تنادي به الكثير من المنظمات والهيئات الدولية اليوم، بهدف إنقاذ المصير المشترك للإنسانية،[3] فمن هنا تأتي الأهمية الكبرى لعلم "علم الوجهة" وهو علم في حاجة إلى كثير من الاهتمام والعناية، بكونه علم لا يحصر وجود الإنسان في دائرة الفعل، بقدر ما يبحث في وجهة الفعل، فوجهة الفعل الإنساني في مختلف المجالات ينبغي ألا تتصادم وألا تتعارض مع غائية ومقصديه الوجود. فإذا كان الانسان في دائرة الفعل فالقرآن تكمن فيه وجهة الفعل التي ينبغي أن يكون عليها. ففي هذا السياق يكون القرآن متجاوز للحظته التاريخية قال تعالى: " وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)"(الأعراف) قال تعالى: " ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)" (الروم)

الكتاب يغطي 500 صفحة، من ثلاث أبواب: الباب الأول بعنوان: الحركة داخل القرآن الكريم وخضوع الأمم والرسالات لها. والباب الثاني: ملامح رؤية القرآن الكونية في أول ما نزل من القرآن الكريم وكيف أوصلها القرآن إلى العالمين الباب الثالث: تطبيق المنهج لحل إشكاليات عالقة، هذه المحاور التي تضمها هذه الأبواب الثلاثة، وما تفرع عنها من موضوعات متعددة، كلها لا تخرج عن طبيعة العلاقة الجدلية والمعرفية بين ثلاث مكونات، الإنسان والكون والقرآن.

فالكاتب يدعو بأن يكون الفعل الحضاري عند الإنسان في حوار مستمر بين الكون من جهة والقرآن من جهة ثانية، بهدف فعل يتجه نحو وجهة القيم العليا المرتبطة بأسماء الله الحسنى، ودعوة الكاتب هنا جاءت مقيدة بكثير من الرؤى ووجهات النظر من خلال تحليله لكثير من آيات وسور القرآن الكريم، تحليلا  يستحضر فيه بشكل منهجي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون عليها المكونات الثلاث في علاقة بعضها ببعض (الإنسان والكون والقرآن)، ومن خلال التحليل تظهر جليا الإشكالات الحضارية والثقافية التي تنتج عن أي خلل منهجي بين هذه المكونات، وبالأخص عندما يتطرق لإشكالات الحضارة الحديثة، أو لإشكالات الحضارة الإسلامية، فالقارئ للكتاب سيقف عند قراءة وفهم للقرآن يحق لنا أن نصفه بالفهم الحضاري للقرآن، لأن صاحبه تمكن من استحضار رؤية كلية غنية بمداخل معرفية وفكرية تستحضر بسط أهمية ما هو قيمي وأخلاقي في الفعل الحضاري.

لا شك بأن هذا الكتاب ذو أهمية بالغة في مجال الدراسات القرآنية، خاصة تلك التي تدخل في حوار عميق مع القرآن، وتراهن بشكل كبير، على كشف مكنوناته، كما أنه يعد مدخلا لموضوع علم الوجهة.

***

د. صابر مولاي احمد

كاتب وباحث مغربي مختص في قضايا الفكر والدراسات القرآنية

......................

[1]  عبد السلام بن عبد العالي، موقع مجلة الفيصل، العلم، هل يفكّر؟ بتاريخ: 1/1/2021م،

https://www.alfaisalmag.com/?p=19874

[2]  نفسه

[4]  من بينها مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي لعام 2018 هو المؤتمر الرابع والعشرون للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي (COP24)، والمعروف أيضًا باسم مؤتمر كاتوفيتسه لتغير المناخ. عُقد بين 2 و15 ديسمبر 2018 في كاتوفيتسه، بولندا

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5876 المصادف: 2022-10-07 01:25:34


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م