قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

جواد بشارةقراءة لكتابه الأخير: إستقراء ونقد الفكر الشيعي

الفكر الديني والإسلامي على وجه الخصوص بحاجة لمثقفين متخصصين يقومون بحفريات معرفية ومراجعات فكرية عميقة لتخليص الدين من براثن الخرافة والتحريف والمبالغة وهيمنة التفكير الشعبوي المليء بالشعوذات والأساطير والخرافات والدكتور فالح مهدي أحد هؤلاء المفكرين وهم نادرين، إذ تصدى قبل بضعة أعوام لموضوع خطير وحساس تحت عنوان " نقد العقل الدائري: الخضوع السني والإحباط الشيعي "وكان عميقاً وجريئاً في تناوله لموضوع التشيع في ذلك الكتاب الصادر سنة 2015. بيد أن المقاربة تلك مست الأسطح الظاهرة من عالم التشيع فكان لابد من مقاربة أخرى أعمق تغوص في أعماق الفكر الشيعي بعملية تنقيب آركيولوجية للوصول إلى منابع التشيع لفترة ما بعد اختفاء الإمام الثاني عشر ومرحلة السفراء الأربعة، وهي المرحلة التي أعيد فيها ترتيب المذهب الشيعي الذي كان يتهاوى سياسياً وجماهيرياً وكان لابد من عملية إنقاذ جراحية قيصرية لولادة جديدة حتى لو كان المذهب قد بني على الأساطير والأكاذيب والإدعاءات والنصوص الموضوعة. وقد قادت  منهجية الحفريات المعرفية وإعادة القراءة التاريخية بمنهجية تفكيكية، الباحث الدكتور فالح مهدي إلى تركيز اهتمامه على الكتب التأسيسية للفكر الشيعي المؤدلج ألا وهي " الكافي، ومن لايحضره الفقيه، وتهذيب الأحكام، والاستبصار" الأول للكليني، والثاني لإبن بابويه القمي، والثالث للشيخ الطوسي، والرابع للطوسي أيضاً وأربعتهم من بلاد فارس أي إيران المعاصرة. وكان تدخل إيران السافر والمباشر في شؤون العراق ودورها السلبي المؤذي وهيمنتها على مقدرات العراق واختطاف الدولة العراقية الحالية ، أي مابعد سقوط النظام السابق، هو الذي دفع المؤلف لكتابة هذا البحث القيم والخطير. فهناك دلائل واعترافات من قبل شخصيات مؤثرة في النظام الإيراني أعلنت بصراحة ووقاحة وصلافة أن العراق الحالي هو جزء من إيران وإنهم سيسترجعون أمجاد الإمبراطورية الساسانية. القناعة التي ترسخت لدى الكاتب هي أن التشيع المعاصر فارسي الهوية في جوهره وأداة بيد إيران للتسٌيد على العالم الشيعي في المنطقة" العراق وسوريا ولبنان والبحرين وجزء من السعودية وخاصة منطقة الطائف حيث يتواجد مخزون البترول السعودي، والكويت واليمن الخ"، وإن هناك هوة عميقة بين التشيع الأصلي، الذي وصفه الباحث بالبريء، أي تشيع القرن الأول الهجري بعد اغتيال علي إبن ابي طالب والتشيع الذي تشكل وأعيد بناؤه في القرن الرابع الهجري. لذا تطلب الأمر من الباحث العودة إلى الكوفة مهد التشيع في القرنين الأول والثاني بعد الهجرة ومقارنته بتشيع احتضنته بغداد العباسية في القرن الرابع الهجري، الذي تزامن مع بداية الانحطاط السياسي للخلافة العباسية .يقول الباحث في مقدمته لبحثه العميق أن القرن الرابع كان قرن المتنبي وأبو حيات التوحيدي وإخوان الصفا والقاضي عبد الجبار وعشرات المبدعين الآخرين، لكنه كان في نفس الوقت قرن الكليني والطوسي وإبن بابويه القمي والفردوسي صاحب ملحمة شاهنامة الشهيرة التي أعتبرت العرب هم المسؤولون عن سقوط الإمبراطورية الساسانية في القرن السابع . في ذلك الوقت نشأ كره العرب عند الفرس والرغبة في إذلالهم والانتقام منهم وما يزال هذا الحقد ونزعة الانتقام موجوداً إلى يومنا هذا.

لم يركز الباحث فالح مهدي كثيراً على العقيدة الشيعية والمسائل الفقهية التي تعتبر ركيزة النظام الأيديولوجي شيعياً بل صب اهتمامه على ما أسماه " الإنحراف" الذي حدث في الفكر الشيعي في القرن الرابع الهجري على يد الكليني كما اتضح في متون كتابه " الكافي" والكتب الثلاثة الأخرى المذكورة أعلاه. لم يكتف الدكتور فالح مهدي بقراءة نصوص هذه الكتب بل ذهب إلى ما وراء النص، أي قراءة " في عقدة النص، وكشف الأوهام وتورم الذات" على حد تعبيره. واستفاض بذلك في خاتمة الكتاب التي عنونها: الخروج من الجهل: ملاحظات نهائية في عقدة النقص". والمقصود بعقدة ثقافة قائمة على مخيلة مريضة وأوهام وأيديولوجيات تنزع إلى إقصاء الآخر وتبحث بشتى السبل للحط من شأنه والآخر هنا هو العرب بالطبع.

يلقي الباحث الضوء على محتوى كتاب صغير الحجم لعبد الله فياض عنوانه " تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة: منذ نشأة التشيع حتى مطلع القرن الرابع الهجري" أي قبل حدوث الانحراف الذي أشار إليه الباحث في مقدمته. وكان السيد محمد باقر الصدر قد كتب مقدمة طويلة لهذا الكتاب ادعى فيها أن الباحثين المحدثين أخطأوا في اعتبار التشيع بوصفه ظاهرة طارئة في المجتمع الإسلامي تكونت على مر الزمن نتيجة لأحداث وتطورات اجتماعية معينة هي التي صاغت التكوين الفكري والمذهبي للتشيع الذي اتسع بالتدريج"، ويعقب الباحث فالح مهدي على ذلك بالقول إن الظاهرة الشيعية لم تكن طارئة بل كانت نتيجة من نتائج التعقيد الحصاري والنزاعات من أجل السلطة والمال وإن نقد السيد الصدر لفكرة أن التشيع تكون على مر الزمن جانب الصواب لأن تشيع القرن الأول  والثاني الهجريين لا علاقة لهما بالتشيع الذي شيده الكليني أولاً وإبن بابويه القمي والشيخ الطوسي. فالسيد الصدر يعتقد وبكل يقين أن التشيع ولد منذ وفاة النبي محمد مباشرة على يد مسلمين خضعوا عملياً لأطروحة زعامة الإمام علي وقيادته وأحقيته بالخلافة والتي فرض النبي الابتداء بتنفيذها قبيل وفاته مباشرة بالضد من أطروحة السقيفة التي جمدت أطروحة زعامة الإمام علي وأحقيته وأهليته وإسناد السلطة إلى غيره. وحجة السيد الصدر هي استناده إلى وجود إثني عشر صحابياً أنكروا على أبي بكر فعلته وأخذه للخلافة كما جاء في كتاب " الاحتجاج" للطبرسي الصادر في القرن السادس الهجري. يتساءل الكاتب  فالح مهدي كيف لعلامة من مستوى محمد باقر الصدر أن يثق بقول رجل من أبناء القرن السادس الهجري ويعتبر رأيه مرجعياً أجمع عليه  المسلمون والحال أنه لايوجد إجماع فللشيعة إجماعهم وللسنة إجماعهم ، وليس هناك من مصدر محل شك وريبة كالإجماع كما قال  أحمد بن حنبل" من ادعى الإجماع فهو كاذب". يستنتج مؤلف الكتاب أن السيد محمد باقر الصدر ، ومن خلال تحليل مقدمته المذكورة أعلاه وكتاباته الأخرى، ما يزال يعيش ضمن ثقافة القرن الرابع الهجري ولم يخرج منها بل أثبت أنه إبنها البار والمخلص لأنه كان يدعوا إلى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق تشريعاتها حرفياً وبالتالي يعيدنا إلى المربع الأول ولو قيض لنظامه " ألأبوي" الديني الطابع على غرار صيغة الدولة الإسلامية  أو نظام الحكم في إيران ، حيث العنف والميليشيات وشذاذ الآفاق الذين سيحكمون باسم الدين والإسلام والتشيع، لاكتشف أن الدين والطائفية هما وسيلة الخميني وخامنئي وأتباعهم في إيران وخارجها لتسُيد إيران على المنطقة وفرض إرادتها. ويعتقد الكاتب أن دعوة محمد باقر الصدر العراقيين للالتفاف حول الخميني وثورته الإسلامية باعتباره المرجع الأعلى لكل الشيعة ومقارعة نظام البعث السابق يعني الوقوف إلى جانب إيران ضد بلده فالعراق ليس ملكاً لصدام ونظامه ولايحق لأحد التفريط بسيادته لصالح دولة أخرى حتى لو كانت من نفس المذهب. وبالتالي ليس العراق في نظره ونظر الإسلام السياسي الشيعي سوى إقليم أو إمارة لا أكثر تدور في فلك الجمهورية الإسلامية وهو موقف جميع التنظيمات السلفية الجهادية كالقاعدة وداعش وأمثالهما، الذين يؤمنون بشمولية الأمة الإسلامية ولايعترفون بوجود لدولة كالعراق. لم يحتج محمد باقر الصدر على إبادة وقمع الشيوعيين والقوميين والليبراليين والمستقلين والديموقراطيين المعارضين لنظام البعث، وبقي صامتاً لغاية التفات نظام صدام حسين للتيار السياسي الشيعي وهجمته على حزب الدعوة الذي أسسه الصدر نفسه فأعلن معارضته ووقوفه إلى جانب إيران بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية.3360 فالح مهدي

مما لا شك فيه أن بحث الدكتور فالح مهدي هو في جوهره محاولة حفرية، على ضوء علم الأنثروبولوجيا في أركيولوجيا الثقافة والرجوع إلى المصادر التي يستند إليها الشيعة الإثني عشرية لتقديم تصورهم عن الإسلام وما يحيط بهم، وعن أوهامهم ونرجسية من سمح لتلك الثقافة أن تنتشر وتنمو وتزدهر وتصبح حاضرة في سلوكيات الناس باعتبارها حقائق مطلقة.

بذل الباحث جهداً معرفياً كبيراً في شرح أهمية اللغة في الثقافة والفكر وعلاقة لغات بلاد وادي الرافدين، القديمة والحديثة، بما فيها العربية، باللغة الفارسية لمعرفة الروح السامية، نسبة للساميين، التي سادت في المنطقة، هو حيز مكاني يتصل بشبه الجزيرة العربية ويمتد إلى أفريقيا ويشمل بالطبع العراق والشام. البحث التمهيدي النظري طويل ومكثف في نفس الوقت لكنه يبعد القاري التواق للدخول مباشرة في صلب الموضوع الذي جسده العنوان، رغم أهمية المعرفة الموسوعية والأكاديمية التي تستدعي الغوص في جذور الكلمات والمصطلحات اللغوية عبر التاريخ فيما يتعلق بالساميين والفينيقيين والعبرانيين والعرب ، حيث تم اختراع الكتابة في هذه المنطقة من العالم قبل 3000 سنة من التقويم الميلادي المعاصر بفضل العبقرية السومرية وبعدها الأكدية والبابلية والآشورية ، كما  كانت هناك الحضارة الفرعونية المصرية ولغتها الهيروغليفية ، مقابل الضعف اللغوي الفارسي، حسب فرضية الباحث  فالح مهدي وهو لا يقلل من أهمية حكم الفرس للعراق طيلة أكثر من ألف عام وهو يقصد الأخمينيين والبارثيين ثم الساسانيين الذين استمر حكمهم لأكثر من أربعة قرون للعراق. لقد لاحظ الباحث ضمور الحياة، ولاسيما الثقافية خلال تلك الفترة الطويلة التي تجاوزن الألف عام من حكم الفرس للعراق، وهي السمة التي وصفها الباحث بفرسنة النظام طيلة تلك السنوات العجاف. مثلما ضمرت خلال أربعة قرون أخرى من الحكم العثماني للعراق.

من البديهي التفكير أن هناك علاقة بين اللغة والفكر والسؤال المطروح بهذا الصدد كما يقول الكاتب هو: هل اللغة وسيلة لنقل الأفكار أم إنها تساهم في خلقها؟ واستند في إجابته إلى عالم اللغة والفيلسوف الألماني وليام فون هيمبولد (1767-1835) الذي اعتبر نظام اللغات ككينونة عضوية مما قاد إلى اعتبار بنيوية اللغة هي من يحدد بنيوية الفكر، في حين اعتبر سابير وورف بأن العلاقة بين اللغة والفكر لايعتبر فرضية بل مبدأ من مباديء النسبية اللغوية التي تتضمن النسبية الوجودية. وإن اللغة ليست مجرد مجموعة علامات وإشارات اعتباطية أو إنها وجدت صدفة. فبدون لغة لا يمكن نقل الأفكار والمفاهيم من عقل إلى آخر ومن حيز إلى آخر ومن حضارة إلى أخرى كما قال إبن جني (322-392).

ثم استرسل الباحث في تبيان معنى اللغة فلسفياً ومعنى الفكر، فليس هناك فكر دون لغة والثقافة بمعناها الواسع تقوم بفضل تلك العلاقة المتشابكة بين اللغة والفكر. بينما أعتبر الفيلسوف برغسون أن اللغة مقبرة الفكر. والعكس هو الصحيح لأنه بفضل اللغتين المسمارية والهيروغليفية تمكن قدماء المصريين والعراقيين نقل ما يفكرون به وما توصلت إليه حضارتيهما إلى باقي الأقوام البشرية. ويعرج المؤلف إلى العلاقة بين اللغة الفارسية التي كانت مهيمنة واللغة العربية التي انتصرت عليها بعد الفتح الإسلامي لبلاد فارس حيث أحدثت العربية تغييرات جوهرية في صلب اللغة الفارسية ابتداءاً من نمط الكتابة المقتبس من العربية ومروراً بعدد هائل من المفردات والمصطلحات العربية التي تجذرت داخل اللغة الفارسية، وقدم إحصائيات معجمية بهذا الشأن. وبعد أن كانت فارس المعرٌبة، أصبح العراق مفرُساً، أو مايسميه المؤلف بــ " فرسنة العراق" على مدى ألف عام، ومن ثم بعد ذلك " عثمنة العراق" في عهد الهيمنة العثمانية على مدى أربعة قرون. لقد ورث الفرس الغزاة نمط بابل للري وبناء المدن وأنماط الحياة والقانون والتشريعات ولم يضيفوا الكثير من المنجزات ربما فقط تحسين القنوات المائية بحفر قنوات ثانوية تدعم القنوات الرئيسية التي حفرها السومريون والبابليون. ولقد شكل العراق مركز الإمبراطورية الساسانية. لذلك يحتل العراق أهمية كبرى استراتيجية بالنسبة لإيران في العصر الحالي. استغرق هذا التمهيد المعرفي والأكاديمي قرابة 80 صفحة قبل الدخول في صلب الموضوع في الفصل الثاني من الكتاب الذي جاء تحت عنوان: القرن الأول الهجري الكوفة كنموذج لبراءة التشيع. وهنا يعود الباحث إلى أهمية المكان الذي سبق له أن نظر بشأنه في كتابه نقد العقل الدائري، حيث تنشأ الأيديولوجية وتتطور حينما ترتكز إلى تاريخ وقصص وحكايات وأساطير متخيلة أو مختلقة، ولو تحرت الموضوعية والحقيقة لما استمرت في خداع ملاين الأبرياء. فالأيديولوجية حسب الكاتب فالح مهدي هي نظام الأفكار المتداخلة كالمعتقدات والأساطير التي تؤمن بها جماعة معينة وتعكس مصالحها واهتماماتها الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية وتبررها في نفس الوقت وهذا ينطبق تماماً على الأيديولوجية الشيعية.

وكأي باحث منصف وعلمي يبدأ الباحث في عرض بدايات التشيع المرتبطة بالمكان. والمكان هنا هو مدينة الكوفة التي أسماها عمر بن الخطاب " مخ العرب" والتي تأسست في عهده، وهي منشأ التشيع السياسي. بعد اندحار الجيش الساساني أمام المسلمين عام 17/638 أنشئت مدينة الكوفة كنقطة وصل بين المدينة، أي عاصمة الدولة الإسلامية الوليدة، وبقية الأمصار التي غزاها سعد إبن ابي وقاص ولقد كتب في ذلك الباحث التونسي هشام جعيط وكرس له كتاباً بعنوان " الكوفة: نشأة المدينة العربية الإسلامية" ونجم حيدر في كتابه " أصول الشيعة: الهوية والطقوس والفضاء المقدس في الكوفة في القرن الثامن" مع ندرة المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة. عدا بعض المصادر المتأخرة وأغلبها تعود لمستشرقين متخصصين قدموا رؤيتهم لهذا الموضوع بحيادية. كانت هناك توترات واحتدامات واختناقات وحساسيات بين من جاء مع الجيش الإسلامي الغازي من الوافدين الأوائل ممن أطلق عليهم تسمية الأشراف وهم رجال القبائل (الروافد) من جهة، وبين رؤساء القبائل الأصليين القاطنين في المنطقة، من جهة أخرى، حدث هذا في زمن عمر بن الخطاب. وتفاقم الأمر خاصة مع القبائل الموالين للسلطة في زمن عثمان ومن بعده الأمويين. كان عمر يغدق العطايا والامتيازات الاقتصادية على أساس السبق في الإسلام بينما حصر عثمان الامتيازات بعشيرته وحلفاؤها من الأمويين  والقبال الموالية لهم من العرب حيث تعارضت المصالح بين الوافدين الأوائل  والقبليين المحميين من السلطة ودعم الخليفة عثمان مما زاد من توتر الأوضاع إلى نطاقات خطيرة أدت إلى اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان على يد  الوافدين الأوائل وجلهم من المصريين ومعهم بعض الصحابة ومنهم محمد إبن ابي بكر وغيرهم، صاحب هذا الوضع وصول علي بن أبي طالب للخلافة الذي نقل مقر الخلافة من المدينة إلى الكوفة بيد أن النخب القبلية التي حضت بامتيازات من عثمان ومعاوية لم تكن متحمسة لخوض حروب مناصرة لعلي ضد معاوية . وفي القرن الثاني للهجرة كانت السلطة في الكوفة بيد رؤوساء العشائر الأثرياء والمدعومين من قبل سلطة الخلافة الأموية في الشام. بعد اغتيال علي بن أبي طالب انفض الجميع عن إبنه الحسن الذي تنازل عن الخلافة لصالح معاوية وأدى تفاقم الخلاف على مر السنين إلى مقتل أخوه الحسين في كربلاء بطريقة وحشية شنيعة. لم تكن قريش ترغب بعلي كخليفة وكذلك عدد كبير من الصحابة ومن بينهم طلحة والزبير ومعهم عائشة بنت أبي بكر زوجة النبي وثاروا عليه في البصرة. يحتاج الأمر إلى المزيد من الدراسات الاجتماعية السوسيولوجية والأنثروبولوجية للوقوف على حقيقة الأمر وفهم التوزيع السكاني في الكوفة وحيثيات مقتل الحسين ومن بعده بست سنوات المختار الثقفي. لم تكن الكوفة بيت الرحم الذي أنطلق منه التشيع فحسب، بل أصبحت رأس الحربة بمواجهة السلطة الأموية بثوبها المرواني، على حد تعبير الباحث د. فالح مهدي. إثر انهيار حركة المختار حدث تحول عميق في طبيعة المعارضة فأخذت طابع الإيمان والتقوى وضمت عدداً من الفرق والجماعات التي اجتمعت على معاداة الدولة الأموية والدعوة إلى السلطة العلوية. لم يكن كل من ناصر علي في حربه على معاوية من الشيعة الخلص، والجدير بالذكر كما ذكر الباحث أن الكوفة ارتبطت منذ نشأتها بالعمل العسكري وأصبحت صفة مرتبطة بها لمدة قرن من الزمن. وكانت من المدن المغضوب عليها في زمن عثمان وإبان العهد الأموي كله إذ أصبحت مهمة تهميشها مهمة جوهرية في العرف الأموي. ومع ذلك خرج منها كبار العلماء والفقهاء والكتاب وكانت الحياة في الكوفة تتعارض مع نمط الحياة البدوية. كانت الخلافة الإسلامية في المدينة تعتبر الكوفة، بل والعراق برمته، أرض السواد، بستان قريش كما جاء على لسان والي عثمان في الكوفة سعيد بن العاص، فرد عليه مالك الأشتر أحد قادة علي بن ابي طالب الذي اختاره والياً على مصر:" أتجعل مراكز رماحنا وما أفاه الله علينا بستان لك ولقومك؟" كانت تلك سياسة عثمان منذ أن تولى أمر الخلافة ولقد ذكر الباحث نصاً من كتاب الباحث العراقي والأستاذ الجامعي عبد العزيز الدوري " العصر العباس الأول بيروت مركز دراسات الوحدة العربية جاء فيه:" إن الإصلاحات التي جاء بها عمر بن الخطاب انتهت بموته فقد نقضها خلفه الذي تخجل الملائكة من أخلاقه. فقد كتب عثمان إلى عماله التالي:" أما بعد فإن عمر كان مغروراً ... فدعوا ما كنتم تعرفون في عهده، وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم جدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا". إذن وفي عهد أحد المبشرين بالجنة ممن تخجل الملائكة من شدة إعجابها بأخلاقه، بدأ الانقلاب الفعلي ولم يمض على موت عمر بن الخطاب سوى أيام. ونتيجة لبؤس ذلك الخليفة وضعفه وانحيازه لبني قومه وعشيرته دخل الإسلام في حرب مع ذاته ولم يخرج منها حتى هذه اللحظة، ولايزال المسلمون يدفعون ثمن سلوكه. هل هناك دين يدعو إلى العدل والحق والقائم على أمره أحد أصحاب محمد ومن المقربين إليه صهره وزوج لإبنتيه، وهو يأمر عماله أن يحلبوا الناس حلباً وألاٌ يكترثوا لوضعهم سواء بقوا أحياء أم أموات، رضوا أم أبوا، وأغلبهم من الموالي الفقراء العاملين في مجال المهن اليدوية كالزراعة والصناعة الخفيفة؟ كانت الكوفة من أكثر المدن تأثراً بالصراعات السياسية وقد ساهمت في مقتل عثمان ولم تتحول إلى مدينة شيعية إلا في فترات لاحقة. فالربع الجنوبي الشرقي لمدينة الكوفة كان تابعاً لبني تميم والربع الشمالي كان تابعاً لبني أسد في شمال المركز بينما وجدت مساجد صديقة في الشرق والجنوب وكذلك في الشمال الغربي. ما يعني أن المساجد قرب المركز تعتبر معادية للشيعة لأنها قريبة من الوالي الأموي والسلطة الأموية تبعاً للولاءات والانقسامات القبلية التي لعبت دوراً حتى في حرب صفين بين علي ومعاوية كما ذكر المؤلف استناداً إلى هشام جعيط. يؤكد الباحثون على " وجود مجموعة شيعية وجوداً عرضياً ارتبطت بالباقر والصادق" حسب الباحث حيدر نجم. ومعني عرضية أي طارئة فلم تكن هناك ملامح واضحة لمجتمع يمكن أن نطلق عليه " شيعي إمامي محض «حتى منتصف القرن الثاني الهجري بينما تذهب الباحثة والمستشرقة البريطانية باتريسيا كرون إلى إرجاع ظهور الشيعة الإمامية كمجموعة متميزة إلى فترة الإمام موسى الكاظم وحكم هارون الرشيد العباسي في نهاية القرن الثاني للهجرة".

في سنة 145 للهجرة، وبعد تأسيس بغداد في زمن الخليفة المنصور بدأت الكوفة تفقد أهميتها كمركز للإمارة العامة إذ أصبحت بغداد هي عاصمة الخلافة العباسية. ومن هنا بدأ الكاتب يبحث في اللبنات الأولى لنشوء الإمامية:" لقد اتسم المجتمع الإمامي في أوائل القرن الثاني الهجري بتوترات طبعت العلاقات بين الفصائل التي كانت تحمل رؤى مختلفة، بل متناقضة، حول نطاق العلم الذي وجب أن يتمتع به الإمام، وطبيعة علاقته بالذات الإلهية. إن حالة الإرباك العام الذي ولدته هذه الرؤى المختلفة أدى إلى تنامي أفكار الغلاة. أمام هذا المناخ العام، فلا عجب في أن يبذل إمام مثل الباقر وخاصة إبنه جعفر الصادق، جهوداً عظيمة للحد من تأثير غلاة الشيعة وأن يعمل هو نفسه على صياغة المباديء الخاصة بما سيصبح عليه لاحقاً الشيعة الإمامية". ثم شهدت الفترة بعد موت الصادق سلسلة من الانشقاقات تزامناً مع ظهور الإسماعيلية أو السبعية والناموسية سنة 148/765 والوقفية 184/800.  تجدر الإشارة إلى أن الغلاة ظهروا في زمن الإمام علي نفسه الذي تنكر لهم وحاربهم لأنهم ألصقوا به صفة الألوهية.

إن قيام أبي جعفر المنصور (95/158) ببناء بغداد أحدث تحولاً عظيماً في التاريخ الحضاري الإسلامي ويعتبر هذا الثعلب المؤسس الحقيقي للدولة العباسية وصاحب منهج في الحكم منفتح على الآخر، بل كان من أولويات مهامه الحد وإنهاء القوى التي تطمح بسلطته والتي ستصبح سلطة أحفاده من بعده فيما بعد، فقام بتصفية عمه عبد الله بن علي، وابي مسلم الخراساني، الذي كان الأخطر من بين كل أعدائه. وكان حذراً أشد الحذر من العلويين لكنه لم يقتل جعفر الصادق فهذا الأخير وحسب كل المصادر كان مسالماً ولا يدعو للثورة حتى في زمن الأمويين وتربطه علاقة صداقة بالمنصور. وهذا عكس ما يدعيه الشيعة الإماميون من أن المنصور قام بقتله عن طريق دس السم في غذائه. فجعفر الصادق ولد ومات في المدينة ولكن كان له الأثر العظيم في بناء المذهب الشيعي الذي سمي بإسمه " المذهب الجعفري" واتفق المؤرخون على حسن سلوكه ورفعة شأنه بل ويذكر عن أبي حنيفة تشرفه هو ومالك بن أنس في أن يكونوا من المعجبين به والدارسين على يديه. والحال إن الكليني قام برسم صورة مختلفة عن جعفر الصادق في القرن الرابع الهجري وهو المسؤول عن انحراف المسيرة الشيعية الذي وصفه الباحث بــ " الرجل الخطير الكليني ومن جاء بعده".

ركز جعفر الصادق جهده على مسائل الفقه والتشريع الإسلامي والتقوى بيد أن الكليني ومن جاء بعده عزو إلى الصادق تبحره في مسائل العلم الطبيعي. وعندما نمعن النظر في الإرث الذي تركه جعفر الصادق ومن قبله أبوه محمد الباقر، نجد آثار الهزيمة فهو لم يؤيد ولم يقف بجنب ثورة عمه زيد بن علي بن الحسين في حربه ضد الدولة الأموية. في حين ايدها أبو حنيفة الذي يكن له الكليني حقداً كبيراً. كانت الكوفة عاصمة الدولة العباسية الوليدة في باديء الأمر (750/766) ثم انتقلت عاصمة الدولة العباسية إلى بغداد التي بناها المنصور الدوانيقي(766/1258) نجد إن كافة النزاعات والصراعات والثورات لم تقف خلفها مبادئ سامية كما كانوا يدعون ، بل كانت تقف خلفها الرغبة في السيطرة والحكم، أي الأهداف السياسية الدنيوية المحضة.

أبو جعفر المنصور حارب بقسوة واغتال كل من أحس بخطره ولم يتوان مع العلويين لكنه لم يقتل جعفر الصادق لأنه كان على يقين من وداعة ذلك الرجل وبعده عن السياسة بل كان وصياً على تركته بعد مماته. من الناحية الموضوعية لا يمكن الاستناد إلى كتابات الشيعة نظراً لتغلب عناصر الإحباط والمبالغة والتهويل ، بل وحتى الكذب فيما ورد فيها. وهذا حكم قطعي يعرضه الباحث بخصوص الشيعة آنذاك وفيما بعد.

يقدم الباحث فالح عبد المهدي لوحة دقيقة وثرية عما آلت إليه أحوال الخلافة العباسية. فالقرن الرابع يمثل أرقى ما وصت إليه البشرية آنذاك حضارياً وعبر مدينة بغداد تحديداً. لكنه وفي نفس تلك اللحظات مثُل القرن الذي انحطت فيه الخلافة العباسية وازدهار الثقافة الإسلامية على نحو لم تعرف له هذه الحضارة سبيلاً قبل ذلك. يستند الباحث إلى مان نقله كبار المؤرخون عن المآل الذي آلت إليه الخلافة في بغداد. فقد انفرط كل من كان تحت هيمنة وحكم الدولة العباسية وأصبح مستقلاً في مملكته. فصارت الريُ وأصبهان والجبل في أيدي بني بويه، والموصل وديار ربيعة وديار بكر وديار مضر تحت حكم بني حمدان، وأصبح جنوب العراق (الأحواز وواسط والبصرة) من حصة البريديين، أما مصر والشام فوقعتا تحت هيمنة محمد بن طعج الأخشيدي، وكان المغرب وشمال افريقيا من حصة الفاطميين الذي سيطروا فيما بعد على مصر أيضاً، فيما كانت الأندلس ومنذ زمن المنصور من حصة الأمويين وأصبحت خراسان تحت هيمنة نصر بن أحمد الساماني. وأمام ذلك التفتت المرعب أصبحت اليمامة والبحرين تحت هيمنة أبي طاهر القرمطي الخ.." وكانت الحرب ين الأمين والمأمون ولدي هارون الرشيد من ضمن البدايات لذلك السقوط المدوي الذي تعددت أسبابه والدور الذي لعبه إبن حنبل والحنبلية في ذلك الانحطاط ، والمتوكل وتخلفه وهجومه على المعتزلة .ومن علامات ذلك الانحطاط كما ذكرها المستشرق آدم متز :" أما بغداد فهي التي قد تنكرت لها الأيام، و ذلك من عام 315/927، حين أرهبها العيارون، وعاثوا فيها فساداً ، وأعملوا فيها النهب لأول مرة، ثم صار أمرهم يتفاقم كلما ضعفت الحكومة وكانت أسوأ أيامها في السنوات التي أفلت فيها الزمام من يد الحكومة فيما بين مقتل بجكم ودخول بني بويه أي بين عامي 329/334 ". ومن المفارقة أنه في نفس هذا القرن أي الرابع الهجري، ظهر أبي حيان التوحيدي في بغداد ، وكان قرن إخوان الصفا في البصرة، وقرن المتمرد المتنبي، قرن بديع الزمان الهمذاني ومقاماته، وذلك يمثل قمة ما وصلت إليه الحضارة والحياة  فهو قرن النحو والمعاجم وأيضاً هو قرن القاضي عبد الجبار وقرن المعتزلة ورفعة مكانة العقل ، لكنه كذلك قرن الكليني الذي استطاع إعادة الحياة لذلك المذهب الذي كان في لحظة احتضار ، حسب تشخيص الباحث د. فالح مهدي الذي لم ينس الإشارة إلى عثمان الجاحظ العظيم والأديب المعتزلي الكبير المولود في منتصف القرن الثالث الهجري، كرمز لهذا التعقيد الحضاري ، وكذلك أبو حيان التوحيدي (310-414) أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء.

التشيع في القرن الرابع الهجري هو لب أطروحة الباحث فالح مهدي حيث يعتقد أنه القرن الذي أعاد الحياة للمذهب الشيعي الاثني عشري الذي كاد يضمر أو يموت بعد القرن الثاني الهجري. هناك اتباع ومريدون بلا شك يطبقون تعاليم جعفر الصادق وفقهه بدون أيديولوجية تعبوية ترسم معالم وجوده وتبين تمايزه عن المذاهب الأخرى ولقد تم هذا الإحياء على يد الكليني ومن تبعه. ففي بغداد تمت صياغة الأيديولوجيا الشيعية والسنية فهي مدينة الرشيد والمأمون ولكنها أيضاً مدينة المتوكل، مدينة المعتزلة ولكنها مدينة أحمد بن حنبل فهي مدينة الكتاب والشعراء والفلاسفة والعلماء لكنها مدينة الشطار والعيارين وفي هذه المدينة تمكن الكليني من حياكة أيديولوجية لهذا المذهب الذي دخل مرحلة سبات استغرقت قرنين. الكليني إبن بغداد في القرن الرابع الهجري تمكن من تجديد وإعادة الحيوية لمذهب كان يعاني من لحظة انحطاط كادت أن تؤدي إلى انقراضه. فقد توفي الإمام الحادي عشر دون أن يترك خلفه ولداً إذ كان عاقراً، لذا تم اللجوء إلى حيلة مفادها أن له ولداً صغيراً وإنه اختفى. في تلك اللحظات الحاسمة والمربكة وجد الكليني الذي كان فقيهاً كأول أيديولوجي في قائمة ضمت شخصيات أخرى من رجال الدين الشيعة الذين اتبعوه وساروا على طريقه. في القرن الرابع الهجري اكتمل البناء الأيديولوجي للشيعة في مرحلة الانحطاط السياسي العباسي الذي بدأ في القرن الثالث الهجري فالقرن الرابع هو القرن البويهي ذو الميول الشيعية.

لقد عانى الفكر الشيعي، بل الوجود الشيعي خلال فترة امتدت من منتصف القرن الثاني وحتى منتصف القرن الرابع، من علامات انحطاط واضحة وجلية اتسمت بالغموض والتشرذم وتمثلت بالأزمة المزدوجة لمفهوم الإمامة وظهور مفهوم البداء بعد وفاة إسماعيل إبان حياة أبيه، باعتباره الإمام المفترض  خلفاً لجعفر الصادق، واللجوء إلى تخريجة البداء، أي " أراد الله شيئاً وبدا له شيء آخر"، والمحاولات العديدة لإيجاد حلول ناجعة لنظرية الإمامة الإثني عشرية المعصومة. يقول المؤلف إن هذا القرن الرابع يمثل أوج التطور الفكري والأيديولوجي للمدرسة الإثني عشرية . ففي هذا القرن سيطر البويهيون ذوو التوجه الشيعي على مقاليد السلطة في بغداد مما ساهم في انتعاش المذهب الشيعي الذي لجأ إلى الكتمان إبان الفترة العباسية الأولى وطبق مبدأ التقية ووفاة الحسن العسكري بدون خلف حتى لو ادعى الشيعة خلاف ذلك وإنه كان له ولد صغير هو المهدي وفق اليقينية الشيعية، وكان اختفاؤه ضروري اضطرارياً خوفاً من نوايا السلطات العباسية لتصفيته، ولو كان الإمام يعلم بالغيب فلماذا لم يتوقع موته المفاجيء وأن يتولى طفل أمر الطائفة بعد وفاة والده ويكون إماماً كامل الأهلية. فبالرغم من التعقيد الحضاري العباسي وفرت بغداد مناخاً ساهم في منح الشيعة فرصة لتطوير أدواتهم وقدراتهم وأدبياتهم عبر الدراسة والتأمل والاستجابة لمتطلبات العصر فأنتجت بغداد نخبة من أهم المتكلمين والفقهاء الشيعة إلى جانب الكليني كالشيخ المفيد والشريف المرتضى  و الشريف الرضي  والطوسي  حيث تم تأسيس علم الكلام الشيعي وأدخلوا قدراً من العقلانية على مفهوم التشيع دون أن ينسوا دور الفقه في ذلك.

الكليني مؤسس التحريف:

كان من الممكن عنونة كتاب فالح مهدي استقراء ونقد الفكر الشيعي لدى الكليني" فهو يعود مراراً وتكراراً إلى الكليني الذي وصفه بالمريض نفسياً والمصاب بداء انفصام الشخصية والغامض والرجل النرجسي والمغرور والخبيث والمزور والكذاب، والدجال، باعتباره علامة فارقة عن أتباعه، لكنه يبدو مسخاً من خلال نقد وتفكيك وتفتيت الكاتب فالح مهدي لشخصيته ولمؤلفاته. فهو أولاً فارسي، ومدعي إذ يقول إنه قضى ثلاثون عاماً في تأليف كتاب الكافي، أو هذا مايردده أتباعه، وقد جمع في كتابه هذا الحديث النبوي الإثني عشري، أي من لسان أئمة المذهب الشيعي وأهل البيت، إضافة إلى أقوال ورسائل وأحلام منسوبة للأئمة الإثني عشر، وفقه وعلم الكلام. والحال أن كتابه هذا لم يحظ بأي اهتمام خارج دائرته الشيعية ولم يذكره إبن النديم في فهرسه ويصفه المستشرق مادولينك المتخصص في التاريخ الشيعي الإثني عشري في الانسكلوبيديا الإسلامية:" من المؤكد أن كتاب الكافي لم يكن له مرجعية كبيرة عند الطائفة الشيعية وقت صدوره، ولم يعتبر مصدراً من مصادر الفقه ذا قيمة". الذي أشاد به وعظم شأنه هم أتباعه وتلاميذه مثل الشيخ المفيد بينما تبنى الشريف المرتضى تلميذ الطوسي وأكبر مثقفي عصره في القرن الخامس الهجري، رأياً مخالفاً إذ وضع كتب الكليني من ضمن قائمة الكتب التي يجب عدم تداولها، متهماً إياه بفبركة أحاديث باطلة وبعيدة كل البعد عن الصحة إذا ما قورنت بمنطق العقل" ويستنتج الباحث من ذلك أن الكليني كان أحد الدجالين ممن يعج بهم الإسلام سنياً كان أم شيعياً. ويعتقد الشريف المرتضى أن الكليني يستمد مواقفه وآرائه من مدرسة قم التي تأخذ بمفهوم التجسيم الإلهي. وكان الشيخ الطوسي (ت 460/1068) هو الذي سلط الأضواء على كتاب الكليني الكافي في القرن الخامس الهجري. ويواصل الباحث فالح مهدي هجومه قائلاً:" ونظراً لأهمية هذا الرجل والدور الخبيث الذي لعبه سنقوم بتتبع ما كتبه هذا الرجل المريض". وبرأي الكاتب فإن كتاب الكافي لايحتاج لأكثر من سنة لتأليفه وليس ثلاثين عاماً كما يدعي أتباعه بهذا الادعاء الباطل وهذه هي الكذبة الأولى في تاريخ ذلك الكتاب. فنقد الفكر الشيعي يتمثل بنقد الأيديولوجية التي أتى بها هذا الرجل الخطير، ويعتقد بعض علماء الشيعة أنه تم عرض الكتاب على " القائم صاحب الزمان الإمام الثاني عشر المهدي" فاستحسنه وقال إنه " كاف لشيعتنا". ثم يغوص الباحث ليفند محتوى الكتاب بصبر وتفصيل دقيق، إذ أن فكرة عمودية سلطة الأئمة الإثني عشر وصعودهم إلى السماء وعصمتهم ومعرفتهم بالغيب وإتيانهم بالعجائب والمعجزات وتفوقهم من حيث النسب والعلم على كل الأنبياء عدا محمد، قد ورد في كتاب الكليني الكافي. لقد بنى الكليني ومن جاء من بعده الجزء الأعظم من رأسمالهم على أحاديث مقطوعة السند ومنسوبة في أغلبها للأئمة وخاصة الإمامين محمد الباقر و جعفر الصادق الذي نسب إليه حديث يقول:" نحن وشيعتنا من طينة خاصة" وهو حديث مشكوك في صحته ومبالغ فيه وفيه نفحة عنصرية. فلا يمكننا أن نفهم تلك الافتراءات والأكاذيب والمبالغات إلا بالرجوع إلى ثقافة القرن الرابع الهجري، ففي هذا القرن تمكن الكليني من هندسة الدائرة ( الإثني عشرية) وبنائها وتسويرها بأحاديث ورسائل وقصص وحكايات نسبت لآل البيت ومن ثم إلى الرسول لكي تكتمل حلقة الشرعية ، حسب استنتاج الباحث. فالكليني، والكلام للمؤلف، لم يتأثر بالزرادشتية، التي قامت ببناء أيديولوجيا على قدر كبير من العقلانية، بل قام ببناء نظام ودون وعي منه، قريب في بنيته من النظام الديني البابلي. هناك مردوخ زعيم الآلهة ومن حوله آلهة صغار. وعند الكليني هناك الله ومن حوله إثنا عشر إماماً صغيراً، معصومين من الخطأ، من طينة خاصة أرقى من كل الأنبياء عدا محمد (وهذا أمر بديهي فهم أحفاده) ويعلمون الغيب ولهم من العلم ما يفوق كل من سبقهم، بل إن الدنيا ستنتهي وتقوم القيامة بزعامة آخر أئمتهم القائم المهدي المنقذ، والذي سيكون من القوة والجبروت بأن يعلن الحرب على بني أمية ويسحقهم عن بكرة أبيهم، وهو من العظمة والرفعة بمكان حيث لا تسمح للسيد المسيح أن يقف جنبه بل خلفه". ثم يترجم الباحث مغزى ما ورد في كتاب الكليني الكافي:" باعتباره كتاب مؤسس" وعلى لسان الباقر وجعفر الصادق، على سبيل المثال، قريب من المفاهيم النازية التي أقامت صرحها على أسطورة تفوق " العنصر" الآري على كل الأجناس البشرية. وكلنا يعلم أن النازية كانت إحدى الحلقات الأكثر دموية التي أنتجها الحيز الدائري في القرن العشرين، هنا تتركز القداسة والرفعة في شخص الزعيم" الفوهرر".

وفي تأمله العميق في كتاب الكافي للكليني خصص الكاتب فصلاً تحت عنوان مثير " قمة الإبداع وقمة الخبث". قسم الكليني الكافي إلى خمسة عشر جزءاً. ليست هناك تسمية فصل إنما كل جزء هو كتاب قائم بذاته يحتوي على مادة أراد المؤلف معالجتها. وأطلق الكليني على كتابه الأول أو الجزء الأول من كتاب الكافي عنوان " كتاب العقل والجهل". نجد في الصفحة الأولى من كتاب العقل والجهل نقلاً عن ابي جعفر الصادق الحديث التالي:" لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: اقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولاأكملتك إلى في من أحب"...وهنا نجد العقل منُة من الرب لنخبة منتقاة من عباده. فالعقل ليس ملكة وقدرة ذهنية تنمو بيولوجياً وتتطور بفضل التجارب والخبرات والقراءة الخ.. بل هدية من " رب" الكليني إلى من يختاره ذلك الرب من عباده. وفي الكتاب الثاني أو الجزء الثاني من الكافي يذكر الباحث حديثاً ذكره الكليني على لسان أبي عبد الله جعفر الصادق:" إن الله خلقنا فأحسن خلقنا، وصورنا فأحسن تصويرنا وجعلنا عينة على عباده، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتى منه.. وبعبادتنا عُبد الله، ولولا نحن ما عُبد الله". ويعلق الباحث فالح مهدي بالقول إننا لا زلنا في المجلد الأول من الكافي وفي باب العلم، إنما لو قرأت كل المجلدات ستصاب بالغثيان. فهذا الرجل (ويقصد به الكليني) يتنفس ويأكل ويشرب ويكتب سماً ويتحدث بلغة متعالية. معظم الأحاديث التي أوردها الكليني عارية عن الصحة بدرجة ان الشريف المرتضى، وهو من كبار مثقفي وفقهاء القرن الرابع الهجري، أعتبره من غير الموثوق بهم. ويورد الكليني حديثاً منسوباً للصادق " قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد". فهل القرآن الموجود بين أيدي المسلمين باطل؟ ولا يعلم بما موجود في قرآن فاطمة الذي أدعى الكليني وجوده، إلا الراسخون في الأوهام.

من المعلوم إن المرجعية الدينية الشيعية منقسمة بين المدرسة الإخبارية والمدرسة الأصولية، ويعتبر الكليني زعيم المدرسة الإخبارية وبجدارة. وقد ضمت هذه المدرسة فيما بعد أسماء معروفة في الوسط الشيعي مثل إبن بابويه القمي والمطهر الحلي والاسترابادي ونعمة الله الجزائري ومحمد باقر المجلسي مؤلف كتاب بحار الأنور الذي لايقل كارثية عن كتاب الكافي. وقد ذكر محقق الكتاب في مقدمته " ومن أغرب أقواله القول بأن الكافي بأجمعه قد شاهده صاحب الزمان واستحسنه، وأن كل ما وقع فيه بلفظ «روي" فهو مروي عن صاحب الزمان مباشرة وبلا واسطة، وأن جميع أخباره حق واجب العمل بها"...وفي مقابل المدرسة الإخبارية تقف المدرسة الأصولية التي يطلق أتباعها لقب الحشوية على الإخباريين وإظهارهم في صورة المعادين للعقل والداعين إلى الجمود ورفض الاجتهاد. ومن ابرز أعلام المدرسة الأصولية المفيد، والطوسي،والشريف المرتضى، والخوئي، والخميني ، والسيستاني الخ.. وعندما نمعن النظر نجد إن الخلافات عميقة بين المدرستين نظرياً خاصة حيال الموقف من إدعاء تحريف القرآن فقد اختلف الإخباريون والأصوليون في هذه المسألة على قولين: فقال جل الإخباريين وعدد من علماء الأصوليين بوقوع التحريف في القرآن زيادة أو نقصاناً، ونفى جماهير الأصوليين وقوع التحريف ويرون سلامة القرآن من اية زيادة أو نقص. كما توجد خلافات بخصوص حجية الأحاديث النبوية فالشيعة لايكتفون بالأحاديث الصادرة عن النبي بل يضيفون إليها كل ما صدر عن الأئمة المعصومين وهم الأئمة الإثني عشر، كما توجد اختلافات بين الإخباريين والأصوليين تتعلق بموثوقية الحديث. ويقول خصوم الكليني أنه ابتدع مايقارب الــ 16 ألف حديث. وفي كتاب " الإيمان والكفر" من المجلد الثالث، يقرر الكليني من هو المؤمن ومن هو الكافر ومن هو المرتد فاعتبر كل أصحاب محمد ممن لم يقر بولاية علي بن ابي طالب مرتدين والحال، وكما نعلم فإن الردة في الإسلام تتطلب إقامة الحد والقتل وسفك دم المرتد. وهذا ما قام به محمد باقر المجلسي في كتابه " بحار الأنوار (110 مجلد) حيث تم الرجوع إلى القرن الأول الهجري وإخراج أبي بكر وعمر من قبريهما وإعادة الحياة لهما ومن ثم يقوم الإمام المعصوم بعد عودته الميمونة بجلدهما وحرق جثتيهما إنما دون نهاية فالعملية مستمرة وتتكرر، وهذه عينة من العقل الخرافي الذي ساقه وروجه هؤلاء الكتاب على شاكلة الكليني والمجلسي وأمثالهما. ولقد نوه المرجع الديني الشيعي المعاصر، المعترض على مرجعيته من قبل الكثير من المراجع ورجال الدين الشيعة، كمال الحيدري إلى أن ( ماورد في الكافي، كتبه الكليني بما يعتقده ولم يستند إلى مصدر) لم يأخذ من السفراء الأربعة المعاصرين لصاحب الزمان القائم المهدي ولم يرو عنهم أية رواية علماً بأنهم عاشوا في نفس الفترة الزمنية التي عاش فيها هذا الرجل. بل وحتى مرجع شهير مثل أبو القاسم الخوئي (1899-1992) صاحب " معجم رجال الحديث" قال إن روايات الكتب الأربعة " غير قطعية الصدور" لا سيما وأن في رواة الكتب الأربعة من هو معروف بالكذب والوضع"..والمقصود بالكتب الأربعة التي رسمت مسيرة التشيع بدءاً من القرن الرابع الهجري هي:" الكافي للكليني، ومن لايحضره الفقيه لإبن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق، وتهذيب الأحكام ، والاستبصار فيما أختلف من الأخبار للشيخ الطوسي المعروف بشيخ الطائفة. وعبارة غير قطعية لاتعني باطلة إنما يجوز الأخذ بها أو عدم الأخذ بها. بهذا اختتم الباحث فالح مهدي النصف الأول من كتابه الثري هذا وخصص النصف الثاني لعملية التنظير والتقويم تحت عنوان لافت «الخروج من الجهل.. ملاحظات نهائية في عقد النص، الأوهام والذات المتورمة". حيث احتوى على مجموعة من الملاحظات والانطباعات والتأملات والتفكير في صيرورة التشيع على حد تعبير المؤلف.

يبحر الباحث كعادته وبتفاصيل معرفية مدهشة في قلب الاستراتيجية الإيرانية من الناحية التاريخية والمجتمعية والسياسية والفقهية والمذهبية حيث لم تكن المنطقة التي نطلق عليها اليوم تسمية إيران، شيعية في توجهها وسلوكياتها ونمط العيش والتفكير فيها. كانت هناك واحة صغيرة للتشيع موجودة في قم التي بقيت زرادشتية واسلمت مع الأشاعرة ممن هرب من الكوفة في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي وتشيعت هناك إلا أن الصفويين لم يلجأوا إلى تلك البؤرة الشيعية الصغيرة عندما فكروا بتحويل إيران الشافعية إلى إيران الإثني عشرية فقد جاؤوا برجال دين شيعة من جبل عامل في لبنان ومن البحرين والعراق المجلسي الأب والد محمد باقر المجلسي صاحب" بحار الأنوار". وجال المؤلف في أروقة الحوزات والسياسة الإيرانية منذ العهد الصفوي وتحويل إيران إلى التشيع  إلى يوم الناس هذا وظهور مفهوم " ولاية الفقيه المطلقة" على يد الخميني كولي أمر المسلمين والمرشد الأعلى الذي يشرف على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية  ويقدم نفسه كنائب للإمام الغائب المنتظر فهو وكيله ونائبه وقائد الأمة في غيابه حتى ظهور وتسليم السلطة له.

أجمل ما في الكتاب نص جاء تحت عنوان " من هو الله؟" يقول الباحث فالح مهدي، حتى نفهم تسمية ّ ظل الله" سنحتاج إلى معرفة المسبب والخالق والموجود كي نتمكن من استيعاب عبارة " الظل". إن صعوبة التعريف تأتي من أن هذا المصطلح ينطوي على جوانب دينية ميتافيزيقية شديدة التنوع مما يؤدي إلى صعوبة التعريف. فالبعض يعتقد إن الله من العظمة مما يستعصي تعريفه، بل استحالة تعريفه بكلمات بشرية أو إنسانية. ولم تتردد الفلسفة عن أن تدلي بدلوها ومن زمن الإغريق في هذا الموضوع، وعندما نعود إلى حوارات أفلاطون في الجمهورية فسنجد مادة تستحق التأمل. ولم تتخل الفلسفة الحديثة عن موضوع الخلق بل تدخل العلم ايضاً في ذلك لاسيما الفيزياء وعلم اجتماع الأديان الخ..

ويواصل الباحث شرحه لهذا المفهوم يقول: " كل مايهمنا في هذا الحقل هو كيف عبر الإسلام الشيعي بصيغته الفارسية عن هذا الموضوع؟ كان القرآن واضحاً كل الوضوح في هذا الأمر فنجد في صورة الإخلاص " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" فهو لاتدركه الأبصار لأنه غير محدود وقد يعني ذلك من المستحيل إدراك جوهره. ومع ذلك لم يتردد القادة الصفويين والقاجاريين والبهلويين من اعتبار أنفسهم ظل الله، ولم يتورع رجال الدين وصف أنفسهم بآيات الله و " دام ظله الشريف" وهو نوع من تضخيم الذات والنرجسية وتجاوز عقدة الدونية. ويضرب أمثلة مستفيضة من علم النفس والمصابين بداء العظمة من ملوك وفنانين ومبدعين وشعراء ورجال دين. ولم يغفل الباحث عن أخذ مثال ساطع ومعبر عن عقدة النقص الفارسية وهو كتاب الشاهنامة للشاعر الفارسي أبا القاسم الفردوسي بغية فهم الانحراف الذي قاده الكليني ضمن الخلفية الثقافية التي أثرت على الرجلين الكليني والفردوسي. وتحوي الشاهنامة سيرة الملوك وأخبار ملوك فارس ومعاركهم وتاريخهم ورحلات صيدهم وسياساتهم حسب مؤلف الشاهنامة الذي ألف كتابه في 1010 أي بداية القرن الرابع الهجري وتتكون من 60 ألف بيت من الشعر وتروي أساطير وقصص ملحمية لاعلاقة لها بالتاريخ بل هي جزء من الذاكرة الجماعية، منذ بداية الخليقة حيث يختلق المؤلف حكايات بديلة عن عملية الخلق مغايرة لما ورد في سفر التكوين والعهد اليهودي القديم وينتهي هذا العمل مع انهيار الإمبراطورية الساسانية في القرن السابع من التقويم المعاصر. ويكرس الكاتب فالح مهدي صفحات طويلة للملاحم عبر التاريخ من جلجامش إلى اليوم. كما عرض الباحث صفحات طويلة تتحدث عن مغزى صور بعض الأئمة وشيوعها في الأوساط الشعبية الشيعية عن علي بن ابي طالب والحسين والعباس وسيف ذوالفقار وقصته الخرافية وخنجر أبي لؤلؤوة الذي اغتال به عمر بن الخطاب، الذي اعتبره العديد من الشيعة الرمز المطلق للشر، لأنه هو من انتصر على الإمبراطورية الساسانية لذلك خصص المجلسي حيزاً مهماً من كتابه بحار الأنوار لشتم عمر بن الخطاب واعتباره كافراً وخارج عن الإسلام ومرتد ومتسبب في وفاة فاطمة وفقدها لجنينها والسبب في ذلك هو اغتصابه للسلطة من علي بن أبي طالب.

يزخر الكتاب بكم هائل من المعلومات والمعارف وهو متخم بهذا الكم المعرفي الموسوعي التاريخي والفلسفي والديني والسياسي الذي لايمكن حصره وتلخيصه وقد صيغ بإتقان وكفاءة منقطعة النظير والخوض في مواضيع عن العلم والجهل والخرافة والعقل والعقيدة والإنسان والمنطق والحياة والموت والسياسة والتفرقة العنصرية وتاريخ الأديان والكفر والإيمان والجهل والمعرفة والجسد والروح. وبخصوص هذه الأخيرة تطرق الباحث إلى مفهوم الروح عند الكليني حيث سوئل أبا جعفر الصادق عن قول الله عز وجل ما معنى" روح منه" قال هي روح الله مخلوقة خلقها الله في آدم وعيسى وأضاف " سألت أبا عبد الله عن قوله تعالى ( ونفخت فيه من روحي) كيف يكون النفخ؟ فقال" إن الروح متحرك كالريح وإنما سمي روحاً لأنه أشتق أسمه من الرياح" والحال إنه لايوجد تعريف للروح في القرآن فعندما سؤل النبي عن الروح اكتفى بالقول " قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا". وهذا يقودنا كما يعتقد الباحث إلى أن المؤسسة الدينية الشيعية هي جزء من منظومة الجهل وعلى معرفة بآليات عمله وتتحكم فيه عن وعي مزيف وسوء نية فهي كباقي المؤسسات الدينية المسيحية واليهودية والسنية الإسلامية جزء لايتجزأ من عالم الجهل. بل هناك صناعة للجهل كما يقول الباحث تتبع روافدها عند الكليني والمجلسي والبخاري والسيستاني. ومن المفاصل المهمة في الجسد الفكري الشيعي سرديات الأحقية بالخلافة وتداعياتها على الكيان الإسلامي برمته ومذبحة الحسين وما أحاط بها من خرافات ومبالغات وحياكة مفهوم المظلومية الشيعية وشيوع روح الانتقام وفي نفس الوقت صياغة مفهوم المهدي المنتظر المنقذ والمنتقم في آخر الزمان وصناعة الأمل والانتظار الذي شكل العمود الفقري للمذهب الشيعي.

كان لابد للباحث فالح مهدي أن يتطرق وبشيء من الجرأة والصراحة لدور المرجعية الدينية التي اعتبرها معادية للشيعة في العراق والتوغل إلى دهاليزها المظلمة لأنه يعتبرها من المساهمين في دمار العراق الحالي وبحث في الآليات التي جعلتها بمثابة الآلة الجبارة أو الكائن الجبار الذي يقف ضد مصالح ووجود العراق ككيان ودولة  وأمة فهذه المؤسسة بنظر الكاتب تمثل رؤية القرون الوسطى بل العالم القديم .

وبالطبع فإن الكاتب على يقين أن هذه المؤسسة الدينية تأسست بعد غيبة الإمام الثاني عشر أي المهدي الذي ينتظر الشيعة رجوعه وقيامه، أي في القرن الرابع الهجري عام 329 القرن العاشر الميلادي. وكان الكليني هو الشخصية المحورية في تأسيس هذا الكيان تجنباً لإنهيار التشيع بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري. كما تناول ناقداً مؤلفات محمد باقر الصدر باعتباره أحد المراجع وأحد أشهر شخصيات المرجعية الشيعية وعلاقة هذا الأخير بالنظام السابق الذي أعدمه في بداية الثمانينات بتهمة الخيانة العظمى والتخابر مع العدو الإيراني والتآمر على النظام. ثم   عرج الباحث على تنافس المرجعيات بين النجف وقم وفضح طموحات النظام الإيراني بالسيطرة على كافة المرجعيات الشيعية وتكريس الهوية الإيرانية في امتدادات جغرافية داخل العالم الشيعي. واستغلال قدسية بنت الرسول فاطمة التي نسب لها الكليني قرآناً لا مثيل له. أكتفي بهذا القدر من عرض محتويات كتاب في غاية الثراء والذخيرة المعرفية فهذا الكتاب عبارة عن سفر إيبستمولوجي مذهل ورحلة في تشعبات الفكر والثقافة والتاريخ والمعرفة لابد من قراءته، رغم أننا قد لانتفق في كل ماجاء فيه. يفتقد الكتاب إلى تناول المسحة العرفانية والصوفية التي اتسم بها جانب من الفكر الشيعي الباطني ésotérique  وكرس لها الباحث الفرنسي من أصل إيراني محمد علي أمير معزي عدة كتب منها الدليل الإلهي في التشيع الأصلي: في منابع الباطنية في الإسلام، وأخيراً كتاب الإمام علي الظاهر والباطن أو علي السر المحفوظ الذي يقدم صورة مغايرة تماماً للإمام علي عما قدمه الكليني  ومراجع الشيعة، وكذلك الفكر الباطني عند الإسماعيليين الذي تحدث عنه المستشرق الفرنسي هنري كوربان .

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد علي3- تحليل الكتابين:

إن البحث الفلسفي في برنارد والخشت يمثل تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بهما فهو في نظرهما ليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية برنارد والخشت في الكتابين تتكشف عندما طرحوا لنا القضايا الفكرية والسياسية لفرقة الحشاشين، حيث رأينا أن غايتهما تجسدت في عدم تكرار للأفكار، وإنما تسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها في عرض فرقة الحشاشين

علاوة على أن كتابهما لا يعول على القصة السوداء التي نالت هذه الحركة بقدر ما يقفون عند حد البحث والمقارنة والوصف والتحليل والموازنة، مع اختلاف توجهات كل منهما ؛ فمثلا يقول الخشت:" لا يحسب أن أحدا من أهل التيارات المعارضة لهذه الحركة سيرفض الكتابة عنها على أساس أنها حركة سرية معارضة ينبغي لها أن تظل في طي الكتمان" (3) .

بينما نجد في كتاب برنارد لويس استعراض لتطوّر فرقة الحشّاشين في التاريخ ومعتقداتهم والأساطير التي تعلّقت بهم ووسائل انتقامهم من أعدائهم وخصومهم الذين يناصبونهم العداء. ثمّ الُعروّج على أهدافهم الدينيّة والسياسيّة ومغزى وجودهم في تاريخ الحركات الثوريّة في الحضارة العربيّة الإسلاميّة (4).

وهنا ننتقل إلى عرض وتحليل كتاب برنارد لويس، حيث يقع كتابه في 203 صفحة، حجم كبير، بغلاف جميل معبّر من تصميم مدبولي، وقد اشتمل على مقدمة وفصول ستّة هي: -الفصل الأوّل: اكتشاف الحشّاشين (5)، والفصل الثاني: الإسماعيلية (6)، والفصل الثالث: الدعوة الجديدة (7)، والفصل الرابع: الدعوة في فارس (8)، والفصل الخامس: شيخ الجبل (9)، والفصل السادس: الوسائل والغايات (10).

فمثلا في الفصل الأوّل ينطلق لويس من بحثه "اكتشاف الحشّاشين" بمحاولة تحديد معنى دقيق لمصطلح الحشّاشين بعد ظهوره في اللغات الأوروبيّة وشيوع استعماله، إذ يجده مُستعملا عند المؤرّخ الإيطالي جيوفاني فيلاّني(ت1348) في سياق حديثه عن حاكم لوركا الذي "أرسل حشّاشيه إلى بيزا لقتل أحد أعدائه". في حين يشير دانتي في "الكوميديا الإلهيّة" ضمن النشيد التاسع من الجحيم إلى الحشاّش الخائن (Le Perfido Assassino) ويفسّر فرانشسكو دابوتي شارح دانتي في القرن الرابع عشر هذا المعنى قائلا:" الحشّاش هو الذي يقتل الآخرين مقابل أجر"  (11).

أمّا الفصل الثاني وهو بعنوان "الإسماعيليّة"، فقد أفرده برنارد لويس لتتبّع تشكّل طائفة الإسماعيليّة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأساسا تحوّلها من حزب إلى فرقة بعد حادثتي كربلاء وثورة محمد بن الحنفيّة التي تُعرف عند الشيعة بحادثة اختفاء الإمام "المهدي" والتبشير بعودته مستقبلا ليملأ الأرض عدلا ورحمة بعد امتلائها ظلما وجورا. وقد ركّز لويس على البرنامج السياسيّ لهذه الفرقة الذي يقوم على الإطاحة بالنظام القائم وتنصيب الإمام المختار وإقامة العدل والمساواة والرخاء منتبها إلى أهميّة قيادة هذه الدعوة من قبل من يدّعون القرابة من النبيّ ومن نسل عليّ وفاطمة تحديدا، وهي قرابة ستكون لها استتباعاتها في تحديد العلاقات مع فرق تعدّ من غلاة الشيعة، وقد نشطت خاصّة في جنوب العراق وشواطئ الخليج الفارسيّ ذلك أنّها سرعان ما هزمت مع بداية النصف الثاني من القرن الثامن ميلاديّ، فاضمحلّت وتركت مكانها لأئمّة من الشيعة أقوياء ولهم تصميم ذهنيّ للسيطرة على العالم الإسلاميّ. وقد أقاموا في أماكن بعيدة عن المراكز السياسيّة وأسّسوا ما يمكن اعتباره معارضة قانونيّة للخلفاء الذين يتولون السلطة (12).

أمّا الفصل الثالث وهو بعنوان "الدعوة الجديدة "، فقد أفرده برنارد لويس للحديث عن حسن الصباح، مؤسس الطائفة،والذي ولد في عام 410 هجرية، 1015 ميلادية، في مدينة "الري" بإيران، وإن كان البعض يعتقد أنه ولد في مدينة "قم"، ثم إنتقل إلى "الري ومنهجه في الاغتيالات .. ووعد أتباعه الفدائيين بالجنة في مقابل الطاعة العمياء .. ثم كيف أخذ يدعو بإمامة الخليفة الفاطمي "نزار"، متعاوناً في ذلك مع داعي الدعاة "عبدالملك بن عطاش" وابنه "أحمد، والذي كان أحد كبار الدعاة الإسماعيليين، إلي أن قُتل الوزير الأفضل بدر الدين الجمالي يد علي يد الخليفة "المستعلي" (13).

وفي الفصل الرابع وهو بعنوان " الدعوة في فارس" وفيه حاول برنارد أن يبرز لنا أنه بموت جلال الدين عاد الحشاشين إلي سابق عهدهم، فقد تولي إبنه علاء الدين محمود، وكان عمره لم يتجاوز التاسعة، لذا كان لوزير أبيه دورًا في السيطرة علية، فأعاد كل شيء إلي سابق عهده، فعاد الإلحاد والعربدة وانتشر الإرهاب، فقد شهِد عهده الكثير من الاغتيالات الجريئة ضد أعداء الإسماعيليين، إلي أن توفي سنة 1255 ميلادية، ليخلفه ابنه ركن الدين، والذي لُقب بشمس الشموس، ورغم أنه لم يحكم سوي 3 سنوات، إلا أن النهاية كانت علي يديه، فقد دخل في صراع مع التتار "المغول"، الذين سيطروا علي المنطقة كلها، وبعد أسر ركن الدين توفي أثناء اقتياده بصحبة ابنه وابن أخيه إلي هولاكو وتم دفنه بجوار نهر جيحون، ليودع الاَئمة الاسماعيليين بلاد آلموت لتستقر في أذربيجان بعد أن دام حكمهم فيها ما يقارب 214 عام (14).

في الفصل الخامس من الكتاب، يفصّل لويس برنارد شخصيّة "شيخ الجبل" الغامضة، والتي أخذت خصائصها من حسن الصباح وما عرف عنه من قوّة وذكاء ودهاء. والثابت أنّ ولاء الحشّاشين لشيخ الجبل والتزامهم الكامل بتعاليمه وقدرتهم على تنفيذ الاغتيالات والضرب بيد من حديد، حيثما حلواّ هو سرّ خوف الناس منهم في إيران وسوريا والعراق. وقد واجه الحشّاشون الجميع، فحاربوا الصليبين والفاطميين من الخطّ الموالي للنزاريين ووجّهوا حرابهم لأهل السنّة، فكانوا أعداء الجميع. وقد حاولوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي الذي برز نجمه في الدولة الزنكيّة، بينما كان يُحاصر حلب أكثر من مرّة ولكنّهم فشلوا. لذلك جاءت نهايتهم بعد عداء الجميع لهم، إذ كسر شوكتهم المغول وقضى عليهم السلطان المملوكيّ الظاهر بيبرس (15).

أمّا الفصل الأخير، فقد خصّصه برنارد لمناقشة "الوسائل والغايات" التي شهرت فرقة الحشّاشين حتى بلغ صيتها الغرب الصليبيّ، فأصبح اسم حشّاش (Assassin) يعني "القاتل المأجور" في اللغات اللاتينيّة. وقد أطنب لويس برنارد خاصّة في مناقشة مسألة الاغتيال السياسيّ وطرق الحشّاشين في القضاء على خصومهم والتفاني في أداء المهمّات الموكولة إليهم، حتىّ صار الاغتيال علامتهم المميّزة ومصدر شهرتهم. والعجيب أنّ الحشّاش لا يستعمل في الاغتيال إلاّ الخنجر ولا يلتجأ إلى السمّ أو السهام أو غير ذلك من الوسائل التي قد تسهّل عليه الفرار والنجاة بفعلته، بل الأدهى أنّه يسلّم نفسه بعد عمليّة القتل، وكأنّه يرى أنّ بقاءه حيّا بعد "عمليته الفدائيّة" فضيحة وعار (16).

ويتّضح من خلال ما تقدّم البحث فيه أنّ الحشّاشين هم خدّام مُخلصون لقضيّة دينهم، ولم يكونوا يوما مُجرّد قاطعي رقاب بالخناجر لقاء أجر معلوم، بل كان لهم هدفهم السياسي الخاصّ، وهو إقامة الإمامة ودولة العدل الموعودة (17).

أما الخشت فنجده يقسم كتابه إلي تسعة مباحث، حيث يقع الكتاب في 208 صفحة، حجم كبير، بغلاف جميل معبّر من تصميم دار مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، وقد اشتمل على مقدمة وعشرة مباحث. أما المبحث الأول منه بعنوان " الأحداث التاريخية المواكبة لنشأة الحركة وتطورها "، وفي هذا المبحث تحدث الخشن عن طابع العصر، والسلاجقة، والفاتج طغرل، وألب أرسلان: البطل قلب الأسد والسلطان ملكشاه، ونظام الملك: الوزير اللامع والخصم اللدود لحسن الصباح، واضمحلال مجد السلاجقة، والسلاجقة في الشام، وسلبية الخليفة العباسي تجاه الحروب الصلبية، ومقدم صلاح الدين وانتصاراته، والخليفة الناصر وشاهات خوارزم، وظهور التتار في أقصي الشرق، والعاصفة المميتة، وهولاكو يحطم قلاع الحشاشين، وسقوط بغداد، وتحطيم الجيش المصري لأسطورة التتار (18) .

وفي المبحث الثاني وهو بعنوان "الأصول التاريخية لحركة الحشاشين"، وفيه تحدث المؤلف عن نشوء الفاطميين، وعبيد الله الحاكم القوي، وفتح مصر، وعصر الأساطير والتناقضات، وأطول حكم في التاريخ الإسلامي، والحالة الداخلية لمصر في عهد الفاطميين، وهل حققت الدعوة الإسماعيلية انتصارات عقائدية مع انتصارات الفاطميين السياسية ؟ (19).

والمبحث الثالث وهو بعنوان " حركة الحشاشين: النشأة والتطور، وفيه تحدث المؤلف عن الظروف الممهدة لظهور حركة الحشاشين، مع حسن الصباح من الصفر، والرفاق الثلاثة: حقيقة أم خرافة ؟، والحسن الصباح في مصر، والاستيلاء على قلعة آلموت، والوضع الطبوغرافي لقلعة الموت، وتفنيد خرافة ماركو بولو، وانتصارات الحسن الصباح، واغتيال نظام الملك، وانشقاق داخلي في التيار الإسماعيلي، والاستيلاء على قلعة كردكوه الشهيرة، واتنكاسة مفاجئة للحركة، وما زالت الاغتيالات مستمرة، وهجوم واسع النطاق على معظم قلاع الحركة، وانتقام الحسن من قائد الهجوم، ومحاولة إسقاط قلعة ألموت وغيرها، والحسن يعيد تنظيم صفوف الحركة، ومدي مسؤولية الحركة عن مقتل أمير الجيوش بمصر، ونهاية المطاف مع الحسن الصباح (20).

أما المبحث الرابع، وهو بعنوان " حركة الحشاشين في إيران بعد رحيل الحسن الصباح"، وفيه تحدث المؤلف عن تتابع الاغتيالات، واغتيال الخليفة العباسي المسترشد، واغتيال الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، وعهد الإمام محمد المهتدي، والقاهرة بقوة الله، وإعلان القيامة والتحرر من تعاليم الشريعة وسقوط الفرائض، وبشائر العودة إلى الإلتزام بالشريعة، وعهد الإمام جلال الدين وعودة الشريعة، وعلاء الدين محمد، وركن الدين شاه، والحشاشون (21).

أما المبحث الخامس، وهو بعنوان " حركة الحشاشين في سوريا"، وفيه تحدث المؤلف عن نشاط الحركة يمتد إلى سوريا، والخطوة الأولي للحركة في سوريا، وأبو ظاهر الصائغ، وبهرام يقود الحركة، وإعادة تنظيم صفوف الحركة، وخيانة المرغيناني ونكبة جديدة للحركة بدمشق، والحركة تجدد نفسها مرة أخرى، والعصر الذهبي للحشاشين في سوريا، وراشد الدين سنان بن سلمان، واضمحلال الحركة في سوريا ونهايتها (22).

أما المبحث السادس، وهو بعنوان " نظرية الوجود"، وفيه تحدث المؤلف عن  الألوهية، وكيف بدا الخلق ؟، ولماذا خلق الله العالم ؟، ونظام الوجود العلوي والسفلي (23).

أما المبحث الثامن، وهو بعنوان "عقائد ما بعد الموت"، وفيه تحدث المؤلف عن مصير الطبقة الأولي من المؤمنين ، ومصير الطبقة الثاني من المؤمنين، ومصير الكافرين (24).

أما المبحث التاسع، وهو بعنوان " نظرية الإمامة "، وفيه تحدث المؤلف عن إثبات الإمامة، ووجوب معرفة إمام الزمان، وطبيعة الإمام المتمايزة، وتعالي منزلة الإمام، وحقيقة الإمام كمظهر للألوهية اللامعلومة، والنتائج المعرفية لنظرية الإمامة، ورتبة النبي وعلاقته بالإمام (25).

أما المبحث العاشر والأخير، وهو بعنوان " التنظيم السري للدعوي "، وفيه تحدث المؤلف عن أسباب اللجوء للعمل السري، والنظام الهرمي للدعاة، وأساليب الدعوة ومراحلها، ومراحل ارتقاء المستجيب في درجات التنظيم، ونظام الشفرة المستخدمة بين كبار الدعاة، وفرق الفدائيين والعمليات الانتحارية (26).

وفي هذا الكتاب يحاول الخشت أن يبرز لنا بأن طائفة الحشاشين أو الحشاشون أو الحشيشية أو الدعوة الجديدة كما أسموا أنفسهم هي طائفة إسماعيلية نزارية، انفصلت عن الفاطميين في أواخر القرن الخامس هجري/الحادي عشر ميلادي لتدعو إلى إمامة نزار المصطفى لدين الله ومن جاء مِن نسله، واشتهرت ما بين القرن 5 و7 هجري الموافق 11 و13 ميلادي، وكانت معاقلهم الأساسية في بلاد فارس وفي الشام بعد أن هاجر إليها بعضهم من إيران. أسّس الطائفة الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة آلموت في فارس مركزاً لنشر دعوته؛ وترسيخ أركان دولته (27).

وقد اتخذت دولة الحشاشين من القلاع الحصينة في قمم الجبال معقلاً لنشر الدعوة الإسماعيلية النزارية في إيران والشام. ممَّا أكسبها عداءً شديدًا مع الخلافة العباسية والفاطمية والدول والسلطنات الكبرى التابعة لهما كالسلاجقة والخوارزميين والزنكيين والأيوبيين بالإضافة إلى الصليبيين، إلا أن جميع تلك الدول فشلت في استئصالهم طوال عشرات السنين من الحروب (28).

وكانت الاستراتيجية العسكرية للحشاشين كما يري الخشت تعتمد على الاغتيالات التي يقوم بها "فدائيون" لا يأبهون بالموت في سبيل تحقيق هدفهم. حيث كان هؤلاء الفدائيون يُلقون الرعب في قلوب الحكّام والأمراء المعادين لهم، وتمكنوا من اغتيال العديد من الشخصيات المهمة جداً في ذلك الوقت؛ مثل الوزير السلجوقي نظام الملك والخليفة العباسي المسترشد والراشد وملك بيت المقدس كونراد (29).

وقد تبني الحشاشون التقاليد الثورية للتشيع، وقد تطورت تلك الأفكار في عقول تابعيهم من عصر لأخر، خاصة مع التطور الاجتماعي للدولة الإسلامية، ما اضطرهم للتحول من الافكار الثورية، إلي مفهوم حركات التمرد والجماعات المسلحة التي تحارب في سبيل العدالة الاجتماعية، وهي الأفكار التي نشطت خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، والتي انتقلت من الدولة الفارسية المتأخمة، أو من بعض الممالك الأفريقية (30).

لم يكتف الحشاشين بذلك، ولكنهم واصلوا الانتشار شرقا، حتي  وصلوا إلى مدينة مازندران في السهل الساحلي المطل علي بحيرة قازوين، ثم قاموا بحتلال بعض المناطق الأخري، مثل، رودبار جنوب مدينة غيلان المطلة علي بحر قازوين، ومدينة رامسر وسط شمال إيران، وتطل علي بحر قازوين، كما قاموا بإحتلال عدد كبير من القلاع والحصون، فإمتدوا حتي وصلوا إلي نهر جيحون، وذلك علي الحدود بين دولتي أوزبكستان وتركمنستان، قبل أن ينتقلوا غربًا حتي سوريا، وقاموا بالاستيلاء علي قلاع بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية، وقد أثارت هذه الطائفة الذعر والرعب في قلوب كثير من الناس، سواء كانوا من أعدائهم كالعباسيين والسلاجقة والصليبيين، أو من الناس العاديين الذين خافوا على أرواحهم فصمتوا (31).

وفي عام 1106 ميلادية هاجم السلطان محمد بن ملكشاة قلعة شاهدز في أصبهان، والتي كان الباطنية قد استولوا عليها، وتمكن من استعادتها، وقتل صاحبها أحمد ابن عبد الملك العطاش، وفي المحرم من عام 701 هجرية، 1109 ميلادية، سير السلطان محمد بن ملكشاة وزيره نظام الملك أحمد ابن نظام الملك إلى قلعة ألموت لقتال حسن الصباح ومن معه من الإسماعيلية النزارية"، وبالفعل نجحوا في احكام الحصار علي القلعة، وكاد أن تسقط لولا قدوم الشتاء، لذا حاول الحشاشين اغيال نظام الملك أحمد، ولكنهم فشلوا، فقام بإرسال حملة للقضاء علي قلعتهم، وقام بحصارهم ستة سنوات، انتهت بوفاة السلطان وبعودة نفوذ الحشاشين مرة ثانية، وتجددت الحرب مع تولي السلطان أبو الحارث سنجر بن ملكشاه، ولكنه اضطر للصلح خوفًا بعدما وجد خنجرًا مغروسًا في فراشه، ورسالة تهديد من الصباح (32).

وفي السادس من ربيع الأخر من العام 518 هجريًا، 1124 ميلاديًا، توفي شيخ الجبل حسن الصباح مؤسس العقيدة النزارية، عن عمر ناهز التسعين، وكان قد أرسل لصاحب قلعة لامسر "برزك آميد" ليتولي مكانه في قلعة ألموت، كما كلف البعض بشئون الدعوة والإدارة وقيادة القوات، وطلب منهم التعاون مع بعض حتى ظهور الإمام المستتر ويتولى شئون الطائفة، ليغادر الصباح كرسية بالقلعة بعد أن قضي فيه أكثر من 35 عامًا، ولكنه لم يغادر القلعة، فقد تم دفنه في أحد سراديب القلعة، وفي اليوم الثاني تولي برزك أميد حتي وفاته في 532 هجرية، 1138 ميلادية، وطيلة فترة حكمة لم تتغير سياسة الحشاشين، خاصة فيما يتعلق بالاغتيالات، والحرب مع الدولة السلجوقية (33).

وقد قضى المغول بقيادة هولاكو على هذه الطائفة في فارس سنة 1256م بعد مذبحة كبيرة وإحراق للقلاع والمكاتب الإسماعيلية، وسرعان ما تهاوت الحركة في الشام أيضاً على يد الظاهر بيبرس سنة 1273م (34).

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب لويس وكتاب الخشت، كشفا لنا بأنني إزاء نموذجان نادران يصعب أن يتكرر، لمثقفان واسعا الثقافة، وكذلك لمفكران ليبراليان - نزيهان لا يقيمان وزناً ولا يحسبان حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنهما كانا يقدمان مادتهما العلمية في أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق وهو أشبه ما يكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من الدقة الأكاديمية .

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..................

الهوامش

3- محمد عثمان الخشت: حركة الحشاشين تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، نفس المصدر، ص 5.

4- برنارد لويس: الحشاشون، نفس المصدر، ص 8.

6- نفس المصدر، ص 11-38.

7- نفس المصدر، ص 39-64.

8- نفس المصدر، ص  65-100.

9- نفس المصدر، ص 101-142.

10- نفس المصدر، ص 143-181.

11- نفس المصدر، ص 13-17.

12- نفس المصدر، ص 44-49.

13- نفس المصدر، ص 70-77.

14- نفس المصدر، ص122-129.

15- نفس المصدر، ص 156-166.

16- نفس المصدر، ص 171.

17- محمد عثمان الخشت: نفس المصدر، ص 178.

18- نفس المصدر، ص 11-26.

19- نفس المصدر، ص 33-42.

20- نفس المصدر، ص44-103.

21- نفس المصدر، ص 104 -126

22- نفس المصدر، ص 132 -146.

23- نفس المصدر، ص 149-154.

24- نفس المصدر، ص 158-161.

25- نفس المصدر، ص  164.

26- نفس المصدر، ص 165-177.

27- نفس المصدر، ص 179-202

 

محمود محمد علي1- تقديم: يعد كل من لويس برنارد ومحمد عثمان الخشت، من كبار الباحثين في الغرب والشرق الذين اهتموا  باطّلاع الباحث العربيّ على هذا الجانب المُغيّب من تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة في عصرها الوسيط في الفترة الممتدّة ما بين القرنين الخامس والسابع للهجرة (الموافق للقرنين الحادي عشر والثالث عشرة ميلادي) إبّان تشكّل هذه الطائفة الإسماعيلية الفاطمية النزارية بعد انشقاقها عن الدولة الفاطمية واعتصامها بجبال " آلمـــوت" شمال إيران وبعد دعوتها إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله.

وهنا نقول بأن برنارد والخشت في معالجتهما لفرقة الحشاشين لم يعتمدوا على الروايات التي نسجها الخيال، ولم يسردوا سردا نصيا لما قاله المؤرخون، وإنما كان كتابهما عبارة عن مراجعة لمئات المصادر والمراجع، وكذلك تحليل  الحشاشين من وجهة نظر جديدة تختلف عما قدمه السابقون عليهما، حيث طبق "برنارد لويس" المنهج التحليلي النقدي، بينما جاء الخشت ليطبق المنهج التاريخ –التحليلي – المقارن، وإن كان كلاهما يتفقان علي تحليل دور العقل في مناقشة النصوص، كما يتفقان في أن يجمع أسلوبهما في الكتابين بين الأسلوب المباشر والعميق في ذات الوقت، وهو ما يمكن تسميته بالسهل الممتنع في الكتابة الفلسفية والعلمية.، كما اتسمت لغتهما الفلسفية في هذا الكتابين بالصياغة الإشكالية للموضوع، فمن يقرأ لهما مقدمة كتابهما يعيش في إشكالية الموضوع، علاوة علي ما اتسم به أسلوبهما في الكتابين أيضا بالتماسك فهناك ترابط ونسقية محكمة بين أجزاء الموضوع لديهما، فهما لا يميلان إلى المقدمات المطولة التي تصيب القارئ بالملل والضجر.

ويُعدّ مؤلّف الكتاب برنارد لويس Bernard Lewis من أهمّ المستشرقين الذين بحثوا في القضايا السياسيّة والفكريّة التي سادت المشرق العربيّ، ولا سيما في عصوره الوسيطة، إذ نال رسالة الدكتوراه بكتابه عن "جذور الإسماعيليّة"، وكتب عن" العرب في التاريخ"، وعن" ظهور تركيا الحديثة" وعن "اسطنبول وحضارة الإمبراطورية العثمانيّة". أمّا كتابه "الحشّاشون -فرقة ثوريّة في تاريخ الإسلام"، فقد كتبه سنة 1967 في أوج تفجّر أزمة الصراع العربي الإسرائيليّ في الشرق الأوسط. وقد تتبّع فيه تاريخ فرقة ثوريّة مؤثّرة في تاريخ المنطقة هي فرقة الحشّاشين الإسماعيليّة منذ بداياتها الأولى إلى نهاياتها. وبحث خاصّة في ذاك الكمّ الهائل من الخرافات والروايات والأساطير التي نسجت حولها من أعدائها الغربيين خاصّة، إذ بلغت شهرة الحشّاشين أوجها في أوروبا مع بداية القرن الثالث عشر، حتىّ أنّ كلمة "حشّاشين Assasin"  دخلت معظم اللغات الأوروبيّة. بمعنى "القاتل المأجور المحترف" الذي :" يقتل خلسة أو غدرا وغالبا ما تكون ضحيته شخصيّة عامّة وهدفه التعصّب أو الجشع" (1).

أما الدكتور الخشت فكتب كتابا بعنوان " حركة الحشاشين تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي"، وفي هذا الكتاب كان له وجهة نظر مغايرة عن رؤية لويس برنارد، حيث يذكر الخشت في مقدمة كتابه بأن حركة الحشاشين تعد من أخطر حركة سرية شهدها العالم الإسلامي، نظرا لما كان لها من تأثير واسع النطاق في المجتمع الإسلامي إبان فترة بالغة التعقيد .. فترة كان يسيطر عليها الصراع بين مختلف لفرق العقائدية والسياسية، بل بين مختلف دول العالم .. وأول شئ يتحتم علينا أن نؤكد عليه منذ البداية هو بيان الصواب من تسمية هذا الكتاب وهذه الحركة، فقد يطرأ على ذهن القارئ للوهلة الأولى عندما تقع عيناه على عنوان هذا الكتاب أننا نقصد به طائفة من المدمنين الأوباش الذين يضعفون أمام تأثير المخدرات .. بل العكس فإن هذه الحركة بريئة تماما من تناول الحشيش المخدر، والسبب الواقعي لتسميتها بهذه الاسم يرجع في نظر الخشت إلى مواقف صمودية كانت تقفها الحركة في مواجهة ضروب الحصار التي كانت تفرضها عليها الجيوش المضادة لمدد طويلة، فكان يصمد رجال الحركة في قلاعهم حتى بعد نفاذ المؤن والأطعمة، معتمدين في غذائهم فقط على أكل الحشائش (العشب أو الكلأ )، ومن هنا جاءت تسميتهم بالحشاشين (2).

2-التعريف بالمؤلفين:

هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين وبالذات الاكاديميين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن لويس برنارد ومحمد عثمان الخشت من كبار المفكرين الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهما من أصحاب الموقف الفلسفية والنقدية الواضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في قضايا فلسفية شائكة، وذلك بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل أو لم تعبث به يدي الباحثين.

وللرجوع للسيرة الذاتية للويس برنارد، فنجد أنه من مواليد 31 مايو 1916 بلندن، أستاذ فخري بريطاني أمريكي لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون تخصّص في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وقد اشتهرت أعماله حول تاريخ الإمبراطورية العثمانية. وُلد لأسرة يهودية من الطبقة الوسطى في لندن. اجتذبته اللغات والتاريخ منذ سنّ مبكرة، اكتشف عندما كان شابا اهتمامه باللغة العبرية، ثم انتقل إلى دراسة اللغة الآرامية واللغة العربية، ثم درس بعد ذلك اللاتينية واليونانية والفارسية والتركية.

تخرّج برنارد عام 1936 من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) في جامعة لندن، في التاريخ مع تخصص في الشرق الأدنى والأوسط. حصل على الدكتوراه بعد ثلاث سنوات، من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية متخصصاً في تاريخ الإسلام. التحق بالدراسات العليا في جامعة باريس، حيث درس مع لويس ماسينيون وحصل على "دبلوم= = =الدراسات السامية" في 1937. أثناء الحرب العالمية الثانية، خدم لويس في الجيش البريطاني في الهيئة الملكية المدرّعة وهيئة الاستخبارات في 1940، ثم أعير إلى وزارة الخارجية. عين أستاذا لكرسي جديد في الشرق الأدنى والأوسط في سن 33 من العمر. انتقل برنارد لويس إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبح يعمل كأستاذ محاضر بجامعة برنستون وجامعة كورنل في السبعينيات. حصل على الجنسية الأمريكية سنة 1982 كما حاز على العديد من الجوائز من قبل مؤسسات تعليمية أمريكية لكتبه ومقالاته في مجال الإنسانيات.

أما الخشت فهو غني عن التعريف فهو من كبار المفكرين المصريين الذين كانت لهم بصمات واضحة في مجال الفلسفة ؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة. وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في 1 يناير 1964، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

وبلغت مُؤلفات الخشت عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية. وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..........................

الهوامش

1- برنارد لويس : الحشاشون، تعريب محمد العزب موسى، دار المشرق العربي الكبير، بيروت، طـ1، 1980، ص 7.

2-  محمد عثمان الخشت : حركة الحشاشين تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مكتبة ابن سينا للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، 2016ـ ص 4.

 

نبيل عبدالامير الربيعيالحوار صنعة متخيلة، والكلام اليومي يخاطب من الحيز الواقعي، فقصاصو الواقعية وقفوا أمام موضوعية الحوار طويلاً، وذهبوا إلى أن الواقعية في الحوار لن تتحقق إلا باللهجة (العامية والفصحى)، ملائمة للمستوى العقلي والفكري والثقافي والطبقي للشخصية القصصية معاً، لهذا أجد روايات سلام إبراهيم تنتمي للرواية الواقعية.

تستهويني قراءة روايات سلام إبراهيم لأنها لا تكتفي بحياة كاتبها، بل تتسع، لضرورات تتعلق بما يرويه، إلى طبيعة حياته ومجايليه ممن كان له تأثير في ثقافته تلك الحقبة، بهذا تُطلعني هذه الروايات على مشهد واسع لتلك الأيام الخوالي، ولا تقف عند حياة كاتبها وحده. ويلجأ سلام لاتخاذ من سيرته الذاتية رواية، معبراً من خلالها لتفريغ ما هو محظور في الشخصيات الروائية وفضائها، وقد نحا الروائي نحو إدراج سيرته الذاتية في اشكال نصوص، اتخذ لكل نص عنواناً خاصاً به، وغالباً ما يستغرق سلام برواياته من خلال سيرته الذاتية، الولادة، الطفولة، المراهقة، الشيخوخة، والتي جعلت منهُ روائياً واقعياً مبدعاً، وقد وصف مثل هذه الروايات ليتون ستراشي (بأنها أدق فنون الكتابة).

في زيارتي الأخيرة لمؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع أهداني الصديق حسين نهابة رواية (حياة ثقيلة) للروائي الصديق سلام إبراهيم، وقد علمنا الروائي إبراهيم برواياته الواقعية التي تحكي سيرته الذاتية من خلال فن الكتابة والرواية وهي: (رؤيا اليقين، رؤيا الغائب، سرير الرمل، الأرسي، الحياة لحظة، في باطن الجحيم، إعدام رسام، طفلان ضائعان، كل شيء ضدي).

رواية (حياة ثقيلة) تسرد شخصية الروائي المركزية وما كان يقوم به من خلال تجواله في مدينته الديوانية، وحياته الجامعية في بغداد، يبدأ الرواية من خلال سقوط بصره من خلف النافذة، فيستهل في القسم الأول من روايته والمعنون (لبناء عالم جديد) في ص5 بالقول: "أجلسُ على حافةِ الستين. خلفَ النافذة، الليل أبيض. خلف النافذة تهبط الأضواء وندف الثلج من سماء بيضاء. تهبط بروية وهدوء وكأنها تنسج مأساة وحدتي، أسترخي على كرسيّ الهزاز وسط الصالة أمام نوافذها الزجاجية الثلاث العالية المشرفة على امتداد الشوارع البيضاء ونفسي منقبضة فرط البياض، يقال أن المحتضر يرى قبيل رحيله، في اللحظات الأخيرة شلالاً من الضوءِ الأبيض الذي تعشي له العيون. هذا ما أفضى به من توقف عن الحياة للحظات وعاد بتدخلٍ طبي. الشوارع خالية. زوجتي تنام في الغرفة الأخرى. صرت قليل الكلام بعد أن كنتُ لا أملُ منه". محاصرا ببقاياهم/ صورهم: "أحملق في جدران الصالة التي امتلأت بصورهم. حشدٌ من الأحباب. حشدٌ من الوجوه المنيرة الضاحكة. حشدٌ غادر الواحد تلو الآخر هناك بعيداً في الرحم الدامي". وهو يقول: "كنت أظن قبل سقوط الدكتاتور بأن همومي كلها ستزول بزواله فأتمكن من زيارة الأهل والأحباب، أرى أمكنتي الأولى وأشم هواء وتراب مدينتي".

يتذكر بلقطات فلم سينمائي بطئ لحياته في الديوانية والعاصمة بغداد، ويعبّر عن حالة اكتئاب شديدة تقلب استجابة الراوي فيه المسلمات العامة الثابتة في السلوك البشري، برغم أن الأدب يقلب هذه المسلمات عادة. ويغلق روايته بموت صديقه حسين، فكانت عبارة عن ذكريات الشباب التي انطفأت ولم تعد، وهكذا تصبح الرغبات في شيخوخة العمر والذكريات، فمعاناته من الوحدة والاكتئاب وأزمة الستين من العمر يمكن أن يعاني منها أي شخص، فالعمر يجري مثل النهر لا يقف لحظة، واصبح مسافراً تستهديه دهشة العالم. كأن العالم يتجمع من حوله مثل عجينة تستحيل في كل لحظة إلى هيئة أخرى.

الروائي في روايته (حياة ثيقلة) يعبر عن ممارسته لطقوس حلمه وأشواقه مع ذاته بصورة سرّية، في المكان المقابل لحيهم السكني القديم، ففي ص6 قال: "كنت أمارس طقوس أشواقي السرية دون بوح، فكنت أتخيلني وأنا أرمي نفسي في حوض السباحة كأنني أقفز إلى نهر الديوانية وأغط فيه، فأرى وأشم وألمس بقلبي وأنا في غمرة الماء بيوت (حي رفعت) وحدائق المعسكر في الجهة المقابلة ناسياً ما حوليّ من نساءٍ مثل جنيات القصص بلباس السباحة يعومّنَ ويقفزن ويخرجن من حوض الماء الناصع الزرقة". ومن هنا يبدأ باستعادة وعرض شريط ذكرياته مع (أحمد) الذي دعانا إلى مرافقته في مهمة زيارته في بغداد. لقد تعرّف عليه ايام كانا طالبين في إعدادية زراعة الديوانية. كان أحمد أكبر منه بأربع سنوات بسبب تأخيره في مرحلتي الدراسة الابتدائية والمتوسطة.

وفي ص18 من الرواية قال: "خرجتُ مهزوزاً من الحياةِ نفسها،  فبينما كنتُ قبل الاعتقالِ أقاومُ المحيط ومؤامرات الرجال الذين يحاولونَ اغتصابي متباهياً في نجاحي وصلابتي، وجدتُ أنّ في استطاعة رجال الأمن فعل كل شيء في جسدي الموثوق في غرفهم الموحشة والمخيفة". فيسترجع الروائي سلام أفكاره ومشاعره، يستعرض اسماء اصدقاءه سعد وثامر أمين وأخيه الشهيد كفاح وأحد وحسين وهاشم، يستعرض اللقاءات والتجوال بين مدينته والعاصمة بغداد بمسحة شعرية محفزة، كنت أبصر الاعجاب من خلال سماته وابتسامته، وهو الراوي وأحد شخصيات الرواية الرئيسية، أصبح أسير الليل يتتبع عتماته في الرواية، وفي حافات الأمكنة، لقد أصبح الليل هو الزمان الوحيد، ولم يعد غيره، إلا زماناً تابعاً له. الليل اضفى على حكاياته جواً ساحراً، يحلم بالهروب مع صديقه أحمد من خلال القطار المار بمدينته. الليل كان صديقه في لقاءات الأصدقاء والهروب والاختباء، فكان الليل ماكراً وداهية.

يذكر في صفحات الرواية ص36/ 38 قائلاً: "كنّا في حالةِ نشوةٍ نودُ الطيرانَ إلى مكانٍ غير مدينتنا لمعانقةِ فقراءِ الأرض المجهولين، مفعمينَ بروح الأمميةِ التي رضعناها من الكتب الماركسية وحكايات المناضلين الأكبر سناً الذين يقصونها علينا في المقاهي. وقتها لم نكن قد سافرنا خارج حدود "الديوانية". وفي لحظة جنون قال بصوت عالٍ أقرب إلى الصراخ: لنشرد بالقطار! صرختُ بنشوة: هيا بنا.. هيا بنا!. كان قطار حمولة يقترب ببطء قادماً من بغداد في طريقة إلى البصرة، توقف على بعد أمتار من وقفتنا، فهتف بصوت عالٍ: هيا إلى الحرية!. وصعدنا عربةً من عرباته المكشوفة. لم نهدأ، نصرخ ونصرخ... لم نكف عن الدوران في مساحة حوض العربة، والصراخ في نشوة: (لبناء عالم جديد ولقبر مشعلي الحروب   في هدى أكتوبر العظيم سائراً موكب الشعوب) كنا نصرخ بحماس ونشوة.. نصرخ بالكلمات الحالمة فيضيع صراخنا في ضجة القطار والظلام والبرية الممتدة على يميننا حتى الحدود السعودية، نقطع النشيد ونطلق أصوات مبهمة، نرقص، ندور، نهتف: المجد للطبقة العاملة.. المجد للفلاحين! تدمع عيوننا، نكاد نبكي حماسةً، ونروح نغني أغنية أممية أخرى: أنا.. أنا يا سيدي أسودٌ كالليلِ.. كأعماقِ أفريقيا، كأعماقِ أفريقيا.. أنا.. أنا.. جندي أحمل في يميني سفر جيفارا وفي يساري أقمار گاگارين. أقمار گاگارين. لا لالا... لالي لالي لالي.

كما يسلط الضوء الروائي عن علاقته بوالده، ومشاركته في زيارة ورشته في شركة سكابانيوس، فيتذكر عندما يناديه والده فجراً قائلاٌ: (بويه إگعد.. وقتي ضيق!. صوتهُ يشي بحنانٍ قديمٍ غريزي، بدا قادماً من طفولتي البعيدة. كانت قسماته قوية نشطة رغم شربه الليلي. البيت ساكن. أجبت بخفوت: صار بويه!. وأسدلتُ أجفاني سامعاً خطواته الحذرة المبتعدة وهو يتجه نحو المطبخ ليعد الفطور، كان ذلك في سحر يومٍ من خريفِ 1974 وقتها كنتُ في سنتي الجامعيةِ الأخيرةِ، أعود من بغداد إلى المدينة في عطلة نهاية الأسبوع وفي العطل الرسمية. شدّني البعد والتأمل إليها، فلأول مرة أفارق الديوانية والمحلة والعائلة، فمع بدءَ خفوتِ تمردي الصاخب على كل شيء، شعرتُ بالآسف لبعدي عن أقرب الناس إليّ، لا ليس أقرب بل طلعتُ من جسديهما فرعاً، عزوتُ ذلك إلى ظروف الحياة، عنفها، فقرها، طبيعة ونمط وتقاليد البيئة العراقية، عدد الأبناء غير المعقول، فنحن عشرة؛ ست بنات وأربعة أولاد كنا نتكدس شتاءً في غرفةٍ من حجرٍ وننتشر صيفاً في ساحةِ البيتِ الفسيحةِ، لا وقتَ لديهما للكلامِ معنا، فهو في الدكانِ يعمل من الصباحِ حتى المساء، وهي في شؤون العشرة الصاخبين في ضيقِ المكان، فعدتُ أقضي وقتاً أطول مع أمي في البيتِ. والبارحةَ طلبتُ من أبي مصاحبته إلى مكانِ عمله في ورشةِ نجارة شركة "سكابانيوس اليونانية" التي كانت تقوم بحفر قنوات بزلٍ لاستصلاح الأراضي الزراعية من الحلة وحتى الناصرية، وكان مقرها في مدخل المدينةِ الشمالي على الطريق القديم الذاهب نحو العاصمة. نهضتُ وأديتُ طقوسَ الصباحِ. تناولنا فطورنا. بيض مسلوق، وجبن، وخبز حار جلبته من فرن "حاج جاسم" الكائن عند مدخلِ شارعنا. تخطينا عتبةَ الدارِ، فرشقتنا نسمات خفيفة. لم يطّر الفجر بعد. سحبنا دراجتينا الهوائيتين إلى حافةِ الرصيف، ركبناها وسرنا من حي العصري إلى شارع سينما الثورة في صوب المدينة الصغير، مخترقين مركز المدينة. كان الصمت والفضة وحفيف أقدامنا وهي تدوس على دواسةِ الدراجةِ الهوائية تجعلني أطوف في هوام اللحظة حالماً، شاعراً بغبطةٍ لم يزل طعمها غضاً في روحي وجسدي وأنا أكتب الآن. كنا نخترق الأمكنة بذكرياتها. مررنا على محّله القديم خلف بناية البريد حيث قضيتُ طفولتي في ذلكَ الشارعِ المكتظِ بالباعةِ والحدادين والتنورچية وبائعي الخمور، والحلاقين. أحسستُ، ونحن نخوض في فضة الفجر على ترابِ قصتنا، بأننا نصل إلى أقصى السعادة بهذه المصاحبة وكأننا ننبثق من جديد كعلاقة مع انبثاق الفجر، في يومٍ بدا غير عادي، خضنا بصمتٍ مغمورين بمزيج الفضة وبقايا العتمة، كنت مخدراً برائحتهِ التي رسختْ في شمّي منذ الطفولة، مزيج فريد من نشارة الخشب والعرق العراقي الصرف. وحمدتُ ربيّ على يقظتي الباكرة بالتفكير بجوهر علاقة الابن بالأب، كانت تلك المسافة من أسعد المسافات التي قطعتها بصحبته كل عمري. كانت مرةً وحيدةَ، لم نكررها، فالحياة أخذتنا إلى مناحٍ لا مجالَ فيها للتأمل، فقد تحولتْ إلى مجردِ ركضٍ لاهثٍ للحفاظ على الكينونة الفيزيقية فقط وكأننا في غابةٍ. ركنّا دراجتينا على رصيف شارع فرعي يجاور قاعة سينما الثورة. وصعدنا حافلة الشركة. قدّمني أبي بفخرٍ إلى زملائه العمال: هذا أكبر أبنائي.. طالب بالجامعة).

كما يروي سلام في روايته ساعات اعتقاله مع ثلة من اصدقائه في بغداد، عندما يقبض عليه مع صديقه هاشم، وهم يحتسون الخمرة في أحد بارات بغداد. فيضع سلام في روايته وسارد قصته في العاصمة بغداد وزياراته المتكررة لها من خلال اللقاء بصديقيه أحمد وحسين حتى ينقلنا أخيراً لتحول أحمد من مناضل يحلم بوطن حر وشعب سعيد، إلى رجل خائف مع زوجته فيوقعا على المادة (200) ويهربا للسكن في بغداد وتحول افكارهما من اليسار إلى اليمن، أصبح إسلامياً ملتحياً يعتاش على بيع كتبه من خلال دكانه المستقطع مساحته من داره في حي الشعب.

يزور الروائي بغداد متأملاً مع جو بارات بغداد وصديقه حسين اجوائها وزحمتها، فسارد الرواية في بهجته وطمأنينته وتماهيه، فتعتريه نشوة غامضة بسحر الليل والطبيعة معاً، مسترخياً بمقعده، متذكراً في أول لقاء بصديقه حسين، عندما تعرف عليه في ورشة والده للنجارة في مقر شركة سكابانيوس اليونانية في مدينة الديوانية...... يقول في أحد صفحات روايته (حياة ثقيلة): (وقبل أن ندخلها أقبلَ شابٌ جميلٌ نحونا مبتسماً، فتوقفَ والدي ضاحكاً وقال بصوت عالٍ: هذا "حسين" من جماعتكم!.

"والجماعة" شفرة سرية يفهمها كل يساري عراقي، وهي أيضا مفتاح يجعلك تثق بالمشارِ إليه، فتبوحَ برأيك دون خوفٍ، والبوح وقتها يتعلق بالموقف من سلطة البعث تحديداً!. ضجّا معاً في ضحكٍ صاخبٍ على تعليقاتهما حول مواقف وأشياء مبهمة بالنسبة لي، تعليقات بلغة العمال الصريحة الواضحة والتي تضيع لشدة سطوعها عليّ أنا المدله بالخط والجمل الفلسفية والقيم العليا التي كنت وقتها أجدها هي الحقيقة قريبة ودانية لكن لا يراها البشر وهذا ما ضيّع عليَّ بهجة ذلك الضحك العاصف الخاطف الذي وجدته آنذاك ساذجاً وأنا أتأمل "حسين" بوجههِ المدور المصبوب صباً بدقة خالقٍ تأنى طويلاً في رسمِ قسماتهِ المتناغمةِ. عينان واسعتان عميقتان تسبر غورك، عينان فيهما من نظرة الصقر الشدة، ومن عين العاشق الرقة، أنيق الملبس رغمَ أنه ذاهبٌ إلى العملِ، كما علّق أبي وهو يعرفني عليه وسط صخب تعليقاتهم وضحكهم، بلا شوارب، أطلق شعره حتى غطى أذنيه، نحيفاً رشيقا، متوسط القامة، فبدا وكأنه لعبةً جميلةً في ذلك الفجرِ الذي سيعصف في حياتي:  أي فجر ذاك.. إلى أين أفضى بنا وأنا في توالي العمر!.. أي فجر صاخب بضحكة أبي وضحكة "حسين" وذهولي!).

تعود ذاكرة سلام إبراهيم بما يجري من حديث حول اختطاف ابنة صديقه حسين الشابة فيروز. ثم لزياته مع حسين مشرحة بغداد، فينقلك الروائي سلام من خلال حروف كلماته إلى تلك الأجواء المرعبة، وأجواء اغتيال صديقه أحمد داخل مكتبته، وأجواء موت صديقه حسين في حديقة داره، ما يعني أنه يريك أجواء الرعب ووجه حبيبته، ومعاناة والده ساعات اعتقاله من قبل رجال الأمن له في الديوانية ومرة أخرى في العاصمة بغداد.

يستعين الروائي سلام في روايته بأسماء اصدقائه وزوجاتهم الصريحة، وخيانة زوجة صديقه سعد وزواجها من ضابط أمن الديوانية والسكن في بغداد، فمن يعرف عوائل المدينة يعرف من يقصد الروائي، فرواياته تصنف ضمن الروايات الواقعية.

الروائي سلام ثري في سحره، وما يروي في اعماق ما تحت الحروف، فروايته ملأى بالاقتتال والصراع، تزحف على الاصقاع عتمة تمتد وتتسع وتنبسط كأنها الوسادة فوق عالمنا. يتسلى الروائي بعواطفنا فأجد نفسي اتعاطف مع ابطال رواياته وأخاف عليهم كخوفي على ابنائي، فهو يتجول معهم ويسرق للهاربين من العسكرية منهم دفاتر الخدمة العسكرية للمؤجلين من دائرة تجنيد الديوانية، كما يسرق لهم الهويات والمستمسكان كونهم مطلوبين للسلطات بدواعي فكرهم اليساري.

كتب الروائي سلام إبراهيم عن جماليات المكان، يستعرض المكان الذي ينجذب نحوه والاستجابة إلى جماليات البيت، والحجرات السرية، والأدراج والصناديق، استرجع الزمن الذي كتب عنه سلام كشريط سينمائي بطيء، فأشعر به واعايشه، اتعايش مع اصدقائه وأماكنهم، صوراً متتالية باستدعاء حر وابتداع واقعي باهر وانسجام تم بعقلانية، استرجع رائحة الأماكن وجو حجرته في بيتهم القديم فيعيد لي الزمن الذي عاشه الروائي، وصور عائلته المعلقة على جدار داره في كوبنهاكن.

من خلال روايته يسرد لنا ساعات الاعتقال عندما يفترش أرض الزنزانة في أمن بغداد بملابسه وحذائه وهو معصوب العينين ومشدود اليدين، دون فراش ينام عليه، يتابع كامرات المراقبة في ممرات المعتقل، وهو يهمس في اذن صديقه المعتقل ليتفقا على جواب لأسئلة رجال التحقيق، الأرض تمتد كما لو كان جسد المعتقل راقداً بطوله الآن، المكان يرهب زائريه، ومعادياً وخصماً، كل ما يحيط به يبعث على الاستيحاش والفرار من المكان.

حتى هروبه كمقاتل في الجبل يصورها الروائي من خلال كلماته بعين سينمائية، يصف خلالها الأماكن والاشخاص والطرق والهروب والركض مع زوجته والاختفاء، الشك واليقين، الخوف والرهبة، العناد والمحبة. يتميز اسلوب الروائي بتراكم المفردات، وخصوصية تراكيبه وبناء جملهُ، وهندسة الأسلوب، ورشاقة العبارة، وتتجلى خصائصه في بنائه اللغوي ونظم تراكيبه وتأكيده للمعنى الواحد في صياغات لغوية مختلفة. فيكتب بلغة تتطلبها قوانين السرد والحوار المنطوق الذي يجري بين شخصيات الرواية، والحوار الصامت الذي يتداعى بتيار الوعي، فسلام هنا يزيح ذاته ليسمع لشخصياته الواقعية أن تحكي وتروي بلغتها وبمستواها العقلي والفكري واللغوي، حتى حافظ على طابعها اللغوي تبعاً لمستوى تلك الشخصيات في انتمائها إلى الطبقة الاجتماعية وتحصيلها الثقافي، والمهن التي تزاولها. فأجد هناك وشائج ظاهرة فرضها النوع الأدبي واشراطها في الرواية.

ادرج هنا الاهداء الموضوعي في رواية (حياة ثقيلة)، ما كتبه سلام من إهداء (إلى عبد الحسين داخل/ أبو أمير. وناهدة جابر جاسم القزمري). فسلام في إهدائه يسعى إلى الحفاظ على علاقة الإهداء بعضوية النص وعلى العلاقة الواقعية للمهدى إليه، بعيداً عن احكام معيارية تتناول مستوى الإبداع.

تتصف روايات سلام إبراهيم بالاعترافات والسيرة والمذكرات من خلال نصوص رواياته، في جوهرها بوح بالعوامل والأسباب والحوافز التي جعلت من الكُتّاب الكبار أعلاماً في الحياة الثقافية، وغالباً ما تتضمن تلك المؤلفات عادات الكتابة وطقوسها، وأجد في الروائي سلام إبراهيم يكتب اعترافات لسيرته الذاتية.

ومن خلال متابعتي لروايات سلام إبراهيم اجدها تهيمن عليها موضوعة التعذيب والموت، وهذا ما مرَّ به من مواقف صعبة التي أوصلته في بعض الأحيان إلى طريق الإعدام، أو الموت خنقاً من خلال تعرض فصيله في الجبل إلى الضربة الكيمياوي. وعندما اعود بذاكرتي لما طالعته من كتب عن الإنسان البدائي فهو لم يفقه جوهر الموت أو يخيفه بعد، كذلك أجد ذلك في روايات سلام إبراهيم، فهو يتخيل الموت نوماً مستديماً كما جاءت في أقدم الوثائق في ملحمة كلكامش مثلاً، حينما اكتشف كلكامش مصيره الآتي بموت صديقه أنكيدو، وسلام إبراهيم واجه الموت بموت صديقه حسين في روايته (حياة ثقيلة)، لذلك هيمن موضوعة الموت في روايته، وهذا هو احساس المبدعين ورهافة أمزجتهم، وحكمتهم الفلسفية وتأملاتهم العميقة، فيقول الجواهري:

من منكم رغم الحياة وعبثها

لم يحتسب للموت ألف حسابِ

أنا أبغض الموت اللئيم وطيفهِ

بُغض طيوفَ مُخاتلٍ نَصّابِ

ذئبٌ ترصّدني وفوق نيوبهِ

دمُ إخوتي وأقاربي وصحابي

الموت عند الجواهري هو الذئب في شراسته وقسوته وغدره، وكذلك الروائي سلام إبراهيم يجد بغدر الموت وقسوته كغدر الذئب. ولا ننسى الشيخوخة ونهاية قطار العمر، فعندما تأتي الشيخوخة تأتي الحكمة هدية للعمر، ويبلغ الإنسان نهايته فيرفض امتداح الحياة، فكما أن الحياة قد هجرته فإنه يسعى إلى هجرها أيضاً، وهذا ما عبر عنها الروائي بشخصية صديقه حسين في (حياة ثقيلة)، والروائي سلام جعل المتلقي لنصوصه مسحوراً بما يقرأ.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

3352 نايف عبوشصدر الكتاب الجديد (إيقاع الحياة وتداعيات العصر ) الصادر عن دار(غيداء للنشر والتوزيع في عمان الأردن ).. لمؤلفه الكاتب نايف عبوش، ليكون إصدارا آخر، يضاف إلى مجموعة كتبه السابقة .

يقع الكتاب في (٢٤٠) صفحة من الحجم المتوسط.. بتقديم الدكتور سامي محمود ابراهيم الجبوري أستاذ الفلسفة ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الموصل، ومما جاء في هذا التقديم قوله (الكتاب هو عبارة عن مجموعة مقالات تتمحور حول العديد من الموضوعات التي تخص العصر وأدوات الفكر واللغة واساليب النهضة وإعادة تنظيم الحضارة الانسانية وفق نسقية الخير والفضيلة وبلورة الإنسان ثقافيا وطرق التفكير والوعي والسلوك الإنساني، وما يستطيع أن يقوم به من سلوك منضبط تجاه مستقبله وسلوكه كخليفة مؤتمن تجاه البيئة المحيطة ليعود عليه بالنفع المطلوب...).

وجاء في مقدمة الكتاب أنه (لم تعد العزلة ممكنة في ضوء ما افرزته عولمة الثورة الصناعية والرقمية المعاصرة من سرعة في الاتصال، واختراق للحدود دون قيود، وما ترتب على الظاهرة من تداعيات صاخبة، بجوانبها الإيجابية والسلبية، مما بات يتطلب اعتماد نمط ثقافي تواصلي جديد، عبر كل مصادر التأثير، بدءا بالأسرة  والمجتمع والمسجد والمدرسة والإعلام، وبالشكل الذي يضمن تحقيق تناغم ثقافي يتفاعل مع المعطيات الحضارية المعاصرة، بالارتكاز على قاعدة التوازن مع متطلبات الحفاظ على الأصالة.. من خلال تناول بحث ما تراكم من إشكاليات في موروثنا الثقافي، والتطلع في ذات الوقت، إلى آفاق التغيير المستهدف، التي تمكننا من التفاعل الواعي، مع مستجدات العصر، والتعايش معها بسلاسة).

وقد اختتم المؤلف مقدمة الكتاب، (بتسجيل العرفان الصادق، والشكر الخالص، والتقدير العالي، للدكتور سامي محمود ابراهيم الجبوري أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة الموصل، الذي بادر مشكوراً لجمع المقالات، وتبويبها على فصول الكتاب، ليظهر بهذا الشكل المهني المطلوب) .

 وأشارت خاتمة الكتاب (إلى أن إيقاع التطور والتقدم والحداثة بات يتسارع اليومَ بشكل مذهل؛حتى إنه طال كلَّ جوانبِ حياتنا المعاصرة، فقد اخترقت مخرجاتُ العصرنة، خصوصيات مجتمعاتنا، عندما أضحت جزءًا من الحياة اليومية للناس، فيُلاحظ على سبيل المثال، أن التقنيات الرقمية، كالشبكة العنكبوتية، والقنوات الفضائية - صارت أدواتِ اختراق عابرةً للحواجز المكانية والقيمية للمجتمعات، بعد أن انعكست بعولمة عصرنة جامحة، طالت ثقافةَ جيل اليوم، عندما حاصرته بأدواتها الفاعلة في ثقافته، ومعرفته، وتراثه، وباشرت عملية إعادة تشكيل جديدةً لرؤاه، وبشكل خرج عن زمام سيطرة الأسرة، ومؤسسات المجتمع، ومراكز التربية والتعليم، ومنابر الوعظ والإرشاد. فالجيل اليوم بعدما شغله ضجيجُ العصرنة بمعطياتها المختلفة، أخذ يمارس عملية محاكاة آلية لكثير من السلوكيات التي تغذيه بها تلك المعطيات، حيث تمظهرت بشكلية زائفة، تجسدت في عملية استلاب غير مألوفة، كانت محصِّلتها ضياع الجيل، واستلاب هويته) .

وهكذا يأتي هذا الكتاب بمحتواه المعاصر، في مجموعة مقالات، ليشكل رؤية عصرية، تتناول بحث ما تراكم من إشكاليات في موروثنا الثقافي، متطلعة في ذات الوقت، إلى آفاق التغيير المستهدف، التي تمكننا من التفاعل الواعي، مع مستجدات العصر، والتعايش معها بسلاسة، حيث بات الأمر يتطلب الإنتباه الجدي، إلى حقيقة كون هيمنة الثورة التقنية والرقمية، قد أصبحت اليوم، سمة عصر، وثقافة واقع حال راهن، لامناص من التفاعل الخلاق، والتعايش البناء معها، على قاعدة الانتفاع من كل ماهو مفيد وايجابي من مخرجاتها، ونبذ ماهو ضار منها، من دون الإنغماس الآلي فيها، أو تركها، والانسحاب منها كليا، وذلك في إطار نمط ثقافي جديد يحافظ على معالم الهوية التراثية، ويسمح بتواصل الجيل الجديد من الناشئة، مع موروثه الديني والاجتماعي، وهو يعيش، في ذات الوقت،تفاصيل مفردات حياة الحداثة، التي باتت تداعياتها تتسارع بشكل صاخب ومذهل، ولم يعد بالإمكان الإنعزال عنها، وغظ النظر عن مفاعيلها .

ولا ريب أن الكتاب بهذه الرؤية المعاصرة من التناول، سيساهم في تنوير التوجهات الثقافية السائدة، ويسد جزءا من الفراغ في المكتبة العربية لمثل هذا النوع من التداول الثقافي والفكري..

 

 الدكتور عبدالعزيز عيادة الوكاع الوكاع

 

 

عبد الرضا حمد جاسمورد في ص9 من كتاب [علي الوردي والمشروع العراقي] التالي: ان علم الاجتماع سوسيولوجيا من العلوم الجديدة نسبيا في منظومة العلوم الانسانية المعروفة اليوم ولا يتعدى عمره اكثر من قرن ونيف في الغرب لكن عندنا كان اثره اعمق وريادي بالرغم من عدم اخذه بالحسبان في سياقات سطوة المركزية الغربية ونجد لذلك المفهوم شطط من الالتفاتات اللبيبة في التراث الإسلامي عند الجاحظ والتوحيدي وغيرهم بيد انه لم يرتقي الامر الى تجميعه في نظرية تفسر على ضوئها كل ظواهر الحياة البشرية] انتهى

* تعليق: 

الراحل علي الوردي حصل على الدكتوراه في علم الاجتماع عام 1950 أي قبل ثلاثة ارباع القرن تقريباً من اليوم ويقول/ت كاتب/ة التقديم/ المقدمة في ص11(/12) [ لذا فأن اختيار المرحوم علي الوردي لهذا العلم في الاربعينات من القرن المنصرم كان لبابة ووسع اطلاع ارتقى فوق مستوى ادراك المجتمع العراقي حينئذ] انتهى 

هذا يعني ان علم الاجتماع ظهر قبل ان يختاره علي الوري بأقل من ربع قرن ونيف وهذا غير صحيح فعلم الاجتماع كما كتب الوردي في ص36 من كتابه دراسة في طبيعة المجتمع العراقي حول نشوء علم الاجتماع التالي: [نشا علم الاجتماع منذ مائة عام تقريبا وهذا عمر يكاد يكون صغيرا بالنسبة لأعمار كثير العلوم الأخرى] أي بحساب اليوم تقريباً قرن ونصف وليس قرن ونيف حيث نيف تعني سنة أوسنتين أو ثلاث سنوات وما زاد لا يُقال عنه نيف.

ومع ذلك فعلم الاجتماع لا يزيد عندهم في الغرب عن ""قرن ونيف"" لكن اثره لا يقل عن اثره عندنا...فهل لم يتطرق الفلاسفة وغيرهم قبل سقراط/ قبل الميلاد/ قبل الاسلام وبعده الى الأمور الاجتماعية؟ هل ابن خلدون قبل عدة قرون صنع بذرة علم الاجتماع وزرعها وأثمرت العمران/ المقدمة ام انه وجد تلك البذرة في ثمرة من شجرة علم الاجتماع فزرعها ورعاها وتابعها فأثمرت له تلك الثمار التي لفتت نظر العالم وقتها ووقتنا.

** وفق الذي ورد أعلاه: [ونجد لذلك المفهوم شطط من الالتفاتات اللبيبة في التراث الإسلامي عند الجاحظ والتوحيدي وغيرهم بيد انه لم يرتقي الامر الى تجميعه في نظرية تفسر على ضوئها كل ظواهر الحياة البشرية]... هل يمكن/يُعقل أنه في يوم من الأيام ستكون هناك نظرية يمكن على ضوئها تفسير كل ظواهر الحياة البشرية؟

2 ـ في ص11 / 12 ورد: [ لذا فأن اختيار المرحوم علي الوردي لهذا العلم في الاربعينات من القرن المنصرم كان لبابة ووسع اطلاع ارتقى فوق مستوى ادراك المجتمع العراقي حينئذ...]انتهى

* تعليق: 

انا مضطر هناك ان اذهب لأستعير/اقتبس/استشهد بما نشره عن الراحل الوردي أكثر احبابه التصاقاً به وربما اكثر من كتبوا ونشروا عنه وهم السيد محمد عيسى الخاقاني في كتابه :[مئة عام مع الوردي] وسلام الشماع في كتابه: [ من وحي الثمانين] لأن اصل هذا الموضوع هو القيل والقال  والأثنين نقلا كما قالا عن لسان الوردي وانا لا استطيع نفي او تأييد انما اعرض الغرابة في القيل والقال والذي صار مع الوردي حقائق دون اسانيد او تأييد... ما كُتب على/ عن الراحل علي الوردي وعلى حد تواضع اطلاعي، كانت هناك إشارات مباشرة وغير مباشرة يُفهم /فُهِمَ منها ان الراحل الدكتور علي الوردي له الرحمة لم يَخْتَرْ علم الاجتماع عن لبابة ووسع اطلاع كما ورد انما فُرِضَ عليه تدريس شيء من علم الاجتماع في الإعدادية المركزية التي قضى فيها الفترة من 15.09.1943 الى 01.12.1943 أي شهرين وخمسة عشر يوماً بعدما عاد من بعثة البكالوريوس في الجامعة الامريكية في بيروت وتخصص بالتجارة والاقتصاد كما هو معروف/ معلوم وكما ورد في كتاب السيد محمد عيسى الخاقاني: [مئة عام مع الوردي] ص51 في جدول تحت عنوان :[ الأوامر الإدارية الخاصة بتعيين علي الوردي في مهامه الوظيفية 1937 ــ 1970 هذا الجدول منقول كما أشار الكاتب من البحث الذي نشره الدكتور علاء حسين الرهيمي والأستاذ علي طاهر الحلي في مجلة جامعة الكوفة بعنوان: [علي الوردي بيئته ونشأته وجهوده التربوية...دراسة تاريخية] وهذا الجدول نقلاه كما ورد ايضاً من اضبارة الدكتور علي الوردي من خلال الوثائق المتوفرة في وزارة التربية والتعليم العراقية والتي كانت تسمى وزارة المعارف.

* ملاحظة: 

الحقيقة لا أعرف ولم أتمكن من الاطلاع على كتاب او مقالة او مجموعة مقالات او بحث او مجموعة بحوث اعتمدت على "اضابير"/وثائق الحياة العملية/ العلمية للراحل الدكتور علي الوردي او قَّلبتها او سلطت الضوء على ما فيها وهذه "الاضابير" أكيد موجودة ضمن الأرشيف أو ضمن محفوظات وزارة التعليم او وزارة التربية/ المعارف سابقاً او رئاسة جامعة بغداد او كلية الآداب/جامعة بغداد او الجامعة الامريكية في بيروت او جامعة وارشو/معهد الدراسات الشرقية او أي جهة علمية بحثية أخرى وربما في أرشيف المجمع العلمي العراقي...اتمنى على من اطلع على ذلك الأرشيف/"الأضابير" (من غير القضايا الأمنية التي ظهرت هنا او هناك) التفضل بالإشارة اليها وأتمنى ان يُكلف طالب/طلبة باحث/ باحثين من اقسام علم الاجتماع في الجامعات العراقية للبحث عن/في تلك "الاضابير" والغوص فيها ونشر ما ينفع منها وتسليط الضوء عليها أو إعادة مناقشتها في رسائل او بحوث جامعية حيث ذُكِرَ ان للراحل الوردي أكثر من (150) بحث ودراسة في اضبارته في كلية الآداب/ جامعة بغداد ( يعني تقريباً بحث واحد كل شهر من أشهر الدراسة بين تعينه عام 1950 وتقاعده عام 1970) وأتمنى أن تُنشر هذه البحوث والدراسات كما نُشرت مقابلاته الصحفية.

ذكر السيد الخاقاني في ص (52) من كتابه [مئة عام مع الوردي] التالي: [وحصل الوردي على مبتغاه حين أعلنت وزارة المعارف العراقية في عام 1939 عن وجود بعثات دراسية في الجامعة الامريكية في بيروت فقدم أوراق ترشيحه الى الوزارة ولأن درس اختصاصه الأول الذي لم يكن يتنازل عنه كان الاقتصاد فقد أعلنت نتائج الترشيحات كان الوردي من بين الفائزين بإحدى مقاعدها المخصصة لدراسة التجارة والاقتصاد ووافق على مضض أيضا وان كان الدرس الاقتصادي لم يلق هوى في نفسه بيد انه لم يجد بدا الا في القبول خشية ان يفقد مقعد البعثة العلمية...] انتهى [[ الرجاء الانتباه الى: (ووافق على مضض وما بعدها وقبلها) و(ولأن درس اختصاصه الأول الذي لم يكن يتنازل عنه كان الاقتصاد) [ عجيب أمور الكتب التي كتبها محبي الوردي له الرحمة] من أين جاء بالتخصص في الاقتصاد الذي لا يتنازل عنه؟؟؟؟؟!!!!

ثم انه اُبْتُعِثَ لدراسة علم الاجتماع في الولايات المتحدة الامريكية/ تكساس وهو بكالوريوس في التجارة والاقتصاد من الجامعة الامريكية في بيروت ومن هذا يعني انه عندما وجد ان هناك بعثة لدراسة التجارة والاقتصاد تقدم اليها وعندما وجد أن هناك بعثة لدراسة/ التخصص في علم الاجتماع تقدم لها وفي الحالتين كانت هناك إشارات الى تَدَّخُل (الواسطة) التي توجه لها الراحل الوردي منذ تعينه معلماً في الشطرة أي من بداية حياته العملية...حيث ورد في كتاب [مئة عام مع الوردي]/ محمد عيسى الخاقاني في ص48 التالي : [وقد أتم الوردي عامه الدراسي الأول الطويل الممل على مضض وجاءت العطلة الصيفية لينتقل الوردي الى بغداد يبحث عن شخص متنفذ يتوسط له في وزارة المعارف لنقله من الشطرة وكان ان قضى الصيف كله على أبواب الوزارة، يقول الوردي وتناخى له أبناء المحلة والحي ليذهبوا الى ابن محلتهم الذي يعمل في الوزارة لمساعدة الوردي وكان له ما أراد حيث نقلته وزارة المعارف الى مدرسة الشالجية الابتدائية في الأول من تشرين الأول عام 1938...] انتهى

ملاحظة: ورد في ص51 من كتاب السيد محمد عيسى الخاقاني /جدول الأوامر الإدارية الخاصة بتعيين علي الوردي في مهامه الوظيفية 1937 ـ 1970 التالي: [معلم في مدرسة الشطرة الابتدائية تاريخ التعيين16.01.1937 وتاريخ الانفصال 01.11.1937 ثم معلم في مدرسة الشطرة الابتدائية تاريخ التعيين 17.03.1938 تاريخ الانفصال 01.10.1938

وهذا يعني ان الراحل الوردي لم ينتظم في عمله كمعلم في مدرسة الشطرة حيث  كما يبدو كان في بحثه الدؤوب عن واسطة للتخلص من "محنة تعيينه في الشطرة".

 واستمر السيد الخاقاني : [وعرف الوردي باب الواسطة لتنقل وزارة المعارف خدماته الى الإعدادية المركزية مدرسا لدرس الاقتصاد]. ويقصد هنا بعد عودته من البعثة الى بيروت عام 1943

ثم يضيف الخاقاني في ص49 تحت عنوان فرعي هو : [الوردي يصادف قدره فيعترض] حيث كتب التالي: [وحدث الحادث الأهم في الإعدادية المركزية حيث رشحته وزارة المعارف لتدريس مادة دراسية جديدة أضيفت على المنهج الدراسي في المدرسة نفسها عنونت المادة المراد تدريسها من قبل الوردي (بأحوال العراق الاجتماعية) واختصت موضوعاتها بدراسة الواقع الاجتماعي للبلاد والعوامل المؤثرة فيه مع التعريج على ابرز سمات المجتمع العراقي وخصائصه.

اعترض الوردي على قدره وقدم احتجاجاً مكتوباً للوزارة على فرض هذا الدرس(الاجتماعي) عليه وهو ليس من صلب تخصصه ولم تنفع اعتراضات علي الوردي على قرار وزارة المعارف ورفضه تدريس درس ليس ضمن تخصصه الدقيق كما كان يقدم في اعتراضه الوجيه الى الوزارة الا ان الوزارة أصرت مهددة إياه بنقل خدماته الى مدرسة أخرى في حال عدم الاستجابة لمطالبها في ضرورة تدريسه للمادة الجديدة تلك المادة التي ستكون فيما بعد شخصية الوردي العلمية والاجتماعية وهو امر اضطره الى الرضوخ لأوامرها والقبول بتدريس مادة أحوال العراق الاجتماعية...] ثم يضيف السيد الخاقاني: [كان للوردي موعدا مع القدر في هذا الكتاب فانكب على القراءة والاستقصاء عن المنهج الذي يجب ان يتبعه لا سيما ان الدرس افتقد الى كتاب منهجي مقرر من وزارة المعارف خلافا لبرامجها الدراسية المقرة لمختلف الدروس...جمع الوردي المادة المتخصصة فيه وبحث ايام  وليالي في مكتبات الكاظمية وبغداد ولكي يؤلف منهجا لكتابه الدراسي وكانت البداية تلك الصدفة التي يصفها الوردي باستغراب حيث يقول القدر يطرق الباب ويلح عليك وربما خالفته واضعت الفرصة وربما فرض عليك ولكنه في النهاية قدرك الذي جاء بمصادفة غريبة....].

ثم أضاف السيد الخاقاني في ص55 التالي : [عينت وزارة المعارف العراقية موظفها العائد من بيروت بشهادة تحمل مرتبة الشرف الأول على دورته، عينته مدرساً في الإعدادية المركزية في 15 سبتمبر أيلول من عام 1943 ثم نقل الوردي بعد عام ونصف العام الى ثانوية التجارة وذلك في الأول من ديسمبر كانون اول عام 1944 وانيطت به مهمة تدريس مادتي الاقتصاد واحوال العراق الاجتماعية]

ملاحظة: يمكن للقارئ ملاحظة الارتباك او عدم الدقة فيما ورد عن السيد الخاقاني وهذا حال اغلب الكتابات عن الوردي لأنه كما اعتقد تسيطر روح التقديس على الكاتب ومحاولة  الاندفاع في "تفخيم/تعظيم" الأمور التي لا تعني شيء مثل(العراقي القح) و(مرتبة الشرف التي اجتاز بها الوردي كل مراحله الدراسية تقريبا) وغيرها من الأمور وكلها بدون اسانيد ووثائق والرجل له الذكر الطيب والرحمة متواضع ...وهنا ورد انه نقل من الإعدادية المركزية الى  ثانوية التجارة بتاريخ 01.12.1944 وفي الجدول المنشور في ص51 يذكر تاريخ اخر هو 01.12.1943

كتب الراحل الوردي في ص8 من كراسته/شخصية الفرد العراقي/1951 التالي: [ان هذه المحاضرة رغم ما فيها من نقص بارز في الناحية العلمية هي محاولة مفردة في سبيل فحص المجتمع العراقي وكيف تنمو فيه شخصية الفرد على ضوء علم الاجتماع الحديث ولقد كابدت في سبيل اعدادها آلاماً لا يستهان بها إذ لم اجد في طريقي الذي حاولت السير فيه علامة ترشدني وكأني بذلك اشق طريقاً جديداً لم تطأه قدم من قبل] انتهى

هنا اشعر بضرورة اعادة ما ورد في التقديم للمقارنة حيث ورد التالي: [1 ـ في ص11 / 12: [ لذا فأن اختيار المرحوم علي الوردي لهذا العلم في الاربعينات من القرن المنصرم كان لبابة ووسع اطلاع ارتقى فوق مستوى ادراك المجتمع العراقي حينئذ...]انتهى

*تعليق: نعم إجبار الراحل الوردي على تدريس شيء عن المجتمع او الحالة الاجتماعية العراقية وقبوله ذلك على مضض جعله اول أو من أوائل من دَّرَسَ شيء عن علم الاجتماع في المدارس العراقية  وليشده هذا الموضوع الجديد عليه وعلى الحياة العلمية العراقية.

وبخصوص البعثة الى تكساس كتب السيد عبد الأمير الورد في تقديمه لكتاب سلام الشماع (من وحي الثمانين) في ص 34 التالي: [وعلمنا فيما بعد ـ كما سمعت منه في المشهاد في مقابله معه انه هو وأربعة او ثلاثة اخرون علموا بوجود بعثات في وزارة المعارف (التربية حالياً) ولكن الوزير رفض ان تكون البعثات لهم وكان احدهم المرحوم عز الدين ال ياسين فمضوا الى بناية مجلس الامة ـ سماها البرلمان ـ  وقابلوا هناك شخصا مهما لم يذكر اسمه ولا اشك في انه السيد محمد الصدر احد اعاظم اركان الدولة العراقية آنذاك وشرحوا امرهم فاتصل هاتفيا بالدكتور محمد فاضل الجمالي وقال له: اذهب وقل لوزير المعارف ان يرسل هؤلاء في البعثات التي عنده فاعتذر الجمالي وقال: ولكنك تعلم انني لا اتدخل في شؤون غيري... فانتهره السيد الصدر وقال له يا فاضل انك تركض هنا وهناك في القضايا التي تريدها والان تعتذر اذهب وافعل ما قلت لك...بعد أربعة أيام كان طلبة البعثة على متن طائرة يسافرون كل الى جهة]انتهى

و يقول سلام الشماع وهو لصيق للوردي لفتره طويله وله صولات وجولات معه!!؟؟ في هامش رقم (1) /ص 35 من نفس الكتاب: 

[ أخبرني الدكتور الراحل علي الوردي انهم قابلوا السيد عبد المهدي المنتفكي وليس السيد محمد الصدر كما اخبرني الوردي ان ساطع الحصري وكان ذا منصب مرموق في وزارة المعارف آنذاك هو الذي رفض ابتعاثهم الى أمريكا فوقف المنتفكي بوجهه وامضى امر ابتعاثهم...الخ]انتهى

*تعليق: شخصياً أقول ان هناك عدم دقة في هذه القصة بين الصدر والمنتفجي  ...قد يكون الصدر مهتم كون من الأسماء من هم من أهالي الكاظمية او سكنتها الذين ربما يعرفهم الصدر...لكن ليس لمثل ذلك عند المنتفجي. كما اشعر انه يُشم من هذا الطرح ان هناك نفس طائفي بين الصدر والمنتفجي من جهة وساطع الحصري من جهة أخرى...فكان المفروض ذكر كل الأسماء المطروحة في القائمتين أي قائمة الصدر ـ المنتفجي وقائمة ساطع الحصري. ولا اعتقد ان الأمور سارت بمسار أوامر الصدر او المنتفجي كما يُفهم من الروايتين.

أعتقد أن هذا الخلط كان ولا يزال لإبعاد بحث الوردي الحثيث عن الواسطة.

لقد رفض الوردي واعترض وكتب عن موضوع تدريس الحالة الاجتماعية للعراق لأنها ليست من اختصاصه ويأتي للبحث عن بعثة بغير اختصاصه فهو بكالوريوس بالاقتصاد والبعثة لعلم الاجتماع...هل يُعقل ان يُبْتَعَثْ مهندس متخصص بالأجهزة الطبية مثلاً لدارسة الطب؟ فالهندسة والطب تخص المجتمع كما الاقتصاد وعلم الاجتماع...

 أكيد كانت للسيد ساطع الحصري أسبابه وأسماء مبتعثيه وله القدرة على التنفيذ والاعتراض... فكيف تمت تسوية الموضوع؟؟؟ الجواب عند من استفسر من الوردي له الذكر الطيب ان كان هناك من استفسر ولو ان ذكر الوردي رحمه الله لهذه الرواية تدفع الى السؤال عن كيف تم حل الموضوع هل تم تنفيذ أوامر الصدر ام انسحب الحصري وقائمته؟؟؟ هذا الموضوع لا يعني شيء لعلم الاجتماع لكنه يعني الكثير عن الروايات التي حفت وتحف مسيرة الوردي التي لم يستفسر عنها احد.

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

3337 اوربا الحديثة والتنويرهل الليبرالية تتعرض للهجوم في اوربا. في مقابلة له مع صحيفة الفاينانشل تايمز في حزيران 2019، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بوضوح ان "الفكرة الليبرالية" قد استنزفت أهدافها. دليله على ذلك هو ان الجمهور الاوربي رفض علنا المواقف السياسية "الليبرالية" في مسائل الهجرة وفتح الحدود والتعددية الثقافية. في كتاب اوربا الحديثة والتنوير (2021)، يستكشف العالم الاجتماعي رومي حسن، المحاضر في جامعة ساسكس والعضو في معهد civitas البريطاني لدراسة المجتمع المدني، ما اذا كان فتح الحدود والتعددية الثقافية ينسجم حقا مع الديمقراطية الليبرالية وقيم التنوير المؤطرة لها. هو يجمع الكثير من الأدلة للاقتراح بأن بوتن كان يهاجم رجل القش الليبرالي وليس الديمقراطية الليبرالية الحقيقية. ولكن اذا كان المؤلف صائبا، عندئذ فان اللعبة السياسية بالكامل تكون قد اسيء فهمها. هذا يجعل جدال الكاتب حيويا في فهم كم هو الانسجام او اللاانسجام بين التسميات البلاغية لتلك السياسات وبين جوهرها. عندما يقول شخص ما ان شيئا ما ليبرالي، فهل هو حقا ليبرالي، وبأي معنى؟ يبدأ كتاب (اوربا الحديثة والتنوير) بعرض ملخص قوي وفحص متوازن لقيم التنوير. الكاتب يطرح ايضا بجدية العوامل المؤثرة المضادة للتنوير في اوربا الحالية، سواء كانت في النسبية الثقافية لليبراليين او الميول السلطوية في شرق اوربا، او قيم ما قبل التنوير التي كوفئت وحظيت بالرعاية من جانب بعض الجماعات المهاجرة. الكتاب ايضا يسجل المدى الذي اتُبعت فيه قيم التنوير في مختلف أجزاء اوربا الحديثة. ولهذا الغرض، هو يصنف القارة الى اوربا الغربية، الرائدة في التنوير، الدول الشيوعية السابقة التي ارتبطت بالاتحاد الاوربي، و الدول الشيوعية السابقة التي ليست ضمن الاتحاد الاوربي.

منذ البدء، يستعد المؤلف لنقاده باظهار وعي تام بتلك المواقف التي قدم فيها مفكرو التنوير نظريات وافكارا غير تنويرية. جدال الكاتب هو ان الرؤى العرقية والعنصرية لبعض مفكري التنوير جاءت بالضد من جوهر القيم التنويرية بدلا من ان تكون المحصلة المنطقية لتلك القيم. وبدلا من إزاحة المسؤولية عن هيوم وكانط وجيفرسون لـ "فشلهم الخطير"، يعترف الكاتب بهذا الفشل، لكنه يضعه في سياقه الصحيح ضمن قيم التنوير الكاسحة من حيث الدليل والمحاججة المنطقية. عندما طُبقت تلك القيم باستمرار من قبل هؤلاء الرجال، فهي لم تدعم ذلك النوع من الانحرافات الشخصية في التفكير التي ينتقيها منتقدو التنوير بشكل روتيني . كذلك، الى جانب ديدروت ودعاة الغاء عقوبة الإعدام، كان جون لوك البطل العظيم لجيفرسون قد عارض بقوة العنصرية وسيادة البيض. ورغم ان جيفرسون كان عبدا، مع ذلك هو أدخل عبارات في إعلان الاستقلال الامريكي تمنع العبودية – فقط ليراها قد اُزيلت بالقوة من جانب المفاوضين من الولايات المالكة للعبيد والطبقة التجارية. الاعتناق المبدئي لقيم التنوير، كما يذكر الكاتب، يقف بقوة ضد عقائد التفوّق للرجل الابيض.

كان هناك خيط من التفكير ينظر للأبطال التاتوليتاريين الذين اكتسحوا اوربا في النصف الاول من القرن العشرين كنتائج غير مقصودة لقيم التنوير. العديد من مناصري هذه الرؤية هم تلاميذ ادورنو و هوركهايمر المضادين للتنوير في كتابهما (ديالكتيكية التنوير، 1947)(1). لكن الكاتب يشير الى ان هذه هي حالة بدائية لمغالطة السببية في تعاقب الأحداث the post hoc ergo propter hoc (التي تقول ان الحدث س اذا جاء بعد الحدث ص معنى ذلك ان الحدث س يجب ان يكون نشأ بفعل ص). النازيون انفسهم كانوا ضد التفكير التنويري. استخدامهم الساخر للديمقراطية أعقبه التدمير المباشر لكل الهياكل الديمقراطية فور استلامهم السلطة عام 1933، الامر الذي يوضح انهم لم يقيموا الديمقراطية كمبدأ وانما فقط وسيلة لغاية. ان المبادئ الرئيسية للعقل والعلوم هي ضرورية لكنها ليست شرطا كافيا لتحقيق المجتمع والدولة التنويرية الحديثة، طالما هي ايضا يمكن استخدامها في خدمة غايات معاكسة .

ايضا، رغم ان الاستعمار الاوربي تمدد بسرعة في القرن التاسع عشر، لكن هذا كان ضد جوهر مبادئ التنوير. هذا الاستعمار جلب بعض افكار التنوير للمستعمرات، لكن تلك الافكار وبشكل متفاوت لم توضع موضع التطبيق في احترام المستوطنين. كيف يمكن ان يكون ذلك عندما يصبح عمل الاستعمار نفسه خرقا لجوهر القيم التنويرية في تقرير المصير والحرية؟ افكار التنوير انتشرت بسرعة حول العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الكاتب يشير الى ان قادة ما بعد الاستعمار لم يؤكدوا على اهميتها ولم يطبقوها بأي قناعة كانت. هو يعتقد ان هذا هو سبب قلة التطور الاقتصادي والاجتماعي في العديد من دول ما بعد الاستعمار في العقود التي أعقبت نيلها الاستقلال. هو يعرض بيانات ميدانية غزيرة لدعم هذا، مستخدما مجموعة من المؤشرات عن الحريات والحقوق على طول الكتاب.

يركز الكاتب نقاشه على النقد العنيف للتنوير في مطلع هذا القرن الذي وصفه دارين ماكماهان بـ رياضة دموية فكرية، تجمع عناصر من كلا اليمين واليسار في "مصلحة مشتركة" (اعداء التنوير، 2001). اطروحة الكاتب هي ان العقلية المضادة للتنوير التي اتسمت بالنسبية الاخلاقية والثقافية بدلا من العقل والدليل، ضربت جذورها في كل اوربا. هو يعتقد ان هذا خطأ جسيم و عميق يهدد باغراق اوربا الغربية ونكوصها نحو اللاعقلانية والظلامية، بما يخلق صعوبات هائلة للملايين من الناس. المؤلف كان في موقع قوي عندما طرح هذا الادّعاء بسبب البحث السوسيولوجي الهائل الذي أجراه للظروف الحياتية وحقوق الانسان والتنمية الاقتصادية حول العالم. عدة دراسات أشارت بان علمنة الثقافة والمجتمع ليست فقط مفيدة للتطور المعرفي للاطفال وانما ايضا ضرورية للتنمية الاقتصادية والتحديث، وان المستويات العالية للانتماء الديني في عالم الجنوب كبح النمو والتنمية والازدهار الانساني.

بعد الحرب العالمية الثانية، تبنّت اوربا الغربية بقوة إمداد الديمقراطيات الليبرالية بالدساتير والقوانين التي جسدت حقوق الانسان العالمية. هذا الإجماع كان واضحا في إعلان حقوق الانسان في الامم المتحدة لعام 1948، بالاضافة الى الاتفاقية الاوربية لحقوق الانسان التي دخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 1953. المبادئ المركزية للاتفاقية الاخيرة كانت حرية التعبير (المادة 10) ومنع التمييز، التي تؤكد على ان ولادة المرء العشوائية يجب ان لا تكون سببا لأعمال التمييز. التبنّي الموحد للقيم المشتركة والمبادئ تكرر ايضا عام 1973 في إعلان الهوية الاوربية. هذه القيم والمبادئ تختلف بشكل واضح، كما يذكر الكاتب، عن النمط الذي اُتُّبع في ظل "التعدية الثقافية". التعددية الثقافية تفضل التنوع وسيادة الثقافات. لذلك هي لا تؤدي الى "قيم مشتركة ومبادئ" وترفض فكرة "الحضارة الاوربية المشتركة". واذا كانت الحقوق والحماية ومنزلة المرأة والاقليات الاثنية في اوربا الغربية في القرن الواحد والعشرين متفردة، فان هذا التقدم بمحصلته الكلية يخفي اختلافات عميقة بين الجماعات الثقافية والدينية والاثنية ضمن اوربا. احيانا يتم التسامح مع المواقف والممارسات التي لا تُقبل في المجتمع المضيف وتُحمى ضمن الاقليات المهاجرة. هذا المعيار المزدوج الصارخ جرى التهرب من المسؤولية عنه عبر اللجوء الى موقفين ثنائيين ضمن التعددية الثقافية: النسبية الثقافية والنسبية الاخلاقية. هذا الموقف جرد افراد الاقليات من الحماية المتساوية في ظل القانون بإستبدال حقوقهم الفردية بـ "حقوق الجالية". هذه السياسة تتغاضى بعمق عن القيم غير الليبرالية تحت عنوان التسامح الليبرالي. تلك المفارقة اصبحت واضحة جدا مع وصول أعداد كبيرة من المهاجرين من دول ذوي رؤى غير متسامحة ورجعية تجاه المرأة والاطفال ومثليي الجنس والمتحولين جنسيا. على هذا الاساس، يفكك الكاتب بفاعلية إجماع الرأي بان السياسات التي تدعم الهجرة الواسعة وسياسات اللجوء السخية هي ليبرالية وتلك التي عارضت تلك السياسات هي رجعية غير تنويرية وشعبوية او من اليمين المتطرف . هو يجادل على عكس ذلك، ان سيادة وحرية الفرد – اللذين هما شرط لا غنى عنه – للفلسفة السياسية الليبرالية التنويرية تعرّضا للخطر الشديد من جانب التفكير الجماعي للجماعات المحافظة اجتماعيا الذي جسّدته التعددية الثقافية. سيادة العقل وحرية ممارسته والذي هو جوهر قيم التنوير، يحرر الافراد من قيم الجالية والعادات والتقاليد. هذه الحرية هي شرط ضروري لتقرير سيادة الفرد.

من المفيد قراءة القضايا الثقافية المثيرة للخلاف من قلم عالم اجتماعي يتعامل مع موضوعه كما يتعامل الطبيب الشرعي بدقة صارمة. يقدم المؤلف حقائق سارة وغير سارة وفق معيار متساوي، بينما يخفي اي ملامح للاستثمار الشخصي. الأدلة اُعطيت أولوية، والكاتب بارع ومتمرس في تجميعها وترتيبها. هذا الكتاب هو عمل إبداعي لدراسة أكاديمية الطابع، ويجب ان يُدرّس لطلاب الجامعة كإنموذج واضح وسهل الفهم.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

* كتاب (اوربا الحديثة والتنوير)، لرومي حسن، صدر عن مطبوعات جامعة ساسكس عام 2021 في 240 صفحة.

(1) في كتاب ديالكتيكية التنوير يجادل الكاتبان ادورنو و هوركهايمر ان تمجيد العقل من جانب مفكري التنوير في القرن الثامن عشر قاد الى تطوير انماط للحوكمة معقدة تكنلوجيا لكنها قمعية وغير انسانية، تمثلت بفاشية القرن العشرين والانظمة التاتوليتارية .

 

علاء اللامينستمر في هذا الجزء الأخير من المقالة بمناقشة فرضيات لويس عوض حول أصل العرب القوقازي وطبيعة لغتهم ونتساءل: لماذا لم نجد نسبة مهمة عند تحليل المورثات الجينية "الجينات" لسكان الجزيرة العربية ذوي الأصول القوقازية، بل وجدنا جينات لا تختلف عن جينات الرافدانيين واليمنيين والشاميين كثيرا ضمن دائرة الجينوم ج1 وج2؟

هل المصريون عرب؟

وبالمناسبة، فلويس عوض يقول في كتابه "إن المسح الإثنولوجي لمصر والمصرين الناطقين بالعربية أثبت أنهم ينتمون إلى مجموعات إثنولوجية مختلفة عن المجموعات العربية بالإضافة إلى اختلافهم عن العرب. ص 10 م.س"، وقد فندت الدراسات الجينولوجية الحديثة هذا الرأي، وأثبتت أن المصرين لا يختلفون عن غيرهم من الناطقين باللغة العربية بين المحيط والخليج بانتمائهم إلى الجينومين ج1 وج2، وقد تطرقتُ لهذا الموضوع في مقالة سابقة اقتبست فيها ما قاله أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، العالم  الروسي - الأميركي أناتولي كليوسوف، الذي قال حرفيا "إن من الخطأ تسمية المجموعة الجينية "ج1" بالمجموعة الفردانية الكوهينية "اليهودية"، لأنها موجودة عند العرب أيضاً، وهي عند العرب أقدم من وجودها عند اليهود بكثير، فهي موجودة عند العرب الذين يتكلمون العربية ويعيشون في تسع عشرة دولة تنسبها الموسوعات إلى العالم العربي، بدءاً من المغرب العربي حتى سوريا والعراق". 

وفي أحدث التحليلات الجينية التي أجريت من سنة 2017 وحتى 2020 نجد أن نسبة الجينومين "العربيين" ج1 وج2 هي أعلى من غيرها من شبكة الجينات لدى المصرين، ويخلص هذا التقرير العلمي الموثق بالأرقام والتفاصيل والذي يحمل عنوان (Genetic history of the Middle East) وتحت عنوان فرعي هو (DNA history of Egypt) الى الخلاصة الحاسمة التالية: "يكشف التحليل الجيني للمصريين المعاصرين أن لديهم سلالات أبوية مشتركة بين السكان الأصليين الناطقين باللغة الأفروآسيوية في المغرب العربي والقرن الأفريقي ولدى شعوب الشرق الأوسط؛ كانت هذه السلالات الجينية قد انتشرت خلال العصر الحجري الحديث وتم الحفاظ عليها طوال عصر ما قبل الأسرات" أي بحدود 3100 ق.م.

أما الهابلوغروب أو السلالة (E) وتفرعاتها المختلفة والموجودة في مصر "فمايزال العلماء مختلفين حول منشئها وهل ولدت في افريقيا أو في الشرق الأدنى "الأوسط"، ومن يقول انها ولدت في الشرق الادنى يقول انها هاجرت هجره عكسيه لافريقيا ، والسبب هو انها بنت السلاله CT"، وسأكتفي بهذا القدر من الشواهد الجينية لأنني لست ملما بهذا العلم إلا بشكل بسيط وكمعلومات عامة.

أما لغويا، فنحن نتساءل: ألم يأتِ "أجداد العرب من القوقاز" معهم بلغتهم أم أنها زالت من الوجود كلغة وكسردية ولم تترك إلا بعض الألفاظ القليلة التي يشهرها لويس عوضا في كتابه دليلا على أن اللغة العربية هي لغة هندوآرية وليست جزيرية "سامية"؟ وهل تخلو أي لغة في العالم المعاصر من مفردات - قلَّت أو كثُرت - قادمة من لغات أخرى؟ وبالمناسبة، فهناك فرضية قديمة يقول أصحابها إن المجموعتين اللغويتين "السامية الحامية" و"الهندوآرية" ربما كانتا مجموعة واحدة وانشطرت لاحقا إلى عدة مجموعات ولكن جمهور الباحثين لا يقر هذه الفرضية لانعدام الأدلة الحاسمة التي تؤيدها، كما قال العلامة طه باقر قبل حوالي ثلاثة أرباع القرن في كتابه "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة" ج1 ص 94، الصادر سنة 1951.

أما الباحث العراقي عامر سليمان فقد أكد في كتابه "التراث اللغوي - الوارد في حضارات العراق"- ج1 ص312، الصادر سنة 1985، أن البحث اللغوي المقارن والذي يأخذ بنظر الاعتبار التزمين والتدرج من الأقدم إلى الأحدث، أكد الأصول الرافدانية الأقدم للعديد من المفردات التي دخلت في اللغة الإنكليزية وبعض اللغات الأوروبية عن طريق اللغة اليونانية يورد قائمة بمفردات بعضها أساسي ومهم.

ومع كل ما تقدم، فإن هذا الرأي للويس عوض ومن يؤيده يبقى فرضية ترجيحية لا أكثر، وكان مؤسفا وتعسفيا القرار الحكومي المصري بحظر توزيع وتداول كتابه في مصر منذ صدوره في الثمانينات، مع أنه كان مطبوعا ومتداولا خارج مصر.

قبل فرضيات عوض طُرحت فرضيات عديدة في إطار ما سمي "المعضلة السومرية" الباحثة عن أصول إلى هذا الشعب ولغته؛ منها ما يذهب إلى إنهم قَدِموا من شمال الهند وبلاد السند، ومنهم من يقول أنهم قدموا من شبه الجزيرة العربية ومنهم من يقول إنهم قدموا من شمال بيث نهرين "الرافدين" أو من جبل أرارات وبلاد أرمينيا، أو من وسط إيران، أو من جنوب الخليج العربي، وهناك مَن يقول إنهم لم يأتوا مهاجرين من أي مكان آخر، بل وجدوا في بلادهم في جنوب العراق القديم وفيه اندمجوا بالجزيريين الذين عاشوا إلى جوارهم حتى غطى حضورهم السكاني على الحضور السومري، وأنا أميلُ شخصيا الى هذه الفرضية، وهناك فرضية مثيرة أخرى قال بها الباحث العراقي د. نائل حنون قبل سنوات قليلة، تقترب من هذه الأخيرة، وتذهب إلى عدم وجود شعب سومري أصلا، وكل ما وجد هو لغة اسمها السومرية ابتكرها سكان المنطقة الجنوبية من العراق القديم واستعملتها شعوب عديدة متعاقبة، فاللغة كما يقول حنون "ليست دائما دليلا على وجود شعب تكلم بها" ويضرب على ذلك مثال اللغة السنسكريتية وكنت قد ناقشت رأيه هذا في مناسبة سابقة من باب الاختلاف البحثي معه. ووجهة نظر حنون قريبة من وجهة نظر جورج رو التي "تضع حلاً وسطاً مفاده أن السومريين كانوا نتاج تمازج عدد من الأجناس التي توطنت المنطقة على مراحل مختلفة". وهذه كلها فرضيات قابلة للنقاش.3335 شعار

الاستناد إلى التوراة:

يستند المؤلف - صباح كنجي - في بعض مواضع الكتاب إلى التوراة التي يقول عنها إنها " تؤرخ للكثير من تسميات هذه الشعوب والقبائل، وإن لم يكن ما ورد في التوراة من باب المسلمات التاريخية المطلقة والعلمية ولكنها تترادف مع المكتشفات الآثارية ولا تبتعد عنها في الكثير من التسميات أحيانا. ص 323". وهذا كلام متناقض، فكيف يمكن الاستناد علميا لوثيقة غير علمية وغير مُسَلَّم بها كالتوراة؟ وكيف تترادف تسميات التوراة غير العلمية مع المكتشفات الآثارية ولا تبتعد عنها كثيرا؟ وأين هي تلك المكتشفات الآثارية التي لا تبتعد عما ذهبت إليه التوراة؟ إن الدراسات الحديثة حول التوراة انتهت إلى الجدار في ما يخص الميدان العرقي الإثنولوجي والتأريخي وقد لخص ذلك أحسن تلخيص البروفيسور "الإسرائيلي" زئيف هرتسوغ، رئيس قسم الآثار في جامعة تل أبيب بدراسته الآثارية المثيرة والتي تقول كل شيء في عنوانها وهو: "التوراة: لا إثباتات على الأرض" بمعنى لا توجد أدلة آثارية "أركيولوجية" على الأرض تؤيد الروايات التوراتية.

إن التوراة فيها من الأخطاء الانثروبولوجية والإثنية والتأريخية ما يشب لهوله الوِلْدان؛ فهي مثلا تعتبر العيلاميين من الجنس السامي وهم الأقرب الى الشعوب الآرية، وقد هاجروا الى جنوب إيران من شمالها وتطبعوا لاحقا بطابع الثقافات والديانات واللغات الرافدانية، فيما تعتبر الكنعانيين الذين هم سكان فلسطين الأصلين من غير الساميين أي من الحاميين الذين حكم عليهم "رب التوراة" بأن يكونوا عبيدا لأبناء سام، رغم أن الكنعانيين كما كررنا هم الأقرب لغة وحضارة إلى الشعوب الجزيرية الأخرى، وهم أصحاب اللغة التي تفرعت عنها لغات عديدة أخرى كالفينيقية الشرقية والفينيقية الغربية في قرطاجنة والعمونية والمؤابية والإدومية والعبرية والآرامية. ويمكن أن نسرد هنا قائمة طويلة بالآثار المكتشفة التي تؤكد أخطاء الرواية التوراة بما فيها "نقش سلوان" الذي حاول التوراتيون توظيفه بشكل احتيالي لتأكيد روايتهم وقد فشلوا فشلا ذريعا، كما بيتُ في مقالة نشرتها قبل أيام قليلة*تجد رابطها في نهاية هذه المقالة.

جدالات قومية خارج سياق البحث العلمي:

كنت أتمنى أن لا ينزل المؤلف بسوية كتابة وتحليلاته الى اعتماد بعض الآراء التي يكررها بعض كتبة مواقع التواصل وصانعي النكات والطرائف من قبيل أن "تسمية العرب جاءت من اللغة السريانية وتطلق على البدو الرحل المتنقلين تسمية "آربايا" وقد اشتقت منها العربة التي هي وسيلة التنقل والحركة. ص 324"، ومعلوم لدى عدد من الباحثين أن اسم "السريان" واللغة السريانية هو ذو حمولة طائفية دينية للغة الآرامية التي جُعلت حكرا على الشعب الآرامي الوثني فيما اختار المسيحيون تسمية السريان لينأوا بأنفسهم عن الوثنية، ومعلوم أيضا اسم السريان مشتق من اسم "سوريا" وكلاهما مشتق من آشوريا أي بلاد آشور لولاية سلوقية ثم رومانية لاحقا؟ ثم هل يمكن أن نأتي بديل مشتق من لفظة معينة بعد قرون عديدة لتأكيد فرضية قبله فنقول إن اسم العرب اشتق منه اسم " العربة للتنقل" على اعتبار العرب بدو رحل؟ وهل يتنقل البدو العرب في رحلاتهم الطويلة بالعربات أم على الجمال؟

العرب ليسوا أصل الجزيريين بل شعب منهم:

إن العرب ليسوا هم البدو، بل أن البدو " الأَعراب" جزء من العرب الذين سكنوا المدن وبعضهم اختار حياة الرعاة الرحل كسائر الشعوب القديمة ومنها النوميديين وغيرهم. وهم - بالمعنى الإناسي كما أسلفنا - شعب جزيري "سامي" حديث وفتي وليس هو أصل الجزيريين، دخل هذا الشعب تاريخ الشرق وقلبه رأساً على عقب في القرن السابع الميلادي، وأسس دولا وإمبراطوريات بلغت ذروتها مع الحضارة العربية الإسلامية في العهد العباسي والفاطمي بمصر والأموي في الأندلس وكانت مثالا بارزا على المشاركة الفعالة من قبل شعوب المنطقة من الشرق والغرب في صنع تلك الحضارات البائدة المتقدمة معياريا وتقنيا في زمانها، ولم يقل أحد بأنهم أصل الشعوب الجزيرية القديمة إلا بعض البسطاء وغير المتخصصين بالعلوم الحديثية كالذين لا يفرقون بن العرب والأعراب البدو، فالفرع لن يكون أصلا والأصل لن يعتبر فرعا.

ومن هذ الخلل النهجي والافتراض غير الدقيق نتجت سلسلة استنتاجات وأحكام متسرعة وغير دقيقة من  قبيل "العرب يدعون أنهم أقدم سكان المنطقة في الجزيرة العربية ومنها هاجروا إلى بقية المناطق في العراق والشام/ 325" فالهجرات القديمة التي يفترضها بعض الباحثين قبل الإسلام كانت تخص شعوبا جزيرية أخرى كالأكديين وغيرهم وهجرة العرب كانت قبل الإسلام بقرون قليلة ولكنهم بنوا ممالكهم على حواف الرافدين غربا كمملكة المناذرة ذوي الأصول اليمنية والغساسنة والكنعانيين والآراميين والأموريين في ما يسميها العرب بلاد الشام والأنباط والعمونيين وغيرهم في حواف الشام الصحراوية الغربية وتحديدا في الأردن اليوم، وبعض الباحثين يذهب إلى هذه الهجرات وصلت الى مصر وشمال أفريقيا. أما الهجرات العربية الواسعة النطاق فقد جاء في القرن الثامن الميلادي خلال حروب الفتح العربي الإسلامي.

وعلى هذا، فإن قول المؤلف مثلا إن علم العروض هو علم انتحله العرب من غيرهم ونسبوه لأنفسهم، هو قول صحيح تأريخيا، ولكنه موظَف بشكل خاطئ يهدف إلى الانتقاص والرد على مبالغات النثر السياسي القومي المتطرف، فالعرب لم يعرفوا قط علم العروض، ولم يكن لبحور الشعر العربي وجود لدى العرب في عصر "الجاهلية"، بل كانوا يقولون الشعر على سليقتهم، وأول من أسس وكتب في العروض الشعري العربي واستخرجه من الشعر العربي القديم هو الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري في القرن الثامن الميلادي، أكثر من ذلك يمكنني القول إن العرب لم يعرفوا علم النحو العربي ولم يكونوا يعرفون قواعد النحو بل كانوا يستعملونها تلقائيا ويتكلمون الفصحى على السليقة والفطرة وقد تأسس النحو العربي لاحقا بعد شيوع اللحن والغلط في اللغة نتيجة اختلاط المسلمين من غير العرب بالعرب ودخول شعوب وبلدان أخرى في إطار الحضارة العربية الإسلامية لتسهيل اللغة عليهم، وأول علماء ومؤسسي النحو العربي هم من غير العرب غالبا من أمثال سيبويه في نهايات القرن الثامن الميلادي،  ونفطويه في منتصف التاسع الميلادي، أما واضع أسس النحو البدائية البسيطة فهو أبو الأسود الدؤلي الكناني في القرن السابع الميلادي، أي بعد اكتمال فتح العراق والشام ومصر، فأوجد الدؤلي قاعدة بسيطة لتمييز الفاعل والمفعول والمضاف، وحرف الرفع والنصب والجر والجزم. وفي القرون التالية تطور النحو العربي ونشأت مدارسه المعروفة في العراق "البصرية والكوفية والبغدادية المتوسطة بينهما". وعلى هذا، فلم يكن لعرب الجزيرة علاقة لا بعلم العروض ولا بالنحو العربي ولا بالتنقيط الذي ينسبه بعض الباحثين إلى الدؤلي وبعضهم الآخر إلى نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني في عهد عبد الملك بن مروان الأموي.

أما وجود كلمة شعر في اللغات القديمة كالسومرية والأكدية والآشورية وفي العربية أيضا لا يعني إلا تواشج وتمازج هذه الشعوب الجزيرية الشقيقة والمتجاورة إناسيا ورجوعها إلى أصل إناسي مشترك قيد الأبحاث، أما وجودها في لغات غير جزيرية كالفارسية والتركية فهو يمكن أن يكون من باب التفاعل والاستعارة الحضارية لتلك الشعوب من السومريين والجزيريين لأنهم الأقدم.

الحضارة العربية الإسلامية التعددية:

 إن الدفاع عن مبدأ وقاعدة مشاركة شعوب المنطقة في الحضارة العربية الإسلامية ليس مِنَّةً من أحد وليس نظرية جديدة ملهمة بل هو واقع تاريخي موثق يدخل في عداد البديهيات الشائعة وهو مما ينبغي أن يفتخر به العربي التقدمي وغير العربي المنصف لكون العرب المسلمين هم مَن قدموا وقادوا عملية تأسيس وبناء حضارة تعددية لغوية وثقافية، ساهمت في صنع أمجادها كل شعوب الشرق التي انضوت في حدود تلك الحضارة، وبالتالي لا يمكن أخذ بعض مزاعم القوميين والعرقيين المتطرفين من العرب في بعض الشوارد ضمن الخطاب السياسي مأخذ الجد في الدراسات الإناسية والتاريخية التي تتوخى العلم مثلما لا يمكن بالمقابل أخذ ردود الأفعال العرقية المتطرفة المضادة والمعادية للعرب والعروبة مأخذ الجد في هذا النوع من الدراسات، وعموما فكلام الطرفين لا يعول عليه عليما وليس مفيدا زج البحث العلمي الرصين في الجدالات والمكايدات السياسية ذات المنحى القومي والقومي المضاد لأن ذلك سيكون على حساب رصانة البحث الإناسي الرصين والذي لا علاقة له بهذا النوع من الجدالات.

إيجابيات منهجية:

رغم الهنات الفنية والمضمونية التي تقدم ذكرها، فالمرجَح هو أن كتاب الباحث صباح كنجي سيحتل مكانا مفيدا في المكتبة العراقية والعربية كمرجع غني في ميدان البحث الإناسي والمثيولوجي والتأريخي عموما، وحول الطائفة الأيزيدية خصوصا، وقد يُنَشِّطُ عملية البحث والتأليف في هذه الميادين باتجاهات جديدة واعدة.

إن من الجدير بالملاحظة الإيجابية هو أن الباحث لم يبالغ في التعويل على تحليلاته واستنتاجاته التأثيلية "الإيتمولوجية" لما أورده من حيثيات في أغلب فصول الكتاب، ولم يزعم - كما يفعل بعض الباحثين المتسرعين- الذين يعلنون عن تحليلاتهم واستنتاجاتهم الشخصية وكأنها فتوح نظرية واختراعات عجيبة ونظريات قاطعة ثابتة لم يسبقهم إليها أحد ولا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها، في حين أنها لا تعدو كونها احتمالات وفرضيات وترجيحات؛ على العكس من هؤلاء نجد المؤلف - كنجي -  يختم بعض تحليلاته كما في مثل "رابعة العدوية وعلاقتها بالإزيدية" بالقول المتواضع، إن هذا الموضوع "يحتاج إلى المزيد من البحث والتقصي وسيكون موضع اهتمام من يسعى للكشف عن حقائق التاريخ المغيبة. ص197". وفي مناقشته لأصول التشكيل اللغوي بين العربية والفارسية حيث ينتهي إلى خلاصة متواضعة يعتقد بموجبها أن هذا الموضوع "يتطلب البحث والاستقصاء من لدن الباحثين والمتخصصين وعدم التسرع في طرح الاستنتاجات. ص 317"، أو أنه يكتفي بالتساؤل بعد تقديم وجهة نظره حول علاقة القوالين في الفرق الموسيقية الغنائية الدينية الإيزيديين بفرق الكهنة ورجال الدين في العهد السومري واسمهم (كالا GALA) أو عند الأكديين (كالو KALU) بالقول "فهل هناك ثمة ربط بين الطرفين، أم أنها مجرد مصادفة لغوية وترادف لكلمات وألفاظ متقاربة؟"؛ ومن الواضح أن الكاتب يقصد حرف القاف الحميرية أو القاف القاهرية والتي تكتب في العراق "گ" وليس حرف الكاف في كلمة (كالا GALA).

أختم بالتنويه والإشادة بوفاء الباحث كنجي لهويته الطبقية ومهنته وشهادته الدراسية، ففي بادرة شجاعة، ندر أن نقرأ مثيلا لها في المشهد الثقافي والعلمي العراقي والعربي، عَرَّفَ المؤلف بنفسه في آخر صفحة من كتابه بالكلمات التالية؛ المهنة: عامل، أكمل الإعدادية حين كان عاملا في مخبز الربيع. فكم هو رائع هذا الصدق مع الذات والآخر والتواضع الملحوظ من باحث مجتهد!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

........................

* رابط مقالة: نقد الترجمات التوراتيّة لنقش سلوان

https://al-akhbar.com/Opinion/329924/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A-%D8%A9-%D9%84%D9%86%D9%82%D8%B4-%D8%B3%D9%84%D9%88%D8%A7

* الشرق الأدنى هو ذاته الشرق الأوسط وكلا الاصطلاحين أورومركزيين يصفان هذه المنطقة من حيث موقعها الى أوروبا الغربية، وفي بعض الاستعمالات تضاف إيران وقبرص إلى الشرق الأوسط الذي يضم العراق وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، ومصر تركيا.3335 شعار 

* الصورة للنصب أحادي الوجه للملك شلمانصر الثالث وردت فيه تفاصيل معركة قرقرة ومشاركة قوة عربية بقيادة جندب ملك العرب (أرسل الملك جندبو ملك العرب 1000 فارس "جمال") إلى جانب تحالف دويلات المدن في بلاد آرام "بلاد الشام" حاليا.

عبد الرضا حمد جاسمتعريف بالكتاب: هذا الكتاب صدر عام 2010/ عن دار السجاد/ العراق/ بغداد... رقم الإيداع  في دار الكتب والوثائق ببغداد هو 1165 لسنة 2009 / 360 صفحة من القطع المتوسط... الكتاب من إعداد د. علي ثويني والسيد مازن لطيف (فُك اسره) ومن تأليف نخبة من الكُتاب والمختصين حيث ورد في ص (3) منه النص التالي: [شارك بهذا الإصدار نخبة من المثقفين والمتخصصين: إبراهيم الحريري، بهاء الدين الخاقاني، جميل محسن، حسين الهنداوي، رشيد الخيون، رياض الأسدي، حامد كرم، سليم الوردي، ضياء الجصاني، عامر عبد زيد، عامر موسى الربيعي، سعد محمد رحيم، عبد الوهاب الحمادي، علي القاسمي، علي ثويني، علي حاكم صالح، فالح عبد الجبار، قاسم حسين صالح، كريم عبد، محمد عباس الطائي، هشام عدوان، يحيى الشيخ زامل، محمد علي محيي الدين، ياسر جاسم قاسم.[(24) أستاذ كاتب ومتخصص]. 

وورد في هامش الصفحة نفسها أي ص(3) التالي: ترد الأسماء بحسب التسلسل الابجدي ودون القاب علمية.

الصفحة رقم (4) من الكتاب خُصصت كاملة لقول منسوب للإمام علي بالصيغة التالية: [الحق ثقيل أنصاره قليل، الناس أعداء ما جهلوا] [ الامام علي (ع)].

 الصفحات من 5 الى 7  تخصصت ببيان محتوى الكتاب حيثُ اُشير فيها الى انه يتألف من(8)فصول تكونت من (30)عنوان فرعي عدا التقديم الذي امتد من ص (9) الى ص (21)... هذا التقديم الذي خُتِمَ بالعبارة التالية: [ ولا يسعنا إلا الإطراء والتذكير بالمسعى الحثيث والتوجيه والمجهود التي بذله الزملاء في هذا المشروع العراقي وفي اخراج هذا المطبوع وغيره وهم السيدات والسادة: احمد شاكر احمد ، أمل بورتر، صبيحة ثامر، كريم عبد علي، محمد عباس الطائي] انتهى

ملاحظات أولية عن الكتاب:

أولاً: الكتاب اكثر كتاب ساهم فيه أساتذة ومتخصصين بخصوص الراحل الدكتور علي الوردي وحسب مما ورد أعلاه وبعد حذف الأسماء "المتكررة" يظهر ان من ساهم في هذا المشروع (إعداد وكتابة وتنظيم) (28) من السيدات والسادة الأساتذة... تناول الكتاب مواضيع مختلفة تخص الراحل الأستاذ الدكتور علي الوردي له الرحمة والذكر الطيب وبوجهات نظر وعناوين مختلفة ومعها ما ورد في الفصل الثاني تحت عنوان: [قبس من كتابات الوردي] (أربعة مواضيع)، جعلت منه لامّْ/جامع للكثير من الآراء والحكايات والمعلومات عن الراحل حتى تلك الخطأ التي سأُشير اليها في القادمات. وقد اُعْتُبِرَ هذا الكتاب مصدراً لمقالات نُشِرتْ حول الراحل الوردي وان الكثير من فقرات ومواضيع الكتاب نُشِرتَ على المواقع الالكترونية بالصحيح وغير الصحيح منها قبل صدور الكتاب وبعد الصدور...وقد ذُكِرَ في التقديم/ المقدمة التالي في ص20: [يجد القارئ في هذا السِفر المتآلف توجهات واراء شتى بشأن المرحوم الوردي فمنها العلماني والعلمي الحر والماركسي والديني الطائفي والقومي العنصري ويشمل الامر المتعاطف والمتحامل والمستصغر والمستكبر بالوردي....الخ]انتهى

ثانياً: كل الأساتذة الكتاب والمتخصصين ال (24) الذين وردت أسمائهم (حسب التسلسل الابجدي) أعلاه ساهموا بمقالات توزعت على الفصول الثمانية للكِتاب ما عدا أستاذين هما الأستاذ علي القاسمي  والأستاذ عامرعبد زيد حيث لم تظهر لهما مشاركة ولم أتبين شكل مشاركتهما في اصدار هذا المشروع/ الكتاب وأسباب ورود اسميهما مع قائمة أسماء الأساتذة المؤلفين للكتاب/ المشروع. ولكن يجب ان أقول ان الأستاذ عامر عبد زيد ورد اسمه في فهرس الفصل السابع/ ص (303 ـ 324) كما التالي: [نقد بنية الذهنية العراقية عند الوردي]/ عامر عبد زيد ص324 لكن عندما تدخل على تلك الصفحة تجد التالي: [إشكالية الثقافة وتصدع المجتمع العراقي بين ثنائية الوردي وثلاثية الجميل]/ضياء الحصاني... هذا يعني ان مقالة او مشاركة السيد عامر عبد زيد لم تُنشر...عليه يكون عدد المواضيع/ العناوين الفرعية في الفصول الثمانية هي: (30). كما اود ان أقول ان السيدين (قاسم حسين صالح وياسر جاسم قاسم)... ساهم كلٍ منهما بموضوعين/ مقالتين.

ثالثاً: في هامش ص(3) ذُكِرَ كما ورد أعلاه أن أسماء الأساتذة ال (24) الذين ساهموا في تأليف الكتاب  وردت حسب التسلسل الابجدي ودون الالقاب العلمية...لكن نجد هناك عدم دقة في ذلك كما التالي:

1 ـ [...رياض الأسدي، حامد كرم، سليم الوردي... أي بتسلسل ابجدي (ر...ح...س) حيث تقدم حرف (ر) على حرف (ح)]. 

2 ـ [...عامر موسى الربيعي، سعد محمد رحيم، عبد الوهاب الحمادي... أي بتسلسل ابجدي (ع...س...ع) حيث تقدم حرف(ع) على حرف (س) والأغرب هنا ان حرف(س) توسط حرفي(ع)]. 

3 ـ [...يحيى الشيخ زامل، محمد علي محيي الدين، ياسر جاسم قاسم...أي بتسلسل ابجدي (ي...م...ي) أي تقدم حرف (ي) على حرف (م) والغريب ايضاً ان حرف (م) توسط حرفي (ي)]. 

وهذا مخالف للتسلسل الابجدي وهو كما يبدو أول عيب في هذا الكتاب وهناك عيوب ربما ان اكتمل عرضها ستظهر دعوة لسحب هذا الكتاب من المكتبات وإلغاء إجازة إصداره وسحبه من دار الكتب والوثاق في بغداد وإعادته للناشر لغرض التصحيح/ التدقيق وإعادة النشر.ان الكِتاب اُعِدَ من قبل مختصين وشارك به/فيه نخبة من الكُتاب والمتخصصين المهتمين بالثقافة وباللغة العربية وابجديتها والمدافعين عنهما. عليه كان من الواجب التوقف عند نقطة التسلسل الابجدي هذه وبالذات ان هناك ما ورد عنها في هامش ص(3). 

رابعاً:  ورد ما نُسب للإمام علي  بالصيغة التالية: [الحق ثقيل أنصاره قليل، الناس أعداء ما جهلوا][الامام علي (ع)]...وخُصِصَتْ لهذا القول صفحة كاملة هي ص(4).

الحقيقة لا اعرف أسباب هذه الاستعارة او هذا الاقتباس ومع ذلك فقد بحثتُ عن هذا القول/ النص/الصيغة في النت فلم اُوَّفق في الوصول اليه بهذه الصيغة...... مما يوجب طرح السؤال التالي: هل ان هذا القول بهذا النص/ الصيغة ورد فيما تركه الامام علي؟ 

شخصياً لا أعرف... وأشكُ في ذلك حيث من تفسير بسيط للنص يمكن ان يظهر التالي: ان قلة أنصار الحق هنا جاءت عن معرفة الكثرة من ان الحق ثقيل فهربت الكثرة من ثقل الحق وهذا يعني ان الكثرة عرفت ذلك فلا يمكن حشرهم تحت "أعداء ما جهلوا" حيث هم هنا ليسوا أعداء ما جهلوا انما أعداء ما عَرِفوا وعَلِموا ولَمَسوا. ان هذه العبارة/ القول/ الصيغة ربما لم ترد في التراث بهذا الشكل/ الصيغة مجزأة أي ورد في مكان :[ الحق ثقيل أنصاره قليل] وفي مكان آخر ورد: [الناس أعداء ما جهلوا]...وربما هناك من يقول ان الكثرة لا تعرف فضائل الحق فصارت من أعداء الحق لانهم يجهلون فوائده عليهم وعلى المجتمع...هكذا أتصور وقد يكون هناك تفسير آخر أتمنى ان يُعرض لنستفيد فلا تبخلوا علينا بالتوضيح لطفاً ومن يتفضل بالتوضيح له اجر من أحْسَنَ عملا.

.........................

في رحيق الزنابق/ بتاريخ 12.02.2022/المثقف/ كتب العزيز عقيل العبود التالي:

[بينما مع المنظر مشهد راح يتحرك بعيداً في النفس، لعله يبحث عن مكان به تستقر حركة التساؤلات] انتهى

ونحن جميعاً نعرف ان حركة التساؤلات دائمة مذ تكورت ولن تستقر فكل سؤال ينتج أسئلة ومنها ما سيأتي من أسئلة.

..........................

نذهب الى مناقشة ما ورد في هذا الكتاب:[ علي الوردي والمشروع العراقي] والتي اعتقد انها ستكون مناقشة مفيدة للراحل الدكتور علي الوردي والأرشيف والأجيال وللأساتذة المتخصصين وللقراء وهذا ما اتمناه وربما ستكون مزعجة لبعضهم وهذا ما لا اتمناه واعتذر عن الازعاج حيث ارجو من الأساتذة الذين ساهموا في هذا المشروع قبول ما أقول وهي وجهة نظر قد تكون قاصرة او هو بيان رأي قد لا يكون ناضج.

كما السابقات سأضع ما ورد في الكتاب واُبَين رأيي فيه واعرض تناقضه او خطأه إن وجد وكما اتصور... واكيد سيكون فيما اطرح بعض غير المناسب فأتمنى الرد لبيان الصح حتى تعم الفائدة ونتعلم مع علمي ومعرفتي واشارتي أعلاه من ان الكتاب ضم وجهات نظر مختلفة وفيها حتى نقد للراحل الوردي.

في هذه المناقشة سأمر ربما على كل العناوين الفرعية التي وردت في الفصول الثمانية وأسماء الأساتذة أصحاب تلك العناوين واليوم ابدأ  بالتقديم/المقدمة الذي/التي لم يُثَّبَتْ لها صاحب/ه او كاتب/ه او محرر/ه. والتقديم/المقدمة كما هو معروف مهم/ة لكل كتاب وهو/هي ربما خلاصة او تكثيف لما سيرد في الكتاب او تعريف بعنوان الكتاب والكاتب /الكُتابْ فكان من المفروض ان يُذَّيل/تُذَّيل بتوقيع وأسم  صاحبه/ صاحبها.

ورد في التقديم التالي:

1 ـ  [فَقَدَ عالم الثقافة والتنوير في نهايات القرن العشرين وخلال خمسة أعوام علمين عالمين ترك كل منهما الأثر والفائدة بحسب اجتهاده في قراءة المجتمع العراقي وهما العراقي علي الوردي (1913 ــ1995) والفلسطيني الأمريكي حنا بطاطو (1926 ــ 2000) وقد أثر غيابهما في دفق مشروع التنوير الاجتماعي العراقي والعربي وتركا فراغا لا يرتق بسهولة كما هو حال مشاريع التاريخ الاستثنائية التي تشكل القاعدة. ويكمن الحنين الماضوي "النوستالجيا" لآرائهما على أثر الحاجة لهما في تفسير ما آلت اليه أحوال العراق الحالية وإيجاد تأويل لخروقات التشرذم وتقاذف المصالح والاهواء وطفوح الغرائز وسطوة الانانية للأفراد والجماعات المتشدقة بمكارم الدين والعرف والمتحججة بواه الأمور ويتراكب الامر مع تأسينا على حالة ضياع غير متوقفة النكوص او عابئة بوزن العراق وقيمته في التاريخ والمنجز ومع تكرار الاحباطات وخيبة امل بصنع نخب وطبقات للوعي الواعد تداني ما بنيناه اخر مرة وللمرة السابعة في تاريخنا الإنساني قبل الف عام ونيف وتتوج دفقه في فكر المعتزلة او صفوة اخوان الصفا او صفاء المتصوفة]انتهى

* تعليق: ونحن نتكلم عن الراحل الكبير الوردي فلا اجد مناسبة لوضع اسم الدكتور حنا بطاطو...ما دفعني الى هذا القول الذي قد يكون غير مناسب، هو ان الراحل بطاطو زار العراق و"درس حال العراق" ولم أقرأ وربما هذا قصور مني من انه التقى مع الراحل الدكتور علي الوردي. والوردي في تلك الأيام هو العائد المثير من هيوستن الجامعة وتكساس الولاية الامريكية والذي اثار ضجة كبيرة خلال الأيام والأشهر والسنوات الممتدة بين عودته من تكساس بعد حصوله على إجازة الدكتوراه وربما اول عراقي حصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة الامريكية في علم الاجتماع، وبين تفرد وتطوع وتبني مشروع الراحل حنا بطاطو في الاقتراب من المجتمع العراقي وزيارته العراق حيث ترك حالة بلده فلسطين ومشاكل فلسطين وحالة المجتمع الفلسطيني في تلك السنوات الصعبة...كل ذلك يدفع الى وضع علامات استفهام كثيرة وكبيرة على كلٍ من الوردي وبطاطو وأول سؤال هو: لماذا يأتي باحث من أمريكا لدراسة المجتمع العراقي في ظروف تفاقم الحرب الباردة والمكارثية وحلف بغداد ونتائج موضوع فلسطين في حينها؟ هل السبب هومن ضمن التفكير الأمريكي لبناء حائط صد منيع لمنع وصول الاتحاد السوفييتي الى المياه الدافئة في الخليج وبالذات بعد ارتعاش القبضة الاستعمارية البريطانية على دول المنطقة؟

ثم لكل باحث خطوته الأولى في وصوله الى المكان الذي يريد دراسته وخطوة أولى في بحثه وبالذات عندما يكون غريب بعيد عن المكان الذي فكر بالتوجه اليه ولا يعرف شيء عنه...أين وضع خطوته البحثية الأولى: هل في كلية الآداب/ جامعة بغداد/ قسم علم الاجتماع؟ أم هل وضعها بلقاء مع باحثين عراقيين سبقوه في الكتابة ولو بتحفظ عن المجتمع العراقي ؟ أم وضعها في باحة السفارة الامريكية والبريطانية في بغداد؟ ما هو الخزين الذي جاء يحمله عن العراق قبل البدء بالبحث والدراسة؟ لماذا سُمح له بالوصول الى أرشيف الأجهزة الأمنية العراقية التي لم يتمكن ربما أي باحث عراقي او عربي من الاقتراب منها؟ هل وجد مجتمع عراقي؟ هل التقى حنا بطاطو خلال الفترة التي قضاها في العراق بأساتذة عراقيين وسياسيين عراقيين وتجار عراقيين واقطاعيين عراقيين؟ هل قضى بعض الليالي في مضيف احد رؤساء العشائر او الاقطاعيين في الريف العراقي؟ هل طلب لقاء أعضاء من المجلس العلمي العراقي؟ هل القى محاضرة في جامعة او حضر ندوة في العراق؟ هل التقى من كتبوا عن المجتمع العراقي قبل وصوله للعراق من العراقيين؟

ثم بعد ما تقدم بالبحث وكتب ملاحظاته الأولى هل وجد ان سطوة رؤساء العشائر غريبة عن المجتمع العراقي والعربي ام هل غريب الاقطاع؟ بماذا انتفع العراق والمجتمع العراقي من دراسات وبحوث حنا بطاطو او هل هناك شيء جديد طرحه غير السياحة اللفظية الكلامية التي داخ بها هو نفسه في تفسيره للطبقات في العراق في ضوء ماركس وفيبر وغيرهم؟ هل هناك شيء قاله حنا بطاطو عن العراق وينطبق على العراق والمجتمع العراقي اليوم؟ قال ماركس وقال دوركهايم وقال فيبر وكل ما قالوه لا يقترب من المجتمع العراقي والحالة العراقية لأنه ببسيط العبارة ليس هناك مجتمع عراقي فعراق سومر وبابل واشور يختلف عن عراق علي بن ابي طالب ومعاوية والرشيد والباب العالي...شوارع وازقة بغداد كل شارع يختلف عن الشارع الاخر باللغة المتداولة والعادات واللباس ربما فكيف عن مجتمع الجبال والصحراء والسهل الرسوبي وكيف عن الأديان والطوائف؟ 

ما هو التنوير الذي نورنا به السيد حنا بطاطو؟ ثم ونحن في عالم اليوم (2010) مَنْ مِنَ "المجتمع العراقي" بما فيهم أساتذة الجامعات واواجهات السياسية بكل الوانهم اليوم يعرف الباحث حنا بطاطو؟  فهو لم يُنَوِرْ ولم يُشْعِلْ شمعة في زقاق من ازقة العراق في كل الفترة من وصوله العراق الى اصدار هذا الكتاب

أتمنى من السيد/ه معد التقديم/ المقدمة ان يتكرم علينا  ببعض شعاع من نور أو انوار الدكتور حنا بطاطو ومنافعه في دراسة المجتمع العراقي وانتفاع المجتمع من ذلك النور... الوردي ابن المجتمع العراقي داخ في دهاليز المجتمع العراقي فكيف الغريب.

بخصوص "أنوار" الباحث حنا بطاطو ورد في نفس التقديم التالي عنها: 

1 ـ في ص13 ورد التالي: [ اعتمد بطاطو في تأويلاته على نظريات غربية محضة ومنها الطبقات الاجتماعية وماهيتها وكتب عن الحركة الشيوعية في العراق وكان ناجحا الى حد بعيد في مسعاه وحقق من خلالها مبتغاه ومبتغى من وجهه حتى اضحى المصدر الموثوق والمحلف لدى كثير من الباحثين في تاريخ الحركة الشيوعية او الحركات السياسية في العراق المعاصر] انتهى

*تعليق: هذه من تنويرات الراحل حنا بطاطو ودراسته للمجتمع العراقي...نعم الشيوعيين لهم دور وتأثير ووزن في الشارع العراقي لكنهم جزء من مجتمع عراقي وكان لهم أعداء تبادلوا سفك الدماء...ثم ان الإشارة هنا الى"وكان ناجحاً في مسعاه وحقق من خلالها مبتغاه ومبتغى من وجهه" تلغي ""تنوير"" حنا بطاطو واتهام له بأن هناك من دفعه بهذا الطريق ليس لخدمة المجتمع العراقي انما لغايات أخرى والباحث في هذه الحالة يجب ان يُذمْ لا ان يشمله القول التالي الذي ورد في التقديم/المقدمة: [فَقَدَ عالم الثقافة والتنوير في نهايات القرن العشرين وخلال خمسة أعوام علمين عالمين ترك كل منهما الأثر والفائدة بحسب اجتهاده في قراءة المجتمع العراقي وهما العراقي علي الوردي (1913 ــ1995) والفلسطيني الأمريكي حنا بطاطو (1926 ــ 2000) وقد أثر غيابهما في دفق مشروع التنوير الاجتماعي العراقي والعربي وتركا فراغا لا يرتق بسهولة كما هو حال مشاريع التاريخ الاستثنائية التي تشكل القاعدة].

أكثر من طبل لحنا بطاطو هم رفاقي الشيوعيين لأنهم قرأوه بفرح غامر اعماهم عن ما ورد ولو عادوا الى قراءته بتأني لوجدوا انهم على عدم دقة في ما ذهبوا اليه... ولو وقف احدهم امام سؤال هو: لماذا سمحت السلطات له بمقابلتنا في السجون والمعتقلات دون غيره...هل حبناً بنا ام نزولاً عند دعوات عالمية لنصرتنا لوجدوا ان السببين غير واقعيين؟ هل ظنوا انه  سيشكل مشاريع ضغط عالمية لنصرتهم ام انه سيتزعم تظاهرات تهز عواصم العالم نصرة لهم؟

2 ـ في ص14 ورد التالي وهي إشارة خطيرة وضعها لها ربط بما ورد مع الفقرة السابقة: كتب كاتب التقديم / المقدمة التالي: [(اسوق لكم هنا مثال الى ما وجدته بالصدفة لدراسة أقامها اجتماعي امريكي يدعى مالكوم كوينت كتبها على ضوء تجربته بين أعوام 1956 و1958 وهو يعايش فلاحي قرية نائية تبعد 65 كلم شرق مدينة العمارة ضمن هور (الحويزة) تدعى (ام النهر) والدراسة انصبت على مفهوم التقدم) ثم يُكمل: (ويبدو ان التحضيرات للانقضاض على العراق عام 2003 لم تكن محض صدفة.....فالأمر برمته كان متداعيا من نفس غربي طويل غذّتهُ البحوث والقراءات والخطط على  مستويات ثلاثة يكون مركزها وميزانها الجانب الاجتماعي الفاعل في كل معادلة وهنا لا نبالغ اذا قلنا بان ما حدث بعد 1963......1991 .....2003 حاصدين ما زرعوه قبل أربعين عاما كان من السهولة والسذاجة وواه المبررات ما لا يمكن ان يستوعبه اللبيب ولا سيما العراقي الشكوك والمحلل كل ذلك لم يأتي من فراغ ورجم بالغيب بل من خلال دراسات متأنية منهجها علمي والياتها تراتبية ونتائجها تدلل على بداياتها ومسارها] ثم يقول: [ ولا نغالي ان ذهبنا الى ان التناحر الطائفي في العراق اليوم يمت بالصلة أصلا بذلك السياق ولا نستبعد اليد الخفية للمحتل واعوانه وراء تفجير الروضة العسكرية...الخ) ثم يكمل: ( وهنا جدير ان نرصد بان لا يمكن الحدس بمدى علم علي الوردي وبطاطو وهل كانو يعون من سيستفيد من دراساتهم؟] انتهى

وفي ص18 يقول: [ ان ما حدث من ردة على ثورة تموز في 8شباط1963 فإننا نعزيها الى قراءات حنا بطاطو ونتاج لها أراد الرجل في ذلك ام أبا اغفل او استغفل فبالنتيجة فان معطيات دراسته للمجتمع العراقي وظفت على احسن صورة  من قبل أجهزة المخابرات الامريكية في إيصال البعثيين الى سدة الحكم....الخ] انتهى

*تعليق: إذن اين التنوير البطاطوي الوردي؟

يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

بدر العبريسعدتُ بهديّة جليلة من المفكر العراقيّ عبد الجبّار الرّفاعيّ لكتابه القيّم «مقدّمة في علم الكلام الجديد»، طبعة دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة في بغداد 2021م، والكتاب إضافة مهمّة للمكتبة العربيّة والإسلاميّة خصوصا، والإنسانيّة عموما، ويتكوّن من أربعة فصول، ويعتبر الفصل الأول الّذي يناقش ملخص نشأة علم الكلام وتطوّره وعجزه أكثر فصول الكتاب إسهابا، وأخذ ما يقرب نصف الكتاب؛ لذا نقرأه بصورة عامّة في هذه المقالة، ولنا مقالة أخرى مع فصوله الثّلاثة المتبقية، وهناك نرجئ رأينا في الموضوع.

وبطبيعة الحال هذا الكتاب يعتبر امتدادا للخطّ الّذي يشتغل عليه الرّفاعيّ في تجديد التّراث الدّينيّ من خلال النّص الدّينيّ ذاته، وله في هذا مشاركات عدّة، ولعلّ أشهرها كتبه الأربعة: الدين والكرامة الإنسانية، والدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، والدّين والظّمأ الأنطلوجيّ، وإنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين.

وما يميّز هذا الكتاب أنّه يخصّصّه في جزئيّة معينة في الإصلاح الدّينيّ الإسلاميّ، من خلال علم الكلام الإسلاميّ، الّذي هو الشّق اللّاهوتيّ في الدّراسات التّراثيّة الإسلاميّة، فيرى الرّفاعيّ أنّ «تجديد الدّين يبدأ بتجديد علم الكلام، أيّ بداية للتّجديد في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلّماته المنطقيّة والفلسفيّة؛ فإنّها تقفز إلى النّتائج من دون المرور بالمقدّمات». لهذا يرى أنّه لا يمكن إصلاح العالم الإسلاميّ والعربيّ بمعزل عن الدّين، و«كلّ بداية للتّجديد في عالم الإسلام تتجاهل الدّين تخطئ الطّريق»، فالدّين «يمكن أن يكون عاملا أساسيّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملا أساسيّا في الهدم، ويعود الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في فهم النّاس للدّين»، وعدم تجديد الدّين يؤدي إلى التّديّن السّلبيّ، فيمكن «أن يكون التّديّن عنيفا حين لا يُفهم الدّين إلا بوصفه رسالة للموت، ولا تقرأ نصوصه إلا قراءة مغلقة عنيفة، ويمثّله الأفراد والجماعات على أنّه إعلان لحرب لا تنقضي على كلّ مختلف في المعتقد»، لهذا وجب تجديد الدّين، وتجديده منطلق ابتداء من تجديد علم الكلام الإسلاميّ.

وعلى هذا كانت محاولات لتجديد علم الكلام الإسلاميّ، بدأت مع النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر الميلاديّ، حيث «جاءت الدّعوة للانتقال من علم الكلام القديم إلى علم الكلام الجديد استجابة لما فرضته الأسئلة الحائرة للإنسان، وقلقه الوجوديّ، وشحة المعنى في حياته، وشعوره بعدم الأمان، في عالم يتسارع فيه، ويشتدّ إيقاع تراكم المعرفة، واتّساع آفاقها ولا يتوقف العلم والتّكلونوجيا عند نهايات مسدودة، فكما أنّ الأسئلة لا تنتهي؛ كذلك الأجوبة لا تنتهي، والمعرفة والعلوم والاكتشافات والاختراعات لا تنتهي، إذ تتوالد على الدّوام في سياق الأجوبة أسئلة جديدة، وفي سياق هذه الأسئلة أجوبة جديدة، وهكذا».3329 علم الكلام الجديد

بيد أنّ الرّفاعيّ لم يهتد إلى معرفة أول من استخدم مصطلح علم الكلام الجديد، حيث أنّه ظهر كعنوان كتاب «علم الكلام الجديد» في الهند عام 1903م مع شبلي النّعمانيّ «ت 1914م»، فيشكك الرّفاعيّ أن يكون ظهر ابتداء مع النّعمانيّ، ويرى أنّه ألصق بالمجدد الهنديّ الباكستانيّ سيّد أحمد خان «ت 1898م»، فهو «يصدق على تفكيره الكلاميّ مفهوم علم الكلام الجديد في العصر الحديث».

كما أنّه يرى ضعف كتاب شبلي النّعمانيّ، وحسب تعبير الرّفاعيّ «لا يحمل من الكلام الجديد إلا اسمه»؛ إلا أنّ تجديد علم الكلام كان حاضرا ما بعد سيّد أحمد خان في الهند، كما اشتدّ حضوره مبكرا مع المدرسة الإصلاحيّة في مصر ابتداء، والعالم الإسلاميّ عموما.

لهذا بعد مائة سنة من تأليف النّعمانيّ لكتابه السّالف ذكره؛ يأتي كتاب عبد الجبّار الرّفاعي ليقدّم رؤيته في مقدّمة في علم الكلام الجديد، مستلهما رؤيته الأخرى في ذلك لوضع أسّس هذا العلم وفق ما وصل إليه العقل الإنسانيّ من آلات ومعارف، وليكون مقدّمة استقرائيّة لعلميّ الكلام القديم والجديد.

وعلم الكلام يسمّى أيضا بعلم أصول الدّين، أو التّوحيد، أو العقائد، ويرجّح الرّفاعيّ تسميته بعلم الكلام «لغلبة مسألة الكلام الإلهيّ بوصفها أهم مسائل هذا العلم»، ونشأته ابتداء مرتبطة بنظريّة الإمامة، أي نشأ في جوّه السّياسيّ قبل الانغلاق اللّاهوتيّ، فقد «تصدّرت مسألة الخلاف حول الإمامة تلك البواعث، فور التحاق النبّيّ الكريم بالرّفيق الأعلى، وما فتئت قضيّة الإمامة تستأثر باهتمام العقل الإسلاميّ من وقتئذ، حتّى أضحت من أهم مسائل التّفكير العقائديّ في حياة المسلمين».

ثمّ «بعد تمدّد الإسلام خارج الجزيرة العربيّة، واستيعابه لمجتمعات وإثنيات متنوّعة في الشّام والعراق وبلاد فارس وآسيا الوسطى حتّى تخوم الصّين، ومصر وشمال أفريقيا حتّى الأندلس واجهت المسلمين جملة من الآراء والأفكار الّتي تنتمي إلى الذّاكرة التّاريخيّة للملل والنّحل في هذه البلدان»، لهذا انتقلت مثلا الجدليات اللّاهوتيّة اليهوديّة والمسيحيّة إلى علم الكلام الإسلاميّ القديم كقضايا الصّفات والكلام الإلهيّ والقدر ونحوه.

وفي المقابل تأثّر علم الكلام القديم بالمنطق الأرسطي، وعلى «الرّغم من رفض المتكلمين للفلسفة وطرائق تفكير الفلاسفة؛ لكنّهم قبلوا المنطق الأرسطي، وتعاملوا معه كمسلّمات أساسيّة في البحث الكلاميّ».

وكانت الأجواء في العالم الإسلامي أكثرا انشراحا للثّقافات الأخرى عموما، وللمنطق الأرسطي خصوصا، فظهرت تعدديّة ومناهج مختلفة ولدت في فترة مبكرة، قبل أن يحدث الانغلاق بعد عصر المتوكل العبّاسيّ «ت 247هـ/ 861م»، فعلم الكلام القديم زامن «إطلاق حريّة التّفكير في العقيدة، وتعدّد وتنوّع الآراء والمواقف والنّقولات الكلاميّة»، لينتقل إلى تعطّل وإغلاق الاجتهاد الكلاميّ، كما تعطّل وأغلق الاجتهاد الفقهيّ، ثمّ «أصبح تقليد مؤسّسي الفرق شائعا لا يختلف فيه الكلّ، على الرّغم من الادّعاء بمنع التّقليد في جميع أصول العقائد»، لنصل إلى مرحلة الجمود على فرق كلاميّة تشكلت في ظرفها التّأريخيّ سياسيّا أو ثقافيّا أو مذهبيّا.

لهذا «في نهاية القرن الثّالث عشر الهجريّ «التّاسع عشر الميلاديّ» ظهرت إرهاصات انبعاث، مع تبلور أسئلة جديدة تؤشّر إلى استفاقة التّفكير الكلاميّ، فدبّت الحياة من جديد في علم الكلام»، مع وجود انغلاق أفقيّ أيضا ساد العالم الإسلاميّ، خصوصا في حوزاته الدّينيّة إلى يومنا هذا.

هذا الانغلاق ولّد اغترابات متباينة، نشير هنا إلى أهمّها: الاغتراب الأرسطي، والاغتراب الماورائيّ الميتافيزيقيّ، والاغتراب اللّاهوتيّ، والاغتراب الاجتماعيّ. أمّا الاغتراب الأرسطي فهو اغتراب الآلة، فعلم الكلام القديم حتّى اليوم يستخدم ذات الآلة الأرسطيّة قبل ألف سنة، مع أنّ «المنطق الأرسطي انسحب بالتّدريج من الحياة العقليّة، وتقوّضت سلطته على الفلسفة الحديثة، وعجز عن مواكبة طرائق التّفكير للعقل الحديث»، وهنا يجد الرّفاعيّ تناقضا بين تقبل الآلة الأرسطيّة قديما عند العقل الدّينيّ، وهي آلة غربيّة مستوردة، مع رفض هذا العقل للآلة الغربيّة المعاصرة، فمن «المفارقة أنّ منطق أرسطو المستعار من الغرب اليونانيّ في الماضي، والّذي ما زلنا نتعامل مع منطقه بوصفه مسلّمات نهائيّة؛ نجد أشدّ المدافعين عنه في عالم الإسلام هم أنفسهم أشدّ المناهضين للمنطق والفلسفة والمعارف الغربيّة الحديثة المعاصرة، وكأنّ معطيات العقل الّتي استوردها الآباء من أوروبا أمس يحرّم على الأبناء التّعاطي معها في صيغتها المتطوّرة اليوم بعد أكثر من 2300 عاما على تأليف أرسطو «ت 322 ق.م» لمنطقه في أثينا»، لهذا كان «إسراف المتكلمين في استعارة المنطق الأرسطي، وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام فيما بعد، والاعتماد عليه كليّا بوصفه مرجعيّة للتّفكير الكلاميّ؛ نجم عنه تشبّع التّفكير الكلاميّ بمنهج هذا المنطق، فانحرفت وجهته، وراح يفتش عن عوالم ذهنيّة مجردّة، بعيدة عن الواقع ووقائعه ومشكلاته، فتغلّبت بالتّدريج النّزعة التّجريديّة الذّهنيّة على المنحنى الواقعي في التّفكير الكلاميّ»، فحمل وجهتين سلبيتين: تجرّده عن الواقع قديما، وجموده على ذات الآلة في العقل الجمعيّ الدّيني في الزّمن الحالي. ليتشكل وفق هذا الاغتراب الماورائيّ الميتافيزيقيّ، أو ما يسمّيه الرّفاعيّ باللاهوت الصراطيّ، وهو البحث عن صورة الله، أو ما يمكن تسميته في البحث ما بعد الله، فالمتكلمون من كلّ فرقة اغتربوا في تشكيل صورة الله، وفي الوقت نفسه «يحتكرون صورة الله، بعد أن يرسموها في إطار مواقفهم ومقولاتهم الاعتقاديّة، وآفاق انتظارهم، مع أنّ وجود الله تعالى واحد أحد، لكن لا صورة له واحدة، والإنسان يرى الله على صورته»، «وصورة الله هي أول ممارسة تأويليّة مارسها البشر، إذ اشتقّ أول البشر على صورتهم صورةً لله، ثمّ استمر بنو آدم يصوّرون الله على صورهم المتنوعة».

وتشتدّ خطورة الاغتراب الماورائيّ أو اللاهوت الصراطيّ عندما «يحكم بالمروق والهلاك كلّ من يتبنى معتقدا خارج الصّور الرّاسخة لله في لاهوت الفرق الكلاميّة الّتي ورثها المرء من أبويه بالولادة، فيما يكون الخلاص والنّجاة في الآخرة هو المآل الطّبيعيّ لأتباع هذه الرّؤية الاعتقاديّة». لهذا ترتب على اللاهوت الصراطيّ  غياب مفردة الإنسان من علم الكلام القديم، حيث «لم يدرج المتكلّمون في مؤلفاتهم مبحثا خاصّا بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدّد موقع الإنسان في سلّم المخلوقات، أي منزلة الإنسان وقيمته بالنّسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وكرامته وحرّيّاته»، بقدر ما «يستغرق علم الكلام التّقليديّ في البحث عن الله وصفاته، وكلّ ما يتصل به، في سياق مستقل عن الإنسان، وعندما يذكر الإنسان فإنّ الحديث عنه لا يشير إلى ما يتصل بطبيعة حياته، وحاجته لمعنى هذه الحياة ... بل لا يكفّ التّراث الكلاميّ عن تجاهل قيمة الإنسان، ونسيان ذاته وكينونته الوجوديّة».

هذان الاغترابان الماورائيّ/ الصراطي ينتج عنهما اغتراب اجتماعيّ، فصورة الله في علم الكلام القديم كما يرى الرّفاعيّ «لا تقترن بالعدل، إنّها صورة السّيد المخيف المرعب، المتمرس في البطش والتّنكيل والعقاب والعذاب»، وفي المقابل «الإنسان عبد مسترق خانع ذليل حقير»، مع أنّه في القرآن - كما يرى الرّفاعيّ - يوجد فرق بين عبيد وعباد، فعبيد مشتقّة من العبوديّة، وعباد من عبادة، وعباد بمعنى أحرار، «لا بمعنى أقنان عبيد مستّلين مجبرين مكرهين»، ولهذا وصف الله عباده بعباد وليس بعبيد.

وحسب علم الكلام القديم «نشأ عن هذا التّصوّر لله لاهوت الاسترقاق، وهذا اللّاهوت بطبيعته ينسج شباكا معقدة لمختلف أنماط العبوديّات الّتي تكبّل حياة الشّخص البشريّ عبر إنتاج العبوديّة الطّوعيّة، والاستبداد العموديّ في مختلف مستويات الاجتماع البشريّ، من العائلة والعشيرة، إلى المدرسة والحزب والدّولة»، «فيصادر لاهوت الاسترقاق حرّيّات وحقوق الشّخص البشريّ الاجتماعيّة، ويكرّس أشكال العبوديّات، ويحجب لاهوت الرّحمة والمحبّة»، «ويجد الخوف تعبيره الاجتماعيّ في الخوف من الحريّة» والفرديّة، والتّفكير العقلانيّ، والتّفكير النّقديّ، والخوف من المعارف الحديثة، والاختلاف، والخطأ، والاعتراف.

لهذا يخلص عبد الجبّار الرّفاعيّ في نهاية الفصل الأول من الكتاب إلى ضرورة تجديد علم الكلام، وينطلق ابتداء من الانتقال من النّص الثّاني أي التّفسيرات والشّروح إلى النّص الأول أي القرآن وما هو ثابت من السّنّة، وهذا يتطلّب تجاوز غربة التّراث، «ذلك أنّ التّراث ينتمي إلى واقع مضى، فالإصرار على استدعائه بتمامه يعني استدعاء ذلك الواقع».

ثمّ التّمييز بين النّصّ الإلهيّ والبشريّ، والمقدّس وغير المقدّس، والدّين والتّدين، مع عصرنة النّصّ، أي أن تكون النّصوص «معاصرة لنا»، و»في كلّ نصّ هامش حر مفتوح للقراءة الجديدة، وذلك ما يمنح هذا النّصّ إمكانات تخطّي» الزّمكانيّة.

وأخيرا إحياء نزعة التّفكير الحر في التّعامل مع النّصّ، ووفق الأدوات المعاصرة، والتّحرر من الهوّيّات المغلقة، مع تعميق النّظرة الجماليّة للنّص المنبثقة من جمال الله، وما يتجلّى به جماله في الكون.

 

بدر العبري - كاتب عُماني، مهتم بقضايا التقارب الإنساني، ومؤلف كتاب «فقه التطرف».

.....................

*المرجع: كتاب مقدّمّة في علم الكلام الجديد، عبد الجبّار الرّفاعيّ، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، العراق/ بغداد، ط 2021م، ص: 9 - 126.

 

محمد حسين النجممقال حول التفكير النظري في الشرق الأدنى القديم

عرض: صموئيل نوح کریمر

ترجمة: د. محمد حسين النجم

الجامعة المستنصرية


 في عام 1946 أصدر هنري فرانكفورت وعدد من الباحثين كتابا بالعنوان اعلاه تضمن دراسة لثلاث حقب حضارية في التاريخ القديم الحضارة العراقية، والمصرية، والعبريين.

بعد سنتين أي عام 1948 نشر المرحوم صموئیل نوح كریمر استاذ المسماريات المعروف، عرضا للكتاب في مجلة المسماريات الأمريكية حاول فيه الدفاع عن الفكر العراقي القديم الذي سعى مؤلفو الكتاب أن ينظروا اليه من زاوية الفكر البدائي.

اعاد المؤلفون نشر كتابهم بعنوان جديد هو (قبل الفلسفة) بعد حذف الجزء المتعلق بالعبريين، وقد قام المرحوم جبرا ابراهيم جبرا بترجمة النشرة الأخيرة للكتاب مطلع الستينات، والذي حظي باهتمام كبير انعكس على الكثير من الدراسات المتعلقة بالعراق ومصرالقديمتين.

وعلى الرغم من أهمية الافكار التي يحتويها العرض الا أنه بقي حبيس لغته دون أن يحاول احد ترجمته في حدود علمي وهو ما حفزني على القيام بذلك لعله يكون به بعض الأنصاف لحضارتنا وللباحث الكبير. أن القسم الاخير من العرض يتناول مجالات لغوية ترتبط ببعض معاني الكلمات السومرية التي لازالت موضع خلاف وهي تهم الباحث المتخصص وقد وجدنا أن لا حاجة لإشغال القارئ بها، كذلك تركنا ترجمة الهوامش وهي ذات أهمية فائقة للباحثين المتخصصين.

المترجم

.....................

العرض:

كما يشير العنوان الرئيسي، فهذا الكتاب يمثل محاولة لوصف وتحليل وتقييم بعض الملامح الأكثر أهمية في الفكر النظري للشرق الأدنى القديم. الاصول المفيدة لغرضنا تتكون بشكل تام، تقريبا، من المتبقيات الأدبية لثلاثة شعوب في الشرق الأدنى: المصريين، العراقيين القدماء (السومريين والاكديين)،، واليهود. وبناء عليه فالكتاب ينقسم على ثلاثة أقسام كبيرة سميت: (مصر، العراق القديم واليهود). الفكر النظري للمصريين القدماء يشمل على وجه التقريب: ما وراء الطبيعة، السياسة، والاخلاق، وقد وصفها وحللها جون ولسون تحت عنوان (طبيعة الكون)، (وظيفة الدولة و(قيم الحياة)، وما يخص العراقيين القدماء عالجه ثوركيلد جاكوبسون تحت عنوان (الكون كدولة)، (وظيفة الدولة) و(الحياة الفاضلة)، اما القسم الخاص باليهود فنوقش من قبل ولیم اروين بفصول عنوانها (الله)، (الانسان)، (الانسان في العالم) و(الوطن، المجتمع، والسياسة). يسبق هذه الأقسام الثلاثة فصل تمهيدي فكري لفرانكفورت وزوجته أسمياه (الأسطورة والواقع) حللا فيه السمات النفسية التي تميز فكر الشرق الأدنى القديم مع تأكيد خاص على مقتربه الافتراضي اللاعقلي ومنطقه الأسطوري الميثوبي، كما ختم الممهدان الكتاب بفصل عنوناه (انعتاق الفكر من الاسطورة) بدآه بنظرة مقارنة مختصرة للفكر النظري عند المصريين والعراقيين القدماء واليهود واختتموه بمخطط لأفكار الفلاسفة الإغريق الأول منذ طاليس حتى بارمنيدس، الذي، وفقا للكاتبين، حطم الموقع الأخير لسيطرة الأسطورة على الفكر.

كما يتضح مما سبق، فالكتاب يتكفل بتقديم تراكيب بعيدة الغور ومتعددة الجوانب لمفاهيم فكرية وروحية سادت خلال فترة طويلة وخصبة من تاريخ الحضارة، يستحق المؤلفون الثناء على شجاعتهم وتفاؤلهم وكذلك على انجازهم الهام.

لعل المتخصصون في الشرق الأدنى وحدهم يدركون مدى تعقيد وصعوبة البحث في عصور تتطلب جهدا مضنيا في التنقيب والربط وصياغة المفاهيم الفلسفية والروحية للقدماء من خلال متبقياتهم الأدبية المتعددة والممزقة وغير الواضحة تماما. والباحث المختص، فضلا عن غير المختص، يدين بعمق الى المؤلفين كلماتهم الواضحة وجهودهم المثيرة في موضوع غامض ومثير كالفكر النظري للإنسان القديم.

وإذ يقدم الكتاب، على العموم، مساهمة ثمينة وقيمة الى تاريخ التطور الروحي للإنسان، فانه لا ينبغي الاستنتاج بان جميع (او حتى اغلب) استنتاجاته وتعميماته يمكن اخذها بشكل موثوق ونهائي، ومن المفيد أن نلاحظ أن المؤلفين انفسهم لم يكونوا غافلين عن السمة الذاتية ووحيدة الجانب لبعض تفسيراتهم وفرضياتهم وقد حذروا القارئ مسبقا من مثل هذا الاعتقاد. ومن الطبيعي ان الصعوبة الأساسية تكمن بالوضع الحالي لمادتنا الأصلية، فعلى سبيل المثال، اذا أخذنا العراق القديم، ومادة العراق القديم وحدها هي ما يشعر المراجع بأهليته للحديث عنها، فإننا نجد منذ البدء أن النصوص المفيدة لغرضنا تمتد لفترة الفين من السنين، منذ الألف الثالث حتى الألف الأول قبل الميلاد، وخلال هذه الفترة الطويلة شهدت المنطقة فورانا حرفيا وسياسيا، بل اللغة ذاتها تغيرت من السومرية الى الاكدية. وإزاء ظروف كهذه فانه ليس من السهل استخلاص الفكر النموذجي للعراق القديم وكشف المفاهيم الفلسفية والدينية الكامنة فيه. بالإضافة الى ذلك هناك قضية النصوص الأدبية التي تتسم بالتفتت والغموض وعلى الخصوص التركيب الأدبي السومري – وهذه النصوص وفيرة جدا وهي على العموم اكثر اهمية بالنسبة للمشكلة من تلك المكتوبة باللغة الأكدية، والتي لا زالت لحد الان تخضع لعمليات الترجمة والتفسير من قبل اساتذة اختصاصيين وتحظى بقليل من النجاح. وعلى ضوء ما مر من صعوبات فان هناك فجوة لا بد من أخذها بالاعتبار فيما يخص اختلاف الراي حول الترجمة الحقيقية لبعض هذه النصوص، ضاربين صفحا عن التفسيرات العامة والواسعة عند تأطير الفكر في العراق القديم. والصفحات التالية تؤشر بعض هذا الاختلاف في الرأي.،

عندما نبدأ مع الفصل التمهيدي (الأسطورة والواقع) فمن الأهمية البالغة أن نلاحظ أنه يحوي عددا من الأفكار المتعلقة بالعناصر المميزة لعقلية انسان الشرق الأدنى والتي تحيط بمصداقيتها شكوك كبيرة، على الأقل فيما يتعلق بالعراق القديم. أن قناعة المؤلفين في هذا الفصل، ومن سوء الطالع هي القناعة التي تم اعتمادها كفكرة موحدة لأقسام الكتاب المتعددة،هي ان القدماء غير قادرين على التفكير التأملي وينقصهم التوجه الفعلي مما يجعل فكرهم بالضرورة مغلفا بالأوهام، فالكون يبدو لهم دائما كـ (أنت) يجربوه عاطفيا بعلاقة تفاعل متبادل والذي يجعلهم، كالإنسان البدائي، لا يعرفون عالما دون حياة، والفكر في الشرق الأدنى القديم، مثله مثل الفكر في المجتمعات البدائية المعاصرة، لا يعمل باستقلالية بل ان الانسان بأجمعه يواجه الـ (انت) حيا في الطبيعة، وكل تجربة مع (الانت) ينبغي ان تدرك كفعل فقط، والذي يجعلها بالضرورة تأخذ شكل قصة، وبناء عليه فان القدماء لا يمكنهم التحدث الا (بأساطير) وعليه فهم غير قادرين على تقديم تحليلات أو استنتاجات عقلية، ولأجل التدليل على عدم قدرة العراقي القديم على التفكير بالأحداث الطبيعية دون اطار اسطوري اعطا المؤلفان الأمثلة التالية: سوف نشرح، مثلا، التغيرات الجوية المحددة التي تزيل الجدب وتسبب سقوط المطر: البابليون لاحظوا ذات الحقائق الا انهم تمثلوها بتوسط للطير العملاق (امدوغد) الذي يأتي لإنقاذهم حيث يغطي السماء بغيوم اجنحته السوداء، ثم يلتهم ثور السماء الذي يبيد المحاصيل بأنفاسه الحارقة، أن هذا التحليل النفسي لعقلية انسان الشرق الادنى القديم هو غير ذي أساس في حقيقته، على الأقل في حدود ما يتعلق بالعراق القديم. ففيما يخص السومريين لدينا دليل جيد يرينا بأنهم كانوا يملكون طائفة من المفكرين لديهم القدرة على ملاحظة الطبيعة بعقل تأملي وتمييزي، اذ كانوا يدركون

تماما بان الطبيعة ميتة مثلما هي حية، وقد اعتمدوا هذا التمييز بشكل فعلي على مستوى الكلمة والفكر، ونجحوا من خلال المجال الضيق لمعطياتهم المحددة والبسيطة في انشاء نظام ميتافيزيقي ولاهوتي انتشر الى حد بعيد أو قليل في أجزاء كبيرة من الشرق الأدنى ولعل هذا يعود الى حد ما الى مقتربهم العقلي بالارتباط مع المنطق الذي يحتويه، واخيرا، لو اخذنا المثال المعتمد من قبل المؤلفين، فمن المحتمل تماما انه حتى لو ان نسبة من العراقيين،، لكي لا نتحدث عن اكثر اخوانهم تأملا، قالوا بان ما يجلب المطر المزيل للجدب هو الطير (امدوغد) الذي يلتهم ثور السماء، فإنه لا يختلف كثيرا عن الإنسان متوسط الثقافة اليوم الذي يرى بان الغيوم هي التي تجلب المطر الغزير.

ان الذي قاد المؤلفين الى تصور خاطئ للسمات الأساسية للفكر النظري في الشرق الأدنى القديم هو الطبيعة الاسطورية الكامنة في مادتهم الأصلية، ذلك لأنه من الصحيح تماما، ونقيد أنفسنا بالعراق القديم ايضا، اننا قلما نجد فكرا نظريا متميزا حول الطبيعة والكون في المادة الأدبية المتبقية اذ أن الجزء الأكبر فيها يتكون من اساطير وقصص ملحمية وتراتيل ومراثي، وهي انواع ادبية مفيدة في المقترب والتكنيك الأسطوري (الميثوبي)، الا ان هذه الحقيقة لا تبرر الاستنتاج بان المفكرين العراقيين القدماء كانوا غير قادرين على التفكير العقلي والتمييزي في ما يتعلق بالطبيعة والكون، أو أنهم فشلوا في تطوير أنظمة ميتافيزيقية ولاهوتية. الحق أن ما نملكه من اصول أدبية، على الرغم من سمتها الأسطورية، تفترض مسبقا وجود مثل هذه الأنظمة وتعكسها في كل حين. أن الأمر الوحيد المبرر والذي يمكن استنتاجه من السمة وحيدة الجانب للمادة الأدبية لعراقيينا هي ان المعلمين واصحاب القلم العراقيين الأوائل فشلوا في تطوير نوع ادبي مكتوب يخدم كوسيلة مناسبة في التعبير عن ميتافيزيقاهم ولاهوتهم، وكذلك ايضا، لكي نتخذ موقفا مماثلا، فشل المعلمون العراقيون في تطوير نوع ادبي تاريخي مناسب - على الرغم من حقيقة ان هناك بعض الأدلة ترينا أن بعضا منهم، على الاقل في النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، لديه معرفة واقعية الى حد ما حول بعض الأحداث السياسية المهمة في زمانهم أو، حتى الى مدى معين، حول تلك التي مرت في الأزمات المبكرة.

لو أخذنا الان عددا من المفاهيم الكونية الأكثر أهمية عند السومريين كما تبين في ادبهم الأسطوري (الميثوبي) الذي رتبناه، فإنه سوف يبدو واضحا بشكل جلى ان هذه المفاهيم لا تنبع الامن تفكير عقلي مميز لطبيعة الكون والذي تعرضه متبقياتهم الكونية كموجودات طبيعية ميتة وليس (انت) حيا. هكذا نجد أن المفكرين السومريين افترضوا بانه قبل أن يوجد الكون لم يكن ثمة الا الماء، لذا افترضوا وجود البحر البدئي، ومن هذا البحر البدئي وبطريقة ما جاء الكون الى الوجود متكونا من السماء. المتعالية على الأرض والمتعلقة بها، ومن ثم انفصلت السماء عن الأرض بواسطة الهواء. والان كيف امكن للمفكرين السومريين القدامى الاستنتاج بأنه في البدء كان البحر وان الكون جاء الى الوجود من خلاله، إن لم يكونوا أدركوا، بمستوى فكري وعقلي، بان الكون محاط بالماء من جميع جوانبه، حيث الماء فوق السماء وتحت الأرض مثلما هو حولها ؟ وبالمثل لماذا اختاروا الهواء كمجال يفصل السماء عن الأرض، إن لم يكن هناك، مرة أخرى، ادراك بمستوى عقلي بان الهواء يقع بشكل حقيقي بين السماء والأرض، وهو فوق ذلك، لا يشبه هذين الجسمين الصلبين اذ يتكون من جوهر قادر على التمدد وهو ما مكنه من فصل سطحين ملامسين. وبالمثل كذلك لو عدنا الى المفاهيم اللاهوتية الأساسية للسومريين، المفاهيم التي يمكن القول أنها شكلت العقيدة والإيمان، واليقين والمذهب لأجزاء كبيرة في الشرق الأدنى القديم، نجد أن هذه، أيضا، تأصلت وتطورت على اساس عقلي، وانها بنيت بشكل منطقي وعقلي على قياس الانسان ومؤسساته. فمنذ اقدم ما نملك من تسجيلات مكتوبة وحتى نهاية الحضارة العراقية، نجد ان المفهوم الميتافيزيقي الأساس للاهوتيين، وهو المفهوم الذي كان مركزيا وبديهيا لجميع افكارهم الدينية، هو افتراض وجود مجلس (بانثيون) مكون من مجموعة من الموجودات الحية، تشبه الانسان شكلا، الا انها فوق بشرية وخالدة، وهي على الرغم من أنها لا مرئية من قبل البشر الا انها تقود وتسيطر على مجالات الكون وفقا لخطط محكمة الوضع، وقوانين مشرعة بدقة. لتكن مجالي الكون العظيمين، السماء والأرض، البحر والهواء، لتكن اجساما كوكبية عظيمة كالشمس، القمر، والكواكب السيارة، لتكن قوى جوية كالريح، العاصفة، الزوبعة، او، أخيرا، لو اخذنا الأرض، لتكن ظواهر طبيعية مثل النهر، الجبل، السهل، او ظواهر ثقافية كالمدينة والدولة، العدالة، الخندق، الحقل، والحديقة، او حتى أدوات مثل الفأس والمحراث والماكنة، كل واحد من هذه يقع تحت سطوة واحد او اخر من الموجودات المشخصة وفوق البشرية، الذي يمارس نشاطاته وفقا لقواعد وأنظمة ثابتة.

و الآن، كيف امكن للمفكر السومري أن يشكل هذه الصورة لمجلس مشخص وفوق انساني للسيطرة على الكون وموجوداته وظواهره المختلفة ؟ من الاكيد انه ليس بملاحظة أي تشابه طبيعي بين الموجودات الأخيرة والموجودات البشرية، وكافتراض مسبق، فإنه لا يمكن لأحد ان يناقش بان العراقيين القدامى، عند مشاهدتهم للسماء، وجدوها تشبه انسانا ملتحيا او عند مشاهدتهم الأرض وجدوها امرأة ضخمة بأثداء منتفخة، وليس هناك من مبرر للاعتقاد بان المفكرين السومريين تصوروا موجودات مثل السماء، الارض، الشمس، القمر، النهر، الفأس... الخ، كشيء، حي ذي إرادة ذاتية. كل الدلائل المتحصلة تشير بوضوح الى انها ليست السماء، هي ما كان يعتقد بانه (حي) ولكن الموجود شبيه الانسان المسؤول عن السماء، ولم تكن الأرض ما كان يعتقد بانها (حي) ولكن الموجود شبيه الإنسان المسؤول عن الأرض، وليس نهري دجلة والفرات هما الـ (حي) بل الموجود شبيه الانسان المسؤول عن هذين النهرين... الخ الخ. وإذ انه من الواضح ان اللاهوتيين العراقيين لم يكن بإمكانهم رؤية هذه الموجودات شبه الإنسانية بأبصارهم، لذا ينبغي الاستنتاج بانهم وبطريقة ما استدلوا على وجودهم، بكلمات أخرى، أن عقل اللاهوتي العراقي أخبره بان هذه الموجودات موجودة حتى وان لم يمكنه رؤيتها، وان الأساس لمثل هذا الاستنتاج ليس صعبا على التصور، المفكر القديم ارتقى بشكل طبيعي ومنطقي تماما من المعلوم الى المجهول، اتخذ دليله من المجتمع الإنساني الذي يعرفه، لاحظ أن جميع المناطق والمدن، جميع القصور والمعابد، جميع الحقول والحدائق وباختصار جميع المؤسسات التي يمكن تصورها وجميع المنشئات موجهة ومرعية ومقادة من قبل كائنات انسانية: ومن دونهم فان الأراضي والمدن تؤول الى بوار، وتتهدم المعابد والقصور، وتتحول الحقول والحدائق الى صحارى ويباب. وبناء عليه فان الكون وجميع الظواهر المتعددة ينبغي، من باب اولى، ان ترعى وتوجه وتقاد ويسيطر عليها من قبل كائنات حية شبه انسانية، وبما أن الكون موجود اكبر حجما من جميع الموجودات الانسانية، وتنظيمه يفوقها تعقيدا، فأن هذه الموجودات الحية يجب أن تكون أكبر وأقوى من البشر العاديين. وفوق ذلك أن تكون خالدة، والا فان الكون سوف يؤول إلى الفوضى عند وفاتها، وتكون نهاية العالم، وهي بدائل، ولأسباب واضحة، لم تجد حفاوة عند الميتافيزيقيين السومريين. ان كل واحد من هذه الكائنات غير المنظورة، والمشخصة، وفي الوقت نفسه فوق البشرية والخالدة، خصص لها السومريون كلمة (دنجر) التي تحولت عند الاكديين الى (الو) وترجمناها الى كلمة (الله)، فوق ذلك، وحيث أن مبدأ وجود مجلس الهة تطور مما يمكن أن نصطلح عليه اقتراب الحس العام الى سؤال (كيف يسير الكون ؟) فإن التطورات المتعلقة بتنظيمه تطورت ايضا. ففي المقام الأول يبدو من المعقول للاهوتيين السومريين الافتراض بان الكائنات المكونة لمجلس الالهة ليست على قدم المساواة في الأهمية، أو على مستوى واحد. فالإله المسؤول عن المنجل والمحراث من الصعوبة ان نتوقع مقارنته مع الكائن المسؤول عن الشمس، ولا يمكن للكائن المسؤول عن العدالة والخندق ان نتوقع مساواته للإله المسؤول عن الأرض ككل، ولذلك، ايضا، فانه يبدو من المعقول الافتراض، بالمقايسة مع التنظيم السياسي للدولة البشرية، بان على رأس مجلس الآلهة كائنا يعد من قبل الجميع ملكهم وقائدهم. ولهذا نجد مجلس الالهة السومرية يفهم من حيث الوظيفة كجمعية على رأسها ملك، واكثر المجاميع اهمية في هذه الجمعية هي الآلهة السبعة المحددة للمصائر، والآلهة الخمسون المعروفة ب (الآلهة العظمى)،الا ان التقسيم الأكثر أهمية الذي اقامه اللاهوتيون السومريون في مجلس الهتهم هو بين الكائنات الخالقة والالهة غير الخالقة، وهو التصور الذي توصلوا اليه بعقلانية تامة كنتيجة لمفاهيمهم الكونية، ذلك لأنه، وفقا لهذه المفاهيم، فالمكونات الأساسية للكون هي السماء والأرض، البحر، والجو، وكل موجود كوني اخر او ظاهرة، يمكنها أن توجد فقط من خلال واحد أو آخر من هذه المجالات. هنا يكون من المعقول الاستنتاج بان الكائنات المسيطرة على السماء والأرض، البحر والهواء، هي الآلهة الخالقة، وان واحدا أو آخر من هذه الآلهة الأربعة هو الذي خلق جميع الكائنات الاخرى وفقا لخطط نظمت معها. وبالنتيجة فان اله السماء انو، واله الهواء انليل، واله الماء انكي، والهة الارض ننخرساك (اعتمادا على استنتاج بانها تمثل الالهة التي عرفت باسم کی) عوملوا كآلهة قائدة اربعة لمجلس الآلهة السومري والتي دائما ما تجمع معا كرباعي من الآلهة ذات طبقة واحدة. اخيرا، اللاهوتي السومري، مستمدا دليله من العالم البشري حوله، قدم،دون شك، استنتاجا ميتافيزيقيا مهما في الاجابة على مشكلة مثل: ما الذي يجعل الكائنات الكونية والمظاهر، التي خلقت ذات مرة، تعمل باستمرار وتناسق، دون تصادم وارتباك ؟ هذا المفهوم هو ما دلل عليه السومريون بكلمة (مي) والتي لازال مرادفها يشوبه الشك الا ان الحكم الذي نتوصل اليه من خلال عدد متنوع من النصوص، هو، انها كما يبدو، تشير الى عدد من القواعد والتنظيمات المخصصة لكل موجود او ظاهرة كونية لغرض محدد في حفظها وميسرة إلى الأبد وفقا لخطط موضوعة من قبل الكائنات الخالقة.

 الفقرات السالفة، كما آمل، وضحت بشكل تام السمة العقلية الكامنة في الفكر النظري السومري المبكر، اذ ينبغي أن يكون قد وصل الى اجاباته للمشكلات الكونية، الميتافيزيقية المختلفة التي واجهته، ليس استيحاء لعلاقة مشاركة مع الطبيعة بل بتفكير عقلي أوصله إلى قناعات فكرية. ان وجود مجلس الهة لا مرئية ومشخصة وفوق بشرية، منظم كسلطة كهنوتية يرأسها اربع الهة يحكمون مجالات الكون الأربعة ووضعوا الخطط لخلق جميع الكائنات والظواهر الكونية الأخرى من خلالها، ووضعوا القواعد المتعلقة بوظيفة الديمومة والانسجام، كل هذه قبلت كبديهيات من قبل الفلاسفة السومريين الذين اقترضوها استنتاجات منطقية مبنية على تجربتهم مع العالم البشري المتمدن حولهم. والحق انه ليس من غير المنطقي الافتراض بدقة بانها لم تكن محدودة الاتساع، لأنها تحمل قناعة فكرية عالية حيث أن المفاهيم اللاهوتية الكامنة في هذا الافتراض صارت النظرة الأساسية العامة لإيمان ومعتقد العراقيين الأول. واذ اننا لا نملك أي سبيل لمعرفة التطورات الكونية واللاهوتية الأساسية التي سبقت هذه في العراق القديم، أو مدى التشابه بينهما، لذا يمكن الافتراض بثقة بان هذه المفاهيم المبكرة، مهما كانت سمتها، غطت سحابة مرحلة الفكر التكويني عندهم. وبناء على ما مر فإن التفوق العقلي للتعاليم التي طورها وعرضها المفكرون السومريون كان واضحا تماما، لذا كان محتما أن يتم قبولها بصدق من قبل طبقة منظمة، وفي الأخص اذا لم يكن من غير المحتمل الاعتقاد بأن هؤلاء المفكرين السومريين كانوا في الوقت نفسه كهنة أو قضاه ذوي تأثير كبير، تماما كما هو الحال على سبيل المثال، في قبول التعاليم التوحيدية التي طورها وعرضها المفكرون العبريون بعدهم بأمد بعيد والتي تدين الى حد غير قليل الى تفوقهم الفكري على تصورات الشرك التي كانت سائدة والتي فقدت بريقها على مر الزمن..

ان مسئولية المفكرين السومريين عن المفاهيم الميتافيزيقية واللاهوتية الاساسية التي سادت العراق القديم خلال الألف الثالث قبل الميلاد والتي طوروها وصاغوها بعد نقاش وجدل عظيم فيما بينهم، تبدو ليست محل شك الان، وفوق هذا فان قناعتهم بامتلاكهم لحقائق كونية أساسية على مستوى عال من الأهمية تخص سلوكهم وسلوك الموجودات التابعة لهم دفعتهم لان يعرضوها بحماس واندفاع بشكل شفاهي، لكي يتم اعتمادها لاحقا، كعقيدة رسمية وكونية للمدينة، وعليه، لا بد انهم قاموا بالانتفاع والصياغة لبعض الحجيج والبراهين التي تخدم غرضهم، الا أن هناك القليل من الأمل، كما يمكن القول، بان نكتشف نصوص هذه المحاججات والنقاشات، ما دام المعلمون السومريون والكتبة قد فشلوا في تطوير نوع ادبي مکتوب يخدمهم كوسيلة للتعبير والمحادثة. أن كل ما يمكننا ان نامل هو التنقيب وتجميع

بعض الاستنتاجات - التي لا تؤيدها الأدلة والحجج - من نصوص سومرية لازمان متأخرة كثيرا، وبالأخص من اساطيرهم، وهو النوع الأدبي الشائع عند المعلمين السومريين المشتغلين في المدارس السومرية (ایدوبا)، ولكننا اذ نفعل ذلك، لابد ان نتذكر ان كتاب الأساطير العراقيين القدامى ليسوا في الأصل فلاسفة او لاهوتيون لينصب اهتمامهم على الفكر النظري، بل انهم معلمون وشعراء جل اهتمامهم التمجيد والثناء على الالهة وعقائدهم، وعليه فان كتاب الأساطير هؤلاء لم يهتموا في اكتشاف حقائق کونية او لاهوتية حديثة، بل امنوا بالتصورات والممارسات اللاهوتية الشائعة دون تفكير بأصلها وتطورها. ان هدفهم كان انشاء قصائد قصصية حاولوا فيها شرح اصل ووجود واحد او آخر من هذه التصورات والممارسات بأسلوب يظهر رائعا ومؤثرا وممتعا. ولهذا فهم لا يتعلقون ببراهين وحجج تمت الى العقل، أن اهتمامهم الأول سرد قصة، أو وصف حدث يدغدغ العواطف. انهم، لهذا، لا يلجؤون إلى المنطق والعقل كأداة أدبية بل إلى الخيال والوهم، وبالنتيجة، ففي سردهم لقصة أو وصفهم لحدث مخصوص، تجد الشعراء لا يتوانون من اختلاق بواعث ووقائع منسوخة عن الفعل الانساني والتي لا يمكن ان يكون لها أي أساس في الفكر النظري العقلاني، كما انهم لا يتوانون ايضا عن تبني ملامح اسطورية او مستقاة من الأدب الشعبي في ما لا يجدون ما يخدمهم في البحث والاستنتاج الكوني العقلي.

أن الافتراض بان الاساطير العراقية القديمة تمثل الفكر النظري للفلاسفة واللاهوتيين الأوائل

الذين طوروا الخطوط الأساسية للاهوت والكونيات السومرية، هو افتراض مضلل مثله مثل الافتراض بان الاساطير والخرافات المضمنة في الفصول الهجائية من التلمود والمدراشية تمثل المفكرين العبريين الأوائل الذين طوروا وعلموا المفاهيم التوحيدية.

نعود الان الى اكثر فصول جاكوبسون اهمية حول الفكر النظري في العراق القديم المعنون (الكون كدولة). لا يمكن للمرء الا الاعجاب والاطراء للعناية والدقة الفكرية التي كتب بها، منطقية في التنظيم، اخلاص للتفاصيل الدقيقة، ووضوح عباراته واستخلاصاته. ومن المؤكد أن جميع المتابعين لاسهامات جاكويسون في العقد الماضي، وبالأخص تلك المتعلقة بالعقل السومري، تعلموا أن يدركوا ويقدروا أهميتها ومغزاها. وهذه واضحة على الخصوص في عمله هذا الذي أنفق سحابة وقته وفكره للمادة الأدبية السومرية، وأن دراساته السديدة سوف تأخذ مكانها بين اكثر الدراسات أصالة وانارة في هذا الحقل، وعلى الرغم من كل هذا فمما يؤسف له اني وجدت نفسي على غير وفاق مع اغلب تعميماته واستنتاجاته حول الفكر النظري العراقي والتي طرحها في هذا الفصل، لأنها تقوم أساسا على وهمين كبيرين:

 الأول - انه ينسب إلى المفكرين السومريين الأوائل موقفا نفسيا تجاه ظواهر الطبيعة لا يملكونه. والثاني - فشله في ادراك السمة الحقيقية لغرض وتقنية كتاب الأساطير الذين قرأ في أعمالهم افكارا كونية ذات سمة عقلية ومنطقية لم يقصدوها.

 في سبيل ايراد الحجة بوضوح أكبر دعنا نحلل الفصل، قسما بعد قسم، مع حذف اوله حول تأثير البيئة في مصر والعراق القديم، والذي هو في الأصل تمهيد وخلاصة للفصل..

في القسم الثاني المعنون (تاریخ فكرة العراقيين القدماء عن العالم) نجد عبارة استهلالية هي انه مع حلول الفترة الشبيهة بالكتابية بدا وكأن الحضارة العراقية القديمة قد تبلورت بين عشية وضحاها وهكذا ينبع فجأة وبشكل تام النمط الاساس والاطار الذي كان على العراقيين ان يعيشوا خلاله، ليصوغو اسئلتهم العميقة، يقيموا انفسهم ويقيموا الكون.

ان هذه الفرضية حول تبلور الحضارة العراقية القديمة بين عشية وضحاها، تبدو غير مبررة ولا واضحة بشكل تام، اذا ما اخذنا باعتبارنا ان جميع العبارات المتعلقة بالعراق في مراحل قبل التاريخ، وبضمنها تلك العبارة التي مرت للتو، لا يمكن ان تكون بطبيعة الحال اكثر من استنتاجات افتراضية ونظريات.

ان الفرضية التي تبدو متفقة كثيرا مع الأدلة التي نملكها، والتي تمنحنا مقتربا استنتاجيا كبيرا الى المشاكل المطروحة، ان هذه الحضارة، اذا ما حكمنا وفقا للشواهد اللغوية، التي لعب السومريون دورا مهيمنا فيها، بدأت تحتل موقعها خلال الفترة الشبيهة بالكتابية نتيجة لعصر طويل من التلاقح الثقافي بين ثلاث مجاميع عرقية. فقبل ظهور السومريين على المسرح بزمن طويل، بدأت الحياة في جنوب العراق القديم بثقافة قرى فلاحية، حملتها مجموعة عرقية لازالت هويتها موضع شك، ومن المحتمل انها ليست سامية ولا سومرية في اصلها. بعد فترة الاجتياح السامي للعراق من الغرب، تطورت ثقافة القرى الزراعية على مدى قرون الى حضارة مدنية عالية والتي وصلت، على المستوى السياسي مع مرور الوقت الى درجات امبراطورية. النفود السياسي المسيطر للامبراطورية العراقية السامية جاء الى نهايته على يد جموع سومرية بدائية بعد صراع عسكري طويل انتهى باقتحام جنوب العراق من قبل الفاتحين السومريين. وكنتيجة لهذا الاقتحام والفتح عانى جنوب العراق فترة من الركود والتخلف بلغ ذروته نسبيا في الفترة البربرية بواكير عصر البطولة.انها الفترة التي تلت عصر البطولة السومري والتي شهدت اندماجا ثقافيا مثمرا بشكل كبير بين الفاتحين السومريين البرابرة والمواطنين الأصليين الذين كانوا أساسا على مستوي عالي من المدنية، وهي الفترة التي من المحتمل أنها شهدت اختراع نظام الكتابة السومرية، وقدمت مجموعة من السدنة والمفكرين في المعابد والقصور، والتي تحت قيادتهم المثمرة بدأت الحضارة العراقية التاريخية المتأخرة موسومة بسمتها السومرية الغالبة.

نعود الى القسم التالي من الفصل (موقف العراقيين القدامى تجاه ظاهرة الطبيعة) أن ما ينبغي ملاحظته أن الاستنتاج الأساسي لهذا الفصل لا يقوم على اساس وغير موثوق إلى حد بعيد، فقد تم الوصول اليه من خلال اسناد نظرات وتصورات تحمل سمة اسطورية الى الفكر النظري. ولهذا نجد هناك عبارات مثل: ان أي ظاهرة يراها العراقي القديم في العالم حوله تملك حياة، تملك شخصيتها وارادتها، وذاتها المميزة، او: ان العراقي القديم يتحدث، بشكل يقيني، الى الصخور والنجوم، الرياح والمياه، كأعضاء في جمعيات قانونية. والان، فأنه ليس هناك دليل جلي على أن مثل هذه النظرات قد اعتمدت من قبل المفكرين السومريين الأوائل الذين آمنوا بوجود مجلس آلهة لا مرئي ومشخص للسيطرة على الكون وظواهره المختلفة. هؤلاء الرجال لم يخلطوا بين الحي واللاحي، انهم بالتأكيد نظروا إلى الهواء والماء، الغابة والشجرة، المعدن والصخر کأشیاء دون حياة ودون شخصية ودون ارادة. وبالمثل، فان المجالات الأربعة التي تشكل الكون السومري، السماء والأرض، البحر والجو، لم تفهم من قبل الميتافيزيقيين السومريين باعتبارها ذات حياة، هناك كائنات حية فيها، مثل الالهة، البشر، الحيوانات ولكن المجالات الطبيعية ذاتها لم تفهم بانها ذات حياة، وارادة، وشخصية. ان الذي لا شك فيه أن الكون، للمدى الذي كانوا يرونه، كان عديم الحياة بشكل كبير، ودون إرادة وعقل لذا فان هؤلاء المفكرين الأوائل وجدوا أنفسهم يواجهون مشكلتهم الأساسية وهي كيف يمكن للموجودات الميتة، والفاقدة للعقل التي يتضمنها الكون ان تعمل بثبات وانسجام، يوما بعد يوم، سنة بعد سنة، جيلا بعد جيل، ومن المؤكد أنهم استنتجوا بانها لا بد أن تكون مراقبة ومقادة من قبل مخلوقات حية قوية مليئة بالحكمة والفهم العميق، باختصار أن الفكرة المحددة لمجلس الالهة ذل،ك الذي وصف في الصفحات السابقة، لا يمكن ان يأتي الى المفكرين العراقيين لو لم يميزوا بين الحي والميت.

في الأقسام التالية من الفصل، المكرس لمناقشة بناء الدولة الكونية ولقادتها، وجدنا لسوء الحظ تكرارا لذات التعميمات غير القائمة على اساس والمتعلقة بالشخصية الحية لجميع الموجودات والظواهر الكونية، ولكن، بالاضافة الى ذلك، فهذه الصفحات تظهر قدرا من سوء الفهم بخصوص الكائنات السومرية القائدة، والقائمة بشكل كبير على تحليلات نفسية، كما اعتقد، غير واقعية، وغير متزنة وذات سمة ذاتية صرفة. وهكذا، بعد تفكير عميق حول كيفية تأثير السماء على الانسان حين يكون في حالة ذهنية فائقة الحساسية، يأتي الاستنتاج بأن العراقيين القدامى جعلوا " إنو" يمثل السطوة والسيادة المطلقة بينما انليل، على الجانب الاخر، فسر کاله العاصفة، ولذا قيل بانه يمثل القوة. وهكذا يستمر البرهان، فبينما " انو" يسير الكون بالسلطة وحدها، السلطة التي قبلت بحرية وطواعية، فان انلیل هو الذي يحتل المسرح حين تدخل القوة إلى الصورة. بكلمات أخرى، يمكننا الافتراض، كما يظهر، بان مجلس الالهة السومري كان مقادا من قبل كائنين متعاليين، وفي الوقت نفسه يتمم احدهما الاخر، من قبل انو الذي يختبر سطوته دون قوة، ومن قبل انليل حين تكون الحاجة الى القوة.

والان فان نظرية تقسيم السلطة بين انو وانليل يصعب صمودها امام الدليل. في المقام الأول، كما سوف ندلل، انليل ليس اله العاصفة على كل حال، من هنا فان وظيفته في الكون، كما ينبغي ان يفهم ابتداء، لا تتحدد بمصطلحات العنف والقوة، أكثر من ذلك، اذا ما ارجعنا البصر الى الفترة التاريخية المبكرة، اواسط الألف الثالث فيل الميلاد تقريبا، نجد بشكل عام ان انليل لوحده كان معروفا قائدا متسلطا في الكون، متسلطا، أي وجهة نظر السطوة مثلما هو القوة، ومن المؤكد،وربما هذا هو ما اثر على استنتاجات جاكوبسون، اننا نجد، في أحيان كثيرة في النصوص السومرية، ازدواج الالهين انو وانليل في الأمر، الا ان هذا ربما يعود إلى حقيقة أنه في وقت ما، في الأيام قبل التاريخية كان انو لوحده المعروف بصفته القائد المتسلط في الكون، وانه ربما نتيجة بعض الأحداث المهمة والتي لا زالت غير معروفة، فان هذه السيادة تحولت إلى انليل، تماما مثلما حدث في يوم متأخر حين تحولت من انليل الى مردوخ. على كل حال، فأيا كان الذي يفهم كاله متسلط في فترته، فانه يفهم بسطوته بالقوة والسيادة معا. وعودا الى الاله انليل، فمن سوء الحظ ان جاكوبسون استمر في اخطاءه في تفسير اسمه وشخصيته التي مالت الى السيادة على الادب المسماري، والواقع أن انليل فهم في الأزمان التاريخية ليس فقط كاله متسلط على مجلس الالهة، بل باعتباره اشد الآلهة المنعمين والذي كان مسؤولا عن تخطيط وخلق عدد كبير من العناصر المفيدة في الكون. أن ما ضلل بعض الباحثين في افتراضهم انه كان بشكل اساسي إله العنف والدمار هو في المقام الأول، خطأ ترجمة كلمةأ" ليل " إلى (عاصفة) والواقع انه يمكن إصلاحها الى (ريح) (هواء) (روح) وهكذا لها إلى حد معين ذات المدى الدلالي للكلمة العبرية " كاخ "، ثانيا، نتيجة لما حدث أن من بين التراكيب السومرية المنشورة، نجد هناك نسبة عالية بشكل غير طبيعي من المراثي، وخصوصا من نوع (انيم) فان الباحثين مالوا الى ان انليل كان بطبيعته عنيف ومدمر، وان كلمته تعني دائما الشر.ان ما يبدو انهم فشلوا في ادراكه هو انه في (المراثي) وحدها نجد أنليل يظهر بهذه الصورة ولأسباب واضحة، ولان الدمار المسبب للمراثي ناتج عن قرار، ولان انليل كان هو المتسلط الذي يملك الكلمة في هذا القرار، لذا كان هو صاحب الدور المؤلم بجلب الدمار المحتوم. واذا ما اخذنا، من جانب اخر، التراتيل والاساطير، نجد بان انليل يمجد باعتباره الها ودودا وحانيا والذي يرعى الأمن والسعادة في سومر على الخصوص، والذي يسبب الدمار لأعدائها..

وبالمثل، ما يخص الأقسام المكرسة لننخرساك وانكي، فهذه ايضا تحوي عددا من الأفكار الكبيرة والتحليلات الذاتية الواسعة، والنتائج المتعلقة بعقلية العراقي القديم والتي، وفقا لقول المؤلف، حصلت على فهمها للارض بتجربة مباشرة لها باعتبارها ذات ارادة واتجاه داخلي. فوق ذلك، في حالة انكي، هناك عدد من المشاكل تعترض محاولة الكشف عن أصل الاله واسمه واللذان يبدوان مجهولان معا. اولا خلافا لـ (ان) و(لناثي) فان اسم (انكي) ترکیب مضاف، وربما يكون لقبا اضيف إلى الاسم الحقيقي للإله، مثله مثل لقب (اينانا) ألذي أضيف إلى الاسم السامي عشتار، واللقب ننخرساك ربما أضيف إلى الاسم القديم الاصل (کی). ثانيا، لماذا يعطى الإله الذي عد اصلا اله الماء اسم (انكي) والذي، على الاقل سطحيا، لايعني سوى سيد الأرض وليس سيد الماء ؟ هذا الاسم سيد الأرض يبدو انه يشير الى حد ما الى ارتباط بسلطة انليل الذي حمل الأرض بعد فصلها عن السماء.

و اخيرا، هناك الحقيقة التي هي، خلافا لـ (انو) و(انليل)، فان (انكي) على الاقل عند نهاية الألف الثالث، كان يملك اسما ساميا هو (آيا). ان ما تضيفه هذه الحقائق، قطعا، سهل على الفهم، ربما يؤشر احتمالية ان اله الماء (ایا۔ انکی) كان في الأصل الها ساميا، وفي فترة مبكرة جدا تم تكييفه وادخاله إلى مجلس الآلهة السومري تحت اسم (انکی) نتيجة للأهمية السياسية المتنامية لأتباعه.

 

صالح الرزوقتبدأ رهبة الأسودي كتابها عن “المثقف والسلطة في العراق”* بتعريف الثقافة. وترى أنها جزء من الحضارة، وتعني التقدم لأن الاثنين يرتبطان بالاتجاهات الفلسفية التي بدأت مع الدخول في عصر النهضة الأوروبية، وعبرت عنها عمليا الثورات الصناعية (بالجمع). ص 13. ويفترض هذا التعريف ثلاث نقاط خلافية:

1- أن الحضارة ظاهرة شاملة.

2- الثقافة لم تكن موجودة قبل عصر الأنوار.

3- الثورة الصناعية التي بدلت وجه أوروبا ذات خلفيات وطنية ومحلية.

ولكن سريعا ما تعترض على هذه المفاهيم الضيقة والقسرية وتنوه بالتفسير الفرويدي الذي يساوي بين الثقافة والحضارة، ويعتقد أنهما اسمان لمسمى واحد وهو التصعيد أو تهذيب الغريزة والتعالي على متطلبات الواقع الجائر بكل ما يمثله من أعصبة ومحرمات. ولذلك يمكن للحضارة والثقافة أن يسيرا باتجاهات مختلفة، وأن يحققا بالنتيجة غايات متباينة ونسبية. وتتوقف المسافة التي تعزل الواقع عن وعي وإدراك التصورات على الظواهر الاجتماعية وتطورها التاريخي. وهو ما يقول عنه رالف لينتون “مستوى العموميات” الذي يحدد عقلية النموذج الاجتماعي ص15. ومثلما توجد فروق جوهرية عميقة بين الأعراق يجب أن تتوافر خلافات عميقة في فهمنا للبيئة المباشرة وعلاقتها مع النظام الدولي. وهو ما يقود للنزاعات وما يترتب على ذلك من حروب ومعاهدات تغير وعينا بالتدريج. وهنا يأتي دور التكنولوجيا، الجزء الآخر من الحضارة كما ترى الباحثة. ص13. ولا يغيب عن الذهن أن كلمة تكنولوجيا بالأساس كلمة إغريقية، وتعني فن الحيلة أو الذكاء أو الدهاء. ولذلك يمكن النظر لها بأنها أداة تعبير وتعايش مع واقع محدود وحقيقة غير متناهية. ولا يبتعد هذا التفسير عن الرأي الذي تنقله الباحثة عن دوثي لي ومفاده أن الثقافة هي نسق رموزي يمنح به الموجود معنى لما حوله سواء كان ملموسا كالمجتمع والطبيعة والكون (المخلوقات) أو كان مجرد تصورات وتكهنات ومنها الحقيقة المطلقة ص 14. لكن ما لم أفهمه هو ربط الثقافة بالتطور والحضارة بالانحدار ص14. وتعزو الباحثة لشبنغلر قوله إن الحضارة هي شيخوخة ثقافية. وفي الحقيقة كان شبنغلر مثل فرويد ينظر للحضارة على أنها أطوار تتبع دورة حياة كاملة: تبدأ بالولادة وتنتهي بالخمود. ولكنها دائما ما تعود بوجه مختلف وقوانين جديدة. ولذلك هي تعبير عن تراكم ثقافات أو كشوفات الجهد الإنساني والعقل البشري معا. وعزل المحاور لا يقودنا لفهم معنى الحضارة. فالعلاقة بين الطرفين سببية كما أكد هابرماز في تفسير أثر أجزاء البنية على مستقبل البنية ذاتها. بمعنى أن الأثر عكوس ويبدل النتيجة، وبهذه الطريقة يمكن تحرير التاريخ من سكونيته. ولا يوجد أي اعتراض على مقولة شبنغلر أن الحضارة هي مصير محتوم لكل ثقافة ص14. والتحضر أساسا هو شكل تجليات النشاط البشري الهادف والمتجاوز لشروط بدائيته. وهو ما يمكن أن نفهمه من المقارنة بين مجتمع رعوي وريفي وآخر مديني (تحكمه علاقات حضرية - المقصود استقرار له تعبير قانوني يفصل في الخلافات الناجمة عن نقاط الاحتكاك بين المصالح الفردية والجماعة).

وإن كان هذا هو شأن الثقافة من هو المثقف إذا؟.

تستعرض الباحثة وجهات نظر من زوايا مختلفة ابتداء من غرامشي وغارودي وحتى السوري حليم بركات. وتركز على مزدوجة العمل الفكري واليدوي - العضلي بلغة موازية ص21. وهنا تضيع الفئات البينية، مثل العامل الذي يستعمل يده ولكن في نظام مؤتمت. فهو يحتاج لمستوى ثقافي يؤهله لفهم دور الآلة الوسيط في عملية الانتاج. وهكذا تبدأ المشكلة الحقيقية التي يجب أن نهتم بها وهي التمييز بين المتعلم والمثقف. ما هي طبيعة العلاقة بينهما، تكاملية أم تناحرية؟؟. وأعتقد أن أفضل رد على هذا السؤال الإشكالي موجود في رواية “المثقفون” لسيمون دوبوفوار. فهي لا تتوقف عند نقاط مفصلية في الثقافة ثم تميزها لدرجة انفصالها عن التعلم فقط، بل تتابع لتغطي ثنائية الالتزام والحرية. وتضع التعلم في بئر النفس المعقدة، وتربطه بالمعنى البيئي للوظيفة. وتركز على دور الحرية في انتاج التزام مسؤول يخدم البنية الأساسية لمشكلة التطور. ومن المرجح أن الخلاف بين المتعلم والمثقف هو تعبير دراماتيكي عن الأزمة الحادة لركود المعنى التعليمي للعلم. فهو أصلا يقود لفرض وظائف تربوية ونفعية عاجلة. بينما يعمل المثقف على توقع ما يدخل في عداد الاحتمالات. ويوجد مسافة رمادية واسعة بين الاكتساب بالتعلم والبناء على المعارف المكتسبة، والاكتساب بالخبرة وتطوير تلك المعارف. بتعبير أوضح انتاج الثقافة شيء واستهلاكها شيء آخر. وهو أضيق تعريف للفصل بين المتعلم والمثقف. ويمكن تمثيل هذه المشكلة بالقضية المعرفية التي تمثلها حالة روبنسون كروزو - كما صورها دانيال ديفو. فصراع كروزو مع الطبيعة والضرورة زاد من خبراته المكتسبة ولتحقيق هدف واحد وهو البقاء - أفهم من ذلك أنه طبق معارفه العملية من أجل تحقيق دورة عكسية باتجاه الواقع. ولا يوجد في هذا التصور أي هامش لنفي المرحلة السابقة. بل ربما هو يبذل جهده لاستعادتها. ولذلك أعتقد أنه نقطة تثبيت أو تعطيل، وليس نقطة تنشيط وتحول. وبلغة مارثا روبير (2) هو حارس للماضي ودائرة مغلقة، ولا يسعه أن يرى في الواقع غير صور تكرارية لتجربة البورجوازي الصغير المكافح في سبيل أنانياته الفردية. وبلغة أوضح مثل هذا النموذج هو مثال للخبرات المهنية التي تصارع الطبيعة والمجتمع انطلاقا من دائرة شاملة هي وعيه الخاص. وهو ما يعبر عنه دريدا باسم اللوغو سنتريزم وكأنه يعزو لهذا النموذج نشوء الأنظمة الاستعمارية وما تبعها من إمبرياليات جائرة .

3315 رهبة اسويدي حسينولذلك يوجد للمثقف صور متعددة كما قال إدوارد سعيد (وهي متناحرة ضمنا)، وليست بريئة من النوايا المسبقة. وعلى عكس مفهوم الثقافة يصعب حصر المثقف بتعريف محدد. وفالمثقف الثوري قد يكون علمانيا أو دينيا لأن الثورة هي أي نشاط انقلابي يعمل على تبديل الأوضاع الحالية والانتقال من تفسير محدد للتاريخ لتفسير مخالف. وقل نفس الشيء عن المثقف العملي والآخر النظري. براغماتية الأول تصطدم دائما بجدار مثالية الثاني. وليس من المستبعد أن تنشأ انشقاقات داخل وعي النمط الواحد لتتحول إلى تحت أنماط متصارعة. وأقرب مثال على ذلك الانشقاقات المتتالية التي شهدتها الأحزاب المحافظة في تركيا منذ دولة أتاتورك وحتى هذه اللحظة، مثل انشقاق العدالة والتنمية عن الفضيلة، ثم انشقاق غول عن أردوغان، إلخ...

ولا تساعد فكرة التناحر الطبقي على تفسير الظاهرة. فهي ناجمة عن خلافات داخل طبقة واحدة. وكان التطبيق الضيق للعدالة الاجتماعية وتوزيع حصص الشرائح من الطبيعة هو الموضوع الذي أدى لانفصال غارودي عن حزبه، وما تبعه من قلق واضطراب فلسفي. وهذه مشكلة ثقافية دائمة لأن المستجدات تحتم على المثقف أن يفكر ببدائل ويجب أن تكون استباقية. وهو ما تقول عنه الباحثة نقلا عن الماركسيين النسلاخ الطبقي. ص25. وربما تقصد من وراء ذلك فشل الحزب بتقديم حلول ناجعة للمستجدات. وإذا كانت المراحل الحضارية تفشل وتدخل في السبات والعجز، وتضطر لتبديل أدواتها العملية، فمن المؤكد أن تلاقي الأحزاب والطبقات هذا المصير. وتؤكد الباحثة على هذا التوجه حينما تستشهد بمقولة للجابري ترى أن المثقف “شخص يتجاوز العوائق التي تحول دون نظام أفضل” ص 25. ويعيد هادي العلوي هذا الدور لدرجة الوعي الاجتماعي ص26. ويذهب عزيز السيد جاسم بنفس الاتجاه حين يعتقد أن المثقف هو كل شخص مع الوعي وضد القناعات السهلة والحدود الجاهزة ص 26. وتنتهي الباحثة إلى أن أول هدف للمثقف هو التغيير ص27. وتدخل في هذا المجال الجيوب السرية لعلاقة المثقفين مع السلطة، واستنزاف كل طرف للآخر. ومثلما تكلم علي الوردي عن وعاظ للسلاطين تشير كل الوقائع الحديثة لوجود كاتب للدولة. وتكون وظيفته محددة بتلميع شعارات النظام وبالإئتمان على علبة البروباغاندا. وهي أول حفرة يسقط فيها المثقف. ويكفي العودة لمذكرات رينيه عبودي عن أيامها مع جورج طرابيشي لتلاحظ عمق الأزمة التي تقود العقل القومي للاختلاف مع نفسه، وتركيب أطروحة بديلة، يصعب تسميتها أو تحديد مواصفاتها. وهو السبب الذي قاده للتخلي عن البعث علنا عام 1966 والاشتراك باللجنة التأسيسية لحزب العمال العربي الثوري. وبرأيي ركب طرابيشي البساط السحري ليطير من دولة قومية عسكرية لجماعة يسارية دون دولة. فهل هو تعبير ضمني عن فشل القوميين العرب بتحقيق أول مبدأ لهم وهو الوحدة العربية، والعمل على ضمان استقرار أنظمة التجزئة دون التخلي عن خطاب الوحدة؟؟. قد تكون الإجابة بسيطة، ولكن إذا استعملنا لغة الحضارة وليس لغة الثقافة. فالتخلف الحضاري يعني حتما سقوط الثقافة وتقصيرها عن تقديم حل ملموس لأزمات الواقع الفاسد. ومهما كان الأمر عملت الحداثة على تخطي صيغة الواقع الراهن بنقطتين.

الأولى ليبرالية وتضع الأساس لتصورات عن مجتمع متعدد الأقطاب ومتدرج.

الثانية سائلة وتركز على وظائف الأدوات وليس على تسميتها وتعريفها. وذلك لمصلحة هوية كوزموبوليتانية وهجينة. وهو ما يدخل في نطاق دراسات ما بعد الكولونيالية، ويغلب على هذا السيناريو (بتعبير مانيشا شاه - من الهند) الامتثال لمتطلبات العولمة وتعدد الثقافات أو بتعبير مباشر عبور الخطاب للحدود التي تضعها الأمة وثقافتها(3). والهدف الجوهري لمثل هذا الاتجاه هو دمج الأقليات بالدولة (والمثال على ذلك الأمازيغ والسريان والأكراد). وما نسجله من اضطرابات مؤخرا تهدد سلامة مؤسسات الدولة في منطقة الربيع العربي نتيجة مباشرة لفشل ترجمة هذا الخطاب. وإذا علمنا أنه كان للمثقفين نصيب في حرب لبنان الأهلية (شارك سعدي يوسف ومحمود درويش وأمجد ناصر وإلياس خوري وسليم بركات فعليا بحرب المخيمات)، وهم من تبعيات وطنية مختلفة تشمل سوريا وفلسطين والعراق ولبنان، نكون أمام أول دليل على خلل اجتماعي بمفهوم الهوية، وعلى عدم الاتفاق على معنى واحد لحدود المواطنة. ناهيك عن غموض الشخصية العربي وعدم تبلور ولاءاته. وإن كان الإجماع ينصب على حماية الفلسطينيين المهجرين أصلا من بلادهم، أصبحت المشكلة هي بالاتفاق على تكتيك استراتيجي لإزالة السبب: وهو الوضع المقلق حول أراضي 1948 وأراضي 1967. وكان الأجدى بالوطنيين العرب واليسار الدولي أن يحلوا جذور المشكلة وليس تفريعاتها. وهو ما يعكس الموقف التبريري وأمراض الحداثة السائلة. لقد تحولت حروب تحرير الوعي إلى مجموعة من الفتن الاقليمية، وبرعاية من النظام العالمي الجديد. وما يدعو للسخرية أن نسمع أن تحرير فلسطين يجب أن يمر من إسقاط بعض الأنظمة العربية. وسبق أن سمعنا بدعوات مماثلة في الثمانينات حينما اختلف المثقفون العرب على كامب دافيد، ثم المثقفون الفلسطينيون على اتفاقات أوسلو، وحاليا نشهد صراعا داميا على جدوى الربيع العربي دون أي اتفاق على أجندا لما بعد غبار المعركة. و الاتكال على الديمقراطية الغربية لا يبدو بمكانه.

أولا لأن الغرب لم يسعف المجتمعات المحلية بتجاوز محنتها بعد التغيير.

وثانيا لعدم وجود ضمانات بسلامة المقترعين. والحقيقة أن كل المعنيين بالتغيير هم عرضة للمحاسبة على يد الميليشيات المحلية التي تتحكم بمصائرهم والتي تمر بمرحلة تحفز وليس تفكيك واندماج.

ولتحديد محاور هذه الإشكالية تقدم الباحثة وصفا لأهم أشكال السلطة (على أساس دولي - وليس عربي تحديدا) وتحصرها في ثلاثة وهي: الثيوقراطية، والليبرالية الديمقراطية، والشمولية. ص 32 - 35. ومن المؤكد أنها متابعة علمية ولكن يصعب عدم التعرف على تفريعات لها. وبالأخص في العالم الثالث، حيث تتجاور المجتمعات، وتتحول الدولة لمجموعة جيوب متداخلة ضمن إطار شمولي غائب عن الوعي وبحالة تخدير، وتغلب عليه النزعات التبريرية ومصالح بعض الفئات. ناهيك عن وجود مجتمعات خارج القانون والرقابة، وتعيش بشكل غيتوات (عشائر وعوائل - وشبكات مافيا في الدول العربية التي تعتمد على السياحة). وهنا يتطور نظام عنكبوتي لا خطي يتحكم بمفاصل حساسة في بعض المواسم. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الأعياد وبعض العطل الدينية أو الوطنية (مثل الاحتفال بعيد القائد المؤسس أو عيد المولد النبوي ومستهل التقويم القمري - يعتمد على حادثة رمزية وهي هجرة الرسول من مكة إلى يثرب وما رافقها من أساطير وخرافات تسعد أوجاع شريحة شعبية مقهورة وخاضعة لوعد مؤجل بالعدل الإلهي). ومثل هذه المناسبات بالأصل غير مدعومة من السلطات، ولها مفاتيحها ضمن هرم النظام، ويشرف عليها منتفعون لا يشتركون بقرار سيادي على الإطلاق، ولكن لهم وظيفة تشبه دور أي شرطي في أي مخفر على الحدود. والحدود بهذا المعنى ليست سياسية ولكن إيديولوجية وتقسم المجتمع من الداخل وترسم صدوعا عميقة تدل على ضعف بنية التخلف أو على بنية تابع لمتبوع (وحتى لا نتورط بتحسسات معينة أشير لأزمة النمور الآسيوية المعروفة - وتاليا لمشكلة الإقتصاد الإسلامي في طور ما بعد الحداثة أو طور تزوير الصعود القومي الإقليمي بغلاف ديني ساذج وتبريري).

وكنت أتمنى لو تدعم الباحثة هذا الفصل بإضافات عن الواقع المشوه لما قبل السقوط، وعن تشرذم السلطة في واقع ما بعد السقوط، ودور الولاء للسياسات الإقليمية ضمن غشاء مطاطي لحدود بلاستيكية. وتوجد عدة أعمال رؤيوية تناولت هذا الواقع المؤسف ومنها (القلادة) لحميد العقابي و(مكان اسمه كميت) لنجم والي. ولا أنسى (ملوك الرمال) لعلي بدر. وكل هذه النماذج نظرت للسلطة وهي تتخبط في شبكة من الادعاءات المزيفة عن تاريخ اجتماعي ليس له وجود، وللتغطية على حقائق تاريخية سوف تتسبب للدولة بأزمة حادة تقودها لتزوير وعيها المعرفي والسياسي. وكانت هذه النماذج تؤكد على إفلاس النظام وتجريف السلطة للمجتمع، وتحويله من دولة مستقلة إلى دويلات. وقد سبق للمصري جمال الغيطاني أن نبه لهذه المشكلة في قصص متسلسلة نشرها في الثمانينات بعنوان (ذكر ما جرى)، وأعاد تناول المشكلة لاحقا بعنوان (حكايا المؤسسة)، وأشار بما لا يترك مجالا للشك أن المؤسسة أصبحت عبارة عن حجرات تفصل بينها جدران وأبواب. ولكل حجرة عقل مدبر. والعامل المشترك المتبقي هو المصعد وحاجب المصعد. وكلاهما تحول لمعبر - أو جهاز توصيل ورقابة. وربما تقاطع بهذه الرؤية مع “ذئب البوادي) لهيرمان هيسة، فقد نظر لألمانيا النازية كما لو أنها متاهة متشعبة كل سرداب فيها يعبر عن نموذج منفصل عن ذاته. ورأى أن إدارة الذات بهذه الطريقة عرض المجتمع لرهاب خصاء وتعطيل. وأهم ما يلفت الانتباه هو طريقة ربط الغيطاني وهيسة للشخصيات مع المكان. في حالة الغيطاني يتكامل المصعد مع الحاجب أو الدولة مع رمزها الوحيد. ولكن في حالة هيسة يوزع البطل ذاته على عدة شخصيات وعدة أمكنة، لكل منها صوت يعبر عن نموذج من اتجاهات الضياع والتشرذم قبل الوصول لذروة التراجيديا وهو دفن الروح والإبقاء على الأعراض المادية للمجتمع النازي.

ومن هذه النقطة يبدأ موضوع الكتاب الأساسي، وهو علاقة المثقف بالسلطة، وتراوح ذلك بين التبعية المطلقة والمعارضة المطلقة. ولكن طرأت مراحل تطور خلالها المفهوم من خضوع المثقف للسلطة الدينية حتى بلغ مرتبة مستقلة عن جميع السلطات. وتعتقد الباحثة أن أول مؤشر لهذا المنعطف التنويري الهام هو قضية درايفوس الضابط اليهودي، ودفاع زولا عنه بمقالة معروفة نشرها تحت عنوان “إني اتهم” ص40.

و ربما يجدر بنا في هذا السياق الإشارة لغموض معنى المثقف في المجتمع الإغريقي ولاحقا في بدايات الدولة الإسلامية وحتى سقوط العثمانيين. فالإغريق وضعوا الثقافة تحت بند الفلسفة. والفيلسوف بالنسبة إليهم هو العقل المنوط به مهام التفكير وتلقين المعرفة. ويمكن أن تجد مثل هذه الحالة في عصر التنوير في أوروبا، فقد كان الفيسلوف مفكرا وعالما، مثل ديكارت كان عالما بالميكانيك والرياضيات. وغاليلو كان عالما بالفلك والرياضيات. ودافنشي (من عصر النهضة) كان فنانا ومهندس ميكانيك وخبير متفجرات وفيزيائيا. وينفرد المثقف في فجر الإسلام بدور مزدوج: تربوي ومهني. ولا يوجد فصل في الإسلام بين العلوم الشرعية والعملية. ولذلك صنف المجتمع في واحد من اثنين: 1-عالم (مؤمن يفهم بأصول الدين - والدين هو الشريعة التي تشمل بعطفها ورعايتها كل ما عداها من أمور دنيوية أيضا - ومنها الطبابة والانتاج الزراعي والصناعي). بتعبير آخر لا يوجد شيء خارج المشيئة الإلهية التي ندرسها عن طريق التشريعات والفقه. 2- جاهل (وهو اللاديني).

ومثل هذه الحالة الخاصة صعبت شروط الحياة على المثقف، ووضعته تحت رحمة السلطة الزمانية والروحية للحاكم. ونظرا لظروف التخلف، والعناد الثقافي التي تتميز به الطبقة المتوسطة الناقمة على ضعف مكاسبها في الوضع السياسي الحالي، استمر التفكير الميتافيزيائي جنبا إلى جنب مع الحلول غير الواقعية ولا التاريخية. وبرر هذا الاتجاه بعض الأفكار المعروفة باسم الباراسايكولوجي والتي تهتم بالخوارق أو بالهامش الضيق من الاستثناءات التي لا يخلو منها بنك معلومات. وتحول الخيال العلمي لحل وسطي ناجع وتبريري، يختار الإبرة من وسط كومة التراب، وينسى كل ما حولها.

وأكثر ما يدهشني بهذا السياق هجوم أنصاف المحافظين على الشعر النثري بحجة أن النص إما يكون شعرا أو نثرا (وكأنهم يتبعون مبدأ الثالث المرفوع). وتناسوا المشكلة الحقيقية التي ينطوي عليها الخيال العلمي، وهو أنه مثل جزء هام من ثقافة الوحي، له دور رمزي وتجسيدي، ولا يعنى بالحقيقة المباشرة والمجردة فعلا.

الإحراج الآخر الذي واجه المثقف العربي كان في محور المقاومة. فقد وقع هذا المحور تحت سلطة الأمر الواقع، واختار مماشاة السلطات العربية - لتنادي بمبدأ التحرير. ويوجد هنا أكثر من التباس واحد، وبالأخص إذا نظرت لواقع الشرق الأوسط بمنظار شامل. فشعار تحرير فلسطين تبدل بعد أوسلو. بمعنى أن الخطاب انتقل من مبدأ المقاومة السملحة لمبدأ حوار الطرشان، وهو ما يؤكد عليه إبراهيم الحصري في دراسته الأخيرة عن عدم جدوى الحوار في ظل دولة محتلة (4). وبهذا الاتجاه ينظر للنشيد الوطني الإسرائيلي الذي يشجع على تجاهل الآخر الفلسطيني، مع أنه شريك بالحوار المتخيل عن مستقبل يخلو من الصراع والمعارك. ويسأل نفسه ما جدوى الحوار مع طرف لا يتكلم إلا مع نفسه، وينشر ثقافة الكراهية لدرجة تنظيف الآخر - تطهير أرض الميعاد منه؟؟!. والإصرار على النظر لغير اليهود أنهم أغيار يبذر بذور سياسة اللون الواحد، ويبرر منطق مؤسف تماما وهو انتقام الضحية من ضحية مثلها.

وتغتنم الباحثة هذا السياق لتستعرض أطروحات متعارضة عن موقف المثقف العربي من أنظمته، وتجملها في خاتمة موجزة باتجاهين.

الأول متطرف إما يقبل سلطة الساتقلال على علاتها، أو يشكك بها ويجردها من المشروعية تماما. والثاني توفيقي ويدعو لسن القوانين المحددة للعلاقة بين الطرفين. ص55. غير أنها لا تشير ولو بكلمة واحدة لموضع المثقف، هل نشاطه من الخارج أو من وراء جدار حماية؟. فبعض المثقفين لديهم حصانة لعدة أسباب، منها الصداقات وعلاقات القرابة. أم أن نشاطه من داخل ميدان المعركة ومن وراء القضبان؟.

كذلك لم تتوقف عند أوهام السلطة وأوهام المثقف. فالخطاب يتطور عند الاثنين في كثير من الحالات بمعزل عن الواقع السياسي والاجتماعي. وأحيانا تعلن السلطة عن أجندا تعلم سلفا أنها فوق إمكانياتها (مثل تحرير فلسطين - أو تحقيق مبدأ الوحدة العربية الشاملة). وبالمقابل يضع المثقف نفسه في بالونات منفوخة بالهواء حينما يتكلم عن تحديث المؤسسة، أو حينما يتباهى بالتصدي لأمريكا وأوروبا الغربية (نصف الشرقية أصبحت تأمل بالعبور للغرب - تذكر أزمة أوكرانيا عام 2022 مع روسيا. وأزمة تايوان بنفس الوقت مع الصين). أو حين ينادي بديمقراطية دستورية. ولكن مع تطبيق الشريعة.

و حتى الأعمى يستطيع أن يلاحظ أن الديمقراطية مبدأ إغريقي غربي طوره غرب العالم ليضمن العدالة والمساواة قدر الإمكان لأفراد يرعاهم النظام النفعي الاستعماري. لكنه لا يتأقلم مع نظام الشورى الانتقائي. ولا يغيب عن ذهن أحد أن نشوء الدولة الإسلامية كان مبنيا على التلويح بالسيف في اجتماع طارئ حضره مثقفون - ووجهاء لا يزيد عددهم على أصابع اليدين، ويشتركون بعامل (النسب والشرف) أو عامل ارستقراطية العصبية والدم (كما يقول الباحث الإسلامي ماجد الغرباوي). ويذهب سيد القمني لما هو أبعد من ذلك حينما يعتقد أن الاجتماع كان مخصصا لمحاصرة الحزب الهاشمي وإضعافه، ولتصفية حسابات بين الهاشميين (ربع قريش) وبني عبد شمس (حلفاء بني عبد الدار وقبيلة الأوس في يثرب وذرية نوفل من ورائهم). ص90.(5).

***

وبالعودة للعلاقة المباشرة بين الثقافة والسلطة، تؤكد الباحثة أن الحكم العثماني شجع على الثقافة الدينية وأعفاها من رقابته الصارمة، بينما خنق التفكير الليبرالي في مضمار المجتمع والسياسة. ولهذا السبب لم يدخل العراق في مرحلة تحديث العقل الوطني إلا بعد تلاشي كابوس العثمانيين. وإن كانت الباحثة ترى مع عناد الكبيسي أن عزلة العراق كانت ترعاها عوامل جغرافية (بسبب وجوده بين فكي كماشة - الأتراك وإيران)، وعوامل اجتماعية (نظام الحياة العشائري والبدوي) ص125. وبدخول الاحتلال الإنكليزي وما رافقه من نهب وتخريب لرموز السلطات السابقة ظهرت الطبقة الوسطى وانحسر احتكار الكتاتيب الدينية للثقافة، وجرى الانتقال لمرحلة من الإصلاحات “الباردة والشكلية” ص125. غير أنها كانت كافية للاطلاع على مدارس التفكير الحديثة (الروسية التي ترى أن الثقافة بخدمة الحياة، والغربية التي تعتقد أن الثقافة نظام قائم بحد ذاته ولا يخدم إلا نفسه). وبنتيجة هذا السجال سقطت الحواجز بين الموظف والضابط والمثقف، وأصبح الثلاثة من رواد المقاهي وقراء الصحف. ص139. لكن هذا لا يعفينا من ملاحظة فارق هام، أن المثقف كاتب والموظف والعسكري قارئ.

و إن تداخلت الصفات أحيانا، هذا لا يعفينا من ملاحظة أهم، أن الثقافة كانت أحيانا بنظر الإدارة تهمة تصل لدرجة الجناية والتخوين وتقود لحبل المشنقة، كما فعل الأتراك برموز الثقافة العربية. و مهما كان الأمر ساعد انتشار الليبرالية الغربية على توسيع حصة المثاقفة، وفتح الأبواب المغلقة على العقل الصناعي الحديث، وتعميق الجانب الرؤيوي على حساب الجانب الانطباعي أو التعبيري، ولا سيما في الشعر.. ديوان العرب. وفي خاتمة المطاف ظهرت ثلاثة أنماط من المثقفين هم: المثقف العضوي، والتقني، والثوري. أو مثقف غرامشي وسارتر وفانون. ص141. وهم جميعا فئة متجانسة منسلخة عن طبقتها الاجتماعية. بتعبير آخر لم تلعب الأصول الطبقية أي دور حيوي في تحديد اتجاه هذا الفرز. ولسبب بسيط، أن التعليم تكفل بإلغاء العواطف الاجتماعية المسبقة، وقرب بين العواطف المكتسبة. ص142. وبتعبير آخر تكفلت التربية الحديثة بتشكيل فئة من المتعلمين، بعضهم كان مؤهلا لحمل وظيفة تبشيرية تأخذ على عاتقها هم وظيفة اجتماعية وسياسية (أو معرفية)، ولكن خارج البنية الطبقية المعقدة لدولة المدينة ودولة القبيلة (تستعير الباحثة من حنا بطاطو اسم اتحاد القبيلة). ص 143. وإذا تعهدت هذه البنيات الإدارية بتقسيم المجتمع فقد تعهد المثقفون بتوحيده وترميم الفراغات والجيوب العازلة. وقد مهدت الثقافة لتشكيل كتلة وطنية اندمج بها أبناء كبار الموظفين مع أبناء التجار. ص148 أو ما يسميه إيليا حريق باسم الذوات ص151. وقد حل محلهم في نهاية العهد الملكي أبناء الطبقة المتوسطة وأهل الكفاية. ص151. وكان منهم نوري السعيد الذي قالت عنه المسز بيل: إنه شخصية لها قوة طاغية (بمعنى كاريزما). ص159.

عموما كان صراع الثقافات تعبيرا مشروعا عن صراع بين الأجيال، ولذلك لعبت السياسة دورا في شهرة الجواهري والرصافي والزهاوي، بينما لعبت الرؤية الفنية دورا في شهرة السياب والبياتي. وعلى الأغلب بقي الشعر بعيدا عن الشارع، ومحصورا بفئة من أفراد المجتمع. ودور الشعر الكلاسيكي في التعبئة لا يأتي من سهولته أو مباشرته، وإنما من القافية والبحور المألوفة. بتعبير آخر كان الإيقاع هو الذي يغلب وليس الصور ولا التراكيب.

ولايغيب عن الذهن في هذا السياق دور الاحتلال الإنكليزي بتعويم فكرة العروبة للحد من العاطفة الدينية وإلغاء آخر بؤرة للعثمانيين. وكما أنه لأي حكومة أجنبية دور تخريبي بخصوص الهوية الوطنية، فهي تشجع أيضا على بروز الشخصيات والرموز المحلية. ومن حيث لا تدري تساعد على تسريب فكر الحداثة - إلغاء السابق والتعجيل باللاحق. وهذا بالضبط ما فعلته حملة نابليون على مصر. وأصلا إن هبوب رياح الليبرالية والديمقراطية على العراق كان نتيجة مباشرة للانتداب. ومثله تسهيل دخول نشاط المجتمع المدني في سوريا في ظل الاحتلال الفرنسي. وإن اعتبرنا أن نشوء الأنواع الفنية الحديثة هو المعيار، نلاحظ أن الدراما لم تظهر في المشرق العربي إلا بعد اتفاقية سايكس بيكو والانفتاح على الغرب. ورافق ذلك حركة إصلاح نادت بتحرير المرأة وخروجها من المطبخ للحياة العامة والصالونات. وأعقبها ظاهرتان.

الأولى هي بداية انتشار فكرة لقاء الحضارات وتجريم أخلاق الغرب.

الثانية هي زيادة مساحة البنية التحتية مثل المدارس والمحاكم والأبنية الكولونيالية ووسائل المواصلات الآلية. وقد خدمت هذه المكاسب الجانب الريؤوي، لذلك غلب المجاز على النتاج الثقافي، وانتهى عصر الخطابة، ودخلنا بعصر القراءة. وهو ما مهد لتأسيس خطاب ذاتي يحاور نفسه دراميا. وتجد ذلك في أي صفحة من صفحات رواية “زينب” لهيكل أو “نهم” لشكيب الجابري. ويصدق ذات الكلام على رواية “كتاب خالد” لأمين الريحاني. فقد كانت تشبه مونولوجا فلسفيا طويلا يفكر به الكاتب بصوت مسموع، ويعلن عن ولادة إنسان غريب عن نفسه وعن طبيعته، ويعاني من التمزق ومن آلام المخاض.

ولكن لمن ينتمي هذا النموذج؟. يصعب أن تجد إجابة جازمة كما تقول الباحثة الجورجية نينو سورمافا (6). ولا سيما في ظل هوية ممزقة تدين بالولاء لأرض تحت ظل الاحتلال، ولثقافة غير كاملة وتخضع لتصورات ونزاعات لم يحسمها أحد. وأول دليل على غموض المعايير أن الحزب الحر العراقي تأسس بإيعاز من المندوب السامي البريطاني، برئاسة محمود النقيب الذي جعل همه تأييد سلطة الانتداب. ولم يضم حزبه غير نخبة من أبناء العشائر الذين انتسبوا له بالإكراه. ص265. وللأسف سقط في هذا الفخ كبار المثقفين الكلاسيكيين أمثال الشاعر الزهاوي بحجة دعم سياسة الإصلاح. وغني عن الذكر أن الإصلاح سيكون لخدمة مصالح الاحتلال، وليس لنهضة المجتمع أو الوطن العراقي. وبضوء هذه الحقيقة تكون تركيا قد كسبت معركتها ضد التخلف والعراق خسر معركته في بناء هوية وطنية. ولا يوجد أي شك بهذه النتيجة، فدخول بريطانيا للعراق وضع حدا لولادة الدولة العربية التي وعد مكماهون الشريف حسين بها. وإذا نجا محمود أحمد السيد من هذه اللعبة فذلك بفضل عدم تورطه بالتجاذبات ومراكز القوى، وبوضع حاجز بينه وبينم ثقافة المحتل. وكما تقول الباحثة كان خطه يمثل مقاومة فنية وتاريخية استفادت من رموز الثقافة الروسية المناهضة للإنكليز والأتراك، ومن أفضل ما وصل له الفكر الفرنسي (ممثلا بزولا رمز الثقافة الطبيعية). ص 269. وقاد هذا التوجه لنشوء حلقات الأفكار الجديدة التي تخللها أطياف ماركسية. وتوسعت لاحقا بجهود محمد سليم فتاح ومصطفى علي وعلي عوني وبكر صدقي وعبدالله جادو. ص 269 وكان لسان حال هذه الزمرة من الطليعة المثقفة جريدة “الصحيفة” التي كافحت في سبيل البقاء لعامين (1924 - 25) وعدة أسابيع من عام 1927. ومن بين موضعاتها الأساسية: الحرية والمرأة والتنوير. وبعد إجبارها على الصمت تحولت إلى تجمع صالونات باسم نادي “التضامن”. وأصبح لها نشاط سياسي. ص 269. و تابعت هذه المسيرة جماعة “الأهالي” وكانت تجمعا للطلبة. وذلك بقيادة حسين جميل العائد من سوريا عام 1931 والحامل لشهادة بالقانون (الحقوق بالمصطلح الدارج في سوريا - الفرانكوفونية).ص 270.

وأستطيع أن ألاحظ بصمات أصابع الفرانكوفونية بهذا الخصوص. فثورات الطلاب في باريس كانت موجودة حتى في أحداث تيانامين سكوير - ساحة تيان مين - وكانت مؤشرا على انفتاح الصين على مجتمعاتها في الداخل وعلى نشاط السوق في الخارج. وبنتيجة ذلك ارتفع متوسط دخل الفرد من 100 دولار إلى ما يعادل 1000 دولار.

وتنهي رهبة الأسودي بحثها بالملاحظات التالية.

1- استسلام المثقفين للعسكر.

2- انقسام المجتمع لفئة موالية للسلطة تحصر همها بالوصول لمناصب رفيعة. وفئة ساخطة تنادي بالإصلاح الاجتماعي لعدم إمكانية المطالبة بإصلاح النظام.

3- فشل الإصلاحيين بسبب عدم تجاوب عامة الشعب معهم ولعدم نضجهم الفكري ولا سيما أنهم خرجوا للتو من المعطف العثماني. ص 385. ومن الطبيعي أن فشل الانفتاح والتثوير المحدود والمشروط في العراق لا يعني بالضورة فشله في تركيا. وصعود حركات التنمية تحت ظل المحافظين الجدد من تجار السنة المتأسلمين في تركيا دليل أن مكانهم محدود بهضبة الأناضول وبعض الامتدادات الضيقة. وهذا لا يختلف عن علاقة بريطانيا بأمريكا. فالجمهورية الديمقراطية انسجمت مع الملكية الدستورية لأسباب تاريخية منها الحروب الأهلية التي تمخضت بالنتيجة عن انتصار البروتستانت الأنغلو ساكسون واستقرار السلطة بين أيديهم.

4- غياب المثقف الخبير (التكنوقراط) واقتصار النشاط على المثقف الوطني والقومي. وتغليب الجانب السياسي على النواحي المهنية والفنية.

5- لم تكن العلاقة ثابتة و مرت بمراحل هي: تعددية 1921 - 1933. نهضة مضطربة 1933 - 1946. راديكالية 1946 - 1958 و من بين أهم وجوه المرحلة الأخيرة السياب وغائب طعمة فرمان.

6- والأسوأ عدم توفر خطة واضحة ومنهجية لما بعد التغيير.

وأعتقد أن التاريخ يكرر نفسه. فبعد السقوط عام 2003 دخلت الجماعات الانقلابية بنزاعات فيما بينها ومهدت الطريق لعدة دول - ميلشيات - كومونات - داخل إطار دولة واحدة جامعة. وكانت المناصب فيها محدودة بتأثيرها ضمن حدود نطاقها الحيوي على غرار ما جرى في لبنان وما يجري في سوريا في الوقت الراهن والذي أخذ عدة مسميات أبرزها اسم الدولة المفيدة، وهي بقايا يمكن للنظام أن يتحرك فيها بموجب أعراف ومواثيق غير مكتوبة.

 

.......................

هوامش:

1- المثقف والسلطة في العراق 1921 - 1958: دراسة اجتماعية سياسية. رهبة أسودي حسين. ط1 - 2013. بغداد. دار الشؤون الثقافية العامة. 416 ص. و أرقام الصفحات تشير لهذه الطبعة إلا إذا ورد غير ذلك.

2- أصول الرواية، مارثا روبير.

3-

cultural Hybridity: A Postcolonial Concept. Dr. Manisha Shah. IJELLH. V4. Issue 12. 2016.

4-

The myth ofdialogue under occupation: Plestine as a case in point. Ibrahim A. El-Hussari.

Lebanese American University. Beirut, Lebanon. personal communication.

5- الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية. مدبولي الصغير. القاهرة. 1996.

6-

Mahjar literature and conceptualization of East and West. Nino Surmava. Georgia, Tbilisi. Ivane Javakhishvili Tbilisi State University. personal communication.

 

كاظم الموسويطبع هذا الكتاب ببيروت في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1953. وهذا هو عنوانه الرئيسي؛ هذا هو العراق، وعنوانه الفرعي تحته؛ آراء في السياسة والمعارضة والاحزاب وحقائق عن المجتمع العراقي والشبان مع الفتيان. والنسخة التي اقرأ فيها مصورة منه ومن محتويات مكتبة الجامعة الامريكية ببيروت. (كما هو في الختم عليها) وعلى غلافها الاول رسوم لوجوه بشرية لمختلف الاعمار والاجناس، وقافلة وجامع وعنوان الكتاب، واسم المؤلف/ بقلم عبد الكريم ابو التمن. وهذا يعني ان الكتاب صدر قبل ما يقارب سبعة عقود من الزمن، وقد مر زمان عليه، فلماذا العودة والقراءة فيه؟!. لعل الجواب في السطور التالية. فرغم ان الحصول عليه صدفة ولا اعرف الكاتب وهل له مؤلفات اخرى، ام يكفيه ما اختار واصدر في زمانه وما بقي منه، وكأنه يقرأ ببصيرة ثاقبة، وحس وطني وقومي حريص يفتقد او يعز مثاله، سواء في زمنه او في ما بعده من عقود.

قدم له ثلاث شخصيات عراقية، ثقافية بارزة، روفائيل بطي وعبد الرزاق الحسني وصبيحة الشيخ داود. اختلفت اراء المقدمين في الكتاب، بين تقريض وابداء راي في محتوياته، واشادة ايجابية بطرح المؤلف وتوجهاته ومواقفه في الشؤون التي تناولها وعرض لها.

 فقد كتب روفائيل بطي تقديما نقديا، وطرحا يوازي ما احتواه الكتاب من اراء. "هذا كتاب ان دل على شيء فهو يدل بوضوح على دبيب الوعي في الشعب ، فقد كتبه شاب مارس التفكير، وزاول الارتياء، فابداها خواطر جرى بها قلمه، وحاول فيها ان يلفت نظر بني قومه الى حالتهم الحاضرة، وما يجب ان يكونوا عليه في مستقبل ايامهم، ليحافظوا على كيانهم، ويصمدوا في هذا الكفاح ويصونوا انفسهم من الفناء". واشار الى ان الكاتب شخص الغرب عدوا مباشرا، وان العدو "درس حقيقة وضعنا، وسبر مجتمعنا، وراقب اطوارنا، وعرف كنه الشخوص فينا، فحاربنا بسلاح ضعفنا، فكتبنا له الظفر بايدينا".  ووضح بان "احكام المؤلف مطلقة عامة، تقوم على الشعور اكثر مما تتضمن التعمق والتحليل، واخلاصه بادي القسمات بين السطور، واعظم ما يؤلمه هذا الفارق المحسوس بين القول والعمل في مجالي السياسة العراقية وتهرب المسؤولين من مجابهة الواقع والتصريح به". واختلف روفائيل بطي مع المؤلف في بعض ارائه، كاتبا انه يرجع مثلا علة ما نحن فيه الى نقص الثقافة، بينما شعوب اخرى اقل ثقافة منا، تحسنت حالها السياسية تحسنا لا يقبل القياس بما نحن عليه. فعلتنا اذن في الاخلاق السياسية اكثر مما في نقص التعليم، وهذه الاخلاق تتجلى في سلوك الذين تصدوا للزعامة وتصرفاتهم، فكانوا قدوة سيئة للجيل الجديد، واضاعوا الثقة بالمشتغلين بالشؤون العامة والسياسة على الاخص. واضاف ان ما يقال عن العراق يصح اطلاقه على العرب عامة وبخاصة الدول العربية التي ضمتها اخيرا جامعة الدول العربية. "فان وهن الاخلاق السياسية جعل من هذه المؤسسة الاقليمية ذات الاسم الرنان عنوان فشل للتفكير السياسي العربي". وناقش الكاتب مؤلف الكتاب في مسائل عديدة، مثل رايه في عدم نضج الراي العام، او الامراض السياسية التي دفعت الى تدهور الوضع. وفيها اشارات صريحة اشبه بتنبؤات واستشرافات ثبتت صحتها ، ليس في وقتها وحسب وانما في استمرارها حتى ايامنا الحاضرة.

كشف انه لم يعرف المؤلف قبل قراءة كتابه، "فاحببت فيه نزعته في تطلب الاصلاح ، وهمته في محاولة الجد في زمن هازل في حياتنا. وكتابه يمثله نفسه، وهو والكتاب يمثلان ما نحن فيه من وعي وتطلع الى حياة افضل".  خاتما تقديمه بما يعوز المجتمع من قوى بدونها لا نجاح له، هي برايه: الخلق الاجتماعي، والتفكير العلمي، والجراة المطلقة. ودعوته الى قراءة الكتاب والتفكير بجد في حقيقة بلادنا وشعبنا وافرادنا لنستكمل وعينا، وبه تنفتح امامنا صفحة جديدة من الحياة.

وما نشر بتوقيع عبد الرزاق الحسني، فهو، كما يبدو، مختصر مقدمة كتابه عن تاريخ العراق السياسي الحديث، الذي طبع بستة اجزاء وجمع بثلاثة مجلدات، وهو تعريف عن العراق، بما يحويه من كنوز تاريخية وتضاريس جغرافية ومكونات سكان، بمعلومات مكثفة عن كل موضوع منها، تاريخيا وجغرافيا وسياسيا واجتماعيا. الى ان قدم الكتاب بخاتمة تقديمه. " وقد قرات معظم هذه الاراء فوجدتها على جانب من السداد، وهو مجهود يحمد عليه، واقدام يذكر له بالاجلال والامتنان. والمؤلف هو سليل اسرة كريمة جاهدت كثيرا لاسعاد هذه البلاد وانتشال ابنائها من وهدة الامية والجهل، وانا من المعجبين كثيرا بآرائه الحرة ونقداته الصريحة".

اثنت الناشطة النسوية والمحامية البارزة صبيحة الشيخ داود على الكتاب وكاتبه. "والواقع ان منحى الكتاب يتصف بالجدة والطرافة وبالرغبة والاندفاع في تشخيص الادواء التي يعانيها مجتمع تشيع فيه مختلف التيارات وتبرز بين افراده مختلف الاتجاهات، ولا مشاحة في ان اغلب الآراء التي انطوت عليها فصول الكتاب استهدفت حلولا عملية لمعظم مشكلاتنا، سياسية كانت او اجتماعية".

ثم قدم المؤلف ايضا فاختصر ما كتبه بهموم وصور واقعية، "اسلوب هذا الكتاب قائم على اساس من الصراحة والايجاز، ويصور بعض نواح من حياة العراق خاصة والعرب عامة على حقيقتها من غير نقوش ولا " رتوش"!".

وبعد تقديمه قسم الكتاب الى عناوين بخط بارز، تعوّض عن تقسيمه الى ابواب وفصول. تضمن كل عنوان عددا من الاراء واللقطات والشذرات التي تدور في فلك العنوان، مع تطعيمها بمختارات معبرة مختصرة ومستلة من نصوص كتاب ومؤلفين مشهورين، ورسوم مستمدة من مضامينها.

فكان العنوان الاول, نحن العرب، والثاني, السياسة في العراق، والثالث, المعارضة والاحزاب في العراق، والرابع، الصحافة في العراق، والخامس، الشباب في العراق، والسادس، آراء في الحياة، والسابع، شخصيات من العراق، والثامن، الاخير،  قضايا عربية. وتحت كل عنوان عدد من الاراء والخواطر واللقطات التي تصب في اطاره وتعبر بلغة السهل الممتنع عن موقف او وجهة نظر نقدية او فكرة جديدة في مسار الموضوعات المختارة. ورغم قدمها زمنيا ونشرها في حينها الا انها تلامس عناوينها وموضوعاتها ما هو معاصر ومعاش في ازمان تالية وحتى ايامنا هذه زمنيا ودلالات ترقب واستشراف ورؤى قريبة لما يحدث الآن.

بدأ المؤلف كتابه عن حقوق العرب واهمية الراي العام في رقابة السلطات ووعي الشعب لدوره في الحياة العامة، والرد على تساؤل الغرب عن ان العرب عالة عليه، وضرورة ادراك واقع كنوز القدرات والطاقات العربية في بناء الوطن وسعادة الشعب. وتغنى بالوطن العربي بالم ما يلاقيه مواطنه من جفاء واهمال، مقارنا بما يحصل عليه المواطن في الغرب. "اما الوطن العربي فلا زال بعيدا عن امتلاك قلوب مواطنيه، ولا زال عاجزا عن غرس شعور الرضا والطمأنينة في نفوس ابنائه. ذلك لان المواطن العربي لا زال يلتفت الى وطنه فلا يجد فيه ذلك الاب الشفوق الذي يرفرف بجناح العطف والحنان عليه. والمواطن العربي لا زال يرنو الى وطنه فلا يرى فيه مجالا للعمل يعتاش منه بكرامة واطمئنان. والمواطن العربي لا زال ينظر الى وطنه فلا يأنس منه ملاذا يلجأ اليه اذا حلت به محنة او اصابته ملمة في هذه الحياة" (ص16).

صنّف المؤلف الساسة في العراق الى اربعة اصناف، كما كرر ذلك مع المعارضة، بعد ان دعاهم الى الاعتراف بالامر الواقع وعدم السكوت او الاستكانة وتضييع  الفرص. فكتب هناك اربع فئات من الساسة في العراق، رجال حافظوا على مبادئهم، سواء كانوا في الحكم او خارجه وترسموا في طريق حياتهم السياسية مبادئ ثابتة مستمدة من المصالح الوطنية.."انما المؤسف ان تاريخ العراق لم يسجل من افذاذ هؤلاء الرجال الا اقل القليل"( ص22). ورجال انفردوا بامتياز خاص واصبحوا لا يعترفون الا بسياستهم وسلطتهم... ورجال يعيشون على هامش الحياة السياسية وينتقلون من جانب الى اخر كلما لاح لهم منصب مغر!، والصنف الرابع هم الساسة الفاشلون وهم يملأون البلد في كل مكان! (هكذا ص22).

وواصل تعريف السياسيين في مقال اخر كاتبا امكانية تقسيمهم الى اربعة انواع ايضا، فمنهم، رجال تهمهم المصلحة العامة ويعرفون كيف يسعون الى تحقيق هذه المصلحة، ورجال تهمهم المصلحة العامة ولكنهم لا يعرفون كيف يسعون الى تحقيقها، ورجال تهمهم المصلحة الخاصة ولكنهم يحترمون الدستور والقوانين ويقيمون وزنا لاهمية الرأي العام. ورجال تهمهم المصلحة الخاصة وهم لا يحترمون الدستور ولا القوانين ولا يعيرون اهمية للراي العام!.

وعن الازمة الاقتصادية الخانقة راى انها تكمن في سببين رئيسين، " اولا لان البلاد لا زالت غير متملكة بعد لمنابع ثرواتها باعتبارها - او هكذا يشاء الاستعمار ان يقول- انها لم تتملك القدرة بعد على استثمار هذه الموارد بنفسها. وثانيا لان الحكومات المتعاقبة قد ارتكبت وما تزال ترتكب معصيتها الكبرى، ذلك انها لم تعترف بعد او لم تأبه بعد بهذا الفراغ الهائل من البطالة وكساد وقت الفرد العراقي الذي يمضي عليه هباء ويفنى على غير طائل" (ص24).

تحت عنوان الطائفية كتب عنها كظاهرة اجتماعية خطيرة لم ينج منها مجتمع وتنمو وتصبح خطيرة اذا اصطبغت بصبغة سياسية وراحت كل طائفة تنافس نظيراتها في القوة واسباب الحياة، وخلص الى ان الطائفية "سلاح من خيرة اسلحة العدو التي يتوسل بها التحطيم والانتقام من الخصوم" (ص29). واستمر في عرض ارائه عن الاوضاع العامة في العراق، عن الزعامة المفقودة، والروح الاقطاعية، وشيوع البطالة بين الشباب، والتطبيل والتزمير، والوعود والمزايدة في الوطنية، وعناوين اخرى.وتطرق الى غاية الاصلاح ورجاله، فاكد ان "بعض رجال الاصلاح بحاجة الى ان يصلحوا ما بانفسهم قبل ان يخوضوا غمار معركة الاصلاح, لقد كشفت معاملاتهم  مع ذوي العلاقة واهل القربى معهم انهم يحملون عقلية لا تختلف بجوهرها عن عقلية الاستعمار الذي يقولون انهم كرسوا حياتهم لكفاحه..."( ص39).

ماساة فلسطين، عنوان مقال للكاتب، (ص117)، سجل فيه رايه، "اكبر كارثة حلت بتاريخ العرب الحديث هي مأساة فلسطين. لقد ضلل زعماء العرب شعبهم بما ادلوه من تصريحات واستعدادات وظلوا يموهون عليه الحقائق حتى اختفت فلسطين من خارطة العرب او كادت. وراح اهل الغرب يتناقلون حقائق اوضاع العرب ويتندرون على تردي احوالهم في ديارهم ويعيبون عليهم انصرافهم عن التعاون والتآزر وتبادل الاخلاص (ص118). واعاد الكتابة عن قضية فلسطين في مقالات اخرى، تحت العنوان، قضايا عربية. تناول فيه وقائع حال العرب واساليب الهيمنة الاستعمارية المعيقة لنهضتهم وتطورهم ودعوة الحكام العرب الى تغليب العقل على العاطفة في اعمار الوطن واستثمار خيراته، واضاف عنوانا بارزا وضعه حلا مجربا لما تمر به الامة العربية من ازمات، هو: الاتحاد طريق العرب الوحيد للحياة. كتب فيه: ان الامة العربية تواجه اليوم ظروفا على أشد ما تكون حلكة، وتجابه صراعا على اخطر ما يكون شدة. وليس امام الشعب العربي مجال الاختيار في اية سبيل يسلك، اذ ليس هناك سبيل امامه يقوده الى الظفر سوى طريق الاتحاد. فباجتماع كلمة العرب وتكتلهم على صعيد واحد، وبتعزيز قواه واتحادها على نسق واحد، وبالابتعاد عن التنابذ، وجمع القلوب لتحقيق هدف واحد سوف يرغمون العالم ارغاما الى الانتباه اليهم ويدفعونه دفعا الى تقدير قيمتهم وخطورة اهميتهم في هذه الحياة. (ص ص146-147). وشخص في مقالاته الاخرى العدو المباشر للامة، وهو الاستعمار البريطاني وسياساته في المنطقة العربية، وزرعه للكيان الاسرائيلي فيها لاستمرار الهيمنة عليها وتفريق شعبها وبلدانها. ولخص رايه هذا واستشرافاته في مقاله الاخير في الكتاب، الذي وضع عنوانه هكذا: العرب وبريطانيا واسرائيل، داعيا الى الانتباه من مكر وغدر والتواء السياسة البريطانية، وتحريك الكيان، اداتها في تهديد الدول العربية من وقت لاخر كل دولة على حدة وانفراد. "وهل تهديد اسرائيل لسوريا يوما وللاردن ولبنان آخر إلا نموذجا لتحقيق تلك السياسة التي سيتبعونها على نطاق أوسع واخطر عندما يجد الجد عند العرب وتصبح مطالبهم في استرداد حريتهم وحقوقهم مطلب العمل والتحقيق"! (ص159).

كل ما سبق من نصوص كتبت ونشرت قبل سبعة عقود من الزمن، واخر سطر فيها، "فلكل اذن عربية وهبها الله حاسة السمع ان تسمع.. وان تعي ما تسمع.." فكيف اذا اضيف لحاملها هبات ان يقرأ ويرى ويعرف؟!.

 

كاظم الموسوي

 

محمود محمد عليكما يعرض مارك كورتيس دور بريطانيا القيادي والباقي في التآمر مع من يصفهم الكاتب "بالمتأسلمين"، ثم تحولها إلى "جزمة" – كما يقول – في رجل الأمريكيين، تقوم بالأعمال القذرة التي يأنف الآخرون القيام بها (37).

ويضرب مارك كورتيس أمثلة للرياء البريطاني، أشهرها "إسراف" السيدة تاتشر في التزلف للسعودية التي أصبحت بريطانيا معتمدة عليها اقتصادياً، وإفراطها في الحديث عن "عظمة الملك فهد وحكمته"، وبعد نظر الحكومة السعودية في مناسبات كثيرة، وكذلك حديثها عن "بعد نظر وروعة" محمد ضياء الحق رئيس باكستان، والمحرك الأول بجانب السعودية، لما يصفه الكاتب بالإرهاب العالمي، كذلك حديثها عن بعد نظر الشاه وخبرته التي لا تبارى. وعلى ذلك، ففي جنازته في القاهرة أرسلت أمريكا ريتشارد نيكسون للمشاركة، وأرسلت فرنسا سفيراً واكتفت بريطانيا بموظف في السفارة (38).

ويبرز مارك كورتيس دور أمريكا وتابعتها بريطانيا في تأييد الدكتاتور (ضياء وسوهارتو والشاه وغيرهم) والملك (آل سعود وحسين وقابوس) وآية الله (الملالي في انقلاب 1953 ثم الخميني قبل أن تنقلب عليه، وكذلك ملالي طالبان قبل أن توليهم ظهرها لرفضهم توقيع عقد نفط مع شركة أمريكية). وقد أجبر الأمريكيون السعوديين على تمويل سلسلة من حروبهم ليس فقط في أفغانستان، بل في أنجولا وزائير وتشاد والفلبين وبلدان رابطة الدول المستقلة، بل ودفع السعوديون مليوني دولار لوكالة المخابرات المركزية للحيلولة دون نجاح الحزب الشيوعي الإيطالي. كذلك مول السعوديون مؤامرة في لبنان دبرتها أمريكا وشاركت فيها بريطانيا لاغتيال محمد حسن فضل زعيم حزب الله وقتل فيها 80 شخصاً وجرح 400، ومع ذلك نجا فضل الله، واضطرت السعودية لدفع مليوني دولار له ليكف عن مهاجمة أمريكا. وقد أورد الكتاب أن السعودية وأمريكا دفع كل منهما 3 مليارات دولار للحرب على أفغانستان، وأن حكمتيار وحده حصل منها على 600 مليون دولار وحصلت القاعدة على 300 مليون دولار، وقد جندت مخابرات أمريكا كثيرين من قادة المتأسلمين، منهم سعيد رمضان مؤسس التنظيم الدولي للإخوان الذين يقال إنهم مولوه بمبلغ 10 ملايين دولار، وأجبروا الأردن على منحه جواز سفر. وورد أن أمريكا بدأت من أوائل الخمسينيات تمول الإخوان في مصر وتساعدهم في سوريا لتدبير مؤامرتين، وتعاونت معهم هي وشركة أرامكو لتكون خلايا منهم في السعودية لمحاربة القومية العربية. كذلك تآمرت أمريكا مع المتأسلمين الذين كانوا يتحدون النظام السوفيتي في آسيا الوسطى من بين رجال القبائل. وكان دور أمريكا بارزاً في تمويل ملالي إيران وتسليحهم في انقلاب 1953، وحتى بعد الثورة على الشاه أغدقت أمريكا بعدها على الملالي قبل أن تنقلب عليهم، بحيث راجت نكتة في طهران كما يقول أشرف بهلوي بأنك إذا رفعت ذقن أحد الملالي فسترى عبارة "صنع في أمريكا" (39).

كما يؤكد مارك كورتيس أن الحكومات البريطانية، من العمال والمحافظين على حد سواء في سعيها لتحقيق ما يسمى "المصلحة الوطنية" في الخارج، تواطأت عقوداً طويلة مع القوى الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك التنظيمات الإرهابية، فقد تسترت عليها، وعملت إلى جانبها وأحياناً دربتها ومولتها، بغية الترويج لأهداف محدده للسياسة الخارجية وغالباً ما فعلت الحكومات ذلك في محاولات يائسة للحفاظ على قوة بريطانيا العالمية التي عانت من أوجه ضعف متزايدة في مناطق أساسية من العالم؛ نظراً لعجزها عن أن تفرض إرادتها من جانب واحد وافتقارها لحلفاء آخرين. ومن ثم فالقصة ترتبط في الصميم بقصة انهيار الإمبراطورية البريطانية ومحاولة الإبقاء على نفوذها في العالم (40).

وقد أقامت بريطانيا مع بعض القوى الإسلامية المتطرفة تحالفاً استراتيجياً دائماً لضمان تحقيق أهداف السياسة الخارجية الأساسية طويلة الأجل، ودخلت في زواج مصلحة واتحاد وثيق العرى بصورة مؤقتة مع قوى أخرى منها لتحقيق نتائج محددة قصيرة الأجل. وقد أشار بعض المحللين إلى أن الولايات المتحدة تعهدت أسامة بن لادن والقاعدة، ولكن هذه التقارير خلت من الحديث عن دور بريطانيا في تشجيع الإرهاب الإسلامي على الدوام، ولم تجر رواية القصة كاملة مطلقاً، ومع ذلك، فقد كان تأثير هذا التواطؤ على صعود التهديد الإرهابي أشد من تأثير الثقافة الليبرالية البريطانية أو الإلهام بالجهاد الذي أثاره احتلال العراق (41).

وثمة نقطة مهمة أكد عليها مارك كورتيس حيث يقول :" شَهَدَت سنوات الحرب نمواً متواصلاً لحركة الإخوان المسلمين التي تطورت بقيادة حسن البنا إلى حركة جماهيرية متأسلمة. فقد أصبحت أكبر جمعية إسلامية في مصر وأقامت فروعاً لها في السودان والأردن وسوريا وفلسطين وشمال أفريقيا. ونادت جماعة الإخوان التي استهدفت إقامة دولة إسلامية تحت شعار "القرآن دستورنا" بالالتزام الصارم بأحكام الإسلام وقدمت بديلاً دينياً لكل من الحركات القومية العلمانية والأحزاب الشيوعية في مصر والشرق الأوسط – وهي قوى كانت قد طفقت تصبح بمثابة تحد رئيسي لقوة بريطانيا والولايات المتحدة في المنطقة (42).

وقد اعتبرت بريطانيا أن مصر مرتكز وضعها في الشرق الأوسط منذ أن أعلنت "الحماية" عليها في بداية الحرب العالمية الأولى. وسيطرت الشركات البريطانية على الاستثمار الأجنبي والحياة التجارية في البلاد، وأصبحت القاعدة العسكرية البريطانية في منطقة قناة السويس هي الأكبر في العالم عندما حان وقت الحرب العالمية الثانية. بيد أن السيطرة البريطانية على البلاد تعرضت للتحدي من قِبل كل من الحركة القومية المتنامية والقوى الإسلامية للإخوان المسلمين، في حين كان حليف لندن في البلاد في نهاية المطاف، هو حاكمها الملك فاروق، الذي تولى العرش في 1936م (42).

وبحلول 1942م كانت بريطانيا قد بدأت على وجه القطع في تمويل الإخوان. كما يقول مارك كورتيس ففي 18 مايو عقد مسئولو السفارة البريطانية اجتماعاً مع أمين عثمان باشا رئيس وزراء مصر، نوقشت فيه العلاقات مع الإخوان وتم الاتفاق على عدد من النقاط، كان أحدها هي أن تدفع الحكومة المصرية سراً الدعم المقدم من حزب الوفد للإخوان المسلمين سراً وأنها ستحتاج في هذا الأمر إلى بعض المساعدة المالية من السفارة البريطانية. وإضافة لذلك، ستدخل الحكومة المصرية عملاء موثوقاً بهم في صفوف الإخوان لتراقب الأنشطة عن كثب (43).

كما تم الاتفاق كما يقول مارك كورتيس على أنه "ينبغي بذل الجهد لإثارة الانقسام في الحزب باستغلال أي خلافات قد تحدث بين القائدين حسن البنا وأحمد السكري". كما سيقدم البريطانيون للحكومة قائمة بأعضاء الإخوان المسلمين الذين يعتبرونهم خطيرين، لكن لن تتخذ أي أعمال عدائية ضد المنظمة، بل كانت الاستراتيجية التي تم الاتفاق عليها هي "القتل عن طريق تقديم الأفضال". واتفق على أن يسمح للبنا بإصدار صحيفة ونشر مقالات "تؤيد المبادئ الديمقراطية" - ويعد ذلك طريقة جيدة "للمساعدة في تفكيك الإخوان"، كما أعلن أحد الحاضرين للاجتماع (44).

وبحلول شهر يناير 1949م، كانت تقارير السفارة البريطانية في القاهرة تقول كما يقول مارك كورتيس: إن الملك فاروق "سوف يسحق" الإخوان، بحملة ملاحقة كاسحة جديدة واعتقال ما يربو من 100 عضو. وفي الشهر التالي، تم اغتيال حسن البنا مؤسس الإخوان نفسه. ورغم أنه لم يتم التوصل للقاتل مطلقاً، فقد ساد الاعتقاد بأن الاغتيال قام به أعضاء البوليس السياسي، وأن القصر تستر عليه أو خطط له. وكان هناك تقرير لا لبس فيه لهيئات المخابرات الخارجية البريطانية يذكر: لقد دبرت الحكومة الاغتيال بموافقة القصر كما يقول مارك كورتيس فقد تقرر أنه ينبغي إزاحة حسن البنا من مسرح نشاطاته بهذه الطريقة؛ حيث إنه ما دام بقي حراً، فالأرجح أن يسبب إزعاجاً للحكومة، في حين أن اعتقاله سيؤدي يقيناً إلى مزيد من الاضطرابات مع أنصاره، الذين لا ريب في أنهم يعتبرونه شهيداً لقضيتهم (45).

وفي النهاية لا أملك إلا أن أقول بأن كتاب " التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين "، كشف لي بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة، وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا، أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين أقول بأن مارك كورتيس نموذج كبير لـ "المؤرخ المحايد.

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

الهوامش

37- مارك كورتيس: التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين،، ص 77.

38- المصدر نفسه، ص 86.

39- المصدر نفسه، ص 97.

40- المصدر نفسه، ص 112.

41- المصدر نفسه، ص 134.

42- المصدر نفسه، ص 139.

43- المصدر نفسه، ص 148.

44- المصدر نفسه، ص 223.

45- المصدر نفسه، ص 444.

46- المصدر نفسه، ص 553.

 

السعيد بوشلالق- يبدو لي أنني تورطتُ في البيت الأندلسي وأصبحتُ أعرفه أكثر حتّى من الذين سكنوه وأقاموا فيه، أو الذين توالوا عليه على مدار أكثر من أربعة قرون. ص 25.

- كُلّ القِصص حقيقية عِندما تأتي مِن القلب.. وقصة "البيت الأندلسي" لا تأتي إلّا مِن قلبِ القلب..

- البيوت الخالية تموت يتيمة.. ص35.

نسخة رواية «البيت الأندلسي» التي قرأتها تتكون من 530 صفحة طبعة دار موفم للنشر بالجزائر – 2015.

تتحدث الرِّواية عن بيت أندلسي قديم تريد سُّلطات الجزائر بعد الاستقلال أن تهدمه، وتستغل مساحته لبناء (مول) برج كبير، لكن الحفيد والوريث (مُراد باسطا) يرفض تهديمه ويخوض معركة قانونية ضد الهيئات المعنية العقارية والإدارية لمنع الهدم والإبقاء على البيت الأندلسي لرمزيته التّاريخية ويقترح ترميمه واستغلاله في النّشاط الثّقافي وتحويله إلى دارٍ للموسيقى كما كان في زمن ما عند بنائه.

البيت الأندلسي كان قد بناه أحد الموريسكيين الأندلسيين الفارين من محاكم التّفتيش في اسبانيا في القرن السّادس عشر، هو (سيد أحمد بن خليل غاليليو الرُّوخو) وفاءً لحبيبته (سُلطانة بلاثيوس)، ثُم استولى عليه الأتراك من طرف القُرصان دالي مامي، ثُم استولى عليه الفرنسيون بعد احتلالهم للجزائر وقاموا بتحويله إلى دار للبلدية. ثم يأتي جونار الحاكم العام الفرنسي للجزائر وقام بتحويله إلى دار للموسيقى. وبعد الاستقلال يتكالب ورثاء الدّم والمصالح للإستيلاء عليه. فيقررون هدمه وبناء برج مكانه... يتواصل السَّرد في صراع دراماتيكي من أجل البقاء إلى أن تنتهي الرِّواية بموت بطلها (مُراد باسطا) بعد أن خسر معركته للإبقاء على البيت الأندلسي فأحرق المخطوطة التي رافقت البيت منذ نشأته وماتت بهدمه وموته.

الرِّواية تتكون من خمسة فصول يتصدرها استخبار ماسيكا، وتوشية مُراد باسطا. تبدأ الرِّواية باستخبار ماسيكا بنت السبنيولية، تقص: (القِصة مُعقدة جداً ولكني سأحاول أن أُفككها لِتُصبح مُستساغة ومقبولة. كُلّ شيء بدأ من تلك اللّحظة التي خرجتُ فيها من الصّفّ الطُّلابي، ورجعتُ ركضاً صوبه بعد أن كان عمي مُراد باسطا – كنت أُناديه عمي وعندما كبرت قليلاً، قال لي ناديني باسمي أحلى – قد شرح لنا قصة البيت الأندلسي، وأظهر لنا المخطوطة ذات الرّائحة الغريبة التي ظلّت عالقة بأنفي، لأني شممت فيها أيضاً رائحة أمي. ولا أدري ما هي القوة الخارقة التي دفعتْ بي يوم الحريق المهول الذي أكل البيت الأندلسي، إلى القفز من على ظهر الحائط الخلفي للحديقة، والانزلاق من النّافذة من الكوة الصّغيرة، لأجد نفسي في عمق دار الخدم التي سكنها دائماً عمي مُراد باسطا، وسحب المخطوطة من مكانها الذي كنتُ أعرفه جيداً... أعتقد أني كُنتُ الوحيدة بعد مُراد باسطا ورُبما حفيده سليم، مَن كانت تعرف مكان المخطوطة السّرّي. هو الذي نبهني إلى مكانها، وهو لا يدري أنه سيأتي يوم وأضطر فيه لإنقاذها من نهاية مفجعة.) ص 09 – 10. تليها توشية مُراد باسطا يتحدث فيها عن (هذه الدّار، الخربة الرُّومانية، البيت الأندلسي، كازا أندلوسيا، دار لالّة سُلطانة بلاثيوس، دار المحروسة، دار لالّة نفيسة، دار زرياب، إقامة الإمبراطور، ملّهى الضِّفاف الجميلة... كُلّها أسماء صاحبت البيت الأندلسي عبر حقب مختلفة وكثيرة.) ص 31.

ثم وبانسيابية معهودة في أسلوب الكاتب واسيني الأعرج ينتقل بنا إلى الفصل الأول: نوبة خليج الغرباء. هذا الفصل ضمّ أوراق مخطوطة غاليليو سيدي أحمد بن خليل، حيث الورقة الأولى منها تتحدث عن ظروف اعتقال سيدي أحمد بن غاليليو الرُّوخو، وطرده وترحيله من غرناطة إلى منافي وهران بعد موقعة جبل البشرات، وإعتداء محاكم التّفتيش عليه، ولقائه بالكاهن أنجيلو ألونصو. ووقِعَت الورقة بالمحروسة 1570.

أما الورقة الثّانية فتحكي عن حزن الغرناطيين، وعن نيران جبال البشرات، وقصة غاليليو مع الدُّون فرناندو ونشوء رباط الدّم المقدس، وحرب الإخوة من الموريسكيين والمدجنين، والأتراك المتطوعين وموت الأمير سيدي محمد بن أمية في جبال البشرات آخر معاقل المسلمين الأندلسيين في غرناطة، وخيانة سفن العُدوة الأخرى واستسلام الجميع للنِّهاية الحتمية، ونهاية الزّمن الأندلسي على يد دون خوان النّمساوي. ووقِعَت الورقة بخريف 1573.

وتليها الورقة الثّالثة من المخطوطة والتي تتحدث عن ضربة الشّمس القاسية التي تعرض لها غاليليو، ونِداءات المُرحّلين اليائسة في مواجهة مصائرهم. وتروي كيف التقى غاليليو الرُّوخو بحبيبته سُلطانة بلاثيوس للمرة الأخيرة، وما جرى بينهما من أحاديث خاصة ووعود على أمل اللِّقاء من جديد في زمن أخر وأرض أخرى لتحقيق حلم بناء البيت الأندلسي.

3312 واسيني الاعرجيوفي الفصل الثّاني: نجوم السّراب. تأتي الورقة الرّابعة والتي تتحدث عن رحلة غاليليو الرُّوخو وعزلته وحنينه إلى سُلطانة، وحكاية شرائه لبُستان حميد كروغلي المُهمَل وبنائه للبيت الأندلسي في أعالي المحروسة في انتظار اللِّقاء بحبيبته سُلطانة التي ما نساها وأبداً، كما تتحدث هذه الورقة عن بداية عمل الرُّوخو غاليليو سيد أحمد بن خليل في محل الصّائغ الذّهاب ميمون البلنسي، وتعرفه على الجنوي والطملقي والمهندس المالطي. ووقِعَت هذه الورقة في صيف 1570.

أما الورقة الخامسة من المخطوطة فهي تحكي عن نشوء البيت الأندلسي على هضبة القصبة المحروسة، وحكاية عودة لالّة سُلطانة بلاثيوس من منفاها مع أخيها دون فريديريكو دي طوليدو، ولقاء الجميع مع السّفير الدّانماركي وزوجته وأخته العاشقة، وأسرار أول ليلة عشق بين الرُّوخو غاليليو وحبيبته سلطانة بعد غياب طويل، وقصة النّافورة الفينيسية في صحن البيت الأندلسي.

وفي الورقة السّادسة حكاية أهوال رحلة مايوركا، ونجاة الرُّوخو منها، ونجاة الرّايس حسن كروغلي وبحارته من عواصف عرض البحر. وانتشاء لالّة سُلطانة ولالّة مريم في البيت الأندلسي. وتأسيس فرقة جاهاركا أو لاكاسا أندلوسيا للموسيقى التي كانت توشح بموشحاتها الأندلسية أجواء البيت الأندلسي فتُضفي عليه روحاً أندلسية. ووقِعَت الورقة في شتاء 1575.

أما في الفصل الثّالث: سفر المخطوطة القديمة. فالكاتب واسيني الأعرج يمارس سلطة النّص على القارئ فيشده إليه في اندماج ذهني بليغ، حيث يتذكر مُراد باسطا وفاة والده الذي ائتمنه على المخطوطة. وفي الورقة السّابعة من هذه المخطوطة تتحدث عن حكاية دخول غاليليو إلى قصر الأغا حسن كمترجم، والخوف الذي سكنه من الأغا. كما تورد قصته مع الرّهينة الرّجُل الأحمر ميغيل سيرفانتس. وما جرى له ولأصدقائه في سجن مالكه دالي مامي من مصائب وأهوال. وسفر رودريغو للحصول على الفدية لتحرير الرّهينة سيرفانتس، ثم عودته على متن سفن حربية. وأسرار العلاقة بين حسن فنيزيانو وميغيل سيرفانتس، وأحلام زريدة طليقة الأمير الفاسي. وقد وقعت هذه الورقة في شتاء 1575.

أما الورقة الثّامنة فهي تتحدث عن الرّهينة سيرفانتس وهو يكتشف أسرار المحروسة وسوق العبيد. حيث الرّجُل الأحمر يغرق في تفاصيل حكايته وحروبه مع دون خوان النمساوي. ومأساة سلسلة الحروب التي لا تنتهي، وانهيار المركيزة في ميناء ليپانتي. وموت علي باشا، ومناورة انسحاب العلج من المعركة البحرية، وتلقي ميغيل سيرفانتس الضّربة التي أفقدته ذراعه الأيسر.

وفي الورقة التّاسعة، تتحدث عن سقوط ميغيل سيرفانتس بين أيدي القراصنة، وقصة دخوله إلى المحروسة، وعرضه مقيداً في سوق العبيد، وحكمته وتعلمه من قسوة تجربته الخاصة.

ثم تأتي الورقة العاشرة التي تتحدث عن تعقد وضعية ميغيل سيرفانتس بعد فشل أهله في تجميع الفدية لتحريره من الأسرّ والعبودية. كما تتحدث عن محاولة سيرفانتس الهروب مع أصدقائه وإلقاء القبض عليهم وسجنهم. ومقتل الموريسكي خوان الذي ساعدهم على الهروب وقصة إنقاذ سيرفانتس من سفينة الهجرة الثّانية نحو القسطنطينية.

وفي الفصل الرّابع: بيتٌ في مهب الرّماد. يتحدث السّارد عن التّخطيط الجديد الذي فرض على مدينة الجزائر العاصمة بعد الاحتلال الفرنسي، والذي هدد بزوال الكثير من المباني القديمة فيها ومن بينها البيت الأندلسي. غير أن مجيء الحاكم العام الفرنسي للجزائر جونار الذي استمر حكمه من 1903 إلى 1911، والذي كان يهتم بالمباني ذات الطّراز الموريسكي فيرممها ويحافظ عليها باستثمارها في الأعمال الثّقافية والفنية. فحافظ البيت الأندلسي على هويته التي نشأ عليها كدار للموسيقى.. وبعد استقلال البلاد في 1962 لم يتغير شيء في البيت الأندلسي، فقد استمر في أداء وظيفته كبيت للموسيقى الأندلسية، إلى أن استولى عليه العسكريون حكام اليوم ثوار الأمس، وحولوا البيت إلى كباريه بو ريفاج، ثم سماه مالكوه الجدد ملهى الأندلس وأبقوا على نشاطه كملهى ليلي الذي فرض عليه بعد الاستقلال. ثم شمّعوه للمرة الأخيرة.

أما الورقة الحادية عشر فتعود بنا إلى العهد التُّركي وتحكي عن سرقة البيت الأندلسي وكيف آل إلى المرتد دالي مامي.

وأخيرا الورقة الثّانية عشر التي تحكي عن دخول الغازي الجديد الفرنسي الذي نهب كُلّ شيء في المحروسة، ومحى معالمها القديمة، ومحكيات حمدان بن عثمان خوجة عن السُّقوط الأعظم. وكيف حُوِّل بيت لالّة سلطانة بلاثيوس إلى أول دار بلدية في عهد الاحتلال، قبل أن يُهيأ كإقامة شتوية لنابليون الثّالث وزوجته أوجيني.

وتختم الرِّواية بالفصل الخامس: لمسة سيكا النّاعمة. والذي يحكي عن الحكام الجُدد الذين أرادوا للبيت الأندلسي أن يُهدم ويُبنى مكانه (مول) عظيم أو البرج الأعظم برج الأندلس، لتنتهي الرِّواية بهُدم البيت الأندلسي وموت بطل الرِّواية مُراد باسطا، وحرق المخطوطة.. لكن ورغم النِّهاية المأساوية إلاّ أنّ قضية البيت الأندلسي بقيت صارخة في ضمير القارئ والضّمير الإنساني.

نقاط على هامش قراءة رواية: «البيت الأندلسي» لـ: واسيني الأعرج

- تتحدث الرِّواية في تداخل ثنائي نّص داخل النّص، عن المخطوطة الخاصة التي كتبها صاحب البيت الأندلسي (أحمد بن خليل غاليليو الرُّوخو) التي يروي فيها الظُّروف الوحشية لاعتقاله من طرف محاكم التّفتيش في إسبانيا، وترحيله إلى منفاه في وهران، ورحلته للاستقرار في الجزائر المحروسة، وبنائه للبيت على الطِّراز المعماري الأندلسي وفاءً لحبيبته لالّة سلطانة بلاثيوس.

- النّص السّردي (البيت الأندلسي) ينطلق من واقع يومي مُعاش، غير أنه ما يلبث أن يحلق في فضاءات الخيال، فقد عمد الرِّوائي إلى المزاوجة بين أحداث المخطوطة من خلال تقسيم أورقها إلى اثنتي عشرة ورقة، تتخللها بين كّلّ ورقة وأخرى والأحداث الخاصة بمُراد باسطا المكملة لسيرة هذا البيت العتيق، وكيفية الحفاظ على إرث الأجداد تنفيذاً لوصية الجد الأول (غاليليو الرُّوخو أو سيدي أحمد بن خليل) التي يوصي فيها بأن: (حافظوا على هذا البيت، فهو من لحمي و دمي. ابقوا فيه ولا تُغادروه حتى ولو أصبحتم خدماً فيه أو عبيداً... إنّ البيوت الخالية تموت يتيمة.) ص 35.

- هذه الرِّواية أن مادتها الأساس هي التَّفاصيل اليومية للحياة، مضاف إليها مادة التَّاريخ بمداها القريب والبعيد. فمتنها نوع خاص من القلق والشّك والبحث، عن طريق مزج الخيال السّردي بالتأمل الفلسفي.

- الرِّواية تدور حول إشكالية الذّاكرة والموروث الثّقافي والتّراث المِعماري الذي ضيعته الجزائر، فالنّص يشتغل على الذّاكرة والهوية الثّقافية.

- يمكن اعتبار رواية (البيت الأندلسي) لواسيني الأعرج توثيقاً أدبياً وفنياً لواقعنا الجزائري والعربي وصورته النَّمطية التي يعيشها. فإذا كان للاستعمار دور في كُلِّ ما حدث في الوطن، فإن الورثة الذين ظهروا بعد الاستقلال كان لهم الدَّور الحاسم لأنهم فشلوا حتى في الحفاظ على مخلفات الاستعمار العمرانية والتَّنظيمية والإدارية.

- احتوت الرِّواية في بنيويتها على ثلاثية تمثلت في صراع القيم الأصيلة، والتّاريخ البعيد، والتّاريخ القريب. فعلى مستوى البنية الداخلية، تتحرك الرِّواية بين مستويين زمنيين واضحين: مستوى تاريخي بعيد يمتد حتى القرون الوسطى، ومستوى عصري يلامس حياتنا اليوم في ظِلِّ وضع عربي لا شيء فيه يبشر بخير. فإذا كان سيد أحمد بن خليل غاليليو الرُّوخو هو راوي النّص التّاريخي الأساسي في دوره القائم الأول بأمور البيت الأندلسي، فإن وريثه في الحاضر مُراد باسطا هو من يروي لنا نهاية البيت في عصرنا ويكشف لنا جريمة الهدم المرتكبة في حقه.

- استخدم الكاتب واسيني الأعرج في عناوين الفصول كلمات منتقاة من مقامات أندلسية متعددة مثل: استخبار، توشية، نوبة، خليج الغرباء، وصلة الخيبة. وهي تسميات جاءت في السّياق العام للسرد وأكسبته تأثيراً جمالياً كالجمال الأندلسي، كل ذلك كان في موقعه المناسب ليزيد من قوة النّص وشدِّ القارئ إليه.

- الرِّواية تنحاز إلى فكرة التّسامح الدِّيني، ونبذ الحروب الدِّينية، لأنها تتناقض مع أساس الحياة القائم على التّعدد والتّنوع العرقي والدِّيني والمذهبي.

-الرِّوية مليئة بالشّخصيات، فهي متعددة وكثيرة وهذا هو حال الرِّوايات التَّاريخية. والوحيد الذي استمر من بدايتها إلى نهايتها، هو مُراد باسطا بطل الرِّواية، وهو الجسد الحقيقي للرِّواية. وهو المتحكم في المسار العام للرِّواية، وأزمنتها الماضية والحاضرة.

- يمكن للقارئ أن يُلاحظ أن الكاتب الرِّوائي واسيني الأعرج قد استخدم في هذه الرِّواية الشُّروحات والهوامش وذلك بغية الدّفع بالقارئ إلى تصديق المادة المعرفية التي جاءت في الرِّواية، وإدخاله في اللّعبة السّردية.

-لغة الرِّوائي واسيني الأعرج كما عرفناها في نصوصه الأخرى هي لغة أدبية سردية قوية تتناغم مع المتن الرِّوائي فهي لغة شاعرية في المواقف الحميمية التي جمعت بين العشيقين الزّوجين الرُّوخو غاليليو سيد أحمد بن خليل وسُلطانة بلاثيوس، وهي لغة سياسية فاضحة وناقدة في مواقف السُّلطة الحاكمة التي تريد هدم البيت الأندلسي، وهي لغة تحقيقية تاريخية في تفكيك الأوراق الاثنى عشر في المخطوطة التّاريخية التي رافقت مُراد باسطا، ورحلة اللُّجوء التي قادت الرُّوخو غاليليو من غرناطة والأندلس إلى منفاه في وهران والجزائر المحروسة، وفي المراحل التي عمرها البيت الأندلسي.

- في نهاية السّرد خسر مُراد باسطا معركته ومات في النِّهاية. لكنه انتصر على مستوى الفاعلية الأدبية وذلك لأن مأساته بقيت صارخة في نفوس القُراء الذين آمنوا بموقفه.

- وفي الأخير؛ يرى "لوسيان غولدمان" أن الرِّواية هي «بحث عن قيم أصيلة في عالم منحط»، ويرى "جورج لوكاتش" أن الرِّواية «ظهرت لدواع تتصل بانهيار سلم القيم الذي كان سائداً في المجتمعات القديمة». ورواية البيت الأندلسي جاءت لتعالج بامتياز هذا الطّرح القيمي المتراجع والمتهالك.

اقتباسات من رواية: «البيت الأندلسي» لـ : واسيني الأعرج

- (الحرائق لا تجلب إلاّ الحرائق.) ص 10

- (في زماننا هذا نحمل الكثير من القطع الجسدية الميتة التي لا نستعملها أبداً، ونُدفن بها ونحن لم نجرب حتى صلاحيتها.) ص 11

- (أدركتُ يومها أن للبلادة جناحين، وأن كل مَن استولى على منصبٍ، ملأه بالأغبياء لكي تسهل عليه الهيمنة والسّيطرة والنّهب. كل شيء كان منظماً ومرتباً سلفاً.) ص 25

- (الكُتب لا تقول الحقيقة المُطلَقة، فهي ليست أكثر مِن حقيقةٍ نسبية لشخصٍ يفترضها كذلك.) ص 28

- (ليست السّنوات العابرة شيئاً في أعمار الحِجارة والبشر، ولكنها كافية للشهادة على زمن كان فينا ولم نكن فيه إلاّ قليلاً.) ص 32

- (عندما يسكننا شُعاع الشّباب، وتُبهرنا الحياة بكل جنونها، نظن أن كُلّ شيء ملء قبضات أيدينا، نُبعثره كما نُبعثر زرعاً في حقولٍ مفتوحة على الخير والشّمس. وعندما يُداهمنا العُمر بِقسوةٍ، نجدُ في الكفِّ المفتوحة حفنةً مِن الهواءِ السّاخِن، وبقايا خطوطٍ جِلدية، ترسم تفاصيل حياة اِندثرت بسرعةٍ وكأنّنا لم نعشها أبداً، أو حاذيناها فقط، وحنين أشياء مبهمة لا نعرف أسرارها، نكتفي بِحبها ونمضي، ونحن لا ندري لماذا؟) ص 33

- (الذّاكرة مثل النُّجوم، حينما ينفذ ألقها وصبرها، تتعب ثم تموت ثم تتبعثر هاربةً في السّماء في شكل رماد مضيء.) ص 33

- (العُمر يُعذبنا عندما نتذكره، وتخدعنا الحواس كلها عندما نطلبها.) ص 33

- (لِتأت الأشياء وفق إرادتها وفي وقتها، نحن لا نصنع الحياة التي نشتهي، الحياة تصنعنا مثلما تريد، وتدس في أجسادنا ما تشتهيه مِن جنونها وقنابلها الموقوتة.) ص 33

- (البيوت الخاوية تموت يتيمة.) ص 35

-(الأشياء عندما يدخلها مرض اليأس، تفقد طعمها وتخون بسرعة ذويها حتى ولو كانت تفاحة.) ص 36

-(البيوت في هذه البلاد، كانت تُعزف ولم تكن تُبنى. ومِن هُنا هشاشتها. عندما تفرغ، تجتاحها الضِّباع بِفِكاكها الحادة والصّلبة، قبل أن تتعفن مِن الدّاخِل والخارج، وتموت كما يموت البشر.) ص 36

- (المخطوطة مثل الكائنات تعيش بالاهتمام، وتموت بالإهمال.) ص 61

- (الحرب هي دائماً حرب المُنتصر والسّلام سلامه أيضاً.) ص 88

- (مَنْ يُعلن الحرب ليس هو مَنْ يُسكت مدافعها في النِّهاية.) ص 97

- (الدُّنيا التي لاقتنا على كِتاب، جمعتنا على كِتاب، وجعلتنا نعشق الدُّنيا أيضاً على كِتاب.) ص 111

- (إنّ لِكُلِّ حُبٍّ نجمة ترعاه، سأكون نجمتك التي لا تغيب. وإنّ الحبيب للحبيبِ غطاء، سأكون غطاءك في الأيام القاسية والصّعبة. سأكون، عمري، مسافتك بين القلب ولسانك.) ص 113

- (رُبما منحتنا الحياة شيئاً خاصاً وخارقاً لا نعرفه إلاّ عندما نعيش قسوته.) ص 114

- (كُلّ شيءٍ يضيق عندما نقنط، عيوننا، قلوبنا، أشواقنا فقط لأن المحيط صغر حتى أصبح باتساع خرم إبرة.) ص 144

- (لم تكن الحياة مغلقة. هناك دائماً خيط نور يأتي بالصُّدفة، نلتصق به حتى النِّهاية، ويُعطينا بعض الرّغبة في الاستمرارية.) ص 145

- (أنا أُريدُ أن أُبيّن للتلاميذ أنّ التَّاريخ ليس بعيداً عنهم، في أكلهم وبيوتهم وألبسة أهاليهم. لقد علموهم تاريخاً مزيفاً وبعيداً عنهم، ولهذا كرهوا كُلّ شيء.) ص 145

- (الشّعب الذي يرمي الزِّبالة يُشبه حكومته في كُلِّ شيء، تربيتها الكريمة ومنجزها العظيم بعد نصف قرنٍ مِن الاستقلال.) ص 151

- (نظرة الإنسان قصيرة وحكمته في هذه الدُّنيا قليلة. عندما ينتصر، كثيراً ما يتحول إلى طاغية ويُمارس ما مورس ضده عندما كان ضعيفاً. بدل أن يكون حكيماً وكبيراً ومُتسامحاً مع الآخرين مِن الضُّعفاء لأنهم في النِّهاية منه على الأقل في جانبهم الإنساني، يتحول فجأةً إلى فرعون صغير.) ص 164

- (الحقد يُسمى أيضاً العمى بعيونٍ مبصرة.) ص 166

- (السّنوات تعود ولا شيء فيها يتشابه سوى العُمر الذي يمضي بسرعة البرق.) ص 173

- (ربما كانت الكتابة رديف الحياة، إذ نفقد الشّهوة أحياناً في كُلِّ شيء بما في ذلك مواصلة العيش. ونتحول أحياناً إلى شُعلةٍ مُضيئة، ولكنها حارقة أيضاً، لا قوة في الدُّنيا تستطيع الوقوف في وجهها.) ص 173

- (الأشواق والحقيقة حرائق مثل الجِبال... كُلّ شيء ننساه إلاّ الأشواق التي تحرقنا في العُمق وتسلخ بعضاً مِن جلدنا.) ص 174

- (الشّبيه لا قيمة له مُطلقاً لأنه مجرد نسخةً منسوخة.) ص 181

- (في النِّهاية، إذا كنّا نتفرد في الحياة، نحن نتساوى أمام الموت، لا يهم... فيفعل النّاس ما تُمليه عليهم دواخلهم، فهي الأهم، ولكن الجبن إرث سيئ.) ص 187

- (هناك نوع مِن النّاس ليسوا في حاجة إلى أن يرفعوا أصواتهم لكي نصدقهم أو نأخذهم مأخذ الجِد. نظراتهم الطّيبة والصّافية تكفي.) ص 192

- (في قلب كل فنان شيء مِن الهبل والجنون وإلاّ سيكون إنساناً عادياً ومُسطحاً.) ص 198

- (الأديان ليست في النِّهاية إلاّ ظِلالاً هاربة لأشياء عميقة فينا، يتقاسمها الحُبُّ والكراهية. النّاس هم مَن جعلها مقياساً وضوابط للقسوة والعزلة.) ص 207

- (البلاد مِن البداية سلكت طريق الغلط. لا تُبنى حضارةٌ بِناسٍ غير حضاريين.) ص 250

- (وكأن كُلّ الزّمن الذي مضى لم يُغيّر فيَّ شيئاً. رسخ قناعتي أكثر في البشر. كنتُ على يقين أنِّي إذا لم أكن صائباً في الكُلّ، فأنا لم أكن على خطأ أبداً.) ص 252

- (كلما تعلق الأمر بالتّاريخ في هذه البلاد، مال النّاس إما نحو الكذب أو الكِتمان، لا يوجد شيء ثالث.) ص 258

- (خَفِفْ مِن حَماسِكَ لِمن تُحِبّ أو تكره، حتى تكون الخيبة واهتزاز يقينك أقلّ وقعاً.) ص 295

- (الحرب مثل المرض، عندما يُصاب المرء بها، يحتاج إلى زمنٍ مِن الهُدنة مع الذّات لكي يستطيع أن يُفكر بعقله.) ص 304

- (كلانا فقد شيئاً ثميناً، أنا خسرتُ جزءاً مِن جسدي، ذراعي، وأنت فقدت وطناً. فلا الذِّراعُ ينبت ذاتياً، ولا الوطن الأول يُزرع مِن جديد فينبت، ومع ذلك علينا أن نتعود على الفقدان والعيش.) ص 305

- (صُدفُ الحياة هي التي تربط أحياناً المصائر نهائياً.) ص 305

- (الدُّنيا تخط مصائر البشر ولكنهم قليلاً ما يتعلمون.) ص 305

- (في هذه البلاد شيء يلفه التّناقض بين ما يأمره الدِّين وما تتحكم فيه العادات. يقف الدِّين قوة ردعية ثانوية بالقياسِ لقوة التّقاليد القوية والمؤثرة في النّاس وفي حياتهم.. بلاداً ليست فقط محكومة بقوة الدِّين ولكن أيضاً بهذا الخليط الذي تلتبس فيه الأدوار بين الدِّين والمعتقدات البدائية والقديمة. علينا أن نفهم هذه الازدواجية القوية لنتمكن من فهم ناس هذه البلاد.) ص 311

- (العواقب تُقاسُ بِنِهايتها.) ص 312

- (البشر في النِّهاية مُخٌ واحد يشتغل في اتجاهات مُتعددة بحسب الرِّياح التي قد تكون شرقية أو غربية.) ص 312

- (التّهكم والسُّخرية، أقوى سلاحين وأذكاهما، أمام غباوة العصر والبشر.) ص 312

- (الحُبّ كان هو الجاذبية الوحيدة والأساسية، وليس الدِّين إلاّ المسلك المختصر لذلك. الحُبُّ أيضاً فوق الأصول الأولى التي نفترضها دائماً هي ما يقود حياتنا وأشواقنا.) ص 313

- (الدّرس الأول في المعارك البحرية يُحفظ جيداً لهذا يجب أن يكون قاسياً.) ص 313

- (إن الثِّقة الزّائدة واليقين الصّارم، مقتلان مدمران.) ص 314

- (يُصيبنا العمى أحياناً، فلا نرى في غنى الدُّنيا بكاملها، إلاّ ظلالنا الصّغيرة.) ص 314

- (كُلّ حربٍ مهما كانت عادلة، تتبطن في عمقها قدراً معيناً من العجز عن التّفكير.) ص 315

- (للأسف، نحتاج دوماً إلى انكسارٍ عظيم لنعود إلى يقيننا الوحيد، الخسارة. حتى عندما نربح نظلّ في عمق خسارة لا ندركها إلاّ لاحقاً، بعد زمنٍ طويل.) ص 315

- (هذه هي حالة الحروب، لا نعرف دمارها إلاّ عندما تنتهي، وتكون قد جرّت وراءها جيشاً من النّاس نحو النِّهاية والإبادة لا لشيء سوى لأن بشراً أخطئُوا في التّقييم أو انغلقوا على أنفسهم، وأدركوا بعد زمنٍ أن بؤسهم الدَّائم كان أكبر.) ص 316

- (هذه الحرب التي تركت علاماتها القاسية على أجسادنا، نخوضها أحياناً لأنه ليست لنا أية بدائل أخرى أمام ظلم البشر حتى ولو أكلنا رؤوس أصابعنا ندماً، فيما بعد.) ص 316

- (بعض هذه الحروب ليست حروباً، ولكن مُجرد طلقاتٍ أخيرة لإقناع النّفس المُنهكة أنّها قاومت ولم تستسلم.) ص 316

- (مصائرنا كلها تكون أحياناً معلقة على حواف الصُّدفة القاتلة.) ص 317

- (كثرة الحروب تولد الملل حتى بالنّسبة للمنتصر، لأن الانتصار والهزيمة، كُلُّها حالات مؤقتة.) ص 321

- (في الأدب، التّرجمة عمل عبثي وقليل الفائدة. كأننا ننظر إلى زرابي الفلاندر بالمقلوب، نلحظ جيداً الأشكال الجميلة، ولكنها مليئة بالخيوط المنسدلة التي تشوهها، ولا تظهر وحدة اللّون والموضوع.) ص 322

- (الحُبُّ أحياناً لا يمنح فقط السّكينة السّاحرة، ولكن أيضاً وَهْم الأرض المفقودة.) ص 327

- (عندما تلتصق السُّفن المتحاربة تموت الرّحمة في قلوب النّاس.) ص 329

- (ينسى النّاس بِسُرعةٍ بطشهم، وأنّه يُمكن أنْ يكونوا هُمْ أيضاً ضحية للطّاحونة التي صنعوها.) ص 331

- (أعرف مِثلك أن سوق العبيد هو أقسى مكانٍ يُصيب الإنسان في صميمه. وأعرف أيضاً ما معنى أن يُساق إنسان نحو حتفه المعنوي، لا أذلّ للإنسان من أن يُجر مُصفد اليدين والرِّجلين ويتحول إلى فرجةٍ للعابرين في الموانئ المُكتظة بالبشر.) ص 332

- (أن تكتشف مدينة لا يكفي، إذ يمكنك أن تنساها بسرعة عندما تعود لك مدينتك وتسترجع شوارعها، لكن أن تكتشف أُناساً يُشبهونك فيها، فهذا أجمل ما يُمكن أن يحدث مِن صُدفٍ حتى ولو كانت حالاتنا قاسية مؤلمة.) ص 333

- (نموت أحياناً على تُربةٍ نظن أنفسنا أننا عرفناها، ولكننا نستيقظ في آخر العُمر لنكتشف بأننا لم نعرف شيئاً عنها وأنها بقية خارج الذّات. كثيراً ما تكون الصّدمة قاتلة. والهلاك أكيد.) ص 334

- (الخير يُورَّث، ولكن المؤسف، هو أنّ الأحقاد تورَّثُ أيضاً.) ص 334

- (الأفكار لا قيمة لها إذا لم تجد لها متنفساً في الحياة... والفكر عندما يطمئن لذاته يموت. يجب أن يتحول إلى بارود وإلاّ لن يؤثر في أيّ شيء.) ص 370

- (هناك خيانات يسكت عنها التّاريخ لأنها تُحْرِجُه، وعندما يتذكرها يكون كل شيء قد رُتب ولَفّتْهُ استحالة التّغيير.) ص 378

- (لا يوجد في الدُّنيا أحسن من التُّهمة الأخلاقية، الوحيدة التي يتمنى الكُلّ سترها، بما في ذلك عائلة المجني عليه. الجريمة الوحيدة التي لا يطالب أحد بدمها.) ص 392

- (القِراءة مِثل النَّوبات، عندما تنتابها، تنام فيها زمناً طويلاً ولا ترفع رأسها أبداً.) ص 469

- (الرَّغبة في العودة مثل الطُّوفان، عندما تستيقظ لا قوة في الدُّنيا تمنعها، تفشل أمامها كُلّ الإرادات والنَّوايا الحسنة.) ص 470

- (المُدن حينما نبتعد عنها كثيراً، تُنكرنا وربما تعادينا أيضاً، قبل أن تضرب صفحاً عنَّا وتنسانا.) ص 471

- (جرح لا يموت أبداً.. ليس في الجسد وحده، ولكن في الرُّوح.) ص 471

- (البحر حبيب الغريب حتى يتحول كلاهما إلى ملح، الأول للفراغات العميقة، والثّاني للتُّربة المُنزلقة من بين الأكُف.) ص 472

- (لا أدري لماذا وجدتني مُعلقاً في التّاريخ، وتلميذاً لما يقوله.) ص 475

- (أنت لم تقل إلاّ الحقيقة التي لن يرضى عليها لا قومك، لأنك سلكت مسلك العاقل أمام الهزيمة، ولا أعداءك لأنك اخترت أن تقول الحقيقة.) ص 478

- (الحواس مِثل الذّاكرة. هي أيضاً أمكنة لِتخبئة عطر وملامس وهسهسة الأسرار.) 481

- (البيوت أيضاً تموت عندما تنطفئ روائحها.) ص 508

- (هذا الوطن أعرفه جيداً وأحتفظ به في قلبي. أتركوا الشُّهداء ينامون قليلاً، لقد تعبوا في حياتهم وفي موتهم. وطني في جراحات جسدي. لو تفتحونها بصدق، ستجدون في كُلِّ جرح يختبئ تاريخ الذين مروا من هنا. لكني مثل أجدادي، تعودت على أن أستر جُرحي وأُخبئ حُبِّي لهذه الأرض في عيني.) ص 510

 

أ. السعيد بوشلالق

 

3313 مذكراتأنهيت العام الماضي قراءة كتاب: "مذكرات المجاهد سليمان الغول، ضابط جيش التحرير الوطني في جبال ومعارك الونشريس"، تحرير الأستاذ: محمّد عزّة، منشورات أنوار المعرفة،مستغانم، الجزائر، 2013، من 367 صفحة.

المذكرات الشخصية ملك الأمّة الجزائرية:

جاء في مقدّمة الكتاب وعلى لسان المجاهد سليمان الغول وهو يتحدّث عن المجاهدين الذين رفضوا ويرفضون كتابة مذكراتهم، قوله في صفحة 21: "أمّا الذين لم يكتبوا بعد فهم أحرار في ذلك ومسؤولون في نفس الوقت لأنّهم ملزمون على الأقلّ بتدوين مايعرفونه أو مايتذكرونه عن ثورة أوّل نوفمبر 1954، لأنّ مساهماتهم في الثورة ضدّ الاستدمار الفرنسي لم تعد ملكهم بل أصبحت ملكا للأمّة الجزائرية كلّها والأجيال الحريصة على الارتباط بماضيها المجيد".

أقول: أيّام المرء ليست ملكا له لوحده، بل هي ملك دولة، ومجتمع، وأمّة. ولا يحقّ لصاحب الأيّام أن يخفي أيّامه عن جيله الذي قاسمه أيّامه، وعن الجيل الحاضر والقادم الذي لم يشهد أيّامه.

كتب مذكراته سنة 2012-2014 حسب مافهمته من كلامه في صفحة 22: "خاصّة وأنّنا نعيش أعياد الذكرى الخمسين لاسترداد الاستقلال الوطني 1962 والذكرى الستين لاندلاع ثورة أول نوفمبر 1954".

ولد المجاهد سليمان الغول بتاريخ: 27 مارس 1937 حسب ماجاء في صفحة 33، مايعني أنّه كتب مذكراته وهو في سن 76-77 من عمره، وهو الآن في عمر 85 من عمره.

جرائم  الاستدمار الفرنسي:

قال: أحرق الاستدمار الفرنسي الشجر، ونسف الحجر، وأهلك البهائم والبقر. ومن حقّ هذه الكائنات الجامدة غير النّاطقة أن يتحدّث عنها من كان شاهدا على هلاكها في أيّامه، وقد استمدّ طعامه، وملبسه، وحمايته، وراحته، وبطولته منها وهي التي لم تطلب منه جزاء ولا شكورا.

قال: "المدارس الفرنسية كانت حكرا على أبناء المستدمرين الفرنسيين وقلة من أبناء الجزائر المحظوظين أو الموالين للاستدمار". وبسبب وضعية العائلات الجزائرية المعدومة بسبب الفاقة الشديدة جدّا التي تدفعهم دفعا إلى البحث عن لقمة العيش على حساب الدراسة.

أقول: يبدو من حديثه أنّه لم تتح له فرصة التّعلم، لكنّه قال في صفحة 33: تعلّمت أنّ فرنسا دولة أجنبية رومية وأنّ الفرنسيين محتلون لأرضنا ومستغلون لخيراتنا ومزارعنا وثرواتنا ومياهنا. (أضيف: ماأعظمه من تعليم).

جاء في صفحة 34: طرد الاستدمار الفرنسي الجزائريين من الأراضي الخصبة واستولى عليها، ثمّ طردهم من الأراضي غير صالحة للزراعة إلى الأراضي الجرداء.

ذكر أنّ: القوات الفرنسية المحتلّة المجرمة تستدعي جزائريا لأنّه ضرب معزة فرنسي مستدمر مجرم، وأنّبته تأنيبا شديدا.

المجاهد الذي روى الحادثة للمجاهد سليمان الغول أجهش بالبكاء وهو يروي الحادثة بعد مرور عقود من الزمن.

أقول: المحتل المجرم الفرنسي حين يستولي على قرية يستولي على كلّ شيء بما فيها المعزة. ويفرض على الجزائريين ضرائب باهظة لكلّ من يملك حيوانا بما فيها المعزة. والمعزة التي بين يدي المستدمر الفرنسي المجرم أغلى من كلّ مايملكه الجزائري ، وممّا تملكه المرأة الجزائرية من حلي -إن كان لها حلي-. والسّعر في هذه الحالة يحدّده الفرنسي المحتلّ وليس العرض والطلب، ولا السّوق.

أضيف: هذه صورة مصغّرة عن حقيقة النهب، والسّطو، والمهانة التي كان يمارسها الاستدمار الفرنسي ضدّ الجزائريين وطيلة 132 من الاحتلال، والقائمة السّوداء مفتوحة لمن أراد أن يضيف.

جاء في صفحة 89  وبأسلوب وألفاظي: بعد المعارك التي كانت تحدث بيننا والقوات الفرنسية المحتلّة المجرمة، والخونة الحركى الذي برفقتهم، كانت بعد انتهاء العمليات تقوم فرنسا المجرمة بنقل قتلاها المجرمين وتبقى على القتلى من الخونة الحركى والسنغاليين (سَالِيﭭانْ) في ساحات المعارك لأنّهم لايساوون شيئا عند فرنسا المحتّلة المجرمة التي جنّدتهم.

دور الزوايا في دعم الثورةالجزائرية:

تحدّث بفخر واعتزاز عن مساهمة أسيادنا أولياء الله الصالحين رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم، والزوايا عبر الشلف (الأصنام سابقا) والجزائر كلّها في تهيئة وتعبئة الجزائريين روحيا، وأخلاقيا، ووحدة الكلمة ضدّ الاستدمار الفرنسي.

تحدّث في صفحة 26 عن عظمة الشلف التي احتضنت كبار قادة المقاومة من أمثال سيّدنا الأمير عبد القادر. وكذا أسيادنا الشهداء من أمثال امحمد بوقرة، ومحمد بونعامة، وعميروش، وحسيبة بن بوعلي رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا.

قال في صفحة 33: معظم الذين التحقوا بالثورة في المنطقة كانوا تلاميذ في زاوية سيدي نهار.

دور النخبة العسكرية في دعم الثورة الجزائرية:

رفض وهو في سن 18 أن يؤدي الخدمة العسكرية تحت الاستدمار الفرنسي، وقال: "لا للقبعة الفرنسية".

اختارته قيادة الثورة الجزائرية ليكون ضمن النخبة (الكومندوس)، وكانت الفكرة من سيّدنا الشهيد محمد بوقرة قائد الولاية التاريخية الرابعة سنة 1965، رحمة الله عليه ورضوان الله عليه.

أقول: فهمت من حديثه أنّه انضمّ إلى الثورة الجزائرية وفرفة النخبة وهو في 19 سنة من عمره.

كانت تضم فرقة النخبة 170 مجاهدا.

أقول: فهمت من حديثه أنّ الثورة الجزائرية كانت حين تلقي القبض على جنود فرنسيين مجرمين تسلّمهم مباشرة للصليب ليسلّمهم بدوره للاحتلال الفرنسي، أي لم تكن هناك شروط ولا مطالب ولا سقف من طرف قادة الثورة الجزائرية.

أقول: إن صدق الخبر، فهذا من الأخطاء التي ارتكبتها الثورة الجزائرية، وقادة الثورة الجزائرية.

ذكر في صفحة 47، أنّ العديد من أسيادنا الشهداء استشهدوا في غير ولاياتهم التي ولدوا فيها.

أقول: تمثّل هذه النقطة -وقد قرأت عنها في عدّة مذكرات- إحدى مظاهر العظمة لدى الثورة الجزائرية.

قالوا عن المجاهد سليمان الغول:

ترك صاحب المذكرات الكلمة للذين عرفوه منذ الصّغر، وأثناء الثورة الجزائرية، وعقب استرجاع السّيادة الوطنية، والعشرية الحمراء، وإلى غاية كتابة الكتاب وهذه الأسطر ليتحدّثوا عنه وقد بلغوا من الكبر عتيا.

أقول: أعترف أنّي لأوّل مرّة أقرأ هذا النوع من المذكرات حيث يصمت صاحب الكتاب ويترك أترابه يتحدّثون عنه.

تحدّث صاحب المذكرة، والشهود وهم من مواليد 1927، و1936 وتواريخ أخرى عن إسقاط طائرات المحتلّ الفرنسي المجرم يومها، وبشكل متكرّر.

أقول: وأعترف أنّي لم أقرأ هذا العدد من إسقاط الطائرات في مذكرات أخرى عاش أصحابها أحداثا مشابهة، وعبر مناطق مختلفة. وكم أتمنى من العسكريين المختصين شرح عمليات إسقاط طائرات المجرم الفرنسي المحتلّ من النّاحية الفنية العسكرية ولهم بالغ الشكر والتّقدير.

كان المجاهد سليمان الغول ضمن فرقة النخبة التي اختارها بعض قادة الثورة الجزائرية نظرا لبنيته الجسدية، وعوامل أخرى. وقد لاحظت ذكر العمليات العسكرية بأعداد كبيرة، ومستمرة، وذات نوعية ولسنوات.

أقول: من طبيعة النخبة العسكرية المكلّفة بالمهام الصّعبة القيام بالعمليات العسكرية النوعية في كلّ وقت، وباستمرار، ودون انقطاع ولذلك تعتبر العمليات الكثيرة المذكورة على لسان صاحب المذكرات والشهود الذين بلغوا من الكبر عتيا أمرا عاديا جدّا، نظرا لبنيتهم الجسدية، وشجاعتهم، وإقدامهم.

 أقول: ذكر الشهود وصاحب المذكرة وفي أكثر من مناسبة وباستمرار الخسائر المادية والبشرية التي ألحقها بهم العدو الفرنسي المحتلّ وأقرّوا أنّها كانت بالغة التّأثير كما ذكروا الخسائر المادية والبشرية التي ألحقوها بالمجرم الفرنسي المحتل.

المجاهد سليمان الغول كما يراه المجاهد سي مراد:

انتقد بشدّة المجاهد سي مراد  رحمة الله عليه بعض ماجاء في مذكرات "مذكرات المجاهد سليمان الغول"" عبر مذكراته "مذكرات سي مراد".

أقول: أمر عادي أن يتم نقد مجاهد من طرف مجاهد. ومن عظمة الثورة الجزائرية أنّها لم تنسب العصمة وعدم الأخطاء لنفسها، ولا لقادتها، ولا لشهدائها، ولا لجنودها، ولا لرجالها، ولا لنسائها.

أضيف: من قبل شهادة المجاهد سي مراد في المجاهد سليمان الغول فليقبل شهادة سي مراد في آخرين ذكرهم بالإسم، وذكر أفعالهم وأقوالهم.

من: "سليمان الغول، أسد الونشريس" الى: "مذكرات المجاهد سليمان الغول"

النسخة الأولى من الكتاب والتي صدرت منذ سنوات كانت تحمل عنوان: "سليمان الغول، أسد الونشريس"، والنسخة الأخيرة من الكتاب والمرفقة عبر المقال تحمل عنوان: "مذكرات المجاهد سليمان الغول" دون ذكر لقب:  "سليمان الغول، أسد الونشريس". 

أقول: من مزايا مذكرات الجزائريين الذين حاربوا الاستدمار الفرنسي أنّهم: متواضعون جدّا. ويجنّبون أنفسهم ألقاب العظمة، والبطولة الخارقة، والكرامات. ويعترفون بأخطائهم، وتقصيرهم. ويعترفون بتفوّق الاستدمار الفرنسي عليهم من حيث العدد والعدّة. ويقرّون بعجزهم عن اقتحام منطقة لشدّة الحراسة أوكثرة عدد أفراد الجيش الفرنسي المحتلّ. ويعترفون أنّهم أميون لايجيدون القراءة ولا الكتابة لأسباب تتعلّق بالاستدمار الفرنسي. وحين لايتأكد من معلومة لايذكرها. وحين يريد التأكد منها يشير لأحد أصحابه الذي شهد معه المعركة، أو يستعمل عبارات: لست متأكد بالضبط من العدد مثلا، والذاكرة لم تعد تسمح لي بذكر التفاصيل الدقيقة. ويظلّ الصّادق الأمين في ذكر المعلومة، ونقلها. ويوصون القرّاء بعدم الاكتفاء بما يقدّمونه لهم من معلومات، ويطالبونهم بالبحث، والمقارنة، والتأكد منهم أو ممن عايش المعركة أو الحادثة وما زال على قيد الحياة، أو الرجوع للكتاب الفلاني أو الحوار الفلاني.

مذكرات الجزائريين الذين شهدوا الثورة الجزائرية صادقة ، لأنّ أصحابها لايكذبون. وقد يعتري صاحبها النسيان، وعدم التذكر بدقة، والاختلاط في الأسماء والأماكن، ويكفي حينها بعض المراجعة والمقارنة.

إنّ الذي يرفض أن يطلق عليه لقب لقب "أسد الونشريس" أو غير ذلك من الألقاب التي تدلّ على الأعمال الخارقة والتي تتعدى قدرات البشر لايمكنه بحال أن يكذب وهو مقبل على آخرته.

يمكن للقارىء الكريم أن يقارن بين مذكرات الجزائريين البسيطة في عناوينها، والتي تدلّ على التواضع ونكران الذات بعناوين لدول عربية، ومسلمة أعجمية وسيجد الفارق عظيم.

هناك كتب ألّفت عن شخصيات، ومجاهدين تحمل ألقاب العظمة الخارقة، لكن هذه العناوين ليست من وضع أصحابها بل هي من وضع من كتب عنهم من ابن، أو بنت، أو صاحب، أو أستاذ وغير ذلك. وقرأت عنوان كتاب: "..., le lion du djebel" (... أسد الجبل).

ممّا وقفت عليه، أنّ المجاهدين يتواضعون حين يتعمّدون عدم وصف أنفسهم بالعظمة الخارقة، ورفضهم أن تسمى مذكراتهم بعناوين مبهرة كـ: "أسد الوشريس" و"أسد الجبل"، لكنّهم في الوقت نفسه لايتواضعون للمحتلّ المغتصب، ويتعاملون معه بندية خارقة، ولا يستسلمون له، وكلّهم ثقة باللّه تعالى، وأنّ الله تعالى سينصرهم على المحتلّ المغتصب ولو كان أكثر منهم عددا وعدّة، وهذه هي العظمة وليس عنوان الكتاب.

 

معمر حبار

 

 

علاء اللاميكتاب جديد صدر حديثا للباحث العراقي صباح كنجي، يحمل عنوان "الإيزيدية: محاولة البحث عن الجذور.. رحلة في أعماق التاريخ". يقع الكتاب في 400 صفحة، توزعت على تسعة فصول وعدد من الملاحق إضافة إلى المقدمة. وقبل أن أبدأ بقراءتي النقدية لهذا الكتاب، أود أن أسجل شكري وامتناني للأستاذ المؤلف الذي أرسل لي نسخة ورقية من كتابه على كرمه وانفتاحه على التواصل والتفاعل بين أبناء الوطن الواحد من كتاب وباحثين ومواطنين بعامة؛ كما وأغتنم الفرصة للتعبير عن تعاطفي وتضامني العميق مع الطائفة الإيزيدية الكريمة في كل ما تعرضت له من مظالم ومذابح وأفعال دموية وحشية يندى لها جبين الإنسان الحق. لقد تركت تلك الجرائم الشنيعة وخصوصا التي ارتكبتها العصابات التكفيرية الداعشية الظلامية جرحا غائرا في ذاكرة الوطنية العراقية خصوصا والإنسانية عموما؛ فلكل ضحايا تلك العصابات وفي مقدمتهم أهلنا في سنجار ومقترباتها وسهل نينوى والعراق كله كل المحبة والتضامن والوفاء والتعاطف الإنساني الصادق.

* يمكن تصنيف هذا الكتاب ضمن كتب الأبحاث التأريخية والإناسية "الأنثروبولوجية" المدعوم بعلوم أخرى مقاربة أو متفرعة كالآثاريات "الأركيولوجيا" وعلوم اللغة والديانات القديمة. ولعل أول ما يلفت النظر في هذا البحث الشامل أسلوبه التوثيقي، وطريقته التحليلية المبسطة والسلسة وجِدة المعطيات ذات العلاقة بعناوينه التي يطرحها.

يقدم الكتاب أفكارا مختلفة وبعضها جديد لتعريف الإيزيدية كطائفة وديانة وقراءة سرديتها التأريخية ضمن سياقهما الرافداني الممتد - كما يرى المؤلف - إلى العصر السومري والعصور التالية له، على اعتبارٍ مفاده أن أتباع هذه الديانة "لم يكونوا محددين بقوم أو جماعة قبلية معينة واحدة، فهو دين مفتوح يعتمد على تأليه الشمس كتجلي للإله الأكبر أو العظم، وهو الإله الذي جرت عبادته من قبل شعوب العالم كافة تقريبا... ص369". ومعلوم أن هذه المعلومة أو الاستنتاج يتناقض مع ما هو معروف عن الإيزيدية على اعتبارها من الطوائف المغلقة، أي التي لا تقبل مهتدين جدد إليها من خارجها، ولكن المؤلف ربما لا يقصد الإيزدية كما هي اليوم بل في بداياتها القديمة.

* يذهب المؤلف أبعد من ذلك فيطبق فرضيته هذه على طائفة وديانة عراقية أخرى هي الكاكائية "اليارسانية" -التي يعتبرها البعض فرعا من الإيزيدية- والتي يقطن مجتمعُها في الجغرافيا نفسها التي يقطن فيها الإيزيديون، ويعتبرهم امتدادا للعمق الانثروبولوجي الرافداني السومري ويأتي بأدلة على ذلك من السردية المثيولوجية الكاكائية المعاصرة ومنها؛ اتفاق الكاكائية مع السومريين والإيزديين في اسم "باتيسي/ باتيشاه/ بادشاه" أي الملك الكاهن جامع السلطتين الزمنية والدينية، وهي الصفة التي أطلقت مثلا على كوديا حاكم لكش 2600 ق.م، وهو كما يعتقد "شيء مهم يربط هذه الأطراف الثلاثة رغم البعد الجغرافي والزمني ويعكس أصالة انتماء لتاريخ سحيق يغوص عميقا في التربة العراقية، ويثبت أننا نسير في الاتجاه والطريق الصحيح للبحث/ ص183".

الإيزيدية والسومريون وغيرهم:

3308 alizidiaaaإن فكرة إرجاع الديانة الإيزيدية إلى جذور رافدانية سومرية وأكدية وآشورية، كما نفهم من صفحات هذا الكتاب، كان قد طرحها الباحث العراقي الراحل جورج حبيب - الذي يهدي المؤلف كتابه إليه بكلمات مؤثرة - وإلى درجة ما الباحث حسو أمريكو، وقد لخَّصها حبيب - كما يقتبس كنجي - بالكلمات التالية "إن الدين اليزيدي منحدر من جذور بعيدة جدا، تبلغ العهود السومرية، على أن هذا الدين لم يُعرف بهذا الاسم إلا في فترة متأخرة نسبيا، فهو قد نال معتنقوه من الاضطهاد والعنف ما جعلهم يلقون من جراء تمسكهم به شرَّ صنوف الاضطهاد فيهاجرون من وطنهم، وبخاصة منذ أن وقعت بلاد الرافدين تحت الحكم الساساني/ ص32". ثم يحاول الباحث أن يقيم الدليل التأريخي واللغوي والمادي الأركيولوجي على صحة هذه الفكرة فيحشد خلاصات وافرة من المكتشفات والمعلومات التاريخية المفيدة والمعززة بالصور ذات العلاقة بما يخدم سياق البحث.

ورغم أن المؤلف ينفي الأصل العربي لهذه المجموعة السكانية الدينية مثلما ينفي أية علاقة لها بالأمويين العرب ويزيد بن معاوية أو يزيد بن أنيسة الخارجي على جهة التخصيص، مع أنه يرجح في مواضع أخرى من كتابه وجود علاقة دينية تعبدية قوية للأموي أبي سفيان صخر بن حرب وابنه معاوية وحفيده يزيد بالطاووس ملك الذي يقدسه الإيزيديين، قبل الإسلام وبعد قيام الدولة الأموية في الشام، ويؤكد أن الإيزيديين يتكلمون اليوم إحدى اللهجات الكردية "الكرمانجية البهدينانية" و "لا توجد لهم لغة أخرى لهم باستثناء ما سميناه بلغة بعشيقة وبحزاني والتي هي خليط من الكردية الغالبة والعربية وعدة لغات قديمة وحديثة... ص189". والحقيقة أن القول بعروبة اليزيديين أو الإيزيديين، وأنهم يتكملون اللغة الكردية كلهجة مكتسبة اعتادوا عليها بحكم الواقع التاريخي والجغرافي، هي وجهة نظر بين وجهات نظر أخرى لم يقل بها باحثون من خارج هذه الطائفة فقط، بل قال بها أحد أمرائها وهو أنور معاوية الأموي في كتاب له بعنوان "اليزيدية: تاريخ عقيدة مجتمع"، ولكن الحكم الأخير في أمور كهذه يبقى للعلم والأدلة الملموسة والمقروءة بمنهجية علمية وللمزيد من البحث المنهجي. وكنت قد كتبت قراءة نقدية لمحتويات كتاب أنور الأموي في يومية "الأخبار - عدد 20 آب 2008"، ولكن كتاب الباحث كنجي الجديد قد صحح وقوم وتناقضَ مع العديد من المعلومات التي وردت في الكتاب الآخر حول أصول وجذور اليزيدية ديانة ومجتمعا بالأدلة التأريخية والآثارية واللغوية التي قدمها، وهذا أمر طبيعي في مجالات البحث المنهجي العلمي.

إن إشكالية لغة الإيزيديين، حتى إذا اتفقنا مع ما يذهب إليه كنجي من أنها الكرمانجية الكردية المختلطة بلغات أخرى في عصرنا، تبقى دون حسم نهائي؛ فلا نعرف بالدليل الأركيولوجي الموَّثق والذي قد يبرز ذات يوم، هل كان للإيزيديين لغة أخرى قبل الكردية، أم أن الكردية هي لغتهم الأصلية التي اختلطت بلغات أخرى؟ وستترتب على الإجابة على هذا السؤال بالإجاب أو السلب أسئلة وتساؤلات أخرى. وهناك إشكالية أخرى لم يتطرق إليها المؤلف، فهو لم يفسر لنا سبب وجود أسماء من قبيل معاوية ويزيد وحتى لقب الأموي بين صفوف هذه الطائفة في عصرنا، صحيح أنه قدم حججا مدعومة بالأركيولوجيا والفيلولوجيا لتأكيد الارتباط الجذوري بين الإيزدية والديانات والحضارات الرافدانية القديمة بدءاً من السومرية، ومنها وجود عدة معابد أيزيد/ أيزيدا" في جنوب بلاد الرافدين، وأيضا في منطقة سنجار التي تقطنها الإيزيديين شمالا منذ عدة قرون، ولكنه لم يفسر لنا ظاهرة وجود الأسماء الأموية بين الإيزيديين المعاصرين، ربما باستثناء اسم عدي الذي يقول أنه آتٍ من مفردة "آدي" ذات العلاقة بتصور خلق الإنسان الأول آدم في المثيولوجيا الرافدانية القديمة، الذي دخل جذره ليشكل مع الزمن آدي، أو هدد أو أدد نيراري وما بعدها بعد تحولات "..." وهذا هو الحال مع آدي الذي أصبح عادي ومن ثم عدي بالرغم من عدم وجود حرف العين في اللغة الكردية/ ص189".

إن انعدام وجود حرف العين في اللغة الكردية / الإيزيدية، ووجوده في كلمات مهمة في السردية الإيزيدية وكون لغة الإيزيديين خليط من لغات إحداها العربية، كما يقول الباحث يخالف ما أراد إثباته كما نعتقد ويثير التحفظ. فكاحتمال بين احتمالات، كوجود هذه الأسماء العربية ذات الشخصيات التأريخية "الحقيقية"، أليس من الممكن أن يكون بعض الأفراد والأمراء من الأسرة الأموية بعد سقوط دولتها في بلاد الشام المجاورة، وتحت ضغط المجازر المرعبة التي ارتكبها العباسيون بحقهم ولم تُستَثْنَ منها حتى قبور موتاهم، نجحوا في الفرار إلى مناطق سنجار الجبلية في شمالي العراق واستقروا واندمجوا بالإيزيديين الأصليين أو ذوي الجذور الحضارية الأقدم والأعمق مثلما نجح عبد الرحمن الداخل في النجاة والهروب غربا وتأسيس دولة اموية في الأندلس بدعم أخواله من قبائل البربر؟

جذور الإيزيدية:

* معروف أن نظريات وفرضيات كثيرة أطلقت في العقود الأخيرة وماتزال تطلق حول أصول الشعوب الرافدانية القديمة وقد راجت مؤخرا كتابات صحافية حول أصل السومريين الكردي، أو أنها تجعل بلاد الرافدين كلها بدولها المركزية الإمبراطورية المتعاقبة ولغاتها ملحقا وتابعا لبلد أو دولة أخرى مجاورة كسوريا المشتق اسمها من إحدى الدول الرافدانية "آشوريا"، أو تعتبر السومريين من سكان الفضاء الخارجي والكواكب البعيدة، في تكرار كاريكاتوري لآراء وحيثيات وردت في كتاب أو أكثر صدر في الغرب لأشخاص باحثين عن الشهرة عبر "الصرعة الإعلامية" وليسوا من ذوي التخصص أو ممن لا يقيمون اعتبارا للمنهجية العلمية في الكتابة التحليلية المدعومة بالأدلة الملموسة الأركيولوجية واللغوية ...وغيرها. ولكن الكتاب الذي بين أيدينا للسيد صباح كنجي يختلف عن هذه النماذج في أنه يصدر عن شخص عاش البيئة الاجتماعية وموضوع البحث لأنه من أفراد هذه الطائفة العراقية الكريمة، وثانيا لأنه يعتمد الأساليب والطرائق العلمية غالبا في الفحص والتحري والتحليل وجمع الأدلة، ويحفل كتابه بالعديد من المعطيات الجديدة والتي قد تفاجئ القارئ، لعل من أبرزها:

* ما ورد في الفصل الأول بخصوص اسم " الإيزيدية والإيزيديين" حيث يعيدنا المؤلف إلى جذور الاسم القديمة، بعد أن يستعرض تلك التفسيرات التقليدية في كتب التراث من باب العلم بها أو تخطئتها وقراءتها من جديد بطريقة مختلفة، ثم يتوغل عميقا في تاريخ بلاد الرافدين "بيث نهرين" بالآرامية، في الفصل الثاني من كتابه، ليربط الاسم التراث الرافداني القديم وخصوصا السومري والأكدي، كما سجله الباحث العراقي الراحل جورج حبيب في كتابه "الإيزيدية بقايا دين قديم"، حيث يعود هذا الأخير بالاسم معتمدا على ما قدمه علم الآثار من أدلة ومعطيات ليؤكد إلى أن "الدين اليزيدي منحدر من جذور بعيدة جدا تبلغ العهود السومرية/ص 9-10" وهذا الدين أو الاعتقاد القديم كان قد اتخذ من "معبد إيزيد أو إزيدا" الذي اكتشف في بورسيبا جنوبي العراق - 17 كم جنوب بابل - كما اكتشفت ثماني معابد أخرى بالتسمية ذاتها، خمسة منها في محافظة نينوى العراقية التي تتبع لها مناطق الإيزيديين اليوم. مضاف إلى ذلك يسجل المؤلف علاقة هذا الدين بعبادة الإله نابو البابلي، وهو في المثيولوجيا العراقية القديمة ابن كبير الآلهة السومرية مردوخ، إله الكتابة والحكمة، وعدَّه البابليون حفيد إله إيا. فيقتبس المؤلف نصا مترجما لدعاء طلب الغفران عن "لوح شوربو ص 145" ينتهي بعبارة "ليغفر نابو ونانايا في الإيزيد".

* يذكر الباحث إشارات وأدلة علائقية مهمة أخرى بين الديانة الإيزيدية وجذورها السومرية الرافدانية منها تقديس يوم الأربعاء الذي هو يوم الإله نابو البابلي، ورمز هذا الإله على شكل شاب يركب طاووسا، وبيمنه حية والطاووس، والحية من رموز "طاووس ملك" في الديانة الإيزيدية، ورمز الحية التي نجدها على مدخل المعبد الإيزيدي في لالش في عصرنا. وهناك أيضا التشابه القوي في تفاصيل عيد أكيتو السومري ثم البابلي للاحتفال برأس السنة البابلية مع بدء الاعتدال الربيعي في الأول من شهر نيسان وهو التاريخ نفسه الذي يحتفل فيه الإيزيديون برأس السنة في ديانتهم ويجرون المسيرة الاحتفالية المعهودة فيه والتي يعتبرها المؤلف امتدادا لمسيرة العيد السنوي في شارع الموكب ببابل العاصمة القديمة! إضافة إلى التشابهات المضمونية الملفتة بين أسطورة كلكامش الشهيرة ورواية مير مح الشعبية الإيزيدية/ص257.

في الجزء الثاني من هذه الدراسة سنناقش توثيق الكتاب موضوعها، وبعض وجهات نظر الكاتب حول علاقة العرب بالشعوب الشرقية ومن أين جاءوا ودخوله في مطبات الجدالات السياسية بين القوميين العرب ومناوئيهم من القوميين والليبراليين الجدد "المحافظين جوهرا". يتبع.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

محمود محمد عليفكره هذا الكتاب تعول على أن بريطانيا هي أول ممول مالي ولوجيستي لجماعة الإخوان منذ عهد مؤسس الجماعة حسن البنا عام 1928، وأن لندن تعتبر العاصمة الثانية لجماعة الإخوان ويوجد بها مقر التنظيم الدولي، وأنها احتضنت عددا كبيرا من قيادات الإخوان ومنحت بعضهم حق اللجوء السياسي، والجنسية البريطانية إضافة لمعونات مالية، لافتًا إلى أن الأجهزة الأمنية البريطانية وظفت جماعة الإخوان منذ تأسيسها كأداة ضغظ لتحقيق مصالحها في منطقة الشرق الأوسط، والهيمنة على الأوضاع السياسية في المنطقة العربية. علاوة على أن حزب المحافظين البريطاني، لديه علاقات وثيقة وقوية مع جماعة الإخوان سياسيا واقتصاديا، إذا يجرى استخدام الإخوان في حشد أصوات المسلمين في بريطانيا؛ لتمرير القرارات السياسية التي يتخذها الحزب. وقد كشفت لنا بعض قيادات التنظيم الخاص في مذكراتهم اتصالات زينب الغزالي وحسن الهضيبي بالسفارة البريطانية في القاهرة، بهدف الإطاحة بالرئيس جمال عبدالناصر، مشيرًا إلى أن هناك مؤشرات تؤكد تورط المخابرات البريطانية في التخطيط لحادث المنشية عام 1954 (8).

وعن الوجود الإخواني في بريطانيا، فهناك أكثر من 40 مؤسسة إخوانية، متنوعة بين مؤسسات دينية واجتماعية وإعلامية وقانونية، واقتصادية إضافة إلى "الرابطة الإسلامية"، التي تمثل أكبر كيان إخواني في أوروبا على الإطلاق، وتضم أكثر من 500 منظمة إخوانية التابعة للتنظيم الدولي، والتي تأسست عام 1997 برعاية المخابرات البريطانية علاوة على وجود منظمة الإغاثة الإسلامية التي تأسست عام 1984، والتي تمثل أكبر مؤسسة يجرى توظيفها في جمع الأموال من العالم الإسلام العربي والغربي. وبريطانيا احتضنت عددا كبيرا من قيادات الجهاد المصري، وتيارات السلفية الجهادية، أمثال هاني السباعي مؤسس مركز المقريزي، وياسر السري مؤسس المرصد الإسلامي، رغم حصولهما على أحكام بالإعدام، ودعمهما للجناح المسلح للإخوان عقب ثورة 30 يونيو (9).

إذن بريطانيا كانت تدعم التنظيم في مواجهة تيار القوميين العرب المتمثل بالقومية العربية، والبعيد عن النزعات العقائدية، وللحفاظ على حالة الانقسامات في الشرق الأوسط، ولمنع أي اقتراب عربي من إقامة كيان عربي موحد، حيث التقى التنظيم مع السياسة البريطانية في العداء للقومية العربية، فسعياً لتقويض أي تقارب قومي عربي، بل إلى جعل الدعوة إلى أي حراك قومي عربي بمثابة خطر يهدد كيان تنظيم الإخوان الذي يزعم تبني شعار "الإسلام أمة واحدة"، ونعرف أن تنظيم حسن البنا يحمل اسم "الإخوان المسلمين" وليس إخوان المسلمين، وهناك فرق بين المعنيين والهدف، مما يؤكد سيطرة فكرة الخصوصية على جماعة البنا، وأنهم وفق زعمه هم فقط المسلمون، والإخوة مقتصرة بين أفراد التنظيم، لا عموم المسلمين، وإلا لكانت التسمية إخوان المسلمين بدلاً من الإخوان المسلمين، وعلاقة الحكومات البريطانية المتعاقبة من أربعينات القرن الماضي كانت توفر الدعم والحماية واللجوء السياسي لعناصر وقيادات التنظيم، بل لم تسمح حتى للشرطة الدولية بملاحقة عناصر التنظيم قضائياً إذا استدعى الأمر، في ظل الحديث عن وجود استثمارات للتنظيم بعشرات المليارات في بريطانيا (10).

وعبر مطالعة المؤلف الصبورة لهذه الوثائق الرسمية التي لفها الكتمان خمسين عامًا، يرسم الكاتب لنا كما يقول د. علي عمار حسن خريطة كاملة للدور الذي لعبته بريطانيا في إطلاقِ وصناعة أو تشجيع وتوظيف الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية على اختلاف درجات ارتكابها للعنف الرمزي واللفظي والمادي، سواء باتصالٍ مباشر بقادتها، وإبرام اتفاقات سرية معهم، أو من خلال التعاون مع نُظُم حكم في العالم الإسلامي، أو تبادل المعلومات والتفاهمات مع أجهزة استخبارات؛ وهو دورٌ استمر، بدرجة أقل، مع صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى واجهة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وانحسار نفوذ بريطانيا، التي لم تلبث أن عملت بدهاء في خدمة القوى العالمية الكبرى الجديدة، كي تحافظ على الحد المناسب من مصالح الإنجليز في العالم، الأمر الذي تطلَّب قيامُ لندن بتسليم العديد من الملفات والمعلومات والتصورات السياسية لواشنطن، ومن بينها ملف الجماعات الإسلامية المتطرفة (11).

يسيح بنا الكاتب في جغرافية واسعة كما يذكر د. علي عمار حسن ليكشف النقاب عن صلات بريطانيا بدول وجماعات وأفراد في أفريقيا وآسيا ودول البلقان في أوروبا أدت في خاتمة المطاف إلى تعزيز نفوذ "الإسلام السياسي"، بدءًا من التآمر مع قوى إسلامية متطرفة على خلافة سوكوتو بنيجيريا، في أوائل القرن العشرين، وحتى محاربة بقايا الشيوعية واليسارية في يوغوسلافيا المتفككة، مرورًا بدق المسمار الأخير في نعش الخلافة العثمانية التي تحولت إلى "رجل أوروبا المريض"، وفصل باكستان عن الهند، ومحاربة القومية العربية التي بلغت أوجها مع حكم جمال عبد الناصر في مصر، وإسقاط مصدق في إيران، ثم التحالف مع مجموعات متطرفة شيعية في إيران وسنية في العراق، والحفاظ على المصالح التجارية في جنوب شرق آسيا والهند، وتعزيز وجود إسرائيل. وقد تم كل هذا تحت طائلة المبدأ السياسي الأثير لدى بريطانيا وهو "فرِّق تَسُد" (12).

والكتاب ينقسم إلى تسعة عشر فصلا: الفصل الأول: سياسة فرَّق تَسُد الإمبريالية، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: خلق شرق أوسط جديد، وميلاد التحالف السعودي، وأسيا الوسطى والعراق، فلسطين والمفتي، ومصر والإخوان المسلمون خلال الحرب (13). الفصل الثاني: التقسيم في الهند وفلسطين يعرض الفصل لموضوعات مثل:احتفظوا بقطعة من الهند، والتقسيم وحرب فلسطين، ومعضلة جامعة العرب (14). الفصل الثالث: قوات الصدام في إيران ومصر، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل:العمل مع آية الله، والتعاون مع الإخوان (15). الفصل الرابع: الإسلام في مواجهة القومية، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: مثلما تكونون يولى عليكم، وجدوى الإخوان في سوريا، والوقوف لجانب الإخوان في الأردن، وتحالف سري في إندونيسيا (16). الفصل الخامس: رسالة الإسلام العالمية، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: الرسالة ومناصروها البريطانيون، المذبحة الإندونيسية، وتصفية الحساب في الشرق الأوسط (17) . الفصل السادس: أسلحة تحت الطلب في الأردن ومصر، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: على الجانب نفسه مثل الإخوان مرة ثانية، وأسلمة مصر(18). الفصل السابع: السعوديون والثورة الإيراني، حيث يعرض الكتاب لموضوعات مثل:العصر الجديد السعيد، وتعهد آية الله (19). الفصل الثامن: التدرب على الإرهاب: الجهاد الإسلامي، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: جهاد إسلامي واحد، اثنان، ثلاثة، وتنظيم الجهاد، والعمل السري البريطاني، وتصفية الحساب (20). الفصل التاسع: الدكتاتور والملك وآية الله، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: الدكتاتور: الإرهاب سياسة للدولة، الملك: السير في ركاب السعوديين، وتسليح آية الله (21). الفصل العاشر: احتضان القاعدة، حيث يعرض الفصل لموضوعات مثل: قاعدة بن لادن في لندن (22). الفصل الحادي عشر: موجة باكستان العارمة تجتاح آسيا الوسطى، وكشمير ورد الفعل البريطاني، انقلابات بريطانية للغاية، وتقديم المساعدة لطالبان (23). الفصل الثاني عشر: حرب خفية في البوسنة، حيث يعرض الكتاب لموضوعات مثل: الجهاد في أوروبا (24). الفصل الثالث عشر: قتل القذافي والإطاحة بصدام (25). الفصل الرابع عشر: مؤامرات في جنوب البلقان (26). الفصل الخامس عشر: قرائن 11 سبتمبر (27). الفصل السادس عشر: لندنستان: "ضوء أخضر للإرهاب" (28). الفصل السابع عشر: 7 يوليو ومحور لندن إسلام أباد (29). الفصل الثامن عشر: مواجهة الشرق الأوسط الجديد. الفصل التاسع عشر: التحالف مع العدو: العراق وأفغانستان (29).

3- القضايا المهمة في الكتاب:

كما ذكرنا من قبل أن العلاقة التاريخية بين الإخوان ولندن، تكشفها الوثائق، الموجودة بكتاب إنجليزي يحمل اسم "العلاقات السرية" للكاتب مارك كورتيس وقد صدر فى 2010، حيث أشار إلى وجود صلات قوية بين الإنجليز، والجماعة منذ النصف الأول من القرن الماضي، ويتحدث من خلال وثائق بريطانية رفعت عنها السرية مؤخرا، حول توطيد العلاقات من خلال التمويل والتخطيط لإفشال المنطقة العربية والإسلامية.

وبدأ " كورتيس " توثيق العلاقة بداية من الحرب العالمية الثانية، حيث قال: شهدت جماعة الإخوان المسلمين نموا ملحوظا بقيادة حسن البنا، والذى يسعى لتأسيس مجتمع إسلامي ليس في مصر فقط، ولكن في كل أقطار الدول العربية؛ ولذلك أنشأ العديد من الفروع لجماعته، في كل من السودان والأردن وسوريا وفلسطين وشمال إفريقيا، وذلك بهدف إقامة دولة إسلامية تحت شعار "القرآن دستورنا"، التزم الإخوان بالتقيد الصارم لتعاليم الإسلام، وقدمت نفسها للمجتمعات الأوروبية على أنها بديلا للحركات الدينية وحركات القومية العلمانية والأحزاب الشيوعية في مصر والشرق الأوسط، وذلك لجذب انتباه كل من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة، وهما القوتان الموجودتان على الساحة في تلك الفترة (30).

وأضاف "كورتيس": "كانت بريطانيا تعتبر مصر بمثابة محورا مهما لها فى الشرق الأوسط، وذلك منذ إعلان الحماية البريطانية على مصر في بداية الحرب العالمية الأولى، لتهيمن الشركات البريطانية في الفترة بين الحرب العالمية الأولى والثانية، على الاستثمار الأجنبي والحياة التجارية في مصر، في حين كانت أكبر قاعدة عسكرية للقوات البريطانية موجودة في قناة السويس، زادت التحديات للوجود البريطاني في مصر بتزايد الحركات القومية والدينية، في حين كان الملك فاروق حليفا للندن، الذى تولى العرش في عام 1936 (31).

وفى عام 1936 دعا الإخوان للجهاد ضد اليهود في فلسطين، وأرسلوا متطوعين هناك بعد مطالبة المفتي بالجهاد هناك، اعتبرت جماعةُ الإخوان بريطانيا دولةً ظالمةً، ودعت لمقاومة الاحتلال البريطاني في تلك الفترة، والذى تنامى خاصة بعد تمرد فلسطين خلال السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، في بداية الأمر انتهجت بريطانيا استراتيجية قمعية ضد الإخوان، خاصة بعد تحالفها مع القوى السياسية الأخرى، ولكن فى الأربعينيات ومع مهادنة حكومة فاروق لحسن البنا، بدأت بريطانيا في تمويل جماعة الإخوان منذ عام 1940، حيث رأى فاروق أنه من المفيد التحالف مع قوى سياسية أخرى، ضد الأحزاب السياسية العلمانية والتى كان يمثلها حزب الوفد، ويشير تقرير للمخابرات البريطانية عام 1942، حيث قرر القصر الملكى أن جماعة الإخوان جماعة مفيدة لهم، ومن هنا بدأت رعاية القصر الملكى لهم، وحتى يومنا هذا تم رعاية العديد من المجتمعات الإسلامية فى مصر من قبل الحكومة البريطانية، لمعارضة خصوم له أو لتعزيز مصالحهم (32).

وبحسب مارك كورتيس مؤلف كتاب "العلاقات السرية" فقد مولت بريطانيا جماعة "الإخوان المسلمين" فى مصر سرا، من أجل إسقاط نظام حكم الرئيس السابق جمال عبدالناصر، التمويل الذى بدأ عام 1942 استمر بعد وفاة عبدالناصر، رغم استخدام الرئيس الراحل أنور السادات الجماعة لتدعيم حكمه وتقويض تواجد اليسار والناصريين فى الشارع المصرى، واستمرت بريطانيا فى اعتبار الجماعة «سلاحاً يمكن استخدامه»، وفى الخمسينيات- وفقا للكتاب نفسه- تآمرت بريطانيا مع الجماعة لاغتيال عبدالناصر، وكذلك الإطاحة بالحكومات القومية فى سوريا (33).

ويؤكد مارك كورتيس أنه فى عهد الزعيم الراحل جماعة عبد الناصر، اعتبرت بريطانيا الجماعة بمثابة المعارضة لهذا النظام، التى يمكن استخدامها لتقويضه، وعقد مسئولون اجتماعات مع قادة الجماعة كأداة ضد النظام الحاكم فى مفاوضات الجلاء، وخلال العدوان الثلاثى عام 1956، أجرت بريطانيا اتصالات سرية مع الإخوان، وعدد من الشخصيات الدينية كجزء من خططها للإطاحة بعبدالناصر، أو اغتياله، وكان اعتقاد المسئولين البريطانيين فى ذلك الوقت يركز على احتمالية تشكيل الإخوان الحكومة الجديدة بعد الإطاحة بعبدالناصر على أيدى البريطانيين، وفى مارس 1957، كتب تريفور إيفانز، المسؤول فى السفارة البريطانية، الذى قاد اتصالات سابقة مع «الإخوان» قائلا: إن اختفاء نظام عبدالناصر ينبغى أن يكون هدفنا الرئيسى (34).

وقال مارك كورتيس: "هدف بريطانيا من وراء دعم المنظمات الإسلامية فى ذلك الوقت هو التصدى للتيار القومى، الذى اكتسب شعبية كبيرة، والحفاظ على الانقسامات فى منطقة الشرق الأوسط، وجعلها تحت سيطرة سياسات منفصلة، لضمان عدم وجود قوة فاعلة وحيدة فى الشرق الأوسط تسيطر على المنطقة- وهو ما كان يسعى عبدالناصر لتحقيقه ويدعمه فيه المؤيدون للقومية العربية، التى كانت التهديد الأبرز لمصالح بريطانيا، خاصة النفطية، خلال عقدى الخمسينيات والستينيات (35).

ومن هذا المنطلق يقول مارك كورتيس إنه يستند إلى الوثائق الرسمية البريطانية التي رفعت عنها السرية، خاصة وثائق الخارجية والمخابرات، والتي يرى الكاتب أنها "تفضح" تآمر الحكومة البريطانية مع المتطرفين والإرهابين، دولاً وجماعات وأفراداً، في أفغانستان وإيران والعراق والسعودية وليبيا وسوريا ومصر والبلقان وبلدان رابطة الدول المستقلة حديثاً، وحتى في نيجيريا التي تآمرت بريطانيا على خلافة صكتو فيها في أوائل القرن العشرين؛ وذلك لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية. ويوضح المؤلف كم كانت بريطانيا ماهرة وماكرة في التلاعب بكل الأطراف، وأن أكثر من استغلتهم ثم نبذتهم عندما لم يعد لهم جدوى وانتفى الغرض منهم، هم "المتأسلمون" كما يصفهم الكاتب، بدءاً من الإخوان المسلمين، للسعودية، لبن لادن، والشيع الأفغانية، للفرق الإندونيسية. ويعرض الكتاب أن المصلحة الخاصة كانت من الأساس في سياسة بريطانيا الخارجية، وأن المبادئ والقيم ليس لها مكان فيها، وأنها استندت في ذلك إلى سياسة "فَرِّق تَسُد"، وتقلبت في التعامل مع كل الأطراف المتضاربة، فبعد أن مولت طالبان وسلحتها انقلبت عليها، وساندت حيدر علييف الشيوعي السابق، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي ومن رؤساء الـ"كي جي بي" والذي أباد خصومة بوحشية، ضد معارضيه، وبعد أن تآمرت مع الولايات المتحدة لإعادة الشاه لعرشه في 1953م بتدبير انقلاب على القائد الوطني محمد مصدق، رفضت طلبه للجوء إليها بعد إطاحة الخميني، وكان وزراؤها صادقين في اعترافهم بأن هذه هي سياسة بلادهم عندما قال أحدهم: إن هذا عمل لا يتسم بالشرف لكنها حسابات المصالح، وبعد عداء مرير لعدم الانحياز قالت مارجريت تاتشر وهي سياسية بريطانية، وهي المرأة الوحيدة التي شغلت منصب رئيسة وزراء في تاريخ بريطانيا العظمى: إن أفغانستان بلد من بلدان حركة عدم الانحياز العظيمة! وبعد إدانتها للمتمردين عادت لتقول: إن كلمة المتمردين خاطئة، وإنهم مقاتلون في سبيل التحرير، وبعد رفض الإسلام، رجعت لتقول إنه بديل جيد للماركسية، وإن الحكم الديني الإسلامي مَصدٌّ للسوفيت (36).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..............................

الهوامش

8- مارك كورتيس: التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين، ص 33 وما بعدها.

9- المصدر نفسه، ص43 وما بعدها.

10- د. جبريل العبيدي: بريطانيا ومتلازمة {الإخوان}، الشرق الأوسط، نشر يوم الثلاثاء - 8 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 26 ديسمبر 2017 مـ رقم العدد [14273].

11- مارك كورتيس: المصدر نفسه، ص 56 وما بعدها.

12- المصدر نفسه، ص 67 وما بعدها.

13- المصدر نفسه، من ص 33-65.

14- المصدر نفسه، من ص 65- 89.

15- المصدر نفسه، من ص 115-136.

16- المصدر نفسه، من ص 137-158.

17- المصدر نفسه، من ص 159-174.

18- المصدر نفسه، من ص 175-198.

19- المصدر نفسه، من ص 199-224.

20- المصدر نفسه، من ص 225-252.

21- المصدر نفسه، من ص 253-274.

22- المصدر نفسه، من ص 275-298.

23- المصدر نفسه، من ص 299-320.

24- المصدر نفسه، من ص 321-340.

25- المصدر نفسه، من ص 341-356.

26- المصدر نفسه، من ص 357-367.

27- المصدر نفسه، من ص 367-394.

28- المصدر نفسه، من ص 395-419.

29- المصدر نفسه، من ص 419-453.

30- المصدر نفسه، ص 23.

31- المصدر نفسه، ص 38.

32- المصدر نفسه، ص 42.

33- المصدر نفسه، ص 56.

34- المصدر نفسه، ص 59.

35- المصدر نفسه، ص 69.

36- المصدر نفسه، ص 70.

 

 

محمود محمد علي1- تقديم: إن الدول الكبرى التي تسعى لبسط هيمنتها على أجزاء كبيرة من العالم عادةً ما تلجأ إلى تدعيم علاقاتها ببعض الجماعات المحلية التي تساعدها في تنفيذ سياساتها في هذه المنطقة، فقد فعلتها فرنسا وبريطانيا بتدعيم صلتها ببعض الجماعات الإثنية في مستعمراتهما الخارجية في آسيا وأفريقيا وذلك رغبة منهما في إيجاد نخبة معينة تساعدهما لتحقيق مصالحهما في هذا الإقليم أو ذاك، وفي القرن العشرين برزت هذه الظاهرة بوضوح؛ ففي الحرب العالمية الثانية حاول الألمان استخدام المسلمين في الاتحاد السوفييتي وآسيا الوسطى وتكوين طابور خامس لمواجهة السوفييت.

وبعد ذلك أثناء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي برز هذا الاستخدام السياسي للعديد من الجماعات المناوئة لأيديولوجية الآخر، فنجد دعم المعسكر الغربي للإسلاميين في المنطقة العربية لضرب المشروع الناصري القومي، ونجد دعم السوفييت للأحزاب الإشتراكية والشيوعية والعسكريين لضرب المشروع الرأسمالي في العديد من الدول،  وإن علاقة بريطانيا بالجماعات الأصولية بدأت في هذا السياق، وهي بإيجاد حليف استراتيجي لها في بعض المناطق لتنفيذ سياساتها التوسعية، وهي علاقات ممتدة ووثيقة الصلة منذ بدأت بريطانيا مشروعها الاستعماري لتصبح بريطانيا العظمى "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، وإن الحديث عن هذه العلاقات ليس كلامًا مرسلًا، وإنما هناك من الأدلة والوثائق التي تؤكد على استخدام بريطانيا للجماعات والحركات الأصولية الإسلامية، سواء لمواجهة نفوذ روسيا القيصرية في آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر، أو لتفتيت السلطنة العثمانية إبان الحرب العالمية الأولي (1).

ومنذ التأسيس، ظلت جماعة الإخوان المسلمين محل جدلٍ كبير، بدايةً باللحظة التي ظهرت فيها إلى العلن وحتى اليوم، وهي تملك تنظيماً دولياً، يستمد وجوده من ولائه لقيادات الجماعة أينما حل، ويعمل بسريّة تحت الأرض أحياناً، بينما يحاول صقل صورته الخارجية، عن طريق مؤسساتٍ وجمعياتٍ ذات طابع ديني في المجتمع؛ ويكثر الحديث، عن الجماعة وعلاقتها ببريطانيا تحديداً، التي كانت ذات يومٍ إمبراطوريةً لا تغيب عنها الشمس، من مصلحتها عقد التحالفاتِ مع الدول والجماعات آنذاك، من أجل الحفاظ على مصالحها الاستعمارية، من باب أنّ الوحش الذي تخلقه، أفضل من الذي يأتي من حيث لا تدري  (2)

يقول د. عمار علي حسن:" انتظر كثيرون طويلًا حتى يتمَ الإفراج عن وثائق رسمية بريطانية سرية كي يقفوا على طبيعة العلاقة بين لندن وجماعات وتنظيمات إسلامية متطرفة في ربوع العالم الإسلامي، الذي وقع تحت احتلال الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، بدءًا من نيجيريا غربًا وحتى الهند شرقا"(3).

وفي الوقتِ الذي كانت فيه جماعة “الإخوان المسلمين” تقترب من الوصول إلى سدّة الحكم في مصر، صدر كتاب مارك كورتيس، حيث رأى النور عام 2010، ثم تُرجم في مصر، ونُشر بعد أسابيع قليلة من بدء حكم الإخواني محمد مرسي؛ وإذا عرفنا شيئًا عن كورتيس والطريقة التي ألف بها كتابه، سنقف على مدى مصداقية ما ورد فيه من معلومات وتحليلات أيضًا. فالمؤلف صحفي وكاتب، عمل باحثًا في المعهد الملكي للشؤون الدولية، ومديرًا لحركة التنمية الدولية، ورئيسًا لقسم السياسة في مؤسسة المعونة المسيحية (4).

يذكر التاريخ ارتباط بريطانيا بتنظيم حسن البنا، الأمر الذي لا يمكن أن ينكره شخص ولد بعد ظهور العلاقة السرية بين التنظيم والاستخبارات البريطانية، منذ أن أسس حسن البنا التنظيم في مصر في مارس (آذار) عام 1928 في الإسماعيلية بتمويل بريطاني بلغ 500 جنيه، وحينها كان الجنيه يساوي 7.5 غرام ذهب، مما يعني أن المبلغ يساوي قرابة مليوني جنيه، بل ومشاركة في التأسيس والدعم باعتراف البنا نفسه؛ وقد تشابك العلاقة بين حسن البنا مؤسس تنظيم الإخوان والسفير البريطاني في القاهرة لم تكن خفية، وتلقيه المال منه كان معلوماً، كما كشفت الوثائق في كتاب "العلاقات السرية" للكاتب مارك كيرتس، حيث أشار إلى وجود صلات قوية بين الإنجليز والجماعة منذ النصف الأول من القرن الماضي؛  ومارك كورتيس من مواليد يوم 1 يناير 1959 فى ميلواكى, ويسكنسن، وقد درس فى جامعة ماركيت وجامعة فلوريدا و Saint Mary's College of California.

والكتاب من خلال هذا الكتاب كشفت عن وثائق سرية تثبت  أن بريطانيا استغلت شعبية وتأثير جماعة الإخوان المسلمين لشن حروب نفسية ودعائية سرية على أعدائها، من أمثال، الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، خلال العقد السابع من القرن الماضي؛ وحسب الوثائق كما يري المؤلف، فقد روجت بريطانيا منشورات تحمل زورا اسم الجماعة تهاجم فيها بقسوة سلوك الجيش المصري خلال وجوده في اليمن، الذي كان ساحة للصراع بين نظام عبد الناصر الجمهوري الجديد من جانب، والسعودية وبريطانيا الاستعمارية من جانب آخر، وقد اطلع المؤلف من خلال هذا الكتاب على الوثائق، التي صُنف بعضها على أنه "بالغ السرية"، بعد استجابة الخارجية البريطانية، لطلب الإفراج عنها وفق قانون حرية المعلومات.

2- عرض موضوعات الكتاب:

التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين (بالإنجليزية: Secret Affairs Britain's Collusion with Radical Islam)‏ هو كتاب من تأليف الكاتب الصحفي والمؤرخ البريطاني مارك كورتيس، صدر باللغة الإنجليزية عام 2010م، وصدرت ترجمته للمرة الأولى عام 2012م عن المركز القومي للترجمة وقام بنقله إلى العربية كمال السيد.

وقبل أن أتطرق للحديث عن أقسام الكتاب، أود أن مارك كورتيس:  لماذا اختار لكتابه عنوان " التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين" "، ولم يختار له اسم " وثائق سرية تتعلق بعلاقة بريطانيا بالإسلاميين"، أو " علاقة بريطانيا العظمي بجماعة الإخوان المسلمين"، أو " مدخل تاريخي للصلات التاريخية بين بريطانيا وجماعة حسن البنا" ...الخ.

وهنا يجيبنا مارك كورتيس ضمن ملاحظة سجلها في المقدمة، فقال:" فالقصة الأكثر أهمية التي يسعي الكتاب إلى روايتها، هي أن الحكومات البريطانية، من العمال والمحافظين على حد سواء في سعيها لتحقيق ما يسمي " المصلحة الوطنية " في الخارج، تواطأت عقودا طويلة مع القوى الإسلامية المتطرفة، بما في ذلك التنظيمات الإرهابية، فقد تسترت عليها، وعملت إلى جانبها أحيانا، وأحيانا دربتها ومولتها، بغية الترويج لأهداف محددة للسياسة الخارجية . وغالبا ما فعلت الحكومات ذلك في محاولات يائسة للحفاظ على قوة بريطانيا العالمية التي عانت من أوجه ضعف متزايدة في مناطق أساسية من العالم، نظرا لعجزها عن أن تفرض إرادتها من جانب واحد وافتقارها لحلفاء آخرين . ومن فالقصة ترتبط في الصميم بقصة انهيار الإمبراطورية البريطانية ومحاولة الإبقاء على نفوذها في العالم (5) .

وعلى هذا فالكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية عن العلاقات الظاهرية بين الإنجليز والإسلاميين، بقدر ما هي مكاشفات نقدية من قبل المؤلف في الجوانب الخفية من العلاقات بين الغرب البريطاني وجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك يعد الكتاب مراجعة لمئات المصادر والمراجع.

يقع الكتاب في 578 صفحة من الحجم الكبير،  وقد جاء الكتاب كما يقول المؤلف في سياق منهج البحث التاريخي، والذي يعول كما يقول المؤلف علي أن الكتاب يستند للوثائق الرسمية التي رفعت عنها سرية خاصة وثائق الخارجية والمخابرات، ليفصح تآمر الحكومة البريطانية مع المتطرفين والإرهابيين، دولاً وجماعات وأفراداً، في أفغانستان، وإيران، والعراق، وليبيا، والبلقان، وسوريا، وإندونسيا، ومصر، وبلدان رابطة الدول المستقلة حديثا، بل حتى في نيجيريا التي تآمرت بريطانيا على خلافة سوكوتو فيها في أوائل القرن العشرين مع متأسلمين هناك، وذلك لتحقيق مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية (6).

والكتاب يعد ثمرة لبحوث استمرت شهورًا كثيرة تم خلالها التنقيب في المحفوظات الوطنية بلندن، وفحص الملفات البريطانية التي رفعت عنها السرية، والخاصة بجهاز المخابرات، ووزارة الخارجية، تجاه العالم الإسلامي. أما الدافع الرئيسي لقدومه على البحث في هذا الاتجاه، ووضع نتائج بحثه بين دفتي كتاب، فينبع من الخوف الذي انتابه بعد تفجير قنابل بلندن في شهر يوليو من عام 2005، مما أدى إلى قتل اثنين وخمسين، وجرح ما يربو على سبعمائة شخص، وهو الحدث الذي أثار صدمة البريطانيين وهم يسمعون من يقول لهم: "من أعمالكم سلط عليكم” أو ينصتون إلى حديث شخصيات عسكرية بريطانية بارزة عن “تهديد التطرف الإسلامي"، و"حرب الثلاثين عامًا الخاصة بنا"(7).

 

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

الهوامش

1- حامد المسلمي: علاقة بريطانيا بالإخوان.. تاريخ من المصالح المشبوهة والدعم المريب، نشر بتاريخ  الإثنين 13/أغسطس/2018 -  06:17 م.

2-  عاطف الخالدي: إخوان بريطانيا: إمبراطورية الظل، حفريات، نشر بتاريخ 10/04/2018.

3-  د. عمار علي حسن: “لندنستان”.. قراءة في وثائق رسمية بريطانية سرية حولل خفايا علاقة بريطانيا بالتطرف الإسلامي، نشر بتاريخ 8 أبريل 2020.

4- المرجع نفسه.

5-  مارك كورتيس: التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين، ترجمة كمال السيد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012، ص 21.

6-  المصدر نفسه، ص 9.

7-  المصدر نفسه، ص 12- 13.

 

قاسم المحبشيلما كان قدرنا أن نكون شاهدين على هذا العصر ومنفعلين بما يحدث فيه من تغييرات وأحداث ومشكلات، فمن الأجدر بنا أن نفهم ما يدور حولنا ونتعرف طبيعة المنطلقات الفلسفية والمساراتالعامة التي توجه دفة قيادة التاريخ العالمي في عالمنا المعاصر، والفلسفة هي النافذة التي نطلمنها لتعرّف حقيقة عصرنا ومشكلاته ذلك لأنها روح عصرها ملخصاً بالفكر، ولا مندوحة لنا نحنالقاطنين في هذا المكان المتوسط من الأرض من الفهم العميق للروح الفلسفية العامة التي تكمنخلف كل تلك المظاهر والأحداث والملامح التي تشكل وجه عالمنا الجديد، وتشكل وجهنا في نسيجهذا العالم الخارج عن نطاق سيطرتنا، والخاضع لديناميات قوى عالمية غربية وشرقية وإراداتفاعلة أخرى، قابضة على نواصي التاريخ والحضارة والمدنية والثقافة.

ولما كانت الفلسفة حواراً بين الفكر والواقع، بين الإنسان وعصره، بين الشعوب والحضارات، حواراً يجدد الدهشة ويثير التأمل ويفتح الآفاق ويضيء السبل والممكنات لفهم المشكلات وحل الأزمات،فإن حاجتنا ماسة لمثل هذا الحوار الثقافي الذي يعين البشر على تحديد الأسئلة الجوهريةوالبحث عن الإجابات المناسبة والممكنة عنها، ولاسيما بعد أن صرنا اليوم دون أجوبة لأن الأسئلةالتي طرحناها لم تكن مطابقة للواقع، لذا جاءت أجوبتها مخيبة للآمال. فما أحوجنا لفهم شيءعن عصرنا وطبيعة مشكلاته وحقيقة فلسفاته، كي نتمكن من التعاطي معه على أسس عقلانيةواقعية نقدية.

من هذه الحاجة للفهم والمعرفة حاولت هذه الدراسة أن تقدم رؤية نقدية إجمالية لأبرز الاتجاهاتالفلسفية التاريخية في الفكر الغربي المعاصر، مع التركيز في البحث والتحليل على فلسفةالتاريخ والحضارة عند أرنولد توينبي، بعده أبرز فلاسفة التاريخ المعاصرين في سياق دراسةنقدية مقارنة مع أهم فلاسفة التاريخ الآخرين.

إن هذه الدراسة تنطوي على أهمية مزدوجة، فهي من جهة تحاول أن تقدم صورة إجمالية عنالمشهد الفلسفي في النصف الأول من القرن العشرين، وتميط اللثام عن طبيعة تلك التحدياتوالمشكلات والأسئلة التي تصدى لها فلاسفة التاريخ الغربيون وحاولوا تفسيرها من زوايا نظرفلسفية منهجية مختلفة ومتصارعة، وهي من جهة أخرى، دراسة منهجية لتفسير التاريخوالحضارة عند توينبي إذ إنه، على شهرته الواسعة، لم يُعْطَ حقه من الدراسة والبحث والتقييموالنقد الذي يستحقه. فضلاً عن أنها تكسبنا الخبرة الأكاديمية النظرية والمنهجية في النظر إلىتاريخنا الخاص ودراسته دراسة فلسفية نقدية عقلانية، ولاسيما نحن ما نزال نعيش تحت العبء الثقيل للتاريخ الذي لم نتمكن من فض بنيته وسبر كنهه واكتشاف حقائقه ودينامياته المتخفية،فما زال تاريخنا العربي الإسلامي أشبه بالوثن الكبير الذي ينيخ على صدورنا.

ولا تكمن أهمية فلسفة التاريخ في ذاتها، فهي لا تقدم معرفةً عن الماضي، بل أن قيمها الحقيقية تكمن فيما تقوم به من دور في الحاضر، حاضر وعي من ينتمون إلى التاريخ الذي تفلسفه، وربماكان عدم تمكننا إلى اليوم من فلسفة تاريخنا، أعني كتابته كتابة تعطيه معنى بإزاء الحاضر، هيأحد أسباب عجزنا عن فهم حاضرنا والتخطيط السليم لمستقبلنا.

وكل فلسفة للتاريخ لا يمكن لها أن تقوم إلا بالاستناد على أساس من الفهم الواضح والمتميز لمعنىالإنسان ومكانته وقيمته ودوره في العالم والتاريخ، فالإنسان هو المحور الجوهري الذي انطلقتمنه كل فلسفات التاريخ الحديثة والمعاصرة. وفي سياق دراستنا فلسفة التاريخ في الفكر الغربيالمعاصر، كان علينا أن نواجه حشداً هائلاً من النظريات والتصورات والآراء والمواقف المتباينةوالمتعارضة حول التاريخ ومعناه وقواه، وحول المعرفة التاريخية ومناهجها، وحول الحضاراتوتطورها وانحلالها. وقد وجدنا أنه وبالرغم من الأساس المشترك الذي تنطلق منه جميع فلسفاتالتاريخ الحديثة والمعاصرة الذي هو الإنسان وتميزه وقدراته، ظلّ الصراع بينها سجالاً، إذ حاولكلٌّ منها الادعاء بامتلاك الحقيقة والحق، وكلٌّ منها تستخدم المنطق نفسه في تسويغ حججهاوتقوية موقفها وحماية موقعها، غير أن صراع فلسفات التاريخ في الفكر الحديث والمعاصر، لميكن في حقيقة أمره صراعاً أكاديمياً ثقافياً منهجياً في تفسير التاريخ ومعرفته، بل كان صراعاً منأجل السيطرة على التاريخ وتوجيهه والفوز بخيراتهُ، وهذه هي طبيعة التاريخ من حيث هوصراع وتغالب وتنافس وتداول للأيام والدول. قال تعالى: "وتلك الأيام نداولها بين الناس" وعلىالرغم من اختلاف السياق الثقافي الغربي عن سياقنا العربي وما ينجم عن ذلك من صعوبة الفهمالعميق للنصوص والمفاهيم ومقاصدها، بذلنا قصارى جهدنا في تتبع الأفكار في منابتهاالأصلية وسياقاته التاريخية الحية، بما توافر لدينا من مصادر ومراجع عربية وأجنبية، وذلك منوجهة نظر منهجية نقدية تحليلية تاريخية مقارنة.

وهذا الكتاب هو بالأساس أطروحتي في برنامج الدكتوراه بقسم الفلسفة في جامعة بغدادانجزتها بإشراف الأستاذ الراحل مدني صالح وناقشتها لجنة علمية مكونة من الأساتذة الأعزاء وهم: الأستاذ الدكتور حسام الدين الاوسي رئيس لجنة المناقشة والأستاذ مدني صالح مشرفا علميا الأستاذ الدكتور ناجي حسين عودة رئيس قسم الفلسفة في جامعة المستنصرية عضو لجنة المناقشة والأستاذة الدكتورة أفراح لطفي عبدالله الشيخلي استاذ فلسفة العلوم بجامعة بغداد عضوا والأستاذ عبدالامير سعد الشمري استاذ الفلسفة في جامعة المستنصرية مناقشا خارجيا والأستاذ الدكتور سعد خميس الحديثي استاذ الفلسفة بجامعة بغداد عضوا وذلك في ديسمبر ٢٠٠٤م بكلية الآداب جامعة بغداد باب المعظم قاعة ابن خلدون. ومنذ ذلك الحين جرت مياه كثيرة وشهدت المنطقة العربية والعالم احداثوتحولات تاريخية خطيرة وكانت فلسفة التاريخ ترشدني لرؤية الأحداث بعيون

مختلفة عما كنت أراها من قبل إذ زرت عدد من البلدان التاريخية منها: مصر والسودان والجزائروالمغرب العربي وكتبت عن ابن خلدون وفلسفته في التاريخ وكتبت عن اوفين توفلر وحضارةالموجة الثالثة وقرأت الكثير من كتب فلسفة التاريخ منها كتاب البحر والتاريخ فشعرت بأهميةإعادة طباعة كتاب فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر في ضوء ما اكتسبته وفهمته منمعرفة جديدة.

 وحينما تكون في أرض الكنانة تكون في قلب التاريخ والحضارة ثمة أشياء واشياء خفية تشدنيإلى مواطن الحضارات النهرية واولها الحضارة المصرية الراسخة في أعماق التاريخ، وحضارةبلاد الرافدين والكنعانيين، وحضارات الهند والصين واليونان وروما. ربما كان ذلك الانشداد الآسرللحضارات النهرية الخالدة بحافز تخصصي في فلسفة التاريخ والحضارة ودوافع كثيرة أخرى لاأعلمها.

هنا في أم الدنيا سنحت لي الفرصة لإعادة النظر في كتاب فلسفة التاريخ وتنقيحه وتطعيمهبافكار جديدة واعدت طباعته في جزئين؛ الجزء الأول بعنوان فلسفة التاريخ الغربي من هيرودوتإلى شبنجلر والجزء الثاني من توينبي إلى اولفين توفلر. اشتملت الجزء الأول على فصلين بعدالتمهيد . توقفنا في التمهيد عند أهم المفاهيم التي تتصل بهذه الدراسة: التاريخ والحضارةالمدنية والثقافة وعقدنا الفصل الأول لتتبع المسار التاريخي لنشوء فلسفة التاريخ وتطورها فيالأدب الأسطوري القديم وفي الفكر الفلسفي اليوناني، وفي اللاهوت اليهودي المسيحي الوسيط،وتفسير التاريخ عند ابن خلدون ونقده أوهام المؤرخين . ثم انتقلنا للبحث في البدايات الأولىلفلسفة التاريخ الحديثة في عصر النهضة الأوربية وفي عصر التنوير وفي القرن التاسع عشر، إذلاحظنا أنه يصعب فهم فلسفة التاريخ عند آرنولد توينبي دون العودة إلى تاريخ فلسفة التاريخكله، ذلك أن توينبي قد أنشأ فلسفته في التاريخ والحضارة بالاعتماد على كل التراث التاريخيالماضي.

وخصصنا الفصل الثاني للحديث عن فلسفة التاريخ والحضارة في القرن العشرين، محاولينبيان العلاقة بين الأحداث والمتغيرات الكبيرة التي شهدها القرن وتجلياتها على صعيد الفكرالفلسفي التاريخي، وفي عدد من الاتجاهات الفلسفية، الاتجاه المادي الماركسي، الاتجاه الحيويالنيتشوي، والاتجاه الوضعي التجريبي، والاتجاه البرجماتي الذرائعي، وعرضنا لموقف توينبيمن كل هذه الاتجاهات.

وفي الجزء الثاني بعنوان فلسفة التاريخ الغربي المعاصر من توينبي إلى اولفين توفلر  تناولناالخطوط العامة لفلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، وتوقفنا في البدء عند حياة توينبيوالإمبراطورية البريطانية، وتتبعنا المسارات التي اتخذتها حياة توينبي منذ الميلاد والنشأةوالتربية والتعليم والانخراط بالعمل الجامعي، وتطوره الفكري ونشاطاته الأكاديمية والسياسيةواهتمامه بالقضايا العامة، وذكرنا أهم أعماله. وتحدثنا عن موقف توينبي بين التاريخ والفلسفة،ثم بينا الاتجاهات العامة في فلسفة توينبي في التاريخ والحضارة.

وعقدنا الفصل الرابع للبحث في تفسير توينبي للتاريخ والحضارة بعنوان التحدي والاستجابةوالتعاقب الدوري للحضارات أوضحنا فيه معنى التحدي والاستجابة الذي اشتهر به توينبيوكيف أن توينبي فسر نشوء ونمو الحضارات وازدهارها, وانهيارها, بالاعتماد على فكرة التحديوالاستجابة، وتتبعنا معالجة توينبي مشكلة نشوء الحضارة من المجتمع البدائي، ونقده نظرياتالعرق والبيئة في تفسير ظاهرة الحضارة، ثم عرضنا لرأي توينبي في تعاقب الحضارات علىشكل دوري في ثلاثة أجيال وعوامل نمو الحضارات وأسباب انهيارها، وتوقفنا عند تفسيرتوينبي للحضارة الغربية ومستقبلها، ورأيه في الصدام الحضاري بين العالم والغرب، وموقفتوينبي من أمريكا ودورها في العالم المعاصر، ورؤية توينبي الليبرالية لخلاص الحضارةالأوروأمريكية ودعوته لقيام الدولة العالمية التي تستوعب كل الشعوب والديانات.

أما الفصل الخامس والأخير، فقد خصصناه لبحث تفسير توينبي للحضارة العربية الإسلامية،وتناولنا في البدء علاقة توينبي بالاستشراق واعتماده على الدراسات الاستشراقية ومسوغاتاهتمامه بالحضارات الشرقية والحضارة الإسلامية على وجه التحديد، ثم درسنا تفسير توينبيالاستشراقي للحضارة العربية الإسلامية وكشفنا عن جملة من الاضطرابات والتناقضات التيوقع فيها توينبي في دراسته الدين الإسلامي ومكانة الرسول محمد r في تبليغ الرسالة، ودورالعنصر العربي في تأسيس الدولة الإسلامية، ثم تناولنا بالدرس والتحليل موقف توينبي منفلسطين وإسرائيل في ثلاثة مستويات، تاريخي فلسفي أيديولوجي، وأشرنا إلى ردود الأفعالالتي أثارتها آراؤه النقدية في اليهود والتعصب الإسرائيلي واحتلال إسرائيل فلسطين، وأوضحناموقف الفكر العربي من توينبي، وكيف أن هذا الموقف غلب عليه الجانب الانفعالي الاحتفاليوغاب عنه الأفق الأكاديمي النقدي.

و عرضنا في الختام أرث توينبي وأثره في الثقافة المعاصرة، مبينين أهم الأفكار التي خلفهاتوينبي في تاريخ الفكر الإنساني، وأبرز الدارسين الذين استلهموا توينبي في دراستهم التاريخوالحضارة واستخلصنا أهم النتائج التي توصلنا إليها.

وهنا اضفنا مبحثا عن فلسفة التاريخ الأمريكية كما عرضها أوفين توفلر في كتبه ومنها كتاب " صدمة المستقبل"وكتاب ( خرائط المســتقبل) 1975م، وكتاب ( الموجة الثالــثة ) 1980م، وكتـــاب (تحول السلطة ) ( المعرفة والثروة والعنف ) في بداية القرن الواحد والعشرين) 1985م، وكتاب " بناء حضارة جديدة" 1994م، وغير ذلك من الكتب والمقالات والدراسات الأخرى.

وفي ختام هذه المقدمة يمكن القول أن ما تقدمه الفلسفة لمنتسبيها ليس حقائق جاهزة ولا معارفمكتسبة إنما هي فكرة بحث حر وحوار دائم ونقاش مستمر للأفكار والآراء والنظريات والمناهج،في سبيل التوافر على فهم أوضح ومهارة عقلية مستنيرة وبصيرة مثقفة، إذ إن وظيفة الفلسفةهي تعلم التفكير النقدي على نحو مختلف. وحسبي أنني قد حاولت ذلك في هذه الأطروحة التيبذلت في أعدادها قصارى جهدي ومنتهى طاقتي، وكل ما أتمناه ان أكون قد وفقت في عمل شيءنافع ومفيد، وان لا يكون جهدي قد ذهب سدى، فان وفقت إلى الصواب فهو بفضل الله ومنه وكرمه،وان كانت الأخرى فحسبي أنني طالب علم يخطئ ويصيب، وليس الكمال الا لله وحده سبحانهوتعالى.

 

وإذا كان الختام مسكا فالمسك هنا هو في تقديم

كتابنا بقلم الفيلسوف المصري المخضرم الأستاذ الدكتور مصطفى النشار الذي تفضل مشكورابقراءة الكتاب وتقديمه إذ كتب قائلا:

"إن علينا أن نكف عن تقديس الماضى ومحاولة احيائه لأن هذا مسار محكوم عليه بالفشل ، كما أنعلينا أن نكف عن الاكتفاء بالنظر إلى ماتحت أقدامنا متشبثين باللحظة الحاضرة لأن الأحداثالعالمية والقوى العالمية المحركة لها سرعان ماتدهس الحاضر وتتجاوزه محاولة تحقيق أهدافهاالخاصة فى السيادة والهيمنة وان لم نكن قادرين على قراءة ذلك والوعي به والاستعداد له سنكونمن بين ماتدهسهم الأقدام .. وكم يؤلمنى قول القائل أننا أمة لاتفكر فى المستقبل ولاتهتم به وغيرمستعدة له وليس لديها علماء مستقبليات ولاعلما للمستقبل..الخ!!

وليس أفضل من الرد على هذه المقولات المحبطة إلا هذا الكتاب الذي بين أيدينا وأمثاله ؛ فلقد بدأنانهتم منذ فترة ليست بالقليله بالمستقبليات عموما وبفلسفة التاريخ خصوصا وهى من الفروعالفلسفية المهتمة كما سبقت وأشرت بالتنبؤ بالمستقبل وتقديم الرؤى التنبؤية حول مساراتالتحولات التاريخية والحضارية .

إن هذا الكتاب الذى أسعد وأتشرف بتقديمه للقارئ العربي اليوم هو أحد تجليات هذا الاهتمامبالقراءة الشاملة للتاريخ وأحداثه ومساراته حيث يقدم لنا مؤلفه الدكتور قاسم المحبشى عرضاوافيا وشافيا لأهم ماقدمه فلاسفة التاريخ المحدثين والمعاصرين من رؤى ونظريات مفسرة للتاريخورؤى هؤلاء الفلاسفة التنبؤية بما يمكن أن يحدث فى المستقبل  من انهيار لحضارات وصعودأخرى.

وقد تميز هذا الكتاب الذي بين أيدينا بعدة مميزات لعل أهمها هو سلاسة أسلوبه فى العرضالذي يكشف عن مدى وعي وفهم د. قاسم لكل ماعرضه فهما أدى إلى ذلك العرض الشيق الجميلالذي تضافرت فيه المعلومات التاريخية التى تشكل خلفية النظريات الفلسفية المفسرة للتاريخوالخلفية الفكرية لأصحابها مع النظريات الفلسفية التى توقف عندها لدى فلاسفة التاريخالغربيين .

كما أن هذا العرض تميز لدى صاحبه حقيقة بغزارة المادة العلمية التى استند إليها ، ومن ثم فقدنجح فى المزج بين ماهو تاريخى وماهو فلسفي بشكل جذاب وممتع للقارئ فلا يكاد يشعر بالملللا من المعلومات والخلفيات التاريخية التى يقدمها ولا من النظريات الفلسفية التى آثر أن يتوقفعندها . "

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

ينخرط الباحث الجزائري محمد الطاهر حمازة في المشهد النقدي المعاصر من خلال تخصصه في مجال النقد وتحليل الخطاب، مما سمح له أن يصدر دراسات أهمها:  تعدد المنهج في مقاربة القرآن، أركون مجددا منتقدا، وكتاب تحليل الخطاب القرآني، دراسة نقدية للتطبيقات الغربية المعاصرة، وكتابه الإخير الصادر منذ أيام قليلة بعنوان: مفهوم النقد، دراسة في المنهج والإجراء 2022. كما نعثر له على جملة من المقالات المنشورة في مجلات محكمة.

ويحاول الباحث في كتابه الأخير "مفهوم النقد" أن يوسع من دائرة اشتغاله على الحدود المفاهمية للنقد، حيث لا يحصره في تخصص النقد الأدبي فحسب، بل نجده ينطلق في مناقشاته من وعي عبر تخصصي. فهو يتتبع هذا المفهوم في الدراسات العربية  أولا، بالعودة إلى الدراسات التراثية، وكذا البحث في معالم النقد العربي المعاصر، لينتقل بعد ذلكإلى البحث في مفهوم النقد في الدراسات الغربية.3272 نفهوم النقد

يأتي الفصل الثاني من الكتاب لمناقشة جملة من القضايا المفاهيمة التي لها علاقة عضوية بمجال الممارسة النقدية، موسعا هذه العلاقة بين النقد ومجالات نظرية الأدب والفلسفة، ونقد النقد، مستحضرا هذا الأخير عند كل من طه عبد الرحمن ومحمد الدغمومي.

أما الفصل الثالث فقد اختص في بابه الأول بمحاورة منهج النقد في الدراسات الدينية، خاصة من المنطلقات التاريخية، ثم الإشارة إلى نظرية النقد الفقهي، وصولا إلى النقد الديني المعاصر، لينتقل بعد ذلك إلى توصيف منهج النقد في الدراسات الأدبية، معرجا على تمثلات المنهج التكاملي في الدراسات الأدبية.

وجاء الباب الثاني من هذا الفصل لمسائلة ما وصفه الباحث بالإخفاقات، وذلك حين فتح حديثا نقديا لمناقشة مواطن الإخفاقات النظرية والإجرائية التي واجهت المنهج النقدي في الفكر الغربي ونظيره العربي.

 

د. طار ق بوحالة، الجزائر

 

عبد الامير كاظم زاهدالدراسات التي تناولت موقف الفكر الشيعي من العنف الديني

تناولت موضوع التشيع والشيعة مئات الدراسات الأكاديمية والاستشراقية والمؤلفات الشخصية من حيثيات متعددة؛ لكنّ تلك الدراسات على كثرتها لم تعتمد معيارا بنيويا أو نظرية بنيوية للتدليل على موقف الشيعة من العنف الديني  يمكن أن يوصف بأنه المعبر عن حقيقة التشيع وجوهره .وأعني بالمنظومة البنيوية للتشيع هي مجموعة العقائد ذات الصلة باشكالية العنف ومناهج إنتاج المعرفة الدينية وآراء الفقهاء الشيعة في التعامل مع الاخر العقدي والقرارات التاريخية للمؤسسة الدينية للشيعة في هذا المجال ، وظني أنّ (مقولة) المعيار البنيوي هو الجديد الذي يجب ان نحاول التركيز عليه .

ولأجل بيان ما تقدم من أشير إلى مجموعة من الدراسات السابقة الأساسية، وألحق ذلك باستعراض إجماليٍّ لدراسات سابقة ملحقة بها.

الدراسات السابقة الأساسية:

1-  صدرت عن معهد الدراسات الإسماعيلية من الدكتور (فرهاد دفتري) الباحث في المعهد المذكور بلندن عدة دراسات وهي ثلاث دراسات متكاملة أولها وأهمها كتابه الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم، ( ) والثانية معنونة بـ تاريخ الإسلام الشيعي، ( ) والثالثة دراسته الأخيرة المسماة بالعالم الشيعي.( ) وكل هذه الدراسات مكتوبة أساسا بالإنجليزية ومترجمة إلى العربية ومنشورة على التعاقب في السنوات 2016 و 2017 و 2018.وسأركز على ما له صلة بموضوعنا ومن ذلك: (ما اتفقت عليه هذه الدراسات من أن الشيعة ضحّوا بحقّهم الدستوري للحفاظ على وحدة الأمة)،( ) وما أكّدته هذه الدراسات من أنّ سياسة الشيعة (في عصر الخلفاء) كانت تجمع مع الولاء للأمّة الابتعاد عن المشاركة في المؤسسة السياسية الحاكمة،( ) وتؤكّد الدراسات على أن مبدأ العدالة الذي أرساه الإمام علي في المجالات السياسية والشرعية تحول إلى مبدأ عقائدي،( ) وتؤكد على أن السلوك الشيعي في عهد الإمام الصادق كان مركّزاً على البحث عن تحصين الذات وإعادة التفكير في التمسك بقيادة أهل البيت للجماعة، ولا سيّما وقد حثّهم على الفهم الأعمق للدين والفقه والأخلاق، فتوجّهوا أكثر إلى الذات وتركوا المنافسة السياسية والثورات ضد الجور العباسي ودعوا إلى الحوار والمناظرة، وكانوا عنصرا جاذبا لأئمة المذاهب وقادة الرأي بالاختلاف إليهم تحقيقًا لمبدأ قبول الآخر. فقد اكتملت فكرة الولاية للأئمة وصارت شرطاً للدين( ) في العصر البويهي وصارت أقوال الأئمة المروية في كتاب (الكافي) مصدراً للعقيدة والممارسة الشرعية( ).

وتقول الدراسات: إن علماء الشيعة قاموا بتوجيه النقد إلى تراثهم ( ) لا سيما في مجال موثوقية الحديث ووضعوا معايير لقبول الرواية أو تضعيفها. وفي عصرهم تقدّموا خطوه فأجاز السيد المرتضى للشيعة تولي المناصب الحكومية بشرط ان يحقق التولي مصالح الشيعة. وفي عصر الطوسي مارسوا بمهارة الجدل العقلاني، وامتد ذلك إلى عصر المحقق والعلامة الحليين. ولا يغفل اي باحث فكر الخواجة نصير الدين

وقد أشارت تلك الدراسات: الى أنّ التقليد الفكري الذي انفرد به الشيعة الأوائل اعتمادهم النمط الفلسفي للتعبير عن العقائد. و كان السجستاني أول من استخدمها لشرح عقائد الشيعة الإسماعيلية وهنا نورد عليه تحفظا إذ إنّ ذلك متفقا عليه عند الإسماعيلية، ولكنه ليس اجماعيا عند الامامية بل مختلف في التعويل عليه في شرح العقائد عند الإمامية ماهية أو رتبة. ويقول دفتري لقد كتب علماء الشيعة حول موضوع عقيدة الإيسكاتولوجيا (الغيبة وظهور المهدي) الكثير من المدونات ولكن باسلوب يحلل الروايات وان مدرسة بغداد التزمت بالعقلانية النقدية التزاما مثيرا للانتباه. وأشار إلى الأطوار الأربعة لتطور الشيعة.( ) وأكد أن الإسلام الشيعي قد تبنى أخلاقيات التعددية في قراءة الدين طوال خمسة عشر قرنا وأسس تقاليد فكرية مهمة لها وصاغ معتقداته في ضوئها، وتركز جوهره على محور (الإنسان – الله) بمنظر بانورامي.

ويستعرض فرهارد دفتري في كتابه (تاريخ الإسلام الشيعي)( ) صور التنوع في عصور الإسلام المبكرة وأنماط وتداعيات البحث الحديث عن الإسلام الشيعي فيقف في كتابه الثاني على عقيدة الشيعة الإمامية ويسرد مفاصلها( ) دون أن يذكر تداعيات تلك العقائد على حركة المجتمع وصناعة التاريخ.

ومن بين تلك المعادلة المركبة في (أن للإمام كامل الشرعية سواء كان الإمام حاكماً أو لا)، فكان قرار الشيعة أيام الصادق إعادة بناء الذات المعرفية الشيعية مسوغا، وتشير دراسته إلى أصول المعرفة الدينية الخاصة بهم التي ساعدتهم في قراءتهم الخاصة للدين والتي منها ضرورة الالتزام الكامل بتوجيهات الإمام المعصوم ومن ينوب عنه. ويذكر دفتري: أنه كان بإمكان علماء الشيعة أن يحتكروا (بناء العقل الإسلامي على قراءتهم) إبّان العصر البويهي؛ لكنهم آثروا التعددية والعقلانية والنزعة النقدية والمقارنات الموضوعية( ).

وعموماً تقدّم هذه الدراسات الثلاث شرحاً لحقبة التاسيس التكوينية للإسلام الشيعي، ومسار تطوره؛ لكنها تقف عند تخوم الحدث التاريخي والعقائدي، دون أن تفتش عن تأثيراته السوسيولوجية على العقل العملي الشيعي والسلوك الاجتماعي والاختيارات السياسية.

إن المرجع الأساس فيما تقدم كتاب فرهارد دفتري الشهير (الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم) ( ) و رغم تركيز الدراسة على الشيعة الإسماعيلية، إلا أن بعض فصوله كالفصل الثاني كان قد اختصّ بالتشيع المبكر حتى عصر الإمام الصادق وهو الفصل الذي سرد المبادئ العامة للتفكير الشيعي؛ بحيث سهّل لنا تلمس معطياتها الاجتماعية.

2- دراسة السيد نبيل الحيدري: وعنوانها (التشيع العربي والتشيع الفارسي):( ) لم تعرض الدراسة على خطورة ما فيها من أفكار واستنتاجات عرضاً أكاديمياً، إنما جاءت جامعة لمجموعة من المقالات والخواطر وأحياناً الانفعالات النفسية، وركّزت الدراسة على أوائل غلاة الشيعة، وظهور ردّ الفعل الفارسي عند (الموالي) ضدّ الخلافة العربية باعتمادهم التشيّع بوصفه المذهب المعارض لسياسات دولة الخلافة. وذكر تطور الحال بظهور لاهوت الإمامة  في عصر الباقر والصادق، وفيه كما يرى الحيدري ما لا ينسجم مع (القرآن)، ثم يتناول محاولات الإصلاح الحديث في الفكر الشيعي كما جاء عند كاشف الغطاء ومحسن الأمين والصدر وشمس الدين. وتتبنى الدراسة ما أطلقت عليه (المشروع الإصلاحي) وهو إعادة ترتيب الذاكرة التاريخية للتشيع ولكن بوجهة قومية عروبية. ومما يلفت النظر تركيزها على (حراك الغلاة) من العصور الأولى حتى العصر الصفوي الذي خلا من الإشارة إلى دور الأئمة في مواجهته مبيناً أن القراءة العروبية للشيعة وقفت ضد الغلوّ بكل أشكاله. وبدا أن الباحث في بعض مباحثه متأثر بأفكار المفكر الإيراني علي شريعتي. وخلاصة موقفنا من الدراسة أنها دراسة موجهة ضد التشيع الفارسي. ما يسمح بعدها دراسة منحازة وذات قصد ايديولوجي.

3- دراسة رشيد الخيون: حول (المشروطة والمستبدة) التي صدرت طبعتها الأولى عام 2006 عن دار الفرات للنشر بغداد لمناسبة الذكرى المئوية لحركة المشروطة في 1906.

وقد صمّم دراسته على ثمانية فصول، أفادنا منها الفصل الثامن الذي عنونه بـ(قراءة في تنبيه الأمه)، وبه أشار إلى أنّ مشروع النائيني للدولة والدستور والبرلمان رؤية شيعية متقدمة لفقه الدولة والمجتمع. وقد جاء المشروع استجابة لأوضاع تم فيها تفكيك الإمبراطورية العثمانية في وقت لم يكن عند المسلمين مشروع بديل للخلافة العثمانية، وقد تخطّى النائيني «الرؤية التقليدية» للسلطة وأنموذج الخلافة وانحاز إلى انموذج الدولة البرلمانية الدستورية؛ ولكنه أصّلها وفق الأصول الشرعية. وقد طور النائيني مفهوم الشرعية السياسية بإرساء نظرية (الحكم الرشيد) مؤكداً على أن العدل كنظرية اجتماعية وسياسية يعد جوهر وغاية التفكير اللاهوتي.

4- دراسة الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن الاجتهاد والتجديد: من المناسب القول إنه قد  صدرت للشيخ شمس الدين عشرات الدراسات ويمكن تقسيم إنتاج الشيخ شمس الدين إلى فترتين إحداهما ما قبل 1995، والثانية ما بعد ذلك حتى وفاته (رحمه الله). ومما صدر بعد 1995 وهي سنة التنوير الفكري عند الشيخ نظريته في أهلية المرأة لتولي السلطة، وكتاب (الجهاد) وكتابه التجديد في الفكر الإسلامي 1997، وكتابه المهم في الاجتماع السياسي الإسلامي وكتابه الاجتهاد والتجديد وفي دراسات الشيخ شمس الدين تجد النزعة النقدية وتداعيات الاجتهاد المعاصر سمتين واضحتين وتتفق دراستنا مع نظريات الشيخ في أن الضرورة تقضي بتجديد الفكر الديني وتجديد منهجيات إنتاج المعرفة الدينية.( ) وما صدر عنه يعد مهما بجداره لاسيما موضوع إطلاقية النص وتاريخيته.( ) وقد أفادت دراستنا من أطروحاته في مجالات الاجتهاد في الفراغ التشريعي،( ) إفادة بالغة.

لقد انتهى الشيخ إلى أن استعمال العنف يعد واحدًا من نواتج فكر الحركات الإسلامية في عملها السياسي. ويرى أن الاعتقاد الحق أن الإسلام فكراً وشريعة يقوم على السلام والمصالحة والحوار. وقد جعل الشيخ دراسته في فقه العنف على قسمين الأول تحدث فيه عن الحركات الإسلامية، وركز على عدم جدوى العنف، ثم تعمق في المشروعية الفقهية للعنف. وفي القسم الثاني ذكر آراء عميقة وتنويرية في فقه الجهاد وتطرق إلى فقه الأمر بالمعروف لاسيما (المرتبة الثالثة فيه). واستعان بالذاكرة التاريخية للشيعة محدّداً أن ممارسة العنف ابتداءً أمر ترفضه المنظومة الفكرية للتشيع. وعلى ضوء ذلك حلل ثورة زيد وحسين فخ وثورات الحسنيين ثم انتقل إلى عصر الغيبة فاصلاً بين معارك الدفاع عن الذات وبين مهاجمة الآخر. ومن استخلاصات دراسته (فقه العنف المسلح في الإسلام) التي صدرت عن مركز دراسات فلسفة الدين / بغداد 2011 والتي قسم فيها أشكال العنف بحسب هدفه ووسيلته وبحث في الأصل الشرعي له بوصفه وسيلة من وسائل العمل السياسي، أن العنف لا يحقق انتصارا سياسياً فهو عديم الجدوى سياسيًّا، وأن العنف السياسي (بوصفه جهاداً) في جميع الحالات غير مشروع. ولا يوجد دليل لفظي على مشروعية الثورة بعد الإمام الحسين ضد حكم إسلامي حتى إذا كان (منحرفا) ولكن الشيعة لم يجوزوا قتال من ثار على الجور من غيرهم( ) وأن جلّ فقهاء الشيعة لم يشيروا إلى ما يوهم بمشروعية الثورة وأكدوا على مبدأ المسالمة والاندماج مع امة المسلمين ومعالجة الانحراف بالحوار وذكر الشيخ شروط اللجوء للدفاع ومنها انحصار مشروعية القتال بالدفاع عن الذات فقط وأن لا يستهدف الا المعتدي، بشرط إلا يتسبب الحال بالإخلال بالنظام العام( ).

وعن الجامعة الإسلامية في لبنان بيروت صدرت دراسة حول المقاومة في الخطاب الفقهي للإمام محمد مهدي شمس الدين عام 1998 وهي بيانات أصدرها الشيخ شمس الدين إزاء الاحداث التي وقعت في لبنان، مركزاً على أن مسوغ المقاومة هو الرد على العدوان.

5- دراسة صلاح الدين العامري ( صناعة الذاكرة في التراث الشيعي الاثني عشري) صدرت عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود عام 2016 وتوفرت الدراسة عن سوسيولوجيا (الزيارات الشيعية) كوسيلة من وسائل استحضار الذاكرة المذهبية وأفاضت الدراسة في ذكر الوظائف المرجوة من الزيارات سواء أكانت وظائف دينية أو سياسية أو فكرية أو اجتماعية وانتهى إلى أنها تجسيد للهوية الشيعية على المستوى الاجتماعي كما أدت الزيارات جزءا مهما في ترسيخ الذاكرة الجمعية، وأسهمت في تحفيز الجماعة وتماسكهم وتحقيق الاستقلال عن الآخر السني. واعتبرها الباحث جزءاً من المنظومة الرمزية للتواصل بين أفراد الجماعة، إذ إن رموز آل البيت صارت معبرة عن القوى الاجتماعية المضطهدة، وبالتقادم تحولت هذه الرموز إلى سلطة عقائدية وأفضى ذلك إلى تعظيم الرمز ومثال ذلك صورة الحسين (ع) كنموذج مثالي لرمز (المظلومية)( ).

6- دراسة لندا س. والبرج المعنونة بـ«الأعلم عند الشيعة: دراسة في مؤسسة التقليد». قد صدرت الدراسة عن دار عدنان بغداد 2013 وترجمتها د. هناء خليف غني. وتتكون الدراسة من ثلاثة أجزاء كان الجزء الأول حول (تراث الشيعة والجزء الثاني محاولات الشيعة لإصلاح المؤسسة المرجعية عرض فيها لآراء الصدر ومطهري والخميني أما الجزء الثالث فكان (إعادة انتاج التراث الشيعي ومحاولات الإصلاح) وكان البحث سرديًّا في آراء السيد فضل الله لاسيما في الفصل الرابع( ).

7- دراسة كونستاس أرمينجون هاشم، عنوانها المذهب الشيعي والدولة رجال الدين واختبار الحداثة وهي صادرة عن دار نينوى – دمشق في طبعتها الأولى 2015، ترجمها محمد أحمد صبح والدراسة مكونه من سبعة فصول كان الفصل الأول دراسة تحليلية للفكر الشيعي من عصر الغيبة حتى الثورة الدستورية، أما الفصل الثاني فعن رؤية الشيعة لنظرية الدولة، وتناول الثالث دستور إيران الجديد، وفي الرابع تحدث عن تطورات الفكر الشيعي وتنظيره للحداثة، أما في الخامس فأشار إلى معضلة ازدواجية الديني والسياسي، وتابع هذا الموضوع في السادس والسابع. والباحث فيها يرى أن الخميني ردم الفجوة الزمنية والحضارية بين دولة الخلافة التاريخية والدولة الحديثة وألغى الزمن والعقبات التاريخية المتعلقة بتراث الشيعة مشيرا إلى طوباوية معطيات الروايات فاختار أسبقية الشأن السياسي على الديني رغم إجماع المراجع في وقته على العكس من ذلك كما أسس نموذجا مزدوجا للسلطة وكان لهذا كله آثار على المرجعية التقليدية وألمح الباحث إلى الكليات في المذهب الشيعي( ) تلميحا مقتضبا. واستفاض في قابلية الفكر الشيعي على احتواء التعددية إزاء القراءات الدينية للحداثة، بحيث تتم إعادة صياغة التراث طبقاً لنماذج هذه القراءات، مثل سروش وشبستري وملكيان. مشيرا إلى تغيّر شكل التعبير عن وجهات النظر مما يلفت إلى غزارة وحيوية الحقل العقلاني الديني الشيعي( ). والثمرة الأساسية لنا من الدراسة رصدها لنظريات (العلاقة بين رجال الدين الشيعة وبين الدولة ونظرياتها والتطور الحاصل في هذا المجال وعلاقته بالتراث الشيعي وتطوراته كتطور مفهوم الاجتهاد السياسي، وبنية الفكر السياسي الشيعي واعتماده العقلانية النقدية المقارنة التي فهمت الحداثة وحاولت صياغة حداثة شيعية خاصة.

8- من الدراسات السابقة والمهمة دراسة د. حسين المدرسي الطباطبائي. وعنوانها هو «تطور المباني الفكرية للتشيع في القرون الثلاثة الأولى»، ترجمة د. فخري مشكور ومراجعة محمد سليمان أصدرها دار نور الوحي عام 1999 الموافق 1423 هـ. والكتاب يعد دراسة مهمة وأساسية في ظاهرة الغلو وهجومه على الأسس التقليدية للتشيع لا سيما بعد عصر الغيبة في مسائل مثل دور العقل والمنطق في الشريعة وطبيعة الإمامة. واختارت الدراسة القرن الرابع لأنه قرن إعادة صياغة الاستدلالات الأساسية في المذهب الشيعي مثل فلسفة (حاجة المجتمع البشري للإمام). كما قرن الدفاع عن التشيع واكتشاف تفسيراته وصياغاته الجديدة للأصول العقائدية بما يلائم الظروف الراهنة. وترى الدراسة أن القرن الخامس هو قرن تكامل مذهب التشيع بفضل دينامية الاجتهاد راصدا دور متكلمي الشيعة في ترسيخ أسس العقيدة الشيعية من خلال تراث الباقر والصادق الذي كان الاجتهاد يستقي منهما ومنهما صار ذلك التراث الضخم.( ) وكانت الدراسة قد بينت أنّه إلى القرن الثالث الهجري كان الشق الزيدي من الشيعة قد أكمل تعاليمه وآراءه، ودخل الاثنا عشرية في حوارات ومناظرات معه. وتعمقت الدراسة في التتبع والمقارنة بين مدرسة قم الحديثية والعقائدية ومدرسة بغداد العقائدية التي قادها الشيخ المفيد. وضمن الكتاب مجموعة ملاحق مهمة تشتمل على نصوص ووثائق لرسائل المناظرات الشيعية مع المعتزلة والزيدية منها رسائل ابن قبة، والردّ على كتاب الإشهاد، والفصل الأخير من كتاب التنبيه لأبي سهل النوبختي( ).

مسرد دراسات سابقة غير أساسية

1- دراسة سامر توفيق عجمي عنوانها (الشيعة من منظار سلفي) إصدار دار الولاء – بيروت 2006 وهي مجموعة الرؤى التي يتمسك بها خصوم الشيعة، وقد جرت مناقشتها ونقدها.

2- دراسة السيد محسن الأمين العاملي (الشيعة في مسارهم التاريخي) إصدار دار الغدير – بيروت الطبعة الأولى بيروت 2000 قدّم لها إبراهيم بيضون. وفيها استعرض السيد المؤلف نشأة التشيع وأسباب الحملة عليهم وعرض لعقائدهم ودورهم الحضاري.

3- دراسة (المسألة الشيعية)، حررها وترجمها د. جواد بشارة عن كتابات لأكثر من اثني عشر كاتب فرنسي. صدرت عن دار ميزويوتاميا – بغداد 2015. وفيها ثلاثة عشر مقالة مهمة حول التشيع التأسيسي والتشيع المعاصر، وقدم الباحث (بشارة) فيها نقداً للاستشراق الحديث في فرنسا للثغرات المنهجية والموضوعية التي وجدها فيه.

4- دراسة وجيه قانصو عنوانها الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ دراسة في مراحل التكون الأولى، صدرت عن دار الفارابي في 2016، تطرق فيها إلى معضلة المنهج في فهم التشيع وفي تشكل الجماعة الشيعية، وصدمة الغيبة وتأسيس المذهب على مرحلتين الأولى مرحلة التدوين ومرحلة البناءات العقلية، وتوصل فيها الباحث إلى استقراءات غاية في الأهمية.

5- دراسة فرهاد إبراهيم أستاذ العلوم السياسية بجامعة برلين الحرة عنوانها (الطائفية السياسية في العالم العربي: نموذج الشيعة في العراق) صدرت عن مركز الشرق الأوسط بجامعة برلين عام 1996 تطرق في الدراسة إلى وضع شيعة العراق في العصر الملكي 1921، وأبان دورهم في تكوين الدولة ثم شرح محاولات التهميش الذي حصل لهم مما دفعهم إلى إنشاء الحركة السياسية الشيعية، وما جرى من صدام مع حكومة البعث حتى أحداث 1991م. ويعتقد الباحث أن التهميش الاجتماعي والسياسي كان حافزا مهما لانتماء الشباب للحركة الإسلامية الشيعية( ). ويرى أن أدبيات الحركة السياسية الشيعية خرجت عن دائرة المألوف السائد إلى نصوص تناسب العصر، مشيراً إلى دور المرجعية المهم في القرن الأخير.

6- دراسة السيد محمد علي الحكيم عنوانها (الفكر السياسي المعاصر للشيعة الإمامية)، إصدار مؤسسة آفاق 2010. انتهى بعد عدة مقدمات عن نظريات الدولة وتاريخ الممارسة النبوية للسلطة إلى إشكالية مفهوم الإمامة عند المسلمين واتجاهات الشيعة في عصر الغيبة واستقرار وضعهم على نظريتين هما ولاية الامة وولاية الفقيه وعرض لهما معاً.

7- دراسة جوزف فان اس عنوانها (علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث ترجمه محي الدين جمال بدر في هذه الدراسة عرض للمدارس الكلامية الإسلامية وقضايا الجدل الديني، وتوفر أكثره على آراء المعتزلة وأشار باقتضاب إلى موقف بقية الفئات من الشيعة ( ) وفي طيات هذه الدراسة (أخطاء تاريخية جمة) كلها تحتاج إلى تعقيب.

8- دراسة علي محامد المعنونة (أسس الحكومة الدينية)، وهي من إصدار كلية الحقوق بجامعة العلاّمة الطباطبائي طهران، خصصه لأسانيد نظرية ولاية الفقيه.

9- دراسة حيدر حب الله عنوانها مسألة المنهج في الفكر الديني أصدرته دار الانتشار في طبعته الأولى 2007. تضمنت فصلين وملاحق ركز في الفصل الأول على البنية المعرفية للتعددية والحوار العقلاني عند الشيعة وعلى جدل الانتماء المذهبي والانتماء الوطني وأفاض في القراءة التاريخية للفكر الديني، وتشكلات العقل الديني وافادت دراستنا منه كثيراً لاسيما قراءته الميدانية للمؤسسة الدينية الشيعية ومدارس العرفان والفقه الواقعي، وأساسيات الوسطية الشيعية.

10- دراسة د. عبد الجبار ناجي عن التشيع والاستشراق قدم فيها عرضاً نقدياً مقارناً لدراسات المستشرقين عن العقيدة الشيعية إصدار دار الجمل. وإن أبرز ما اعتمدنا عليه دراسات المستشرقين حول المهدي، وعقائد الشيعة وعن الغلو والغلاة، لقد كانت نتائج الكتاب مهمة جداً وهي مدعاة لمشاريع بحثية مهمة.

11- دراسة علي الكلبايكاني دروس في الشيعة والتشيع عربها أنور الرصافي 1424هـ. والكتاب هو مقرر دراسي جامعي في إيران استعرض فيها تاريخهم وعقائدهم.

12- دراسة الشيخ محمد مهدي الآصفي حول الاجتهاد والتقليد عند الشيعة صدر عن مركز الغدير بيروت في 2005. ركز الآصفي في دراسته على صناعة القرار في المرجعية الدينية وتوغل في تفاصيل الاجتهاد عند الشيعة ومدارسه والنزاع بين الأصولية والاخبارية واستفاض في نظرية ولاية الفقيه.

13- دراسة السيد محمد حسين الطباطبائي (صاحب الميزان) ( الشيعة في الإسلام)، صدرت في إيران في 2011، تعرض فيها إلى حقائق النشأة ثم التطور من القرن الأول حتى القرن الرابع عشر الهجري وقدم توصيفا مهما للزيدية والإسماعيلية واختلافهم مع الإمامية وعرض للفكر الديني لدى الشيعة الاثني عشرية ومعتقداتهم من وجهة نظره ثم موجز عن حياة الأئمة ونواب المهدي.

14- دراسة د. علي أحمد الديري (نصوص متوحشة من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيمية) أصدرتها مركز أوال للدراسات والتوثيق عام 2015 تناول فيها سياسات التكفير عند السلاجقة ونواتج المدرسة النظامية من كتب الفرق والمقالات والمدونات التي استهدفت استئصال الفكر الشيعي لأسباب سياسية.

15- دراسة د. عبد الله البريدى (السلفية الشيعية والسنية) صدرت عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، عام 2014، ويرى فيها المؤلف أن السلفية نسق فكري عام لا يفلت منه دين ولا أيديولوجيا ويرى تعرض الشيعة في موجة الأخبارية إلى مرحلة تنامت فيها النزعة السلفية.

16- دراسة العالم الألماني رودولف ستروثمان، عن الفرقة الزيدية ترجمة محمود كبيبو، إصدار دار الوراق 2015 فيها تفصيل عن مذهب الزيدية تاريخه وعقائده وفقهه.

17- دراسة حسن عباس حسن (الصياغة المنطقية للفكر السياسي الإسلامي) صدرت عن الدار العالمية بيروت 1992، وهي محاولة جادة لبناء إطار فكري بصياغة منطقية وفي الفصل الثالث منها أصول الصياغة المنطقية للفكر السياسي الشيعي من الأسانيد القرآنية، والأسانيد الحديثية ومعتقدات الشيعة في الإمامة.

18- دراسة د. جودت القزويني عن المرجعية الدينية العليا عند الشيعة صدرت عن دار الخزائن / بيروت ط2 2014 درس فيها التطور السياسي والعلمي للمرجعية الشيعية.

***

ا. د. عبد الامير كاظم زاهد

 

 

محمود محمد علييعد وحيد الدين خان  أعظم مفكر وفيلسوف هندى طوال الـ70 عامًا الماضية، وأعظم مفكرى الإسلام على مستوى العالم، وهو من القلائل الذين جمعوا بين منهج الإسلام المعرفى والمنهج العلمى والفلسفى الحديث، ولذلك نجح فى مقارعة الإلحاد والعلمانية والماركسية بالحجة العقلية، التى تصلح لإقناع المؤمنين وغيرهم على السواء.

كما يُعد وحيد الدين خان كذلك المؤسِّس الحقيقى لعلم كلام إسلامى حديث يناسب العصر، كما قال عنه د. محمد عمارة: «لقد وهب حياته كلها للدعوة الإسلامية، وتخصص فى إقامة الأدلة العلمية على الإيمان الدينى، فبلور علم كلام جديد يناسب عصر العلم، خاليًا من جدل الفرق الإسلامية القديمة، ومتجردًا عن محاكاة الفلسفة الإغريقية القديمة، وقد أعانته على ذلك ثقافته العلمية الواسعة ليقدم أعمالًا فذة غير مسبوقة".

ومن أهم كتبه التى تُرجمت إلى العربية واشتهرت فى الوطن العربى "الإسلام يتحدى"، الذى أثر فى جيل كامل من العرب ونقل شبابهم من الإلحاد وجحود الله- الذى شاع فى الستينيات وأوائل السبعينيات- إلى الإيمان والعودة إلى الله، ومنها كتبه «تجديد علوم الدين» و«حكمة الدين» و«الدين فى مواجهة العلم» و«المسلمون بين الماضى والحاضر والمستقبل» و«خواطر وعِبَر».

وقد تميّز المفكّر الهندي وحيد الدّين خان منذ أن أصدر كتابه الإسلام يتحدّى عام 1966 باللّغة الأُردية، في الهند، بأنّه أراد في جميع كتبه تقديم تصوّرات جديدة عن الإسلام، وتصحيح ما علق به من إضافات وأوهام، اعتبرها دينًا موازيًا، ومعارف ثانويّة، أثقلت العقل الإسلامي بأعباء كانت سببًا في نظره، في تكريس الجمود والتخلّف. فعمل جاهدًا على نشر الدّعوة الإسلاميّة وإحياء الفكر الإسلامي في ربوع الهند منذ زمن مديد. لتحقيق مشاريعه، والتّعريف بأفكاره.

وكتاب الإسلام يتحدى هو كتاب في العقيدة من تأليف وحيد الدين خان وترجمة ظفر الإسلام خان ومراجعة وتقديم عبد الصبور شاهين، يرد الكتاب على شبهات أهل الإلحاد، ميزة الكتاب أنه يعالج موضوع الإعجاز العلمي للقرآن الكريم، وكذلك إثبات الأدلة على البعث والقيامة، ومناقشة القائلين بصدفة وجود الكون، والقائلين بالتطور بأسلوب فريد يتسم بالدقة والموضوعية والمنهجية العلمية، والكاتب رجع لكثير من الكتب الغربية لمفكرين وأساتذة كبار في المجالات العلمية المختلفة، فجاء الكتاب مخاطبا للعقل والوجدان، كاشفًا اللثام عن حقائق مهمة وخطيرة.

وفي أحد أحاديثه الصحفية؛ عندما سُئِلَ عن سرّ اختياره لعنوان "الإسلام يتحدى"، كعنوان لكتابه الأشهر، قال خان إن "هذا الدين جواب محدد لكل الأسئلة التي تؤرقنا في كفاحنا الحضاري، إنه يوجّهنا إلى المشرع الحقيقي الطبيعي، وهو يضع لنا الأساس النظري للقانون ولكل شئ، فهو يمنحنا أساسًا صائبًا لكل مسألة في هذه الحياة، حتى يمكن لها الوصول إلى أعلى درجات الازدهار والرقي، كما أنه يهيئ لنا الأساس النفسي، الذي يصبح القانون بدونه مشلولًا تماما وبلا حراك، كما أنه يخلق لنا ذلك المناخ المناسب الذي لابد منه لتطور أي مجتمع تطورًا حيويًا وفعالًا.

وقد حمل الكتاب عنوانًا أصغر هو: "مدخل علمي إلى الإيمان"، وجاءت الطبعة التي بين أيدينا في 264 صفحة، وقسَّم المؤلف المادة التي وضعها فيه إلى تسعة أبواب.الباب الأول منها، تناول قضية معارضي الدين كمبدأ، في الآفاق التاريخية والنفسية، وحتى من الزاوية البيولوجية.أما الباب الثاني، فقد قدم نقدًا لأفكار معارضي الدين، فيما يخص حقيقة الطبيعة، مع استدلالات بالتاريخ والاجتماع حول الخلق وحقيقة خلق الإنسان.الباب الثالث، فند بعض الأمور التي جاء بها الملحدون من خلال العلم، حول حقيقة الخلق، ومن بينها الأخطاء التي تقود إليها التجربة والقياس في المنهج العلمي في بعض الأحيان، ونظرية التطور العضوي، وغير ذلك. الباب الرابع، قدم فيه الأدلة على وجود الله تعالى من خلال الطبيعة، والفلك، وغير ذلك، فيما تناول في الباب الخامس، الأدلة القائمة على وجود الآخرة، والحياة بعد الموت.الباب السادس تناول فيه إثبات الرسالة وأدلة ذلك، فيما الباب السابع أثبت فيه أدلة أن القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى وكلماته إلى الناس، مع لمحات عن جوانب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.أما الباب الثامن، فقد تناول فيه خان كيف عالج الدين مشكلات الحضارة، وبالذات في مجال التشريع، وفي الحقوق والعدل داخل المجتمعات الإنسانية.وأخيرًا، تناول خان في الباب التاسع شكل الحياة الإنسانية كما يتصورها الإسلام.

وقد حاول المؤلف القيام بأمرين : الأول : إثبات أن النظريات العلمية - الفيزيائية والفلكية وغيرها - لا تعارض أصول الإسلام، وقد أجاد في هذا الأمر، والثاني : إثبات أن النظريات العلمية تدل وتؤكد صحة أصول العقائد الكبرى للإسلام، وهو في هذا الأمر لم يحسن؛ لأنه لم يخل من التكلف في الاستدلال.

مع أهمية الكتاب إلا أن المؤلف وقع في بعض الأخطاء، ومنها : توسعه في الاستدلال ببعض النظريات العلمية على قضايا العقيدة، وهي لم تصل إلى درجة القطعيات، ومنها : تنبيه لنظرية تحضير الأرواح وقبوله لها.

وقد توفي في العاصمة الهندية نيودلهي، في 21  أبريل 2021 ، المفكر الإسلامي الهندي الكبير "وحيد الدين خان" عن 96 عاماً، تاركاً خلفه مكتبة علمية كبيرة. والميزة التي يمتاز بها وحيد الدين من بين أقرانه من مفكري العصر إتقانه اللغات و قراءة الكتب العلمية والفكرية باللغة الإنجليزية، ويمكن تقدير سعة اطلاعه وعمق دراسته من خلال مؤلفاته ذات المستوى العلمي الرفيع، والتي تظهر عمق ثقافته الإسلامية وتمكنه من ثقافة العصر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

علاء اللاميهذا الكتاب هو عبارة عن بحث جامعي قدمته الطالبة هند محمد التركي ضمن متطلبات بحثية لنيل شهادة ماجستير. من نقاط الضعف التي يعاني منها هذا البحث، رغم الجهد الكبير المبذول فيه، تعامل الباحثة مع الكتب المقدسة ككتب تأريخية ذات صدقية مطلقة لأنها دينية وكفى، وليس لأن هناك أدلة آثارية وعلمية تسندها. وإذا كنا لا نلوم رجل الدين أو القارئ المتدين حين ينظر إلى المعلومات التاريخية والجغرافية الواردة في الكتب المقدسة كحقائق مطلقة بمنظار إيمانه الذي يوجب عليه التسليم بالغيب، فإن من الصعب تماما الموافقة على أن يفعل الباحث في التاريخ وفق المنهجية العلمية الأمر نفسه، ويهمل أو يسيء استعمال الأساليب المنهجية والعلمية التي تستعين بالعلوم الحديثة كالإناسة وعلم الآثار وعلم طبقات الأرض والجغرافيا والمناخ، والمورثات الجينية ...إلخ، ورغم ذلك، لا يخلو البحث الذي بين أيدنا من  نقاط القوة والجدة والطرافة، وخصوصا حين يتعامل مع أسماء ملكات عربيات قبل الإسلام، توفرت أدلة ومواد إركيولوجية متعلقة بهنَّ، وخصوصا من العهد الآشوري. سأكتفي بهذه الملاحظة التقييمية السريعة، وأنتقل إلى التعريف بالملكات العربيات اللائي ورد ذكرهن مع التوثيق وباختصار:

* بلقيس ملكة سبأ في اليمن. وردت قصتها واسمها في التوراة/ سفر الملوك، بلفظ "ملكت شبا" ولكن اسمها لم يرد في القرآن، مع ورود أجزاء مهمة من قصتها مع النبي سليمان في سورة النمل. وقد أكد القرآن معلومة ثمينة حولها منها، أنها وقومها كانوا يعبدون الشمس (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ* وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ)، وهذه واحدة من ثلاث نظريات حديثة حول ديانة بلقيس، الأولى تذهب إلى أنها يهودية، والثانية أنها مانوية "على دين ماني البابلي" الثنيوي، والثالثة وثنية تعبد الشمس، وهي التي يقول بها القرآن.

وقد ورد اسمها في التوراة "بلقيس"، بعدة صيغ، قيل إنها آشورية، ولكن هذه الكتابات العبرية أكدت أن كلمة بلقيس ليس اسمها بل هو صفة لها ومن تلك الصيغ: بلجش وفلجش وتعني "العشيقة" أو المرأة غير الشرعية". ويعتقد حسن ظاظا أن اليهود أرادوا بهذه التفاسير الحط من شأنها. كما ورد اسمها في نقش معيني يمني أشار إليه هومل، أما في النقوش الآشورية لم يرد ذكر بلقيس نصا بل ورد ذكر السبئيين وبعض ملوكهم مثل "يثع أمر" و "كرب إل" في عهد تجلات بلاصر وسنحاريب. وهذه هي الملكة الوحيدة التي يرد اسمها من جنوب الجزيرة العربية، أما في شمالها فنجد العديد من أسماء الملكات ومنهن:

1- الملكة زبيبة: ورد ذكرها في سجلات الملك الآشوري تجلات بلاصر ( 745 -725 ق.م).

2- الملكة شمسي: في العهد نفسه وباسم الملكة سمسي.

 3-الملكة يطيعة: ورد اسمها في سجلات الملك سنحاريب باسم "يانعة" ولم يذكر لها تاريخ محدد سوى انها أرسلت جيشا للغزو أو صد عدوان بقيادة أخيها بسقانو.

4- الملكة يافا: ورد ذكرها في نصوص الملك أسرحدون وذكرت منطقة مملكتها باسم " ذخراني".

5-الملكة باسو: في عهد أسرحدون أيضا واسم منطقة مملكتها أيخيلو.

6- الملكة تعلخونو وبلغت رتبة الكهانة: وعاصمة مملكتها هو أدوماتو "دومة الجندل" التي عرفت في النصوص الآشورية باسم جبل العرب، في منطقة الجوف شمال الجزيرة العربية.

7-الملكة تبوأة: في المنطقة ذاتها ورد ذكرها في نصوص أسرحدون وآشور بانيبال.

8- الملكة عادية: وزوجها الملك يوتع بن حزائيل، وحليفها الملك عمولادي، ورد ذكرها في نصوص الملك آشوربانيبال وتكلمنا عنها وعن زوجها وحروبهما في منشور سابق قبل أسابيع.

9-الملكة زنوبيا ملكة تدمر وزوجة الملك أذينة ووريثته: وهي أشهر من نار على علم. وتفيها الباحثة السعودية هند التركي حقها فتورد عنها تفاصيل مهمة ومنها أن مملكتها اتسعت وشملت بلاد الشام ومصر بعد ان هزمت الرومان في مصر. واسمها الصحيح في النقوش التدمرية هو "بنت زباي" ويعني الهبة أو المجيدة "بنت المجد". أما في العربية فلها عدة اسماء منها " زينب، نائلة، بارعة، فارعة..إلخ" وتفرِّق الباحثة بين الملكة زنوبيا وبين الزباء الغسانية التي تصفها بالأسطورية. وهناك مَن يتفق مع الباحثة هند التركي فيفرق بين الملكتين زنوبيا والزباء، ولكنه يعتبرهما كلتاهما تأريخيتين. كالباحث عدنان البني في الحوليات الأثرية العربية السورية المجلد 42. والزباء المنتقمة لها قصتها المشهورة في السردية العربية قبل الإسلام مع الملك جذيمة الأبرش، أول ملك في الحيرة حكم في الفترة (233-268)، ومؤسس مدينتي الحيرة والأنبار في العراق، وكيف ثأرت الزباء منه وقتلته لأنه قتل أباها جذيمة...إلخ.

في الفصل الثاني من كتابها، أطروحتها تناقش الباحثة وبشيء من التفصيل والتوثيق ما ورد عن هاتيك الملكات العربيات في النقوش الآشورية والسبئية والنبطية والرومانية. أما الفصل الثالث فخصصته الباحثة لذكر الملكات في الموروث الديني والكتب الدينية التوراة والإنجيل والقرآن، والفصل الرابع لأدوارهن السياسية قبل الإسلام. وقد اكتفت الباحثة بأسماء هذه الملكات رغم أن هناك أسماء أخرى كتب عنها باحثون آخرون كالملكة البدوية ماوية الغسانية. "تذكر المصادر أسماء 13 ملكة وأميرة من الغساسنة (مارية، حليمة، واثنتان باسم هند، سلمى، أمامة، فاختة، ميسون، الرعلاء، النادرة، ليلى، الدلفى، الرملة/ مدونة "إرث الأردن - انترنيت")، والأرجح أن هاته النساء كن شيخات على قبائلهن البدوية أو قراهن الريفية أكثر مما هن ملكات يحكمن ومناطق شاسعة كالملكة زنوبيا ومثيلاتها.

*الصورة الأولى لتمثال قديم للملكلة زنوبيا والثانية لعملة نقدية صكت في عهدها وتحمل اسمها وصورتها في خرق للتبعية للرومان وتمرد عليهم.

 

علاء اللامي

............

* رابط لتحميل كتاب "ملكات عربيات قبل الإسلام" تأليف هند محمد التركي: وسمة لتحميل كتب أخرى

https://maktbah.net/%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%84%d9%83%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b3%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%af%d8%b1%d8%a7/

شاكر فريد حسنللباحث والمؤرخ خالد عوض

أهداني مشكورًا المؤرخ والباحث في التراث خالد عوض كتابه التوثيقي الجديد "الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة- من خلال أوراق خوري البلد سمعان نصار، الصادر عن جمعية السباط للحفاظ على التراث، والمطبوع في مطبعة الحكيم العريقة في الناصرة.

جاء الكتاب في 172 من الحجم الكبير والورق الأبيض الصقيل وغلاف مقوى وطباعة فاخرة، وهو من تصميم وإخراج سامر عيساوي، وخطّ الغلاف ريحان تيتي، ومراجعة الأستاذ فتحي فوراني، ودققه لغويًا الأستاذ عطاللـه جبر، وأهداه إلى أولئك النصراويين الذين حملوا هموم مدينتهم المقدسة عندما دعاهم الواجب الوطني والمسؤولية التاريخية للحفاظ على تراثها وتثبيت هويتها الوطنية.

في مستهل الكتاب نقرأ كلمة مجلس الطائفة الارثوذكسية في الناصرة، وكلمة الأديب فتحي فوراني، الذي يشيد بالكتاب ومؤلفه خالد عوض، ويعرفنا على سمعان نصار، حيث يذكر انه كان كاهنًا دينيًا ومثقفًا علمانيًا وقائدًا وطنيًا تقدميًا وزعيمًا سياسيًا وخطيبًا مفوهًا وحارسًا لمدينة البشارة، يزين صفحة وطنية مكتوبة بماء الذهب في السجل التاريخي لوطن الآباء والأجداد. 

ثم تأتي مقدمة الباحث صاحب الكتاب خالد عوض، الذي يشير إلى أن سمعان نصار كان إبان الانتداب البريطاني شخصية تميزت بحضورها الاجتماعي الوطني والثقافي، في مرحلة كانت الناصرة تعيش واقعًا سياسيًا مريرًا وبغيضًا. ويذكر عوض انه في ظل هذه الأوضاع والظروف المضطربة كان سمعان نصار يعمل وكيلًا لأهم صحيفتين في البلاد، هما "فلسطين" و"الدفاع"، ومما يثبت ذلك وجود مجموعة من الرسائل والمراسلات الخطية بين أوراق نصار، التي يثبتها في الكتاب، وهي مراسلات بينه وبين إدارة الجريدة ممثلة بمديرها شوكت حمّاد.

والرسالة الأولى التي اعتمدها عوض في بحثه مؤرخة العام 1934، وهو العام الذي صدر فيه العدد الأول من صحيفة "الدفاع" القريبة فكريًا وسياسيًا من معسكر الحاج أمين الحسيني. 

ومن خلال مسيرة الخوري سمعان نصار، يحاول خالد عوض تقديم صورة حقيقية بلا زيف عن شخصية نصراوية أحبها كلّ من عرفها، إذ أنه لم يرث عن أبيه سوى العلم والكرامة وعزة النفس.

يقسم خالد عوض كتابه إلى خمسة فصول، الفصل الأول ويتحدث فيه عن الجذور التاريخية لعائلة نصار، ويستعرض السيرة الذاتية للأب سمعان نصار، الوطني الصادق.

وفي الفصل الثاني يتطرق للصحافة الفلسطينية إبان الانتداب البريطاني ودورها في نشر الوعي الوطني والسياسي والفكري وبلورة الحركة الوطنية الفلسطينية، ويشير إلى جريدة الدفاع كنموذج، ويقدم رسائل سمعان نصار لإدارة الدفاع وردها عليه. 

في حين يتحدث الفصل الثالث عن الصراع الفلسطيني الصهيوني، وتشكيل اللجان القومية والنقابات العمالية، وعلى رأسها جمعية العمال العربية الفلسطينية، التي تعتبر من أبرز النقابات التي ظهرت في فلسطين قبل العام 1948، فيشير إلى أن النهضة الثقافية والأدبية في الناصرة جاءت متأخرة بعض الشيء، إذا ما قارناها بالمدن الرئيسية الأخرى، مثل يافا وحيفا والقدس ونابلس، موضحًا أن غالبية المؤسسات الثقافية لمدينة الناصرة كانت قد تبلورت في أواخر الثلاثينات واوائل الأربعينات، وتم تأسيس الأندية الثقافية والترفيهية والمؤسسات والجمعيات الخيرية والأطر السياسية كنوع من أنواع التمدن والوعي السياسي، ويقدم ملحقًا من أوراق خوري البلد سمعان نصار المتعلقة بصندوق الأمة، اللجنة القومية وجمعية العمال العرب في الناصرة.

أما الفصل الرابع فيتناول الحركة التعليمية والثقافية في الناصرة، ويحكي عن المدارس والأندية الثقافية ودور السينما في عهد الانتداب في فلسطين.

والفصل الخامس والأخير فيضم مقتطفات من كراسة تأبين طيب الذكر الايقونوس سمعان نصار، وملحق الصور الفوتوغرافية، وقائمة المراجع والمصادر التي اعتمدها في اعداد وتحقيق هذا البحث. 

تجدر الإشارة إلى أن مؤلف الكتاب خالد عوض كاتب وباحث ومؤرخ نصراوي، له عدة إصدارات في مجالي التراث والتاريخ، أسس متحف التراث الفلسطيني في الناصرة- البلدة القديمة، وشرع في تأسيس الأرشيف الفلسطيني في الداخل، وهو من مؤسس جمعية السباط المسجلة الساعية للحفاظ على الثقافة والتراث، ويعكف منذ سنوات على إنجاز الموسوعة الفلسطينية المصورة لمدن فلسطين التاريخية.

نرحب بكتاب خالد عوض عن "الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة"، الذي يكتسب أهمية بالغة، كونه وثيقة تاريخية ومنجز بحثي وعمل توثيقي وطني هام ومجهود متميز ومبارك عن شخصية دينية وأيقونة ثقافية وإعلامية ورمز من رموز الناصرة المناضلة والمكافحة دفاعًا عن الهوية القومية، وضد عمليات التطهير العرقي والتاريخي والحضاري. إنه كتاب يسجل ويوثق سيرة ومسيرة سمعان نصار وغيره من الشخصيات الوطنية والاعتبارية، الذين قادوا العمل الوطني وحافظوا على نسيجها الاجتماعي متماسكًا متراصًا، وساهموا في تأسيس وتطوير الحركة الوطنية والثقافية في الناصرة.

أجمل تحيات التقدير للأخ الباحث خالد عوض، ونرجو له دوام العطاء وسبر أغوار تاريخ مدينته المقدسة، الناصرة، وبانتظار المزيد من الإصدارات والمنجزات البحثية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 عبد السلام فاروق قرأتُ كتاب (حدود مصر الملتهبة ) للباحث والأديب محمد شلبي أمين فوجدتنى أمام "جمال حمدان" جديد يعيد إحياء معارك القلم المفصلية حول قضايا الوطن ومشكلاته المصيرية. فالكتاب يمثل محاولة استشرافية استخدم فيها المؤلف تكنيكات مختلفة من الوصف التاريخي والبنيان الجغرافي والإيقاع الوطني من فصل لآخر .

 صحيح أن كتابه السابق: (إبراهيم الورداني ..غزال البر) بدا أكثر رومانسية واقتراباً من شخصيته الإنسانية، إلا أن العمل الأول لأى كاتب يمثل دوماً مرآة ناطقة عاكسة لأهم مواصفات واتجاهات ورؤى هذا الكاتب مهما جاءت الأعمال التالية أكثر تطوراً وأشد بنياناً وأقوى تعبيراً.

ثمة عدة فرضيات طرحها محمد شلبي في مؤلفه الماتع (حدود مصر الملتهبة ) أخضعها للفحص والتحليل .. تلك الفرضيات هي: الفرضية الأولي: هل هناك مناطق جديدة في مجال الحدود الجغرافية لم تكتشف بعد، وأن من الضروري البدء في اكتشافها وفتح الباب أمام مزيد من الدراسات نحوها .

الفرضية الثانية: أن مشكلات الحدود موجودة دائما وأنها تتفاقم في ظل تغير معادلات القوة والضعف، علي الأقل فيما يخص منطقة الشرق الأوسط .

الفرضية الثالثة: أن هناك أزمة تعترض سبيل الوطن العربي كما تعترض غيره من الأقاليم الجغرافية الأخري في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.. هي إذن أزمة قديمة تفاقمت لا في الدول العربية وحدها، بل في المنظومة الدولية بأكملها .

الفرضية الرابعة: هي فرضية إمكانية تجاوز أزمة الحدود في الوطن العربي، خاصة وأن بعض الدراسات القديمة والمعاصرة كانت جمعيها قد طرحت حلولا، فلماذا لم يتحقق منها شئ؟!

المهم أن محمد شلبي حاول كشف واستجلاء ملابسات وأسباب عدم الالتزام بما تم اقتراحه سابقاً،أو قلة جداوه، أو قلة المؤمنين المهتمين بتنفيذه ..كما حاول إعادة صياغة مقترحات عملية قابلة للتطبيق، ربما تسهم ولو قليلا في إقالة عالمنا العربي من عثرته التاريخية المؤقتة علي المستويين: السياسي الاقتصادي، والاجتماعي الثقافي .

تكمن أهمية كتاب (الحدود الملتهبة) الصادر عن دار سنابل للنشر بالقاهرة، في كونه يعمد إلي تعبيد الطريق نحو اكتشاف مزيد من المعطيات غير المطروقة في تقييم ونقد أزمة الحدود في الدولة الوطنية الحديثة، سواء علي مستوي دراسات وأطروحات المفكرين والمستشرقين الاستعماريين، أو علي مستوي البنية السياسية والاقتصادية الداخلية المصابة بمشكلات الحدود وما انتابها من تحور وتحول أو تطور .

صياغة فصول هذا الكتاب بتكنيكات هندسية متباينة كانت هي طريقته في التعريف بخطورة وأهمية قضية الحدود كأصل وأساس أغلب الصراعات القديمة المتجددة في وطننا العربي..  خاصة أن مشكلات الحدود "المصطنعة" قسمت الوطن العربي تقسيماً،وقطعته تقطيعاً إلى دويلات متناثرة متناحرة، وهو ما ظهر جلياً بعد اتفاقية (سايكس بيكو) أبان حقبة الاستعمار البريطاني الفرنسي للوطن العربي ..تلك الاتفاقية الملعونة التي غرست بذور فتنة نائمة إلي حين !.. سرعان ما ستندلع نيرانها المستترة ذات مساء دامي بين الأخوة والأشقاء، فتغدو الحدود الجغرافية المصطنعة.. بمثابة برميل بارود متفجر!!

السؤال الآن هو ما الحل؟

يدعونا المؤلف إلي وقفة مع النفس قبل السير في عراء المفاهيم، لإننا قد نتحدث، أحياناً، عن شيء مختلف فيه وحوله، لا سيّما بالنسبة إلى أولئك الذين أسبغوا معانٍ مواربة قابلة إمّا للتوظيف متعدّد الأغراض، بحيث يضيع البعد الصحيح الذي يمكن الاحتكام إليه، وإمّا خنقه بما لا يدع مجالا للتنفّس إلا من قناة ضيقة.

أنني اتفق مع اتجاه بوصلة محمد شلبي تماما، وأضيف إليه أن منطقة الشرق الأوسط تمر بتغييرات عاصفة هائلة تتخلل مكوناتها السياسية الاقتصادية وبنيانها الثقافي الاحتماعي، ما يمهد الطريق لإعادة رسم خريطة جديدة للأقليم قابلة للطي أو التآكل والانكماش.. لكن بأيدينا نحن اليوم، لا بأيديهم هم !! فهل نحن غافلون أم نتغافل عن الذئب المتربص بنا، فيما نتربص ونترصد ببعضنا الدوائر .. كأننا نساق للآسف الشديد إلي التشتت والتشرذم المحتوم؟

 الأخطر هنا أننا مازالنا نختلق الذرائع والأوهام والترهات السياسية البالية، بل والأدهي أننا نتستر وراء مفاهيم ومصطلحات قديمة لم يعد لها وجود اليوم في ظل اكتساح مفاهيم العولمة الجديدة، من قبيل:  علينا أن نحذر من السقوط في أتون الحروب المذهبية والعرقية أو الوقوع في حبائل المعارك الاستخبارتية المشتعلة هنا وهناك ..وهلم جرا من مفردات وألفاظ تزول أصداءها أو تسقط من تلقاء نفسها.. تبعاً لاعتبارات المصالح!!

إننا حقاً في انتظار انهيار تلك الحدود إلي غير رجعة .. لا يهم متي . المهم أن يحدث ؛ لأن الدول والشعوب تتطور بفعل الحاجة المشتركة، كما يتطور العلم بفضل البحث والتجربة  .

وفي الخلاصة، فإن أزمة الحدود بين دول العالم العربي هي أزمة مصطنعة ارتبطت بالخطط والمؤمرات الدولية لوجودها، والمعالجة لا تبدأ بتغيير الألوان بل بتبديل الاتجاهات.

 

د. عبد السلام فاروق

 

 

محمود محمد علي3- التعريف بالمؤلف:

في حياة الأمم والشعوب أفراد يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور فتحي التريكي، واحداً من كبار المفكرين التونسيين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة.

وفتحي التريكي مفكر تونسي معروف في العالم العربي، حصل على دكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. ويعمل استاذ كرسي اليونيسكو للفلسفة بجامعة تونس. ساهم صحبة جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية واقترح أيضا فكرة تقاسم الكونية.

شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996 وعُين في كرسي اليونسكو للفلسفة بالوطن العربي في 1997. ثم عمل أستاذا زائرا بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999 وبجامعة باريس 8 في فترات متباعدة زمنيا سنتي 2000 و2007.

ولقد ترجمت أعماله إلى اللغات الأجنبية. درّس الفلسفة في جامعات كثيرة ببلده تونس وفي باريس كما شغل منصب كرسي اليونسكو في العالم العربي وساهم في الفعل الفلسفي بالندوات والمحاضرات تونسيا ومغاربيا وعربيا ودوليا فضلا عن مؤلفاته العديدة باللغة العربية والفرنسية منها على سبيل المثال: الفلاسفة والحرب (1985)، وأفلاطون والديالكتيك (1986)، وفلسفة التنوع (1987)، الفلسفة الشريدة (1987)، والعقل والحرية، وفلسفة الحداثة (1992)، (بالاشتراك مع د. رشيدة التريكي)، والحداثة وما بعد الحداثة (2003)، (بالاشتراك مع د. عبدالوهاب المسيري)، والهوية ورهاناتها (2010) وغيرها كثير.

تشغل الدكتور فتحي التريكي قضايا متعددة متضافرة مثل “فلسفة اليومي” التي تحتل مكانة خاصة في نشاطه الفلسفي وإلى جانب ذلك فهو يعالج عنقودا من القضايا الفكرية الساخنة الراهنة التي شغلت ولا تزال تشغل المفكرين المعاصرين في بلداننا وفي مختلف بلدان العالم وفي مقدمتها “أخلاقيات الفلسفة المعاصرة”، و”مجال التفلسف”، و”التعددية الثقافية” و”تضافر الثقافات”، و”المعقولية وثقافة التقدم”، و”الفلسفة والقول في الفن”، و”الهوية” و”دور المثقفين” في حركات التغيير السياسي والاجتماعي.

والجدير بالذكر هو أن عددا من الكتب والأطروحات الجامعية قد أنجزت حول أعمال "فتحي التريكي"، والتي كشفت لنا أن فتحي التريكي ينتمي إلى دائرة ما نطلق عليه اليوم الفلسفة العربية المعاصرة التي يتناول ممثليها بشجاعة مثيرة للإنتباه حاضر السؤال الفلسفي، والذي لم يعد محصورا في إنتاج الأنساق بقدر ما هو في التفكير، الفلسفة ذاتها التي يسميها بفلسفة التنوع والتي تتأسس على الإيمان بالعقل والحرية كطابع تتأسس عليه الفلسفة اللانسقية أو الفلسفة الشريدة النص الذي من خلاله يؤسس لشرعية السؤال الفلسفي والذي بدوره لم يعد حكرا على جغرافية معينة أو جنس بشري لا لشئ سوي لأن كل سؤال للفلسفة يجب أن ينبني على العقل الذي لا يقبل حصرا جغرافيا أو عرقيا، فالفلسفة الشريدة هي بيان لشرعنة التجربة الفلسفية من جهة، ومن جهة ثانية تحرير عملي من الأزمة السيكولوجية التي وضع الفكر العربي نفسه حبيسا لها (12).

وتبعا لذلك فإن البحث عن الفلسفة في رأي "فتحي التريكي" يتجلي في البحث عن فلسفة التنوع، والتي يعرفها في مدخل كتابه الفلسفة الشريدة كالتالي: لم نعد  نعتبر الفلسفة ذلك التفكير الكلي الموحد الذي يعطيك فكرة إن لم نقل حلا لكل سؤال يطرح عليها حسب هذه الوحدة الشاملة، لم تعد نسقا وحيدا، متماسكا بل أصبحت حرية وتنقلا شتاتا وتعددا تنتجها ميادين فتاتي مختلفة الأوجه متباينة المضارب والمآرب، إنها فلسفة مناهضة للنسقية والمذهب كما أنها تقوم على نقد العقل الموحد ورفضه ليحل محله منطق العقل المتنوع، وبناء على هذا تصبح الفلسفة المفتوحة تجمع الأفكار لتكوين  خطابات مختلفة من أجل التدخل في العلوم المختلفة، في الفن، والدين لتطور العلوم المختلفة، يغية توضيح المفاهيم وتحديد المناهج والدفاع عن حرية التفكير والإبداع، فالفلسفة المفتوحة بهذا المعني تعني اللانسقية واللامركزية واللاسيد في الخطاب الفلسفي، لأن الفلسفة قبل أن تصل إلى مرحلة الشرود والتنوع كثيرا ما كانت تتحدد مع تاريخها، أي تجعل من تاريخها وتاريخ أفكارها موضوعا للدراسة والبحث . ومن ثم أصبحت تعود غلى أصلها وتاريخها، وتلم بالأنساق الفلسفية السابقة وتفسرها وتصنفها إلى مذاهب وتيارات فلسفية عديدة وأصبحنا نحن بدورنا تايعين لهذا التصنيف والتقليد (13).

4- أقسام الدراسة:

يري "فتحي التريكي" أن الذاكرة ركيزة الحاضر، والتقاليد هي عامة تأصيل الذاكرة في الحاضر، وهي حضور الماضي واستمرار حيوي للوظائف الأساسية للمجتمع . فليس الحاضر كما يري المؤلف تقويض الذاكرة، وتلك التقاليد ولا يمكن أن يكون تكسير ما قد ركزته الذاكرة من تقاليد اجتماعية حيوية تضمن استمرارية نمط العيش في المجتمع ... وبهذا المعني، تبقي الذاكرة حيوية في الحاضر، وبهذا المعني تبقي التقاليد ضمانا لها . أما إذا أصبحت هذه الذاكرة وهذه التقاليد ثوابت مانعة لكل تحول فكري واجتماعي، إذا تحولت إلى نسق يفرض السكون والسكوت والثبات والانغلاق، فإن الحاضر يتحول إلى عملية صراع مع هذا النسق فيفرض بدوره التجاوز بأن يعود إلى الذاكرة لإظهار عوامل التغيير والحركة فيها كما يفرض النظر إلى المستقبل والمصير ركيزة للتحول وللعيش المشترك في كنف الكرامة (14).

ويستطرد "فتحي التريكي" فيقول:" هكذا سوف لن تكون كتابة السيرة الذاتية استكشاف الحقائق ورفع النقاب عن المجهول في حياة الكاتب ولن تقصد التشويق والإثارة ومعرفة الأحداث التي تهم الكاتب وإبداعاته فقط، فهي أيضا إحياء للحاضر من جديد باعتبار أن الحاضر يضمحل في اللحظة التي يعيشها الفرد ليدخل عالم الذاكرة ... يستهرب الحاضر دائما كالزئبق .. ويتركنا أمام مصيرنا.. عندئذ تكون سردية الذاكرة إبداعا في حد ذاته يأتي عادة في ثلاثة محاور أساسية . أما المحور الأول فهو يقوم على سرد العواطف والشعور . وكل ما يدخل في باب الوجدان وهي عملية صعبة تتطلب أحيانا تمزيق الغطاء الذي يحمي الفرد في حميميته ولكن ومع ذلك فإن شغف القارئ يزداد قوة عندما يجد في السيرة الذاتية عملية رفع النقاب عن الحميمي . إنها تشبه لذة استراق النظر، ولكن الوجدان هو انفتاح فوري ودون واسطة على الوجود.. أما المحور الثاني فيقوم علي العقل وتدبير الحياة وقد لا يهتم بهذه السردية الكبيرة من القراء لأنها قد تأتي في أسلوب غير تشويقي .. أما المحور الثالث فيهم أخلاقيات التعامل مع البشر والحيوان والطبيعة، وللقارئ اهتمام خاص بكيفية التعامل مع المبادئ وبناء المصير . فالحياة هي ايضا نضال متواصل من أجل قيم اختارها المرء لبناء مصيره ومصير وطنه ومحيطه .. نضالات لا تنتهي بأفراحها وأتراحها .. وستلعب الذاكرة هنا دور استئناف تلك النضالات من جديد .. لأن ذكرها من خلال تذكرها هو في حد ذاته نضال مستم (15).

لم يكتف بذلك بل يؤكد "فتحي التريكي" فيقول:" وشخصيا في هذا الوصف لمسيرتي الذاتية سأركز على المحور الثالث دون أن أترك المحورين الأولين لأنني أبتغي أن يكتشف القارئ بعض الجواني في مسيرتي والتي لم أتحدث عنها كثيرا أو بقيت غامضة .. إني أعتبر كل كتبي التي ألفتها أو التي حررتها أو التي شاركت فيها هي محطات نضالية من أجل عيش مشترك في كنف الكرامة . والاشتراك هنا يكون مع الأخ والصديق والزميل والمواطن والإنسان ولكن وأيضا مع الحيوان ومع الطبيعة من خلال قيم الجمال والكرامة .. واخترت نتيجة ذلك ألا يكون هذا السرد تعاقبا زمنيا بداية من الصغر وصولا إلى آنية الكتابة (16).

ثم يفتح "فتحي التريكي" سيرته بالحديث عن البيت العائلي الكبير الموجود على أطراف مدينة صفاقس، بيت ستلتقي فيه لاحقاً أسماء وازنة في الأدب والفكر والسياسة من أمثال محمود المسعدي ودرة بوزيد وحنا مينة وفرانسوا شاتلي وغيرهم... وكسائر مسارات الإنتلجانسيا العربية والمغاربية سيدخل الكتّاب وسيكون القرآن هو النص الأول في علاقته بالقراءة والكتابة (17)، وهو يروي لنا سيرة طفولته في هذا البيت العائلي، تصدمنا بشكل جارح صورة العم فرج، الرجل المخصي الذي يرتدي ألبسة غريبة لا هي تلك الخاصة بالرجال ولا تلك الخاصة بالنساء، لقد تم خصي هذا الرجل لأنه كان ينتمي إلى عائلة عبيد البايات، وكان طباخ زوجة وبنات الباي (18).

في هذا البيت، سيقضي "فتحي التريكي" طفولته ومراهقته، بين أسرة منسجمة محافظة لكنها ليست متعصبة، إذ يسمح الأب فيها لبناته الثلاث بالالتحاق بالمدرسة ولاحقاً الجامعة. ينهض وعي الفتى على أسئلة سياسية مركزها الحبيب بورقيبة بأفكاره الجريئة، وسيدخل المدرسة بأطوارها المنتظمة وسيتعلم باللغتين العربية والفرنسية، وسيكتشف مبكراً موهبته الأدبية، وسيكتب الشعر ويرسل قصائده إلى البرنامج الأدبي الإذاعي وسيعرف نجاحاً يجعل منه شاعر الثانوية، بل يُدعى إلى المشاركة في ملتقى خاص بالشعراء لإلقاء محاضرة عن أبي القاسم الشابي الذي يمثل طريقة الأول للكتابة والقراءة (19)، ولدى الالتحاق بالجامعة طالباً في قسم الفلسفة، ستعرف حياة فتحي التريكي انقلاباً جذرياً، وبالأساس بعد أن يقيم في شقة يؤجرها مع طلاب آخرين بشارع الحبيب بورقيبة، ولأنهم لم يكونوا يملكون خمسين ديناراً مقابل الكراء، فقد طلبوا من الفيلسوف ميشال فوكو الذي كان يدرّس في الجامعة أن يقرضهم المبلغ، وهو بالفعل ما حصل (20).

لقد فُتح باب الفلسفة لفتحي التريكي من خلال ميشيل فوكو، بحضوره وذكائه واجتهاداته، وسيكون هذا اللقاء محدداً لمصيره، ومساندة لقضية المرأة التونسية، فقد ألقى فوكو محاضرات عامة في نادي الروائية التونسية جليلة حفصية التي كانت تكتب بالفرنسية، وقد اندمج فوكو إلى حد كبير في الحياة الاجتماعية التونسية، كما يروي الكتاب، وكان على اتصال بنضالات الطلبة، بل إن بيته في سيدي بوسعيد سيصبح مقراً للقاءات المناضلين اليساريين (21).

إن انغماس فوكو في الحياة التونسية سياسياً وثقافياً جعله يعطي مثالاً مختلفاً عن الصورة النمطية للفيلسوف وذلك بانشغاله باليومي، وليقول لنا إن الفلسفة ليست منقطعة ولا مقطوعة عن الحياة اليومية، وهو ما جعل فتحي التريكي يمارس التفكير الفلسفي في تقاطع وجدل مع الفعل السياسي اليومي. ومنطلقاً من ذلك، تعرض هذه السيرة الذاتية محطات السجن والتوقيف والملاحقات والإقامة الجبرية التي تعرّض لها فتحي التريكي في مساره كطالب ومن ثم كأستاذ جامعي، والصعوبات السياسية التي اعترضت حياته المهنية لاحقاً (22).

ويعرض "فتحي التريكي" من خلال هذه السيرة الذاتية "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية"، مرحلة الثورة وسقوط نظام بن علي وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين واستحواذهم على السلطة والمؤسسات، وفي هذا ندرك كيف يُنْزِل الفيلسوف الفلسفة إلى الشارع لترافق المتظاهرين ولتصنع السؤال الفلسفي الذي يحاور ويفكك حلم التغيير الذي رفعته الآلاف التي أسقطت الديكتاتور، وكيف يسهم الفيلسوف في صناعة يوميات الثورة من خلال المشاركة في التظاهرات وأيضاً من خلال عضويته في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي" (23).

بهذه السيرة الذاتية، ندرك بأن زمن الفيلسوف الذي يعيش في البرج العالي قد ولّى، وهذا زمن جديد قد حل حيث لا وجود للفلسفة والفيلسوف إلا في معترك الحياة اليومية، فالمفاهيم تنحت من مساهمة الفيلسوف في التغيير ومن حركية التاريخ الذي يصنعه اليومي في تفاصيله الغنية.

والسؤال الان هو: هل نجح المؤلف في تحقيق هذا الهدف الذي نذر كتابه له؟

في ظني أن المؤلف تمكن – إلي حد كبير – من تحقيق هذا الهدف، إذ يلحظ القارئ – المنصف- أن فتحي التريكي أكد علي حقيقة مهمة في هذا الكتاب وهو أن  أدب السير لا ينتعش حقيقة إلّا في المجتمعات التي تعطي للفرد حرّيته وقيمته الذاتيّة. لذلك نري الكاتب يعلن بأننا:" لن تجد هذا النوع من الكتابة منتشرا في المجتمعات العربية المغلقة والتي تحرّم وتكفّر وتغلق التفكير في الذات والتجارب الفرديّة بينما لنا طاقات عجيبة وذات أهمّية قصوى في كتابة تاريخ الأمّة. نحن شعب الجماعة ولسنا شعب الذات. وقد بدأت الرواية في تعرية الفرد والاهتمام بالحياة الفرديّة والحميميّة ولكنّ ذلك يدخل ضمن باب الخيال ويشير إلى آخر نتحدّث عنه بينما السيرة ملزمة لأنا المتكلّم وكلّ حدث بل كلّ لحظة تضمّنتها سرديّة السيرة خيالية كانت أم واقعيّة تلزم الكاتب وتصبغ صورته نهائيا. كلّنا قرأنا الأيام لطه حسين وبقيت في أذهاننا الصورة التي بناها لنا بإتقان عجيب. لكلّ ذلك ترددت كثيرا قبل كتابة سيرتي الذاتية....وعلى هذا الأساس وجّهت الحفر في الذّاكرة أساسا نحو نضالاتي المتعدّدة في مراحل مختلفة من مسيرتي وسأخصص الجزء الثاني للحديث عن سيرتي الفلسفية وأملي أن يستفيد القارئ منها. فالذاكرة ركيزة الحاضر، والتقاليد هي عامة تأصيل الذاكرة في الحاضر، وهي حضور الماضي واستمرار حيوي للوظائف الأساسية للمجتمع" (24).

كما أن حرص "فتحي التريكي" علي الموضوعية والحياد، لم يصل إلي درجة التجرد من الحرص علي منطلقات الأمة وثوابتها، بل راح يعلق بين الفينة والأخرى، ويحاور القارئ ويشركه في الحوار، ويبدي غضبه أحياناً ممن يمس عقيدته أو ثوابته،حتي أنه يقول بصراحة:" في كلّ أعمالي تقريبا حاولت التشهير بسلطان الكلمات التي تأتي في قالب مذهبيّة مغلقة وبكلّ هيمنة للمذاهب الكليانيّة في الميدان السياسي وفي الميدان الفلسفي على حد السواء. لكلّ ذلك دافعت عن الفلسفة المفتوحة التي تضم داخلها كل المواضيع الفلسفية الكلاسيكية من جهة ومواضيع الحياة اليوميّة المتنوّعة من جهة أخرى.. لهذا السبب على كلّ ممارسة فلسفية إذا أردنا إحياء الفكر الفلسفي من جديد في عالمنا العربي أن تتجنّب إضفاء المشروعية الدائمة على ما نعرفه من قبل وبالتالي على كل تارخيّة مفرطة للفلسفة ولتعليمها. فعليها أن تكف عن نبش جثتها وتشريح أعضائها وأن تكون قولا توضيحيا وتفكيريا في مواجهة فعلية لايديولوجيا الارتكاس، أي في مواجهة فقدان الذات والعدم. فالإشكال عندنا وجودي مصيري ينطلق من السخط المشترك الذي لاحظناه عند المثقفين العرب على الوضعية التي آل إليها فكر الحداثة والمعاصرة في المجتمعات العربية والفهم المغلوط والمنحرف لمعانيه الدّقيقة مما دعا البعض إلى تعمّد إقصاء كافة تميّزاته ونعته بالفشل والدعوة إلى التخلي عنه إما في سبيل تجاوزه نحو ما سمّي "بما بعد الحداثة" وإما تنكرًا ودعوة إلى إحياء السلف وتمترسًا بالأيديولوجيا التراثيّة الارتكاسية والرجعية (25).

ويستطرد "فتحي التريكي" فيقول: لقد هيّأت الفلسفة المفتوحة في العالم العربي أمكانيّة النضال ضد الأنغلاق الفكري والسياسي لذلك وجب في رأيي أن تتمحور الإشكالية الأساسية للفلسفة العربية المعاصرة حول الحرّية والمواطنة. ولا أشك لحظة أنّ القصد في الفلسفة العربية المعاصرة بإمكاناتها المحدودة تحاول تركيز فكرة المواطنة في الحياة الاجتماعية العربية وألخّصه في تصّور التعقّليّة في معاملاتنا المختلفة على كل المستويات. من هذا المنظور لابد على المثقف العربي أن يناضل ضد مظاهر العنف والإقصاء بواسطة تجذير العقل في حياتنا اليومية والانفتاح على الغير. نعني بالغير الإنسان الآخر الذي هو إنسان مثلي له نفس الحقوق ووجوده يساوي وجودي انطولوجيا و أخلاقيا وقانونيا، ولكنه يختلف عني في نمط وجوده وحياته وقناعاته. يعني ذلك أن "الإنسان الغير" ليس هو فقط غير أنا بل هو أنا آخر، أنا الغير، هو الأنا الذي يختلف عن ذاتيتي وهو موجود مثلي في عالمنا المشترك له حضوره كأنا آخر سواء كان في علاقة معي أو كان منفصلا كل الانفصال عني. وبإيجاز كبير يمكننا إحياء الفكر الفلسفي عندنا بتجديد مفاهيمنا ولإبداع نظريّات تناسبنا وتحيي معاصرتنا وحداثتنا حتّى نتعايش في كنف الكرامة" (26).

ويسرني في نهاية هذه القراءة أن أبارك للأستاذ الدكتور فتحي التريكي تأسيسه لموضوع جديد وهو السيرة الذاتية الفلسفية، حيث إن أغلب  ما يقصد إليه المفكرون والفلاسفة، أثناء كتابة سيرهم الذاتية، هو النمو الروحي والفكري لشخصياتهم، ثمّ التطور المعرفي الذي يطرأ على رؤاهم إزاء مشكلات الفهم المختلفة، وأيضاً قياساً إلى العوامل المحيطة بهم، وليس من قبيل الشخصانية المتمحورة حول الأنا، ما يدفعهم إلى الكتابة عن أنفسهم. وإمّا هو الربط بين سيرهم ومسيرتهم العلمية والثقافية ما يجنح إلى فعل ذلك.

وفي رأيي "فتحي التريكي"، فالفلسفة التي أصبحت ذات اتجاه تنوّعي وتطبيقي يمكنها فتح مجالات فكرنا نحو إحداثيات العصر حتّى نمتلك عصرنا ونفهم آلياته. وعندما يقترب التفكير الفلسفي المعاصر أكثر من مشاغلنا وهمومنا، وذلك بآليات الفلسفة وتقنياتها، مطيحاً بأرستقراطيتها وعزلتها، سيكون هذا التفكير مجبراً على إبراز الصبغة العملية التطبيقية للفلسفة، وسيعتبر أن مجالها الحقيقي قد تحدد الآن في النقد والعقل والتعقّل.. والرّهان الذي نشتغل عليه نحن في تونس اليوم، ضمن نشاط ثقافتنا وندافع عنه، هو إعطاء الفلسفة القدرة على الدفاع عن سيادة الفرد الحرّ ضدّ التحيُّز الجمعي، دون أن يسقط الفرد في غياهب الوحدة والتفكّك.

إنّ الدّفاع عن الحريّة وعن الحقّ في الاختلاف وعن الغيريّة في نظر "فتحي التريكي"، هو في النّهاية نضال من أجل أن تكون كرامة الإنسان مبدأ وأُسّاً لكلّ عيش معاً. وفي رأيي، يجب أن تكون تلك هي الغاية القصوى للفلسفة في العالم العربي إذا ما أراد اجتراح نقلة نوعيّة من استيراد الأفكار والعلوم والتكنولوجيا إلى الإبداع الحقيقي في هذه الميادين، دون التخلي طبعاً عن تقاليدنا وعن تراثنا المنير.

وحتى لا يطول بنا الحديث أقول في نهاية حديثي تحيَّة طيبة لأخي الدكتور ”  فتحي التريكي”، الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للفيلسوف الحق الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج، هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهيَّة الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور”  فتحي التريكي ”،  بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لفيلسوف نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود.

تحيةً لـ”  فتحي التريكي ”، ،  الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في ”  فتحي التريكي ”،  قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...........................

الهوامش

12- د. بن شرقي بم مزيان: التجربة الفلسفية وحدود الممارسة في فكر فتحي التريكي، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2006، ص 51.

13-د. خان جمال: فكرة الوحدة ومعقولية التنوع، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرةن 2006، ص 76.

14- فتحي التريكي:  المصدر نفسه، ص 18.

15- المصدر نفسه، ص 19.

16- المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

17- المصدر نفسه، ص 23 وما بعدها.

18- المصدر نفسه، ص 28.

19- المصدر نفسه، ص 32.

20- المصدر نفسه، ص 38.

21- المصدر نفسه، ص 41.

22- المصدر نفسه، ص 46.

23- المصدر نفسه، ص 53.

24- المصدر نفسه، ص 55.

25- المصدر نفسه، ص 63.

26- المصدر نفسه، ص 78.

 

 

محمود محمد عليتقديم: لا شك في أن الإنسان العظيم كالمحيط الواسع، في أي ناحية تنظر إليه تراه يعانق السماء، ويوحي لقاء الأفق هذا بالارتفاع، بكل مضمونات الرفعة المعنوية والرفعة المادية معاً، لأنك في كل ناحية ترسل نظرك فيها تجد جمالاً أو فضلاً، وتقتنع فوراً بأن العين لم تحط بعد بكل الجمال الذي فيه، ولم يدرك العقل بعد كل الخير الذي احتواه.

والأستاذ الدكتور فتحي التريكي (30 مايو 1947......... )، الأستاذ المتميّز في الفلسفة، وصاحب كرسي اليونسكو بالعالم العربي، ونشهد للمناضل الديمقراطي والمفكّر النّابه بانخراطه في القيم الكونية وخوضه لأعوص القضايا العقلانية، تحت مسميات متعددة " معقولية التنوع "،"فلسفة الحداثة "، " العقل والحرية"، " الحداثة وما بعد الحداثة" ؛ إضافة إلى دراساته بالفرنسية عن " الروح التاريخي عند العرب " و" استراتيجية الهوية"، والفلاسفة والحرب" (1).

وقد وجدت رؤية فتحي التريكي (مع حفظ الألقاب) اهتماما لدي عدد من الباحثين خاصة في تونس والحزائر، ممن تناولوا الموضوعات التي كتب فيها بالبحث والتعليق من تلاميذه المتكثرون في الجامعات العربية والذين يميلون إلى تأكيد الرؤية الفلسفية البديلة التي يطرحها، وهي روج النقد والمعقولية، والتعدد، والتفتح، الداعية للصداقة والغيرية والعيش سويا، وهو يمثل بالنسبة لهم رامزا رأسماليا وفق تعبير بورديو من كونه سلطة معرفية (2).

وهذا واضح من خلال كتابه الأخير الذي بين أيدينا، وهو كتاب "الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية"، التي صدرت عن الدار المتوسطية للنشر بتونس عام 2020م، حيث يطرح رؤيته الخاصة لما يسميه بالسيرة الذاتية الفلسفية، من خلال كتابته عن سيرة الفكرة في ولادتها وطفولتها ومراهقتها وشبابها وكهولتها وشيخوختها، وفي علاقتها الجدلية مع حياته الفردية والجماعية، مع الحميمي والسياسي، وتلك معادلة ليست يسيرة التحقيق ؛ خاصة وأن فن السيرة الذاتية الفلسفية عند فتحي التريكي فيه "نوع من الحكي الروائي الذي يستعين بجماليات الأسلوب، وبالقدرة على التخييل في تصوير عالم زماني مكاني. ومع ذلك، فإن السيرة الذاتية هنا في نظر فتحي التريكي تختلف عن الرواية في أن العالم الذي تصوره هو عالم الذات، أو هو العالم كما تراه الذات الساردة، بينما هناك في الرواية عوالم ورؤى مختلفة للذوات التي ينسجها المؤلف في إطار عمله" (3).

كذلك في هذا الكتاب أكد التريكي أن القارئ سيجد فيه نوعا من التقاطع بين الذكريات والمذكرات والسيرة الذاتيّة دون أن ألتزم بقواعد السيرة الذاتيّة وشروط سرد الذكريات ومتطلبات الكشف عن المذكرات... ليس ذلك بسبب عسر كشف الذات أو نتيجة تضخيمها... إنّما ليكون هذا التقاطع مؤشرا على موضوعيّة التّمشي وصدق المبتغى. فسرد مسيرتي الذاتية يتطلب تداخلا بين هذه الأجناس وبين أدبيّات أخرى كالرواية والتاريخ والفلسفة لذلك لم أتوخّ السرد فقط بل استعملت التفكير الفلسفي أحيانا والتحقّق التاريخي أحيانا أخرى كما استعدت زمن البدايات واستشرفت زمن المصير كاشفا ميولاتي وقناعاتي معلنا نجاحاتي وخيباتي مستحضرا صداقاتي وخصوماتي... وأنا الآن بصدد إعداد الجزء الثاني الذي سأتناول فيه بنفس الأسلوب مسيرتي الفلسفيّة بحثا وتدريسا في الجامعة وخارجها والتي لا تخلو هي أيضا من تجارب حملت لي صداقات وخصومات سأذكرها وأذكر أصحابها بالاسم أحيانا ومنهم من رحل عن هذه الدنيا لتكون هذه المسيرة مساهمة مني في إلقاء بعض الأضواء على فترة مهمّة من تاريخ الجامعة التونسية التي هي جزء من تاريخ تونس المعاصر المفترى عليه في كثير من أحداثه وشخصياته (4).

ولهذا يعد كتاب " الذاكرة والمصير " من الدراسات القليلة التي تناولت فلسفة السيرة الفلسفبة، وهو كتاب جديد في أسلوبه، ومتميز في ومنهجيه، ويعد إضافة معرفية نوعية من بابه ؛ نظراً لما يقدمه من رؤى وأفكار، وليس ثمة غرابة أو مغامرة في أن يخوض فتحي التريكي محطات في سيرته الذاتية"، ومن بين هذه المحطات : محطة مرحلة ثورة الياسمين ولحظة سقوط نظام "زين العابدين بن علي" وما بعدها وما رافق ذلك من خوف من صعود الإسلاميين واستحواذهم على السلطة والمؤسسات، وفي هذا ندرك كيف يُنْزِل الفيلسوف الفلسفة إلى الشارع ليرافق المتظاهرين وليصنع السؤال الفلسفي الذي يحاور ويفكك حلم التغيير الذي رفعته الآلاف التي أسقطت الديكتاتور، وكيف يسهم الفيلسوف في صناعة يوميات الثورة من خلال المشاركة في التظاهرات وأيضاً من خلال عضويته في "الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي"؛ وبهذه السيرة الذاتية التي قدمها لنا فتحي التريكي، ندرك بأن زمن الفيلسوف الذي يعيش في البرج العالي قد ولّى في نظر فتحي التريكي، وهذا زمن جديد قد حل حيث لا وجود للفلسفة والفيلسوف إلا في معترك الحياة اليومية، فالمفاهيم تنحت من مساهمة الفيلسوف في التغيير ومن حركية التاريخ الذي يصنعه اليومي في تفاصيله الغنية (5).

ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه، أن أخمِّن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في موضوع "فلسفة السيرة الذاتية "، وشرح أفكاره الفلسفية بطريقة نقديَّة، وهذا واضح من خلال التوجّه التي سار عليه " فتحي التريكي" في هذا الكتاب الذي بين أيدينا، حيث يقول :" المحطات المتعددة من مسيرتي الذاتية ستكون دون ترتيب زمني صارم، وقائمة على تنظيم له منطقيته الخاصة.. تجربتي في الحياة ثرية فيها خيبات مريرة وفيها نجاحات عديدة ولكنها مسار نضالي متعقل وجودي أحيانا واجتماعي أحيانا وسياسي لا محالة.. يسرني الكشف هنا عن بعض جوانيها خدمة لمبادئ ظلت تصاحبني في مسار حياتي وأعني التآنس والتآزر.. سيجد القارئ هنا نوعا من التقاطع بين الذكريات والمذكرات والسيرة الذاتية دون أن ألتزم بقواعد السيرة الذاتية وشروط سرد الذكريات، ومتطلبات الكشف عن المذكرات.. ليس ذلك نتيجة عسر كشف الذات أو نتيجة تضخيمها.. إنما بالنسبة إلى يكون هذا التقاطع مؤشرا على صدق التمشي وموضوعية المبتغي. فسرد مسيرتي الذاتية يتطلب تداخلا بين هذه الأجناس وبين أدبيات أخرى كالرواية والتاريخ والفلسفة لذلك لم أتوخ السرد فقط، بل استعملت التفكير الفلسفي أحيانا والتحقق التاريخي أحيانا أخرى كما استعدت زمن البدايات واستشرفت زمن المصير كاشفا ميولي وقناعاتي ذاكرا نجاحاتي وخيباتي مستحضرا صداقاتي وعداواتي (6).

2-أهمية الكتاب:

إن البحث الفلسفي في فكر " فتحي التريكي " تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية " فتحي التريكي " وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد " فتحي التريكي " واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من أساتذتنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه الورقة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفلسفة، وقد اخترت كتابه الذي بين يدي وهو بعنوان " الذاكرة والمصير: محطات في سيرتي الذاتية "، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات التي عني بها مؤلفها " فتحي التريكي " بالدفاع عن "فلسفة السيرة الذاتية".

وهنا " فتحي التريكي" أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين :

الدافع الأول : نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في حبكة فلسفية ممزوجة بالأدب، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني : واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف :" من الصعب جدا كتابة السيرة الذاتية لأن ذلك يتطلب استنطاق الذاكرة واستحضارها لتتأقلم مع حاضر لم تكن فيه وتأول حاضرا غادرته... هناك توتر بين حاضر مضي وحاضر سيمضي.. وهو توتر بين نقطة الاستهراب التي تميز الإحداثيات ونقط التجذر التي تشد القول والفعل إلى سمات الماضي والأصل. ولأن الحياة ذاركة والحب ذاكرة و" الذاكرة " هي البرهان الأنقي " للحاضر".. وهنا أيضا تكون الذاكرة هي الحياة والذاكرة هب الحب، وهي المصير وهي الموت (7).

لقد استطاع " فتحي التريكي" الوصول إلي نتائج ترفع من مستوي القارئ، وتجعله يقترب بسهولة من الكتاب إلي درجة الألفة والاستئناس، ويمكن إيجاز هذه الجوانب الإيجابية من المؤلف ما يلي :

أولا: الجانب التعريفي : لقد جاء الكتاب مفعماً بالجانب التعريفي من حيث أن المؤلف إنصاع المؤلف في هذا الكتاب لمغامرة "سردية الذاكرة " بما فيها من "عواطف وشعور" وكذلك من "العقل وتدبير الحياة" وأيضا بالخصوص من " أخلاقيات التعامل مع البشر والحيوان والطبيعة ". هذه المحاور الأساسية الثلاثة هي التي تؤثّث كتابه الجديد "الذاكرة والمصير، محطّات في سيرتي الذاتية" (8).

ثانياً : التتبع الدقيق للمتعة النصية من خلال من خلال أسلوبه الشيق الذي يحلّق في محطات كثيرة إلى مرتبة "الكتابة الأدبية"، لغة وتصويراً وتخيلاً، ولكنه وفي الوقت ذاته يقلّب مواجع تونس وأحلامها متقاطعة ومتناغمة مع أحلام ومصاعب فتحي التريكي نفسه، حيث يقول فتحي التريكي :" ذاتيتي هي عصري الذي عشته بحوارحي وتعقلي بقوة وجداني وصبر معقولياتي.. نعم هويتي هي ذاكرتي، ولكنها أيضا مصيري صنعته بعقلي وممارساتي ونضالي وانصهاري في الهنا والآن.. فالممارسة التذكيرية تتراوح بين الاعتراف والتعريف والكشف والتعرية من ناحية وبين ضبط وحدود المباح والتستر وفاء أو تشفيا عن اللامعقول.. فلن يجد القارئ هنا كل ما هو حميمي خاص.. ولن أنغمس في طيات حياتي الخاصة.. ذلك شأني لا أتقاسمه إلا مع ذاتي.. كذلك لن أتعمق في مسيرتي الفلسفية لعل الظروف ستتيح لي يوما كتابتها بإطناب (9).

ثالثا: الإحاطة الجيدة لحدود الموضوع المدروس، لقد أبان فتحي التريكي عن حسن تبصر، وعن رؤية واضحة للموضوع المدروس، مما جعله متمكناً من المعلومات التي يعرضها، فلقد استطاع أن يوجهها لخدمة المرجعيات الأساسية التي شكلت المنطلق الأول لتكوين فكره الفلسفي بداية من "السندباد البحري"، مروراً بـ "حي بن يقظان"، وصولاً إلى كتابات كل من جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين والعقاد من المكتبة العربية ومن المكتبة العالمية سيبدأ رحلة القراءة بألفونس دودي وفيكتور هوغو وألكسندر دوما وجان جاك روسو والبيان الشيوعي لماركس وإنغلز وفرويد... لكن فوق كل هذه القراءات، سيظل الشابي هو المسيطر على اهتمام فتحي التريكي الشاب، ليلتحق به لاحقاً بدر شاكر السياب. (10).

رايعا : ربط الفلسفة بالشعر، حيث يتضح لنا ذلك من خلال لغة فتحي التريكي الشعرية، حيث يقول : " لا أنكر أني قريب من ذاتي جدا.. اهتم بها واعتني بكل جوانبها.. أصقلها يوميا بالمعارف والبرهان.. أجملها بالفنون والعرفان.. أنقدها وأنقذها إن حادت.. أعاقبها إن شذت.. أعاتبها إن انتفخت أو تجبرت.. أسمو بها إلى المرفق لتسكن الحب السرمدي، عالم السكون الأبدي.. المطلق.. ولكني قريب أيضا من ذات الغير.. أحاورها وأزاحمها.. أصقلها بالعلم والوجدان.. أعاهدها الأمان.. أنسي أنها في الأصل ذئب للإنسان.. وأترك الزمن للزمان فإن صدقت وحسنت عشرتها نالت صداقتي ومحبتي.. وإن انحرفت وكشرت عن أنيابها ابتعدت عنها حافظا لكرامتي ولكرامتها.. والغير أيضا غير الإنسان.. هو الطبيعة والنبات والحيوان.. عشت في الطبيعة طفولتي وشبابي وشيخوختي كوجود لا كمكان.. أحتفي بها إن كانت حجارة وترابا أو ديكا وغرابا أو حيوانا مؤذيا كالعقرب والثعبان.. ذاتي قريبة جدا من الذات الأزلية.. ذات الوجود الربانية.. أسمو بسموها.. تفتح لي باب مغادرة التفاهة ومعانقة النقاهة.. فالذات الإلهية منبع الحب والعشق والوله.. تمنحك الوجود السرمدي ليمسي وجودك الوجود.. فالذات إن قربت من ذاتيتها ومن ذاتية غيرها حلت في الذات الإلهية واكتملت (11).. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

الهوامش

1- د. أحمد عبد الحليم : الفيلسوف حارس المدينة، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرةن 2006، ص 13.

2- نفس المرجع، ص 14.

3-فتحي التريكي : الذاكرة والمصير محطات في سيرتي الذاتية، الدار الموصلية للعلم، تونس، 2020، ص 17.

4- المصدر نفسه، ص 18.

5- أمين الزواوي : فتحي التريكي في سيرته الذاتية: من أبي القاسم الشابي إلى ميشال فوكو، مقال بالاندبندنت العربية، الخميس 9 ديسمبر 2021 0:52

6- فتحي التريكي : المصدر نفسه، ص 20.

7- المصدر نفسه، ص 17,

8- المصدر نفسه، ص 18,

9- المصدر نفسه، ص 21.

10- أمين الزواوي : نفس المرجع.

11- فتحي التريكي : المصدر نفسه، ص 21.

 

الصفحة 3 من 3

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م