قراءة في كتاب

فن السرد.. من سرد الوقائع التاريخية وتوثيقها إلى تخيل الأحداث التاريخية واستشرافها

من خلال كتاب "التخيل التاريخي السرد والامبراطورية، والتجربة الاستعمارية" لعبد الله ابراهيم

استهل الباحث عبدالله ابراهيم كتابه "التخيل التاريخي" بمقدمة موسومة ب "من الرواية التاريخية إلى التخيل التاريخي" واعتبر في المقدمة على أنه آن الأوان لكي يحل مصطلح "التخيل التاريخي محل مصطلح الرواية التاريخية، لأن هذا الإحلال بمنظور الباحث سوف يدفع بالكتابة السردية التاريخية إلى تخطي مشكلة الأنواع الأدبية، ويعرف التخيل التاريخي بالقول "ويمكن القول بأن التخيل التاريخي هو المادة التاريخية المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفية، وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية، فالتخيل التاريخي لا يحيل على حقائق الماضي، ولايقررها، ولايروج لها، إنما يستوحيها بوصفهاركائز مفسرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال، والتاريخ المدعم بالوقائع، لكنه تركيب ثالث مختلف عنهما"1. ويرى الباحث على أن التخيل التاريخي يقع في منطقة التخوم الفاصلة الواصلة بين التاريخي، والخيالي حيث ينشأ في منطقة حرة انصهرت مكوناتها بعضها في بعض، وكونت تشكيلا جديدا متنوع العناصر، ففهم الذات هوعملية تأويل، وتأويل الذات بدوره يجد في السرد واسطة  امتياز، والسرد بنظر الباحث يقتبس من التاريخ بقدرما يقتبس من القصص الخيالية، حيث يجعل من تاريخ حياة ما قصة خيالية، أو قصة تاريخية فالتاريخي يتقاطع مع السرد في إعادة تصويرالزمان، فيتحد تمثيل الماضي في التاريخ بالتنويعات الخيالية للسرد، وتتشكل منطقة التداخل فيما بينهما من "العمليات المتقاطعة لاضفاء الخيال على التاريخ، والتاريخ على القصص. ويفسر لنا الباحث الفرق بين تخييل المؤرخ وتخييل الروائي بالقول "فالمؤرخ  وإن خيل يظل متحركا في مجال المرجع، أما الروائي،  فإنه وإن رجع إلى الواقع ماضيا أو حاضرا يظل خطابه مندرجا في حقل التخييل . فالتاريخ يقدم نفسه على أنه انعكاس وصياغة لفظية لأحداث واقعة، أما الرواية فتقدم نفسهاعلى أنها إبداع وإنشاء لعالم محتمل"2. ويستشهد الباحث بتحديد الروائي واسيني الأعرج لكل من مجال التخيل ومجال التاريخ، حيث اعتبر التاريخ هو المادة المنجزة التي مر عليها زمن، يضمن حدود المسافة التأملية بينه وبين تلك المادة، أما المتخيل فهو المادة السردية المنجزة التي تنشأ من خلال العلاقة الخلاقة مع حدث ما، وتعطيه امتدادات كبيرة في الزمان والمكان وتخرجه من الوثوقية إلى النسبية زيدان،  كما استشهد بفهم جورجي زيدان لوظيفة الرواية التاريخية بالقول "لا يراد بالرواية التاريخية أداء وظيفة التاريخ الدقيق، كما يقول جورجي زيدان، إنما حمل المادة التاريخية على سياق يجتذب اهتمام القراء، فقد اعتبر نشر التاريخ بأسلوب الرواية أفضل وسيلة لترغيب الناس في مطالعته، والاستزادة منه "3.

 قسم الباحث  عبدالله ابراهيم كتابه "التخيل التاريخي" إلى ثمانية فصول. ونقف في الفصل الأول الذي وسمه بالامبراطورية والسرد والتاريخ عند العلاقة التي تجمع السرد بمفهوم الامبراطورية والتخيل التاريخي .حيث اعتبر على أن سائر الشخصيات الكبرى تحمل في أعماقها توترا بين قيم مجيدة مندثرة، وأخرى نفعية طارئة، ويرى الباحث بأن الروائيين يختارون شخصياتهم من بين الأعلام المشهورين، ليكونوا شهوداعلى تمثيل هذا التنازع المرير بين نسقين ثقافيين.وتبعه الفصل الثاني بعنوان "التهجين السردي وتمثيل الأحداث" وجاء الفصل الثالث بعنوان السرد والتاريخ واللاهوت" أما عنوان الفصل الرابع فهو" كتابة مقدسة وكتابة مدنسة وانشقاقات دينية "والفصل الخامس بعنوان "التخيل التاريخي وتفكيك الهوة الطبيعية" والفصل السادس بعنوان "التوثيق والتخيل التاريخي "والفصل السابع بعنوان "التخيل السردي والتمثيل الاستعماري للعالم" والفصل الثامن والأخير بعنوان "التجربة الاستعمارية والهوية المرتكبة "وضمن هذه الفصول تناول الباحث بالدراسة عددا من الروايات العربية التي يحتل فيها السرد التاريخي مكانة بارزة، ومنها روايات لأمين معلوف، وربيع جابر، وبنسالم حميش، ويوسف زيدان، وأهداف سويف، وبهاء طاهر، ورضوى عاشور، وطارق علي، وجرجي زيدان .وفي رواية" ليون الإفريقي" يرى الباحث بأن الأحداث انتظمت بما يمكن الاصطلاح عليه ب "البنية السردية الحولية "لأنها اعتمدت  الأحداث السنوية الدورية، وبها سمي كل فصل من فصولها التي جاءت في كتب أربعة غرناطة، وفاس، والقاهرة، وروما، وكشفت هذه البنية الحولية التطور الفكري العام للشخصية خلال أربعين عاما في رحلة حول البحر الابيض المتوسط، فانطلقت من غرناطة، وأكملت دورتهاحول البحر برحلة طويلة شبه متعرجة، انتهت بهافي روما، ثم تونس"4 ذلك أن المدونة السردية لأمين معلوف برأي الباحث قد شكل التخيل لبها، ومحورها بجعل سير تاريخية لمشاهير يطوفون العالم بحثاعن قضية أو دفاعاعن فكرة، وظهرلنا كيف كانت تنعقد أحداث التاريخ حول حبكة متخيلة، تضفي على تلك الأحداث معنى جديدا قد لا نعثر عليه في التواريخ المعتمدة، فمعلوف يمر بجوار تلك المادة ويستعيرمنها لكنه لا يجعل من مدونته السردية مصدرا موثوقا لها، وهذه المحاذاة الفاعلة تفتح أفقا لمزيد من المعاني الجديدة، والايحاءات الطريفة، والمقاصد الرمزية .وفي رواية أخرى وهي رواية "هذا الأندلسي "يرصد الباحث مرة أخرى مهارة التخيل التاريخي حيث جعلت الرواية من سيرة ارتحالية للمتصوف "ابن السبعين "موضوعا لهاعلى خلفية قضم الأندلس من طرف النصارى في القرن السابع الهجري، وفي رواية "ساق الغراب "للكاتب السعودي يحيى امقاسم وهي الرواية أقر الباحث بان هذه الرواية تسلط الضوء على فساد الأزمنة، في بحث عن الذات وعن عالم ملحمي. وفي رواية "خارطة الحب"لأهداف سويف نكتشف الجرح الاستعماري من تحيزات وقتل عنيف حيث خاضت الرواية في معمعة الواقع الاجتماعي والسياسي المصري في نهاية القرن العشرين، فعرضت لكثير من جوانبه وكشفت السمة العبثية في طرح الآراء، والعشوائية في صياغة الأفكار وفضحت الرؤية المبهمة للعالم، فكان أن اقترحت واقعا موازيا يعود لقرن مضى من أجل أن تجعله موضوعا لها .وفي رواية "واحة الغروب لبهاء طاهر يرى الباحث بأن الرواية بدأت برحلة نفي اتخذت شكل أبعاد مقصودة من القاهرة إلى واحة سيوة طفي غرب مصر، قررته الإدارة البريطانية الاستعمارية بحق الضابط المصري محمود عبدالظاهر، وهو اسم منتحل لشخصية حقيقية عاشت تجربة الأبعاد تدعى محمود عزمي، كما وردت الاشارة إلى ذلك في تنويه خاص خارج متن الرواية لأن الإدارة لم تر فيه شخصا مناسبا، يوافق سياستها، بعد أن أبدى تعاطفا مع حركة عرابي باشا ومقاومة الاحتلال الانجليزي، فاتخذت قرارها تخلصا منه ويرى الباحث على أن التخيل التاريخي في واحة الغروب بني برؤية لها صلة بالاستعمار، فارتسمت صورة سيئة للبدو فهم مصدر خطر داهم، على أن تلك الرؤية، رسمت أيضا صورة انتقاصية لأهالي الواحة الذين ظهروا غاطسين في أساطيرهم البدائية، مؤمنين بها، فكانوا يتعالجون بالطب الشعبي القديم . ويرى الباحث بأنه "غابت عن عالم السرد في هذه الرواية الرؤية الموضوعية التي تمنح الأهالي أية ميزة لشرعية السلوك والعلاقات والتقاليد واللغة وبدا وكأن حملات التأديب التي كانت ترسلها الحكومات المصرية مشروعة بحقهم ،فقد منح طبعهم المتمرد الدولة الحق بممارسة القوة في تأديبهم "5 . ويرى الباحث في نهاية دراسته لهذه الرواية بان المادة السردية اتكأت على المادة التاريخية، في إطارها الوصفي، العام وبعض وقائعها، لكن التخيل السردي صاغ حبكتها وأطلق العنان للشخصيات في الخروج على التاريخ ووقع الابتكار في الأفعال السردية التي لازمت الشخصيات داخل الواحة.ويخلص الكاتب في نهاية دراسته إلى أن الارشيف الاستعماري ظل محفوظا في صندوق عشرة عقود فيما وراء البحار، قبل أن تمتد إليه يد لتعيد بعثه، أو أنه استقر في مدونات جغرافية وأثرية عن واحة نائية، بعيدا عن الأنظار، فبقي خامل الذكر لا يعرفه أحد، فينبغي إعادة انتاجه على خلفية مغامرة شخصية، ينتظر الأرشيف حافزا ينقله من التاريخ إلى الحياة، وبذلك تتغير هويته النوعية، فينتقل من كونه تقريرا وصفياليصبح تخيلا تاريخيايشيح بوجهه عن مهمة توثيق الأحداث ولكنه يحوم حولها، ذلك مايمكن ملاحظته في روايتي "خارطة الحب وواحة الغروب".

***

عبد الرزاق اسطيطو

.........................

الهوامش:

1- د.عبدالله ابراهيم التخيل التاريخي السرد، والأمبراطورية، والتجربة الاستعمارية ط-1 –سنة 2011  المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت – لبنان-  ص5.

2 - نفس المصدر ص 9.

3-  نفس المصدر ص12

4 -  نفس المصدر ص 31

5- نفس المصدر ص 308 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5894 المصادف: 2022-10-25 00:47:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م