قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

‏  إيقاعُ التقدم المتسارع للذكاء الصناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الصناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدمُ المتسارع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله. كلّما تضخم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

‏‏لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ ومشاكلَ وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشاكلُ والأزمات فرديةً أو مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه. كانت الفلسفةُ وستبقى تستجيبُ لما يستجدُّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 - 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 - 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 - 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 - 1955).

علاقةُ الفلسفة باللاهوت عضوية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح، كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف. كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةً للامعقول. لا يضعُ اللاهوت في حدوده ويمنع تغوّله إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوت إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعين فلسفية.

لم تشهد المكتبةُ الفلسفية العربية غزارةً في الإصدارات كما يحدثُ في السنوات الأخيرة نتيجةَ تعدّدِ المؤسسات الراعية للترجمة، والمبادراتِ الفردية والجماعية في التأليف، واتساعِ التعليم العالي وكثافةِ أعداد رسائل الماجستير والدكتوراه في الدراسات العليا للفلسفة، والنشرِ الورقي والالكتروني. غزارةُ المطبوعات الفلسفية وتنوّعُها بقدر ما تثري المكتبةَ الفلسفية كميًا، قلّما تكشفُ عن عمق التفكير الفلسفي والخروجِ من تكرار الشروح وشروح الشروح والتعليقات الانطباعية وأحيانًا العبثية على أقوال الفلاسفة. هذه الغزارةُ في الكتابة توقع القارئَ المتخصّص في حيرة انتقاء ما هو جادّ من هذه الكتابات، إذ لا يتسع وقتُ الإنسان وطاقتُه لأن يقرأ كلَّ كتاب أو مقال يقع في إطار اهتماماته، كي يكتشف مدى تميّزه وفرادة تفكير كاتبه. كان الفشلُ أكثرَ من النجاح في انتخابي للكتاب أو المقال الذي لا أعرف كاتبَه، قلّما أعثر في الاختيار العشوائي، اعتمادًا على جاذبية العنوان، على عملٍ يثير اهتمامي ويشدّني إلى مطالعته بشغف. أكثرُ الكتب أتورط بشرائها، وبعد جولة سريعة في ثنايا صفحاتها من المقدمة حتى الخاتمة تخيّب ظني، وأحيانًا أنزعج لإنهاك عيني المتعبة بقراءة عبثية، ولضياع الوقت والجهد والمال، وكأني كنت ضحيةَ خدعةٍ دعائية أوقعني فيها عنوانٌ برّاق وطباعةٌ مغرية.

لا يفرض الفكرُ حضورَه بقوته وتعبيرِه عن الواقع فقط. بعضُ الكتّاب اتخذتهم أحزابٌ ماركسية وقومية وأصولية مرجعياتٍ فكرية مُلهِمة لها، ففرضت كتاباتُهم حضورَها بقوة، وإن كانت قيمةُ هذه الكتاباتُ متواضعة. الفكرُ الذي يفرضُ نفسَه يسوّقه حزبٌ سياسي فاعل ومؤثر، أو تفرضه سلطةٌ تخضعُ لها الأرواحُ طوعًا، أو ترضخُ لها العقولُ قهرًا.

لا يدلّنا رواجُ سوق كتابٍ على فرادته وقوة مضمونه، ولا تعني غزارةُ الكتابة وكثافةُ الإصدارات القدرةَ على التأملِ والتفكيرِ الصبور وامتلاكِ البصيرة الثاقبة. أعرفُ مَنْ يكتبُ بغزارة عنوانات فلسفية من دون أن يدرسَ أو يقرأ أيَّ نصٍّ فلسفي، وكأن الكتابةَ الفلسفية أمست مهنةَ مَنْ لا مهنةَ له.

صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

يتعذّر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية، كلُّ محاولةٍ للفهمِ تُفَكِّر في إطارٍ معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الحديثة تفضي إلى نتائجَ تفرضها مقدماتٌ تصورية وبراهينُ وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي. وهو ما سقطتْ فيه محاولاتُ جماعة من المهتمين بهذه الفلسفة في الحوزات وغيرها من مؤسّساتنا التعليمية، ممن أتقنوا المنطقَ الأرسطي وتشبّع ذهنُهم بمقدّماته التصوريّة وبراهينِه وأشكالِ قياساته، وتمرّسوا في استعمالِ أدواتِه في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. هناك خبراءُ ممن يمتلكون تكوينًا أكاديميًّا جادًا في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفةٌ جيّدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية، يتسيّدون المشهدَ الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيُّون متديِّنُون، غير أنهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءاتٍ موهمةً ومضلّلةً للفلسفة الحديثة، تلوّنها بألوان مشوّهة، وتقوّلها ما لا تقول. القارئُ الخبير يدرك أنهم يتفلسفون ضدَّ الفلسفة.

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كونيُّ، عابرٌ للجغرافية الإثنيّة والأيديولوجيَّة والدينية. قراءةُ الفلسفة بعيون أيديولوجية تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بعيون لاهوتية تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بعيون كلاميّة تنتجُ علمَ كلام. لا ينتج الفلسفةَ إلّا التفكيرُ الفلسفي، والقراءةُ الفلسفيّةُ للفلسفة.

إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. عندما يصادفني كتابٌ أو مقالٌ فلسفي يتحدثُ لغةَ الفلسفة أشعر كأني عثرتُ على كنز مفقود. فوجئت قبل سنوات بالعقل الفلسفي الخلّاق للدكتور منذر جلوب منذ قراءتي لمقاله الأول، عندما تكرّم فبادر بالكتابة لمجلة قضايا إسلامية معاصرة. أدمنتُ بعد ذلك مطالعةَ أعماله، في كّلِ مرة يفاجئني هذا العقلُ اليقظ بمحاكمته لآراء فلاسفة كبار وتقويضه لها، مثلما تعجبني براعتُه ببناء رؤىً فلسفية ينفرد بها. لا أتفق مع كلِّ نقاشاته وأدلته ورؤاه وآرائه ونتائجه، ليس المهم أن نتفق أو نختلف مع طريقة تفكير مَنْ يتفلسفُ ومحاججاته وتقويضاته ونتائجه، المهم أن نقرأ عقلًا يفكِّر فلسفيًا بطريقته الخاصة، ويكتب الفلسفةَ بلغته الفلسفية. منذر جلوب يفرض على قارئ الفلسفة المتمرّس الاعترافَ بذكائه الفلسفي. ذكاؤه يدهش القارئَ في الخروج على طريقة التفكير الفلسفي لأساتذته ولغيرهم، ولأكثر مَنْ يقرأ لهم من كتّاب الفلسفة العرب اليوم. منذرُ يمتلكُ موهبةَ التفلسف، مَنْ يريد تعلُّمَ التفلسف يلتقي في كتاب "الوعي والعدم" أحدَ المعلّمين الماهرين اليوم للتفلسف. تعلّمُ الفلسفةِ تعلّمُ التساؤلِ والتفلسف، التساؤل والتفلسفُ إيقاظٌ متواصل للعقل، لا تولد الفلسفةُ إلا بعدَ انبعاثِ واتساعِ التساؤلِ والتفلسف، لا حياةَ للفلسفة إلا بالتساؤل والتفلسف. لا تعكس الفلسفةُ مرحلةً من مراحل تطور الوعي البشري، الفلسفةُ تواكبُ الوعيَ ولا تتخلّفُ عنه حتى لو سادَ العلمُ الحياة العقلية للإنسان، العلمُ يطرح على الفلسفة أسئلتَه ومشكلاتِه العويصة التي يعجزُ عن اكتشافِ طرق الخلاص منها في فضاء المادة والمحسوس والتجربة، وهي لا سواها مَنْ يرشدُه لدروب الخلاص، لن تموتَ الفلسفةُ مادامَ الإنسانُ يتساءل ويتفلسف.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

علاء اللاميقراءة في كتاب "وصفي طاهر.. رجل من العراق": ممهدات ثورة 14 تموز 1958 تفاصيل الساعات الأخيرة لثوارها!

إنه كتاب توثيقي مصوَّر ألَّفته السيدة نضال وصفي طاهر كريمة الشهيد وصفي، رفقة الصديق الكاتب رواء الجصاني، الذي أشكره جزيل الشكر على إهدائي نسخة من هذا الكتاب وكتابين آخرين من تأليفه. هذه قراءة سريعة في الكتاب:

يتوزع الكتاب - الموَّثق بشكل جيد - على عشرة فصول مرفوقة بعدد من صور الوثائق والصور الشخصية النادرة للشهيد ورفاقه وأفراد عائلته وزملائه في السلاح في فلسطين خلال حرب 1948 والعراق قبل وبعد ثورة 14 تموز 1958. ولكني سأركز في قراءتي هذه على ما اعتقد أنه جديد ومهم ولم يتطرق إليه أحد من قبل بهذا التوثيق، أو أنه ورد في مؤلفات أخرى لم تنل حظها من الانتشار.

1- محاولات الانقلابات العسكرية التي سبقت محاولة 14 تموز: تكتب السيدة بلقيس عبد الرحمن عقيلة الشهيد وصفي في مخطوطة مذكراتها، كما يقتبس المؤلفان، أن محاولة للقيام بانقلاب عسكري كانت قد حدد لها موعد قبل شهرين من 14 تموز، وأن زوجها ودَّعها وأوصها بأن تكون شجاعة، وطمأنها بأنه ورفاقه سينجحون في محاولتهم بكل تأكيد، غير أنه عاد في مساء اليوم ذاته وأبلغها أن الموعد قد تأجل إلى إشعار آخر.

2- ينقل لنا المؤلفان عن مذكرات ثابت حبيب العاني، القيادي في الحزب الشيوعي، أن محاولة أخرى جرت في شهر آيار من السنة ذاتها "كرد على من يسعى إلى تجاهل دور الحزب الشيوعي في القوات المسلحة"، وكان يقود المحاولة عبد الوهاب الشواف، وأداة تنفيذها اللواء الخامس عشر بقيادة ناجي طالب وعبد الغني الراوي في البصرة. ولا يمكن فهم هذا الربط المباشر والقوي بين الحزب الشيوعي وهذه المحاولة التي يقودها الشواف في ضوء الصورة السلبية والعدائية التي رسخها إعلام الحزب عن الشواف ودوره في تاريخ ثورة تموز الذي انتهى نهاية مأساوية حيث أعدم بعد فشل المحاولة الانقلابية التي اتهم بقيادتها في آذار سنة 1959 بالموصل، إلا بالخروج النقدي على الروايات الحزبية المتعادية والمنحازة كلّ لحزبها، والتي هيمنت على أحداث وحيثيات الثورة والتاريخ العراقي الحديث ككل، وإعادة قراءتها نقديا، فهل كان هناك تنسيق بين الحزب وقيادة هذه المحاولة كما يوحي كلام العاني؟ ثم يتحدث العاني - كما ينقل لنا المؤلفان - عن محاولة أخرى كان تخطط لها مجموعة أخرى تعرف باسم "مجموعة القسم"، يقودها طه الدوري وأحمد محسن العلي وخليل إبراهيم العلي والشهيد خزعل علي السعدي، وكان للبعثيين دور فيها مثَّله الضابط حسن النقيب وآخرون. وأن حوالي مائة ضابط أغلبهم من الشيوعيين يشاركون في هذه المحاولة التي حُدد للقيام بها تاريخ الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 1957. ونعلم أن الشواف طلب من وصفي طاهر أن يبلغ عبد الكريم قاسم بأن يلتحق بوحدته في قاعدة منصورية الجبل؛ ولكن وصفي عاد إليهم في الصباح ليخبرهم أن المحاولة قد فشلت، دون مزيد من التفاصيل. وكنتُ قد قلت في كتابات سابقة عن ثورة تموز، بأنها من الناحية التنفيذية والتقنية أقرب الى انقلاب عسكري قاسمي عارفي "تنظيم المنصورية" داخل الانقلاب الأكبر الذي كان يخطط له تنظيم الضباط الأحرار بل ومن وراء ظهر التنظيم، وهذه الشهادات تؤكد ما ذهبنا إليه بقوة.3818 وصفي طاهر رجل من العراق

3- تفاقمت الخلافات بين أعضاء اللجنة العليا للضباط الأحرار نتيجة تأخر الحسم والقيام بالانقلاب، ولذلك بادر بعض الضباط فيها الى تشكيل هيئة جديدة تدعى "هيئة الظل" وعقدوا اجتماعا في أوائل كانون الثاني 1958 وبدأوا الاعداد للثورة في مايس 1958. ولا يمكن الجزم إن كانت "لجنة الظل" هي نفسها التي ضمت ضباط تنظيم المنصورية الصغير أم غيرها.

4- نتيجة الخلافات بين أعضاء اللجنة العليا، تنقل لنا زوجة الشهيد وصفي طاهر أنه قرر أن ينسحب من تنظيم الضباط الأحرار، ولكن رفاقه أقنعوه بالعدول عن رأيه لكونه "داينمو التنظيم".

5- حين وصل وصفي طاهر صبيحة الثورة مع القوة التي يقودها الى قصر الرحاب الذي كان يعيش حالة خطيرة كما يقول في شهادته أمام المحكمة العسكرية الخاصة "محكمة الشعب" فيذكر أنه حين وصل قابلته الجماهير وهي تسحل جثة عبد الإله "الوصي على العرش". وحين تأكد من مقتل فيصل وعبد الإله وفيصل الثاني عاد إلى دار الإذاعة وأخبر عبد السلام عارف بذلك، فأذاع عارف بيان الثورة الأول. ثم توجه وصفي الى السفارة البريطانية التي كانت الجماهير تحاصرها وتهدد باقتحامها بعد أن أطلق النار عليهم أحد البريطانيين فهاجموه وأصيب بجراح ولكن وصفي طاهر أنقذه منه، ونجح في تهدئة الجموع وضبط الحالة وإنقاذ السفير ورجال سفارته. هذه النقطة تحتاج إلى وقفة تحليلية أعمق وأكثر تفصيلا بهدف توضيح دور السفارة البريطانية يوم الثورة والمسؤولية عما حدث في قصر الرحاب وجواره وكيفية حدوث ما حدث بوضوح أكثر، فكل ما قيل حتى الآن لا يخلو من الغموض والالتباس والتداخل.

6- تكتب السيدة بلقيس أيضا، نقلا عن زوجها، أن الضباط الأحرار كانوا قد اتفقوا قبل الثورة على أن ينسحب الجيش الى الثكنات "ويسلم زمام الحكم إلى مدنيين معروفين بالنزاهة والوطنية ويفهمون بالسياسية ... ولكن أكثر الضباط تفاجئوا بتقاسم المراكز الحساسة بين الزعيم قاسم والعقيد عبد السلام عارف. وأن وصفي طاهر حين تداول مع الزعيم حول الأمر أجابه قاسم بأنه يريد أن يكبح جماح عبد السلام ومن معه". اعتقد أن مأساة الثورة والمصير الدموي الذي انتهت إليه وما تلا ذلك المصير من مآسٍ وكوارث إنما يكمن هنا في هذه الفقرة بالضبط والتي لا تصلح أبدا لتعليل ما حدث أو لتبرير انفراد قاسم وعارف بالحكم ثم بالانقلاب الدامي الذي قاده القوميون والبعثيون في 8 شباط 1963 ومقتل الزعيم ورفاقه ولكنها قد تفسر تلك الأحداث بشكل أقرب إلى الواقع بعيدا عن تعميم التخوين والاتهام بالعمالة لأعداء الثورة الاستعماريين وتعيده إلى جذره الداخلي وسببه المباشرة المتمثل بالانفراد بالثورة وما نشأ عنها من نظام حكم فردي استئثاري لم يترك له حليفا أو صديقا لا في الميدان العسكري ولا المدني.

7- يكتفي المؤلفان غالبا بسرد الروايات المختلفة والعديدة حول بعض الأحداث دون أن يؤكدا أو يحللا إحداها ربما بسبب الطبيعية التوثيقية للكتاب وهو ما أشار إليه الجصاني في المقدمة بقوله "لا نهدف إلى استباق القارئ فنوحي إليه، بل جد همنا أن يكون بمستطاعه وحده التمعن والتقييم والاستنتاج/ ص 6"؛ ومن ذلك مثلا قضية هروب ومقتل نوري السعيد. فهناك أربع روايات تذهب الأولى إلى أن السعيد انتحر برصاصة من مسدسه الشخصي حين اكتشف أمره وكان قد تنكر بملابس نساء، وثانية تذهب إلى أن وصفي طاهر قتله بصلية من بندقيته الرشاشة، وثالثة تقول إن السعيد قُتل برصاصة من الشرطي الذي اكتشف أمره، ولكن الرواية الرابعة هي التي سيتم تأكيدها بشكل شبه رسمي لاحقا ومفادها أن أحد المارة من المدنيين يدعى خضير صالح مهدي السامرائي اكتشف أمر نوري السعيد المتنكر بالزي النسوي فأطلق عليه النار من مسدسه وتوجه إلى وزارة الدفاع وسلم السلاح الذي استعمله في قتل السعيد لضمان حقه في المكافأة/ ص88.

8- يستعرض المؤلفان عدة روايات مختلفة حول علاقة الشهيد وصفي طاهر بالحزب الشيوعي تقول واحده منها إنه كان عضوا فعالا في الحزب، في حين تنفي الأخرى ذلك وتؤيدها زوجته وتؤكد أنه رفض دائما الانتماء الحزبي وفضل أن يبقى عسكريا ديموقراطيا ويساريا غير حزبي، وعلى علاقة ودية بالحزب المذكور عن طريق ابن عمه زكي خيري القيادي في الحزب وآخرين. كما نعلم أن لوصفي طاهر تحفظات وملاحظات وآراء على سياسات الحزب وأعضائه وشخصياته - كما تؤكد زوجته في مذكراتها - وأنه كان يغضب من "مهادنة الشيوعيين في الرد على الاعتداءات التي كانت تقوم بها القوى المعادية لهم"، كما غضب وانتقد قيام صحافة الحزب بنشر نقد علني للحكم لأنه كما قال "يسمح للمتربصين أن يقوموا بإساءات وتحريض أكبر ويزيدوا الحطب في النار".

9- عن الساعات الأخيرة للشهيد وصفي طاهر ورفاقه بعد الانقلاب العسكري الذي قاده ضدهم القوميون والبعثيون نعلم الآتي: تخبرنا السيدة بلقيس عبد الرحمن في مخطوطة مذكراتها أن وصفي طاهر لم يكن مع عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع حين وقع انقلاب 8 شباط 1963 وحين سمعوا الخبر من مئذنة جامع المأمون ارتدى وصفي ملابسه العسكرية والتحق بالقيادة. ومن هناك اتصل بعائلته وطلب منها مغادرة الدار لأن أنصار الانقلابيين هاجموا دار العقيد المهداوي "رئيس محكمة الشعب".

وتخبرنا السيدة بلقيس نقلا عن أحد العسكريين المرافقين لزوجها هو نعيم سعد أن وصفي حين وصل الى وزارة الدفاع عاتب قاسم بشدة وكان يقول له "هذا ما حذرتك منه"! وظل وصفي طاهر يقاوم الانقلابيين بسلاحه هو ومن معه. ويدلي أحد العسكريين الاثنين اللذين كانا معه وبقي أحدهما حيا بمعلومات لبرنامج تلفزيوني عرض سنة 2007، وقال فيه إن وصفي طلب منه ومن زميل له بعد أن نفدت ذخيرتهما أن يسلما نفسيهما الى الانقلابيين، لأنه هو المطلوب الأول من الانقلابيين، وبقي هو يقاوم حتى بقيت معه رصاصة واحدة فأطلقها على نفسه وأنهى حياته، وكان قد تعهد بأن تكون نهايته بهذه الصورة أمام قاسم وزوجته قبل الانقلاب بفترة. وقد نقل الانقلابيون جثته إلى مقرهم في دار الإذاعة العراقية وعرضوها على الجمهور عبر التلفزيون لكسر معنويات المقاومين. أما المؤرخ أوريل دان كما ينقل لنا المؤلفان عن كتابه "العراق في عهد قاسم" فقد كتب أن قاسم غادر وزارة الدفاع وانتقل الى قاعة الشعب بجوارها ومعه المهداوي وطه الشيخ أحمد وكنعان خليل حداد تاركين عبد الكريم الجدة ووصفي طاهر جثتين هامدتين مدفونتين تحت أنقاض الوزارة" التي كانت قد تعرضت لقصف عنيف من القوات الانقلابية.

ويدلي الكاتب القومي أحمد فوزي برواية أخرى فيقول إن وصفي طاهر بقي يقاتل في البناية - بناية وزارة الدفاع - حتى أصيب بشظية خلال قصف الطائرات لها وجرحته جرحا بسيطا". وهذه الرواية لم يؤكدها أحد بل تحاول تسويق الرواية الانقلابية التي تزعم إنهم أسروا وصفي طاهر حيا وأعدموه، وهو ما لم يؤكده جميع الشهادات التي كررت أن الانقلابيين أحضروا وصفي طاهر الى مقرهم في إذاعة الصالحية جثة هامدة كما سبق وذكرنا من شهادات. وفي هذا السياق يؤكد القيادي البعثي السابق هاني الفكيكي في كتابه "أوكار الهزيمة" إن الانقلابيين أصدروا الأمر الى فرق خاصة من الحرس القومي الناشئ باغتيال قاسم ووصفي طاهر ورفاقهما الأوقاتي والمهداوي والجدة والشيخ أحمد والمئات - وربما الآلاف - من اليساريين والديموقراطيين المدنيين العراقيين خلال وبعد ذلك الانقلاب الدموي.

وأخيرا، فهذا الكتاب يعتبر مساهمة جيدة وإضاءة مهمة تضاف إلى مساهمات أخرى في باب التوثيق لأهم أحداث التاريخ العراقي المعاصر وحيثيات وتفاصيل ثورته الأهم في الرابع عشر من تموز 1958، ولعل ميزته الأهم هي أن مؤلفَيْه لم يغلقا الباب على الروايات الأخرى حتى إذا كان مختلفة أو مخالفة لما هو سائد في الروايات المشهورة، فشكرا للمؤلفَين؛ السيدة نضال وصفي طاهر والصديق الكاتب رواء الجصاني على جهودهما القيمة والمفيدة ونأمل أن تجد مذكرات السيدة بلقيس عبد الرحمن، عقيلة الشهيد وصفي طاهر، طريقها إلى النشر أيضا فقد تضيف شيئاً جديدا لهذا الملف المأساوي والمحزن من ملفات تاريخنا الحديث.

***

علاء اللامي

3740 الامير عبد القادرتأليف الحَاج مُصْطَفى بن التُّهامي - تحقيق وتقديم وتعليق الدكتور يحي بوعزيز. والكتاب صدر عن دار البصائر للنّشرِ والتّوزيع بالجزائر 2009.

مؤلف (المخطوط) الكتاب هو الحاج مُصْطَفى بن أحمد التُّهامي وهو ابن عمة الأمير عبد القادر ورفيقه في الجهاد. وكان الأمير قد عينه كاتباً ورئيساً لديوان الإنشاء، لما بلغه من مكانة وعلم وثقافة. ثم عينه خليفةً في ولاية معسكر. وخلال هجوم الفرنسيين على مدينة قسنطينة سنة 1836م كلّفه الأمير بالهجوم على وهران وأحوازها، فشنّ عدداً من الغارات والهجومات على الفرنسيين وأعوانهم في المنطقة، وتولى قيادة جيش الأمير في عدة جهات من الوطن بالمدية، والجلفة، وبوسعادة، والحضنة، والمسيلة، وبرج بوعريريج، وسطيف، وعين تاغروت، وبسكرة، وكلّفه الأمير بمهمات عسكرية وإدارية كثيرة.

بقي الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي مع الأمير عبد القادر ملازماً له في كُلِّ أعماله، وخاض معه كُلّ معاركه الأخيرة في بلاد الرِّيف ضد قوات السُّلطان المغربي عبد الرّحمن بن هشام، وضد قوات الفرنسيين إلى أن استسلموا إلى الفرنسيين في أواخر ديسمبر 1847م، فاقتادوهم جميعاً إلى قلعة لامالق بمدينة طولون، ثُم إلى مدينة بُو، وأخيراً إلى سجن قصر أمبواز أين قضوا أربع سنوات ونصف، وهناك كلّفه الأمير عبد القادر بكتابة تاريخه الذي هو بين أيدينا ومحلّ قرأتنا، وتأخر إطلاق سراحهم إلى المشرق كما اشترطوا من قبل عند استسلامهم.

وعندما اُطلق سراحهم من فرنسا أوائل عام 1853م، رحل الحاج مصطفى مع الأمير عبد القادر وعائلته ورفاقه إلى مدينة بورسة في تركيا التي استقروا بها حتى أواخر عام 1855م، ثُم رحلوا إلى دمشق الشام عبر بيروت، واستقروا هناك بصفة نهائية إلى أن الحقوا بربهم جميعاً واحداً بعد الآخر.

يتكون الكتاب من مدخل ومقدمة وسبعة فصول وخاتمة، موزعة على 400 صفحة من الحجم الكبير. يتحدث عن حياة الأمير عبد القادر بن مُحيي الدِّين بن المُصْطَفى الحسني الجزائري. عن ميلاد الأمير عبد القادر، ونشأته، ورحلته مع والده إلى المشرق، وعودته، ومبايعته أميراً، وجهاده ضد المحتلين الفرنسيين، ورأيه فيهم، وفي سلطان المغرب الأقصى، وموقفه ممن رضوا أن يكونوا تحت سلطة النّصارى.

الفصل الأول والفصل الرّابع هما صميم الموضوع المتعلق بسيرة الأمير عبد القادر وجهاده. فالفصل الأول يتحدث عن نسب الأمير عبد القادر وشجرته التي توصله إلى الرّسول مُحَمّد صلى الله عليه وآله وسلم، والفصل الرّابع يتحدث عن رحلته إلى المشرق العربي مع والده والعودة إلى الجزائر، وعن مبايعته أميراً للجهاد ومقاومته ومعاركه إلى أن نُفِيَ إلى فرنسا في نهاية 1847م. والحقيقة أن هذا الفصل الرَّابع يُقدم قراءة جديدة ومُفصّلة لرحلة الأمير عبد القادر إلى المشرق، وعودته، مرحلة بمرحلة، ولمعاركه وحروبه ضد الاحتلال الفرنسي في الجزائر.

* مُلخص محتوى كتاب (سيرة الأمير عبد القادر وجهاده) تأليف الحَاج مُصْطَفى بن التُّهامي - تحقيق وتقديم وتعليق الدكتور يحي بوعزيز

ولكي يتمكن القارئ من محتوى هذا الكتاب نورد - بتصرف - فيما يلي مُلخصاً لمحتواه كما قدمه الدكتور يحي بوعزيز:

* المدخل:

أورد فيه المؤلف رسالة الأسقف، والقبطان والبطريق، إلى الأمير عبد القادر التي طلب منه فيها أن يُسجل له حوادثه بدءاً بسيرة والده الشّيخ محيي الدِّين، ثُم سيرته هو، وحياته في صباه، ورحلته مع والده إلى الحجاز ودمشق، وعودته، ومبايعته أميراً للجهاد، وتنظيمه لجيشه، وبنائه للقلاع والحصون العسكرية، ومعاركه الحربية مع الفرنسيين، وما يمدح ويشكر، وما يذم من الفرنسيين، ومعاركه ضد قوات سلطان المغرب الأقصى. ولقائه بالدوق دومال ابن الملك الفرنسي في الغزوات. ومما تجدر الإشارة إليه أن الحاج مصطفى بن التُّهامي لم يورد اسم صاحب هذه الرِّسالة، فقد يكون أليكساندر دوما القنصل الفرنسي في مدينة معسكر من 1837 إلى 1839. أو قد يكون بواسوني مرافق الأمير في أمبواز. وقد يكون الأسقف دوبوش أسقف مدينة الجزائر.

* المقدمة:

ذكر فيها الحاج مُصطفى عدة أمثلة تاريخية للتدليل على أن إجابة القس، والقبطان، والبطريق، لِما طلبه، إذا لم يكن فيها نفع ديني أو دنيوي، فلن يكون فيها أي ضررٍ، وختمها في الأخير بذكر أسماء فصول الكتاب السَّبعة، والخاتمة، وموضوع كُلٍّ منها.

* الفصل الأول:

تحدث فيه عن نسب الأمير عبد القادر، وشجرته التي تنتهي إلى الرَّسول مُحَمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأورد ثلاثة سلاسل له واحدة محورية، والأخريتان جانبيتان، وتحدث عن ميلاده، ومسقط رأسه بقرية القيطنة، وعن زاوية جده التي تم تأسيسها في بداية القرن الثَّالث عشر الهجري وأواخر القرن الثَّامن عشر الميلادي. ودورها في التَّعليم والتَّدريس، وتكوين الطَّلبة، والشّيوخ والعُلماء الذين كانوا يفدون إليها من كُلِّ من برقة، وتونس، ومراكش، والسُّوس الأقصى، وشنقيط، وكُلّ أصقاع الصَّحراء الكبرى.. وإطعام الفقراء والمساكين، والمسافرين، كما تحدث عن قبر جد الأمير في عين غزالة بطرابلس الليبية، وعن ميلاد الأمير وتعلمه، وإتقانه للعلوم العربية اللّغوية والدِّينية. وعن شيوخه الذين تعلم عنهم وأسانيدهم العلمية وشيوخهم.. وأشار في آخر هذا الفصل الأول إلى المذاهب الأربعة، وجواز الانتقال من مذهبٍ إلى آخر بالنسبة لبعضٍ من النَّاس وليس لِكُلِّهم.

* الفصل الثَّاني:

تحدث فيه عن نسب الرَّسول مُحَمّد عليه الصَّلاة والسَّلام وأجداده، وأقسام العرب، العاربة، والمستعربة، والقحطانية، والحميرية، وغيرها. وحاول أن يوصلها إلى سيدنا آدم عليه السَّلام..

* الفصل الثَّالث:

شرح فيه معنى النُّبوة، والرِّسالة، والنَّبي، والرَّسول، والفرق بينهما، وأفضلية البعض منهم على الآخر، وأعداد الأنبياء، والرُّسُل، وسير بعضهم، وحياتهم العامة، وسلوكهم مع أممهم..

* الفصل الرَّابع:

وهو أطول الفصول، به ثمانون صفحة، وأهمها من حيث المادة التَّاريخية التي تتصل بالأمير عبد القادر، ورحلته مع والده إلى المشرق، وعودته، ومبايعته أميراً للجهاد..

فقد تحدث الحاج مُصطفى بن التُّهامي على نشأة الأمير، وسفره مع والده إلى المشرق عبر تونس برّاً. بتاريخ 02 شعبان 1240هـ الموافق لـ 22 مارس 1825م، مُحدداً الأماكن التي مرُّوا بها، والتقائهم العلماء والوُّجهاء فيها. ثُم سفرهم بحراً إلى الإسكندرية، ووصولهم إليها في اليوم الأخير من شهر رمضان حيث احتفلوا فيها بعيد الفطر المبارك. ومن الإسكندرية انتقلوا إلى القاهرة حيث أقاموا عند السَّيّد مُحَمّد سعيد الفاندي بن مُحيي الدِّين، وزاروا جامع الأزهر الشَّريف، ومسجد سيّدنا الحسين رضي الله عنه، وباقي المآثر الحضارية والعمرانية وتعرفوا على بعض العُلماء والشّيوخ. ومن القاهرة انتقلوا إلى مدينة السُّويس، واستقلوا مركباً أقلهم إلى جدّة. ومنها اتجهوا إلى رابغ أين أحرموا، ثم قصدوا مكة، وأدوا مناسك الحجّ. ومنها قصدوا المدينة المنورة وزاروا قبر الرَّسول سيّدنا مُحَمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وباقي المزارات الأخرى. ثُم شدُّوا الرِّحال إلى بغداد عبر بلاد الشَّام.

وهنا يقطع الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي الحديث عن الرِّحلة ويأخذ في الحديث عن أحداث حصلت في الجزائر في غيابهم، وأخرى من المفروض أن تكون ق حدثت بعد عودتهم إلى الجزائر، فتحدث عرضاً عمّا أسماه فتنة أحمد بن أحمد التّيجاني ضد باي وهران طالباً الاستيلاء على الحُكم. ويستدرك فيتحدث عن قيام الأمير عبد القادر بمُحاصرة التِّيجاني في عين ماضي، عام 1838م وهو لا يزال في المشرق أي بعد سبع سنوات من مبايعته، قبل أن يتحدث عن بيعته. وشرح الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي كيفية الحصار، وتغوير آبار مياه القصر، وإرغام التِّيجاني على مغادرة الحصن. ومكاتبة زعماء الأعراش والقبائل لتبرير سبب محاربة الأمير التِّيجاني. وقارن ذلك بقضية سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مع معاوية بن أبي سفيان. لأن التِّيجاني رفض مبايعة الأمير، كما رفض معاوية مبايعة سيدنا علي عليه السَّلام.

ثُم تحدث عن إبرام معاهدة التَّافنة في 30 ماي 1837م، وعن تمرد قبائل الدَّوائر والزّمالة ضده، وقيام القوات الفرنسية بعبور مضايق جبال البيبان شرق الجزائر دون موافقته.

ثُم عاد إلى الوراء ليتحدث عرضاً عن إبرام معاهدة دي ميشيل عام 1834م، وهجوم كلوزيل على مدينة معسكر في العام الموالي، وإشعال النيران فيها وحرقها، وزحف الأمير عبد القادر على تلمسان وحصارها، وفتحها وفقاً لما نصّتْ عليه معاهدة التّافنة عام 1837م.

ثُم يعود للحديث عن نقض تلك المعاهدة وعن المتسبب فيها وهم الفرنسيون طبعاً مع إيجاد بعض الأعذار لبعضهم في ذلك، وحتى لا يُثير غضبهم، وهو في قبضتهم.

وهنا يتوقف الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي عن مواصلة الحديث عن هذه الأحداث، ويعود إلى الوراء بعيداً، فأتمَّ الحديث عمَّا أسماه فتنة التِّيجاني بمعسكر، والحرب التي نشبت بين التِّيجانيين وباي وهران في معسكر، والمجزرة الكبيرة التي ارتكبها ضِدّ التِّيجانيين وقتلهم جميعاً. وأشاد الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي بشجاعة التِّيجانيين وصُمودهم رغم قلة عددهم وكثرة عدوهم.

وبعد هذا عاد الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي للحديث عن رِحلة الشّيخ مُحيي الدِّين وابنه عبد القادر في المشرق، فذكر أنهم من المدينة المنورة انتقلوا إلى دمشق في طريقهم إلى بغداد. وتحدث عن بناء مدينة دمشق ومؤسسها الأول، واستطرد فتحدث عن سفارة أحمد الغزال إلى حاكم قشتالة الإسباني من طرف ملك المغرب الأقصى، وأورد بعض الطّرائف والنّوادر حول هذه السّفارة.

ثُم تحدث عن عن الوصول إلى بغداد وزيارة ضريح الشّيخ عبد القادر الجيلاني، وأورد أشعاراً في مدح الضّريح وصاحبه.

وبعد شهرين من الإقامة في بغداد قفلوا راجعين إلى بلاد الشام ومن هناك إلى الحجاز مرة أخرى حيث أدوا مناسك الحجّ للمرّة الثّانية. ثم قفلوا راجعين إلى الجزائر عبر مصر، وتحركوا في اتجاه ليبيا برّاً، ومروا على برقة وزاروا قبر جدهم الشّيخ المختار بعين غزالة في برقة، وزاروا ضريح الشّيخ أحمد زروق البرنوسي بمصراتة في طرابلس، ومنها اِلّتحقوا بتونس، ومروا على مدينة الكاف نقطة سفرهم في البداية، ثُم اِلّتحقوا بالقيطنة مسقط الرَّأس بعد غياب دام عامين كاملين.

وبعد هذا عاد إلى الحديث عن أحداث الجزائر من البداية وبدأ بالاحتلال الفرنسي لمدينة الجزائر، ومراسلة الفقيه العنّابي لزعماء وهران طالباً منهم الاستسلام، وفرض الحماية التُّونسية على وهران لمدة ستة أشهر بقيادة الأمير خير الدِّين، وموافقة الحاكم الفرنسي كلوزيل على ذلك. ومبايعة زعماء الغرب لِسُلطان المغرب الأقصى الذي أرسل ابنه إلى تلمسان ليتمركز فيها. فأهان رجال المخزن وأذلّهم، واقترح زعماء الغرب مبايعة الشّيخ مُحيي الدِّين أميراً، واعتذر بكبر سنِّه، وعدم قدرته على ذلك، وبعد الإلحاح عليه اقترح هو عليهم مبايعة ابنه عبد القادر، فقبلوا وبايعوه أميراً عليهم للجهاد في تاريخ 5 رجب 1248 هـ الموافق 27 نوفمبر 1832م في سهل غريس ضمن منطقة معسكر في الجزائر. وشرع في الحال في تنظيم دولته، واعتقل قاضي أرزيو الشّيخ أحمد بن الطّاهر، وحاكمه وأعدمه بعد أن تورط في التّعامل مع الأعداء الفرنسيين. وذكر وفاة والد الأمير عبد القادر الشيخ مُحيي الدِّين عام 1833م، وتنظيم الأمير لجيشه النِّظامي بفضل المُخطط الذي وضعه له الخبير قدور بن رويلة، أو غويلة، بحيث قسّمه إلى ثلاث أقسام: خيالة، ومُشاة، ورُماة. ووضع له رُتباً وألّقاباً وعين له رُؤساء. وتحدث عن تمرد قبائل المخزن وخضوع الأغا بن عودة المزاري إليه. وتمرد الحاج موسى الأغواطي الدّرقاوي في المدية ونواحيها. وتحدث عن أحداثٍ كثيرة ومعارك في مواطن متعددة. كما تحدث عن الحصون والقلاع التي أنشأها الأمير عبد القادر في الهضاب العُليا كقواعد كبرى لقواته العسكرية. وعن تخريب تاكدمت وإحراقها قرب تيارت الحالية، ومعركة الزّمالة عام 1843م التي فقد فيها الأمير معظم ذخائره وقواته العسكرية. ورحيله بما بقي من دائرته إلى إقليم الرِّيف المغربي طلباً للحماية والاستعداد لمواصلة الجهاد ضد العدو الفرنسي، ومراسلته لسلطان فاس، وإرساله هدية له، وهجوم الفرنسيين على وجدة واحتلالها عام 1844م، وفرضهم على سلطان المغرب الأقصى إبرام معاهدة مُذلّة له نصّت على اعتبار الأمير عبد القادر عاصياً وخارجاً عن القانون يجب إيقافه أو طرده من المغرب الأقصى، أو اعتقاله، وقيام سلطان المغرب بتحريض زعماء قبائل الرِّيف ضدّه. ثم إعلان الحرب عليه وإرساله جيشاً ضخماً لمحاربته، ونكبته ببني عامر في ضواحي فاس، وقتل السلطان المغربي للبوحميدي رسول الأمير عبد القادر إليه غدراً مسموماً داخل السِّجن بفاس عندما ذهب إليه سفيراً باقتراحٍ من أحد الشّيوخ الذي وثق فيهم الأمير، وحزن الأمير عليه حزناً شديداً.

وتحدث الحاج مُصْطَفى كذلك عن محاولة ليون روش تدبير مركب بحري لنقل الأمير ورفاقه إلى المشرق ولكن الأمور تزاحمت واصطدم الأمير بقوات السُّلطان المغربي المتفوقة عليه عدةً وعدداً، وهزمها وفقد الكثير من الرِّفاق واضطر في النِّهاية أن يستسلم للفرنسيين في مرسى الغزوات على أن يُرحلوه إلى الإسكندرية في مصر، أو عكا في فلسطين، ولكنهم خدعوه فحملوه إلى طولون ثُم إلى مدينة بو، وأخيراً إلى قصر امبواز في مقاطعة أورليان جنوب فرنسا. وقد تأخر إطلاق سراحه إلى المشرق بسبب سقوط النِّظام الملكي، وقيام النِّظام الجمهوري، وتعرض الأمير ورفاقه إلى مضايقات كثيرة.

وختم الحاج مُصْطَفى هذا الفصل بشرح معنى كلمة الجمهور والجمهورية وقاده ذلك إلى الحديث عن حلف المصيبين وحلف الفضول بمكة، وعن أول من غير حنيفية إبراهيم الخليل عليه السَّلام من العرب، وأورد في آخر هذا الفصل قصيدتين اثنتين أولاهما في مدح مدينة طولون، ومآثرها، والثَّانية في كيفية نقلهم منها إلى مدينة بو، عبر البحر والنّهر.

* الفصل الخامس:

تحدث فيه الحاج مُصْطَفى عن أخلاق العرب وخصالهم، وسجاياهم، وخلال ذلك تحدث عن الكعبة وما أحاط بها من القصص والطَّرائف، وعن قصة إبراهيم وإسماعيل وهاجر عليهم السَّلام، وبئر زمزم وتفجر مائه. وزواج إسماعيل الأول، والعماليق، وعاد وفروعه، وزيارة إبراهيم لزوج ابنه إسماعيل بمكة ووصايته لها بأن تُبلِّغَ زوجها أن يُبدل عتبة داره، وزواج إسماعيل الثَّاني، وبناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة، وقصة الحجر الأسود، وأذان إبراهيم الخليل فيها، والقبائل العربية التي حكمت وأدارت البيت الحرام، وأسماء القبائل العربية وفروعها في شبه الجزيرة العربية، وقصة ربيعة وتأويل رؤيته، ومعنى ألقاب: كسرى، وقيصر، والنَّجاشي، وقصة الرَّجُل الصَّالح، وذي النّون، وأصحاب الأخدود، وحادثة أصحاب الفيل وأبرهة، وإرم ذات العماد، وسفارة سيف بن ذي يزن إلى قيصر الرُّوم وكسرى فارس، وسفارة عبد المطلب إلى سيف بن ذي يزن باليمن، الذي تنبأ له بميلاد مُحَمّد بن عبد الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمنيته في أن يعيش حتى يحضر بعثته ورسالته، وخلال هذا أورد قصيدة طويلة في رثاء عبد المطلب بعد وفاته وأرّخ لعددٍ من مشاهير العرب في الجاهلية أمثال العماليق وعاد، وثمود وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وبلعام، وزعماء قبيلة شيبان، وحكى قصة ربيعة مع أبي بكر الصّديق. وختم هذا الفصل بذكر هل الجِنّ من أبناء إبليس أم لا.

* الفصل السَّادس:

تحدث فيه عن نسب الرُّوم القياصرة، وخصال أوائلهم وما كانوا عليه من الإيفاء بالعهود، وغيرها. وخلال ذلك تحدث عن قصة حواري عيسى عليه السَّلام، وعددهم، ومهام كُلّ واحد منهم، ونصرتهم لعيسى عليه السَّلام. وعن غَلبة الرُّوم للفرس بعد أن غُلِبوا قبل ذلك، ورهان أبي بكرٍ في ذلك. وقصة مهاجري مسلمي مكة إلى الحبشة. وخطبة جعفر بن أبي طالب أمام نجاشي الحبشة الذي رفض إعادتهم إلى مشركي قريش بمكة فخيب آمالهم وآمال رسولهم إلى الحبشة عمرو بن العاص. وهنا أعطى الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي رأيه في النّصارى، وأشاد بهم وحكى قصة رفع عيسى بن مريم عليهما السَّلام إلى السَّماء وكيفية عودته إلى الأرض آخر الزمان، والأعمال التي سيقوم بها، وأورد رسالة رسول الله مُحَمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى هرقل قيصر الرُّوم، وحكى كيف استقبلها بالحُسنى، عكس كسرى الفرس الذي مزّقها، فدعا على الأول بتثبيت ملكه، وعلى الثَّاني بتمزيقه، وأورد كذلك قصة المقوقس مع عمرو بن العاص فاتح مصر، والحوار الذي جرى بينهما، وموقف هذا من الإسلام والرَّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأشار إلى هزيمة الرُّوم في الإسكندرية. وهذا الفصل هو الذي يُمكن اعتباره بمثابة التّقرب من الفرنسيين حتّى يُعجِّلوا بإطّلاق سراحهم، ولم لا؟.

* الفصل السَّابع:

في بيان من اجتمع نسبه من الأجناس واختلط في أصل الآباء، والأمهات، أو بالمصاهرة، وخلال هذا تحدث الحاج مُصْطفَى بن التُّهامي عن أصل قبائل البربر، وهجرتهم من مصر إلى المغرب، وقصة موسى مع النَّبي شُعيب وبنتيه، ثُم عاد إلى الحديث على عيسى عليه السَّلام، وياجوج وماجوج، وذي القرنين والسّدّ الذي أقامه بين القريتين في وجه ياجوج وماجوج، وقصة النّمرود مع سيدنا إبراهيم الخليل عليه السَّلام، وحكاية رميه في النَّار ونجاته، وقصة موت عزير وحماره، وإحيائهما بعد مائة عام. ثم رجع مرةً أخرى للحديث عن الأنساب وانسياب الأجناس واختلاطها، وعن الأخلاق والآداب العامة، وأقسامها الثَّلاثة عشرة، وطرائف أخرى عديدة وكثيرة.

* الخاتمة:

تحدث فيها عن أسماء الشُّهور العربية، ومعانيها، وأسماء الشُّهور الإفرنجية، والقبطية، والفرق بينها وبين الشُّهور الشّمسيّة، وكيفية السّنوات الكبيسة، واستدرك فتحدث عن النُّقباء الإثني عشر، وأسمائهم من بني إسرائيل، وأصحاب الكهف وقصتهم، وأولي العزم من الرُّسُل وهُم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومُحَمّد عليهم الصَّلاة والسّلام. وضيوف إبراهيم واسم زوجته وزوجة فرعون وتسعة رهطٍ، وأشراط قيام السَّاعة وغير ذلك.

- تحدث الحاج مُصْطَفى بن التُّهامي بكثيرٍ من الألم والمرارة على المواقف المخزية والمحزنة، التي اتخذها ضدهم سلطان المغرب الأقصى عبد الرحمن بن هشام، وأبناؤه ورجال دولته، وتتضح المرارة في التعبيرات القاسية التي استعملها والتي في بعض الأحيان يُطلقها عامة، ولا يُقيدها، وبالتّأكيد أنه كان يقصد السلطان ورجال دولته وليس عموم الشّعب الذي أشاد بمواقفه الحسنة، ودعمه ومساعدته لهم.

- وأخيراً، فإن هذا (المخطوط) الكتاب رغم ما فيه من الحشو، والتِّكرار، وخروج عن الموضوع، والاستطرادات الكثيرة إلاّ أن المادة التّاريخية فيه كثيرة، خاصة الفصل الرَّابع الذي يزخر بمعلومات كثيرة، عن حياة الأمير عبد القادر وجهاده.

***

السعيد بوشلالق

 

اختلفت آراء الباحثين في تحديد تاريخ نشأة وموقع مدينة الديوانية، فبعضهم أعاد تأريخ نشوئها إلى عام 1671م وحدد موقعها في بلدة لملوم وهي عاصمة إمارة الخزاعل من جنوب الحلة وحتى العرجة في المنتفك، مدللاً على ذلك بأن أمارة الخزاعل كانت هذه حدودها، حيث كانت تختلف في مظهرها العام وتركيبتها السكانية عما هي عليه في الوقت الحاضر قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه من التطور النوعي والحياتي. وبعضهم يُرجع نشأتها إلى عام 1688م وهو تاريخ تدفق نهر ذياب (نهر الديوانية حالياً) مستنداً بما موجود من آثار وشواهد تاريخية حية ما تزال شاخصة إلى يومنا هذا، وهناك رأي يؤكد أن تاريخ تأسيس مدينة الديوانية يعود إلى عام 1747م، بدلالة بناء الشيخ حمد آل حمود شيخ الخزاعل ديوانه على الجانب الغربي من نهر الديوانية، وهذا رأي الشيخ والمؤرخ وداي العطية.

وتبدو هذه الروايات الثلاث أكثر وضوحاً، إذ أشارت إلى تاريخ مباشرته في بناء المدينة، ثم بدأ توسع المدينة، إذ تم بناء المساكن والدور وقد قصدها التجَّار فصارت من أفخر بلاد العراق واحسنها في مجال الزراعة والمنتجات الزراعية.

لكن في الوقت الراهن اختلفت الآراء حول تاريخ مدينة الديوانية، فقد ظهرت بعد الاجتماع الذي عقد في مقر أو ديوان الحكومة المحلية في مدينة الحسكة في بداية عهد حاكمها الضابط علي آغا خلال توليه الإدارة فيها للمرة الأولى سنة 1738م أن ديوانية الحسكة كما يؤكد ذلك د. سامي المنصوري في كتابه (21 كانون الأول 1701، من هنا بدأت حكاية مدينة ديوانية الحسكة) في ص64 وما بعدها قائلاً: (وعدَّت مدينة الحسكة من أهم مدن أيالة بغداد، فأزدهرت خلال عهد حاكمها علي آغا الذي كان يمثل أعلى سلطة رسمية، فكان ديواناً حكومياً يساعده في إدارة شؤون تلك المقاطعة الكبيرة التي يحكمها، وكانت حدودها الإدارية تمتد أحياناً حتى مدينة البصرة، فذاع صيت ذلك الديوانية وصار يعرف بديوان الحسكة حتى طغت تسمية الديوان على تسمية الحسكة وصارت تعرف بديوانية الحسكة، أو الديوانية، وكان أول ذكر لتسمية الديوانية وردت في الوثائق العثمانية فكانت في سنة 1760م، وبصيغة (حسكة ديواني سي).

فإن أصل تسمية مدينة الديوانية هو الديوان: أي مقر ضابط البلدة وحاكمها ومكان الموظفين الحكوميين، والمجلس الحكومي. والحسكة والديوانية تسميتان لمدينة واحدة، فالمدينة التي نشأت سنة 1701م في مقاطعة الحسكة سميت باسم المقاطعة أي (الحسكة)، وبمرور الزمن كثر إطلاق اسم الديوانية مجردة عن الإضافة حتى نسي اسم الحسكة وصارت المدينة تعرف باسمها الجديد (الديوانية).

والحسكة: هي عُشبة تضرب إلى الصفرة لها شوك مدحرج، وقد وصفها ابن منظور وصفاً دقيقاً، وجاء في لسان العرب: قوم الحسكة قوم اشداء، ذو مراس وعزة. ويؤكد د. سامي المنصوري في كتابه اعلاه أن (نشأت مدينة الحسكة بدافع عسكري خلال الحملة العسكرية الكبرى بقيادة والي بغداد (دالطبان مصطفى باشا) سنة 1701م، فكانت النواة الأولى للبلدة هي السوق العسكري الذي أقيم على أرضها في 21 كانون الأول سنة 1701م، ثم بناء قلعة عسكرية فيها. والسوق هو النواة الأولى لنشأة مدينة الديوانية، وكان السوق يقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وقد ضم عدداً من الحمامات، والمقاهي، والدكاكين التي كان يعمل فيها عدد من البقالين، والخبازين، والقصابين، والقزازين، والعطارين، وكانت السفن تأتي من بغداد والحلة إلى مقاطعة الحسكة محملة بأنواع مختلفة من المواد الغذائية لقوات الجيش ورجال العشائر المشاركين في هذا العمل، وكان الهدف من انشاء السوق هو تلبية احتياجات أفراد الجيش ضمن تلك الحملة.

أما بناء السور كما يؤكد د. سامي المنصوري في كتابه يرجح بناء سور بلدة الديوانية مع نشأتها في أواخر سنة 1701م، وكانت أول إشارة واضحة لذلك السور خلال عهد والي بغداد حسن باشا الذي قاد حملة عسكرية ضد الخزاعل في سنة 1705م. وقد وصف الرحالة إيفرز سنة 1779م سور الديوانية قائلاً: (بها سور طيني ليس متيناً ولا قوياً جداً، لكنه يكفي لتأدية المهام التي صُمم من أجلها، لمنع أي هجوم مباغت قد يقوم بع العرب "العشائر"، ولصد الفرسان القوة العسكرية المهمة الوحيدة في تلك الأنحاء).

وما ذكره الدكتور سامي المنصوري في كتابه هو بحث جديد في غاية الأهمية لتوثيق تاريخ المدينة، غير ما ذكره الباحث وداي العطية في كتابه (الديوانية قديماً وحديثاً) الذي أكد فيه تاريخ تأسيس المدينة سنة 1747م لنشوء الجانب الغربي من الديوانية، والدكتور المنصوري اعتمد في كتابه على الوثائق العثمانية في التوثيق، بينما العطية اعتمد على كتب الرحالة الأجانب في تاريخ نشأة المدينة.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

انعام كمونةقراءات تنعش الذاكرة المدائنية من كتاب: مدن في غياهب الذاكرة،  للباحث المؤرخ نبيل حسين آل زايد

- وفق جدلية الحداثة يُعد التاريخ من العلوم الإنسانية، بمنطق تماسه حياة البشر وبيئة وجودهم منذ بداية الخلق، وارتباطه بحيثيات أُخرى تنازعه الوجود، فالتاريخ مزيج أواصر أركيولوجيا وانثروبولوجيا مقترنة بعلوم أخرى معياريا لفهم حضارة أمة، ومن أهم هذه العلوم هو علم الآثار للربط بين مراحل التاريخ والتطور الحضاري لأي بقعة أثرية، بخطوات شاقة مستندة الحفر والتنقيب والبحث عن أصغر التفاصيل، لتوثق المعلومات العلمية بدراية دقيقة واحترافية جهد بتقييم انساني لعقود خلت...

- ومن أحد تعاريف التاريخ، (هو تحليل وفهم للأحداث التاريخية عن طريق منهج يصف ويسجل ما مضى من وقائع وأحداث ويحللها ويفسرها على أسس علمية صارمة بقصد الوصول إلى حقائق تساعد على فهم الماضي والحاضر والتنبؤ بالمستقبل)، فمن أسس تقنيات علم الآثار دراسة تاريخ المجتمع وكلاهما دلائل علوم إنسانية واجتماعية متشابكة البحوث، وهذا ليس مسؤولية عالم الآثار فقط وأنما أي انجاز يتم فيه التنقيب والبحث عن تاريخ ما، يؤرخ بمسؤولية علمية وإنسانية أن كان نظريا أو عمليا ...

- الاطلاع على تاريخ الأمم مفهوم حضاري، منه نقتفي أثار السلف ونتنسم أرواحهم من جوهر بحوث علمية، بمنهج رؤى أسيرة لزمن ماضي بحدثه المعاصر مرهون بجغرافية المكان، فمهما تباعدت العصور واختلفت الأجيال وتباينت الآراء، فأن سيرة تاريخ أمة تتجلى وجه من وجوه الماضي نراه في مرآة الحاضر سلسلة حياة بصور ذهنية تختلف بطيف التوقع من شخص لآخر، فما يندرج من أفق الخيال أسلوب تحري عن الجذور بتسلل اثيري الى بقايا آثار المدن، معتمدة أسلوب المؤرخ وفنية بحثه على عاتق أمانة فكرية بمصداقية محايدة مدعمة بدلائل آثارية محصنة الحقائق مستندة للتنقيب الفعلي، ومن مراجع منهجية الرؤى وسجلات التدوين الأكاديمية، وأحيانا يصح مقاربتها باستمرار أحداث مؤاتية ...

- نستقرأ عنونة الكتاب للباحث نبيل آل زايد (مدن في غياهب الذاكرة)، جملة أسمية باستعارة رمز مدن والتي تدل على التعدد لأسم مدينة، فعمد لتكثيف البنية بفنية التعبير، فكيف أن تكون المدن في غياهب الذاكرة وقد سافر لتفاصيل تاريخها، ألم يطالها النسيان ..؟، نعرف أن رمز الذاكرة رمز حيوي للدلالة على تراكم معلومات الماضي والحاضر، ومن الممكن استرجاعها من حين لآخر، وأن تعرض الأنسان لصدمات تصدع الزمن، إلا أنها تتشافي من شرخ النسيان كلما تنهل من معين العلم والمعرفة، بدلالة تشي لعدم نسيان جذور حضارة ممتدة في أعماق ذاكرة التاريخ ...

- ونستخلص من تعمد توظيف مفردة غياهب ومعناها حلكة الظلام أو أعماق الظلام، ليدعنا نستنتج ضدية القصد من تركيبة العنوان، ونستشعر روح الإضاءة تنهمر على طرق الماضي لنسترجع حياة الأجداد وأجيال اندثرت، فعلى المستقرئ تمهل التفسير والتأني في التحليل لأدراك المضمون مما يحفز رسم الصور في ذهن المطلع لاستكشاف ما وراء المعنى وما استبطن بُعد المغزى، فأوحى بالدلالة عن التنقيب والبحث في تلافيف الزمن سياحة فكر حضاري، فما الذاكرة الا بؤرة معلومات نقشت على مدى ابعاد الزمن، لذا نلاحظ تضاد مخفي يستكنه القارئ الفطن بين فاعلية التذكر والنسيان، فيبدو العنوان بصيغة أدبية رائعة الإستعارة، إحالة تأويلية بدلالة شحن عالم الوعي في ذات المؤرخ بضمير المسؤولية تجاه معالم وطنه، وخلجات الشعور الوجداني بالانتماء نبع عرفاني بضمير انساني ...

- يبدو من معمارية الإهداء والتي على ورقة سمراء بلون التراب يفوح منها عبق الماضي، فنقش عليها بنية تشكيلية من سطرين في الأعلى وسطرين في الأسفل ومابينهما توهج القصد بانتقاء المفردة العميقة الأثر والمعنى بأسلوب أدبي رائع، "الى الأنقياء" فمنح تكثيف تعبيري للهوية، بما تشمل من معاني إنسانية عميقة، منها مستتر البوح والإيحاء ماديا ومعنويا، إجتماعيا وثقافيا، دينيا وعقائديا، فلولا الوجدان الحي وضمير الشعور ما رسخت مدن الماضي في ذاكرة الحاضر، معبرا عن روح التاريخ في نفسية المؤرخ، لذا يقف القارئ مذهولا وكأنه على أرض الواقع وقد غض الزمن هيمنته واستعاد التاريخ ذاكرته، فنهضت المدن بأركانها من بقايا الآثار، فنرى الإهداء لوحة مبتكرة التصميم ...

- ولنقرأ للمؤرخ الأستاذ نبيل آل زايد من بعض تفاصيل كتابه (مدن في غياهب الذاكرة) وهو يضيء لنا دهاليز الماضي، نرحل معه على صفحات تاريخ المدائن (سلمان باك)، نتعرف على حضارة مدينة أثرية مهمة، تقع ضمن خارطة مدينة المؤرخ على أرض (المدائن) بما يشير جمع اسمها عدة مدن، وهي ابتداءٌ (سلوقية دجلة اليونانية 311 قبل الميلاد، والبرثية طيسفون 126 ق.م، وفولجسياس (ساباط) 69 بعد الميلاد، وفي العهد الساساني 227 ميلادية بهرسير، واسفانبر (طاق كسرى)، و(الرومية)، وهكذا يبحر بنا لأجواء معالم وبقايا رموز اثرية تقع على ضفاف نهر دجلة، فنرى تشكيلة مجتمع مختلف الأطياف متعدد العقائد بتماسك لحمته، وأن اندثر بعضها بإهمال ونسيان متعمد وغير متعمد، فلنتذوق عبق العصور...

- صنف كتاب (مدن في غياهب الذاكرة) الى عدة فصول بعناوين موضوع البحث، فتميز كموسوعة (اجتماعية وثقافية وسياسية) بشمول المعالم الأثرية والعلاقات الإنسانية، وأثرا الكتاب بمعلومات غزيرة لعمومية أحوال المدن حينذاك، فذكر تعاقب حكم المحتلين من مستعمرين يونانيين وفارسيين (برثيين وساسانيين)، وتطرق لكثير من الاجتياحات المعادية، لأهمية موقع المدينة جغرافيا بمحاذاة نهر دجلة وأن تغير مجراه في العهود الغابرة وتغييرهُ من مواقع نشأة هذه المدن شرق دجلة وغربه أحيانا، ولكثرة خيراتها يتخذوها عاصمة لإدارة البلاد حينذاك، وقد وثق مدى تأثير سياساتهم المتعاقبة باختلاف دياناتهم على مدار الزمن ...

- كما وثق ما عانت المدن بأطرافها المترامية من النزاع السياسي الذي سبق عصر الإسلام، وخلال حقبة الإسلام مما أدى الى تغيرات اجتماعية وثقافية ودينية اثارت إشكال الاختلاف، وذكر ما تعرضت اليه ثروات البلاد الأثرية للسرقة والعبث بدون رقيب نتيجة كثرة الحروب المعادية والهجرات الكثيرة، فشرع أبواب الماضي للقارئ للتعرف على تاريخ الأثار بتفاصيل دقيقة موثقة، ووقف على الكثير من تفاصيل المواقع والتلول الاثرية التي تصل الى 118 موقعا اثريا ودينيا حيث صور الكثير من البقايا الأثرية والنماذج المنحوتة والمجسمات المتناثرة هنا وهناك...

 - فمن مؤرخه يستدل القارئ على أسماء الأماكن الأثرية القديمة والحديثة، وبصمة انثروبولوجيا المجتمعات، فنستدل على قدرته في اختراق طيف الزمن بمروره على المعالم التراثية منها عدة مراقد من ولاة المسلمين وقادة الحروب وأماكن أضرحة لأصحاب الرسول (ص) منهم الولاة والقادة والمحاربين في حملات تحرير إسلامية، كذلك أرخ مواقع الحروب وتواريخ حدوثها بجملة وقائع، وسرد لنا في العصر الحديث عن الحركات الاستكشافية والنهرية، وأسماء علماء الأثار والبعثات وسنوات تنقيبها من طالبي العلم والزوار والمؤرخين والرحالة، وذكر عن التشكيلات الإدارية الحديثة في ثلاثينيات القرن الماضي بتأسيس سلمان باك عام 1932م كناحية تابعة الى قضاء بغداد التابع الى لواء بغداد ...

 - وروى القصص الرائعة عن أهل المنطقة وأصولهم، ونسب العشائر والمشايخ وأعمال مديري الناحية في فترات مختلفة، وكشف وثائق مهمة عن حدث غرق سلمان باك، وعن أحوال مختاريها ودائرة الضرائب والصحة والشرطة والمحكمة، كما استذكر عدد من رواد العلم والمعرفة من التربويين وأعمار المكتبة العامة في المدن، وعرج بنا الى متحف المدائن الآثاري، حتى وصل بنا الى المبحث المجتمعي اذ تطرق لأصحاب المهن الحرة باختلاف دياناتهم ومحترفين المهن الشعبية والتراثية، وترك لنا عناوين وأسماء المقاهي والرياضة وأبرز  أبطالها آنذاك، فلم يترك صغيرة أو كبيرة الا أحيى تراثها ...

- اِعتمد المؤرخ نبيل زايد التوثيق الأكاديمي بالتحقيق المنظم، والبحث الشخصي المنظر في مواقع شتى، وتقصى حقائق كثيرة بأمانة علمية وأسلوب سرد روائي بتقنية مهندس وخبرة صحفي، حيث سافر لأبعد النقاط في دهاليز تاريخ المدائن، ونفض الغبار عن حكايات شعبية فزال صدأ الزمن عما أندثر من تراث وتقاليد، فتحمل صعوبة التنقل ومشقة الوصول وقلق التحري للعثور على أصدق معلومة، بزيارة بقايا الآثار والمكوث فيها تحت أصعب الظروف، فاستجلى خلاصة الحقائق من مصادر موثقة كتبها مؤرخين عراقيين وعرب، وعلماء آثار أجانب سبق أن نقبوا عن آثار الأماكن، وأستشهد بمصادر إجتماعية شتى، وسعى بجهد تنقل لمقابلة شخصيات معتمدة لعدة أجيال تلقفت أصول التراث، وممن لديهم معلومات عن أسلافهم في نفس المدن، فمن يقلب صفحات كتبه يندهش مما سطر من شواهد أركيولوجية بجهود قيمة بمنهج رؤى واقعي، أرّخَت أنثروبولوجيا الصور بندرتها التاريخية، منها صور بيانية، ومخططات بنائية بالخرائط القديمة والحديثة، فرغم تغيرات جيولوجيا الأماكن التي تحكمت بمواقع بقايا الآثار ورموز حدودها الا أنه دعمها بكثرة الدلائل الموثقة بسجلات التاريخ عبر تقويم الزمن ...

- ويبقى مصير سرد الحدث بما يتركه من أثر ثقافي ملزم بفنية دراسة الأسباب بالتحليل المبرهن بتحصيل النتائج، من تفاصيل التنقيب الموقعي والتقصي غير الموقعي لتلقف المعلومات مستشهدا بثوابت الأدلة والتي تقنع الرؤى، يقول ابن خلدون في: ("المقدمة في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه" إن التاريخ فن من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال) وأن اختلف علماء الآثار عليه بحداثة الرؤى، ألا أن أسلوب السرد بحسية وأدراك المؤرخ للكشف عن تاريخ أُمة هو انجاز فني لاحق عن كينونة زمكانية سبق لها أثر ترك بصمة وجود إنساني، فالحنين للماضي سمة بشرية لا تخلو من وعي معرفي شيق المتعة يفترضه فطرة الوجود، فما اجمله من فن يعيد لنا الزمن برؤى إنسانية ...

- لم تسمح لي القراءة السريعة وما توقفت عنده بنقل ما تضمنته صفحات المؤرخ من ثراء معلومات اثرية لمنجز بحثه في الذاكرة المدائنية، كموسوعة تاريخية تعدت ال 430 صفحة زاخرة بآثار مدن عريقة يستعان بها الباحثين عن التاريخ والآثار والعلوم الإنسانية والأجتماعية ومرافيء معرفة متعددة بفنية توضيب وأسلوب تدوين ممنهج...

- تركتُ الكثير من المعلومات المهمة من سرد المؤرخ، فمن الأجدى لمن يحب الاطلاع على انثروبولوجيا حضارات من وادي الرافدين أن لا يفوته متعة التجول والسفربما وثق من جهود بحثية شيقة من واقع المعالم، وقيد من استنتاج رؤى بصيرة المدى لباحث بارع مجتهد الجد الأستاذ المؤرخ والصحفي نبيل زايد بالتوفيق لإنجازكم .

****

قراءة إنعام كمونة

جواد بشارةفصل من كتاب التاريخ السري للموساد الإسرائيلي جورج توماس

بعد صدام

بحلول كانون الثاني (يناير) 2003، بعد خمسة أشهر من انتقاله من مقصف مقر الموساد قوبل تصفيق مدو عند دخوله المقر الجديد للمخابرات الإسرائيلية، وأصبح مئير دغان، الرئيس الجديد، بطلاً في طاقم عمله ورجل يخشاه الإسرائيليون.

فالأعداء. حتى أكثرهم مرارة اعترفوا بأن الموساد غدت مرة أخرى أكثر أجهزة التجسس فاعلية وقسوة في الشرق الأوسط وما وراءه. دغان يعرف عن أسرار الأجهزة الأمنية العربية أكثر مما يعرفه الحكام السياسيون العرب. وبالفعل، فقد عيّن وكلاء جدد دسهم في المكاتب الخاصة لكبار المسؤولين الحكوميين في سوريا ومصر ولبنان والإمارات العربية المتحدة. وجعلهم تحت عينه الساهرة، تسلل الموساد بقوة جديدة إلى جميع قطاعات الحياة السياسية العربية، ومجتمعات الأعمال التجارية، ومجالات أخرى من المجتمع الإسلامي.

في الأشهر الأربعة الماضية منذ توليه القيادة، درس الخطايا والأخطاء التي أدت إلى انهيار الروح المعنوية في الموساد. وقد صحح ذلك من خلال التأكد من أن المسؤولين عن الهجوم قد تم إعدامهم من بين صفوف الموساد. تم إحضار بدائل من الجيش؛ كما تم تجنيد البعض من الشاباك وأجهزة المخابرات الإسرائيلية الأخرى. أوضح داغان أنه قد اختارهم لأنهم سيتبعون قواعده وتعليماته هو- وليس كتاب القواعد الرسمي الذي اتبعته الموساد سابقاً. من جانبهم، أظهروا أنهم سوف يخدمونه لمجرد اقتناعهم بأنه الرجل الذي يرغبون في اتباعه.

كان يعمل ثمانية عشر ساعة في اليوم، وأكثر في مكتبه. كان ينام أحيانًا على أريكته. كانت الحياة صعبة. يأتي ويذهب خلسة مثل اللص في الليل. ذهب إلى مومباسا وأماكن أخرى ليتبع أثر أسامة بن لادن والقاعدة. وما كان رؤساء المخابرات الآخرين ليغادروا مكاتبهم. لكن هذا لم يكن أسلوبه. كان يقود دائما من الأمام.

كان دغان قد وضع خطة شعر أنها ستقلل من خطر المفجرين الانتحاريين. على إسرائيل أن تخفف من قبضتها الخانقة على ياسر عرفات وأن تخفف الحصار عن الضفة الغربية وقطاع غزة - بعد ضمانات قوية من السلطات الفلسطينية بأنها ستتعامل مع المفجرين بنفسها. وقد ذهبت الخطة إلى حكومة شارون التي رفضتها ما لم يتم عزل عرفات.

كان داغان قد انتظر وقته. لقد فهم جيدًا أن العلاقة بين أرييل شارون وعرفات تتسم بكراهية شخصية متبادلة: لن يكون هناك حل حتى يتم عزل عرفات. توحي فطنة دغان الاستخباراتية بأن هذا قد يأتي من داخل فلسطين. كانت إحدى مهامه منذ توليه منصبه إثارة استياء الجماعات الأكثر عرضة للإصابة، والترويج لفكرة أن عرفات كان العقبة الوحيدة المتبقية على طريق السلام. كانت الدعاية بكل أشكالها سلاحًا استخدمه داغان في أيامه كقائد عسكري.

أنشأ قسم الحرب النفسية في الموساد، "لاب"، "أكاديمية الإرهاب" الأسطورية في مدينة غزة، حيث يتم تدريب المفجرين الانتحاريين. حظيت القصة بتغطية واسعة.

تبعت العديد من القصص الأخرى هذا الجزء من الدعاية، وغالبًا ما تم تضمين نتائجها في ملخص الاستخبارات بين عشية وضحاها الذي تم تسليمه إلى أرييل شارون عندما استيقظ. كما أملاه دغان، شكل الملخص طريقة تفكير شارون ليومه القادم.

لا يزال كلا الرجلين يشتركان في علاقة وثيقة ونفس المثل الأعلى لإسرائيل: لضمان أنه، على حد تعبير شارون، "هذه البقعة الصغيرة من التربة، القاحلة وغير المضيافة، حتى حولها نحن اليهود إلى مركز قوة في المنطقة، لن يتم أخذها منا أبدًا.."

خلال العشاء في منزله بعد فترة وجيزة من تعيين دغان، أراه رئيس الوزراء رأس سهم مطلي باللون الأسود في واجهة عرض. إنه يمثل الاسم الرمزي - هيتز شابور - الذي اختاره شارون لهجومه على الجيش المصري في غزة في حرب الأيام الستة. لقد كانت بداية حياته المهنية باعتباره أكثر القادة العسكريين قسوة منذ موشيه ديان. ثم جاءت المذبحة في مخيمين للاجئين صبرا وشاتيلا في لبنان والتي قيل إن ما يصل إلى ألف رجل وامرأة وطفل ذبحوا في 17 سبتمبر 1982 بينما لم تتدخل قوات شارون. يبدو أن مسيرة شارون المهنية قد توقفت. لكنه دخل إلى الساحة السياسية وتفوق على بنيامين نتنياهو بذكاء - ليس بالأمر الفذ - لتولي رئاسة حزب الليكود. لقد كانت نقطة انطلاق لرئاسة الوزراء التي شغلها الآن.

خلال ذلك العشاء، أخبر شارون داغان أنه اختاره لرئاسة الموساد لأنهما كانا قائدين جريئين وحازمين بقوة.

لكن كان هناك اختلاف واحد: شارون كان مقامرًا ومستعدًا للمجازفة، مثل زيارته إلى جبل الهيكل في القدس، الذي أشعل الانتفاضة الثانية ومهد الطريق أمام المفجرين الانتحاريين لاكتساب القوة. بينما لم يكن دغان مقامرًا. فهو يحسب كل حركة يقوم بها.

بعد أسابيع من توليه المنصب، كان داغان قد استقل طائرة تابعة لشركة إل عال إلى لندن للقاء اثنين من رؤساء المخابرات البريطانية، ريتشارد بيلينغ ديرلوف، رئيس MI6، جهاز المخابرات السرية، وإليزا مانينغهام بولر، مديرة MI5.

لقد درس خلفياتهما بدقة كما هو الحال عند التعامل مع عدو. في حين أن كلا رئيسي المخابرات لم يكن كذلك بالتأكيد، فقد تسببوا في قلقه. كانت بريطانيا لسنوات مرتعا للإرهاب الإسلامي. كلاهما تم تجنيده في في العاصمة البريطاني ريتشارد ريد، أو ما يسمى بمفجر الأحذية الذي حاول تدمير طائرة ركاب أمريكية بالمتفجرات المعبأة في حذائه، وزكريا موسوي، الذي تم تحديده باعتباره الخاطف العشرين لهجمات 11 سبتمبر، للقيام بمهماتهم منطلقين من مساجد لندن.

أصبحت العاصمة المقر الرئيسي للدعاة الإسلاميين المتطرفين الذين كرّسوا، من خلال شبكة من المنظمات، جهودهم لنشر الكراهية الخالصة: وخاصة كراهية إسرائيل، وكراهية أمريكا، وكراهية الغرب - وكراهية جميع الديمقراطيات التي تقدر التسامح والحرية، المثل الأعلى الذي أعطى المتطرفين حرية العمل في بريطانيا.

على الرغم من الاحتجاجات، استمرت بريطانيا في توفير الملاذ للأصوليين الإسلاميين المطلوبين بتهم الإرهاب في دول أخرى. وقد طعنت حكومات فرنسا والجزائر ومصر والأردن والمملكة العربية السعودية، وكذلك الولايات المتحدة، في رفض بريطانيا تسليم الإرهابيين. لكن البريطانيين زعموا بنجاح أن إزالتهم من الحماية البريطانية سيؤدي إلى "اضطهادهم السياسي".

وكان الدعاة الإسلاميون الذين أدخلوا هؤلاء الأفراد في الإرهاب قد استأجروا محامين ماهرين بمبالغ باهظة لمحاربة قرارات تسليمهم لدولهم الأصلية. كانت المناورات القانونية قد قيدت القضايا لسنوات. خالد الفواز، المطلوب في الولايات المتحدة لدوره في تفجير السفارة الأمريكية في نيروبي، نجح في استخدام المحاكم الإنجليزية لضمان بقائه في البلاد. وقد تمت تغطية تكاليفه القانونية البالغة ستين ألف دولار من الأموال العامة.

مرتديًا إحدى بدلاته المخططة بالدبابيس السوداء المصممة حسب الطلب، وقميصًا أبيض مخيط يدويًا، وربطة عنق مخططة، كان ديرلوف جالسًا في مكتبه المطل على نهر التايمز بينما عرض مئير داغان قضيته لسبب وجوب وقف وجود الإرهابيين في بريطانيا.

كان رئيس الموساد يعرف تمامًا النغمة الصحيحة للهجوم مع أحد كبار رجال المخابرات، حيث كان يقود 2000 موظفًا - منهم 175 من ضباط المخابرات الميدانية والجواسيس. كان ديرلوف يتقاضى راتباً قدره 150 ألف جنيه إسترليني في السنة، أي أكثر بعدة مرات مما يكسبه داغان. كان لرئيس MI6 أيضًا امتيازات يحسد عليها: سيارة بسائق وحماية مسلحة ، وعضوية في العديد من أندية لندن الحصرية.

لم يحسد عليه دغان أيًا من هذا. كان يعلم أن ديرلوف قد حصل على امتيازاته.

بعد تخرجه من كامبريدج، انضم ديرلوف إلى MI6 في عام 1964. وبعد أربع سنوات كان يعمل متخفيًا في نيروبي. غالبًا ما سافر من العاصمة الكينية إلى جنوب إفريقيا، وأجرى اتصالات مع BOSS، ثم جهاز الأمن في جنوب إفريقيا. في عام 1973 تم تعيينه في براغ كنائب لرئيس محطة MI6. في هذا المنصب، أجرى عملية لاختراق حلف وارسو. وتحت قيادته، انشق العديد من كبار جواسيس الروس والأوربيين الشرقيين وعبورهم إلى الغرب.

بعد فترة قضاها في باريس، تم تعيينه في جنيف، وكان تغطيته بأنه دبلوماسي مرتبط بالأمم المتحدة. هناك أجرى اتصالاته الجادة الأولى مع ضباط استخبارات عرب من العراق وسوريا وإيران.

بعد ذلك بعام ظهر في واشنطن كضابط اتصال كبير لـ MI6 مع أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة.. في ربيع عام 1992 عاد إلى لندن، مكلفًا بمهمة الإشراف على انتقال MI6 من مقرها المتهالك في Century House في ضاحية Lambeth المتهدمة إلى هيكلها ما بعد الحداثي الذي تبلغ قيمته 236 مليون جنيه إسترليني في Vauxhall Cross. يقال إنه بحلول الوقت الذي تم فيه افتتاح المبنى، كان ديرلوف قد قام شخصيًا بفحص كل غرفة، واختبر قوائم الطعام في المقصف، ونام في الأسرة في مهجع الطابق السفلي الذي يستخدمه الموظفون أثناء الأزمات.

كانت رحلاته إلى واشنطن متكررة. لقد أدهش نظيره في وكالة المخابرات المركزية، جورج تينيت، من خلال توضيح أنه لم يعد يرى مطاردة أسامة بن لادن أولوية قصوى لـ MI6.

سُمِع ديرلوف بشكل خاص ليقول إن "القبض على بن لادن، حياً أو ميتاً، هو إلى حد كبير ما يسعى بوش للحصول على من أجل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام".

استعد داغان لديرلوف عندما قال الأخير إنه لم يكن مناصرًا للإيمان الأمريكي بـ "Sigint" - ذكاء إشارات الأقمار الصناعية. كان يعتقد أن الجواسيس على الأرض كانوا أكثر قيمة وجدارة بالثقة، وأنه مع الذكاء البشري "تحصل على ما يرونه عن قرب، وليس من الفضاء الخارجي". في عالم من رسائل البريد الإلكتروني المشفرة وصور الأقمار الصناعية المحسنة، وجد داغان شيئًا محببًا في هذا الحكم. إنها تعكس وجهات نظره الخاصة.

كان داغان يتطلع إلى لقائه مع إليزا مانينغهام بولر أكثر من أي رئيس تجسس آخر. كانت مديرة MI5 هي المرأة الثانية فقط التي ترأس الخدمة. بفضل ذقنها المزدوج وضحكتها المزدهرة، والتي يبدو أنها تأتي من مكان ما في حضنها الواسع، كانت شخصية رائعة.

في سن الثالثة والخمسين، أي أصغر من دغان بأربع سنوات، وحصلت أيضًا على راتب أكبر بكثير مما كان يأمل في الحصول عليه هو؛ في الواقع، لقد كسبت أكثر من سيدها السياسي النهائي، رئيس الوزراء توني بلير.

دوى صوتها الذي يحطم الكريستال مع نسبها من الطبقة العليا. كانت ابنة اللورد المستشار السابق لإنجلترا. كانت إحدى شقيقاتها متزوجة من نائب سابق لحارس الحقيبة الخاصة للملكة.

كانت قد التحقت بجامعة أكسفورد، حيث عُرفت باسم "طرق""أسلوب البلطجة" لتخويفها زملائها. في عام 1968، أدرج برنامج التمثيل الإيمائي في المجتمع الدرامي التابع للجامعة مسرحية سندريلا وأعطى لــ"The Honorable Eliza Manningham-Buller" الدور الأهم على أنها Fairy Godmother. مرتدية غطاء رأس من الزهور وحاجبيها كثيفين، صعدت إلى خشبة المسرح في نفخة من الدخان. كانت تدور، وفي خضم ذهول الجمهور وسندريلا -  التي- صُدمت: "اعتقدنا أنك ستفاجأ. لكن لا تخف. أنا أمك الخيالية، يا عزيزتي. "

في تلك الليلة، اقترح أحد المجندين في MI5 - أحد موظفي أكسفورد - أن تتخلى إليزا عن أي خطط لممارسة واحتراف التمثيل والانضمام إلى MI5. لقد استمعت باهتمام ثم استشارت والدها. الذي قال لها إن التجسس ليس مهنة لسيدة.

انضمت إليزا على الفور إلى MI5 ككاتبة نسخ للمحادثات الهاتفية التي تم التنصت عليها، ومعظمها من دبلوماسيين في الكتلة السوفيتية في لندن. لكنها سرعان ما أظهرت موهبة في فهم حديثهم الحذر. أصبحت ضابطة استخبارات مضادة صائدة أو- ملتقطة جواسيس.

"أسلوب التنمر" أصبح "أسلوبًا هائلاً". اتبعته وصعدت بسرعة من خلال التسلسل الهرمي المنظم MI5.

أطول من معظم زملائها، كان لديها طريقة مستبدة في النظر إلى أنفها الإمبراطورة الرومانية عندما أزعجها شخص ما. قال أحد الزملاء، بعد أن سلمت Rebuke، خطت في أحد ممرات MI5 البائسة "مثل رجل حارب في شراع كامل". لقد عملت في واشنطن، وفي تلك الوظائف الأخرى حيث الشوارع ليس لها أسماء. ترأست فريق MI5 الذي حقق في كارثة لوكربي وقادت حرب MI5 السرية ضد الجيش الجمهوري الإيرلندي.

في عام 1997 أصبحت نائبة المدير العام للخدمة. بعد ثلاث سنوات، أدارت MI5.

بالنسبة لمضيفيه، كانت لدى مئير داغان نفس الرسالة التي لا هوادة فيها: لقد أصبحت لندن جنة للإرهابيين، وهي مدينة سمحت للإرهابي بالعيش في ظل ديمقراطية والقدرة على التدمير بكل ما تعنيه الكلمة. ولأن هدفهم الرئيسي كان ولا يزال هو إسرائيل، كان يجب أن يتوقف هذا. قالها دغان بأدب. لكنه قالها بحزم.

وأضاف أنه يتفهم الصعوبة التي واجهتها بريطانيا. كانت موطنًا لـ 1.8 مليون مسلم، غالبيتهم العظمى من المواطنين المسالمين الملتزمين بالقانون. كان يعلم أن بريطانيا لديها علاقات تجارية قوية مع الدول العربية. لكنه أدرك أيضًا أن الجماعات الإسلامية المتطرفة كانت قادرة على العمل بعمق داخل الجالية المسلمة المغلقة في بريطانيا. كان على استعداد لوضع الموساد تحت تصرف MI5 وMI6. لكي ينجح ذلك، سيحتاج إلى إذن لزيادة عدد عملائه العاملين في بريطانيا. حيث تم تقليص العدد منذ عام 1987، بعد أن اشتكت حكومة تاتشر من أساليب الموساد.

وافق كل من ديرلوف ومانينغهام بولر بسرعة. في غضون أيام، وصل عملاء الموساد إلى لندن. أحضروا معهم قائمة بالمسلمين المتطرفين الذين خشوا أنهم كانوا يستعدون لضرب أهداف إسرائيلية. أوضح فريق الموساد أنهم سيعملون بمفردهم. وكانوا سيتعاملون مع أي تهديد لإسرائيل بقوة كما فعلوا دائمًا. يمكنهم جعل الاغتيال يبدو وكأنه حادث - أو جعله بمثابة تحذير للآخرين من خلال عدم إزعاجهم لإخفاء ما فعلوه.

والآن، في كانون الثاني (يناير) 2003، علم مئير دغان أن مسألة اغتيال صدام حسين كان يشغل بالهم أيضًا، أي الرئيس جورج دبليو بوش ومعاونيه. وكانت الموساد تمتلك أفضل طريقة لقتل صدام حسين.

مع دقات طبول الحرب الوشيكة مع العراق بصوت أعلى في واشنطن، أعلن الرئيس جورج دبليو بوش لأقرب مستشاريه أنه مستعد لرفع الحظر عن اغتيال وكالة المخابرات المركزية لصدام حسين. كان ضبط النفس على قيام الوكالة بقتل أي زعيم ساري المفعول منذ قيام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بإحباط محاولاتها لاغتيال الزعيم الكوبي، فيدل كاسترو، في السبعينيات. لم يتم التنازل عن هذا الأمر التنفيذي رسميًا، ولكن في الأيام الأولى من العام الجديد، في الطقس البارد الموسمي للعاصمة الأمريكية، كان المحافظون الجدد الذين أحاطوا بالرئيس - رجالًا ونساءً كانوا مستشارين لبوش الأب عندما كان رئيسا للولايات المتحدة- مجتمعين ويتناولون الخبز المحمص فجأة قال أحدهم أن صدام يمكن أن يموت قريبا. أردف وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قائلاً: «إن للولايات المتحدة الحق القانوني في اغتيال أي شخص متورط أو يخطط" "إما بشكل مباشر أو غير مباشر لهجمات 11 سبتمبر".

وزعم رامسفيلد أن صدام وجه "ضربة أخرى" إليهم لأنه كان يخزن أسلحة دمار شامل. على الرغم من أن وزير الخارجية كولن باول ومدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت ومحلليه أصروا على عدم وجود دليل قاطع على أن صدام كان على صلة بهجمات سبتمبر أو أن لديه أسلحة دمار شامل، أصر رامسفيلد على أن مصادره الخاصة تروي قصة مختلفة.

كان عناصر الموساد ألــ " كاتسا" المقيمين في السفارة الإسرائيلية في واشنطن قد اكتشفوا أن المصدر الرئيسي لرامسفيلد كان المعارض العراقي أحمد الجلبي، الذي ساهم في تأسيس المؤتمر الوطني العراقي، الذي نصب نفسه بمثابة "الحكومة العراقية المنتظرة" لتحل محل صدام المخلوع.

وكان الجلبي يعمل مخبرا للموساد فيما يتعلق بالعراق بعد أن استولى صدام على السلطة عام 1979. وكان الجلبي قد انتقل إلى الأردن المجاور، حيث أسس بنك البتراء. لفترة من الوقت كان بمثابة قناة للموساد لتمويل العمليات السوداء في الشرق الأوسط. لكن في عام 1979 انهار البنك بسبب اختفاء مئات الملايين من الدولارات للمودعين.

تمكن الموساد من سحب ودائعه المتواضعة قبل الانهيار. بعد ذلك بوقت قصير، اتهم رئيس البنك المركزي الأردني، محمد سعيد النابلسي، الجلبي بتحويل 70 مليون دولار من أموال البنك إلى حساباته المصرفية الشخصية في البنوك السويسرية.

وصل الجلبي إلى واشنطن في الوقت الذي انتُخب فيه جورج بوش الأب رئيساً.

حتى الحرب العراقية الأولى، بعد غزو صدام للكويت، كان الجلبي يبدو وكأنه ليس أكثر من مجموعة ضغط أخرى " لوبي " في الشرق الأوسط، في مدينة مليئة بهم، تحاول الترويج لمصالحهم الخاصة. لكن الحرب غيرت كل ذلك. باستخدام المؤتمر الوطني العراقي الذي يبدو وكأنه مهيب، وجد الجلبي نفسه مرحبًا به على الفور من قبل المحافظين الجدد لبوش. وكان من بينهم نائب الرئيس المستقبلي ديك تشيني ونائب وزير الدفاع المستقبلي بول وولفوفيتز. ومن خلالهم تعرّف على دونالد رامسفيلد. تم تأسيس أرضية مشتركة في اعتقادهم أن صدام كان خطرًا على السلام ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن ربما في العالم بأسره.

بشكل لا يصدق، بدأ الجلبي يطلع تقارير استخباراتية قدمها البنتاغون عن صدام أعدتها وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي. في البداية اقتصر على التعبير عن أن بعض المعلومات الاستخبارية لا تتناسب مع ما تعرفه منظمته الصغيرة من داخل العراق.

تدريجياً، أصبحت هذه التعبيرات، التي غالباً ما تُوجه مباشرة إلى رامسفيلد، أكثر انتقاداً. شعر الجلبي أن وكالة المخابرات المركزية، على وجه الخصوص، كانت بعيدة عن الاتصال لأنه ليس لديها عملاء على الأرض في العراق.

في أواخر صيف 2002، في الفترة التي تسبق الذكرى السنوية الأولى للهجمات على البرجين التوأمين والبنتاغون، أمر رامسفيلد بتشكيل وحدة سرية خاصة في البنتاغون لـ "إعادة فحص" المعلومات التي قدمها الجلبي و " إعادة تقييم "العلاقات بين صدام والقاعدة وتطوير العراق لأسلحة الدمار الشامل.

أحمد الجلبي، مصرفي فاقد المصداقية متهم بنهب خزائنه، وأصبح المصدر الرئيسي للمعلومات لدى رامسفيلد. في حين كان رئيس وكالة المخابرات المركزية، الرجل الذي كان يحرس أرضه بغيرة، غاضبًا لدرجة أنه في أغسطس 2002 كان قد هدد بالاستقالة. كان تشيني قد سكب البلسم على مياه مضطربة للغاية، وبقي تينيت في منصبه. لكن باستخدام اتصالاته الخلفية الخاصة بمدير MI6 ريتشارد ديرلوف، أطلع تينيت رئيس MI6 على مشاركة الجلبي المستمرة في القيادة العليا لإدارة بوش.

عندما تولى قيادة الموساد، كان داغان قد التقط بسرعة دور الجلبي الغريب كمصدر لرامسفيلد. من ملف الموساد الخاص بالمصرفي العراقي، كان من الواضح أن الجلبي لم يقدم سوى معلومات استخباراتية منخفضة الدرجة عندما تجسس لصالحهم، لصالح الموساد، في العراق. الآن، بعد أكثر من عقد على مغادرته بغداد، كان من غير المرجح أن يكون للمصرفي أي صلات حقيقية داخل نظام صدام.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتساءل فيها محللو الموساد عن كيفية إدارة الأمور ذات الأهمية داخل إدارة بوش.

رحلات دغان الخاصة إلى واشنطن، الإلزامية لأي مدير جديد للموساد، قد ملأت الثغرات في التقارير الواردة من الــ" كاتسا" عناصر الموساد في السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأمريكية. في اجتماعات مع أعضاء الإدارة - رجال مثل لويس ليبي، رئيس أركان تشيني، وإليوت أبرامز، المسؤول عن سياسة الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي - التقى دغان بمدافعين عما أسموه "الديمقراطية العضلية". لقد نطقوا في محادثاتهم بكلمات عربية مثل الجهاد وعبارات مثل الله أكبر ول لله الحمد. عرفوا ما قصدوه: "الجهاد" ". أخبروا داغان أن ما حيرهم هو أنهم لم يتمكنوا من فهم كيف يمكن أن يصادق الله على مثل هذه المذبحة الرهيبة التي حدثت في 11 سبتمبر.

كان داغان غير مرتاح للنقاش الديني. كان إيمانه، مثله مثل أي شيء آخر في حياته، مسألة خاصة أو شخصية. لقد تجنب السؤال بلباقة. ومع ذلك، قال لاحقًا لزملائه في تل أبيب، إنه كان مفتونًا بالطريقة التي يكتسب بها الدين مثل هذه الأهمية في إدارة بوش.

عندما عاد الرئيس بوش إلى البيت الأبيض بعد أربعة أيام من هجمات 11 سبتمبر، استقبل زائرًا مرحبًا به. كان الإنجيلي بيلي غراهام، وهو صديق قديم لعائلة بوش، قد جلس مع الرئيس المهزوز بشكل مفهوم وتحدث لفترة طويلة عن شر الإرهاب و "الغضب الصالح" كما ورد في الكتاب المقدس، والواجب تدميره.

ضرب مقطع من الكتاب المقدس على وتر حساس لدى الرئيس بوش الإبن: "هكذا قال الرب. لان الفلسطينيين انتقموا وانتقموا بقلب محتقر. لذلك هكذا قال السيد الرب ها أنذا امد يدي على الفلسطينيين. فيعلمون أني أنا الرب عندما أضع نقتي عليهم ".

أصبحت كلمات النبي حزقيال فكرة مهيمنة لجورج دبليو بوش، نداء حاشد لكل ما سيقوله ويفعله في الأشهر القادمة من أجل "الحرب على الإرهاب": تبرير هجومه على أفغانستان، ولحربه القادمة ضد العراق. كان الدكتاتور العراقي هو فلسطيني التوراة بالنسبة له. والذي قصده حزقيال، ذلك الرجل الحديدي في الكتاب المقدس، كان قد منح بوش قوة مماثلة.

في نهاية الاجتماع، أعطى غراهام بوش كتابًا مقدسًا بحجم الجيب. الواعظ الإنجيلي Evangelist الوقت الكافي للتعليق عليه، باستخدام علامات وخطوط لتسليط الضوء على جميع مقاطع الكتاب المقدس التي عززت الحق في استخدام "الغضب الصالح".

بوش، مثل بيل كلينتون والرؤساء السابقين الآخرين، لم يكن يفتقر إلى الأناجيل. لقد نشأ فيما كان يحب أن يسميه "بلد يتقي الله" - تلك الرقعة الكبيرة من الولايات الجنوبية المعروفة باسم حزام الكتاب المقدس. لا يوجد كوخ أو منزل أو قصر فخم بدون الكتاب المقدس. في مزرعة بوش بولاية تكساس، وفي مكتبه عندما كان حاكماً للولاية، وضع كتاب مقدس على طاولة بالقرب من علم الولايات المتحدة الملفوف. وبتجهيزه بالكتاب المقدس الذي قدمه له بيلي غراهام، لم يكن لدى الرئيس أدنى شك في أن الله كان إلى جانبه عندما شن حربه العالمية على الإرهاب.

كان الإيمان نظرة ثاقبة في تفكيره. جاء آخر مع اعترافه بأنه يريد بن لادن "حياً أو ميتاً". جاء المزيد من الأدلة على عقليته عندما تحدث عن "محور الشر" - إيران والعراق وكوريا الشمالية. كان لهذه العبارة دلالة كتابية توراتية قوية.

طوال عام 2002، من أجل خطاباته أمام الكونغرس وقادته العسكريين، وفي محادثاته الإذاعية الأسبوعية للأمة، وفي اجتماعاته مع قادة العالم، اعتمد بوش على مقاطع مستله من هدية غراهام المربوطة بالجلد لتعزيز الفكرة القائلة بأن الحرب على الإرهاب كانت برضا الله التام.

لقد اتخذت الحرب المقدسة - جهاد الأصولية الإسلامية - معنى جديدًا.

كما أن إصرار الرئيس بوش على أنه سيوجه ضربة استباقية ضد العراق متجذر بعمق في العقيدة الدينية للمحافظين الجدد من حوله.

في ظل تلك الخلفية من الحماسة الدينية المتزايدة، راقب الموساد التقدم الذي أحرزته واشنطن في محاولة اغتيال صدام حسين - وهي خطوة قد تؤدي إلى حرب شاملة ضد العراق.

في أوائل فبراير 2003، بعد محادثة هاتفية بين أرييل شارون والرئيس بوش، أخبر رئيس الوزراء الإسرائيلي داغان أنه عرض السماح للموساد بالتورط بشكل مباشر في اغتيال صدام. على الرئيس بوش ووافق عليها هذا الأخير.

في تل أبيب، اتبعت عملية التخطيط للعملية إجراءات تمت تجربتها جيدًا. أولاً، تم فحص المحاولات السابقة لقتل صدام لفهم سبب فشلها. في السنوات العشر الماضية، كان هناك خمسة عشر هجوماً منفصلاً على الزعيم العراقي. لقد تم رعايتهم من قبل الموساد أو MI6. كان فشلهم بسبب التخطيط غير الكافي، أو تجنيد قتلة عراقيين إما تم اكتشافهم من قبل جهاز الأمن المخيف والمهول لصدام، أو ببساطة لأنهم كانوا غير قادرين على الاقتراب من هدفهم، أي صدام بما فيه الكفاية.

قام الموساد بمحاولة سابقة واحدة بنفسه، في نوفمبر 1992. اكتشف عملاؤه في العراق أن صدام كان يخطط لزيارة واحدة من عشيقاته العديدات، اللواتي كن يعشن بالقرب من تكريت. علم العملاء أن صدام كان ينوي الوصول إلى منزل المرأة عند الغسق. في اليوم التالي، سيزور قاعدة عسكرية قريبة قبل أن يعود إلى بغداد. في الدقائق الخمس عشرة المقدرة بين مغادرة فيلا المرأة ووصوله إلى القاعدة الجوية، ستكون هناك ثغرة أمنية قد يكون صدام فيها عرضة للهجوم.

تحت السيطرة الشخصية للجنرال أميرام ليفين، في ذلك الوقت نائب مدير الموساد، وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خطة قتل صدام. تحت شفرة كود اسمه Skah Atad ، فريق الاغتيال الذي تدرب لأسابيع على العملية في صحراء النقب.

تقدم تفاصيل العملية نظرة ثاقبة على دقة التخطيط. سيتم دعم فريق الموساد كيدون بأربعين عضوًا تم اختيارهم بدقة متناهية من وحدة القوات الخاصة الإسرائيلية 262 - تم زرعهم في ذاكرة إسرائيل مثل تلك التي أنقذت الرهائن في عام 1976 من مطار عنتيبي في أوغندا، الذين تم احتجازهم من قبل إرهابيين قاموا باختطافهم. في  طائرة ركاب.

باستخدام طائرتين من طراز Hercules C-130، كان القتلة يطيرون إلى العراق تحت مدى الرادار كي لايكشفهم. وعلى الأرض سوف ينقسمون. سينتقل الكيدون إلى مسافة مائتي متر من الطريق الذي يسلكه صدام من فيلا عشيقته إلى القاعدة الجوية. ستنتظر المجموعة الرئيسية على بعد حوالي ستة أميال، ومجهزة بصاروخ خاص من تطوير الموساد يتم التحكم فيه عن طريق الرادار، يُسمى ميدراس، بالعبرية تعني "خطى".

كان فريق الكيدون يستهدف صدام ويطلق النار على سيارته. وفي نفس الوقت يقوم واحد من فريق الاغتيال بإرسال إشارة إلى فريق الصواريخ يحدد فيها الإحداثيات ليطلقوا النار باتجاه هذه الإحداثيات الدقيقة التي سيوفرها كيدون - ويدمرون المركبة التي يوجد على متنها صدام حسين.

لكن أرييل شارون، وزير الخارجية حينها، ووزير الدفاع إتسحاق مردخاي أمرا بإلغاء العملية لأن مخاطر الفشل كانت عالية للغاية.

الآن، بعد ما يقرب من عقد من الزمان، وبدعم من واشنطن، لم يكن هناك مثل هذا التردد في محاولة قتل صدام.

كل صباح مع انتهاء اللون الرمادي الزاحف وبدء يوم آخر - كانت اللحظة التي علمته فيها والدة صدام حسين "الفجر الأول" - كانت شاحنة تتجه إلى أحد قصوره، حيث يقضي رئيس البلاد الذي نصب نفسه مدى الحياة آخر ليلة آمنة.

كانت الشاحنة تحتوي على جراد البحر الحي، والروبيان الطازج، وجانب من لحم الضأن ولحم البقر الطازج، وقد تم تقطيع جميع الدهون من اللحوم. كانت هناك مجموعة متنوعة من الزبادي والجبن، والزيتون المفضل لدى صدام حسين، والذي يتم قطفه من مرتفعات الجولان في سوريا. يحب أن يبصق النقاط، " هكذا قال ذات مرة لرئيس مخابراته السابق، الجنرال وفيق السامرائي.

في وقت لاحق، عندما لم يكن محبوبًا أو عندما فقد الحظوة، هرب رئيس التجسس حفاظًا على حياته، وسار لمدة أربعين ساعة براً على القدام بغية الهروب عن طريق شمال العراق إلى تركيا. كان السامرائي محظوظًا. وقتل معظم الذين عبروا هذا الطريق وفشلوا ووقعوا في قبضة صدام حسين الذي انتقم منهم  بأساليب تجاوزت غرف التعذيب في العصور القديمة. تم إدخال مدخلات السامرائي في خطة قتل صدام في أجهزة كمبيوتر الموساد.

بينما كان صدام البالغ من العمر خمسة وستين عامًا لا يزال نائمًا، ربما بين ذراعي فتاة أخرى اختارها حرسه الجمهوري لتلبية احتياجاته الجنسية الشرهة، تم تفريغ الشاحنة.

في كل قصر كان يتمركز علماء من برنامج التسلح النووي للدولة. كانوا يعملون في منطقة محظورة في قبو القصر. كان الوصول إليها فقط من خلال البطاقات الممغنطة، التي تتغير رموزها كل يوم. في الطابق السفلي كان هناك جناح يحتوي على آلة أشعة سينية قوية على غرار المستشفى. قام العلماء بتصوير كل صنف من المواد الغذائية بالأشعة السينية. كانوا يبحثون عن أي علامة على ما إذا كان قد تعرضت للتسمم أو تعرضت لإشعاع سابق.

عندما يتم اكتشاف أي شيء مريب، يخضع الطعام لمزيد من الفحوصات. أخذ الطهاة حصة صغيرة: لقمة من جراد البحر أو السمك، قطعة من اللحم، لقمة من الجبن، وملعقة صغيرة من اللبن.

تم تحضير الطعام الذي يحتاج إلى طهي. ثم تم ترتيب جميع العناصر بذوق لذوق المتذوقون المنتظرون. تم اختيارهم من بين عدد لا يحصى من جحافل السجناء في سجون العراق.

وشاهدهم أعضاء من الحراسة الشخصية لصدام، كل سجين يبتلع لقمة ويظهر فمه مفتوحا للحراس الشخصيين. ثم تمت مراقبة المتذوقين لمدة ساعة للتأكد من أنهم لم يتعرضوا للتسمم. بعد ذلك تم نقلهم إلى المختبر لسحب الدم. تم اختبار هذا للتأكد من عدم وجود أي أثر للإشعاع فيما هضموه. ثم اقتيد السجناء بعد ذلك إلى فناء في القصر وأطلقوا النار عليهم - عادة برصاصة واحدة في مؤخرة الرأس.

كانت الطلقات النارية إشارة لصدام حسين بأن فطوره والوجبات الأخرى التي يأكلها خلال النهار آمنة للاستهلاك. كانت هذه الطقوس المروعة واحدة من العديد من الطقوس التي تحكم حياته.

أي امرأة تقاسمت سريره بين عشية وضحاها تم صرفها. كان مصيرها، مثل مصير كثيرين آخرين أجبروا على النوم معه، مسألة تخمين. وحده صدام شق طريقه إلى حمام السباحة الخاص به. بالنسبة له، كان عدد اللفات تمرينًا مهمًا لتقوية النخاع الشوكي.

قبل بضع سنوات من خضوعه لعملية جراحية لانزلاق غضروفي. سبح عارياً ولم يراقبه سوى حراسه الشخصيون. لم يكن من بينهم أسرار عن إعاقاته الجسدية. كان يعرج، ولكن في الأماكن العامة كان يمشي بضع خطوات فقط قبل أن يتوقف. بالنسبة للرجل الذي يرتدي زيًا عضليًا، كان لديه حزام من الأنسجة الدهنية حول أسفل بطنه.

السباحة أولاً، ثم كانت هناك طقوس أساسية أخرى لبداية يومه. حلاقه الذي يسافر معه في كل مكان لتقليم شارب صدام ولمس الصبغة السوداء في شعره. جاءت المواد الكيميائية المستخدمة في العملية من باريس، وقد تم اختبار كل زجاجة للتأكد من أنها لا تحتوي على عامل مميت. صبغ شعره بشكل موحد لإخفاء أي أثر للشيب، ثم تم تلميع أظافره وتشذيبها باستخدام طلاء عديم اللون.

ثم تولى خزانة ملابسه الشخصية. كان الزي الرسمي لصدام مصنوعًا حسب الطلب، ومقطعًا للتأكيد على عضلات جسده. كانت عضلاته ذات الرأسين وفخذيه القويتين نتيجة سنوات المراهقة المبكرة عندما ذهب لسباق الجمال. تم تصميم سترته لإخفاء محيط الخصر المنتشر الذي فشل في إيقافه على الرغم من فترات اتباع نظام غذائي صارم.

كان هذا الغرور في رجل غاضب من الطريقة التي سمحت بها ساجدة، زوجته البالغة من العمر أربعين عامًا، بأن يكون شعرها مطلي بالحناء أقل من الكمال وكان جسدها ليس رشيقًا.

اعتنى باحتياجاته الجسدية، وكان صدام حسين جاهزًا ليوم آخر. لا أحد يستطيع أن ينكر قدرته على العمل. لم يكن من غير المعتاد عقد اجتماعات لمدة اثني عشر إلى أربعة عشر ساعة. في نهاية كل جلسة، كان يأخذ قيلولة صغيرة في غرفة مجاورة للمكتب. بعد ثلاثين دقيقة، يمكن أن يعود إلى أعلى طاولة اجتماعات جاهزًا للانخراط في جولة جديدة من المناقشات.

بدأ كل اجتماع بنفس الطريقة. درس صدام ملخصا تنفيذيا للتقارير التي تم إعدادها. في بعض الأحيان كان يطلب رؤية التقرير الكامل لفحصه عن كثب. لم يعرف أحد حول المائدة التقرير الذي سيتم اختياره للتدقيق. إذا لم يتطابق الملخص مع التقرير الكامل، فسوف يستجوب كتّاب كلاهما عن كثب. ثم يظهر بطريقة قاسية واستقصائية ردة فعله. لقد كان متنمرًا بالفطرة. كل بضع ساعات - أينما كان - كان أقرب مساعديه يعلمون أنه يجب أن يرتبوا له ليكون بالقرب من المياه نافورة، شلال داخلي، مجرى متدفق. الماء رمز للثروة والسلطة في صحراء العراق. في الوسط الشخصي لصدام - علاقاته الاجتماعية، والعادات والثقافة التي نشأ فيها - الماء شرط أساسي. في جميع مكاتبه الشخصية - لا أحد يعرف عددها المتناثر حول بغداد وخارجها - كان هناك دائمًا صوت المياه المتتالية على قرص الخلفية. كان هوس صدام بالعنف الشخصي هو الجانب الأكثر رعبا في حياته.  فهو ذو شخصية متعددة الأوجه. لقد أصبح مهووسًا بديناميكيات خلق الألم، وقضى ساعات لا تحصى في مراجعة مقاطع الفيديو لمن عذبهم ثم أعدمهم. وتراوحت أساليب القتل من دفن الضحية حيا إلى تخصص تعلمه صدام من طالبان: دق مسمار طويل في أذن أو عين الضحية حتى يصل إلى دماغه. اشتهرت غرف التعذيب الخاصة به باحتوائها على تماثيل مصنوعة من الخشب والحديد تم حبس الضحية فيها. كانت الدمى المجوفة تحتوي على أشواك موضوعة بحيث تخترق جسد الضحية. كان الخنق والدفن حياً في الصحراء أقداراً مخصصة لأولئك الذين قررعدم شنقهم بسرعة كبيرة.

تعلق صدام بالتعذيب انتقل إلى أبنائه عندما كانوا لا يزالون في سن المراهقة. تم اصطحاب عدي وقصي في زيارات أسبوعية لمشاهدة التعذيب والإعدام في سجون بغداد.

ومع ذلك، على الرغم من درع الشر الذي أحاط به نفسه، فقد كان معروفًا أيضًا أن صدام يبكي علانية بعد أن حكم بالإعدام على صديق أو قريب أو حتى صهريه. أثناء تطهير حزب البعث عام 1979 الذي منحه السلطة، وقف على المنصة وبكى علانية وهو يدين أعضاء الحزب. مع اقتياد كل رجل إلى مصيره النهئي وإعدامه، ترددت أصداء قاعة المؤتمرات بنحيبه المتضخم، الذي التقطته الميكروفونات الموجودة على المنصة. لقد كانت قطعة مسرحية مروعة.

كل هذه السمات الشخصية، وأكثر من ذلك، تمت دراستها من قبل الموساد قبل وضع خطة كانت تعد لكيفية اغتيال صدام حسين.

مرة أخرى، دارت العملية حول شهية صدام الجنسية النهمة. علم عناصر الموساد الــ " كاتسا" في بغداد أن عشيقة جديدة - زوجة لواء كان صدام قد أعدمه مؤخرا لعصيان أمر - قد تم إسكانها في فيلا على ضفة نهر الفرات. وكان صدام قد ذهب للسباحة في النهر مع حراسه الشخصيين قبل زيارتها.

استندت الخطة إلى خطة استخدمتها وكالة المخابرات المركزية ذات مرة لمحاولة قتل فيدل كاسترو. في تلك المناسبة، تم تزوير الأصداف البحرية وتزويدها أو تعبئتها بالمتفجرات وترسبت في قاع البحر قبالة كوبا، في البقعة التي كان كاسترو يحب الغوص فيها. فشلت هذه العملية لأن وكالة المخابرات المركزية لم تأخذ في الاعتبار أن التيارات البحرية القوية ستحمل القذائف خارج المنطقة.

لن يمثل النهر مثل هذه المشكلة. تم تصميم المتفجرات ليتم تفجيرها بواسطة رموت جهاز تفجير عن بعد لحظة نزول صدام وحراسه الشخصيون ليسبحوا في الماء. قبل أيام من تنفيذ الخطة، أرسلت الــ كاتسا الموسادية في بغداد إرسالًا مشفرًا قصير المدى إلى تل أبيب مفاده أن العشيقة قد انتحرت.

بعد يومين، بدأت الحرب العراقية الثانية. قدم عملاء الموساد في الصحراء الغربية للعراق وبغداد والبصرة معلومات استخبارية مهمة مكنت الطائرات الأمريكية والبريطانية من شن هجمات جوية مدمرة. وسقط آلاف القتلى والجرحى من العراقيين.

في الفترة التي سبقت الأعمال العدائية والهجمات، تعرض داغان لضغوط مألوفة. بدأ تينيت في الاتصال عدة مرات في اليوم للاستفسار عما إذا كان الموساد قادرًا على تأكيد امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل.

رد داغان بالطريقة التي كان يفعلها دائمًا: ليس بعد، لكننا ما زلنا نبحث. في الواقع، أصبح البحث أولوية بالنسبة إلى الــ كاتسا الموسادية ذات التغطية العميقة في العراق. لقد عملوا بشكل مستقل عن مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة، الذين عانوا من عدم نجاح مماثل - إلى حد كبير وأصيبوا بخيبة الأمل التي بالكاد كانت مخفية للرئيس بوش ورئيس الوزراء توني بلير. لقد أصبح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة منتدى لإحباطهم. كلا الزعيمين ملتزمان الآن بادعاء أنهما كانا مضطرين لخوض الحرب لحماية العالم من أسلحة الدمار الشامل.

لكن في تل أبيب، قال محللو الموساد لداغان إنه مهما كانت وكالة المخابرات المركزية وجوينت البريطانية

قدمت لجنة المخابرات (JIC) الدليل، على إنه لم يكن هناك دليل على أن صدام كان يمتلك أسلحة دمار شامل. ومع ذلك، فإن أرييل شارون، الملتزم بمزاعم واشنطن، حشد السكان المدنيين في إسرائيل وحذرهم: تم توزيع الأقنعة الواقية من الغازات على نطاق واسع. تم تكرار التحذير من هجوم كيميائي أو بيولوجي وشيك عبر الراديو. تم الإبلاغ عن الاحتياطات على نطاق واسع في الولايات المتحدة وبريطانيا، مما خلق حالة مزاجية بأن أسلحة الدمار الشامل على وشك إطلاقها. غذت الدعاية الخوف، وخلق الخوف المزيد من الدعاية.

كان هناك حديث عن توجيه ضربة استباقية بأسلحة الدمار الشامل لإسرائيل. أو قبرص، حيث كان لبريطانيا قوة كبيرة؛ أو الخليج العربي، حيث تجمعت قوة البحرية الأمريكية؛ او الكويت نقطة الانطلاق للهجوم على العراق. مع كل شائعة كان الخوف يتزايد. ولكن لم يحدث شيء. لم يتم إطلاق صاروخ واحد يحتوي على جزيئة واحدة من غاز الأعصاب أو قطرة من السم الكيميائي. في تاريخ الحرب، لم يكن هناك مثل هذا الانهيار.

بعد عشرين يومًا من بدء الحرب، انتهى القتال. ولكن بدأت حرب أخرى أكثر فتكًا من نواح كثيرة. داخل العراق، بدأ مزيج قوي من الكراهية الدينية والنفط والجشع في الاشتعال. في جنوب البلاد، بدأ شيعة عرب الأهوار يطالبون بأنهم صوت قوي في التخطيط لحرب العراق. ويلحون بمطلبهم. لقد عانوا كثيرا. وعزز ملالي طهران مطالبهم التي صدرت من مآذن مساجدهم. سافروا إلى مدينة النجف العراقية المقدسة. وقعت أولى المواجهات مع القوات الأمريكية. كان هناك المزيد من إراقة الدماء.

في شمال العراق، استعد الأكراد لاقتناص لحظة استقلالهم. جعلهم ذلك أقرب إلى الصراع مع تركيا، التي رأت أن قيام دولة كردية مستقلة أمر غير مقبول. في وسط العراق، أرادت القبائل الأخرى أن تؤخذ وجهات نظرها بعين الاعتبار عند تشكيل عراق جديد، وغدا العراق على شفا حرب أهلية.

لا يمكن تجاهل حزب البعث الذي كان يتمتع بقوة كاملة في عهد صدام. تمامًا كما حدث في ألمانيا ما بعد الحرب، تبين أنه من المستحيل استئصال الحزب النازي تمامًا من بيروقراطية البلاد، لذلك اتضح أنه مع البعثيين. كان الحزب جزءًا لا يتجزأ من هيكل ما كان عليه العراق وما كان عليه المجتمع وما يمكن أن يصبح عليه. كان يدير الشرطة والخدمة المدنية والمرافق كافة. كان من المستحيل إقالة واعتقال كل عضو في الحزب؛ كانوا الأمل الوحيد لتحريك العراق مرة أخرى.

انزلق العراق حتما، إلى حالة من الفوضى، والتي تحولت بحلول مايو 2003 إلى أنها أكثر رعبا حتى من حكم الإرهاب في عهد صدام. في غضون ذلك، أصبح البحث عن الطاغية مطاردة مرة أخرى بقيادة الموساد. كان محللوها قد وضعوا سيناريو يدين بشيء ما لإعجاب صدام باللفتة المسرحية.

وأشار المحللون إلى أن صدام أزال الصبغة السوداء باهظة الثمن من شعره وحلق شاربه وكان يرتدي زي الفلاح. كان طريقه الأكثر احتمالاً للخروج من بغداد عبر المساحات الشاسعة والمحرمة والخالية في صحراء العراق الشرقية، وكان هذا هو طريق التهريب القديم من أفغانستان الذي استخدمه تجار الحرير أولاً ثم تجار المخدرات.

في تلك الأسابيع الأولى بعد الحرب، أصبح الطريق هو الطريق المفضل للعراقيين الذين يخشون على حياتهم الآن بعد سقوط النظام.

هل كان صدام بينهم حقاً؟ لا أحد يعلم. لكن الشعور بأنه كان متجهاً إلى جبال شمال إيران. كانت هناك اقتراحات - لم تدعمها أبدًا أدلة حقيقية - بأنه سيختفي من هناك في أيدي صديقين قويين كان يعتمد عليهما من قبل، روسيا والصين. وبينما نفى كلاهما رسمياً منح صدام الملاذ، كانت سجلات دعم موسكو وبكين لصدام طويلة. إن وجود صدام الآن في أيديهم سيضمن بالتأكيد أنه لن يكشف أبدًا عن كل تفاصيل الصفقات السرية التي أبرمها مع كليهما.

لاكتشاف مكان وجوده، تم دعم عملاء الموساد من قبل أقمار التجسس الأمريكية هُم. أنتجت الكاميرات المتعددة الآلاف من الصور المقربة وتم التقاطها بشكل منفصل. تم تسجيل والاستماع لمحادثات كل دقيقة بين اللاجئين عبر الرمال. ولكن لا تزال هناك مشكلة قديمة في تحليل البيانات وتفسيرها. كان مجتمع الاستخبارات الأمريكية لا يزال يعاني من نقص شديد في المترجمين. لكن المطاردة استمرت.

ثم، في مايو 2003، حول مئير داغان العديد من رجال الــ كاتسا في محاولة لتعقب صدام إلى تهديد أكثر أهمية لإسرائيل. على الرغم من يقظة الشاباك، قام انتحاريان متطرفان بريطانيان المولد بشن هجوم انتحاري على نادٍ في تل أبيب. قُتل ثلاثة وجُرح خمسون. وقد تغلبت المتفجرات التي استخدموها على أكثر عمليات التفتيش الأمنية صرامة في المطارات وشركات الطيران. كانت أكثر فتكًا من السيمتكس Semtex؛ يمكن تهريبها دون أن يتم اكتشافها من دولة إلى أخرى، ومن خلية إرهابية إلى أخرى. بالنسبة للمجموعات الإرهابية الثمانين المدرجة على حواسيب الموساد، قلب هذا السلاح الميزان مرة أخرى لصالح الإرهابيين.

بعد أسبوع من التحقيق المكثف من قبل كيميائيين في المركز الإسرائيلي لأبحاث الأسلحة في إحدى ضواحي تل أبيب، تم اكتشاف صفاته الفتاكة وبلد المنشأ. أرسل الوحي موجة صدمة جماعية عبر مجتمع الاستخبارات العالمي. وخلص الخبراء الإسرائيليون إلى أن المتفجرات تم تصنيعها في مختبرات أبحاث الأسلحة التابعة لشركة ZDF، أحد مقاولي الدفاع العسكري الرائدين في الصين.

جاء التلميح الأول عن عمل الصين على نوع جديد من المتفجرات في مارس 2001، عندما انشق منشق صيني رفيع المستوى، وهو الكولونيل شو يون بينغ من جيش التحرير الشعبي وأحد الاستراتيجيين العسكريين البارزين في البلاد، إلى الولايات المتحدة، حيث تم استجوابه شخصيًا من قبل مدير وكالة المخابرات المركزية جورج تينيت. كانت عملية استخلاص المعلومات مهمة للغاية لدرجة أن الرئيس بوش سمح لكوندوليزا رايس بالجلوس فيها والاستماع ىللاستجواب.

شرح شو بالتفصيل العمل الذي تم إنجازه لصنع المتفجرات في معامل ZDF الواقعة على بعد أربعين ميلاً إلى الغرب من بكين. كما كشف كيف ساعدت الصين سرًا دولًا مارقة مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية. والأكثر أهمية من ذلك كله، أنه أوجز اتصالات الصين مع الجماعات الإرهابية من خلال أجهزتها الاستخباراتية القوية، وإدارة المخابرات العسكرية (MID) وقسم العلوم والتكنولوجيا (STD). يعمل كل من الوكالتين على مستوى العالم، ويعمل بهما حوالي خمسة آلاف وكيل ميداني ومحلل دفاعي. وهي مدعومة بالمراقبة عبر الأقمار الصناعية وأحدث المعدات. قال شو لـ CIA. كان هذا الجزء من عمل الخدمتين هو الحفاظ على الاتصال بالجماعات الإرهابية ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا في الفلبين وكمبوديا وسريلانكا.

ولكن ما أدهش وكالة المخابرات المركزية هو ما كشفه شو عن اتصالات استخبارات صينية في كولومبيا مع منظمة فارك المتمردة، وفي إسبانيا مع إيتا ، وفي بيرو مع منظمة مسار ساطع.

الآن، بعد عامين من الكشف عن شو، كانت أجهزة المخابرات تستعد لمواجهة هذا السلاح الأخير المفضل للإرهابيين.

أكد الموساد أن الانتحاريين البريطانيين قد قاما بتهريب متفجراتهما من داخل الأردن. بعد أن وصلت إلى هناك من باكستان، التي تتمتع أجهزتها الاستخباراتية بصلات طويلة ووثيقة مع الصين.

كان عملاء الموساد يعرفون ذلك بالفعل في الأشهر التي سبقت الهجمات على البرجين التوأمين والبنتاغون، من باكستان قام أسامة بن لادن بثلاث زيارات منفصلة إلى بكين. في كل مرة كان يرافقه سفير الصين في ذلك البلد ورئيس جهاز المخابرات الباكستاني القوي PIS. لقد ذهب لتنظيم عقد دفاع لطالبان بقيمة مليار دولار.

نعتقد الآن أنه خلال تلك الزيارات تم تقييمه للتقدم مع هذا السلاح الجديد من المتفجرات العصية على الكشف. وقال مصدر رفيع في الموساد في تل أبيب للكاتب على أن هناك "احتمالًا قويًا جدًا" لتزويد القاعدة بكمية من المتفجرات - تم تسليم جزء صغير منها إلى الانتحاريين البريطانيين. هذا يأخذ الإرهاب إلى بعد جديد. لقد كان حكمًا لم يكن بعيدًا عن أفكار داغان حيث استمر في قيادة الموساد في الألفية الجديدة.

أثار الفشل في تحديد مكان صدام أو اكتشاف ما إذا كان قد مات غضب آرييل شارون وتوني بلير وجورج دبليو بوش. ظاهريًا، قالوا إنه لا يهم، أن صدام لم يعد يمثل تهديدًا. لكن قلة هم الذين اعتقدوا أن بوش، على وجه الخصوص، سيرغب في إنهاء الحرب قبل أن يتمكن من الإعلان عن أن حاجته الكبيرة لتغيير النظام في العراق التي ستكتمل بالموت الفعلي لصدام. ولكن سرعان ما اتضح إنه لم يكن اختفاء طاغية هو الذي يطارد جورج بوش وتوني بلير. بل كان الفشل في تحديد مكان أية أسلحة دمار شامل. أمر بوش مئات من عملاء وخبراء وكالة المخابرات المركزية بالعثور على أسلحة دمار شامل. فتشوا وفتشوا. في لندن، أصر توني بلير على أن الأسلحة كانت موجودة، وأنه قد تم إخباره بوجود ثمانمائة موقع لم يتم فحصها بعد في صحاري العراق.

ومع ذلك، بدت الحقيقة خلاف ذلك على نحو متزايد. قال وزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك، الذي استقال بسبب الحرب، وكلير شورت، الوزيرة السابقة في حكومة بلير، إن بلير كذب على البرلمان وعلى الشعب البريطاني عندما قال إن أسلحة الدمار الشامل موجودة.

بحلول يونيو 2003، كان بلير يناضل من أجل مصداقيته ومستقبله السياسي. في واشنطن، أعلن الكونجرس أنه ستكون هناك جلسة استماع عامة في هذه المسألة. لا أحد يعتقد بجدية أن كل الحقيقة ستظهر أخيرًا. لكن في الوقت الحالي، كان هناك حديث عن فضيحة يمكن أن تتحول إلى ووترغيت أخرى. تذكر المعلقون أن والد بوش نفسه انتصر في الحرب العراقية الأولى، لكنه خسر الرئاسة أمام بيل كلينتون بعد ذلك بوقت قصير.

في تل أبيب، أبقى مئير دغان الموساد بعيدًا عن الأزمات المتفاقمة في لندن وواشنطن.

عندما وردت مكالمات من وكالة المخابرات المركزية وMI6 للحصول على أي مساعدة يمكن أن يقدمها، تمسك بنفس القصة: سيواصل الموساد البحث. لا أكثر ولا أقل. في ديسمبر 2003، انتهت مطاردة صدام أخيرًا. وللمفارقة، تم أسره بسبب مطالب امرأة لا يزال يثق بها: سميرة شهبندر، الثانية من زوجاته الأربع.

في 11 كانون الأول (ديسمبر)، اتصلت بصدام من مقهى إنترنت في بعلبك بالقرب من بيروت. حيث تعيش هي وابنها الوحيد الباقي على قيد الحياة، علي، بأسماء مستعارة في لبنان بعد مغادرة بغداد قبل بضعة أشهر من بدء الحرب.

سميرة، التي جاء شعرها الأشقر المجعد من نفس شركة منتجات الشعر الفرنسية التي زودت صدام بصبغة شعره، كانت المرأة المتزوجة التي أصبحت عشيقته أولاً ثم زوجته.

في بداية الخطوبة، تزوجت سميرة من طيار في سلاح الجو العراقي. صدام بكل بساطة

خطفه وقال إنه سيطلق سراحه فقط إذا وافق على طلاق سميرة. وافق الزوج. في المقابل، تم تعيينه رئيسًا للخطوط الجوية العراقية - وتم تزويجه من إحدى عشيقات صدام المنبوذات.

وتزوجت سميرة بصدام، وأصبحت المفضلة لديه، رغم أنه تزوج زوجتين أخريين وعشرات من العشيقات.

توطد الزواج بميلاد علي. أدى وصول الطفل إلى تعميق كراهية ابنا صدام الاكبر عدي وقصي تجاه سميرة. لكن بحلول كانون الأول (ديسمبر)، لقي الاثنان حتفهما بعد تبادل لإطلاق النار مع القوات الخاصة الأمريكية.

في وقت سابق، في مارس 2003، مع اقتراب قوات التحالف من بغداد، رتب صدام لفرار سميرة وعلي إلى لبنان. أخذت معها مبلغ 5 ملايين دولار نقدًا وجذعًا من سبائك الذهب من خزائن البنك المركزي العراقي.

أخبرت أصدقاءها أنها كانت ذاهبة إلى فرنسا أولاً ثم إلى موسكو، مدعية أن صدام كان كذلك

وعدها سراً بأن فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، وعد صدام بأنه سيوفر لها ملاذًا آمناً.، ذهبت إلى مخبأ مُعد مسبقاً، عبارة عن فيلا في ضواحي بيروت.

كان هناك اكتشفها الموساد في نوفمبر 2003. أرسل مئير داغان فريقًا من متخصصو المراقبة من وحدة yaholomin التابعة للخدمة لمتابعة كل خطوة تقوم بها سميرة.

اكتشفوا أن الحكومة اللبنانية قد زودتها هي وعلى بجوازات سفر لبنانية وهويات جديدة. سميرة سميت "هديجة". لكن علي، الذي لديه نفس أعين والده، أصر على أنه سيحتفظ باسم عائلة حسين.

لاحظ فريق الموساد أن سميرة حولت معظم أموالها من لبنان إلى حساب بنك كريدي سويس في جنيف. في الماضي، كان البنك مستودعا لجزء من ثروة صدام.

في أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2003، صرفت سميرة سبائكها الذهبية بالدولار الأمريكي بأموال بيروت

تاجر. ثم بدأت في الاتصال بصدام. وبدعم من طائرات الاستطلاع التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، اكتشف ياهولمين yaholomin أن المكالمات تتم من داخل سوريا المحاذية للعراق. "كانت المكالمات حنونة وشغوفة. وقال مصدر رفيع في الموساد في تل أبيب بعد القبض على صدام "كان من الواضح أنه لا تزال هناك علاقة وثيقة وحميمية بينهما". هل يمكن لواحد من أكثر الطغاة مكروهًا في العالم - رجل أمر شخصيًا بالتعذيب المروع لآلاف عديدة، بما في ذلك النساء والأطفال – هل يمكنه أن يتحدث عن الحب، وقد أذهل فريق الموساد وأثار اشمئزازه.

ولكن إلى جانب الحبس، سمع المستمعون أيضًا، من خلال أجهزتهم الإلكترونية، أن سميرة تريد المزيد من المال.

مرارًا وتكرارًا، في مكالمات أخرى في كانون الأول (ديسمبر) - تم توجيه كل واحدة إلى رقم مختلف حدده فريق ياهولومين على أنه ذاهب إلى منطقة في الرمال المقفرة بوادي الميرة، بالقرب من الحدود السورية مع العراق - كررت سميرة طلبها من اجل المال.

لم تفقد سميرة، وهي ابنة عائلة ثرية أرستقراطية من بغداد، ذوقها وعيشها حياة جيدة. خلال زواجهما، أمطرها صدام بالهدايا، بما في ذلك قصرين.

عرف الإسرائيليون أنه عبر الحدود في العراق، كانت القوات الخاصة الأمريكية تتجول صعودًا وهبوطًا على الحدود بحثًا عن صدام. كان عملاء إسرائيليون آخرون على الجانب السوري من الحدود قد سمعوا حديثًا لاسلكيًا بين الوحدات - المعروفة باسم فرقة العمليات الخاصة المشتركة الأمريكية المشتركة 121 - أثناء قيامهم أيضًا بمحاولة تعقب صدام. وضمت القوة أعضاء من قوة دلتا، ورينجرز الأمريكية، و SAS البريطانية وخدمة القوارب الخاصة، و SAS الأسترالية. قال مصدر مقرب من مئير داغان للكاتب: "لأسباب سياسية، لم نتلق دعوة رسمية للانضمام إلى مجموعة المطاردة هذه للقبض على صدام حسين".

الموساد - ليس للمرة الأولى - قرر أن يحتفظ لنفسه بالمعلومات التي كان يجمعها من مراقبة سميرة.

ثم، في يوم الخميس 11 ديسمبر 2003، ألتقط فريق ياهولومين محادثة بين سميرة والرجل الذي كانوا على يقين من أنه صدام. قال لها إنه سيلتقي بها بالقرب من الحدود السورية. كانت تفاصيل الاجتماع كافية لدفع الإسرائيليين أخيرًا إلى تنبيه واشنطن.

بينما كانت سميرة تستعد للذهاب إلى موعدها، تلقت مكالمة ثانية. تم إلغاء الاجتماع. لأن المكالمة لم تأت من صدام.

بحلول ذلك الوقت، ظهر لاحقًا، أن صدام حسين كان مختبئاً داخل حفرة يبلغ عمقها ثمانية أقدام في ضواحي تكريت، مسقط رأسه في العراق. سمعت سميرة وعلي نبأ القبض عليه عبر الراديو. أجهشت بالبكاء. رد فعل علي غير معروف.

في تل أبيب، كان محللو الموساد - مثل جميع أجهزة المخابرات الرئيسية - يدققون في مقطع الفيديو الذي أظهر صورة صدام التي لم يسبق للعالم رؤيتها من قبل. وكجزء من عملهم، بدأ محللو الموساد في طرح أسئلة مثيرة للاهتمام. من هما الرجلان المجهولان المسلحان ببندقيتي AK-47 اللذان كانا يحرسان الحفرة؟ هل كانوا هناك لحماية صدام - أم قتله إذا حاول الهرب؟ لماذا لم يستخدم صدام مسدسه في الانتحار - ويصبح الشهيد الذي طالما تفاخر بأنه سيكون؟ هل كان الجبن هو الذي أوقفه - أم أنه كان يتوقع عقد صفقة؟ هل سيكشف الحقيقة ليس فقط بشأن أسلحة الدمار الشامل، ولكن أيضًا بشأن صفقاته مع روسيا والصين، اللتين شجعه دعمهما السري على الاستمرار في مواجهة الولايات المتحدة؟ كان في حفرة اختبائه فتحة واحدة فقط. تم تطويقه. ولم يكن بإمكانه الهروب من تلك الحفرة.

هل كان في الواقع سجن؟ هل كان محتجزا هناك كجزء من الصفقة؟ ما الفائدة التي يجب أن تُستفاد من العثور على مبلغ 750 ألف دولار من فئة 100 دولار الموجودة بحوزته؟ هل كان هذا مخصصا لسميرة؟ أم أنها دفعة لمن يساعده على الهروب؟ لماذا لم يكن لديه معدات اتصالات؟ حتى أنه لم يتم العثور على هاتف خلوي بحوزته. هل يشير كل هذا إلى أن فلول أتباعه قد اعتبروه قوة مستهلكة، وأنهم مستعدون لمقايضته مقابل حريتهم؟ قد يفسر ذلك سبب حديثه وتعاونه عندما أخرجه آسروه، مما أدى إلى إنهاء حكمه الرهيب الذي دام خمسة وثلاثين عامًا بهذه الطريقة الدرامية.

شكلت الإجابات على هذه الأسئلة جزءًا من الاستجواب الذي كان صدام حسين على وشك الخضوع له.

بعد ساعات من خروجه من جحره، تعرض صدام للفحص المشترك من قبل الأطباء النفسيين وعلماء النفس وعلماء السلوك والمحللين النفسيين في جهاز المخابرات الأمريكية والبريطانية. هم انهم المعروفين باسم "المتخصصين أو الخبراء". لقد درسوا مقطع الفيديو الخاص بالفحص الطبي لصدام. لم يكن البحث داخل فمه فقط للحصول على مسحة من الحمض النووي، ولكن لمعرفة ما إذا كان لدى صدام قرص انتحار في أحد أسنانه الخلفية. لم يتم العثور على شيء.

وخلص المتخصصون إلى أن هذا دليل آخر على أن صدام لم يكن يمثل خطرًا أو إنه سوق يقدم على الانتحار. ومع ذلك، كان يرتدي بدلة برتقالية من قطعة واحدة. كانت تحتوي على أزرار ألياف تذوب إذا حاول ابتلاعها. كانت قطعة قماش البدلة قوية جدًا بحيث لا يمكن تمزيقها لتشكيل حبل المشنقة لشنق نفسه. كانت قدمه مغطاة بأحذية من الألياف اللينة لا يمكن كسرها.

كانت زنزانته تخضع لمراقبة الكاميرات والحراس باستمرار. تمت ملاحظة كل تحركاته واستخدامها لتقييم قدرته على تحمل الاستجواب الذي يواجهه الآن. بلغة الاختصاصيين الباطنية، لم يسمح صدام لهم بمعرفة "فقدان حدوده الشخصية للتأثير على غروره الجماعي". لم يعد صدام ذلك الرجل الذي يظهر في شريط الفيديو الذي يظهر أسره: كان مرهقاً ومثقلاً باليأس، رأيناه فجأة تجاوز سن السادسة والستين، ونظرة مرعبة في عينيه. وخلص المتخصصون إلى أنه شعر بعد ذلك بـ "الغباء" عند القبض عليه. هذا من شأنه أن يفسر "حديثه القهري" إلى خاطفيه الجنديين. كان لإخفاء خوفه شبه المشلول من جره من جحره. قال المختصون للمحققين: "ربما كان يتوقع إطلاق النار عليه في الحال". بعد ذلك، خضع لتحول نفسي ملحوظ. عاد لغطرسته. لم تعد عيناه مملة أو شفتيه مرتخيتان جراء فترة الاختباء الطويلة في جحره. لقد اختفت هذه العلامات. حلت محلها حالة من التبجح والاختيال والتباهي.

كل هذا ساعد المحققين على التخطيط لكيفية كسره. كان مركز استجوابه مضادًا للصواريخ وتحرسه نخبة من القوات الخاصة الأمريكية. كان لديه منشأة طبية مع الأطباء في الخدمة باستمرار.

على أمل إثارة بعض الرد، اصطحب طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي السابق لمقابلة صدام. كان عزيز في سجن خارج مطار بغداد. تم نقله بطائرة هليكوبتر لمواجهة صدام وحثه على التحدث. بدلا من ذلك، انفجر صدام واصفا عزيز بالخائن.

بحلول الوقت الذي بدأ فيه المحققون استجواب صدام، كانت صلاته بالعالم الخارجي كذلك مقطوعة تماما. لم يكن لديه فكرة عن الوقت أو التاريخ. لم يكن هناك شيء مثل النهار أو الليل في عالمه.

تم تعطيل الأنماط العادية من الاستيقاظ والنوم وأوقات الوجبات بشكل متعمد. لن يكون هناك تعذيب جسدي. لكنه بدأ يتلقى ما يسمى "المعاملة القسرية الكاملة". لم يستهين المحققون بتحديهم.

يمثل صدام تحديا فريدا. إنه رجل رأى نفسه متفوقًا أخلاقيًا وروحيًا وفكريًا على العالم الغربي. قد يشمل العلاج القسري الجلوس لساعات مع غطاء على رأسه لزيادة عزلته. طوال الوقت، كانت الأسئلة مصممة لزيادة الغضب في ذهنه من التعرض للخيانة. بالنسبة لشخص مثل صدام، سيكون من الصعب التعامل مع الخيانة. المواجهة مع طارق عزيز كانت جزءًا من ذلك. كان المحققون سيخبرون صدام أن عزيز كان يبحث عن موقع الرجل رقم واحد في النظام بعد إطاحته. قال مايكل كوبي، المحقق الذي استخدمه الموساد لسنوات، كان بإمكان صدام أن يفعل الشيء نفسه من خلال الكشف عما يعرفه - وهو أمر عظيم. لا شيء سيهز صدام أكثر من معرفة الحقائق التي كان يعتقد على مدى سنوات أنها لم تعد صالحة.

قال كوبي للمؤلف "سوف يهاجم إحساسه بالأهمية وشعوره بقيمته وسيفكر أكثر في الكذب لأنه قد يكونوا قد نصبوا له فخاً". جزء من الاستجواب سيكون رؤية صدام وهو يرد بلغته الخاصة. في اللغة العربية، يمكن أن يكون لبعض الكلمات معاني مختلفة للغاية. وأضاف كوبي "إذا اختار استخدام كلمة غير صحيحة، فسيظهر المحققون أنهم يعرفون المعنى الصحيح".

بعد كل استجواب - قد يستمر لساعات عديدة، مع طرح الأسئلة وذهابها - سيتم تقييم صدام من قبل المتخصصين. كانوا يتطلعون لمعرفة كيفية رده على أسئلة معينة. هل كان يكذب؟ تستر؟ هل رمشات العين التي تم التقاطها بالكاميرا تشير إلى خوف مفاجئ؟ أم كانت الغطرسة أو حتى اللامبالاة؟ يعيش الكوبي اليوم في مدينة عسقلان قرب قطاع غزة المحتل. كان يعرف بالضبط كيف كان المحققون وفريق المختصين الداعمين لهم يعملون على صدام.

أول شيء فعله المحققون هو فرض تفوقهم على صدام. لإزالة إيمانه بضبط النفس. في كل مرحلة كانوا يبحثون عن نقاط ضعفه. ويشمل ذلك اللعب على فقدان صدام للسلطة واللامبالاة بمصير عائلته. كان المحققون يكذبون عليه. كانوا يجبرونه على البقاء على اتصال بالعين والنظر إليهم أثناء الضغط عليه بأسئلتهم. عندما كان يحاول أن ينظر بعيدًا، كما كان ملزمًا بالنظر إليهم، استمروا في التحديق عليه بصمت. صدام لن يعتاد على هذا. قال كوبي: "سيكون الأمر مزعجًا بالنسبة له لتجربة مثل هذه المعاملة".

من وقت لآخر، كان المحققون يطرحون أسئلة مع علمهم بأن صدام لا يستطيع الإجابة. ماذا كان يحدث في واشنطن ولندن في الفترة التي سبقت حرب العراق؟ أين كان في تاريخ معين؟ عندما لا يستطيع الإجابة، سيتم اتهامه بالتستر. وإخفاء الحقائق.

"بعد فترة، سينزلق سؤال ليتمكن من الإجابة. إذا قام المحققون بعملهم الأساسي بشكل صحيح، فسيكون سعيدًا بالإجابة عليه. ثم تنتقل الأسئلة إلى أسئلة أخرى يريدون منه أن يجيب عليها، "قال كوبي.

"وسيلة أخرى لكسر نفسه هي تقديم الإغراءات البسيطة. إذا أجاب صدام عن سلسلة من الأسئلة، فسيتم وعده بالنوم دون انقطاع. وربما تغيير في نظامه الغذائي الخاضع للمراقبة بعناية. لكن دائما لن يتم الوفاء بالوعود. وأعقب ذلك المزيد من الوعود بأنه إذا استمر في التعاون، فسيتم الوفاء بها " وهكذا، أوضح كوبي.

في يناير / كانون الثاني 2004، زاره فريق من الأطباء التابعين للصليب الأحمر الدولي. أعلنوا أنه كان يعامل معاملة عادلة.

ستستمر الألعاب الذهنية المميتة حتى اقتنع المحققون والمتخصصون بأنه لا يمكن انتزاع أي شيء من صدام حسين أكثر من ذلك. ثم ترك لمصيره.، كان سيعرف بحلول ذلك الوقت، ما لا يمكنه أن يتوقعه.

في غضون ذلك، انضم الموساد إلى أجهزة استخبارات أخرى في البحث عن ثروة صدام المفقودة. بحلول كانون الثاني (يناير) 2004، أثبت فريق مئير داغان من الوكلاء المدربين ماليًا، والذين عمل بعضهم في مدينة لندن وول ستريت قبل الانضمام إلى الخدمة، أن مصرفي ملكة إنجلترا، كوتس لندن، كان واحدًا من ثمانية عشر بنكًا بريطانيًا. اعتاد صدام حسين إخفاء ثروته البالغة 40 مليار دولار فيها خلال الثمانينيات.

وقد سرق الجزء الأكبر من تلك الأموال من البنك المركزي العراقي، وتم تحويله إلى بنوك في الشرق الأوسط، ثم إيداعها بأسماء مستعارة في بنوك لندن. في وقت لاحق، تم تحويل الأموال إلى بنوك في سويسرا وألمانيا واليابان وبلغاريا.

قال كريستوفر ستوري، المستشار المالي السابق لرئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في الوقت الذي كان صدام يهدر ثروته، قال: "أي تحويل قادم من بنك لندن كان من المفترض أن يكون شرعيًا". ستوري، الرجل الإنجليزي المثالي ببدلاته المخططة من Savile Row وأحذيته المخصصة، هو سلطة معترف بها على الازدواجية المالية للزعيم العراقي، وعلاقته الوثيقة مع البنوك الكبرى في العالم. يحرر ستوري، وهو رجل إنجليزي مقتضب، مجلة مصرفية مالية مرموقة، هي International Currency Review. يشمل المشتركون فيها البنك الدولي، وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبنك إنجلترا.

جمع ستوري وثائق تظهر أن روبرت ماكسويل، الملياردير المشين الذي كان يمتلك في يوم من الأيام مجموعة صحيفة لندن ديلي ميرور ، رتب لغسيل مليارات الدولارات من خلال البنوك البلغارية إلى بنك نيويورك. ثم امتلكها إدموند صفرا، المعروف باسم "ممول المافيا". توفي في حريق غامض في شقته في موناكو عام 1999. وقتل ماكسويل على يد عملاء الموساد عندما هدد بالكشف عن أسرار المخابرات الإسرائيلية.

إذا تخلى صدام عن جميع أسماء أولئك الذين ساعدوه وكشف عنها، فسيحدث ذعر أكبر من أي انهيار في وول ستريت. لا يزال العديد يشغلون مناصب رفيعة اليوم. من المستحيل أنهم لم يعرفوا ما الذي كان يجري مع صدام. قال ستوري: "كان ينقل مبالغ ضخمة من المال حتى عشية الحرب".

حتى الآن لم تروى قصة كيف بدأ صدام حسين في حشد أكبر ثروات خاصة في العالم عندما أقلعت طائرة خاصة من لندن إلى بغداد في عام 1982. أثناء الرحلة التي استغرقت خمس ساعات من لندن، راكبها الوحيد هو الممول تايني رولاند، وضع ملعقة كافيار بيلوغا في فمه ومن الخمر رشف شمبانيا كروغ. كان هذا هو نظامه الغذائي المعتاد في رحلة عمل في طائرته الخاصة Learjet. وقد أرسل له صدام حسين الأطباق الشهية من بغداد.

لم تكن هذه رحلة عادية في ذلك اليوم الصيفي من عام 1982، حتى بالنسبة للرجل البالغ من العمر ثمانية وستين عامًا

فهو ممول ذو سمعة مخيفة باعتباره مفترسًا لرؤوس الأموال في مدينة لندن، وفي وول ستريت، وفي أسواق الأوراق المالية في أوروبا. يجلس على كرسي بذراعين مصنوع يدويًا من الجلد البني على متن طائرته المخصصة، وقدميه على سجادة فاخرة وباذخة سعر القدم المربع 150 دولارًا، رولاند دبليو رولاند - الاسم الموجود على بطاقات العمل المنقوشة بالذهب - قد قطع شوطًا طويلاً بالفعل من حيث ولد عام 1917 في معسكر اعتقال بريطاني في الهند.

كان نجل تاجر ألماني يدعى فريتز فوهروب. كانت والدته ابنة أحد أعمدة الراج الإنجليزي الذي تبع زوجها في الاعتقال. بعد إطلاق سراحهم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وصفته مربية رولاند الهندية بأنه "صغير". على الرغم من أنه سيبلغ طوله ستة أقدام، إلا أن هذا اللقب ظل عالقاً به والآن صار هو الرابط الوحيد مع ماضيه - تلك الأيام التي حفر فيها مراحيض للجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك كان حمالًا في محطة سكة حديد بادينغتون في لندن.

لقد غذت تلك البدايات المتواضعة تصميمه على الانضمام إلى صفوف الأغنياء والأقوياء. باع سيارات وثلاجات مستعملة في لندن بعد الحرب. ومع مرور الوقت الذي كان فيه في الثلاثين من عمره، كان مليونيراً. بدأ بتجارة الذهب في جنوب إفريقيا. ثروته نمت بسرعة. تم تعيينه "لفرز" شركة مريضة تسمى London and Rhodesia Mining and Land Corporation - Lonhro. جعلتها شركته شركة Rowland أقوى شركة تجارية في جميع أنحاء إفريقيا. جعلت صفقاته في النحاس والقصدير والمعادن الأخرى منه محببًا لأصحاب الأسهم في Lonhro.

لم يشكوا في كيفية دفع رولاند للورد دنكان سانديز، صهر ونستون تشرشل. باستخدام حساب سري في جزر كايمان، أي الفراديس المالية غير الخاضعة للضرائب والمراقبة، أعطت شركة رولاند نظيرها 500000 دولار لمساعدتها في شراء أكبر منجم ذهب في غانا. عندما غرق دنكان سانديز في فضيحة جنسية، قتله حذر رولاند - رافضًا إرسال "حتى باقة من الزهور" إلى جنازته في عام 1987.

لم يُسمح لأي شخص، مهما كان ثريًا وذو علاقات جيدة، بتوريط Tiny Rowland. لقد اعتز بصورته باعتباره الرجل الإنجليزي المثالي. فقط في دائرة صغيرة من الأصدقاء اليمينيين، كشف عن معاداته للسامية وازدراءه للطريقة التي تدار بها بريطانيا.

سمح تايني رولاند، الذي كان بالفعل مليونيرا، بكراهيته للاشتراكية، بالظهور خلال الأزمة البريطانية مع روديسيا (زيمبابوي الآن) بسبب تصميمها على تحدي حكومة ويلسون على الحكم الذاتي. تم فرض عقوبات على ما أسماه رئيس الوزراء هارولد ويلسون "هذه الدولة المنبوذة". اتضح فيما بعد أن رولاند حطمتهم. ولكن بحلول ذلك الوقت، أصبحت هي القائدة.

كانت تاتشر في داونينج ستريت ولم تتم متابعة الأمر. بحثت شركة تايني عن حقول جديدة لغزوها. اشترى تايني رولاند الأوبزرفر، إحدى الصحف الصادرة بلندن يوم الأحد، وحاول استخدامها لدعم مصالحه التجارية في إفريقيا. بعد ذلك، استعان بتاجر الأسلحة السعودي سيئ السمعة عدنان خاشقجي للتوسط في صفقة مع العقيد القذافي لشراء سلسلة فنادق متروبول مقابل 150 مليون دولار.

كانت قدرة رولاند على استخدام أي شخص لتعزيز مصالحه الخاصة قد دفعت في وقت سابق رئيس الوزراء البريطاني آنذاك تيد هيث إلى انتقاده باعتباره "الوجه غير المقبول للرأسمالية". تجاهل تايني رولاند ذلك بنفس الطريقة المستعصية التي طرد بها الممولين الآخرين الذين جاؤوا إليه بصفقات. فضل العمل بمفرده، وألا يتقاسم أرباحه مع أحد - باستثناء قططه السيامية. كان يطعمهم كل يوم نفس الكافيار الجيد الذي تناوله في طائرته الخاصةLear jet أثناء توجهها إلى العراق في ذلك اليوم من شهر يونيو من عام 1982.

كانوا يلتفون عند قدميه بينما كان يعمل في مكتبه يعد أكبر انقلاب له حتى الآن – فقد صار مكلفاً بإخفاء ثروة صدام حسين.

عندما وصل صدام إلى السلطة، تم الترحيب بتعاطفه مع الغرب في لندن وواشنطن. ورأت حكوماتهم، إلى جانب حكومتي فرنسا وألمانيا، الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية للعراق ضد التهديد الذي يلوح في الأفق الذي تشكله إيران. أصبحت بغداد سوقا واسعا لعواصم الغرب.

كانت الرشاوى الضخمة لتأمين العقود شائعة. تم اختلاسه فقط من قبل الرئيس العراقي ووضعت في حسابات صدام حسين خارج العراق.

تدفق المزيد من الأموال هناك لخفضه من الصفقات لبناء الطرق السريعة والمستشفيات والمدارس. إذا كان أي شخص يشك، فلا أحد يهتم.

نشأت علاقة صدام مع رولاند من السرقة المذهلة لثروة شاه إيران الشخصية البالغة 3 مليارات دولار. في عام 1979، مع اقتراب آيات الله من الاستيلاء على السلطة في إيران، عقد أكثر مساعدي الشاه ثقةً اجتماعات سرية مع مدير البنك المركزي العراقي. كان رولاند بمثابة الوسيط، وبناءً على نصيحته، وافق الشاه على تحويل ثروته إلى بغداد إلى البنك المركزي العراقي، بعيدًا عن متناول آيات الله. تلقت رولاند "رسوم المناولة" بنسبة 15 بالمائة.

في صفقة ثانية وضعت الأساس لثروة صدام حسين، قام الطاغية العراقي، الذي كان بالكاد في السلطة لمدة عام، بتحويل الأموال من البنك المركزي في العراق إلى حساباته المرقمة مع Credit Suisse في سويسرا وبنك جزيرة كايمان. رتبت شركة رولاند ذلك، حيث تلقت رسومًا أخرى للمناولة. انتهى الأمر بالشاه المخلوع والمحتضر في واشنطن. طلب من حكومة الولايات المتحدة المساعدة في استعادة ثروته المسروقة. لم يلق نداءه آذاناً صاغية. تغيرت خارطة الطريق في الشرق الأوسط مرة أخرى. كانت واشنطن تدعم العراق علانية ضد إيران.

كل هذا وأكثر، ما حصل عليه فريق الموساد الذي تأسس أثناء بحثهم عن ثروة صدام في شتاء عام 2004. لقد تحدثت إلى ضباط المخابرات في لندن وواشنطن وتل أبيب الذين وصفوا وثائق أخرى تكشف عن مدى شبكة رولاند السرية التي تم إنشاؤها.

تُظهر إحدى وثائق الموساد كيف استخدم رولاند أحد مصارفه في لندن لتقديم تسهيلات لتاجر الأسلحة العراقي إحسان باربوتي لإيداع 500 مليون دولار من أموال صدام. في لندن ، ساعد باربوتي ليبيا على بناء مصنع للأسلحة الكيماوية. عندما توفي فجأة - يعتقد على نطاق واسع أنه ضحية أحد قتلة صدام حسين - تم تحويل الأموال من بنك لندن إلى البنك المركزي الليبي.

وتوضح وثيقة أخرى كيف ذهب نجل صدام عدي إلى جنيف عام 1998 "لتسوية بعض الأموروالمشاكل مالية "مع البنوك السويسرية التي كانت جزءًا من شبكة غسيل الأموال التي أنشأتها رولاند.

عشية الحرب العراقية الثانية، برفقة وزير المالية العراقي حكمت مزبان العزاوي (المحتجز الآن لدى الولايات المتحدة)، ذهب نجل صدام قصي إلى البنك المركزي العراقي برسالة مكتوبة بخط اليد من والده يقول فيها إنه مخول لسحب مليار دولار من خزائن البنك المركزي. تم تحميل الأموال على قافلة من الشاحنات. تظهر صور الأقمار الصناعية الأمريكية القافلة متجهة إلى الحدود السورية. وعثرت القوات الأمريكية في وقت لاحق على 656 مليون دولار من الأوراق النقدية داخل 164 صندوقا من الألمنيوم تحت أرضية أحد قصور صدام، بالإضافة إلى 100 مليون يورو في سيارة مصفحة. بحلول ربيع عام 2004، أصبح البحث عن مليارات صدام أكبر عملية مطاردة منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية للبحث عن الذهب النازي. قام الموساد، بدعم من MI6 وCIA، بنشر عشرات العملاء والخبراء الماليين في محاولة لاكتشاف الثروة الهائلة لخطة رولاند الرئيسية التي مكنت صدام من الاختباء وإخفاء أمواله المسروقة في جميع أنحاء العالم.

وثيقة الموساد، الموقعة من قبل مئير داغان، ذكرت أكثر من سبعين مصرفا مدرجة في مسار غسيل الأموال لصدام الذي انطلقت أمواله إلكترونيا من العراق إلى لندن، أوروبا، عبر جبل طارق، وصولا إلى جنوب أفريقيا، عبر المحيط الهادئ إلى هونغ كونغ، وكذلك إلى اليابان، وصولاً إلى روسيا، ثم العودة إلى البلقان. لكن الباحثين - الجواسيس والمصرفيين والوسطاء - الذين حاولوا تتبع المسار وجدوا أن الضمانات المضمنة في شركة رولاند صمدت أمام اختبار الزمن وكانت عصية على الاختراق. لقد استخدم الوكلاء والعاملين في مجال البنوك الدولية. البنوك في أوروبا الشرقية وأكد مصدر في الموساد أن أوروبا التي خدمت المخابرات السوفيتية وكانت معتادة على عدم طرح الأسئلة، استخدمت أيضا لهذه المهمة.

في مذكرة أعدت لمكتب التحقيقات الفيدرالي قبل وقت قصير من وفاته في هجوم مركز التجارة العالمي في

سبتمبر 2001، كتب ذلك جون بي أونيل، الوكيل التنفيذي لمكتب التحقيقات الفيدرالي المسؤول في نيويورك

أموال صدام "تم غسلها بشكل شبه مؤكد من خلال الشركات الإجرامية الدولية التي تديرها عصابات المخدرات في أمريكا الجنوبية والمافيا الروسية." حددت المذكرة إدموند صافرا، الملياردير المصرفي الذي امتلك حينها بنك ناشيونال ريبابليك في نيويورك، على أنه "قناة غسيل الأموال للأموال".

وجد المحققون أن الآخرين الذين كان من الممكن أن يساعدوهم في متابعة مسار الأموال ماتوا أيضًا في ظروف غامضة. أحدهم كان يانوس بازستور، محلل وول ستريت. لقد عمل لصالح رولاند.

توفي في 15 أكتوبر 2000، من سرطان لم يتم تشخيصه من قبل. في الأسبوع السابق، كان طبيبه قد أعطاه شهادة صحية نظيفة.

القناة الأخرى التي تدفقت من خلالها ثروة صدام كانت بنك الائتمان والتجارة الدولي (BCCI). ومقره لندن، قدم البنك الذي تم حله الآن الأموال للجماعات الإرهابية التي دعمها صدام بالفعل. تم إغلاقه بعد أن اكتشف المنظمون في مدينة لندن أنشطته المشبوهة.

MI5 لديه ملف الدهون على وسيط آخر استخدمه رولاند. كان اسمه سايروس هاشمي.

ظاهريًا كونه مليونيرًا عربيًا مستهترًا ينفق 150 ألف دولار عند استلام البطاقة في كازينو مايفير ويعطي البواب ساعات رولكس لإيقاف سيارته الفيراري، فقد سمح الهاشمي باستخدام حساباته المصرفية في غرفة تجارة وصناعة البحرين لإرسال أموال لصدام في إطار التلاعب بالأموال بغية غسيل الأموال. يقول ملف المخابرات MI5 الخاص بالهاشمي أيضًا إنه كان يحاول التوسط في صفقة أفضل لخدماته. في 16 يوليو 1986، انهار فجأة في منزله في بلغرافيا وتم نقله إلى عيادة خاصة مملوكة من قبل غرفة تجارة وصناعة البحرين. وتوفي بعد يومين.

فرقة الجرائم الخطيرة التابعة لسكوتلاند يارد حققت في الأمر. استدعوا أخصائي الطب الشرعي الدكتور إيان ويست. قال: "كانت وفاة الهاشمي من أغرب حالات التحقيق التي أجريتها". أرسل ويست عينات الأنسجة إلى بورتون داون، مؤسسة الحرب الكيماوية والبيولوجية البريطانية، لعلمائها ليقرروا ما إذا كان هاشمي قد تعرض للتسمم. لا تزال نتيجة النتائج التي توصلوا إليها غير معروفة حتى يومنا هذا ولزمن طويل قادم.وقد يظل موقع بلايين صدام غير مكشوف في المستقبل المنظور.

في أبريل 2004، أعلن المحامي الفرنسي جاك فرجيس أنه تم تعيينه من قبل عائلة صدام كمستشار رئيسي لهيئة الدفاع عن صدام حسين عند محاكمته. اشتهر فيرجيس عندما دافع ضابط قوات الأمن الخاصة النازي السابق كلاوس باربي، الذي أدين بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" في عام 1987. ومنذ ذلك الحين، عمل المحامي لصالح الإرهابي سيئ السمعة كارلوس ذا شاكال، الذي يقضي الآن عقوبة بالسجن المؤبد مدى الحياة في باريس، ولا يزال يتصرف كمستشار لسلوبودان ميلوسيفيتش، الذي دخلت محاكمته في محكمة جرائم الحرب في لاهاي عامها الرابع ويمكن أن تستمر عدة سنوات أخرى.

وقال فيرجيس إنه يتوقع أن تستمر محاكمة صدام لفترة أطول. "سأقدمه كبطل مهزوم." وهو يعتزم استدعاء الرئيس جورج دبليو بوش ووالده، الرئيس الأمريكي السابق، كشهود، إلى جانب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وقادة آخرين في العالم. قال فيرجيس، وهو في سن الثامنة والسبعين من عمره عندما تولى القضية: "الجدال حول سبب مثولهم يجب أن يستغرق عامًا على الأقل". سيكون أحد العناصر الرئيسية لدفاعه هو إظهار "مدى أهمية الأشخاص الذين أخذوا نصيبهم من العملية لمساعدة صدام على إخفاء أمواله. وإنهم ما زالوا يشغلون مناصب رفيعة. ولكن ليس بعد أن أنتهي معهم ".

فقط الوقت سيحدد ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى اكتشاف ثروة الطاغية. والأكثر تأكيدًا هو أنه بحلول ذلك الوقت سيكون لدى الموساد طغاة آخرين لمطاردتهم.

***

د. جواد بشارة

 

السعيد بوشلالقرحلة في كتاب: الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العُثماني) تأليف مُولاي بَالحَميسي

الكتاب صدر عن الشركة الوطنية للنشر والتّوزيع - الجزائر-  1979. في 206 صفحات.

لقد قيل: (ولد الإنسان راحلاً) قول ينطبق على المسلمين إبان ازدهار حضارتهم.

ــ يقول ابن زاكور الفاسي: (إنّ الرِّحلة مِنّةٌ مِن الله نحلة تُكسبُ الغليظ الطِّباع غاية الرِّقة والانطباع وتُعقِبُ مَن كابد لها نصباً عِلماً غزيراً وأدباً...)

- وفيه أن أدب الرِّحلة ينقسم إلى:

- الرِّحلة في طلب العِلم.

- الرِّحلة الاستطلاعية.

- الرِّحلة للسَّفارة.

- الرِّحلة إلى الحجاز. (الحجّ إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة وزيارة مسجد وقبر سيِّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم). ومن ثَمّ زيارة المسجد الأقصى بيت المقدس بالقدس الشَّريف.

ــ لقد جاء هذا الكِتاب القيم ليزود المكتبة الوطنية التّاريخية بالإضافة الجديدة في مجال التّعرف على الجزائر في العهد العثماني من خلال أدب الرحلات. وهو يُقدم كتابات أربع رحالة مغاربة جابوا الجزائر انطلاقا من المغرب الأقصى خلال العهد العثماني. وهُم:

1 – التّمڨروتي؛ في كتابه (النَّفحَةُ المسْكية فِي السَّفارَة التُّركية):

هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي التّمڨروتي (نسبة إلى قرية تمقروت بوادي درعة بالمغرب الأقصى). ولِدَ حوالي 1560م. وتعلم في زاويتها. وتوفي بمراكش سنة 1003هـ / 1595م. ودفن بجوار القاضي عياض.  في سنة 1589م كلفه السُّلطان السّعدي أحمد المنصور التّمڨروتي بسفارة إلى أصطنبول، - هكذا - لتحسين العلاقات مع آل عُثمان، فخرج من مراكش ونزل بتطوان ثم أبحر ماراً أو نازلاً ببعض المدن السَّاحلية الجزائرية، واستمر السَّفر إلى أن عاد إلى تطوان في نوفمبر 1591م. وسجل الرَّحالة السَّفير التّمڨروتي انطباعاته وملاحظاته في كتاب سماه (النَّفحَة المسْكية فِي السَّفارَة التُّركية). وتحدث فيه التّمڨروتي عن الجزائر في ذهابه وإيابه. وفيه نجد معلومات تهُمّ البِلاد من الصّفحة 12 إلى 19 ثُم من الصّفحة 76 إلى 86 من الطّبعة الحجرية. حيث يذكر أحوال بعض هذه المدن التي مرّ أو نزل بها، فيذكر أحوال مدن هنين، وهران، مستغانم، تنس، شرشال، الجزائر المحروسة، دلس، بجاية، القُل، بونة.

وعنيَ التّمڨروتي عناية خاصة عناية خاصّة بأخبار العُلماء، الأحياء منهم والأموات، فكانت رحلته عبارة عن قائمة المشهورين منهم وكان للعاصمة الصّفحات الخالدة إذ مرّ بها التّمڨروتي وأقام مُدّة مكنته من أن يعرفها ويُعجب بها: فهي كثيرة الأسّواق والسِّلع والكتب والطّلبة والسُّفُن والجند ولا حظ تحصين أبراجها وشجاعة رياسها وتفوقهم العسكري حتّى على أتراك القسطنطينية. يقول: (ورياسها موصوفون بالشَّجاعة وفقوة الجأش ونفوذ البصيرة في البحر يقهرون النّصارى في بلادهم. فهُم أفضل من رياس القسطنطينية بكثير وأعظم هيئة وأكثر رُعباً في قلوب العدو. فبلادهُم لذلك أفضل من جميع بلاد أفريقية وأعمر وأكثر تُجاراً وفضلاً وأنفذ أسواقاً وأوجد سلعةً ومتاعاً حتى أنهم يُسمونها «اصطنبول الصُّغرى»... والكتب فيها أوجد من غيرها من بلاد أفريقية وتوجد فيها كتب الأندلس كثيراً).

2 – العياشي؛ في كتابه (مَاءُ المَوائِد):

3684 رحلات الجزائرهو أبو سليم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي المالكي ولِدَ بقبيلة آيت عيَّاش قرب تافلالت في شعبان 1037هـ / ماي 1628م. وتوفي العياشي بالمغرب الأقصى سنة 1090هـ / 1679م. كان العياشي محدِثاً وصُوفياً وعالِماً وشاعِراً. ولكنه اشتهر أكثر برحلته الضَّخمة التي سمّاها (مَاءُ المَوائِد) التي  دوَّن فيها رحلته إلى المشرق والعودة منه عبر الجزائر. وقد أورد فيه العياشي مجموعة من الأخبار الهامّة التي تُساعد على معرفة أوضاع الجنوب الجزائري في القرن الـ 17 ميلادي، سياسياً واقتصادياً وثقافياً. كما ضمّن رحلته (مَاءُ المَوائِد) أخباراً وحوادث مختلفة شهدها أو سمعها أثناء أسفاره، ووصف فيه طريق الصّحراء والسُّكان والعوائد وأحوال المعاش والأمن والحديث عن العُلماء والدِّين وأتعاب المسافرين. فيذكر أن خروجه من سجلماسة بالمغرب الأقصى كان يوم 11 نوفمبر 1662م. ويسير ركب الرِّحلة عبر الطَّريق الصَّحراوي يجوب قصور وادي ڨير والسَّاورة وبني عباس وواحات توات وقرية والن والقليعة وفيها يذكر أولاد سيدي الشِّيخ في الجهة الجنوبية الغربية من القطر الجزائري، وجدّهُم هو الشَّيخ الولي الصَّالح سيدي عبد القادر بن محمد بن سليمان بن بوسماحة المتوفي سنة 1615م. ثمّ تتواصل الرِّحلة إلى ورڨلة حيث يذكر حالها العجيب، ومڨوسا وتماسن وتُڨرت. وفي طريق العودة يصف حال وأحوال وعادات سُكان مدن نفطة، وزريبة حامد، وسيدي عقبة، وبسكرة، وعن بسكرة يقول العياشي في رحلته (مَاءُ المَوائِد): (وبالجملة فما رأيت في البلاد التي سلكتها شرقاً وغرباً أحسن منها ولا أحصن ولا أجمع لأسباب المعاش إلاّ أنها أُبتُليت بتخالف التُّرك عليها وعساكر الأعراب يستولي عليها هؤلاء تارة وهؤلاء تارة إلى أن بنى التُّركُ عليها حصناً حصيناً على رأس الماء الذي يأتي إليها فتملّكوا البلاد.) وتمر الرِّحلة بقرية امليلي ثم بزاوية سيدي الشّيخ عبد الرَّحمن الأخضري، وسيدي خالد، حيث يوجد ضريح قبر النّبي خالد بن سنان وهو عبسي. والذي تقول الرِّوايات أنه كان بين سيدنا عيسى بن مريم عليهما السّلام، وسيدنا محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ثُم يواصل إلى أولاد جلّال، ويذكر أنهم كانوا في قوة ومنعة من العرب. ثُم مرّ الرّكب إلى أولاد سيدي مخلوف ومنه إلى الأغواط (جمع غوطة: وهي الدُّور التي تُحيط بها البساتين). ثُم توجه الرّكب إلى الغسول وإلى بوسمغون ووادي النّاموس وأخيراً إلى فڨيڨ وهي أشهر واحة بوادي ڨير بجنوب شرق المغرب الأقصى.

والعياشي مِن أدرى النّاس بصحراء المغرب الأوسط لأنه حجَّ ثلاث مرات واخترقها ذهاباً وإياباً وخَبِرَ ما فيها وما عليها.

وفي الجانب السِّياسي، يظهر من رحلة العياشي أن أجزاءً كبيرة من البلاد في الصّحراء كانت مستقلّة لا تخضع للوجود العثماني، وهي تحت تصرف أمراء محليين، وذكر منها السّاورة وورڨلة وتڨرت وتماسين. وبناءً على هذه المعلومات فإننا نلاحظ أن المدّ التُّركي قد وصل عسكرياً إلى بسكرة وروحياً إلى ورڨلة.

أما في الجانب الاقتصادي، فيذكر العياشي أن الصَّحراء في عهده عبارة عن سوق مكتظة بالقوافل المتّجهة كُلّ الاتجاهات المتنقلة بأنواع البضائع والسِّلع. ومنتوجات الصحراء لا تنحصر في التّمر وحده. فبسكرة زاخرة بِكُلِّ ما تشتهي الأنفس من تمر وزيتون وكتان وحناء وفواكه وخُضر وبقول ولحوم وسمن.

أما في الحياة الثّقافية فيذكر أنه قد ازدهرت بالصّحراء سلسلة من الزَّوايا وعظم شأنها وزاد نفوذها حتى تحول بعضها إلى مدن مثل عين ماضي وتماسين وطولڨة. وذكر العياشي ما اشتهر منها مثل زاوية سيدي أحمد بن موسى، وسيدي عبد الله بن طمطم، وعمر بن محمد صالح الأنصاري الخزرجي، وزاوية الأخضري وكلها دور علم وتعليم وإشعاع فكري. ويُضاف إلى الزَّوايا، أضرحة العُلماء والصُّلحاء مثل عريان الرّأس وأبي الفضل والنّبي خالد والتي أصبحت مزارات. أما العُلماء الأحياء فميلهم الوحيد الفقه وتطبيقاته فيما قد يحدث مثل بيع الماء والهروب من الوباء قبل أن يحلّ ومحاربة طائفة لطائفة. ويحتفظ رجال العلم بالكتب أكثر مما يحتفظون بغيرها.

3 – ابن زاكور؛ في كتابه (نشر أزاهير البُستان في من أجازني بالجزائر وتطوان):

هو أبو عبد الله محمد بن القاسم بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد ابن زاكور الفاسي. ولِدَ بفاس سنة 1075هـ، وتوفي بها في 20 محرم 1120هـ / 1708م. وكان ابن زاكور أديباً وشاعراً ورحَّالة.

دوَّن رحلته إلى الجزائر المحروسة في كتابه (نشر أزاهير البُستان في مَن أجازني بالجزائر وتطوان)، وهي رحلة قصيرة (69 صفحة) طُبِعت في الجزائر سنة 1902م. قدم ابن زاكور إلى الجزائر بحراً سنة 1093هـ / 1683م، للاجتماع بعددٍ مِن عُلماء المدينة والأخذِ عنهم واستجازتهم. ونجد في رحلة ابن زاكور (نشر أزاهير البُستان في مَن أجازني بالجزائر وتطوان) صورة حيّة ومفصلة للحياة العلمية في الجزائر العاصمة التي كانت قِبلة علم تُشدُّ إليها الرِّحال. وتحدث فيها على نخبة العلماء في العاصمة وعددهم الكثير وطُرُقِ التّدريس بها. وذكر من العُلماء الذين أخذ عنهم العِلم وأجازوه في الجزائر: أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف الجزائري المانجلاني توفي سنة 1693م، والشّيخ سعيد قدورة بن الحاج إبراهيم الجزائري توفي سنة 1030م، والشّيخ أبو عبد الله محمد بن عبد المؤمن الحسني الجزائري توفي سنة 1689م، والشّيخ أبو عبد الله محمد بن سعيد قدورة الجزائري، وأبو عبد الله بن خليفة.

كما ذكر الكتب التي كانت تُدرس فيها والتي عرفت رواجاً منقطع النّظير، وهي: ألفية العراقي في المصطلح، صحيح البُخاري، ومُختصر خليل في الفقه، نظم ابن عاصم في الأحكام، شفاء القاضي عياض، ولامية ابن مالك في الصَّرف، جمع الجوامع للسبكي، وشروح المحلي، ومختصر ابن حاجب، وتلخيص المفتاح في البيان، والجمل للخونجي، ونظم عبد الرحمان الأخضري، ونظم أبي اسحاق التّلمساني في الفرائض. وهذه الكتب تمثل معظم جوانب الثّقافة الإسلامية وقسطاً كبيراً من العلوم العقلية والنّقلية من منطق وحسابي ونحو وعروض وصرف وتوحيد وحديث وتفسير وفقه وكل فن كان شرطاً مطلوباً في العالم.

وذكر ابن زاكور أن طريقة التَّدريس في الجزائر كانت أن يُلازم فيها الطّالب شيوخه سنوات طويلة أو شهوراً عديدة يحضر الجلسات ويُشارك في الحلقات ويجمع الشّارد والوارد ويُبرهن على الطّاعة والإعجاب، وينال بعدها الإجازات، وهي ما يُقابل اليوم الشّهادات الجامعية وشهادات الكفاءة التي تؤهل حاملها لتدريس الفقه أو المنطق أو علم من العلوم الكثيرة أو تُخوله حق الرِّواية وتلقين المعارف على الصُّورة التي تلقاها بها.

وشهد ابن زاكور غارة فرنسا على الجزائر المحروسة بقيادة (دوكسين (Duquesne سنة 1683 التي كانت في عهد الملك لويس الرّابع عشر الذي صرح أكثر من مرة أنه يُدمر مدينة الجزائر.

وخلاصة القول فإن كان الغربيون قد ركزوا في كُتُبِهم عن الجزائر على الحديث حول الحُكام الأتراك وسياستهم، فإن ابن زاكور وأمثاله وصفوا وقيدوا استمرارية العروبة في هذا البلد.

4 – الزَّياني؛ في كتابه (التُّرجُمَانة الكُبرى):

هو أبو القاسم بن احمد بن علي الزَّياني، رحّالة وأديب ووزير مغربي، ولِدَ بِفاس سنة 1147هـ / 1743م، وتوفي في رجب 1249هـ / نوفمبر 1833م. وبعد أن تولى عدة مناصب في بلده المغرب الأقصى، كان آخرها والي على وجدة، وبسبب ما شهده البلد من فوضى وفتن دامية، لجأ إلى المغرب الأوسط، فنزل الزَّياني بوهران ضيفاً على الباي محمد الكبير. ثم اِلّتحق الزّياني بتلمسان وأقام بها سنة ونصف. ثم خرج منها فراراً من الوباء الذي حلّ بها قاصِداً مدينة الجزائر فأقام فيها أربعة وعشرين يوماً، وأكرمه أهلها وحُكامها.

ومن الجزائر توجه إلى قسنطينة حيث أقام فيها خمسة عشر يوماً، كان له فيها الاجتماع بعلمائها فلقي إمام مسجدها العتيق الولي الصَّالح أبو البركات مبارك بن الفقيه العلّامة عمر الصَّائغي، والفقيه العلّامة الصُّوفي أبو الحسن علي بن مسعود الونيسي، والفقيه القاضي أبو عبد الله الحفصي العلمي، ولقي بها مفتيها الفقيه العلّامة أبو القاسم المحتالي، ومفتيها الثّاني العلّامة أحمد بن المبارك العلمي، والفقيه الأديب الكاتب محمد المجاري الخوجة، والفقيه الأديب ونيس البوزنياري، والكاتب الأديب الخوجة الكبير محمد بن كشك علي كرغلي، وكان له فيها الاجتماع بالباي حسن باشا بعد عودته من حركته.

ومن قسنطينة توجه الزّياني إلى تونس التي بلغها بعد عشرة أيام.

وفي طريق عودته من الحجِّ من تونس إلى الجزائر، دخل قسنطينة فأقام عند خليفة صاحبها حسن باشا المتقدم الذكر لغيابه عشرة أيام. ومنها توجه إلى الجزائر العاصمة فأقام فيها سبعة أشهر وشهد فيها الصّلاة في جامع كتشاوة بعد أن جدد بنائه حسن باشا سنة 1794م، وأُعجب ببنائه وهندسته وألوانه وترك فيه وصفاً لم يسبق لكاتب أن خصصه لمسجد.

- أخيراً يُمكن القول أن الكِتاب قيم مفيد للقراءة والمعرفة والثّقافة والتاريخ لما ورد فيه من معلومات هامّة عن الجزائر خلال العهد العُثماني من وجهة رأي الرّحالة المغاربة الأربعة المذكورون أعلاه.

***

أ. السّعيد بوشلالق

 

صالح الطائيقراءة في كتاب "ما بعد كورونا هل يغير العالم مناخه؛ دراسة في صناعة الوعي" للأستاذ عدي عدنان البلداوي

منذ بدايات فجر التاريخ والإنسان أكثر الكائنات تعرضا للتسليع؛ هذا النمط الحياتي الذي أجازته بعض الديانات السماوية ومنها الإسلام لأسباب إن كانت في بداياتها تبدو مقبولة كواحدة من مخرجات الصراع الأزلي، طالما أنها ستنتهي بعد أن تؤدي واجبها البنائي في مرحلة السيرورة والنشوء، ولكنها خلاف ذلك، ولأسباب نفعية كثيرة، فرضت نفسها على الواقع الحياتي والمجتمعي، وأسست لنفسها قوانين فاعلة إلى اليوم تحت أنواع من الأغطية الواهية التي لا دليل على صحتها، ولا يجرؤ أحد ما على الاعتراض عليها.

بعد هذا التاريخ الابتدائي القلق ارتبط الإنسان بالأرشفة كوسيلة لتنظيم حياته كمحصلة من نتاج تطور العلوم وهيمنتها على مفاصل الحياة؛ بعد أن تحول هو نفسه إلى رقم في السجل الحكومي الالكتروني، وتحولت واجباته ومردوداته وحياته كلها إلى صفحات في سجل محفوظ بعناية في أرشيف الوطن.

ولغاية عام 2019 كانت الأرشفة فاعلة ومؤثرة ولها استخداماتها المتعددة والمفيدة جدا لا للمواطن وحده بالطبع بل ولأنظمة الحكم والقيادات الخفية والعالم الفوقي السري، وقد أسهمت بدورها في تهيئة الأجواء لتقبل المشاريع الجديدة المقترحة. ولكنها تعرضت في هذا التاريخ بالذات إلى هجمة كان التخطيط قد بدأ لها منذ زمن طويل، وقد استعجلت الظهور قبل أن تكتمل الخطط الخاصة بها فأعلن انتشار (كوفيد 19) عن إعلانها أمام الكون مستبقا الأحداث والأحاديث.!

فهل يعتبر وباء كورونا نقلة تاريخية تنبئ بنهاية عصور وبداية عصر لا سابق له؟ وهل صحيح أن وباء كورونا الذي تجاوز كل مؤشرات الأمان المعروفة، وكل نظم الرقابة الموثوق بها، وكل الحدود والمعوقات، فامتد من أقصى الأرض إلى أقصاها، سيحول البشر إلى أجراء موظفين ومستهلكين يعملون لحساب شركات كونية أو منظمات سرية تتولى قيادة العالم أملا في ضمان انسيابية الحياة وفق هواهم ومخططاتهم دون مفاجئات غير مرغوب فيها تعترض هذا المشروع؟

هذا السؤال يمثل فحوى كتاب الأستاذ عدنان البلداوي الذي نحدد بصدد تفكيكه وقرائته، وهو سؤال ـ بكل فروعه ـ يبدو استفزازيا وفي غاية الخطورة، ولكنه يفرض نفسه بعمق نظرا للنذر التي تلوح في الأفق، وهي كلها مغلفة بالتشاؤم والقلق، فلقد أثبتت مقولة "العالم قبل كورونا ليس كما هو بعدها" جدارتها وصحتها، واستشعر الإنسان في العالم كله من قمم الحضارة إلى متاهات أفريقيا وبدائيات غابات الأمازون هذه الحقيقة، حقيقة التحول الجوهري الذي أعاد بناء أهم أركان حياتنا وفق مواصفات كان روادها وأصحابها يبحثون لها عن ثغرة في النظام الكوني ليمرروها، فإذا بوباء كورونا يفتح لها الباب على مصراعيه لتبدأ بإعادة ترتيب حياة الكائنات كلها وفق مشروعها الطامح الذي من أولى أولوياته أنه سيعيد العلاقة بين السيد والعبد وفق نمذجة جديدة تحول الشعوب جميعها إلى عبيد لسيد أوحد هو قائد النظام العالمي الجديد، طالما أن القوى المضادة بدءً من تفكك الاتحاد السوفيتي، إلى تحول الكثير من البلدان في الشرق الأوسط وأفريقيا إلى دول فاشلة، لم تعد تمثل تهديدا جديا وفاعلا للمشروع.

3672 صناعة الوعيوهنا يقفز سؤال آخر من أعمق مناطق الوعي التي أصابها الإرباك: هل أن كورونا داء مصنع تم نشره لكي يمهد لطرح فكرة مشروع الكونية الجديد؟ أم أنه جاء بسبب مؤثرات أخرى ولكن مخرجاته استغلت لتخدم مشروع الكونية؟ أم أنه أحد النذر الخطيرة التي تمر بين حين وآخر لتذكر الإنسان أنه مهما تطور وتقدم وتحضر واستقوى واستأسد وفكر وخطط ورسم سوف يبقى عرضة لهجوم من قوى خارقة بعضها لا ترى بالعين المجردة ولكنها أكبر منه ومن كل قدراته، وأنه لا قدرة له على ردعها بكل معطيات حضارته؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة تبدو بدورها محاولة عبثية لإثبات أن الماء ماء، فرؤية العالم للغيبيات كادت تتلاشى، وأصبحت المادة أساس الوجود، وصار الإنسان يؤمن بما يراه لا بما هو غيب، وهو ما يدفعنا لنسأل عن هذا المشروع الواعد فيما إذا ما كان معادلة جديدة جاءت لتنسخ المعادلات التقليدية المعروفة، أم جاءت مكملة للمشروع الكوني الكبير؟ وهل ممكن أن يتاح لثنائية الحاكم والمحكوم التقليدية أن تمارس لعبتها التاريخية السمجة في هذه المعادلة رغم خطورة الموقف؟ لم لا ومشكلة الإنسان المعاصر أن القيمين على شؤونه يعتقدون أن عدم الاستقرار في حياته والعوز الذي يعاني منه والانهزامية التي يشعر بها إنما هي نتاج سوء حاله وليس بسبب سوء إدارة البلاد وقوانينها المرعية!

وهذا هو القصور الذهني في أعلى مراحله فالمشكلة التاريخية المشخصة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم هي أن المحكوم طالما عانى من شظف العيش والمرض والبؤس والجوع والفاقة والحرمان، وأنهكه ارتفاع الأسعار، وقلة الوظائف والأعمال، وضعف الموارد، وكثرة الشوارد، وتفشي البطالة، في وقت يرى فيه الحاكم مهما كان نظام حكمه أن أي مكرمة يقدمها للناس حتى لو كانت من ضمن حقوقهم الوطنية والشرعية والإنسانية التي أقرها الدستور ضربا من اعمال الخير الذي سيدخله الجنان، وفضلا لا يدانيه فيه أحد، وفي مثل هذه الثنائية غير المتناسقة لا يمكن للأمور أن تستقيم، وهذا نذير بأن الانحدار سيبقى علامة فارقة في دنيانا المعاصرة طالما أن الحاكم يتجاهل عن عمد أو يجهل بشكل طبيعي طبيعة المحكوم.

في هذه المعادلة غير العادلة تختفي العاطفة والألفة والود الطبيعية ويتحول العيش إلى تجربة حياة اصطناعية تفتقر إلى مقومات الكرامة والنبل والاحترام المتبادل والموازنة بين الحقوق والواجبات، مع علم الجميع أن الإنسان هو الإنسان في كل الأزمان، ونسيجه التكويني في القرن الحادي والعشرين يتوافق مع نسيج أخيه في القرن الكوني الأول، فالدم الذي كان يجري في جسد قابيل هو نفسه يجري اليوم في أجسادنا مع اختلاف بسيط وهو أن العصا وبعض المفردات الأخرى كانت محركهم الأوحد، أما اليوم فالنظام الرقمي بدأ يفرض نفسه ليتولى قيادة البشرية بدل العصا ومحلقاتها من خلال أزرار أباح له لمسها والاندهاش بما ستظهره له، وهذا يعني أن العلوم ومخرجاتها تحولت إلى أداة قمع بيد القوى المسيطرة، قد لا يكون صنع فايروس كورونا آخرها.

إن الحديث عن فايروس كورونا والوباء الذي تسبب به، وتهديده لأعظم الدول واقواها، يعطي مخرجا في غاية الأهمية وهو أن هذا الوباء الذي خرج عن السيطرة فقلب السحر على الساحر كان محاولة لإقناع العالم بحاجته إلى نظام عالمي جديد [ص18] وأن المشرفين على هذا المشروع هم الذين تولوا إعادة ترتيب الواقع بعد أن أثبتت البلدان الفاشلة أنها دون مستوى التماهي مع الحدث، ففي الوقت الذي انتظر الناس من حكوماتهم ومنها على سبيل المثال الحكومة العراقية توفير مستلزمات الحماية، والإسهام في رفع الحيف الذي لحق بالمواطن جراء فرض منع التجوال وتوقف الأعمال، نجد الحكومة تعلن بفخر عن اعتقال آلاف المخالفين لحظر التجوال، وفرض غرامات مالية على المخالفين دون النظر في الأسباب التي دفعتهم إلى المجازفة ومخالفة الحظر، ونجدها في ذات الوقت قد تخلفت عن منح المبلغ الزهيد جدا الذي خصصته لتوزيعه شهريا كمنحة على المتضررين، والذي هو بالأساس لا يكفي لسد مصاريف يوم واحد، فلم تدفع منه شيئا، وفي الوقت الذي دعت فيه القطاع الخاص لتخفيض أجور الاشتراك في المولدات الكهربائية الأهلية، لم تبادر من جانبها بإلغاء أو تأجيل أو تخفيض الأجور التي تستوفيها عن تجهيز المواطنين بالكهرباء الوطنية والماء بما فيهم الأسر المتضررة فعلا، بل جعلت تلك المبالغ ديونا مترتبة بذمم من لم يدفع أو عجز عن الدفع [ينظر: ص18ـ19]

هذه الثنائية القبيحة المتناقضة تكررت وبشكل يبدو مقصودا ومخطط له بعناية فائقة، ليس العراق وحده، إذ لا زالت الطائرات المتطورة تقصف أحياء الفقراء في اليمن وتقتل الأبرياء، ولا زالت سوريا شعبا ووطنا تتعرض للإبادة الحمقاء، ولا زال القلق في ليبيا سيد الموقف، ولا زال الترقب الحذر في تونس يتعب الأعصاب، ولا زال البحث عن الانشقاق والانشطار في السودان قائما على قدم وساق، ولا زال العبث في لبنان يقتل الجمال ويغتال المتعة ويصادر الآمال، ولا زالت البلدان الأفريقية تزداد فقرا، في وقت لم يعد الفقر اصطلاحا يشتمل على الحالة الاقتصادية وعلى الفرد والمورد المالي، فقد شمل ما هو أبعد من ذلك، إنه توفر الفرص الحقيقية من قبل الفرد أو النظام الذي يدير شؤون البلاد، فرص تمكن الفرد من  أداء رسالته في الحياة [ص23]

المشكلة أن جميع هذه البلدان وبلدانا أخرى غيرها لا تختلف عنها كثيرا، أو مرشحة لأن تلحقها في القريب العاجل، وكلها ولاسيما العراق الذي نعيش فيه تكاد لا تلتفت إلى ضرورة وجود خلية أزمة متخصصة تتولى إدارة التعامل مع الوباء ومع ما يثار حول المشروع العالمي الجديد ومع التغيرات المتسارعة، تتصرف وفق معايير وخطط أكبر من عسكرة الحياة المدنية، ولاسيما في بلد فيه أكثر من سبعة ملايين مواطن في خط أو تحت خط الفقر، وفيه بطالة فاقت كل المقاييس فبلغت بحدود 70% بين الشباب حسب الإحصاءات العالمية [ص31ـ32]

يبدو من الملاحظات التي أوردناها اننا في حضرة كتاب أراد ان ينتهك المحظور، ففي هذا الكتاب حاول الأستاذ عدي البلداوي لملمة أطراف الواقع المتباعدة، التي تولدت نتيجة الشائعات والآراء والتصريحات والاستنتاجات، ومنها الحديث عن مشاريع تستهدف حياة الناس من خلال خلق الوباء، واستغلال الظرف الصحي لإجبار الناس على تلقي لقاح هو جزء من مشروع مستقبلي فيه اختراق للخصوصية والسرية الشخصية [ص36] كل ذلك لأن العالم يتحرك فعلا باتجاه نظام جديد كليا بعد أن تهيأت له الظروف المعلوماتية والتكنولوجية.

أما مناخ هذه البلدان الفاشلة الملبد بالغيوم السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية فقد حث الناس على القبول بالأمر الواقع، وأسهم من جانبه في تسريع وتيرة العمل على مشروع النظام العالمي الجديد والترويج له بعد أن تضافر الوباء معه ومهد له الطريق، فكان حافزا قويا له الأثر الكبير، فضلا عن تخلي النظم عن الأرشفة التقليدية.

لقد أدى الخروج من ربقة الأرشفة التقليدية إلى دائرة الرقمنة والخوارزمية إلى تغيير أنماط العلاقة بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وعلاقة الشعوب مع الشعوب الأخرى المجاورة والبعيدة، في ذات الوقت الذي أدى هذا الخروج المتسارع إلى تغيير النظرة إلى القوانين المحلية المرعية والقوانين الدولية التي بدأت تخترق الحدود الكترونيا لتترك بصمتها على السلوك العام للشعوب نتيجة التغيير الذي أحدثته في قناعاتهم، وتمكنها من تغيير رؤيتهم للمصطلحات الجديدة التي ابتدعتها وأحلتها بدل المصطلحات القديمة بحجة الخروج من دائرة التراث إلى دنيا الحداثة والتجديد، وذلك كله كان مدروسا بعناية فائقة ومخطط لكل خطوة منه باتقان، ولذا لم ينجح الأثر السيء الذي تركته كورونا في الضغط على المشروع بقدر نجاحهم في توظيف مخرجات الوباء لصالح مشروعهم، وهو ما تماهى معه الأستاذ عدي البلداوي في رؤيته أننا لا نستطيع أن نتجاوز حقيقة الدور الريادي للدول الصناعية المتقدمة والمناخ الجديد الذي أوجدته الثورة الصناعية المتقدمة، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العلم لا يقوم بهذه الإنجازات بعيدا عن الإرادة الدولية للأنظمة التي تدير العالم، وان هذه النظم كشفت عن مساوئها في أجواء العالم الموبوءة بفايروس كورنا [ص60 ].

تجدر الإشارة إلى أنه ليست القوانين الدولية وحدها التي اخترقت الحدود وبدأت تُعوِّد الناس على مطالبها بما فيها تلك المطالب المخالفة لتراثهم وعقائدهم وسنن حياتهم، فالسلع ورأس المال اكتسبا بدورهما طابعا عالميا له قدرة فائقة للتأثير على صناعة القرار محليا، فأصبح الاقتصاد قوة جبارة وضعت القوى الأخرى تحت جناحها [ص61].

وبالتالي ومن خلال تظافر الرقمنة والضغط الدولي الفائق والتأثير الاقتصادي المهول على مجمل الأوضاع الداخلية للبلدان بدأ المشروع الجديد أولى تجاربه للتحكم في تكوين الفرد البشري وإعادة هيكلة بناء الشخصية [ص63] لخلق أنماط جديدة من البشر يسهل سوقها قطيعيا، وهذا يعني أن البشرية كلها تتحرك نحو واقع مأزوم محفوف بالمخاطر القصوى، وسيقوم النظام الجديد بالمراهنة على حالة التأزم من خلال إدارة تخصصية كفوءة ومتمرسة معدة سلفا ومدربة تدريبا جيدا [ص72] تملك قدرة تقديم حلول ترقى إلى مستوى مداواة آثار الأزمة، وذلك لتحقيق توازن نفسي يضمن لها قيادة القطيع دون معارضة، بعد أن نجح تحكمها في العلوم وحصر النتائج في مستويات ضيقة وسرية في جعلها قادرة حتى في التحكم بالطقس والأمطار وربما ثوران البراكين والزوابع والعواصف بما يجعلها قادرة على التحكم بمصائر الشعوب دون أن تترك أثرا يفضح تورطها في تلك الأعمال القذرة.

فإذا اجتمعت كل تلك المخرجات مع الصعود القلِق للمعايير المنحطة والمفاهيم المغلوطة والمصطلحات المستحدثة التي تجاوزت التابو والمقدس بحجة التحرر من كل أشكال القيود. ومع صعود الفاشلين والمنحطين لتولي قيادة البلدان وإدارة الدول. ومع غياب الأداء الإنساني الرفيع. ومع محاصرة القيم العليا في زوايا مظلمة والتأثير عليها من خلال الترويج للقيم البديلة المستحدثة. ومع وفرة المعرفة الخالية من القيمة العليا ويسر الوصول إليها واستخدامها. ومع عجز الخطابات الدينية والسياسية المحلية عن إقناع الناس بصحة ما تدعو إليه. ومع تأثير الإعلام السلبي المدعوم بسطوة القوة المسيطرة على برامج البروباغاندا. ومع مفارقة الشعوب للقراءة وإهمال مصادر ومراجع العلوم والتاريخ واللغة المكدسة في المكتبات الورقية، والاعتماد الكلي على بيانات العالم الرقمي المتاحة بلمسة زر أمام الجميع، مع علم الكثيرين أن تزييفا حقيقيا خضعت له تلك المعلومات الرقمية مثلما يرى الأستاذ البلداوي قبل أن تصبح متاحة لهم [ينظر: ص120] ومع غياب الحقيقة وانتشار الزيف والخداع. مع غياب ذلك كله أصبح الإعلان الرسمي عن ولادة النظام العالمي الجديد حقيقة تلوح في الأفق القريب، بل هي أقرب لأنوفنا وأعيننا من الأشياء المحيطة بنا الأخرى، وكل الذين يفتلون شواربهم ويفخرون بعضلاتهم.. كلهم سيكونون أول المصفقين لأنهم بلا رسالة مع أن من المفروض أن تكون لكل إنسان رسالة مثلما وفق رؤية الأستاذ عدي [ص144].

وأملا في إيجاد علاج أو موقف حمائي يرى الأستاذ البلداوي أنه ينبغي تهيئة مناخ نفسي في المجتمع يمكنه من تقبل مراحل وعي أكثر عمقا فيما يخص العلاقة البشرية مع الذات ومع الله وانعكاساتها على أرض الواقع مع الآخرين [ص146ـ147].

وأرى من جانبي أن هذا التوجه لو قدر له أن يبدأ قبل هذا التاريخ، وأن يتحول إلى قوة ضاغطة لها قدرة التصدي للمشكلة في طريق سيرورتها قبل أن تصل لهدفها وتؤسس قواعد لها لكان قد حقق النجاح المطلوب، أما الآن، الآن بعد أن أنهت المشكلة مسيرتها التكوينية، وفتحت سجلاتها، وشغلت آلاتها، وبثت برامجها، وأفصحت عن مشروعها، فأعتقد أن الأمر أكثر صعوبة مما نتوقع، وأن الأمل وحده هو الذي يدفعنا لنتوقع من تلك القوة التي نؤمن بها أن تؤثر على القوة المضادة وتوقف تخريبها، ومع أن "ما نيل المطالب بالتمني" إلا أننا نثق بالله، وأن ثقتنا ممكن أن تدفعنا إلى الأمام خطوات، لكن علينا أن نشد العزم لنواصل المسير ضد التيار مهما كان عاتيا جبارا، وألا فإن عصا الراعي تنتظر انضمامنا إلى القطيع.

صدر كتاب " ما بعد كورونا هل يغير العالم مناخه؛ دراسة في صناعة الوعي" للأستاذ المهندس عدي عدنان البلداوي في أواخر عام 2021 عن مؤسسة البلداوي للطباعة بواقع 188 صفحة من الحجم الكبير، وهو محاولة جريئة لتفكيك الواقع المأزوم برؤية علمية عقدية أخلاقية إنسانية، وقراءته لا تدفع على الممل مطلقا نظرا لاحتوائه على معلومات واحصاءات وأخبار مهمة وممتعة.

  ***

الدكتور صالح الطائي

3622 يوميات رامبرانتيفتح الفنان الهولندي الشهير رامبرانت، في كتاب يومياته. ترجمه الى العربية ياسين طه حافظ، وصدر عن دار المدى السورية عام 2016، يفتح نافذة واسعة على حياته الصاخبة وابداعاته اللافتة. كتب رامبرانت يومياته هذه عام 1661. عندما كان في الخامسة والخمسين من عمره، ويقول في تلخيصه لهذه السنة: انتهت السنة. كم استمتع الآن بالاستقلال. استقلالي انا، لأنتج العمل الذي اريده لا الذي تمليه علي نزوات الاخرين وغوغائية غلاتهم، لكني لا أريد أن اتكئ على أمجادي. هذه السنة. سأعمل بجد اكبر.

يعتبر رامبرانت من اهم الفنانين الاوروبيين. وبإمكان من يريد، التوجه الى شبكة البحث الالكترونية العالمية، ليطلعوا على فيض من المعلومات عنه وعن حياته الصاخبة.. بالعديد من اللغات.

من اللافت في هذا الكتاب، هو تلك القدرة الهائلة على التعبير عن المشاعر والاحاسيس المرهفة الدقيقة التي تذكر بقدرة العديد من الفنانين الاجانب والعرب ايضًا، على التعبير بطرائق خاصة، تختلف بنوعيتها عن تلك التي يتميز بها الكتاب المبدعون عامة، وأذكر في هذا السياق أنه صدر مؤخرًا كتاب ضم عددًا من المواد الادبية الهامة التي انتجها الفنان الاسباني ذائع الصيت بابلو بيكاسو، كما اذكر كتاب مذكرات.. الغني عن التعريف.. الفنان سلفادور دالي، وهناك كتابات رائعة خلفها الفنان العربي المصري المعروف عالميا حسن سليمان، منها كتاب عن "حرية الفنان".

يمكنني تقسيم الابداع الادبي لرامبرانت، في يومياته هذه، إلى عدد من الابعاد أعتقد أن التعبير ذاته هو ما يميزها. مثال قوله: الايام مثل بيضة صغيرة من ضوء متجمد في منقار نسر هائل. ومثال آخر.. قوله: بعد طول انتظار ظهر الربيع وتفتحت أزهاره وافطرت عيناي هذا الصباح بوروده.

يسلّط رامبرانت في يومياته هذه الضوء على حياته الخاصة فيطلعنا على أبسط تفاصيلها لنكتشف بالتالي أنه، رغم عظمته التاريخية، كان إنسانًا عاديًا وبسيطًا أيضًا... تموت زوجته المحبوبة ساسكيا. ليتزوج من مربية ابنه تيتوس المدعوة هندريشكة، ويحفل الكتاب بمشاعر الخوف على زوجته المحبة المتفانية هذه. خاصة في فترة مرضها.

فيما يتعلّق بحياة رامبرانت الخاصة هناك صفحات عن تمرد أحد طلابه عليه ومحاولته اقناعه بالعودة للتعلم لديه.. لكن عبثًا ودون جدوى. كما يتحدث رامبرانت عن طالب آخر قذفه بالزيت. غير أن الله ستر فلم تتلف لوحاته القريبة.

يتحدّث رامبرانت أيضًا عمّا تعرّض له من مضايقات، عندما أعلن إفلاسه، ويذكر كيف دافع عنه ابناء اسرته خاصة زوجته هندريشكة.

أقترح على الاخوة الفنانين في بلادنا قراءة هذه اليوميات للاطلاع على تجربة عميقة لفنان مبدع اعترف العالم بإنتاجه الفني، واشاد بعبقريته العشرات من فناني العالم ودارسي الفن، فهو كتاب ممتع بما حفل به من عمق وطرافة، بتنا نشتاق إليهما في زمن كثرة المدعين وقلة المبدعين في مجال الابداعي الفني التشكيلي خاصة. اقرؤوا هذا الكتاب.

من اجواء الكتاب:

15 ايلول: نمت هذه الليلة مع هندريشكة. هي المرة الاولى مذ مرضت.

حبها ليس خطيئة.

مشاركتي لها حياتها ليست خطيئة.

وليست خطيئة بشرة جلدها الناعمة كالزبدة. شعرها الذي قبلته ومشطته. خذاها. ثدياها. يداها المحبتان اللتان تحتضناني. عيناها اللتان تستوعبان عريي وشفتاها حين تتلفظان اسمي.

اول مرة ضاجعتها حين كانت خادمتي ثم صارت خليلتي. الآن نحن متساويان.

من 27 ايلول:

أثّر في هذا كثيرًا وأرّقني هذه الليلة. بقيت تعذبني فكرة أنني. وأنا أهب نفسي للفن، أضحّي بأطفالي. شركاء حياتي، على مذبح الفن الجيد. هي لعنة أن أبدأ الآن تساؤلي فلا نكران اني وضعت ما أحب، وتألمت من اجله، في درجة أعلى من اولئك الذين احبهم.

من 15تموز:

رسمي صراخ وهدير. هي رسومي. الضحك والنحيب، والابتسام في النحيب. كل هذه في الرسوم. الرسوم التي هي رسومي. أنا الرجل الذي وراءها.

3تشرين الاول:

حين نظرت إلى نفسي لم أرَ غيري. رامبرانت الفريد الوحيد، ولكن، وأنا ارسم صورتي، تملكني شعور بأني أرسم جميع الرجال..

ولجميع الرجال.

***

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

3604 الاسلام واسول الحكم علي عبد الرازققليلة هي الكتب التي غيرت مجرى التاريخ، وقليلون هم الكتاب الذين أطلوا على الدنيا بكتب زاحمت الساسة والقادة العسكريين في كتابة التاريخ، منهم من قضى عمره يكتب حتى بلغ صوته مسامع الناس، ومنهم من كتب كتابا واحدا ملأ الدنيا ضجيجا، وكان أحد هؤلاء الشيخ علي عبدالرازق.

فما إن تذكر اسم الشيخ علي عبدالرازق في أي محرك بحث حديث، أو ربما في حديث مع صديق مثقف على المقهى، إلا ويبرز عنوان كتابه الأهم "الإسلام وأصول الحكم"، الذي صدر في 1925، وقد أحدث ضجة كبيرة في مصر، بل في الوطن العربي كله، وذلك بسبب رفضه لفكرة الخلافة والدعوة إلى مدنية الدولة.

وقد جاء الكتاب في ظروف اجتماعية وسياسية مهمة فبعدما تخلى مصطفى كمال أتاتورك عن "الخلافة" في سنة 1924 وأصبحت تركيا دولة لا علاقة لها بالعالم الإسلامي في الشرق اشتعل الصراع بين الباحثين عن الخلافة في الحجاز ومصر، لذا رأى على عبد الرازق أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين فلا داعى لوجود خليفة.

ورأى الكتاب أن الخلافة طرأت على الإسلام في عصور متأخرة، وأن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لم يتطرقا لموضوعها وأن اتفاق المسلمين لم ينعقد قط على خليفة، كذلك رأى الكتاب أن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب وعقوبات إنما هو شرع ديني خالص لله ولمصلحة البشر الدينية لا غير.

والكتاب ضرب مباشرة العمود الفقري للدعوة التي يتبناها الملوك والسلاطين، ألا وهو الجانب الديني؛ ففي حين كان رجال الدين يقنعون الناس بأن الإمامة ركن من أركان الإسلام، خرج عبد الرازق بغير ذلك.

وقد ذهب الشيخ علي عبد الرازق ، بالآيات والأحاديث، إلى أن الإمامة لم تكن أبدا ركنا من أركان الإسلام، إنما هي أضيفت بعد ذلك في مذهب بعض الفرق الشيعية لغرض سياسي،  وعلي عبد الرازق شرح التاريخ بمبضع جراح، فتناول صلب الدولة الإسلامية، ومنشأها، أي فترة حكم النبي للمدينة، وفترة خلافة أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، ليؤكد على أن النبي إنما كان يسير أمور الناس بصفته نبيا، وليس بصفته حاكما.

كما يذهب علي عبد الرازق إلى أن حكومة أبو بكر الصديق كانت حكومة مدنية، ولم تستند أبدا إلى سلطة دينية، ذلك أن الوحي كان قد انقطع، ولم يرد في الكتاب أو السنة وصف لماهية الدولة وكيفية تسييرها، والكتاب أثار بلبلة كبيرة في الشارع الإسلامي، بعد أن كانت الشعوب الإسلامية على وشك التوحد خلف دعوات رجال الدين، وبدأ الكثيرون في تبني رأي عبدالرازق وترويجه، حتى بات مؤكدًا أن الأمل الذي وهبه أتاتورك للملوك المسلمين بخلافة عبدالحميد الثاني، قد بدده علي عبد الرازق.

ولا عجب في أن صدور الكتاب كان متزامناً مع صدور دعوى حسن البنا لتأسيس جماعته التي أسهب في وصفها كدعوة دينية وجماعة رياضية، وهى الإخوان  المسلمون، والتي بانت نواياها ربما في وقت مبكر من تأسيسها، وتحديداً في فكرة رغبتها في الحكم.

إذن، فكرة الكتاب المذكور "الإسلام وأصول الحكم"، كان منافياً لدعوة البنا ورغبة جماعته، وعلى الرغم من ذلك، فإن الكتاب أدى إلى معارك سياسية ودينية كبيرة، الأمر الذى دفع هيئة كبار العلماء في الأزهر إلى محاكمة علي عبدالرازق، لأنه أحد شيوخه، وأخرجته من زمرة العلماء، وفصلته من العمل كقاضٍ شرعي، فيما تلقى الكتاب الكثير من النقد ودافع عنه بعض المفكرين، ويقول البعض- استنادًا على شهادة بعض الشيوخ- أن المؤلف رجع عما جاء في كتابه في آخر أيام حياته.

وقبل الخوض في مسألة المحاكمة، لا بد من معرفة الشيخ الذي كتب الكتاب نفسه، وهو علي عبدالرازق المولود في قرية أبو جرج بمحافظة المنيا في أسرة ثرية تملك سبعة آلاف فدان، حفظ القرآن في كتاب القرية، ثم ذهب إلى الأزهر؛ حيث حصل على درجة العالمية، وسافر إلى إنجلترا ودرس السياسة والاقتصاد في جامعة أوكسفورد، وعاد إلى مصر بعدما قامت الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، اشتغل في القضاء في المحاكم الشرعية.

ولكن لم تمر هذه الأزمة مرور الكرام على الشيخ على عبد الرازق، فقد أصاب الرجل الكثير من السهام الغادرة التي لم تراع حق الاجتهاد في الإسلام، ولم تحسن الظن بعالم مسلم جليل، وآثرت أن تنحاز إلى ذهب السلطان وسيفه على الحق والعدل، وباعت العلم بدنانير السلطان، فقامت هيئة كبار العلماء في الأزهر بمحاكمة الشيخ على عبد الرازق، ووجهت الهيئة سبع تهم تتهم الكتاب بالضلال، حيث قالت إن الكتاب تسبب في جعل الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين، ولا لإبلاغ الدعوة للعالمين، واعتبار نظام الحكم في عهد النبي موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجبًا للحيرة، واعتبار مهمة النبي كانت بلاغًا للشريعة مجردة عن الحكم والتنفيذ، وإنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وأنه لابد للأمة ممن يقوم بأمورها في الدين والدنيا، وإنكار أن القضاء وظيفة شرعية، واعتبار حكومة أبى بكر والخلفاء الراشدين من بعده كانت لا دينية.

ورأى الأزهر في الكتاب خروجا عن حد المعتقدات لذا حاكم على عبد الرازق أمام هيئة كبار العلماء الأزهريين وأخرجه من زمرتهم، وتم فصله من القضاء، وحدث خلاف بين عبد العزيز فهمى باشا وزير الحقانية ورئيس حزب الأحرار الدستوريين، ويحيى إبراهيم باشا رئيس الوزراء بالنيابة ورئيس حزب الاتحاد، فرأى الأول أن ما ذهب اليه الشيخ عبد الرازق خطأ في رأى ديني قد لا يستلزم إخراجه من وظيفته القضائية وأن هيئة كبار العلماء غير مختصة بالنظر في مثل هذا الحال، أما الثاني فيرى رأى هيئة كبار العلماء في أنه أخطأ في رأى ديني يبعده عن منصة القضاء الشرعي.

وهاجمت الصحف الشيخ على عبد الرازق، ومنها البلاغ والأهرام والمقطم ومجلة المنار، التي اتهم صاحبها محمد رشيد رضا المؤلف بالزندقة والإلحاد ووصفه الشيخ محمد قنديل في البلاغ بأنه نار محرقة وأنه ترديد لسياسة الكماليين في تركيا، وفى المقابل تصدى أنصار حرية الفكر للدفاع عن الكتاب وعن حرية التفكير والرأي المكفولة في الدستور وأبرزهم عباس العقاد وسلامة موسى وأحمد حافظ عوض ومنصور فهمى.

وكانت أغرب الاتهامات ما  قال به الشيخ أحمد حسن مسلم عضو مجمع البحوث الإسلامية في 1989 أعلن أن الشيخ على عبد الرازق أخبره بأن المؤلف الحقيقي للكتاب هو طه حسين وليس على عبد الرازق.

وبعد الغضب الأزهري "الملكى" منه بسبب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وإخراجه من المؤسسة الدينية، تولى الشيخ مصطفى عبدالرازق باشا (شقيقه)، مشيخة الأزهر، سنة 1945 ما فتح باباً جديداً لإعادته من جديد إلى المؤسسة الدينية الأولى في الشرق الأوسط.

ولهذا علي عبد الرازق أعاد شقيقه إلى زمرة العلماء من جديد، ثم عُين وزيراً للأوقاف لمدة أشهر (بين 28 ديسمبر سنة 1948 و25 يوليو سنة 1949) في وزارة إبراهيم عبد الهادى، كما شغل عضوية مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، وعين كذلك عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

توليه هذه المناصب يشير إلى إمكانية تصديق رواية الشيخ محمد الغزالي الذى قال في الجزء الثالث من كتابه "الحق المر" إن عبدالرازق تراجع عن كل ما قاله في كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، والمعنى أنه ربما تراجع في مقابل إعادته إلى الواجهة مرة أخرى.

والتراجع كان بسبب دخول القصر الملكي في مصر على خط المواجهة بين الأزهر والشيخ علي، إذ يرى البعض أن الملك فؤاد الأول هو من طلب من الأزهر محاكمة علي عبدالرازق ومصادرة الكتاب، لكي يضمن استمرار خطته في عودة الخلافة بعد انتهائها في تركيا، ووجهت الهيئة سبع تهم تتهم الكتاب بالضلال.

ولم يتوقع علي عبدالرازق كل هذه التهم التي أخرجته من الأزهر، ولكن شخصاً بعقليته المتفتحة المشاغبة لم يتقبلها، فدافع عنها واعتبر أن الحكم باطل، ويخالف الدستور الذي كفل حرية الرأي لكل مصري، وأرسل خطاباً لوزير الحقانية يؤكد فيه أن قانون الأزهر لا يطال إلا المعاهد الدينية، وهنا جاء موقف الوزير عبدالعزيز فهمي الذي وقف إلى جوار عبدالرازق ورفض قرار الفصل، فما كان من القصر الملكي إلا أن تدخل بشكل مباشر، وصدر قرار بإقالة الوزير عبدالعزيز فهمي من الوزارة.

وإقالة الوزير تسببت في موجة من الاحتجاجات الحكومية، إذ استقال احتجاجاً على ذلك: محمد علي علوبة باشا، وزير الأوقاف، وتوفيق باشا دوس، وزير الزراعة، وإسماعيل صدقي باشا، وزير الداخلية آنذاك.

وبعد شغل المناصب الوزارية الشاغرة بهذه الاستقالات، فُصل الشيخ علي عبدالرازق من وظيفته، كما أراد الملك فؤاد، وصار عبدالرازق بعد ذلك عضواً في حزب "الأحرار الدستوريين"، الذي تأسس العام 1922، وتبنى الفكر الليبرالي، إذ كان في صف واحد مع أبرز قادة الحزب ومفكريه أحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، ثم طه حسين، وهم جميعاً يمثلون المدرسة الفكرية المنحازة إلى المدنية، والوطنية، والحداثة، والليبرالية.

وتوفي الشيخ في 23 سبتمبر 1966، وبغض النظر عن رواية الشيخ محمد الغزالي بأنه تراجع عما جاء في الكتاب المهم، أو لم يتراجع فإن «الإسلام وأصول الحكم» هو المنهج الذي رآه الشيخ المستنير لمسألة أصول الحكم في الإسلام، وهو الكتاب الذي يعتبره الكثيرون مساوياً لكتاب "الأمير" لميكافيللي، في الثقافة الغربية، وهما الكتابان بغض النظر عن مرجعيتهما الفكرية، يعتبران مؤسسين لأصول الحكم في الدولة- أي دولة.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا المفكر المبدع حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، فتحية طيبة للعلامة علي عبدالرازق الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

رحم الله العلامة علي عبدالرازق ، الذي صدق فيه قول الشاعر: رحلتَ بجسمِكَ لكنْ ستبقى.. شديدَ الحضورِ بكلِّ البهاءِ.. وتبقى ابتسامةَ وجهٍ صَبوحٍ.. وصوتًا لحُرٍّ عديمَ الفناءِ.. وتبقى حروفُكَ نورًا ونارًا.. بوهْجِ الشّموسِ بغيرِ انطفاءِ.. فنمْ يا صديقي قريرًا فخورًا .. بما قد لقيتَ مِنَ الاحتفاء.. وداعًا مفيدُ وليتً المنايا.. تخَطتْكَ حتى يُحَمَّ قضائي.. فلو مِتُّ قبلكَ كنتُ سأزهو.. لأنّ المفيدَ يقولُ رثائي.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع:

1-علي عبد الرازق: الإسلام وأصول الحكم بحث في الحلافة والحكومة في الإسلام ، القاهرة ، 1925.

2- محمد فايز جاد: في ذكرى رحيل صاحب "الإسلام وأصول الحكم".. علي عبد الرازق قضى على "الخلافة".. وخذله سعد زغلول، 23-9-2015 | 21:02

3-أمين حمزاوي: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎، حفريات ، 31/05/2021.

4-جابر عصفور: رؤى نقدية.. تأديب الشيخ على عبد الرازق 2، الأهرام، الجمعة 19 من ربيع الأول 1439 هــ 8 ديسمبر 2017 السنة 142 العدد 47849

5- أنظر مقال بعنوان: علي عبدالرازق.. وصايا الحكم الإسلامي على الطريقة الميكافيللية، بوابة أخبار اليوم، الثلاثاء، 04 مايو 2021 - 04:39 ص

 

نجوى غنيمتسعى القراءة إلى التعريف بكتاب ذكريات في تقاطع الألوان، تحديد النوع الأدبيّ، دلالة العنوان، وتبرز أنّ سيرة ناهد الذاتيّة صيغت كلوحات سرديّة استعانت فيها بالألوان، وهي ذكريات تتجلى في أكثر من حيّز.

تُظهر القراءة أنّ للمكان في سيرة الكاتبة خصوصيّة، فهو البطل الأساسيّ رغم تعدّد الأمكنة. يحمل المكان الكثير من المعاني الوطنيّة والرسائل السياسيّة، وسأشير إلى بعض التقنيات الفنيّة والأسلوبيّة التي اتبعتها الكاتبة.

ذكريات في تقاطع الألوان سيرة ذاتيّة:

ينتمي كتاب ذكريات في تقاطع الألوان إلى أدب السيرة الذاتيّة، والسيرة الذاتيّة نثر استعادي يحكي فيه شخص حقيقيّ عن حياته الفعليّة بصورة تستهدف إبراز حياته الفرديّة وتاريخ شخصيته بشكل خاص، ومن مضمرات هذا التعاقد السير ذاتي أنّ الكاتب سيحكي للقارئ ما حدث بشكل خاص في الواقع دون إدخال أي عنصر من عناصر الايهام والتخيل في العملية السرديّة، وأنّ على القارئ أن يصدق كلّ ما يرويه له الكاتب.[1]

رأى Nadel أنّ كتابة السيرة هي حركة تعبّر عن ارتياح، فهي لحظة بذل جهد لتحرير أنفسنا،[2] ويجب ألّا نغفل أنّ كاتب السيرة يتعدى الحديث عن شخصيته بتحدّثه عن الشخصيات المحيطة، الأحداث، البيئة والواقع، وكلّ ما يمكن أن يكون له علاقة بشخصه ثم إنّه لا يكتب السيرة إلّا في سنوات متقدّمة من عمره، بحيث أنّه يحاول تصويرها بشكل استرجاعيّ، أي بعد اكتمال تجاربه ومداركه.[3]

في الكتاب تحيي ناهد الأحداث وتستعيد مجرياتها، والعنوان ذكريات في تقاطع الألوان يبرز مقروئيّة النصّ، إنّه عنوان يضعنا أمام أفقٍ شاسعٍ للتأويلات، يكشف مقاصده المباشرة وغير المباشرة، فلطالما كان العنوان يعدّ عتبة قرائيّة وعنصرًا من العناصر الموازية التي تسهم في تلقي النصوص وفهمها، وتأويلها داخل فعل قرائيّ شموليّ بفعل العلاقات الكائنة والممكنة بينهما، فالعنوان يولّد معظم دلالات النصّ، فإذا كان النصّ هو المولود، فالعنوان هو المولّد الفعليّ لتشابكات النصّ وأبعاده الفكريّة والأيدولوجيّة.[4]

الكتاب باكورة أعمال الكاتبة، يقع في 100 صفحة من القطع المتوسط، حوى إحدى وعشرين لوحة سرديّة، قام بتدقيق الكتاب لغويًّا الأديب فتحي فوراني، وراجعه الدكتور محمد هيبي، وأمّا صورة الغلاف فهي للفنان عبد عابدي، ضمَّنت الكاتبة في كتابها لوحتين جميلتين لوالدتها السيدة عناية زعبي، الأولى في ص 42، وقد رسمت عام 1947 لسفينة شراعيّة ترسو في ميناء يافا، والثانية في ص 70، رُسِمت أيضًا في يافا، ويظهر فيها وردة مجد الصباح رسمت عام 1946، وجاء الإهداء " إلى ذاكرتكم.. ومن وميض ذاكرتي.. ليكتمل المشهد"، تلاه قول لغسان كنفاني، ومقدّمة وضّحت فيها الكاتبة منهجها وإيمانها بأنّ لتوثيق أحداث الماضي أهمية كبيرة في تاريخنا.

لجأت الكاتبة إلى السيرة الذاتيّة بسبب حنينها إلى الماضي، ورغبتها في تخليد ذكرياتها كلوحات سرديّة حتى لا يطويها النسيان، تسجّل تفاصيل الأحداث الخاصة في حياتها وانطباعاتها عن الأشخاص الذين تعاملت معهم، وسيرتها فيها كثير من الصدق والشفافيّة، هي اعترافات وتأملات شخصيّة وذاتيّة، وصفتها بأنّها لوحة تشكيليّة، ألوانها متمردة لا توحّدها منظومة، ومن خلال هذه الألوان تبادل الماضي والحاضر ذكرى وحنين، عالم الكاتبة مليء بالألوان وبحكايات ترفض الرحيل.[5]

انتقت الكاتبة أحداثًا أثّرت فيها، ولم تتبع تسلسلًا زمنيًّا في لوحاتها،[6] وصفت لوحاتها بأنّها حكايات صغيرة جاءت خطوطها وألوانها وموضوعاتها لكي تروي ذكريات "جمعية بصيغة فرد"، مستعينة بإمكانياتها اللغويّة في استحضار الماضي واستطاعت أن تقدّم مذكراتها بشكل إبداعيّ مستخدمة الألوان بداية من العنوان ذكريات في تقاطع الألوان ووصولًا إلى التفاصيل، تلحّ مواقف معينة على ذاكرتها، وهذه الذكريات تتراءى في أكثر من حيّز مكانيّ، فالمكان يضحي باعثًا قويًّا لاستحضار الذكرى واستقطار الحنين، تحتفي الكاتبة بألوانها فنراها تقسّم الأحداث في لوحات سرديّة جاءت كالتالي:

-" برتقاليّ مائل إلى الأصفر": ترصد فيها إحضار والدها شجرة عيد الميلاد إلى البيت وتزيينها. (ص 21-15)

-"رمليّ مائل إلى البنيّ المائل إلى الأحمر" تكتب فيها عن ذهابها إلى الطيبة بعد الحصول على تصريح من الحاكم العسكريّ. (ص 26-23)

- " أزرق مائل إلى الأسود" تسرد تجربة الحرب سنة 1967 وأثرها على الجميع. (ص 29-27)

-" أبيض مائل إلى الأسود" وتحكي فيه عن تأثير وفاة جمال عبد الناصر على أقاربها ومعارفها ومعلمتها. (ص 33-31)

-" أبيض مائل إلى الأزرق" تتحدّث عن احتفالات عيد الاستقلال في مدرستها. (ص 38-35)

- " بني مائل إلى الأسود" تسرد صمود شعب من خلال ذكريات صندوق جدتها الخشبيّ، النزوح وحمل مفاتيح البيوت، وصول الجد والخالة بصعوبة إلى الناصرة. (ص 41-39)

-"أصفر مائل إلى البنيّ" تحصي فيها ذكريات يافا: البيارة، النواعير والسواقي، وسحر الشفق. (ص 45-43)

-" رمادي مائل إلى الأسود" الذهاب إلى غزة بحثًا عن ابنة خال الأم التي انقطعت أخبارها منذ النكبة وتصوير المكان الذي أرهقته الحرب. (ص 50-47)

- " أحمر مائل إلى الرمادي" تسرد قصة بوابة مندلباوم التي توجهت إليها مع عائلتها في شهر رمضان لتراها الجدّة من الجهة المقابلة، تصدم الكاتبة من المنظر، فالمنطقة مخيفة والأسلاك شائكة، ولم تفتح البوابة، ولم يتمكّن الأب من رؤية والدته. (ص 53-51)

- " أزرق مائل إلى الأبيض" تتحدّث عن لم شمل العائلة النصراويّة في اليونان، حيث توقّف الكلام وكان الدمع سيّد الموقف. (ص 61-59)

-" أحمر مائل إلى النبيذيّ" ذكريات الثوب الفلسطينيّ ألوان خيوطه المتباينة الجميلة التي أعدّتها الجدات والخالات والعمات، فيه خصوصيّة الشكل والرموز والزخارف، وفيه جذور، تاريخ ومسيرة. (ص 65-63)

- " أبيض مائل إلى الأحمر والأصفر والبرتقاليّ والأخضر والأزرق والبنفسجيّ والنيليّ" وهي ألوان قوس قزح التي تتذكّرها ناهد بمجرد رؤية وصية والدتها، تحمل ألوانه أمانيها وأحلامها. (ص 68-67)

- " ألوان خارج حدود النصّ" تسوق فيه ناهد كلّ دلالات الألوان، فقد وصلنا الإرث ليكون شاهدًا على ذلك العصر، وأمّا نحن فامتدادهم، وعلى الابداع أن يستمر ويأخذ مسار المقاومة. (ص 72-71)

- " الأبيض أبيض، أمّا الباقي فألوان" تسرد فيه رحيل والدها ووالدتها". (ص 75-73) ولعلّ الكاتبة انتقت في هذه الصفحات اللون الأبيض لارتباطه عند معظم الشعوب بما فيهم العرب بالطهر والنقاء، وقد استخدمه العرب القدماء في تعبيرات تدلّ على ذلك، فقالوا: كلام أبيض، وقالوا: يد بيضاء، واستخدموه للمدح ونقاء العرض من العيوب، ولارتباطه بالضوء وبياض النهار.[7]

-"أبيض مائل إلى الأزرق والأحمر" تسرد فيه اجتياح البلدة بالدبابات على مدخل مطعم أعدّت فيه عيد ميلاد لابنها، وكيف تمّ انقاذ الموقف وأعادت الأولاد إلى بيوتهم. (ص 82-77)

-"أزرق، أبيض وزهريّ" توثّق مجزرة الحرم الإبراهيميّ الشريف، حيث أٌمطر المصلون بوابل من الرصاص. (ص84-83)

-"أبيض مائل إلى الرماديّ" تأخذنا الكاتبة إلى ما وراء الجدار، إلى مخيم لاجئين توجّهت إليه بقصد تقديم واجب العزاء، وهناك لم تستطع المكوث بسبب الغاز المسيل للدموع فاستأذنت، ولكنّها تستدرك نفسها وقوتها وتستعيد شجاعتها عند رؤية أطفال المخيم يمارسون لعبة كرة القدم رغم صعوبة الموقف وهم ملثمون، تفرح لفوزهم بإحراز الهدف، وبتحديهم للجدار والحصار. (ص 86-85)

-"أخضر مائل للأزرق" تتحدّث عن جدار الفصل بين بيت العم وبيت الجد. (ص 88-87)

-" زيتي مائل إلى الأسود" تسرد كيف تمّ إيقافها عند الحاجز، محاولتها لإثبات مكان سكناها، رفض الجندي لطلبها وتهديدها بالسلاح، ومع ازدياد المطر في تلك الليلة واتشاح الليل بالسواد تراجعت ولم تصمد في المواجهة، فالموقف أكبر منها ولم تتمكّن من الوصول إلى بيتها. (93-89)

-"عينان سوداوان وشعر جعديّ" تحدّثت فيه عن أم عبدو: حكاياتها وقصصها الخياليّة، طعامها وشرابها، بيتها السحريّ الذي اجتمعت فيه أسرار الماضي والحاضر. لقد كانت أم عبدو بمثابة جدّتها، شاركتهم الأفراح والأتراح، مهرت في الطب الشعبيّ وعالم الأعشاب، تسرد حكاية نزوحها وانقطاع تواصلها مع إخوتها وأخواتها، مصادرة أراضي والدها، وخروج زوجها من البيت وعدم عودته، ولحاق ابنه عبد الكريم به وعدم عودته أيضًا، وبحثها عنه دون فائدة. (ص 100-95)

و" نصّ بلا لون" أشارت إلى أنّه نصّ لم تنته من كتابته، تسرد فيه سيرة حياة جدّها وجدّتها، سيرة عمها الأكبر، وسرد والدها لحكايات الصمود والمقاومة وتوثيق التاريخ شفويًّا. (ص 58-55).

المكان في ذكريات في تقاطع الألوان:

3592 ذكريات في تقاطع الالوانيسهم المكان في تشكيل وعي الإنسان بوجوده، ويطبع فكره وهويته، والمكان في سيرة ناهد الذاتيّة يقدّم على أنّه عنصر سرديّ يتمتّع بخصوصيّة وأهمية، المكان في نصّ الكاتبة يفرض نفسه بطلًا.

تتعدّد الأمكنة في سيرتها الذاتيّة، فمن هذه الأماكن: الناصرة ومبنى المسكوبية الذي أرادت اختراق أسواره ونوافذه المظلمة (ص 23)، أم الفحم، الطيبة حيث تقطن الخالة الحبيبة (ص 24)، يافا البحر، القدس، بحيرة طبريا، بحر حيفا وعكا يافا (ص 35)، شاطئ يافا، المنشية وحي العجمي (43) غزة هاشم (47) محيم خان يونس للّاجئين، قسطل قرية صفورية المهجرة، بوابة مندلباوم، جبال الناصرة المطلة على سهل البطّوف (67) الحاجز الترابيّ (77) الحرم الابراهيميّ الشريف (83) القدس (87) سمخ، مطار اللد والأغوار (99).

نجد أنّ المكان في السيرة الذاتيّة حاضر بقوة، حيث أنّ هذا الحضور يبدأ من العنوان "ذكريات في تقاطع الألوان" الذي يدلّ على مكان حدوثها، المكان لدى ناهد خريطة دون حدود، تربة يتغيّر لونها بتغير المكان، فتحدث نسيجًا ملونًا، كتاب مفتوح وملامح سافرة، إنّه جذور وأحداث، تاريخ ومسيرة وصورة جميلة.

ترى الكاتبة في الثوب الفلسطينيّ حكاية المكان والزمان ورائحة الذاكرة، فهو موروث ثقافيّ تراثيّ، لبسته فتاة في الجليل، في المثلث، في الساحل، في النقب، في جنين، في نابلس ورام الله وبيت لحم في غزة وفي الخليل (ص 63).

حضور الأماكن في لوحاتها السرديّة، كان له دور هام في استثارة الحنين، ونبش الذاكرة الفلسطينيَّة، واستخدام أسلوب - النوستالجيا – العودة بالذاكرة إلى الوراء، واستعراض الأحداث التاريخيَّة من خلال وصف بعض الأمكنة الموحية لها بالأحداث، الأمكنة التي وصفتها أعطت انطباعًا عن نشوء علاقة متينة ما بين شخصيَّة الكاتبة، وبين الأماكن والأزمنة.

التقنيات الفنيّة والأسلوبيّة التي تتكئ عليها الكاتبة في نسج خيوط نصّها:

استعانت الكاتبة بذاكرتها التي شكّلت مصدرًا كبيرًا وثراء عميقًا، وظّفت ناهد الألوان في العناوين، وقد انعكست دلالات الألوان على موضوعها العام، هذا الانعكاس تفسّره العلاقة القائمة بين النصّ والعنوان، إنّ وجود الألوان داخل السيرة يرتبط منذ البداية بهاجس الكاتبة في محاولة خلق إيهام بالواقعيّة، فتُدرج الأشياء وتقوم بتلوينها لتحفيز ذاكرة القارئ ودفعها للتواصل مع العناصر النصيّة مما أضاف بعدًا جماليًّا.

استخدام اللون في مذكراتها ساهم في ترسيخ أجزاء الصورة، وارتبط بشكل كبير ببيئة وتراث الكاتبة والأحداث السياسيّة التي عاشتها، وألوانها تتغيّر بفعل التجارب الخاصة والأحداث العامة،" فحنين قلبها عند يافا قد رسا في يوم كان الغروب فيه على غير عادته، لا ينتظر شروقًا، والشفق أصفر مائل إلى البنيّ" (ص 45) " ونحلم.. ويعود الغائب على جسر.. ألوانه الأسود والأخضر والأبيض والأحمر.. وللحلم بقية." (ص 82)

كُتبت السيرة بضمير المتكلم، "وأنا أدور في كلّ البيت لأراها من كلّ زاوية" ص 18، وتأتي أهمية استخدام ضمير المتكلم في أنّه يحيل على الذات مباشرة، يقرّب المتلقيّ من العمل السرديّ، استخدامه سمح للكاتبة بأن تصوّر انفعالاتها وتنقل انطباعاتها بطريقة مباشرة، فهي ليست مجرد راوية له، ومن ثمّ فهي أمينة على مصداقيّة الأحداث، فضمير المتكلم هو ضمير له قدرة على التذكر والاسترجاع الذاتيّ للكاتبة؛ فمن خلاله تسرد وهي واقعة في زمن حاضر، ما مرّ بها من تجارب وأحداث وشخصيات في زمن مضى.

برزت الكاتبة في بعض اللوحات من موقع المراقب" دخل على الركع السجد.. أمطرهم بوابل من رصاص حقد أسود" (ص 83)، وفي بعضها ظهرت في موقف المشارك" وما إن رآني الجندي أمامه حتى رفع سلاحه معلنًا أنّه سيطلق النار عليّ إذا لم أتراجع للخلف" (ص 90).

تألّقت الكاتبة في ذكرياتها باستعمال أسلوب سرديّ جاذب، وتمتّعت بمرونة باستخدام اللغة ما بين الفصحى والعاميّة" فطبعًا أنا أصل الموضوع والشجرة لي، آه هاي إلي!"(ص 17) وربما يعود ذلك إلى حرص الكاتبة على مراعاة العناصر الفنيّة في تكوين عملها الأدبيّ، وفي مقدّمتها الصدق الفنيّ والواقعيّة واستغلال اللغة في تجسيد الأفكار والانفعالات وحرصها أيضًا على إيصال المعاني بصورة مؤثرّة إلى أكبر عدد ممكن من القراء، فاللفظة العاميّة عندها تكتسب وجودًا ونبضًا وحياة، كما حافظت على عفويّتها في اختيار الكلمات والعبارات" فنحن نحتاج لرضى أمي أيضًا، لأنّ عدم رضاها قد يغيّر كلّ الموقف" (ص 17).

اتسمت لغة الكاتبة بالبساطة، فذكرياتها كما تقول تأبى أن تجمّل بالتعابير المجازيّة وفن البلاغة وأدوات اللغة تعجيزيّة الفهم،[8] بل إنّها عمل سرديّ مفعم بالمشاعر الصادقة والأحداث الصادمة بلغة سلسة وبلا إنشاء ولا بحث عن مفردات غرائبيّة مفتعلة، تخاطب الكاتبة القارئ، أو تتحدّث عن نفسها، ولوحاتها توشك أن تكون لقطات تذكاريّة، تشكّل بمجموعها لوحة بانوراميّة تجسّد المشهد برمته.

يبرز التناص[9]في بعض لوحاتها السرديّة، فنجد:

- التناص الدينيّ في "نحن سنديانة جذرها في الأرض وفرعها في السماء" (ص 37)، من الآية الكريمة" ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء."[10]

-التناص الأدبيّ " فكان ينادينا ويشدّ على أيادينا" (ص 37)، يتناص مع قصيدة توفيق زياد.[11]

-"توقّف الزمن هناك وتوقّفت لغة الكلام" (ص 60) يتناص مع قصيدة أحمد شوقي.[12]

استدعت الكاتبة المأثور الشعبيِّ والتاريخيِّ فاستخدمت الرموز الميثولوجيّة التي تدعم رؤيتَها وتعبّر عن مشاعرها ومواقفها تجاه ما يدور حولها " اجتمعت آلهة اليونان والاغريق كلّها معًا.. متمثّلة بزيوس وهيرا وبوسيدون وأثينا وهيرميس" و " نجحت آلهة الاغريق بذاك" (ص 59) " وبحفظ ارتميس وأفروديت، وأبيهم زيوس قبلهم، تمّ اللقاء" و " ونبطل قوى الإله كريتوس والإله أريس" (ص 61).

ظاهرة التكرار تُعدّ من الظواهر البارزة في الكتاب، فالكاتبة من خلال التكرار تحاول تأكيد فكرةٍ ما تسيطر على خيالها وشعورها، أو تؤكد قضايا تريد إيصالها إلى القارئ، والتكرار يختلف باختلاف موقعه وحاجة النصّ إليه.

في اللوحات السرديّة تكرار واضح، من ذلك تكرار أنّ الأديب غسان كنفاني كان من تلاميذ جدّها " ومن أشهر من غسان كنفاني!؟ إنّه أحد تلاميذ مدرسة جدي" (ص 25) " كان من تلاميذ جدي غسان كنفاني" (ص 41).

التكرار أيضًا في اسم الإشارة "هنا" " هنا النسيج الدقيق الذي يفصل بين الحرية والاحتلال، هنا القدر، هنا تختفي القوانين والمواثيق الدوليّة "(ص 90)، هذا التكرار يؤدي وظائف دلاليّة معينة ويقوي المعنى، تكرار ضمير المخاطب "أنت "(ص 88) ولّد تكرار الضمير(أنتِ)- إيقاعاً نغميًّا (تناغميًّا) موقظًا للدلالة، وباعثًا لحراكها الجماليّ، تكرار حرف الجزم لم " لم أستطع" (ص 92)، تكرار حرف العطف أم (ص 36) تكرار ما أجمل (ص17). التكرار في هذه المواضع أفاد في تكثيف الشحنة العاطفيّة وتحقيق التماسك النصيّ.

أسعف أسلوب الاستفهام الاستنكاريّ التعجبيّ الكاتبة في إظهار الحزن على مآل حالها والتعجب من تقلبات الدهر والانتظار، فكأنّها في استفهامها التعجبيّ هذا تشرك غيرها في تأملها، إذ الأصل في الاستفهام أنّه استخبار، فكأنّها تخاطب غيرها أي تأملوا " لم تستطع هذه العائلة الانتظار.. فماذا تنتظر والحنين موجع قاس؟! أتنتظر معاهدة سلام؟! أتنتظر اتفاقيات سياسيّة؟! أم نكبة ونكسة؟! أم تنتظر قدرًا كتب في صحف التاريخ.. قدرًا محتومًا لم تسعفه الدعوات والصلوات التقليديّة؟! (ص 59).

أمّا علامات الحذف والنقط المتتاليّة الدالة على حذف منطوق كلاميّ فهي حاضرة بقوة في لوحاتها السرديّة؛ وذلك من أجل تحقيق التكثيف اللغويّ، والغموض الفنيّ المقصود الذي تعمد إليه الكاتبة عن سبق إصرار وترصد، وربما استعملت الكاتبة تقنية الحذف والإضمار من أجل التواصل مع المتلقيّ، قصد دفعه إلى تشغيل مخيلته وعقله، لملء الفراغات البيضاء، وتأويل ما يمكن تأويله، وتستعين ناهد غالبًا بالإيجاز والحذف لدواع سياسيّة واجتماعيّة وفنيّة. كما أنّ ذكر بعض التفاصيل الزائدة، التي يعرفها القارئ، تجعل من العمل الأدبيّ حشوًا وإطنابًا، "وقفنا.. وصمدنا.. وتعلمنا.. أنجزنا.." (ص )37،" إنّها هي.. نفس النسائم ورذاذ ماء الموج نفسه.." (ص 44).

عمدت الكاتبة إلى استرجاعات محدّدة من مسيرة حياتها، وقد ركّزت عليها، مهتمة بعلاقتها بالعام، لا الخاص، والعام هنا هو اهتماماتها بقضايا الأمة وقضايا وطنها فلسطين، إذ يبدو حضور الموروث بارزًا ومحدّدًا، في مقابل هذا الحضور الكثيف توسلت الكاتبة لغة ولت وجهها شطر الحاضر في حيويّته وديناميته، فقدّمت اللوحات بلغة سرديّة أدبيّة رقيقة.

تستمد الكاتبة موضوعات كتابها مما عايشته شخصيًّا، ومما وصلها من والدها من معلومات، ومن أبحاثها في الذاكرة الحيّة، وهذا ما يعطي العمل والأحداث التي تقدّمها مصداقيّة خاصة، ففي لوحاتها تتحدّث عن والدها الذي شكّل مصدرًا هامًا لمعلوماتها، جدّها الذي كان يعمل مفتشًا للمعارف ومؤسسًا لمدرسة، زوج خالتها الطيباوي المشهور بوطنيته.

وتبقى ذكريات الكاتبة شهادة للتاريخ، إنّها ذاكرة تختزن وتبحث بين خبايا الحنين، يوميات واقعيّة عن حياتها وحياة عائلتها ومعاناتهم، تعبّر من خلال بعض اللوحات السرديّة عن سلسلة من الهزائم السياسيّة التي أثمرت بدورها زمن الانكسار والتشظي، لوحات تصدر عن تجربة حقيقيّة صادقة عابقة بعطر الوطن، إذ لا تكاد لوحة من اللوحات تخلو من نكهة فلسطينيّة.

وستبقى الكتابة عن التاريخ الفلسطينيّ سجلًّا مفتوحًا، لأنّ لكلّ حياة قيمتها، ولكلّ حدث أهميته، وكلّ عمل يُكتب في هذا المجال يسهم في استكمال الصورة عن المرحلة التي مرّت من تاريخ فلسطين بكلّ ألوانه.

***

د. نجوى غنيم

.................

المصادر والمراجع:

القرآن الكريم.

جميل، حمداوي. السيموطيقا والعنونة، عالم الفكر، الكويت، م25، ع3، 1997

ح.افظ، صبري. رقش الذات لا كتابتها، تحولات الاستراتيجيات النصيّة في السيرة الذاتيّة، ضمن لغة الذات: السير الذاتيّة والشهادات، مجلة ألف، العدد 22، 2002، ص 7-8.

زعبي، ناهد، ذكريات في تقاطع الألوان، الناصرة- بيت لحم، ط1، 2021.

زياد، توفيق. أشدّ على أياديكم، مطبعة الاتحاد، حيفا، 1966.

شوقي، أحمد. ديوان الشوقيات، مؤسسة هنداوي، 2020.

عمر، أحمد مختار. اللغة واللون، القاهرة، عالم الكتب، ط2، 1997.

فهمي، ماهر حسن. السيرة تاريخ وفن، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، 1970.

مفتاح، محمد. تحليل الخطاب الشعريّ (استراتيجية التناص)، المركز الثقافيّ العربيّ، 1986.

المصادر الأجنبيّة:

Roy Pascal, Desire and truth in autobiography, p, 142-178

Ira Bruce Nadel, Biography: fiction, fact and form, Hong Kong, 1984, p.121

هوامش

[1]  صبري حافظ، رقش الذات لا كتابتها، تحوّلات الاستراتيجيات النصيّة في السيرة الذاتيّة، ضمن لغة الذات: السير الذاتيّة والشهادات، مجلة ألف، العدد 22، 2002، ص 7-8.

[2][2] Ira Bruce Nadel, Biography: fiction, fact and form, Hong Kong, 1984, p.121

[3] Roy Pascal, Desire and truth in autobiography, p, 142-178

أنظر، حمداوي، جميل: السيموطيقا والعنونة، عالم الفكر، الكويت، م25، ع3، 1997، ص 106.[4]

[5] ناهد الزعبي، ذكريات في تقاطع الألوان، تدقيق لغوي: الأديب فتحي فوراني، مراجعة: د. محمد هيبي، الناصرة- بيت لحم، ط1، 2021، المقدّمة، ص 13-14

[6] يعتقد ماهر حسن فهمي أنّ السيرة اعتراف لا يضطره إليه أحد، فالكاتب يقدّم حياته بصورة انتقائيّة أو يقدّم مجملًا لأهم تجارب حياته، أنظر، ماهر حسن فهمي، السيرة تاريخ وفن، القاهرة، مكتبة النهضة المصريّة، 1970، ص 312.

[7] أحمد مختار، عمر، اللغة واللون، القاهرة، عالم الكتب، ط2، 1997، ص 69.

[8] المقدّمة، ص 14.

[9] تناول العديد من النقاد العرب المعاصرين التناص بالدراسة نظريًّا وتطبيقيًّا. ويعتبر الناقد محمد مفتاح أكثرهم عملًا على تطوير وإغناء هذا المفهوم، فقد حاول مفتاح في كتابه "تحليل الخطاب الشعري استراتيجيّة التناص" أن يعرض مفهوم التناص اعتمادًا علي طروحات "کريستيفا وبارت"، وفي تعريفه للتناص عرض تعريفات هؤلاء النقاد ثم خلص إلي تعريف جامع للتناص هو تعالق «الدخول في علاقة» مع نصّ حدث بكيفيات مختلفة، أنظر: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعريّ (استراتيجية التناص)، المركز الثقافيّ العربيّ، 1986، ص 121

[10] سورة إبراهيم- الآية 24

[11] توفيق زياد، أشدّ على أياديكم، مطبعة الاتحاد، حيفا، 1966، ص 22.

[12] أحمد شوقي، ديوان الشوقيات، مؤسسة هنداوي، 2020، ص 524.

مجدي ابراهيمهذا كتابُ تدور فكرته حول درس جوانب الشخصية النبويّة في بعديها الإنساني والحضاري بوجه خاص، ويتضمّن بدايةً نسبه ومولده وطفولته وشبابه ثم خلقه وخُلقه، مع وافر البيان في سياق متصل وعبارة ناصعة عن الجانب الخُلقي في شخصه الشريف، وإن كان المؤلف لا يقتصر على هذا الجانب فقط؛ بل يتعدّاه إلى الحياة  الأسرية والجانب الاجتماعي، ثم السياسي والحربي، وتأسيس الدولة الإسلامية، وانتهاءً بوفاته صلوات الله وسلامه عليه؛ ليكشف المؤلف بذلك عن مجمل خصائص العظمة الإنسانيّة في شخصه الشريف.

إذا كانت هذه هى فكرة الكتاب الذي كتبه الأستاذ الدكتور زكريا هيبة، أستاذ أصول التربية بجامعة العريش وجامعة طيبة بالمدينة المنورة، فهو أولا ًكتاب أروع ما يكون دلالة على وعي كاتبه وتميّزه العلمي، فضلاً عن ظهور محبته الضافية للحبيب الأعظم، صلوات الله وسلامه عليه، ظهوراً بادياً بين كلماته، تجلّيها عباراته وتكشف نصوصه عن سعة إطلاعه وسعة مراجعاته.

آصرة القربى للقلم الذي يجري في رحاب خصاله الشريفة ومناقبه الكريمة هى آصرة الروح الباقية توجّهت بالاختيار والاصطفاء، ولم تكن لتتوجّه عبثاً من غير إمارة أو علامة، فلا يكتب عنه سوى مُجتبى ولا يركض في بحار نوره سوى سبّاح ماهر مدعوُّ منه للركض في بحار الأنوار النبويّة. الذين تهجموا على مناقبه  الشريفة ممّن لم يؤمنوا به وبرسالته كثيرون، لكنهم ليسوا بأكثر من الذين انصفوه وعرفوا خصاله وأخلاقه وهم من غير المؤمنين برسالته، وهؤلاء وهؤلاء ليسوا بشيء أمام القادر الحكيم الذي أطلعه بالإختصاص على آيات ربّه الكبرى.

كان شاعر فرنسا الكبير "لامارتين" يعتبر أن أعظم حدث في حياته هو أنه درس حياة رسول الله صلوات الله عليه، وأدرك ما فيها من عظمة وخلود. ومن هنا؛ فإنّ المؤلف يستفتح مقدّمة كتابه بحديث عذب عن عظمة الإنسان العظيم في الثقافات والحضارات المختلفة، ويعقبها  بخصائص العظمة النبويّة التي جمعت ما تفرّق من شمائل العظماء وافية غير منقوصة، ويرى أن الإنسان العظيم كما المحيط الواسع في أية ناحية تنظر إليه تراه يعانق السماء ويتسع نظره للمطلق غير المحدود، ويوحي هذا العناق بالسمو بكل مضامين الرفعة المعنويّة والماديّة معاً، لأنك في كل ناحية ترسل البصر فيها تجد جمالاً وفضلاً، وتقنع على الفور، بأن العين لم تحظ بعدُ بكل الجمال الذي فيه، ولم يدرك العقل بعدُ كل الخير الذي احتواه".

وإذا وُجد في العاصمة الإندونيسية جاكرتا متحفاً للسيرة النبوية به أكثر من مائتين ألف مصنّف في سيرة النبيّ العربي، فماذا عساه يقدّم كتاب عن شخصية الرسول عليه السلام؟ يرى المؤلف أنّه إذا كان ثمّة جديد يُقدّم، إن كان هنالك جديد، ففي طريقة المعالجة والطرح والاستنباطات، للوقوف، على بعض المعاني الإنسانية والحضاريّة من سيرته العطرة.

لكنني أرى غير ما يراه المؤلف، أرى أن عاطفة الكاتب سبقت القلم وسكنت القلب؛ فكانت سبباً في هذا التميز العلمي والضبطية المنهجية؛ ليحدثنا قائلاً : وماذا أصنع فيما لا أملك وقد سكن الحبيب، صلوات الله وسلامه عليه، ضميري؟

هي هذه؛ فلئن تكن هنالك بقيّة في نفس الكاتب أهلته للكتابة في هذا الميدان، فلا أقلّ من تكون آصرة المحبّة الجارفة، لها من وقائع نفسه دلالة وعلامة، ومن طوايا ضميره إشارة إلى كوامن حبّه عليه السلام.

فإنّ الجديد الذي يُضاف إلى مئات الألوف التي كتبت عن تفاصيل حياته الشريفة، إنما هو في شخوصنا نحن ممّا نقتبسه من نوره قبسات، وممّا ينعكس فينا من محبّته، وقد ظهر هذا في مقدّمة الكتاب الذي ألفه الدكتور زكريا هيبة، مضافاً إليه كتابات أخرى صنّفها، تتعلق بقصة الغرانيق المشهورة، وكتاب آخر في أخلاقيات الحرب للنبيّ صلوات الله عليه: ثلاثية معرفيّة وإنسانية أخرجتها قريحة المؤلف وظهر فيها عطفه ومحبته قبساً من نور النبوة. وليس بمانِعٍ لهذا القبس أن يظهر في كل محبّ صادق أخلص للمحبّة النبويّة وأحسن العمل على منهاجها في نفسه أولاً قبل أن ينشرها في آخرين.

وفي فصل بعنوان : الإنساني والحضاري في دعوته عليه السلام، ركز المؤلف على شواهد وأدلة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك إنسانيته الكبرى عليه السلام، ودعوته الحضاريّة الراسخة بين أعماق الأرض وأجواز السماء : عالج النزعات العرقية العالقة من أدران الجاهلية بقوة وحسم، ورفض العصبية المقيتة التي تتعارض مع التحضر والرقي، وأشاد بأوصال الأخوّة بين المسلمين، وركز على قيمة العلم، وقضى على الأصنام القديمة والمتجددة في سائر العصور، ومحى الوثنية بكل أطيافها الظاهرة والباطنة، ودعى إلى تحرير العقل البشري من رق الأغيار، من هذا الانعتاق المرذول، فجاءت دعوته عليه السلام، في ظلال القيم الكبرى، أسمى القيم الحضاريّة والإنسانيّة بإطلاق.

***

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

الكاتب هوالعقيد جاك بود Jacques Baud، خريج المعهد العالي للدراسات الدولية في جنيف، الخبير في الأسلحة الكيميائية والنووية، العميل السابق لأجهزة المخابرات السويسرية. المسؤول السابق بتوجيه المعلومات الاستخبارية للموظفين الخاصين لأخذ الرهائن التابعين للحكومة السويسرية. المصمم للمشاريع الإنسانية لمقرالأمم المتحدة في نيويورك ومركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية (GICHD) ونظام إدارة المعلومات بشأن الأعمال المتعلقة بالألغام (IMSMA). المنتشرة الآن في أكثر من 60 دولة.

والمساهم الرئيسي في تأسيس مفهوم الاستخبارات لعمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، والذي قاد أول مركز تحليل مشترك لبعثة الأمم المتحدة (JMAC) في السودان. كما شغل منصب رئيس قسم عقيدة عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة في نيويورك ورئيس مكافحة انتشار الأسلحة الصغيرة في منظمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل.

 مؤلف لحوالي عشرة كتب عن الترشيد العقلاني الستراتيجي في الحروب الغيرالمتكافئة، ومكافحة الإرهاب بالطرق العقلانية ضمنها كتابا له بعنوان: "دائرة المعارف المعلوماتية والإستخباراتية والخدمات العسكرية، " الترشيد السياسي بالمعلومات والأخبار الكاذبة Govern by Fake News، .

كما ، أنه متخصص في دول أوروبا الشرقية ، ورئيس لما يسمى ب "عقيدة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة. ": حيث انخرط في مفاوضات مع كبار المسؤولين العسكريين والاستخباراتيين الروس بعد سقوط الاتحاد السوفياتي مباشرة وخبيرا و مخبرا داخل الناتو .

- شارك كمستشارفي برامج في أوكرانيا وعلى وجه الخصوص أثناء ثورة الميدان في عام 2014.

فماذا عن الكتاب؟

الكتاب يتمحورحول 50 تساؤل عن الإشكاليات المعقدة المتعلقة بعلاقات الروس مع الغرب منذ نهاية الحرب الباردة . يعالجها الكاتب بمصداقية وحرفية وشفافية، نورد بعضا منها على سبيل المثال:

هل أصبح بوتين سيد اللعبة ؟ (عنوان الكتاب)

-وهل أصبح بوتين سيد العالم؟:

يستهل الكاتب محادثة مع الصحفي الفرنسي المخضرم المشهور مدير قناة " SUD RADIO، بالإجابة عن تساؤل الصحفي عن الأسباب الغير المعلنة حول هذه الحرب، فيجيبه الكاتب -بطريقة سقراطية"سائلا أياه بدوره: "أولا: ما هي خصوصيات هذا الصراع الروسي الأكراني الذي يجعله مميزا، بحيث يستدعي إستنفار الغرب بأكمله منذ إطلاق الروس للرصاصة الأولي على أكرانيا؟ جارا معه العالم كله إلى إحتمال إشعال حرب نووييه لا تبقي ولاتدر؟ثم يحترق العالم من أجل أوكرانيا؟حيث أضاف موضحا للصحفي ، مبتسما ولكن بلهجة ساخرة، حيث نعيش اليوم حربا جهنمية قذرة على اليمن-كأقدم حضارة عربية في الشرق الأوسط ولأعرق شعب في تاريخ المنطقة؟حيث يطحن فيها الغرب مع " أصدقائه العرب الديموقراطيين جدا" شعبا مسالمافقيرا؟وما زلنا نعاين من نتائج حملات الناتو في العراق وليبيا وسوريا !فما هو الفرق ياتر؟-يتساءل الكاتب !

-ثم هل فعليا بوتين هو الذي بدأ الهجوم العسكري المفاجئ !علما بأن الأمريكيين كانواعلى علم بأنه لم يكن كذلك ، ولا يوجد أي دليل على ذلك سوى ما يبثه الإعلام العالمي (ثم يدلي الكاتب بالوثائق الموثقة –أوروبيا وأمريكيا- كيف تم التدليس في القضية، حيث تلقي زيلنسكي الأوامرمن بايدن بالهجوم على دونباس في شهر فيفريي من عام 2021 وتلى ذلك إستفزازات للإقليم المنفصل عن حكومة كييف بقتل المواطنين الروسيين فيها، ومع ذلك يرد بوتين الرد على تلك الإستفزازات التي صمت عنها الإعلام الغربي- التي لم تكن سوى استكمالا لخطة وضعها فريق أوباما في عام 2014. وما تلى ذلك من نقض غربي لإتفاقيتي: مينسك1 و2

وهل سعى بوتين إلى منع أوكرانيا من الارتباط بالمجموعة الأوروبية؟-( التي هي تاريخيا "مؤسسة أمريكية" بل مجرد ولاية لها منذ 1945)؟

- هل يسعى بوتين لإعادة تشكيل الاتحاد السوفياتي السابق على شكل صيغة ليبرالية جديدة مرنة معدلة لصالح بديلة للروس ولأوروبا، في مواجهة النيولبراية الإحتكارية الإستغلالية التي تقودها النخبة العولمية الأمريكية ؟

لماذا وعد الناتو غورباتشوف بعدم التوسع شرقًا بعد عام 1990؟ولماذا خالف الغرب إلتزامته مع الروس بطريقة هي أشبه بطرق مافيات شيكاغو ؟وماذا حدث بعد ذلك؟

- لماذا يستخدم الإعلام الغربي عبارات الاحتلال الروسي والغزوالروسي ولا يستعمل الإعلام الغربي عبارة " العملية العسكرية الروسية"؟ ولا يتحدث عن ممهدات الحرب التي جرت ما بين 1990 حتى عام 2014 وفي عامي 2017 و 2021؟

ما هي المؤامرة التي قامت بها إدارة بايدن بتحريك الرئيس الأوكراني؟ والرمي بالأكرانيين والأوربيين في حروب ليست حربهم من أجل إنقاذ "الأوليغارشية العولمية؟

ولماذا قررزيلينسكي في اليوم الثاني للهجوم على التفاوض مع بوتين، ومنعته المجموعة الأوروبية مقررة -محل زيلينسكي- التعهد والإلتزام بإرسال الأسلحة. لكي يحارب بدلا عن "مجموعة بروكسيل" ولماذا؟.

لماذا كلما اشتدت وثيرة الحرب كلما تصلب زيلينسكي في مواقفه في حين يتصل سريا مع دول من أجل التفاوض؟

ولماذا تجرأ زيلينسكي على مطالبة مجلس الأمن الدولي بطرد روسيا من عضويته؟-وقد حدث الطرد فعليا-في حادثة غيرمسبوقة في تاريخ المنظمات الدولية، - ؟ 

الكتاب حافل بإجابات حول تعقيدات (الجيو-سياسية) الغربية والدولية الحالية، إستنادا إلى ملفات أجهزة المخابرات والتقاريرالرسمية الأوروبية والأمريكية، يستعرض فيها الكاتب هكذا توالي أحداث التاريخ الحديث لروسيا منذ الحرب الباردة التي أدت إلى الحرب الحالية مع أوكرانيا . كما يبين الكاتب الأخطاء الغربية القاتلة في شأن التعامل مع الملفات الدولية، فيحلل عبرها الخلافات المختلفة بين الغرب وروسيا كما يحلل" أنثروبولوجيا" المقاربات السياسية الغربية "اللاعقلانية" للأزمات الدولية: (حيث"ينتقي"الغرب مسبقا دائما الدول المارقة -أوالفاشلة- حسب تعبيرأوباما-التي يستلزم ضربها، ثم يبحث عن مسوغات ملفقة لتبرير الضربة)

 - يلقي الكتاب الضوء على الدورالذي يلعبه بوتين اليوم على الساحة الدولية. مما يسهل على القراء المهتمين والباحثين المتخصصين في الجيو-سياسة، فهم الأوراق الخفية وراء إتخاذ قرارت السلم والحرب، من أجل الوصول إلى الفهم المتوازن لأهم الأحداث السياسية التي سكت عنها الإعلام الغربي، والتي زيفها وضلل في معظمها وفبرك الكثير منها . (وبالمناسبة لم يسردالكاتب أية وثيقة روسية، أو إعتمد على مرجع وثائقي روسي لكي لا يتهم بالعمالة لبوتين)

- يشرح "جاك بود"، كيف نجح الرئيس الروسي في طرد الأوروبيين من حيز حواراته مع الغرب، وقزمهم إلى حجمهم الطبيعي كمجرد وكلاء ووسطاء لدي واشنطن ، فيقررإجراء حوارات مباشرة مع الولايات المتحدة. بدل الوسطاء الأوروبيين.

-شرح الكاتب -بأدلة موثقة -مدى عقم وغباء العقوبات الإقتصادية الغربية على موسكو التي ستُرَكًعُ الغربَ نفسه في النهاية. وفسر كيف سيزداد شبح الاعتماد الأوربي على روسيا للغاز الطبيعي، وهي مكرهة على ذلك ، وخاصة فيما إذا لم يتمكن الأوروبيون من إيجاد بدائل سريعة قبل قدوم شتاء العام المقبل.

وبالنسبة للصين شرح الكاتب كيف دفعت العقوبات المفروضة على روسيا إلى المسارعة في تفعيل مشروع "العالم الجديد" الذي أصل له أليكساندر دوغان Alexandre Douguine المربي الروحي لبوتين والمستلهم له في سياساته الخارجية. كرؤية (فلسفية ، وسوسيو-ثقافية) جديدة للعالم الجديد الذي ستقتل "الدولارالإله" (وفصل في هذا الجانب بالوثائق الموثقة)

- شرح الكاتب، لا جدوى الهسترة الأمريكية القائمة حاليا سواء من خلال التهريج بالمزيد للعقوبات الإقتصادية أو أوالتلويح بتدميرموسكوبالنووي، وهي فكرة مثيرة لضحك الكاتب لخبرته الميدانية داخل الناتو لحوالي 30سنة لمعرفته بدهاليزوكواليس المنظمة.

شرح الكاتب، عبثية مهاجمة الغرببين لسياسات بوتين الداخلية وتشجيع المعارضين السياسيين، والتركيزعلى " ضمان"حقوق المثليين والمتحولين جنسيا"– الجانب الأهم والأعز لدي النيولبراليين-الذين هم الطابور الغربي الفاعل وحضان طروادة الغربي داخل" الدول المارقة "(وهي غالبا الدول الشرقية التي لا تتقاسم بالضرورة بعض القيم الغربية الصادمة للأعراف الروحية ، والأخلاقيات التي تتنافي مع بعض القيم التي يريد الغرب دائما فرضها بقوة السلاح والتدمير. حيث ساهم الغرب-من هذه الناحية-بغباء في إحياء القومية والروحية الروسية لصالح بوتين إلى حد كبير.

- وضح الكاتب عقم وسائل الإعلام التي تتلاعب بالحقائق للترويج للأخبارالمزيفة، حيث يستمد بوتين قوته من أكاذيب الغرب التاريخية المتكررة منذ القرن التاسع عشر. مما يعقد الحياة الآمنة على هذا الكوكب منذ عبثية الحرب الكبرى الأولى. حيث يرفض الغرب دوما التمسك بالحقائق الميدانية على الأرض، المبنية على ملفات أجهزة المخابرات والتقارير الرسمية الموثقة مما يضطر غالبية ساسة الغرب على ممارسة سياساتهم العنيفة الفانتازمية "المشخصنة"

 التعليق على الكتاب:

 يمكننا أن نستخلص من هذا الكتاب وضوح الحدث الأوكراني، من وجهة نظرخبيرميداني كعميل مخابراتي دولي ومستشارجيوسياسي سابق للناتو: إذ يبدو أن الغرب خلق وضعًا دوليا (جيو-سياسيا) غيرمتكافئ لكنه يعمل لصالح روسيا ، ويعززقوتها الجيوسياسية والاقتصادية أيضًا في العالم. لأن روسيا من دول مجموعة العشرين الوحيدة التي لديها أدنى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

- ومن حيث الرؤية الغربية لروسيا اليوم، فقد ظل تصورالغرب للروس محبوسا ورهينة للبروباغاندا الغربية لعقود، تلك البروباغاندا -كون الروس شريرين- التي تجذرت أساسا في الحرب الباردة . -حيث أن الكثير من المحللين الأوروبين-وخاصة الأمريكيين-ما يزالون يعالجون الإشكالية الروسية بعقلية التصورالأمريكي الذي كان يدود عن" العالم الحر"للقضاء على الشيوعيين أعداء الله والبشرية. ومنه يسلط المؤلف الضوء على وجهة النظرالتدليسية والمخادعة لدي الغربيين فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان من خلال التسامح مع "أصدقائنا ولوكانوا ديكتاتوريين"، واستخدامهم كسلاح ضد "أعدائنا". و يعني بذلك: التآلف الغربي الحميمي الذي تتقاطع فيه مصالح الدول الغربية "المتعلمنة -الحداثية-الديموقراطية"مع مصالح دول عربية، تنَظًرللسلفيات المتطرفة- المفرخة" للتطرف الإسلامي في مدارسها وجامعاتها

ومن ناحيتنا نحن كعرب ومسلمين: لماذا عمد زيلينسكي في غير مناسبة إلى التأكيد على معاني الدلالات "السيمانتيكية" ليهودية الدولة الأكرانية، بل أنه شبهها ب" إسرائيل الكبري"، وشبه ما يجري في الساحة الأكرانية ب" الهولوكوست " الروسي. !!!أمن أجل إستدرارعطف العالم الغربي الذي يعاني م " العقدة اليهودية"؟ أم من أجل إبتزاز يهود العالم -ماديا ومعنويا- ؟ أم من أجل إستجلاب رؤوس الأموال المصرفية الخزرية وخاصة بنك روتشيلد الذي طرده بوتين من روسيا؟ أم أنه يستدير على الكيان العبري لينتقم من بينيت الذي لم " يسوق له" كثيرا ؟ أم أنه يذكرنا -تاريخيا- بأن في ثلاثينات القرن الماضي أثرت الولايات المتحدة بسبب الحرب العالمية الأولي عندما قام أثرياء اليهود الأوربيين بتهريب الأموال الطائلة إلى أمريكا مما خلق لنا ما يسمى ب"Paxe Americana حيث أضحت الولايات المتحدة تمتلك حوالي 60% من رصيد العالم كله ؟أما أن وراء الأكمة ما وراءها وما خفي أعظم؟

 المهم ، فعلى ضوء معلومات هذا الكتاب الكثيرة الغنية الموثقة بشأن هذه " الأزمة الأوكرانية"التي يبدوأنها مُختلقة أمريكيا من ألفها إلى يائها ، لنصل عن طريق إيجاد توليفة نهائية ما بين الطروحات ونقيضها أن: "الغرب يستغل أوكرانيا في مواجهة بوتين"-مهما كلف ذلك من الأثمان: تدميرموسكو بالقنابل، أوتدميرروسيا من الداخل عبر"ثوارت ملونة داخلية" أوأغتيال بوتين. (لأن الغرب لم يعرف منهج الحوارطيلة وجوده).

كما نستخلص أيضا من الكتاب ، أن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي ، أوتي به من قعر" الثلاجة المغلقة" -التي شرحتها جيدا في كتابي "ربيع المغفلين" والذي يتم الإشادة به–"كمفيد غبي" بدون سبب حقيقي، سوى أنه "بطل قومي أكراني"و"يهودي مضطهد" مقاوم للهولوكست الروسي"الذي سيجتاح كل أوروبا ، بل ويبدو في المشهد السياسي العالمي ك"سيد الكون"، يعطي الأوامر-عبر"السكايب"-لمجالس البرلمانات الأوروربية والكونغرس الأمريكي وحتى مجلس الأمن الدولي. وكأنه يقول لنظرائه في الأراضي المحتلة: " تعلموا من يامغفلين فأنتم ضعفاء وحمائم مع الفلسطيننن"

 وللتذكير فإن الكاتب يعرف زيلينسكي جيدا يوم أن كان مجرد ممثل فاشل يسعى نحو النجومية فأعطته إياها وشنطن، فقدت تم إرسال مؤلف هذا الكتاب: جاك بود إلى أوكرانيا في عام 2014 ، في مشروعها للانضمام إلى الناتو. وعاش كل حيثيات النزاع" الروسي/ الاكراني" منذ البداية، بحيث إنه ينظر- في كتابه - إلى الوراء بأمانة وبصيرة مدققا في الخطوات التي أدت تدريجياً إلى صراع عانى منه الشعب الأوكراني عندما كان من الممكن تجنبه في مناسبات عديدة.

لقد قدم لنا "جاك بود" في كتابه تحليلًا دقيقًا وعميقا للاستراتيجية العسكرية التي اتبعها فلاديمير بوتين منذ دخوله معترك السياسة. ومنذ أن دخل الجيش الروسي في أوكرانيا ليهزم العناصر التي تكررها جوقة وسائل الإعلام التي أعمتها الدعاية الغربية، التي تبذرفسلات الحروب الهمجية وتقتل الضحايا بإسم " نشر الحريات وجلب الديموقراطيات. " حيث يشرح لنا جاك بود بطريقة موضوعية باردة ونزيهة، مصالح كل طرف أوروبي في اللعبة المزدوجة التي اقترضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، التي تتلاعب بأوكرانيا وشعبها من خلال وعود كاذبة وأماني لن تحصل عليها أبدا من الغرب الذي ما تبث تاريخيا أنه أنجز وعدا قطعه على نفسه..

كل ما نعلمه اليوم في الغرب، أن الرغبة الأكيدة للبيت الأبيض في مقاتلة الروس حتى آخرفرد أوكراني، وأوروبي. لذلك لم يتبق أمام الشعوب الغربية من خيارات سوى:

1- سياسة التخلص من السكان عبرالجائحات المفبركة ولقاحات "بيل غيت"

2- مسارعة الحكومات الغربية لإقامة أنظمة شمولية سياسية تحول المجتمع الأوروبي إلى معسكر إعتقال رقمي.

3- .. الانهيار الاقتصادي والنقدي المستقبلي الغربي ونهاية الدولار، بسبب سياسة طباعة النقود التي تم تطبيقها على مدى السنوات العشر الماضية

4- أزمة طاقة ناجمة عن سياسة العقوبات الانتحارية ضد روسيا والصين وإيران وكوبا وفانزويلا والتي ستؤدي إلى تسريع وتعميق النهاية الأكيدة لهيمنة الحضارة الغربية.

5- الهجرات المستقبلية غيرالمنضبطة من الدول المتضررة في الدول الفقيرة التي تعاني من الجوع والبطالة. (هذه الظاهرة الغالية التي تفرح كلا من " جورج سوروس"ورفيقيه "بيل غيت، و" كلاوس شواب " Klaus Schwab,، مؤسس منتدى دافوس: صاحب مشروع "إعادة الهيكلة العظيمة الكونية؟" بعد نهاية الكوفيد19 ، الذي قال للشعوب في عام 2020: ". لن تمتلكوا شيئًا، ولا حتى حقوقكم الأبوية لأطفالكم ، وستكونون سعداء بذلك"- فتأملوا وفكروا !! (وبالمناسبة فقد طرد"مالك العالم "كلاوس هذا، بوتين من منتداه الدولي الاقتصادي)

6- الإحتمال القوي لحدوث اضطرابات مدنية خطيرة في الغرب: أعمال شغب، ولصوصية واسعة النطاق

7- نشوب حروب إقليمية أوروبية وخارج أوروبا كانت مهيئة مسبقا ولكنها كانت ثاوية تحت الرماد

 وفي النهاية:

فإن الإعلام الغربي الذي يفبرك الأخباركل دقيقة، ويشيع بين البشربأن بوتين قد إنتهي، وأ، عهده ولى، لنلاحظ أن زيلينسكي يائس إذ يخطط لمستقبله بعد خروجه من المشهد السياسي الفاشل الذي أقحم فيه ، ليجني ثمرات تمثيلياته " الهوليودية" على هيئة كسب الملايين من الدولارات حيث يتفاوض في الأيام الأخيرة مع Netflix (الشركة الأمريكية العولمية المتعددة الجنسيات المتخصصة في توزيع واستغلال الأعمال السينمائية والتلفزيوني زيلنسكي محبط ، وبايدن يائس، والمجموعة الأووربية تتخبط !(حتى أنه تم أخيرا المناداة على" المنقد أوباما" في مشهد مخزي لبايدن الذي أذله أوباما وظهرالفريق الديموقراطي وكأنه في جنازة ينعى بايدن الذي مرغ سمعة الحزب في التراب والباقي سيأتي)

 نعم. لقد وصل العالم بقيادة هذا الغرب لقرون إلى المرحلة التي يستطيع فيها الكذابون الاعتراف بأنهم يكذبون دون التشكيك في أكاذيبهم. إنه تتويج لعقود من "تأهيل"السياسيين الذين يفضلون الإيمان بكذبة مَرَضِية على الإيمان بحقيقة غير سارة.

وإنه لمن دواعي الأسى، أن تظل شعوب مدجنة لا تعترف بأنها مستنعجة ، ولا ترى أنه يحكمها المنحرفون والفاسدون وغيرالأكفاء، وأنها لا تفعل شيئًا للتخلص منهم. وبالتالي فإن الشعوب المغلوبة على أمرها تعوض عدم قدرتها على التفكيرالنقدي الصارم وعدم إستطاعتها منافحة الظالمين، بأن تستمرفي وضع مصائرها كقرابين بين أيدي هؤلاء القادة غيرالمستحقين المستبدين.

***

د. الطيب بيتي

لقد نقلتُ لكم في سابقة ما كتبه الوردي في كتابه/ الاحلام بين العلم والعقيدة/1959 عن كيفية "مُداراته" للأمور في المرحلة/ الفترة الملكية وفق طريقته في الطرح والكتابة أي طريقة: (دس السم الذي ليس له طعم ولا تأثير بالعسل) كما وصفها.

وهو حينها لم يكن مُعَّرَضْ لا لسؤال ولا مطلوب منه جواب وحتى لو طُرِحَ عليه سؤال عرضي بصياغة محترمة أو حتى بصياغة غير محترمة. وحتى لو كان هناك اعتراض او امتعاض على/من بعض طروحاته كان يتم بالكلام الهادئ من السلطات وغيرها وبالعلن وليس بالاتهام او التهديد او السجن او المسدس. فكيف يتخيل المرء تصرف الراحل الوردي في زمن كان السؤال والجواب فيه يخرج من فوهة المسدس فقط وصاحب الحظ من الكُتاب يُطرح عليه ذلك السؤال في الأقبية مظلمة والحالات لا تُعد ولا تُحصى وغير المعروفة منها اكثر من التي خرجت للعلن. السلطات وبالذات بعد 1975 كانت تُحاسب على جملة او مقطع لا تعجبها/يعجبها في كتاب فكيف مع محاضرات وطروحات الوردي التي تزعجها كما يزعم كاتب السيرة. 

كما قرأت كان الراحل الوردي يُدعى لمحاضرات وندوات وتُجرى معه تحقيقات صحفية في الداخل والخارج وكان يسافر خارج العراق بدعوات رسمية وشخصية لحضور منتديات ومهرجانات واجتماعات خلال فترة صدور قانون ""السلامة الفكرية"" وبعد صدوره وبالمقابل كان هناك المئات من الأساتذة والمثقفين والادباء ممنوعين من السفر او مغيبين في دوائر الحكومة السرية..

اليكم ما ورد في كتاب مئة عام مع الوردي فيما يخص طروحات الراحل الوردي حيث ذكر السيد محمد عيسى الخاقاني مؤلف الكتاب وهو من الملازمين للراحل الوردي بشكل جعل من عشرة أعوام مع الوردي تعادل مئة عام سمى بها كتابه، حيث كتب في ص132 التالي انقله حرفيا لتعرفوا كيف ان الوردي كان حراً فيما يريد طرحه حسب اقرب المقربين اليه والمتابعين له والمسجلين عليه أنفاسه وهمساته بحضورهم معه او بغيابهم عنه...حيث كتب التالي ويؤيده في ذلك مقرب اخر لصيق للوردي هو سلام الشماع: (انتبهوا لطفاً لاقتباسات السيد الخاقاني من سلام الشماع).

اليكم ما ورد: [كانت صدمة صدام بالشعب العراقي كبيرة جدا لذلك تذكر الوردي الذي يقول ان الشعب العراقي لا يعطي ولاءه للحاكم فطلب من خالد عبد المنعم رشيد (امين بغداد) آنذاك ترتيب محاضرة للوردي كما اخبرنا سلام الشماع عن خالد عبد المنعم رشيد، يقول سلام الشماع عن هذه المحاضرة التي اسماها قنبلة الوردي الانتحارية في لقاء صحفي[ محاضرة الوردي الصاعقة بعد احداث عام 1991 والتي إصابة محبيه بالرعب وسميناها قنبلة الوردي الانتحارية؟! نعم كانت اشبه بالكارثة وقد كنت شاهدا على تفصيلاتها الخطيرة وحاضرا في القاعة التي القى فيها المحاضرة وحضرها عدد كبير من مريدي الوردي مثل الدكتور عبد الأمير الورد ومحمد الخاقاني...القى الوردي هذه المحاضرة أواخر شهر اذار عام 1991 في منتدى امانة بغداد وكان المنتدى يعقد جلساته عادة في قاعة تقع في الطابق الثاني من بناية المتحف البغدادي ولكن القاعة ضاقت بالحاضرين الذين وقفوا على السلالم بل حتى في الشوارع المجاورة فأوعز امين بغداد يومها وكان المرحوم (خالد عبد المنعم رشيد) بنقل المحاضر والحاضرين بحافلات كبيرة الى القاعة الكبرى في مبنى امانة بغداد التي ضاقت هي الأخرى بالحاضرين على الرغم من اتساعها وقد كانت هذه المحاضرة حدثا مهما في تلك الأيام لتزامنها مع انتهاء حرب الخليج الثانية وما اعقبها من احداث في محافظات العراق حيث عد بعضهم حوادث السلب والنهب والعنف تأكيداً لنظريات الوردي وتحليلاته حول تأثير البداوة في شخصية العراقي وفي تلك المحاضرة اعلن الوردي بنحو هادئ غضبه على الطريقة التي تعامل فيها النظام مع ما سمي وقتها ب (الغوغاء) او (صفحة الغدر والخيانة)، واضيف على الاستاذ سلام ما تسميها المعارضة بالانتفاضة الشعبانية المباركة. ومن الطريف الذي يجدر ذكره هنا هو ان امين بغداد تقدم الى المنصة ووضع جهاز تسجيل امام الوردي وعندما سأله الوردي عن سبب تسجيل المحاضرة قال له امين بغداد: ان السيد الرئيس صدام حسين يريد الاستماع اليها وهنا تحول الوردي الى انتقادات حادة وصريحة ليسمعها الرئيس وقال فيما قال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة فما معنى ان تستحدثوا مثلاً شرطة اخلاق بالله عليكم هل لدى الشرطة اخلاق اصلاً؟ فاذا كنتم قد ضللتم الطريق فتعالوا الينا لندلكم على الطريق الصحيح لحكم الشعب ثم قال بالحرف الواحد:" لا تليق بهذا الشعب ال(...) إلا مثل هذه الحكومة ال(...) وكانت الاوصاف التي تركتها فارغة بين قوسين قاسية جداً وشديدة الجرأة وعندما رأى الوردي علامات الغضب على وجه امين بغداد قال الوردي مبرراً: "هذا ليس قولي انما هو قول النبي (محمد) الذي يقول:" كيفما تكونوا يولّ عليكم" والواقع ان هذا الكلام كان له وقع في نفوس الحاضرين لحساسية الظرف العام الذي كانت تمر به البلاد بعد انسحابها من الكويت وعدم قدرتها على مجابهة أمريكا والدول المتحالفة معها. فضلا عن الاحداث العاصفة التي مرت بعد الانسحاب من شمال العراق ووسطه وجنوبه وعلى الرغم من خطورة هذا الا انه كان اخلاصا من الوردي لمنهجه ومبادئه ولمجتمعه وهي جرأة هائلة يحسد عليها في الوقت الذي صمت فيه الجميع بل بدا الكثيرون بالمجاملة على حساب مبادئهم]] الى هنا انتهى النقل عن سلام الشماع كما قال الخاقاني.

ويستمر السيد الخاقاني في هذه الرواية ليقول: في ص134 [ لم ارتعب من المحاضرة او اسلوبها الذي نقله سلام الشماع فقد استشهد الوردي بمثل عراقي معروف: "تلوك هيجي رقعة على هيج بابوج" والذي تَحَّرَجَ سلام الشماع من ذكرها وقال انها قاسية جدا ومعنى المثل العراقي هو: "يليق هذا الرتق بهذا الحذاء" مشبها العراق بالحذاء والحكومة بالرتق المناسب لهذا الحذاء ويجب ان يعذر الوردي على هذا الوصف فقد أخطأت الحكومة العراقية أخطاء جسيمة في فترة زمنية قصيرة...الخ حيث للحديث بقية]انتهى

*تعليق: ورد ذكر هذه المحاضرة مرتين في كتاب سلام الشماع من وحي الثمانين في متن ص52/53 وفي هامش ص52المرة الأولى هي ما كتبه الدكتور عبد الأمير الورد حيث كتب التالي: [ثم كانت له محاضرة اقامتها امانة بغداد واحدثت دويا كبيرا ولم اوفق الى حضورها ولكنها اصطدمت بوضوح مع قيم حزب البعث العربي الاشتراكي واستطاع الوردي بلباقته وهدوئه وتأثيره ان ينتصر في موقفه] انتهى

اما المرة الثانية فهي التي وردت في هامش ص52 كتبها مؤلف الكتاب سلام الشماع وهي نفس الرواية التي نقلها لنا السيد الخاقاني في كتابه مئة عام مع الوردي كما ورد أعلاه.

الغريب ان السيد الخاقاني ذكر ان سلام الشماع كتب: [وقد كنتُ شاهدا على تفصيلاتها الخطيرة وحاضرا في القاعة التي القى فيها المحاضرة وحضرها عدد كبير من مريدي الوردي مثل الدكتور عبد الأمير الورد ومحمد الخاقاني] انتهى

في حين ان الدكتور عبد الأمير الورد في تقديمه لكتاب سلام الشماع من وحي الثمانين كتب: [ولم اوفق الى حضورها] وكذلك لم يتطرق سلام الشماع الى حضور الدكتور عبد الأمير الورد!!!أيُ الثلاثة نُصَّدِقْ؟؟ شخصياً لا اُصدق الثلاثة لأنهم نقلوابعدم دقة او بمبالغة عن بعضهم.

ويمكن للقارئ الكريم ملاحظة كيف يختلف الحال حول موضوع واحد من قبل من يتصورون انهم يمتدحون الوردي والسبب كما أتصور هو الرغبة في التقديس والتعظيم...فهذه القصة بهذه التفاصيل والكلمات قد تكون مقبولة عند من لم يعش تلك المرحلة في العراق وبالذات من القراء غير العراقيين لكني أتصور ان قبولها صعب عند من يعرف حال الوضع في العراق وقتها وقبلها وبعدها... والأغرب انها تنفي موضوع مضايقة الوردي او انها تدل على ان الوردي لم يكن مضايق وهذا ينفي قول ورأي كاتب السيرة الوردية وأقوال الثلاثة وكل من تطرق الى هذا الموضوع.

استغرب ان يستعير او يقتبس السيد محمد عيسى الخاقاني الذي كان حاضر تلك الندوة من تصريح صحفي لكاتب اخر كان حاضر معه نفس الندوة وهو صديق له وملازم للراحل الوردي كما هو واقصد هنا سلام الشماع...ألم يشاهد السيد الخاقاني كيف وضع خالد عبد المنعم رشيد جهاز التسجيل كما نقل ذلك سلام الشماع؟ ألم يسمع سؤال الوردي وجواب خالد عبد المنعم رشيد وكانت المحاضرة قائمة والميكرفونات مفتوحة؟

كما أتصور ان كل كلمة في هذه الرواية كانت كافية أو تؤدي الى قطع الاعناق والارزاق ليس للوردي فقط انما للكثير من الحضور وكان يمكن ان يتم ذلك من داخل القاعة نفسها وربما من أمين بغداد نفسه حيث ان لم يفعل ذلك سيكون اول من يُقطع راسه بيد صدام لأنه توانى في قطع راس علي الوردي والحضور وهولا يحتاج الى موافقات من صدام... ولو فعلها لحصل على أعلى تكريم من صدام على فعلته "الشجاعة" تلك و"حبه للقائد الرمز" وامامنا ما جرى في قاعات أخرى وندوات اخرى...ثم ان الراوي يذكر ان الراحل الوردي تكلم عن "شرطة الأخلاق" وهي حالة حصلت قبل المحاضرة بما يقرب من (18) عام وتناولها النقد والتقريع واُلغيت في وقتها فكيف حشرها الوردي هنا...وهل يعقل احد وقتها او اليوم وحتى الوردي نفسه ان من هيأ القاعة لم يفكر بتسجيل المحاضرة؟ على الأقل لتكون ضمن الأرشيف او حتى تتم العودة اليها عند الحاجة، حتى يقوم امين بغداد بوضع جهاز تسجيل بنفسه دون ان يكلف المهتم بأمور ترتيب المحاضرة وتشغيل الأجهزة...وهل كانت هذه المحاضرة بعيدة عن عيون أجهزة الامن والمخابرات العراقية وأجهزة تسجيلها في تلك الساعات والأيام الصعبة حتى يقوم خالد عبد المنعم رشيد امين العاصمة شخصياً بوضع جهاز التسجيل ويُبلِغ الوردي بأن الرئيس يريد الاستماع اليها؟؟؟

هذه الروايات يتوقع ناشريها بهذه الصيغة انها تنفع الوردي ولكنها كما أتصور ركيكة ومبالغ فيها وهي تسيء للراحل الوردي وتحط من موقعه وقدره.

2 ـ ورد في نفس المقطع: [مات منسياً في شهر تموز عام 1995 بسبب المرض رغم العلاج الذي تلقاه في المستشفيات الأردنية وقد أقيم له تشييع محتشم غاب عنه المسؤولون وجازف بحضوره من حضر من المشيِّعين] انتهى

*تعليق: اليكم ما كتبه السيد محمد عيسى الخاقاني في ص87 من كتابه مئة عام مع الوردي التالي تحت عنوان فرعي هو: وفاته/ مظاهرة جماهيرية في تشييع جنازته انقله نصاً:

[في الثالث عشر من تموز يوليو وفي صباح يوم حار وجاف من عام 1955 اتصل الناعي ليبلغنا بموت الدكتور علي الوردي العظيم ويطلب منا الحضور الى منزله. تجمعنا امام بيت الوردي في الاعظمية وكلنا كان يترقب هذا الحدث الجلل ولكننا لم نكن نصدقه... قام المرحوم الأستاذ شامل الشمري بقطع ثمرة نارنج من احدى أشجار بيوت الجيران وقطعها الى نصفين ومسح بهما بقوة على اسم علي الوردي المنقوش على قطعه فلزية في الجهة اليسرى من باب البيت حتى أصبحت القطعة تلمع باسمه ثم بكى الشمري وقال: كان الوردي يلمع طول حياته ...حملوا جثمان الوردي من البيت الى مغتسل الكاظمية بالسيارات وهناك كان الخبر قد انتشر بين الناس. دخلتُ مع الوردي الى المغتسل لم يكن، الموت او المرض قد غير في معالمه كثيرا. ثم بعد المغتسل تم تشييع الوردي الى الحضرة الكاظمية ليصلى عليه. في هذه البرهة الزمنية البسيطة حيث كانت الاستعدادات تجري لحمل النعش على السيارات، قررتُ قراراً شخصياً وطلبتُ من الأحبة تنفيذه وهو ان نحمل الوردي على اكتافنا الى الحضرة الكاظمية ليصلى عليه وكان لي ما اردت دخلنا بجنازة الوردي الى سوق الكاظمية الكبير وكان فوزي الخطاط قد انتهى من تجهيز قطعة القماش التي تحمل اسم الراحل العظيم وقد اثار ذلك الاسم الناس فترك اغلبهم أعمالهم وشاركنا التشييع.

كانت مظاهرة جماهيرية صامته في زمن يمنع فيه التجمع لأكثر من شخص لكننا كنا نردد لا إله الا الله محمد رسول الله والوردي محمول على عرشه فوق الرؤوس. دخلنا الحضرة الكاظمية المقدسة ووقف المرحوم السيد الحسني الحيدري الذي توفاه الله عام 2013 وقف مصليا على جثمان الوردي. كانت الأجواء في خارج الحضرة قد تشنجت جراء مظاهرتنا الغير مرخصه من قبل الامن والتي كانت أقرب ما تكون الى التحدي منها الى تشييع جنازة وما ان انتهت الصلاة حتى حملنا الوردي على اكتافنا وتوجهنا به الى جامع براثا لنواريه الثرى ولكن حدث مالم يكن بالحسبان حيث أمرني العلامة حسين علي محفوظ بإحضار السيارات وحمل النعش عليها وهو يدري ان امره هذا لا يمكن ان يرد ونفذنا الامر بعد ان سرنا بالجنازة الى اول شارع المفيد قرب مبنى المدرسة الإيرانية القديمة حيث تقف السيارات] انتهى

ثم يُكمل السيد الخاقاني في ص90 بالتالي: [أقيمت الفاتحة لثلاثة أيام في حسينية ال الصدر/حسينية الامام الكاظم وشارك طارق عزيز وحامد يوسف حمادي في مراسيم الفاتحة بصفتهم الشخصية واقام اتحاد الادباء والكتاب العراقيين اربعينية للدكتور الوردي تحدث فيها الدكتور بدرخان السندي والدكتور حارث عبد الحميد حسن والأستاذ مؤيد عبد القادر والقى الشاعر علي جليل الوردي قصيدة والقى محمد الخاقاني كلمة مجلس الخاقاني الذي اسسه الوردي] انتهى

أما ما كتبه سلام الشماع عن موضوع التشييع فهو التالي:[ فقد جرى للوردي تشييع مهيب في مدينة الكاظمية إلى مثواه الأخير في جامع براثا حضره الشاعر حميد سعيد وكيل وزارة الإعلام، في حينه، وعدد من المديرين العامين في الوزارة ومسؤولون محليون وعدد كبير من أبناء الكاظمية وبغداد كرخها ورصافتها، حتى أن الراحل العلامة الدكتور حسين علي محفوظ أعلن أمامنا في مجلس الخاقاني في الكاظمية أنه تمنى أن يحظى بتشييع كالذي حظي به الوردي].

لا اعرف كيف عرف السيد الخاقاني ان حضور طارق عزيز وحامد يوسف حمادي كان شخصياً؟ هل اخبروا الحضور بذلك؟ هل رفعوا لافته تقول ان حضورهم شخصي وليس رسمي؟ وفي كل الأحوال فأن حضور يدل على ان لا موانع امام الحضور والا لم يقدما على ذلك...وقد أشار سلام الشماع الى حضور حميد سعيد وغيره من موظفي وزارة الاعلام ولم يُشِرْ الى ذلك السيد الخاقاني...

هذا يعني ان الراحل حضي بتشييع مناسب في وقت حساس وصعب وفي وضع خطير ودقيق ...ولا أقول اكثر من انه تشييع عادي كما حال أي تشييع فكل الجنائز ترفع على الاكتاف وتدخل الحضرة ويُصلى عليها ويمكن كان تشييع الوردي اعظم من تشييع بعض مسؤولي النظام فلماذا هذا الاهتمام بموضوع التشييع؟ كم أستاذ جامعي توفي او كم عالم عراقي توفي ولم يذكره أحد في تشييعه ولا في جلس فاتحته وهم ربما بمنزلة علمية واجتماعية اكبر من الوردي؟ لماذا هذا البحث المريض عن مثل هذه الأمور التي لا تقدم ولا تؤخر؟؟؟؟

ثانياً: ابن خلدون الذي "اقتفاه" الوردي ص(29 ـ 34) لم يُذكر أسم الكاتب ولكن يبدو من الهامش انه مأخوذ من: معجم عمارة الشعوب الإسلامية/د. علي ثويني/بيت الحكمة بغداد 2006

وسأتجاوز هذا الموضوع حيث انه يتكلم عن ابن خلدون ولم يذكر فيه اسم الراحل الوردي ولا مرة واحدة وهو إعادة تعريف بابن خلدون وأعماله وظروفه وظروفها ولا اعتقد ان له علاقة بالراحل الوردي او المشروع العراقي سوى ان الوردي ذكر بن خلدون وكانت اطروحته حول ابن خلدون ولا اعتقد او أتصور ان لكل ما طرحه بن خلدون قبل قرون له علاقة بحال العراق واهل العراق وتاريخ العراق وشعب العراق والمجتمع العراقي.

ثالثاً: [علي الوردي رائد الفكر الاجتماعي التنويري في العراق] ص (35ـ 51) د. إبراهيم الحريري وهي حسب هامش الصفحة35 نص محاضرة القاها الدكتور الحيدري في مؤتمر الجمعية الطبية العراقية في المملكة المتحدة لندن13 ـ14 /8/2005 

يتبع لطفاً

***

عبد الرضا حمد جاسم 

بنبغي بادى ذي بدء أن نشير بأنه مع اندلاع حرب تشرين الأول (أكتوبر) بين العرب والإسرائيليين في عام 1973، راقب طالب أسترالي الصراع من مزرعة في مستوطنة إسرائيلية بالقرب من غزة بقلق. كل ليلة، كان يستمع إلى إذاعة بي بي سي وإذاعة صوت أمريكا حول الرحلات المكوكية التي كان يقوم بها هنري كيسنجر، كبير الدبلوماسيين الأمريكيين، من موسكو إلى القاهرة والقدس والعودة مرة أخرى في سعيه للتوسط من أجل إيقاف لإطلاق النار (1).

أصبح هذا الشاب الأسترالي، مارتن إنديك، مواطنا أمريكيا وعمل مستشارا للشرق الأوسط لبيل كلينتون، وسفير أمريكا في إسرائيل، ومبعوث باراك أوباما للإسرائيليين والفلسطينيين - مهنة عبثية تركته متشككا في إمكانية فرض الغرباء صفقات كبيرة على الشرق الأوسط، وعلى طول الطريق، بدأ إنديك يميل إلى النهج الأكثر تدرجية - رغم أنه أكثر بهرجة - الذي مارسه كيسنجر في السبعينيات. والنتيجة هي هذه الرواية الرائعة المكونة من 570 صفحة لواحدة من أكثر السجلات الدبلوماسية إثارة في التاريخ الحديث (2).

وعنوان هذه الرائعة التي بين أيدينا "سيّد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط" Master of the Game: Henry Kissinger and the Art of Middle East Diplomacy (688 صفحة) وهو للمؤلف مارتن إنديك المهاجر اليهودى الأسترالى إلى الولايات المتحدة، والقائد لجماعة الضغط اليهودية فى واشنطن «آيباك»، ثم الدبلوماسى الذى بات سفيرا للولايات المتحدة فى إسرائيل خلال إدارة بيل كلينتون، ومساعد وزير الخارجية فى عهده، ثم مؤسس مركز سابان لدراسات الشرق الأوسط فى مؤسسة بروكينجز، وممثل إدارة أوباما فى دبلوماسية الشرق الأوسط، كما تمثل لنا هذه الرائعة اسردًا رائعًا لكيفية إتقان الدبلوماسية الشخصية أن يحيد عن مهمة الدبلوماسي الحقيقية المتمثلة في إحقاق السلام (3).

كذلك في هذا الكتاب يقص علينا المؤلف مارتن إنديك تاريخًا منسوجًا جيدًا، والكتاب بكل هذا الشمول بين المؤلف والموضوع يستحق القراءة ليس فقط لما ورد فيه من معلومات، وربما الأهم تأملات وتفاسير، وإنما أيضا لما هو غائب عنه؛ والأهم كيف يفيدنا الآن. الكتاب بالضرورة يدور حول الولايات المتحدة وسياستها فى الشرق الأوسط، وبالتحديد إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال شخصية تقوم بدور البطل أو «السيد» الذى أدار التعامل مع الصراع بمهارة كما لو كان «لعبة» فيها الكثير من الذكاء والحنكة (4).

وبعد صدور الكتاب، قالت تقارير إخبارية أن كيسنجر لم يرض عن أجزاء من الكتاب وصفته بأنه «متلاعب»، خاصة في تعامله مع الدول العربية خلال «دبلوماسيته المكوكية» في أعقاب حرب عام 1973 بين إسرائيل والعرب (5).

لكن عنوان الكتاب «سيد اللعبة» يوضح أن إنديك بذل قصارى جهده لتمجيد كيسنجر، وهذه بعض فصول الكتاب: الاستراتيجية. تحقيق السيطرة. أزمة الأردن. جحيم غولدا مائير. هنري العرب. فك ارتباط سيناء. اختراق. الخطوة التي لم يتم اتخاذها. إعادة التقييم (6).

وقد صار واضحا من عناوين هذه الفصول أن الكتاب سرد سياسات وإنجازات كيسنجر في الشرق الأوسط، والتي يبدو أنها كانت الرائد لسياسات إنديك وإنجازاته عندما لعب دورًا رئيسيًا في سياسات وإنجازات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد نحو 20 عامًا منذ أن ترك كيسنجر العمل الحكومي (7).

والغريب أن كتاب إنديك ليس دفاعا عن كيسنجر فيما أجراه من دبلوماسية كانت جزءا أساسيا من عالم الحرب الباردة، ولا أكاديميا فى مدى ومعنى تطبيقه لنظريات توازن القوى والردع؛ وإنما يبدو الغرض الأساسي من الكتاب هو الدفاع عن الرجل فى مواجهة المجتمع اليهودى في الولايات المتحدة الذى يرى أن كيسنجر حرم إسرائيل من السلاح، وأنه ضغط عليها للانسحاب من أرض تستحقها، وتوقيع اتفاقيات لا تريد التوقيع عليها، وفوق ذلك فإنه علق سلبا على يهود وردت أسماؤهم في تسجيلات فضيحة ووترجيت (8).

والكتاب الذى اعتمد على السجلات الأمريكية التى وضع فيها كيسنجر كل وثائقه، وعلى ١٢ مقابلة جرت بينما كيسنجر يقترب من عامه ٩٨. وخلاصة الكتاب هى أن كيسنجر لم يكن مهتما بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وإنما الهدف كان إقامة نظام شرق أوسطى مستقر تهيمن عليه الولايات المتحدة، وقائم على قدرة إسرائيل على ردع الدول العربية مع إعطائها الوقت الكافي لكى تتغلب على هشاشة تكوينها (9).

وفي الكتاب، يحدد إنديك الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973، وردات فعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ومهمة كيسنجر التي استمرت نحو عامين بين القدس والقاهرة ودمشق. ويؤكد إنديك ما هو معروف على نطاق واسع: في حين لم يمنح كيسنجر مصر صراحة الضوء الأخضر لمهاجمة سيناء التي تحتلها إسرائيل، إلا أنه مسرور بالنتيجة. أتاحت الحرب وعواقبها للولايات المتحدة فرصة لإخراج مصر من المدار السوفياتي، حتى لو كان على إسرائيل أن تدفع الثمن (10).

وقد استخدم الكاتب أسلوباً في كتابة الكتاب يتحدث فيه عن مهمة دبلوماسية لكيسنجر في الشرق الأوسط، تليها حلقة أخيرة في المفاوضات المعاصرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ثم يقارن بين هذين الحدثين في تاريخ العلاقات الخارجية للولايات المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، مقسماً الكتاب إلى خمسة أقسام ولكل قسم عدة فصول يبلغ مجموعها 17 فصلاً، و672 صفحة، نشر برعاية مجلس العلاقات الخارجية ومقره نيويورك، ودار النشر «ألفريد أ. كنوبف»، في خريف عام 2021 (11).

كذلك في الكتاب، يحاول الكاتب أن يراعي حرب عام 1973 بين العرب وإسرائيل حتى نهايتها، وردات فعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ومهمة كيسنجر التي استمرت نحو عامين بين القدس والقاهرة ودمشق. ويؤكد إنديك ما هو معروف على نطاق واسع: في حين لم يمنح كيسنجر مصر صراحة الضوء الأخضر لمهاجمة سيناء التي تحتلها إسرائيل، إلا أنه مسرور بالنتيجة. أتاحت الحرب وعواقبها للولايات المتحدة فرصة لإخراج مصر من المدار السوفياتي، حتى لو كان على إسرائيل أن تدفع الثمن (12).

ثم يستكشف إنديك أيضًا التجاذبات المتنافسة في ما يتعلق بالولاء والدين والعرق. قال الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون للسفير السوفياتي أناتولي دوبرينين إن كيسنجر كان ميالاً إلى "الانغماس في المشاعر القومية الإسرائيلية". من ناحية أخرى، صرخ المتظاهرون الإسرائيليون خارج فندق كيسنجر ذات مرة: "يا صبي يا يهودي عد إلى المنزل". أثار تعديل جاكسون-فانيك، الذي ربط الوضع التجاري المفضل لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بأدائه في الهجرة، غضب كيسنجر (13).

وهنا يحق للقارئ التساؤل، لماذا هذه «الهالة» التي تحيط بالوزير كيسنجر ولا يزال يتردد صداها إلى يومنا هذا؟ ولماذا لم تنتهِ في حقبة السبعينات من القرن الماضي؟ للإجابة عن هذه «التساؤلات المشروعة»، كتب مارتن إنديك السفير الأميركي السابق في إسرائيل، ومساعد وزير الخارجية للرئيس بيل كلينتون لشؤون الشرق الأدنى، ومبعوث الرئيس باراك أوباما للمفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، كتاباً بعنوان: «سيد اللعبة، هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، يسرد في كتابه قصصاً عن مشاركة الدكتور هنري كيسنجر في دبلوماسية السلام في الشرق الأوسط، بصفته مستشاراً للأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون، ووزيراً للخارجية أيضاً، والذي ظل في منصبه كذلك في عهد الرئيس جيرالد فورد كوزير خارجيته (14).

وسلط الكاتب الضوء على بعض الصعوبات التي واجهها كيسنجر في التعامل مع الرئيس نيكسون، كاشفاً أن حقيقة كون كيسنجر يهودياً أعاقت رغبته رئيس للولايات المتحدة في تحسين علاقات أميركا مع الدول العربية، إذ يشير إنديك أيضاً إلى معاداة نيكسون للسامية وكيف أنه غالباً ما كان يضايق كيسنجر بشأن يهوديته في محادثاتهما الخاصة، ومع ذلك، فقد شارك الاثنان في رغبة قوية في الحفاظ على مواجهة الاتحاد السوفياتي، باعتباره توجهاً أساسياً في العلاقات الخارجية لأميركا (15).

كذلك يروي المؤلف في هذا الكتاب  كيف أن العلاقة بين هنري كيسنجر ورئيس الوزراء الإسرائيلي غولدا مائير لم تكن سهلة أيضاً، أولاً، في ربيع عام 1969 انتزع كيسنجر من مائير تعهداً بعدم الكشف علناً عن مدى تقدم البرنامج النووي الإسرائيلي، ورفض خيار حكومة الولايات المتحدة بعدم إرسال «طائرات فانتوم» العسكرية لإسرائيل، مقابل الاحتفاظ بمعلومات سرية حول أنشطتها النووية. وذلك لأن نيكسون وكيسنجر خشيا من أن السوفيات سيساعدون العرب في الحصول على قدرات نووية، وذلك لو أصدرت إسرائيل مثل هذا الإعلان. ثانياً، كرهت غولدا مائير توصيف كيسنجر لضحايا حرب إسرائيل في عام 1973، على أنه شيء مشابه لخسارة الأميركيين في الأرواح في حرب فيتنام، إذ شعرت أن ذلك كان محبطاً لإسرائيل. وأخيراً، كانت رئيس الوزراء الإسرائيلية قلقة للغاية من رغبة كيسنجر في إطالة أمد الحرب في أكتوبر 1973، لأن هذا قد يعني دخول السوفيات إلى الحرب جنباً إلى جنب مع السوريين والمصريين (16).

وهنا يجادل الكاتب، بأنه في 14 أكتوبر 1973، كتب كيسنجر رسالة إلى الملك فيصل يخبره فيها أن قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون بإنشاء قناة جوية تزود إسرائيل بالأسلحة، كان رداً على تسليح السوفيات للقوات العسكرية لمصر وسوريا، وقال وزير الداخلية آنذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، لكيسنجر إن الملك فيصل بن عبد العزيز لم يعجب من مراسلات كيسنجر، لأنه صوّر السعودية وكأنها تقف مع دعم أميركا لإسرائيل خلال الحرب، على افتراض أن واشنطن والرياض كانا في تحالف مناهض للشيوعية، وبالطبع، لم يكن هذا هو الحال (17).

ونتيجة لذلك يقول الكاتب، بدأت أصعب المواقف الدبلوماسية في حياة المخضرم هنري كيسنجر، وصناعة السلام في الشرق الأوسط مما دفعه إلى البدء في محاولات لإنهاء تكتل «منظمة أوبك»، والسياسة التي اتبعتها في تسعير النفط المرتفع أثناء وبعد اندلاع حرب أكتوبر، وقال إنديك إن الكثير من المراسلات جرت خلال تلك الفترة بين الملك فيصل بن عبد العزيز ووزير النفط السابق الدكتور أحمد زكي يماني من جهة، وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي من جهة أخرى (18).

وأفاد الكاتب في كتابه، بأن دائماً ما كان كيسنجر يناشد الاثنين لإنهاء مقاطعة النفط التي تضر بالاقتصاديات الصناعية للولايات المتحدة، والغرب إلى حد كبير، إلا أنه كانت هناك شروط قاسية على كيسنجر، ولم تجدِ محاولاته بحث منظمة أوبك على إنهاء حظرها النفطي، وفي البداية، كان حل وضع القدس أحد المطالب التي قدمتها «أوبك» لإعادة مستوى إنتاجها إلى ما قبل الحرب، كما كانت هناك مطالب بمنح الفلسطينيين حقوقهم وإجبار إسرائيل على منح الأراضي التي احتلتها (19).

ويشير إنديك إلى أن كيسنجر كان مؤمنا بأن الحفاظ على النظام في الشرق الأوسط يتطلب الحفاظ على توازن قوى مستقر، وأن هذه الفكرة جاءت في أطروحته للدكتوراة، والتى نشرت بعد ذلك في كتاب بعنوان «عالم مستعاد»، شرح فيه كيف أنتج الدبلوماسى النمساوى كليمنس فون مترنيخ ورجل الدولة الأنجلو- أيرلندى اللورد كاسلريه مائة عام من الاستقرار النسبى في أوروبا من خلال الاعتناء ببراعة بتوازن القوى، والتلاعب بمهارة بأولئك الذين حاولوا تعطيله، وأن كيسنجر قد استنتج أيضًا أن أفكار الرئيس ويلسون لتحقيق السلام ولإنهاء جميع الحروب بعد الحرب العالمية الأولى، أدت بدلاً من ذلك إلى صعود هتلر ثم غزوه لأوروبا (20).

وقد سعى كيسنجر لتطبيق هذا النهج في الشرق الأوسط، من خلال إنشاء نظام تلتزم فيه مجموعة من الدول بقواعد تستهدف تحقيق الاستقرار والابتعاد عن الفوضى، وليس بالضرورة تحقيق السلام الشامل. وفقا لكيسنجر هذا النظام لا يتطلب إرضاء جميع المظالم، ولكن «مجرد غياب المظالم التي من شأنها أن تحفز على محاولة قلب النظام»، وأن الهدف من النظام ليس القضاء على الصراع، ولكن الحد من نطاقه، أو، كما ذكر كيسنجر لإنديك بعد عقود: «لم أفكر أبدًا أنه يمكن أن تكون هناك لحظة مصالحة شاملة» (21).

والكتاب به معلومات كبيرة وكثيرة لا حصر لها وأكتف هنا بهذا القدر، وفي النهاية أقول أن هذا الكتاب سياحة عقلية لكل المستجدات والأحداث التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1973 وما بعدها وأهم الأدوار التي لعبها هنري كيسنجر .. عراب السياسة الأمريكية في تلك الفترة.

***

أ. د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل- جامعة أسيوط.

..........................

المراجع:

1- إدوارد لوس: هنري كيسنجر .. لعبة التوازن المحفوفة بالمخاطر في الشرق الأوسط  الجمعة 10 ديسمبر 2021.

2- المرجع نفسه.

3-عبد المنعم سعيد: ملك لعبة الدبلوماسية: هنرى كيسنجرـ المصري اليوم، الثلاثاء 09-11-2021 01:40

4- المرجع نفسه.

5- معاذ العمري : مارتن إنديك يرصد في كتابه كيف تعامل وزير الخارجية الأميركي السابق مع الصراع في الشرق الأوسط، الأهرامـ، منشور يوم الجمعة - 28 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 03 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15711].

6- أحمد مصطفى جابر: سيد اللعبة أم سيد الحرب؟ هل تآمر هنري كيسنجر على "إسرائيل"، بوابة الهدف، الجمعة 21 يناير 2022 | 09:55 م

7- سمير مرقص: سيد اللعبة، مثال منشور يوم السبت 1 من ربيع الثاني 1443 هــ 6 نوفمبر 2021 السنة 146 العدد 49278

5- محمد كمال : عودة كيسنجر، مقال منشور يوم الاثنين 18-10-2021 01:17

8- إدوارد لوس: هنري كيسنجر .. لعبة التوازن المحفوفة بالمخاطر في الشرق الأوسط  الجمعة 10 ديسمبر 2021.

(9) Martin Sean Indy: Master of the Game: Henry Kissinger and the Art of Middle East Diplomacy, U.S.A, 1988,P.12.

(10) OP,Cit, P.23.

(11) OP,Cit, P.123.

(12) OP,Cit, P.167.

(13) OP,Cit, P232.

(14) OP,Cit, P.324.

(15) OP,Cit, P.398.

(16) OP,Cit, P.433.

(17) OP,Cit, P.553.

(18) OP,Cit, P.576.

(19) OP,Cit, P.598.

(20) OP,Cit, P.601.

(21) OP,Cit, P.644. 

تتركز فعالية الناقد الدكتور عبد الملك مرتاض على محاور متعددة، وهذا ما يدل على مدى عمق وثراء ثقافته ومعرفته، وتنظيراته النقدية، فالدكتور عبد الملك مرتاض يتميز بالموسوعية في الإنتاج والنأي عن التخصص الدقيق، وقد لعب دوراً حاسماً في تألق الأدب والفكر الجزائري، وازدهار المعرفة الأدبية، ولذلك فهو  يشكل امتداداً لجيل من الرواد الكبار من بُناة النهضة الفكرية، والأدبية، والثقافية، وكما يرى الأديب كمال الرياحي فعبد الملك مرتاض من الأسماء القليلة التي يمكن أن نسمّيها بـ«الكائنات الأوركستراليّة» والتي تعزف على أوتار مختلفة، فهو الناقد والروائي والباحث في الإسلاميات وفي التراث.

والمتابع لمنجزات وجهود العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض في المرحلة الأخيرة، يُلاحظ أنه يسعى إلى التنظير لمجموعة من القضايا الأدبية والفكرية، فهو يكشف عبر كتاباته المتنوعة عن رغبته الدائمة في التنظير إلى الكثير من القضايا الأدبية والمعرفية التي شغلت اهتمامه، حيث أصدر مؤخراً مجموعة من الأبحاث والمؤلفات التي قدم من خلالها مجموعة من الرؤى والأفكار الجادة والعميقة، نذكر من بينها:«في نظرية الرواية»،  ، و«نظرية القراءة»، و«نظرية النص الأدبي»، و«قضايا الشعريات»، و«نظرية البلاغة»، و« الكتابة من موقع العدم»، و«قراءة النّص: بين محدوديّة الاِستعمال ولا نهائيّة التأويل».

ويندرج كتابه الموسوم ب:«في نظريّة النّقد»في هذا الإطار، فقد قدم من خلاله متابعة شاملة لأهم المدارس النقدية المعاصرة، وتوقف مع نظرياتها بالتحليل والنقاش والمساءلة العلمية الجادة.

قسم الدكتور عبد الملك مرتاض كتابه إلى ثمانية فصول، بعد مقدمة مطولة ناقش فيها جملة من المفاهيم التي تتصل بالقراءة والكتابة والنقد، ورسم من خلالها صورة واضحة لمجموعة من الإشكاليات المعرفية الشائكة، حيث ذكر أن الكتابة واجب، وإن كانت حرية كما يقول رولان بارث فهي أيضاً واجب محتوم على الكاتب أن يؤديه للمجتمع ولا يستطيع الإفلات من فعله، إذ لا يسعه إلا أن يكتب، وأن يقول شيئاً.

وقد أشار الدكتور مرتاض إلى منظور جان بول سارتر الذي قدمه في كتابه:«ما الأدب؟»، ورأى أنه على الرّغم من الأسئلة الكثيرة التي طرحها  عن الكتابة، أو عليها، قُبَيل منتصف القرن العشرين، واجتهد في أن يجيب عن بعضها في كتابه «ما الأدب؟»؛ إلاّ أنّه لم يُجِب عنها، في الحقيقة، إلاّ بطريقته الخاصّة، وإلاّ حسَب مذهبه الوجوديّ في التّفكير، ووفق رؤيته إلى الحياة؛ ممّا قد يجعل من حقّ كلّ كاتب مفكّر أن يثير الأسئلة الخالصة له؛ ثم يجتهد في الإجابة عنها بطريقته الخاصّة.

انصب الفصل الأول من الكتاب، والمعنون ب« النّقد والنّقّاد: الماهيّة والمفهوم» على رصد مفاهيم ومدلولات النقد في الثقافتين العربية والغربية، ففي الثقافة الغربية كان مفهوم النقد يقترب من مفهوم نظرية الأدب وربما كان مفهومُ النّقد يلتبس بمفهوم نظريّة الأدب حيث كانوا يَصرِفونه، في وظيفته، إلى تعريف الشّعر، ووصْف الأدب، ويذكر الدكتور عبد الملك مرتاض أن  لفظ النّقد في الغرب نشأ زُهاءَ عام ثمانين وخمسِمائةٍ وألْفٍ للميلاد. ويبدو أنّ أوّل من اصطنع مصطلح «النّاقد» (Le Criti¬que) هناك، في صيغة المذكّر، صارفاً إيّاه بذلك إلى من يمارس ثقافة النّقد، أو «النقد» (La critique)، في صيغة المؤنّث، كان سكالينيي (Scaligner). وقد كان يصرف معناه إلى نحو ما يعني في التّأْثيل الإغريقيّ «فنّ الحُكْم»، وانطلاقاً من هذا المفهوم التّأثيليّ، فإنّ النّقد قام على وظيفة تُشبه الوظيفة القضائيّة لدى القاضي بحيث لا مناصَ لصاحبه من إصدار الأحكام، ومحاولة التّدقيق في الأوصاف لدى إصدار هذه الأحكام، وقد تطور النقد الأدبي مع تطور الثقافة النقدية في الغرب ، ولاسيما مع ظهور نظريّات الشّكلانيّة الرّوسيّة إبّان الحرب العالميّة الأولى (التي تولّد عنها في فرنسا ما يمكن أن نطلق عليه «الشّكلانيّة الجديدة» بعد منتصف القرن العشرين)، حيث أشاروا إلى مفاهيم أدبية الأدب لأنّ موضوعه هو دراسة الأدب؛ واغتدى أدبيّاً أيضاً لأنّ خطابه في حدّ ذاته جزءٌ من الأدب»، وقد تأثر الكثير من النقاد الفرنسيين بهذا المذهب.

افتتح الدكتور عبد الملك مرتاض الفصل الثاني من الكتاب الذي عنونه ب «النّقد: والماهيّة المستحيلة» بالتساؤل ما النقد؟ وقد أثار في هذا الفصل جملة من القضايا الفكرية المتميزة التي ترتبط بفلسفة النقد، وتوقف في إجابته على هذا السؤال مع الفرق بين النقد النظري والنقد التطبيقي، فذكر في إجابته أن  النّقد النّظريّ ضروريّ لازدهار الحقل المعرفيّ لهذا الموضوع من حيث هو ذو طبيعة تأسيسيّةٍ وتأْصيليّة معاً. ولعلّه ببعض ذلك يشبه العلوم التّأسيسيّة (Sciences fon¬damentales) بالقياس إلى العلوم التّطبيقيّة (Sciences appliquées) في تجاوُر حقليْهما من وجهة، وفي تشابُه طبيعة هذين الحقلين الاِثنين من وجهة ثانية، وفي تظاهُرهما على تطوير كلّ منهما لحقل صِنوه من وجهة أخرى. إذ لولا التّأسيسُ لما كان التّطبيق. ولو لم يكن إجراء التّطبيق في العلوم بعامّة لَمَا أفضت نظريّات العلماء المجرّدة إلاّ إلى نتائجَ محدودة. فهذه الحضارة الإنسانيّة العظيمة التي ننعَم اليوم برخائها وازدهارها ليست إلاّ ثمرة من ثمرات تضافر العلوم التّأسيسيّة مع العلوم التّطبيقيّة، فهو يبحث في أصول النّظريّات، وفي جذور المعرفيّات، وفي الخلفيّات الفلسفيّة لكلّ نظريّة وكيف نشأت وتطوّرت حتّى خبَتْ جذوتُها، ثمّ كيف ازدهرت وأفَلَتْ حتّى هان شأنها؛ ويقارِن فيما بينها، ويناقش تيّاراتها المختلفة، عبر العصور المتباعدة المتلاحقة معاً، أو عبر عصر واحد من العصور. وسواء علينا أ دُرِسَتْ مثلُ هذه المسائلِ تحت عنوان «نظريّة الأدب»، أم «نظريّة الأجناس»، أم «الأدب المقارن»، أم تحت أيّ عنوان آخر مثل «نظريّة الكتابة»: فإنّ الإطار الحقيقيَّ كأنّه يظلّ هو النّقدَ العامَّ.

في حين أنّ النّقد التّطبيقيّ إنّما يكون ثمرةً من ثمرات النّقد النّظريّ الذي يمدّه بالأصول والمعايير والإجراءات والأدوات، ويؤسّس له الأسُس المنهجيّة، ويبيّن له الخلفيّات الفلسفيّة، التي يمكن أن يتّخذ منها سبيلاً يسلُكها لدى التّأسيس لقضيّة نقديّة، أو لدى دراسة نصّ أدبيّ، أو تشريحه، أو التّعليق عليه، أو تأويله، معاً، و غاية النّقد في الحاليْن  تظلّ هي السّعيَ إلى اِهتداءِ السّبيلِ إلى حقيقة النّصّ.

في الفصل الثالث من الكتاب تابع الدكتور عبد الملك مرتاض مناقشته لمختلف قضايا النقد الأدبي، وتحدث عن« النقد والخلفيات الفلسفية»، ومن أبرز الأسئلة التي طرحها في هذا الفصل: هل للفلسفة من «الكفاءة الأدبيّة»  ما يرقَى بها إلى تحليل الظّاهرة الأدبيّة تحليلاً «أدبيّاً» حقيقيّاً بعيداً عن تمحّلات الفلسفة؟

وعالج  في الفصل الرابع من الكتاب موضوع:«النقد الاجتماعي في ضوء النزعة الماركسية»، وتطرق إلى المبادئ الرئيسة التي بُني عليها النقد الاجتماعي، حيث يرى تين أن النقد يقوم على المؤثرات الثلاثة:العرق والزمان والبيئة، أما الماركسية فهي تقيم النقد على ضرورة ذوبان الفرد في المجتمع ، فالماركسيّةَ لا ترى أنّ حياة الكاتب في حدّ ذاتها هي التي تستطيع إفادتَنا بشيء،

ضم الفصل الخامس من الكتاب دراسة موسعة عن:«النقد والتحليل النفسي»، وقد اشتملت دراسة الدكتور مرتاض على مجموعة من التحاليل الدقيقة والرؤى المتميزة، ومن أبرز القضايا التي ناقشها المؤلف في هذا الفصل علاقة التحليل النفسي بالنقد الجديد.

وفي الفصل السادس من الكتاب ركز المؤلف على«علاقة النقد باللغة واللسانيات»، و ناقش  إشكالية الكتابة الأدبيّة بين اللّغة واللّسان، وأكد في مناقشته لهذه القضية الشائكة على أن كلّ أدب محكوم عليه بأن ينضويَ تحت لواء لغة ما. فاللّغة (من حيث هي نظامٌ صوتيّ ذو إشارات وعلامات مصطلَحٌ عليها فيما بين مجموعة من النّاس في زمان معيّن، وحيز معين) هي التي، وذلك بحكم طبيعتها الأداتيّة التّبليغيّة،  تحتوي على ما يمكن أن نصطلح عليه في اللّغة العربيّة مقابلاً للمفهوم الغربيّ (Langage littéraire) «اللّغة الأدبيّة».

وبقي أن نقول في الختام إن الجهود التي بذلها أستاذنا العلاّمة الدكتور عبد الملك مرتاض في تأليفه لهذا الكتاب جديرة بالاحترام والتقدير، فقد تضمن الكتاب مجموعة من الرؤى والأفكار والتحاليل العميقة التي تتصل بالمدارس النقدية ونظرياتها، وقد اعتمد على مجموعة كبيرة من المصادر والمراجع الثمينة، وقدم من خلاله جهداً كبيراً أسلوباً ولغة ومعرفة، فهو يشتمل على مسح شامل للمدارس النقدية المعاصرة، ويركز بشكل دقيق وعميق على تحليل توجهات نظرياتها، ويمكن أن نصف هذا الكتاب بأنه تحفة نظرية وعملية وموسوعة شاملة رصدت أهم المدارس النقدية، وناقشت نظرياتها، ولا يمكن أن يستغني عنه كل مهتم بنظرية النقد.

***

بقلم: الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة

كلية الآداب واللُّغات، جامعة عنابة، الجزائر

 

 

 

 

"اعتبارات حول الأمراض الدينية - كونترا ديانات"، كتاب أندريه بوروفسكي (إصدارات لارماتان).

"كتاب مثير يقدم بديلاً يقوم على المنهج العلمي لإنهاء المعتقدات الدينية".

يوجد أكثر من تريليون مليار نجم في الكون المعروف. حول واحد منهم، تدعي كائنات بيولوجية معقدة أن الخالق الافتراضي لهذه النجوم أرسل ابنه الوحيد كذبيحة أو قربان، ضحى بنفسه لشراء خطيئة البشر.

مثل هذا الفكر هو وهم. إن التأكيد على أن أبناء الأرض استثنائيون لدرجة أنهم يستحقون هذا المنصب غير العادي هو مرض يعالج بعلم نفساني. لسوء الحظ، فإن هذا الفكر المفرط ليس نادرًا. توجد متغيرات متعددة، تغذي مناقشات لا تنتهي حول الأديان. ومع ذلك، فإن أصل الصعوبات، أي وجود المعتقدات الدينية، هو سؤال لا يتم التطرق إليه مطلقًا، لأنه يعتبر من المحرمات.

يقدم أندريه بوروفسكي نداءً قويًا لصالح المنهج العلمي ويقترح مسارات عمل لمكافحة المعتقدات الدينية. لأن العلمانية الدفاعية لا تكفي: يجب على الدول أن تنتقل إلى علمانية فاعلة هجومية، مع تعزيز المنهج العلمي على جميع المستويات.

كيف يمكن أن يكون بعض العلماء مؤمنين

"كلمة الله بالنسبة لي ليست سوى تعبير ونتاج ضعف الإنسان." (ألبرت أينشتاين، 1954)

العلوم عديدة والأديان لا تعد ولا تحصى. قد يكون كل اكتشاف علمي مشكلة بالنسبة لبعض الأديان، ولكن دون عواقب بالنسبة للآخرين. يمكن لعلم كامل أن يهدد بعض المعتقدات الدينية، بينما يُنظر إليه البعض الآخر على أنه غير ضار.

تاريخيا، هناك العديد من المواقف التي عارض فيها العلم والدين بعضهما البعض والآخر حيث تعايشا بفضل التصور المتحيز لـ "أنظمة حكم منفصلة". ومن أسباب الاشتباكات المتكررة رفض بعض علماء الدين "الإعجاز أو المعجزات". يعتبر هؤلاء العلماء أن "المعجزات"، لكونها غير محتملة إلى حد كبير، يجب، من أجل التحقق من صحتها، أن تكون مدعومة بأدلة قوية جدًا وليس أساسًا بروايات متحيزة من المؤمنين.

بالنسبة لأولئك الذين يفسرون الكتاب المقدس أو أي قصة أسطورية أخرى بطريقة حرفية، تثير نظرية تطور الأنواع (الداروينية) رد فعل قويًا لرفضها ومحاربتها.

ومع ذلك، فإن العديد من العلماء مؤمنون بدرجات متفاوتة. إذا كانت طريقة المعرفة العلمية والمعتقدات القائمة على الوحي غير متوافقة، فكيف يمكن أن يكون العديد من العلماء مؤمنين؟

هؤلاء العلماء لديهم تصور مجزأ للواقع، والدين والعلم بالنسبة لهم، يظهران على أنهما منفصلان ويتعاملان مع مواضيع متعارضة "على ما يبدو". إذا تم فصل هذين المجالين، فهل يمكن أن يتعايشا افتراضيًا؟

العلم في حالة حركة دائمة، وتكمن قوته في قدرته الاستقصائية، وتوسيع مجالات اهتمامه، تجعل من الصعب الحفاظ على مساحة منفصلة للمعتقدات التي تبدو غير واقعية مع كل تقدم جديد في المعرفة.

غالبًا ما يكون العلماء الأكثر موهبة هم الأقل تديناً. يجب أن ينقلوا تصورهم الواضح عن كوننا لزملائهم، لكن غالبًا ما يكون لديهم أولويات أخرى ...

قد تكون دراسة الأديان جذابة للعالم، ولكن بغض النظر عن المعتقد، فإنها دائمًا ما تقوم على الوحي، وهو نص "مقدس"، وغير قابل للاختبار، ومزيف، وبالتالي لا قيمة له، بخلاف النص الأدبي.

المعتقدات، غير النقدية، لها مخاطر متأصلة. يجب محاربتها بحزم على الأقل بنفس الجدية التي يستخدمها كل عالم لمعارضة النماذج (المختلفة عن نماذجه) المؤمنة التي يقدمها "زملائه الأعزاء".

"يقترح أندريه بوروفسكي نهجًا مختلفًا يبدأ من الملاحظة: تمضي المعتقدات الدينية على هذا النحو، عندما يتم تنظيمها وهيكلتها على نطاق واسع، وتكون خطيرة في جوهرها لأنها تأتي من اكتشافات لا يمكن دحضها أو تعديلها. وبالتالي فهي تشكل علمًا اجتماعيًا. "

"هذا الكتاب هو أولاً وقبل كل شيء صندوق أدوات لكل أولئك الذين يفهمون مخاطر المعتقدات الدينية وأسطورة الخلق، لكنهم يواجهون عقبة رئيسية: المنهج العلمي يدفع دائمًا لمزيد من التفكير النقدي، بما في ذلك نفسه. ومع ذلك، فإن المعتقد الديني، حتى هذا المقصود بـ "العرافين"، يهدف إلى تخدير هذه الروح النقدية. وفي مواجهة هذا التدخل الهائل والجوهري والمتعدد العلماني، فإن إعادة تأسيس تصور صحيح لواقع أساليب المعرفة مهمة شاقة ".

مثل التبغ أو المخدرات، يمكن أن يكون الإيمان مصدر لحالات الإدمان.

في أذهان المؤمنين، يتميز علم الأمراض الديني بوجود مخططات تفسيرية بدون أساس علمي، تقوم على وجود كيانات غير مرئية تتمتع بإرادة أو قوى خارقة. هذه الأنماط لها طابع مرضي قوي في المقام الأول لأنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى التشوهات والقيود والعوائق لاكتساب واستخدام النماذج العلمية ذات الصلة.

استنادًا إلى الادعاءات التي يستحيل إثباتها (وبالتالي دحضها)، غالبًا ما يؤدي المعتقد الديني إلى استبعاد وتمييز وحتى تدمير الأفراد الذين لا يلتزمون بالمعتقد الصحيح. في الواقع، يمكن للمؤمنين بدين فقط معارضة جميع المؤمنين الآخرين المؤمنين بمعتقدات دينية أخرى والذين لا يشاركونهم إيمانهم. إن مجرد وجود أمثلة للحوار بين الأديان هو علامة واضحة على استحالة وصول المؤمنين إلى رؤية واحدة "للإيمان" من خلال عملية عقلانية.

ما يجعل هذه الأوقات خطيرة في جميع إصداراتها هو طابعها غير القابل للاختبار وغير القابل للتزوير. يبقى القتال إذن الطريقة الوحيدة "لتكون على حق".

إذا أردنا تقييم خطورة كل معتقد ديني، فعلينا أن نأخذ في الاعتبار المحتوى والتأثيرات على أساس هذا الاعتقاد دون أن نأخذ في الاعتبار عدد الأشخاص المتأثرين على الفور، ثم نحدد الشخصية الوهمية، والمُسرفة، والعدوانية، باختصار مرضي لهذا الاعتقاد، وفحصه كما لو كان يتعلق فقط بفرد منعزل.

من المهم تصنيف المعتقد الديني على أنه علم الأمراض، لأنه شرط لأي إجراء علاجي. تاريخيًا، قبل القبول العالمي لإدمان الكحول كعلم أمراض، كان من المعقد تصور إجراءات واسعة النطاق.

السيطرة الدينية على المجتمعات، الحقيقة البسيطة المتمثلة في قبول صحة أي وحي على الإطلاق، كانت ولا تزال عقبة خطيرة وحاسمة في بعض الأحيان أمام تقدم المعرفة العلمية، وقبل كل شيء إعاقة لنشر المعرفة العلمية، حتى أبسطها أو الأقل إثارة للجدل.، مثل شكل الأرض أو دورانها حول الشمس أو تحول الأنواع أثناء التطور.

من الواضح أنه إذا كان للمعتقدات الدينية آثار سلبية فقط لكانت قد اختفت منذ فترة طويلة. وبفضل وهم الآثار الإيجابية مثل التقيد "التلقائي" بأولويات المجتمع، أو ممارسة الأعمال الخيرية أو الالتزام بـ "الأخلاق" الحتمية، التي تعتبر ضرورية اجتماعياً، تمكنت الأديان من الحفاظ على نفسها والازدهار. من المهم عدم اعتبار المؤمنين على أنهم مجانين أو مازوشيين. فالمعتقد يجلب لهم شيئًا ولا يمكنهم العيش بدونه إلا بصعوبة. وبالتالي، فإن تأهيل علم الأمراض يستند إلى حكم شامل لتأثيرات هذه المعتقدات على الإنسانية وعلى الطابع الوهمي لمزاياها. على سبيل المثال، يهاجم بوتين اليوم أوكرانيا بشكل غير عقلاني (وفقًا لإيمانويل ماكرون) لأنه يشعر بدعم عقيدته الأرثوذكسية. السويديون (بشكل جماعي الملحدين) لديهم معدل جريمة أقل من الأمريكيين (متدينين بشكل كبير).

إن قدرة الأديان على الظهور كركائز أخلاقية للمجتمعات هي مصدر المشاكل المرتبطة بها. إن التسويق الذي تستخدمه الأديان معقد وبالتالي فهو خطير.

ما هي نظرية المعرفة؟

قد لا تعرف ذلك (حتى الآن)، لكنك قد مارست أو لاحظت بالفعل القواعد المعرفية، وهي القواعد التي تسمح لك باكتساب وتعديل محتوى المعرفة.

هل يجتمع زملاؤك حول طاولة لمناقشة أحدث التطورات في استنساخ البشر والروبوتات وقيمة هذا البحث؟ إنهم يمارسون شكلاً من أشكال نظرية المعرفة، لأنه من الضروري تحديد معايير الحقيقة (ضمنيًا).

على شاشة التلفزيون، ضيف علمي يتساءل عن عواقب اكتشاف فيروس Covid-19؟ سيتعين علينا اللجوء إلى قواعد نظرية المعرفة العلمية لتأطير النقاش.

عالم فيزياء ينشر كتابًا يتناول حدود معرفتنا والتطورات الحديثة في مجاله وتأثيرها على نظرتنا إلى العالم؟ يجب أن تتبع القواعد المعرفية.

في الواقع، نتعامل جميعًا مع القواعد المعرفية حتى بدون إدراكها (مثل قواعد المرور على الطريق).

ولكن بعد ذلك، ما هي بالضبط نظرية المعرفة؟ إنه مجال فلسفي بشكل أساسي يقوم بدراسة وتحليل وانتقاد المبادئ والمفاهيم الأساسية والممارسات والنظريات والنتائج الخاصة بالعلوم المختلفة، وخاصة أساليبها وطرق عملها. توصل إلى اكتشافات تم التحقق من صحتها، من أجل تحديد أصلها المنطقي وقيمتها وأهميتها العلمية والفلسفية.

بطريقة مبسطة، نظرية المعرفة هي مجموعة القواعد التي يجب اتباعها لاكتساب المعرفة وتعديلها: "ما الذي يمكننا معرفته وكيف؟".

الأديان الرئيسية آخذة في الارتفاع. وفقًا لمركز الأبحاث الأمريكي، مركز بيو للأبحاث، المعروف بإحصاءاته الديموغرافية الدينية في جميع أنحاء العالم، فإن الاتجاه عام. بحلول عام 2050، يقدر عدد المسلمين اليوم 1.5 مرة، ليبلغ 2.76 مليار أو 30٪ من سكان العالم سنة 2050، بينما سيزداد عدد المسيحيين بأكثر من 30٪ وسيمثلون 2.92 مليار فرد. كما سيكون الهندوس واليهود أكثر عددًا بحلول ذلك الوقت، بينما ستشهد البوذية تضاؤل في حشد أتباعها وأعدادهم.

هل سيكون عالمنا أفضل حالاً إذا كان أكثر تديناً؟ هناك الكثير ممن يشككون في هذا، "ما شهدناه في العقود الأخيرة هو صعود فاشية جديدة تغلف نفسها" بالشرعية الدينية "كلما كان ذلك أفضل. لتقويض أسس الديمقراطية» كما جاء في مقال قرن التطرف الديني"، فاطمة هدى بيبين، جريدة مونتريال، 1 مايو 2019 في قلب عصر اتسم بالبحث عن المعنى ورفض المادية، فقد أدرك الفلاسفة والمعلمون الإيديولوجيون إمكانات هذا القسم من السكان في البحث عن بوصلة لا تقتصر على ذلك فحسب، بل ترشدهم، وتنعشهم. إن استغلال دينهم، مهما كان، لأغراض سياسية و / أو عسكرية، يغرس التعصب والكراهية دون إمكانية الهروب لأن الأديان تستند في نهاية المطاف فقط على "الإيمان"، أي عن وهم المعرفة. وهم ضد الوهم.

العلمانية لا تكفي: التجربة تظهرها:

منذ ذلك الحين، يذهب الجميع إلى العلاج الخاص بهم، باختيار تعزيز انعكاسات الهوية، و "الإسلاموفوبيا"، ومعاداة السامية وأشكال أخرى من الكراهية بين البشر، والتي يسلط وجودها الضوء مرة أخرى على الضرر المرتبط بالمعتقدات. في سؤال حول هذا السؤال من قبل التلفزيون السويسري، أشار أستاذ التاريخ المسيحي ميشيل غراند جان إلى "حرية الضمير" كسلاح ضد التعصب الديني.

أندريه بوروفسكي غير راضٍ عن هذا. صاغ في الصفحات الأخيرة من كتابه السؤال "هل يمكن لدولة أن تظل علمانية بشكل سلبي؟ يجيب بالنفي: "يُفترض أنه إذا كان الفصل فعّالاً، إذا لم يكن هناك توغل، فإن التعايش بين المؤمنين بمختلف الطوائف فيما بينهم وبين غير المؤمنين قد يتكشف. تظهر التجارب الحديثة هشاشة مثل هذا التفكير (...). لا يمكن أن يكون الحياد الديني الحقيقي دفاعيًا فقط، ويكتفي بالحد من توغل الدين في المجال الاجتماعي بأكمله. يجب أن يكون مصحوبًا بدفاع هجومي نشط عن نظرية المعرفة العلمية باعتبارها الطريقة المشتركة الوحيدة للمعرفة على جميع المستويات (...) ". العمل الجوهري، وهو صراع واسع النطاق ضد المعتقدات الدينية، أمر ضروري.

مهاجمة المعتقدات بدلاً من المؤمنين:

فقط على حساب هذا الانفصال عن بعض التقاليد العلمانية الراسخة، والمؤلمة للكثيرين، سنتجنب التمييز ضد هذه الفئة أو تلك من السكان ووصمها بالعار. وبهذا الثمن فقط سنتجنب تكاثر أنصار الأرض المسطحة واستمرار المذابح والحروب الدينية العلمانية التي ما زالت دامية في الكوكب. المعتقدات، بطبيعتها التي لا يمكن التحقق منها، يجب مهاجمتها بحزم لتجنب الاضطرار إلى مهاجمة ضحاياهم الأوائل، المؤمنين.

من ناحية أخرى، الطريقة الوحيدة لاكتساب المعرفة التي يمكن استخدامها على نطاق واسع، والتي من المحتمل أن تحقق إجماعًا للبشرية جمعاء، هي الطريقة العلمية.

معايير صحتها موضحة بعمق في "الأديان الكونترا". في مواجهة الاعتداءات المباشرة وغير المباشرة على هذه الطريقة، جوهرة الفكر الإنساني على الرغم من عيوبها وقيودها، يتم تحليلها ورفضها بحزم.

الفلسفة تتصدى لمفهوم الإله:

لا أحد يعرف أن فريدريك نيتشه أعلن أن الله قد مات. إنها إحدى الجمل القليلة في تاريخ الفلسفة التي يمكنك شراؤها عمكتوبة لى القمصان والملصقات الواقية من الصدمات. أو يمكنك أن تجد أيضًا منقوشة تقول إن نيتشه قد أمات - الله.

لكن يفترض الكثير من الناس أن نيتشه كان يحتفل بزوال الله المفترض، وهذا ليس دقيقًا حقًا. على الرغم من أنه لم يكن ينكر ذلك، إلا أنه كان قلقًا بالتأكيد بشأن العواقب. تظهر السخرية الشهيرة في حكاية قصيرة بعنوان "المجنون"، حيث تجري شخصية نيتشه الرئيسية باكية في سوق مليء بالكافرين. قفز المجنون في وسطهم وطعنهم بعينيه وهو يصرخ "أين الله؟" بكى؛ رد عليه أحدهم"سأخبرك. لقد قتلناه - أنت وأنا. . .

"ألا نشعر بأنفاس الفضاء الفارغ؟ ألم يبرد؟ ألا يقترب الليل علينا باستمرار؟ ألا نحتاج لإضاءة الفوانيس في الصباح؟ ألا نسمع شيئًا حتى الآن عن ضجيج حفاري القبور الذين يدفنون الله؟ ألا نشم شيئًا حتى الآن من التحلل الإلهي؟ الآلهة، أيضا، تتحلل. الإله مات. يبقى الله ميتا. ولقد قتلوه."

لا نيتشه ولا مجنونه الخيالي مسرورون بموت الله. إذا كان هناك أي شيء ، فهم يحاولون إيقاظ الناس لما يعنيه ذلك حقًا.

ابتداءً من القرن التاسع عشر، بدأ يغرق في نفوس عدد متزايد من الناس أن الحقائق المطمئنة للنظام القديم كانت على وشك الانهيار. بينما طور العلم وجهة نظر موحدة عن الطبيعة موجودة وتتطور دون أي دعم خارجي، رحب الكثيرون بانتصارات المعرفة البشرية. رأى آخرون جانبًا مظلمًا للعصر الجديد.

يمكن أن يساعدنا العلم في العيش لفترة أطول، أو تحقيق رحلة إلى القمر. ولكن هل يمكن أن يخبرنا ما هو نوع الحياة التي نعيشها، أو يفسر الشعور بالرهبة التي تغلبنا عندما نتأمل السماوات؟ ماذا يصبح المعنى والهدف عندما لا نستطيع الاعتماد على الآلهة لتوفيرها؟

إن التفكير في الله بطريقة صارمة ليس بالمهمة السهلة. يبدو أنه متردد في الكشف عن نفسه بوضوح شديد في عمل العالم. يمكننا مناقشة شرعية المعجزات المبلغ عنها، لكن معظمنا يؤكد أنها نادرة في أحسن الأحوال. قد يشعر الناس أن لديهم تجربة شخصية داخلية عن الآلهة - ولكن هذا ليس نوعًا من الأدلة المقنعة لأشخاص آخرين غير المجربين.

من ناحية أخرى، لا يتفق الناس على الله. إنه فكرة زلقة سيئة السمعة. بالنسبة لبعض الناس، فإن الله هو إلى حد كبير كائن - عالم شامل، كلي القدرة، كلي الوجود خلق الكون ويهتم بشدة بمصير البشر، فرديًا وجماعيًا. يفضل البعض الآخر التفكير في مفهوم أكثر تجريدًا عن الله، باعتباره شيئًا أقرب إلى فكرة تفسيرية تلعب دورًا حاسمًا في تفسير عالمنا.

ما يميل جميع المؤمنين - الناس الذين يؤمنون بالله - إلى الاتفاق عليه هو ذلك الله مهم للغاية بالنسبة لهم. واحدة من أهم سمات الأنطولوجيا لشخص ما هي ما إذا كانت تتضمن الله أم لا. إنه الجزء الأكبر من الصورة الكبيرة. إذن، فكرة زلقة أم لا، تقرير كيفية التفكير في الله هو شيء علينا القيام به.

تذكر أن هناك جزأين للاستدلال بايزيس: الخروج بمصداقية مسبقة قبل وجود أي دليل، ثم اكتشاف احتمال الحصول على أنواع مختلفة من المعلومات في إطار الأفكار المتنافسة. عندما يتعلق الأمر بالله، فإن كلا الخطوتين يمثلان مشكلة كبيرة. لكن ليس لدينا أي خيار.

من أجل الحفاظ على الأشياء بسيطة، دعنا نقسم كل الطرق الممكنة للتفكير في الله إلى فئتين فقط: الإيمان بالله (الله موجود) والإلحاد (الله غير موجود). هذه مصطلحات شاملة لمجموعة متنوعة من المعتقدات المحتملة، لكننا نوضح المبادئ العامة هنا. من أجل أن نكون واضحين، فلنتخيل أننا نتحدث عن الله ككينونة، كنوع من الكائنات القوية للغاية التي تهتم بحياة البشر.

ماذا يجب أن يكون مقياسنا للإيمان بالله والإلحاد؟ يمكننا أن نجادل في أن الإلحاد أبسط: فهو يحتوي على فئة مفاهيمية أقل من الإيمان بالله. النظريات البسيطة جيدة، وهذا يشير إلى أن الإلحاد السابق يجب أن يكون أعلى. (إذا لم يفسر الإلحاد فعليًا الكون الذي نراه، فإن ذلك السابق سيصبح غير ذي صلة، لأن الاحتمالات المقابلة ستكون صغيرة جدًا.) من ناحية أخرى، على الرغم من أن الله كينونة منفصلة عن العالم المادي، فقد نأمل لشرح ميزات العالم باستخدام تلك الفرضية. القوة التفسيرية هي شيء جيد، لذلك قد يجادل لصالح أكبر قدرة تفسيرية قبل الإيمان بالله.

دعونا نسميها غسل التلويث الدماغي. يحق لك الحصول على مقدماتك الخاصة، ولكن لأغراض هذه المناقشة، دعنا نتخيل أن المصداقات السابقة للإيمان بالله والإلحاد متساوية. ثم سيتم تنفيذ كل الأحمال الثقيلة من خلال الاحتمالات - إلى أي مدى تعمل الفكرتان بشكل جيد في حساب العالم الذي نراه بالفعل.

هنا حيث الامور مثيرة للاهتمام. ما يفترض أن نفعله هو أن نتخيل، بشكل عادل قدر الإمكان، كيف سيبدو العالم وفقًا لأي من الاحتمالين لدينا، ثم مقارنته بما هو عليه في الواقع. هذا صعب حقا. ليس لأن «الإيمان بالله" أو "الإلحاد" في حد ذاته، هو إطار تنبؤي أو محدد للغاية. يمكننا تخيل العديد من الأكوان الممكنة التي ستكون متوافقة مع أي فكرة. واعتباراتنا ملوثة بحقيقة أننا في الواقع نعرف الكثير عن العالم. هذا تحيز كبير لمحاولة التغلب عليه.

خذ مشكلة الشر. لماذا قد يسمح الإله القوي والخير، الذي يُفترض أنه يستطيع ببساطة أن يمنع البشر من أن يكونوا أشرارًا، بوجود الشر في العالم؟ هناك العديد من الردود المحتملة على هذا السؤال. يعتمد أحد العناصر الشائعة على مفهوم "الإرادة الحرة" أو " حرية الاختيار": ربما بالنسبة إلى الله، من الأهمية بمكان أن يكون البشر أحرارًا في الاختيار وفقًا لإرادتهم - حتى لو انتهى بهم الأمر إلى اختيار الشر - بدلاً من إجبارهم على أن يكونوا صالحين بشكل موحد.

ومع ذلك ، فإن مهمتنا ليست مجرد التوفيق بين البيانات (وجود الشر)

مع النظرية الثيولوجية (الايمان بالله). إنها التساؤل عن كيفية تغيير البيانات لمصداقيتنا لكل من النظريتين المتنافستين (الإيمان والإلحاد).

لذا تخيلوا عالما يشبه إلى حد كبير عالمنا، باستثناء إن هذا الشر غير موجود. الناس في هذا العالم يشبهوننا كثيرًا، ويبدو أنهم قادرون على اتخاذ خياراتهم بأنفسهم، لكنهم دائمًا ما يختارون فعل الخير بدلاً من الشر. في ذلك العالم، البيانات ذات الصلة هي غياب الشر. كيف يمكن تفسير ذلك، بقدر ما يتعلق الأمر الإيمان بالله؟

من الصعب الشك في أن غياب الشر سوف يؤخذ على أنه دليل قوي للغاية لصالح وجود الله. إذا تطورت البشرية ببساطة وفقًا للانتقاء والانتخاب الطبيعي، دون أي إرشاد أو تدخل إلهي، فإننا نتوقع أن نرث مجموعة متنوعة من النبضات الطبيعية - بعضها من أجل الخير، والبعض الآخر لغير الخير. قد يكون من الصعب تفسير غياب الشر في العالم في ظل الإلحاد، ولكنه سهل نسبيًا في ظل الإيمان بالله، لذلك يعتبر دليلاً على وجود الله.

ولكن إذا كان هذا صحيحًا، فإن حقيقة أننا نختبر الشر هو دليل لا لبس فيه ضد وجود الله. إذا كان احتمال عدم وجود شر أكبر في ظل الإيمان بالله، فإن احتمالية الشر أكبر في ظل الإلحاد، لذا فإن وجود الشر يزيد من مصداقيتنا بأن الإلحاد هو الصحيح.

بعبارة أخرى، من السهل ابتكار سمات الكون التي تقدم دليلاً على الإلحاد منه على الإيمان بالله. تخيل عالما تكثر فيه المعابد، بدلا من ندرة حدوثها أو عدم حدوثها على الإطلاق. تخيل عالماً جاءت فيه جميع التقاليد الدينية من جميع أنحاء العالم بشكل مستقل بنفس العقائد والقصص عن الله. تخيل كونًا صغيرًا نسبيًا، به الشمس والقمر والأرض فقط، ولا توجد نجوم أو مجرات أخرى. تخيل عالما قدمت فيه النصوص الدينية بشكل متواصل أجزاء محددة وصحيحة وغير بديهية من المعلومات العلمية. تخيل عالما كان فيه البشر منفصلين تماما عن بقية التاريخ البيولوجي. تخيل عالما تعيش فيه الأرواح بعد الموت، وكثيرا ما تزور وتتفاعل مع عالم الأحياء، وتروي قصصًا مقنعة عن الحياة في الجنة. تخيل عالما كان حرا  خالي من المعاناة العشوائية. تخيل عالمًا كان عادلاً تمامًا، حيث كانت الحالة النسبية للسعادة لكل شخص متناسبة تمامًا مع فضيلته.

في أي من تلك العوالم، فإن الباحثين الدؤوبين عن الأنطولوجيا الحقيقية قد يتخذون بحق تلك الجوانب من الواقع كدليل على وجود الله. ويترتب على عدم تعاقب الليل والنهار وغياب هذه الملامح دليل لصالح الإلحاد.

ما مدى قوة هذا الدليل، هو سؤال آخر تمامًا. يمكننا أن نحاول تحديد التأثير الكلي، لكننا نواجه عقبة صعبة للغاية: الإيمان بالله لم يتم تعريفه جيدًا. كانت هناك محاولات عديدة، على غرار إن "الله هو أفضل كائن يمكن تصوره" أو "الله هو أساس كل الوجود، الشرط الشامل للإمكانية". هذه الأصوات واضحة ولا لبس فيها، لكنها لا تؤدي إلى احتمالات دقيقة على غرار "احتمالية أن الله، إذا كان موجودًا، سيعطي تعليمات واضحة حول كيفية العثور على نعمة للناس من جميع الأزمنة والثقافات". حتى لو ادعى المرء أن مفهوم الله نفسه محدد جيدًا، فإن العلاقة بين هذا المفهوم وواقعية عالمنا تظل غامضة.

يمكن للمرء أن يحاول تجنب المشكلة من خلال إنكار أن الإيمان بالله يقوم بأي تنبؤات على الإطلاق لما يجب أن يكون عليه العالم - جوهر الله خفي ولا يمكن اختراقه لأذهاننا. هذا لا يحل المشكلة - طالما أن الإلحاد يقوم بالتنبؤات، فلا يزال من الممكن أن تتراكم الأدلة بطريقة أو بأخرى - ولكنه يخفف من حدتها إلى حد ما. ولكن بتكلفة كبيرة فقط: إذا لم تتنبأ الأنطولوجيا بأي شيء تقريبًا، ينتهي الأمر بتفسير أي شيء تقريبًا، ولا يوجد سبب للاعتقاد بذلك.

هناك بعض سمات عالمنا التي تعتبر دليلاً لصالح الإلحاد، تمامًا كما أن بعض السمات دليل على الإلحاد. تخيل عالماً لم يفكر فيه أحد في مفهوم الله - الفكرة ببساطة لم تحدث قط. بالنظر إلى تعريفنا للإيمان بالله، هذا عالم بعيد الاحتمال إذا كان الله موجودًا. قد يبدو عارًا على الله أن يبذل كل المشاكل ليخلق الكون والبشرية، ثم لا يخبرنا أبدًا عن وجوده. لذلك من المنطقي تمامًا أن نقول إن الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن الناس يفكرون في الله تعد دليلاً على أنه حقيقي.

هذا مثال غريب الأطوار إلى حد ما، لكن هناك أمثلة أكثر جدية. تخيل عالما به مادة فيزيائية، ولكن لم تنشأ فيه الحياة. أو كون به حياة ولكن بلا وعي. أو كون به كائنات واعية، لكنهم لم يجدوا أي متعة أو معنى في وجودهم. للوهلة الأولى، قد تبدو احتمالات مثل هذه النسخ من الواقع أعلى في ظل الإلحاد منها في ظل الإيمان بالله. يتمثل جزء كبير من مهمة الجزء المتبقي من هذا الكتاب في وصف كيف من المحتمل جدًا أن تكون هذه الميزات في نظرة طبيعية للعالم.

ليس هناك الكثير يمكن اكتسابه من خلال التمرين على جميع الحجج المؤيدة والمناهضة للإيمان بالله هنا. ما يهم أكثر هو فهم الأساس لإحراز تقدم في هذا والأسئلة المماثلة. نحن نضع تصوراتنا السابقة، ونحدد احتمالات حدوث أشياء مختلفة في ظل كل تصور متنافس للعالم، ثم نحدِّث مصداقاتنا على أساس ما نلاحظه. هذا ينطبق تمامًا على وجود الله كما ينطبق على نظرية الانجراف القاري أو وجود المادة المظلمة.

يبدو كل شيء مرتبًا للغاية، لكننا بشر غير معصوم، ومحدود، ومتحيز. قد يجادل البعض في أن الكون الذي يحتوي على مائة مليار مجرة هو بالضبط ما سيخلقه الله بشكل طبيعي، بينما يقوم شخص آخر بإلقاء نظرة على أعينه ويسأل عما إذا كان هذا التوقع قد تم طرحه بالفعل قبل أن نخرج ونكتشف المجرات في تلسكوباتنا.

كل ما يمكننا القيام به هو مسح كواكب الإيمان لدينا، والتعرف على تحيزاتنا، ومحاولة تصحيحها بأفضل ما يمكننا. يتهم الملحدون أحيانًا المؤمنين الدينيين بأنهم ضحايا التمني - الإيمان بقوة تتجاوز العالم المادي، وهدف أعلى للوجود، وخاصة المكافأة بعد الموت (نظرية الثواب والعقاب)، ببساطة لأن هذا هو ما يريدون أن يكون حقيقيًا. هذا تحيز مفهوم تمامًا، ومن الحكمة إدراكه ومحاولة أخذه في الاعتبار.

لكن هناك تحيزات من كلا الجانبين. قد يشعر الكثير من الناس بالارتياح لفكرة وجود كائن قوي يهتم بحياتهم، ويحدد المعايير النهائية للسلوك الصحيح والخطأ. أنا شخصياً لا أشعر بالارتياح حيال ذلك على الإطلاق - أجد الفكرة مقززة للغاية. أفضل أن أعيش في عالم حيث أكون مسؤولاً عن خلق قيمي الخاصة والعيش وفقًا لها بأفضل ما يمكنني، بدلاً من عالم يسلمها الله لنا فيه، ويفعل ذلك بطريقة غامضة بشكل يثير الغضب. قد يؤدي هذا التفضيل إلى تحيزي دون وعي ضد الإيمان بالله. من ناحية أخرى، لست سعيدًا على الإطلاق لأن حياتي ستنتهي قريبًا نسبيًا (الحديث الكوني)، مع عدم وجود أمل في الاستمرار؛ لذلك قد يجعلني ذلك متحيزًا تجاهه. مهما كانت التحيزات التي قد تكون لدي، فأنا بحاجة إلى وضعها في الاعتبار أثناء محاولة تقييم الأدلة بموضوعية. كل ما يمكن لأي منا أن يأمل في القيام به من قبل جسثمنا الصغير في الكون.

سيتم نشر التعليقات التي تعتبر مثيرة للاهتمام فقط، ومن المحتمل أن يتم استخدامها لأغراض التحرير مع أو بدون ذكر المؤلف.

لمعرفة المزيد حول هذا الموضوع، راجع عن كتاب André Borowski "اعتبارات حول الأمراض الدينية" في منشورات لارماتان Editions Le Harmattan

....................

إعداد وتحرير د. جواد بشارة

 

 

قال الحكيم في كتابه الكريم: (يُؤْتِي اَلْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ اَلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمٰا يَذَّكَّرُ إِلاّٰ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ).

لقد كان لي تواصل كثير مع كتاب ومؤلفين في بقاع الأرض كافة، ومنه ما جمعني مراراً وتكراراً بالمفكر والأديب والكاتب اللبناني الراحل الأستاذ جورج جرداق. وفي مرة منها قال لي هذا العملاق، بلغة العتب على أحوال مجتمعه: (لو كنت في الغرب لابتاع المجتمع الغربي كل كلمة من صفحات كتبي بالذهب، تقديرا لكلماتي).

ذكرت هذه المقولة في مقام التأكيد فقط على واجبنا في احترام هذه النخب الفكرية والقامات العلمية، وليس ذلك لحاجة النخب لهذا التكريم، وهم في غنى عن ذلك، بل تكريماً للمجتمع الذي يثمن ويقدر رواده في مسيرته الحضارية المعاصرة، وإثراءً للأجيال القادمة في مجتمعات أُريد لها أن تفقد القيم وتنسى القامات، وتركز على العبث كقيمة حياتية اجتماعية.

عندما يتصفح الإنسان مؤلفات الدكتور الفاضل السيد علي المؤمن، حتى الكتب التي كتبها في عنفوان شبابه، وهو اليوم شيخ الشباب؛ يجد فيها روح الدقة والتمحيص والتحقيق. وعندما يتطرق المؤلف الى موضوع دون أن يطنب، ويحاول استقصاء كل جوانبه في أبعاده الثمانية، ويكشف اللثام عن حقيقة اللغة والمصطلح والظاهرة؛ ذلك لكي يبعد القاريء عن ما يقع فيه من شبهات تنعكس على بحوث يتناولها آخرون في كتاباتهم، حال كونهم يكشفون أمراً ما، وتغيب عنهم أشياء كثيرة.

سأتطرق هنا الى  ثلاث نقاط، رعاية للاختصار؛ مع أني مؤمن بأني غير قادر على أداء إلّا الجزء اليسير من الواجب في حق المؤلِّف والمؤلَّف.

أولا: إن كتابات المؤلف، نظراً لشخصيته الاجتماعية والفكرية العملانية؛ هي كتابات تطبيقية مقارنة وعملية، بعيدة عن الترف الفكري، بل جاءت استجابة لمتطلب اجتماعي وجواب على أسئلة تختلج في أذهان المجتمع العراقي أو الإسلامي أو الإنساني، وكان اختيار مواضيع الكتب يحتاج الى حكمة وجرأة كي يخرج المؤلف بسلام وأمان، عبر أداء واجبه الإنساني للرد على التساؤلات المخزونة في ذاكرة المجتمع.

وهذا ما نلاحظه في عموم مؤلفات المفكر الدكتور المؤمن ودراساته المنشورة، من "سنوات الجمر" والتطرق الى مسيرة الحركة الإسلامية في العراق خلال ثلاثة عقود صعبة ومحاطة بمؤامرات مكوكية ضد المجتمعات الإسلامية وحركاته وقياداته الرائدة خاصة في العراق، قبل سقوط الطاغية صدام، الى "النظام العالمي الجديد" وكيفية تشكّله والرؤية المستقبلية وكيفية التعامل مع ما يحدث بايجابية واتقان، وتصحيح المسار، دون الهروب من الواقع المفروض والمخير، ومن ثم "الإسلام والتجديد" وكشف الرؤى  المختلفة في الفكر الإسلامي المعاصر، وقوة تراثنا الإسلامي ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في تقديم ما يتطلبه المجتمع وتحتاجه الاجيال في مسيرتهم وفقا للمباديء والقيم الإنسانية والاسلامية، وسائر الکتب الأخری في التاريخ والسياسية والقانون والفقه والرواية، وحتى كتابه الذي نخصه بالحديث "الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التأسيس ومتغيرات الواقع"؛ فإنها تتطرق الى قضايا عملية يتعطش المجتمع وخاصة جيل الشباب من المفكرين الى معرفتها ومناقشتها.

ثانياً: إن كتاب "الاجتماع الديني الشيعي" كتاب فريد في حد ذاته، يتطرق في فصوله التسعة الى مواضيع، قلما تم التطرق لها بهذا السلوب وهذه المنهجية التي قاربها المؤلف في هذا الكتاب. وبإمكاننا أن ندّعي أنه فريد من نوعه في مجال التأسيس لعلم الاجتماع الديني الشيعي. وقد بذل المؤلف جل اهتمامه للكشف عن ظاهرة الاجتماع الشيعي، الذي احتار الغريب والقريب في كيفية التعامل معها، تارةً لجهلهم بتراثه وحوادثه التاريخية وآرائه، وأخرى لتصورهم الخاطيء بمعرفة هذا المجتمع مستندین الی آراء شاذة وغريبة في تقييمه؛ فكانت ردود الفعل للتعامل مع هذا المجتمع بعيدة عن الواقع المراد.

لقد كشف المؤلف، لمن يريد التعامل مع هذا المجتمع بإنصاف وحكمة، كثيراً من الحقائق عندما‌ تطرق الى الأصول التي يرتكز عليها المجتمع الشيعي، ليس أصوله العقدية وقواعده الفقهية؛  وإنما نوعیة المجتمع الإنساني الذي يؤسَّس على فكر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ومساراته التاريخية، كاشفاً عن هوية المجتمع ومكوناته، وقواعده النظرية، وتراكماته التاريخية التي يستند اليها النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

إن تبيين هيكلية النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومساره التاريخي وكيفية تأسيس النظام الاجتماعي الديني الشيعي خلال العصور التي أشار اليها؛ يعتبر الإنجاز العصري الرائد، والذي يتطلب منا مطالعة الكتاب بدقة، وتثمين جهد المؤلف.

وبمراجعة فصول هذا الكتاب؛ يكتشف الإنسان سر بقاء هذا النظام الاجتماعي، مع كل ما عاناه من اضطهاد وطرد ومحاصرة، في مختلف المجالات الفكرية والاقتصادية والسياسية، والاجتماعية بمعناها العام، من قبل نظام السلطة على مختلف العصور، وذلك لتمسكه بأسس وضوابط عقلانية وحكيمة، لا يمكن لليد الغيبية أن لا تكون دخيلة في تأسيسها واستمرارها.

ثالثاً: إن الهدف المهم المبتغى من هذه المؤتمرات والاجتماعات والندوات الافتراضية وغيرها، هو النتائج التي تتوصل اليها، ومحاولة استثمار هذه النتائج على مستوى التطبيق، في الواقع الذي نعيشه.

لذلك؛ أرى أن كتاب "الاجتماع الديني الشيعي" لایجوز حصره باحتفالية تکریمیة أو بالدعوة الى مطالعته أو التصفيق لمؤلفه، بل ينبغي أن يكون هذه منهجاً دراسية، يدرس في أكاديمياتنا العربية والإسلامية، وكذلك دعوة نخب الثقافات الأخرى لدراسة هذا النتاج الفكري بإمعان، من أجل الوصول الى مجتمع إنساني، يكمل بعضه بعضاً، والى تحقيق أمنية تحلم بها البشرية على مدى التاريخ، ودعت اليها رسالات السماء، وكذا المصلحون على الدوام، ألى وهو نشر العدل والسلام والأمن في المجتمع الإنساني، والابتعاد عن الحروب الفتاكة التي تذهب ضحيتها البشر، ويُهجرون، وتهدم مدنهم، وتهدر أموالهم.

أعتقد أن بإمكان كتاب "الاجتماع الديني الشيعي" أن يرسم خارطة طريق للمجتمعات الأخرى أيضاً، ولأصحاب الفكر والمصلحين من الثقافات المتنوعة، والتي لها كثافة سكانية وتأثير في عالمنا المعاصر، فتقوم هذه النخب الفكرية بتقديم دراسات موضوعية عن مجتمعاتها، للكشف عن صورة متكاملة عنها، والأسس الفكرية والتاريخية والثقافية القائمة عليها، ومن ثم تقوم مراكز الدراسات الفكرية والأكاديمية، بالكشف عن المشتركات فيما بين هذه المجتمعات، وقراءة الحلول المقترحة، لرفع الخلل في التعامل مع كل مجتمع، من أجل وضع الواقع الاجتماعي العام في مساره الطبيعي كما فعل الدكتور المؤمن في كتابه "الاجتماع الديني الشيعي: ثوابت التاسيس ومتغيرات الواقع".

دون شك؛ ستكون نتائج هذه الدراسات مناراً‌ لإضاءة طريق البشرية، من أجل التمهيد لعصر يسوده العدل والأمان، بعد محاولات سلطوية عنيفة فرقت المجتمعات البشرية على مدى العصور السالفة.

ختاماً؛ أرجو أن يستمر المفكر الدكتور علي المؤمن، بالقوة والعمق نفسيهما، برفد المكتبة الحضارية في مجتمعنا الانساني بأفكاره الإنسانية البناءة.

***

د. الشيخ محمد مهدي التسخيري

(نائب رئیس جامعة الأديان والمذاهب، ج. إ. إيران) 

ترجمة: د. جواد بشارة

المقدمة: عودة التاريخ!

العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا: إن قائمة الدول العربية الفاشلة مثيرة للإعجاب وتهدد أوروبا بشكل مباشر. امتد فشل الطائفية السياسية في بلاد الشام والعراق، في سياق حرب طائفية بين السنة والشيعة، إلى اليمن، مع غياب الهوية المشتركة في ليبيا. إنه نموذج دولة كامل يغرق في فوضى معممة. ومع ذلك، فإن هذا النموذج هو نموذج الدولة القومية، الذي استوردته وفرضته القوى الأوروبية في وقت استعمار هذه البلدان الخمسة من قبل فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا. استبدلت فكرة الأمة الدين الذي كان هو السائد وفقاً للمفهوم العثماني، كأساس لشرعية السلطة، في المجتمعات التي غالبًا ما كان يتشارك فيها القليلون من النخب فقط فكرة ماهية الأمة.

هذه الدول، باستثناء اليمن، خلقتها القوى الاستعمارية التي فرضت نفسها في كثير من الأحيان ضد الأغلبيات التي هُزمت عسكريًا. كان هذا صحيحًا بشكل خاص بالنسبة للدولة العراقية والدولة السورية وفي ليبيا.

أدى فشل هذه الدول إلى حروب أهلية لا نهاية لها، مع تقسيم الإقليم على أسس عرقية أو مذهبية أو إقليمية، ولكن أيضًا إلى نشوب صراعات، معلنة أو غير معلنة، بين دول الجوار من خلال مجتمعات عربية متداخلة وتدويل القضايا التي يشارك فيها العديد من الفاعلين.

هل يجب علينا، في محاولة لحل أزمات اليوم الخطيرة، أن نراهن على تعزيز الدول القائمة؟ ومع ذلك، يوضح التدهور الطائفي للربيع العربي لعام 2011 عدم قدرة الأنظمة السياسية الحالية على الاستجابة للمطالب المشروعة للمجتمع المدني في كل بلد. في كل مكان، كان استخدام القوة هو جواب السلطات القائمة بينما كان الافتقار إلى الحل واضحًا بشكل متزايد. وفيما يتعدى هذه الأنظمة، ألا يجب أن نرى هذه الدول، التي بنيت بشكل مصطنع وفي أغلب الأحيان ضد إرادة الأغلبية، على أنها هي السبب الرئيسي للفوضى؟ ما هي الحلول التي تجعل من الممكن الرد على حركات الاحتجاج اليائسة في سياق عصرنا؟ إنها ليست مسألة الإشارة حصريًا إلى "الخطيئة الأصلية" المرتبطة بالتكوين الاستعماري لمؤسسات الدولة. لكننا لا نبني طريقة للعيش معًا ضد الأغلبية من خلال الاعتماد على الأقليات وحدها. النزعة الجهادية لم تخرج من العدم. إنها متجذرة في السياقات التي يرتبط فيها الفشل الحالي للدولة بمفهومها.

النظام Régime، "ال نظامSystème «الدول ةEtat: على أي نوع من الانهيارات نشهد اليوم؟

هناك العديد من القواسم المشتركة بين انهيار الدول العربية الخمس التي تمت دراستها هنا. فيما يلي ميزاتها الرئيسية.

غياب الدولة L’Etat aux abonnés absents 

سواء تعلق الأمر بانقطاع التيار الكهربائي في بغداد أو بيروت، أو نقص المياه في الحنفية، أو خراب نظام الرعاية الصحية في مواجهة فيروس كورونا، أو عدم جمع القمامة، أو الإهمال في مجال الصرف الصحي لمياه المجاري والمياه المستهلكة. والواقع أن هذه هي المهمات الأساسية لأية دولة لكنها غائبة بشكل مأساوي في هذه الدول الخمس. في سوريا، أعتبر ملايين اللاجئين والنازحين سلاحًا سياسيًا، بل عسكريًا، من قبل النظام في دمشق. العاصمة اليمنية صنعاء، التي تقصف بشكل شبه يومي من قبل طيران التحالف الموالي للسعودية، لم تعد تحت السيطرة الرسمية للدولة وتعيش في ظل حكم الخوف والقحط ونقص المواد والأساسية. وليبيا، على الرغم من ثروتها من المحروقات - أو بالأحرى بسببها - لم يعد لديها أية خدمات عامة، كل جانب أو معسكر يحتكر الثروة للمصالح الخاصة ...

الحل السياسي المستحيل: الدولة الفاشلة تواجه المجتمعات المدنية:

خلال الربيع العربي 2011، أعلنت المجتمعات المدنية التي عانت من آثار أوجه القصور هذه في الدولة رفضها لاستمرار تقصير أنظمتها. بدورها ، شهدت دمشق وحلب وصنعاء وعدن وبنغازي وطرابلس وبيروت حركات غير مسبوقة للمطالبة بالإصلاح. كان الرد هو نفسه في كل مكان: قمع دامي في كثير من الأحيان، لا سيما في سوريا وليبيا. بعد 11 عامًا من إحباط الثورات العربية، لم يتم تنفيذ أي إصلاح، ولا تزال سلطات 2011 قائمة، ليس أكثر من خلفائها، ولم تبدي أية رغبة في القيام بأي إصلاح. فما هو السبب؟

الأمر بكل بساطة أن الأنظمة القائمة أو الموجودة في السلطة، مثل تلك التي حلت محلها، لم يكن لديها الوسائل للقيام بأدنى إصلاح تحت طائلة فقدان السلطة. إن الطابع غير القابل للإصلاح لهذه الأنظمة يوحي بأن المشكلة تكمن في منبعها، في ما استهدفه المتظاهرون وأسموه بـ "النظام" الذي دعوا إلى "تصفيته" وإطاحته. إن "النظام" الذي يشير حتماً إلى طبيعة الدولة التي لا تسمح شرعيتها، حتى لو لم تتم الإشارة إليها صراحة، بالتغيير، مهما كان. دائماً ما نفكر في نفس الحقيقة التي ذكرها الباحث ميشيل سورات: "الدولة في الشرق الأوسط هي عصبية * نجحت 2". تواجه المجتمعات المدنية دولاً تحظر المواطنة المشتركة وجميع الأماكن العامة.

وجها لوجه مع أنظمة السلطة الاستبدادية:

جاءت مطالب المتظاهرين بحرية التعبير والكرامة وإنهاء القمع بالإجماع. وهم يشيرون إلى الأنظمة الاستبدادية والطبيعة العائلية والعشائرية للسلطة في كثير من الأحيان. سجلات العمر الطويل في السلطة تتراكم بالفعل: القذافي (اثنان وأربعون عامًا)، حافظ الأسد (تسعة وعشرون عامًا)، صدام حسين (أربعة وعشرون عامًا)، علي عبد الله صالح (رئيس اليمن) الشمالي من 1978 إلى 1990، م رئيس اليمن الموحد 1990-2012).

2. الباحث ميشال سورات، الذي توفي في الأسر عام 1986 عندما اختطفته جماعة إرهابية لبنانية في بيروت، كان من أفضل الخبراء في المجتمع السوري وعمل الدولة السورية. انظر سوريا. حالة البربرية، باريس، PUF، 2012.

 ونذكر أيضا نبيه بري العضو المؤسس لميليشيا أمل الشيعية ورئيس مجلس النواب اللبناني منذ ... تسعة وعشرين عاما

بعد أن أصبحت أقلية وغير شعبية بشكل متزايد، غرقت هذه الأنظمة في قمع متزايد وشامل. النظام الذي تسبب إلى حد بعيد بأكبر عدد من الضحايا هو بالتأكيد نظام صدام حسين، المسؤول عن مقتل أكثر من مليون عراقي إذا أضفنا القمع إلى الحروب، يليه عدوه البعثي * في سوريا، ويمثله الأسد الأب وابنه.

خضعت المكونات المجتمعية في لبنان إلى "أمراء الحرب" منذ نهاية الحرب الأهلية (1990) التي حرضت الجماعات والفصائل اللبنانية ضد بعضها البعض.

من الواضح أن احتكار الدول للعصبيات هو نتيجة لانعدام شرعية هذه الدول، التي اعتبرتها أماكن خاصة يجب استثمارها وتوليها وإحكام السيطرة عليها على أساس خاص.

* ويلات الطائفية وتداعي الكهنوت:

الطائفية لها تاريخ يعود إلى حقبة العهد العثماني، لكنها أقيمت كنظام سياسي محلي في ظل الانتداب البريطاني والفرنسي للدول الثلاث، العراق - سوريا - لبنان. طغت الطائفية على سوريا بعد جارتيها لبنان والعراق. بالنسبة لليمن، فإن فشل الدولة القومية قيد الإنشاء هو السبب في استفحال الطائفية، في سياق الحروب الإقليمية بين السنة والشيعة. والسبب الرئيسي لذلك هو الافتقار إلى شرعية الدولة. هذه الدول المنتدبة، التي تم الاحتفال بذكراها المئوية في عام 2020، تم بناؤها ضد مجتمع الأغلبية (الشيعة والأكراد في العراق، والعرب السنة في سوريا) ولم يكن لدى المواطنين المفترضين في هذه الدول الجديدة مجال عام، بعد أن وجدوا أنفسهم مسجونين في فخ الطائفية. هذا الفخ في لبنان رسمي، ويصعب أي إصلاح مؤسسي، حيث يُعاد كل فرد إلى انتمائه الطائفي في غياب دولة تضمن مساحة عامة ومواطنة مشتركة. في هذه البلدان التي تتسم بالطائفية، المليشيات طائفية والسيطرة على الجيش الرسمي في مرمى الإستراتيجيات الطائفية.

قوة النظام الميليشياوي:

إن ما يميز كل هذه الدول هو الاستخدام الواسع للميليشيات، أحيانًا في منافسة مع الجيش الرسمي (حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق)، وأحيانًا ضد الجيش الرسمي (سوريا، اليمن)، أو حتى للتعويض عن عدم وجود جيش موحد. غياب الجيش الوطني في(ليبيا). الميليشيات الشيعية أو المرتبطة بها (حزب الله وأمل في لبنان، الحشد الشعبي والفصائل المسلحة الأخرى في العراق، الحوثيون في اليمن) هي الأكثر تنظيماً، تحظى بدعم من إيران، وغالباً ما تتصرف كدولة داخل دولة. تنقسم الميليشيات السنية بين السلفيين الجهاديين (القاعدة، داعش *)، السلفيين * (جبهة النصرة سابقًا في سوريا) وهم غالبًا لا يعترفون بشرعية مؤسسات الدولة. يمثل الإخوان المسلمون، الذين لديهم ميليشيات خاصة بهم، الإسلاميين التاريخيين الموجودين في سوريا ولبنان وطرابلس في ليبيا.

تأتي ثروة نظام الميليشيات من خصخصة الفضاء العام ، بقدر ما يسمح هذا النظام لأعضائه ، الذين غالبًا ما يكونون من أصل ريفي ومحتقر ، ثم فجأة يتمتعون بصعود اجتماعي سريع لا يسمح به الجيش الرسمي الواقع في أيدي العشائر والجماعات الطائفية. هذا هو الحال في العراق وسوريا ولبنان واليمن لأسباب مرتبطة بهيمنة طائفية لمجموعة معينة على باقي المجموعات. لكن هذا هو الحال أيضًا في ليبيا، حيث الدولة رهينة من قبل العشائر الإقليمية. يبلغ عدد الميليشيات الطائفية والميليشيات القبلية المئات للدول الخمس التي تمت مناقشتها في هذا الكتاب (خاصة في ليبيا بالنسبة لعدد الجماعات المسلحة)، وتتراوح جذورها من محلية إلى وطنية. ومع ذلك، فمن المستبعد أن تسيطر ميليشيا لوحدها على بلد بأكمله. أصبحت أراضي هذه الدول تحوي عددًا كبيرًا من المناطق المتفرقة كخطوط جلود النمر، مقسمة إلى العديد من المناطق المتعارضة مع بعضها البعض.

الفساد النظامي والمنتظم:

هل كلمة "الفساد" هي الكلمة الصحيحة الصالحة لوصف الاختلاس المنهجي لموارد كل بلد من قبل مجموعات خاصة؟ لأن الفساد هو اختلاس لسيادة القانون، وهو، في هذه الحالة، لا يوجد في ظل الدول المعنية. ساهم احتكار ريع النفط إلى حد كبير في خصخصة الموارد. فالدول الغنية بالنفط، مثل العراق وليبيا، ترى البؤس يزدهر في كل الأماكن غير المندمجة في ولاءات السلطة. الفضائح التي هزت الطبقة السياسية اللبنانية بانتظام لأكثر من عشرين عامًا نادرًا ما تؤدي إلى قناعات وتفشل في إحداث تغييرات عميقة،

فكل منهما يحتجز الآخر رهينة لأعمال مشبوهة. 

الانتداب، المستعمرة، الأيديولوجيا، وزن التاريخ والنموذج الأوروبي:

من بين الدول العربية الخمس الفاشلة، أربع دول (ليبيا، العراق، سوريا، لبنان) هي دول مستعمر وكيانات استعمارية. إننا نشهد انهيار نظام الدولة الذي أقامته القوى الأوروبية بعد قرن تقريبًا من اليوم الذي أعقب تنصيبه. باعتراف الجميع، يجب أن نتذكر دائمًا أن القوى الاستعمارية أبدت غالبًا أسلوبًا استوائيًا أو مدارياً لصالح الأقليات، بناءً على ملاحظة أن هذه الأقليات أكثر طواعية لأنهم يعرفون أنهم أقليات وأن الكفاح ضد الاستعمار كان من قبل الأغلبيات الأولى (الشيعة) في العراق، السنة في سوريا). مرة أخرى، لا يتعلق الأمر بمناشدة التاريخ لإضفاء الشرعية على أي حتمية. سقط اليمن الموحد في نفس الفوضى دون أن يكون خليقة استعمارية. وهذا يثير تساؤلاً حول مرونة المؤسسات، خصوصًا، للمفارقة، عندما تكون مفلسة. ثم تصبح أفخاخًا يصعب الهروب منها.

لإعطاء معنى لمؤسسات الدولة هذه، تم استدعاء الأيديولوجيات (القومية العرقية، الليبرالية، الماركسية). ومن نقاط الاشتراك فيما بينها هي أنها مؤسسات مستوحاة من أوروبا وأنهم أكدوا وجود هويات وطنية بالكاد ناشئة (عراقية وسورية ويمنية وليبية على وجه الخصوص). وقد سلط الاحتفال بالدولة القومية، في المؤتمرات المختلفة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، الضوء على حق الشعوب في تقرير المصير. في ذلك الوقت، لم يكن بوسعنا أن نتخيل التطور المحتمل للديمقراطية بدون إطار دولة قومية، نموذج للحداثة الديمقراطية الذي كان من المفترض أن يكون عالميًا. نعلم أن استعمار فرنسا لبلاد الشام لم يتم باسم الكاثوليكية أو باسم العلمانية، بل باسم التمدين والعصرنة أو باسم الــ "مهمة الحضارية" التي احتفل بها جول فيري. كانت الفكرة أن التعلق المفرط بالدين هو سبب التخلف والتراجع الحضاري. كان سبب التفويضات أو الانتدابات التي أسندتها عصبة الأمم (SDN) كانت عبر تفويض هذه المهمة إلى الديمقراطيات الأوروبية.

المشكلة هي أن الحداثة والتقدم التكنولوجي التي ترافقها، هي أيضًا مصدر قوة وسيطرة للأكثر تطوراً على أولئك الذين هم أقل تطوراً. لا عجب أنه غذى المرحلة الأخيرة من الاستعمار. من خلال القيام بذلك، صادرت أي وصول مستقل إلى الحداثة السياسية الديمقراطية للأقل حداثة، خاصة وأن الممارسة أظهرت بشكل جيد الانتكاسات المنهجية للمثل التي بشرت بها عصبة الأمم SDN في سياق استعماري. لا يمكن إصدار مرسوم للأمة من الخارج لسكان ليس لديهم "بعد" هوية وطنية قوية.

أدت هذه الحداثة الإمبريالية إلى نشوء حداثة تفاعلية معادية للأيديولوجيات التي تم استيرادها بهدف إضفاء الشرعية على مؤسسات الدولة - المؤسسات التي يتم محاربتها الآن (باستثناء لبنان) والتي فشلت في تمثيل مجتمع مشترك. لم تنجح القومية العربية والماركسية والليبرالية في تحرير المجتمعات كما كانت تأمل عدة أجيال خلال فترة زمنية يمكن وصفها بمرحلة الأوهام القومية (عموماً من سنوات الثلاثينات ولغاية سنوات الستينات. وهكذا، فإن علمنة المجتمعات العربية قد حدثت بشكل متزايد من خلال الدين، الأمر الذي قد يبدو متناقضًا بالنسبة للعلمانية الفرنسية. كما أن فشل الدولة اليمنية الموحدة هو فشل الأيديولوجيات التي ميزتها: القومية العربية في صنعاء، والماركسية في عدن.

التدخلات الأجنبية الهيكلية:

إيران وتركيا ومصر والإمارات العربية المتحدة بالنسبة لدول المنطقة ؛ و روسيا والولايات المتحدة والصين للقوى العظمى: إن الافتقار إلى شرعية الدول العربية المفلسة وما يترتب عليه من عواقب وخيمة ، فتح الطريق أمام التدخل الأجنبي الذي تنبثق عنه حروب متعددة من قبل وسطاء عرب. ولم يمنع حظر الأسلحة الذي فرضه المجتمع الدولي مثل هذا التدخل حتى الآن. إيران هي الأكثر انخراطا وتدخلاً في العراق وسوريا ولبنان. تركيا هي الأولى في سوريا، ولكن أيضًا في العراق وليبيا. الولايات المتحدة هي أصل النظام السياسي العراقي الجديد ولعبت، جنبًا إلى جنب مع الروس، دورًا حاسمًا في الهزيمة العسكرية لداعش في سوريا. هناك تقاربات متعددة في المصالح بين روسيا وإيران، حيث اختارت موسكو المعسكر الشيعي ضد السلفيين، ولكن أيضًا ضد تركيا. تبدو التحالفات أحيانًا متناقضة: روسيا ومصر والسعودية ضد تركيا في ليبيا؛ الإمارات العربية المتحدة ضد المملكة العربية السعودية في عدن ... هذه اللعبة المروعة هي علامة على تغييرات أعمق: الطلاق بين المملكة العربية السعودية ومناقلها التقليدية (الإخوان المسلمون، ثم السلفيون)، صعود القوة الإقليمية تركيا أردوغان، المرشح الراغب في أن يملأ المكان الذي تركته المملكة العربية السعودية شاغرا.

الهيدروكربونات كعامل تفاقم:

يمتلك العراق وسوريا واليمن وليبيا - والآن لبنان، منذ الاكتشاف الأخير لحقول الغاز في البحر الأبيض المتوسط - موارد من النفط والغاز تحولت إلى لعنة لأنها مكّنت أنظمة الاستدامة الموجودة وشجعت التدخل الأجنبي. هذه الدول الريعية، وخاصة بالنسبة للدول الأكثر ثراءً مثل العراق وليبيا، ضحت باقتصاداتها من أجل "النفط بالكامل" بينما أثرى البترودولار الطبقات الحاكمة ، التي استخدمها على نطاق واسع لشراء الولاءات.

كان هذا صحيحًا بشكل خاص بالنسبة للأنظمة الاستبدادية المخلوعة في العراق وليبيا. أدى تأميم النفط من قبل صدام حسين عام 1972، المرتبط بطفرة النفط في السبعينيات، إلى تمكين النظام العراقي من التمسك بالسلطة في مواجهة معارضة مشتركة من الشيعة والأكراد والحزب الشيوعي، الذي عاد مرة أخرى لنضال السري. مولت مكاسب النفط غير المتوقعة الحرب التي استمرت ثماني سنوات ضد جمهورية إيران الإسلامية الوليدة، وأدى عبء الديون المتصاعدة على بغداد إلى حروب جديدة. أما بالنسبة لنظام القذافي، فقد بدا أكثر جاذبية لأنه ادعى أنه، منذ التسعينيات، محصن ضد الإسلاموية في عيون بعض السياسيين الغربيين الذين كانوا بعيدين عن عدم المبالاة. ناهيك عما تجلبه السيطرة على الهجرة إلى أوروبا. في2020، العملاء الرئيسيون للنفط الليبي هم إيطاليا (18٪) والصين (16٪) وألمانيا (15٪) وإسبانيا (15٪)؛ العملاء الرئيسيون للنفط العراقي هم الصين (26٪) والهند (24٪) وكوريا الجنوبية (9٪) والولايات المتحدة (8٪). الكثير من شبكات التأثير بالإضافة إلى "الرعاة parrains" الأكثر تنوعًا، الدول المجاورة وغير المجاورة. أخيرًا، يجب أن نتذكر أن وجود الهيدروكربونات يجعل أي تساؤل حول الحدود أمرًا صعبًا.

المجتمع الدولي، حل؟

اليقين الأول هو أن الدول الفاشلة لن تنهض من رمادها وأنه سيكون من الوهم أن تراهن عليها من أجل حل سياسي مستقبلي للأزمات التي تعيشها. هذا هو التحدي الذي تواجهه أوروبا على خط المواجهة في مواجهة الكارثة العربية. لأن الرغبة في استعادة سلطة الدولة الفاشلة من المرجح أن ينتج عنها تأثير معاكس. ومع ذلك، فإن هذا هو إغراء معظم المستشارين الغربيين، الذين ربما يكونون مرعوبين من فكرة تغيير نظام الدولة في الشرق الأوسط. الاعتماد على القوى الاستبدادية المنهارة لمواجهة تهديد الجهاديين هو أعظم خدمة يمكن تقديمها لهؤلاء الجهاديين أنفسهم. التغيير العميق ضروري إذا أردنا أن نأمل في الاستقرار في المستقبل - في حال كان هذا الاستقرار هدفًا مقصوداً ومستهدفًا عن قصد من قبل مختلف الأطراف المعنية. ... هذا التغيير لا يعني اختفاء دولة أو تعديل الحدود: إنها مسألة إضفاء الشرعية عليها.

كيف ومن يستطيع فعل ذلك؟

بالتأكيد ليست البلدان المتورطة في صراعات المنطقة ولا القوى الاستعمارية السابقة تميل إلى الاستمرار في إدارة إرث ثقيل. ومع ذلك، يبدو أن هناك فاعلًا خارجيًا ضروريًا لأن المجتمعات المدنية في المنطقة محاصرة بسبب نقص المحاورين. إنها الفترة التي يمكن وصفها بأنها أوهام وطنية (تقريبًا، من الثلاثينيات إلى نهاية الستينيات). يبدو أن الفاعل الوحيد الممكن هو المجتمع الدولي من خلال الأمم المتحدة. هل هي قادرة وهل لديها الإرادة؟

يحتاج المواطنون إلى الظهور. لذلك، هل لا يزال من الضروري استشارة هؤلاء المواطنين المحتملين في المستقبل بشأن ما يريدون: في أي دولة يريدون العيش ومع من وفي أي حدود؟ إن تنظيم الانتخابات في إطار الدول الحالية سيكون أسوأ شيء لأنه يخاطر بإعطاء مظهر ديمقراطي لانقسامات ليست سياسية ولا مدنية وإنما عرقية وطائفية أو قبلية. لقد دفع العراقيون ثمنا باهظا لخدعة الاستفتاء هذه حيث خلطنا عن قصد بين الأغلبية الديمقراطية والأغلبية الديمغرافية. والاستفتاء الذي نُظم في 1918-1919 حول رغبات العراقيين فيما يتعلق بمستقبلهم، حيث رضخ البريطانيون لضغوط الرئيس الأمريكي ويلسون، رسول "حق الشعوب في تقرير المصير"، يمكن أن يكون مثالاً... بشرط احترام الرغبات المعلنة خلافا لما فعله البريطانيون عام 1920.

يبدو أن البعثة الخاصة التي قادها غسان سلامة في ليبيا للأمم المتحدة بين عامي 2017 و2020، كانت مشجعة، في هذا الصدد (حتى لو انتهت بالفشل)، لأنها كانت تهدف إلى معالجة المشكلة في المنبع ولم تعد على أساس انتخابي مقيِّد بسيط.. حل الميليشيات، إقصاء الدول المتورطة في الصراع، تعزيز حظر السلاح، الجدل حول الهوية الليبية: ألا يجب أن تستمر مثل هذه المهمات وأن تمتد لتشمل كل الدول التي تعاني من أزمات في المنطقة؟ هذا ما تطالب به شعارات المتظاهرين في بيروت وبغداد بانتهاء «النظام» القاتل الذي ادخل بلادهم الى الفوضى. يتطلب الأمر جهة فاعلة خارجية محايدة، إن وجدت، لتمكين مثل هذا التغيير. فقد باتت هناك ضرورة ملحة  لمثل هذا التغيير المرتقب.

***

..................

1- يتم تعريف المصطلحات التي تليها علامة النجمة في المسرد في

نهاية الكتاب، ص. 225. 

يسعى الناقد خالد حسين هنا في مغامرته الحميمة في تخوم الشعر لبيان الاقترافات في التأويل من بوابة سعيه لفهمه للتأويل من زواية أنه مهما بدا ناقصاً أو خاطئاً إلا أنه واقع بحكم رأي المؤول وطريقة فهمه ، حيث يبين في كتابه هنا سوءات الوقوع في متاهات غير محمودة من التأويل للنص ، في حين تبدو أكثر النصوص الشعرية النثرية منها على وجه الخصوص، بما يتعلق بالرمزي مشرعة أمام تأويلات كثيرة، حال الواقف أمام لوحة تشكيلية زاخرة بالألوان بهيها ومعتمها، فما الذي دعا الناقد هنا لاستخدام كلمة اقتراف، سنعود إلى هذه الكلمة وذلك عبر تفكيكها، ففي شمس العلوم : اقترف الشيء أي اكتسبه ويقال فرّقه بأمر أي اتهمه به فاقترف به،"شمس العلوم – نشوان بن سعيد الحميري" أما في معجم الزائد : اقترف اقترافاً: -اقترف الذنب : فعله، اقترف المال : اقتناه،ربحه ، اقترف من مرض فلان: أصابه مرضه.“ الرائد جبران مسعود.

حيث يستبدل خالد حسين التأويل بكونه مغالطة ويفتح الباب لمتاهة من الهفوات بالتفكيك حيث يقول هنا ص 161: „إن التفكيك في الأساس بحث عن التناقضات والفجوات والمسكوتات التي تخترق بنيات النصوص وهذه الأخيرة ليست إلا نتاج اللاوعي الجمعي المنبثق من تجاويف النظام السوسيوثقافي الذي يقف وراء النصوص ويحرسها من القراءة ومن ثم يشكل جانباً من جوانب سياساته" فالناقد هنا ينحاز للتفكيكية بدلاً من التأويل بكون التفكيكية مشروع قراءة وكسر للمألوف من تقاليد سائدة في النظر للعمل الإبداعي والذي قام جاك دريدا عبرها بتأكيد رفضه لثلاث مقولات وهي: سلطة العقل والحضور والمقولات البنيوية، وبالتالي فإن الناقد خالد حسين ينتصر في مجمل كتابه للمنهج التفكيكي لأنها طريقة لكشف معالم النص وفهمه محتجاً في ذلك على تلك المتاهات التي اتسم بها النهج التأويلي الانطباعي ، بيد أن التفكيكية ما تزال مبهمة وتدعو للثورة على النص المؤول وهذا ما يجعلني أرجح التأويلية كمنطلق لفهم متوالد ومتجدد للعمل الإبداعي بمعزل عما يذهب إليه الناقد بوصفه للتأويل كجنحة ممارسة على العمل الإبداعي ، الأمر الذي يجعل المساحة تضيق أمامه بخاصة حين ينجرف النقد إلى الانطباعية التي تقاد بمنطق ذاتي قائم على الأحكام والرؤى المسبقة والجاهزة، الأمر الذي يذهب بالناقد مذهب التضليل والتلاعب بالمنتج الموضوع بمزاجية. ذاتية في غالب الأحيان.

لاسيما وأن الكثيرين رؤوا في التأويل كفكرة فلسفية مدخلاً وسبيلاً لفهم النص ، بيد أن المفكرة الأمريكية سوزان سونتاغ عارضت التأويل في كتابها "ضد التأويل ومقالات أخرى" لكنها انتصرت لمنهج التأويل. المقونن، أي أن يكون مستنداً لقوانين وليس لرغبات ذاتية مزاجية.

وإذا نظرنا لمعنى التأويل فهو يعني التفسير والشرح وقد كان موضع نقاش الفلاسفة قديماً وحديثاً ، فقد مارسوا التأويل كطريقة فهم كما عمل ابن رشد على فهم فلسفة أرسطو في كتابه شرح فلسفة أرسطو وقد كان ارسطو مع التأويل وكذلك في الوقت المعاصر برز شيلر ماخر الذي وظف التأويل في الدراسات التاريخية والإنسانية معاً وهكذا تدرج التأويل الفلسفي وأخذ ينحو منحى فهم النصوص الأدبية ونقدها كما فعل غدامير وبول ريكور.

وبما لاشك فيه فإن التأويل يذهب مذهب تطويع المنتوج الإبداعي لخدمة المؤول وأفكاره كما برز النقد الإيديولوجي بكونه طريقة لفهم النص والعمل الإبداعي على نحو إيديولوجي وقد رأى بول ريكور أن النص عبارة عن رموز لهذا راح ينقّب في المعاني والدلالات استناداً لمفهوم الهيرمينوطيقا في تفسيره للنصوص الدينية وكذلك الدنيوية، فالكتاب بمجمله مسبوك بلغة تذهب للتلميح واستخدام التوصيفات ذاتية الفهم متعلقة بالمعجم اللغوي للكاتب مثالاً : ص 158 „القراءة الثقافية مفهوم عام يشتمل على استراتيجيات متنوعة ومتعددة في مقاربة الممارسات الدالة تعمل في الحقل الخاص بها من منظور العلاقة عبر البريئة بالعالم" نضع إشارة على كلمة بريء ، التي استخدمها الناقد هنا عن نعت لصيق بالإنسان المتهم ، وهنا أيضاً " القراءة الثقافية مدعاة إلى الإعلان عن جثة القراءة النصية الحريصة على تجفيف التواصل الرطب بين النص والعالم" نلحظ هذين التعبيرين جثة القراءة والتواصل الرطب حيث يمكن توظيفهما في حقلي الشعر والنثر الأدبي وليس النقدي ، إذ لم يكن إدخالهما عنوة إلا مدعاة إذكاء للغموض الذي يحيلنا لما قاله: البحتري في احتجاجه على الشعراء المتكلفين أو الغامضين حينذاك قائلاً:

كلفتمونا حدود منطقكم والشعر يغني عن صدقه كذبه-

والشعر لمحٌ تكفي إشارته وليس بالهذر طوّلت خطبه-

تذكري لما قاله البحتري يمكن قياسها على لغة الكتاب وإسلوب التطرق لقضايا التأويل والتفكيك اللتين شغلتا الكاتب هنا في هذا الكتاب وهي محاولة مقتضبة ومكثفة من قبلي لقراءته وهو إلى جانب غموضه فإنه حقق بالفعل المتعة الفنية وتحريك التساؤل في الذهن حول معاني ودلالات النص وتلك الرموز التي تستوجب منا جدية أكبر في فهمها بعيداً عن التصحر البنيوي على حد تعبير الناقد حسين خالد، حيث لا انطباعية ذاتية ولا نقد أكاديمي منغلق وإنما انتصار للتفكيكية وبيان قيمها دون مجافاة التأويلية كمنهج، والدعوة لرسم معالمها. وإحياءها في التعامل مع النصوص الشعرية على وجه خاص في الحاضر والمستقبل غير المنظور

***

ريبر هبون

الدكتور المرحوم عبد الرضا عوض، اسمه الكامل عبد الرضا عليوي سعيد عوض  أديب وباحث مختص بالتأريخ الحديث، خاصة تاريخ الحلة، وُلِد في الحلّة محلة الجامعين عام 1952م، وتوفي بوباء كورونا في 11/11/2021م، تغمده الله  تعالى بواسع رحمته، ترك إرثا تأريخيا وثقافيا غير قليل، هو عضو اتحاد المؤرخين العرب، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، وعضو جمعية الرّواد الثقافية في بابل، وعضو هيأة كتابة الأنساب العربية، رئيس مجلس إدارة مجلة أوراق فراتية، له كتابات في اختصاصة في عدد من الصحف والمجلات، أصدر عددا من الكتب، نذكر منها:

شعراء الحلة السيفية أيام الأمارة المزيدية وما بعدها، أوراق حلّية من الزمن الصعب في القرن العشرين، تأريخ الصناعات والحرف الشعبية، الحلة في العهد الجمهوري الأول، صفحات بابلية، تأريخ الصناعات والحرف الشعبية، مشهد الشمس وحديث الجمجمة، أدباء بابل وكتابها المعاصرون (أربعة أجزاء)، الدّرة البهية في تأريخ المدحتية، الشوملي نشأتها تطورها، ندوة عشتار، تأريخ غرفة تجارة الحلة، تأريخ الطب والأطباء في الحلة، الانتفاضة الشعبانية 1991م في الحلة، الجذور التأريخية للأسرة العوضية . وتوجد له كتب أخرى إضافة لكتابه:

الحلة وحكّامها

الأمراء/ الحكّام/ الصدور/ القائممقامون/ المتصرفون/ المحافظون

منذ تأسيسها عام 495هج حتى عام 1432 هج

1101 إلى 2011 م

الطبعة الأولى للكتاب عام 2011م، والطبعة الثانية عام 2012م، نرى  المرحوم الدكتور عبد الرضا عوض معتزا كثيرا بمدينته الحلة، نقل ص3 من كتابه قولا من مذكرات سندرسن باشا(1) هو:

((رحتُ أحسد كلّ إنسان يُعيّن للقيام بواجب ما في مدينة الحلّة)) .

الكتاب مكون من مقدمة، ومدخل ويوجد نهاية المدخل عنوانان، ضوء 1، ضوء 2  ثمّ الباب الاول بعنوان حُكّام الحلّة، وفيه تسعة أقسام ثمّ الباب الثاني وفيه سبعة عناوين.  نستعرض بعضا من معلومات الكتاب القيّمة لتكوين صورة مقرّبة للكتاب. في المدخل وتحت عنوان (الحلّة وموقعها) يقول: الحلة معناها النزول بالأرض حسب لغة القوم وقد حلّ بها آل مزيد فسمّيت حلّة يقول الدكتور عبد الرضا عوض: الحلّة نقصد بها المدينة التي تقع بين بغداد والكوفة، امتدادا وتوسيعا للجامعين. زارها عدد كبير من الرّحالة العرب والأجانب، وسُمّيتْ الجامعين حسب رأي العلامة هادي كمال الدين الذي نقله الدكتور عبد الرضا عوض، لوجود جامعين إثنين هما جامع ومرقد الصحابي عبد العزيز بن سراي وهو من أصحاب الإمام علي (ع) الذي استشهد في معركة صفين، وجامع ومقام الإمام جعفر الصادق (ع). ولوجود هذين الجامعين المتقابلين سُمّيتْ المنطقة المحصورة والمجاورة لهما بالجامعين قبل عشرات السنين من تمصيرها من قبل سيف الدولة الاسدي سنة 495هج، وحملت فيما بعد اسم الحلة السيفية وبقيت الجامعين محلة عتيدة.

تذكر المصادر التأريخية أنّ الإمام علي (ع) قد حطّ رحاله في الحلة عند عودته من معركة النهروان سنة 37 هج في المكان الذي ما يزال يطلق عليه (مقام الإمام علي –ع-). وضمن المدخل ايضا يذكر الدكتور عبد الرضا عوض في (ضوء 1) المصادر التي أرّختْ لمدينة الحلّة، وفي (ضوء 2) يذكر الأقوام التي حكمت الحلة. الباب الأول مكون من تسع اقسام، تناول فيها أسماء الامراء والحكّم والصدور والقائممقامون والمتصرفون ثم المحافظون، وأول الأمراء هو صدقة بن منصور المزيدي، تولى الإمارة في منطقة النيل بعد وفاة والده منصور بن دبيس سنة 479هج، وبارك هذه البيعة الخليفة العباسي المقتدي بالله والسلطان ملكشاه السلجوقي ولُقّب (سيف الدولة). استقر المزيدون في أرض بابل شرق مدينة بابل الاثرية، وكانوا يسكنون الخيام العربية،  ثمّ انتقل صدقة من النيل إلى منطقة الجامعين، وسبب انتقاله تهديده من قبل السلطان بركيارق (الدهستاني) بسبب دَيْن كان قد استحق عليه لخزينة الدولة، وأبلغ السلطان السلجوقي صدقة أنّه ((قد اجتمع عليه للخزانة السلطانية ألف ألف دينارا، فإن لم تؤدها وإلّا بلدك مقصود)). فأصبحت فكرة الانتقال لمكان يجنبه الحرب واجبا، فكانت محطته ومبتغاه الجامعين التي هي سُكنت قبل هذا التأريخ، فكانت مكانا اهتدى إليه، وأطلق عليها اسم (الحلة السيفية) أو (الحلة المزيدية) سكنها في شهر محرم عام 495 هج، وقد حفر خندقا حول المدينة لغرض حمايتها من السلاجقة.

خضعت الحلة لحكم المغول سنة 656هج بعد سقوط بغداد مباشرة، بعد وصول أخبار الحملة المغولية إلى الحلة، وما ارتكب المغول من مجازر وخراب في بغداد أصبح الرأي لدى وجهاء وعلماء الحلة، أن يراسلوا هولاكو لحماية المدينة، فأرسلوا وفدا برئاسة مجد الدين محمد بن طاووس الحلي، وطلبوا من هولاكو عدم استباحة مدينتهم فوافق بشرط أن يظهروا الطاعة، فتولى أمر الحلة تاج الدين بن الدوامي.

عاشت الحلة سنين من الصراع بين العثمانيين والصفويين، فكانت ساحة لصراعاتهم، عام 914 هج دخل الشاه اسماعيل الصفوي العراق وقضى على دولة الآق قوينلو العثمانية، واتخذ من الحلة مقرا له، عام 941هج دخل سليمان القانوني العثماني الحلة دون مقاومة وعسكر بها، عام 1033 هج احتل الحلة الشاه عباس الصفوي واستعادها العثمانيون عام 1040هج، وبقيت الحلة ساحة لقتال الجيشين العثماني والصفوي نحو ثمانون عاما متقطعة، أخيرا خضعت لحكم العثمانيين، إذ أصبحت زمن الوالي مدحت باشا وحدة إدارية بدرجة لواء يديرها متصرف، تتبعها أقضية هي: السماوة، الديوانية، الهندية، النجف، الشامية.

في أواسط 1892م جفّ شط الحلة ونزح الأهالي إلى المدن المجاورة مثل بغداد وكربلاء، فكان من وجهة نظر الوالي العثماني (حسن رفيق باشا) نقل مركز اللواء إلى قصبة الديوانية بعد أن أخذ موافقة الباب العالي، فأوعز الوالي إلى متصرف الحلة (علي رضا باشا) بالنقل إلى الديوانية لكنّه رفض ذلك واستقال من وظيفته. وعين (واصف باشا) محاسب الاوقاف في بغداد وكيلا للمتصرف، و(وسعيد باشا الموصلي) متصرفا للواء، وعُيّن (عارف بيك الآلوسي) قائمقاما لقضاء الحلة.

اشتهر تأريخ الحلة الحديث بما يسمى (دكة عاكف)، يقول الدكتور عبد الرضا نقلا عن الشيخ يوسف كركوش: في أوائل عام 1335هج أغار عاكف بيك على الحلة من معسكره في سدة الهندية، وطلب من زعماء الحلة أن يسمحوا له بالمرور، ثمّ يذهب بجيشه إلى جهة أخرى بمهمة عسكرية، وكان يقصد بهذا الطلب الخداع. وأضاف الدكتور عبد الرضا عوض نقلا عن الدكتور البصير في مذكراته: شكّل أهل الحلة وفدا لاستقبال عاكف بيك، وكان الوفد برئاسة السيد محمد علي القزويني وكان رفعت الجادرجي حاضرا هذا اللقاء، التقوا بالجيش التركي في مقام مشهد الشمس، لكنّ السّفاح عاكف بيك احتجز الوفد واعتبرهم رهائن.

يقول الدكتور عبد الرضا عوض نقلا عن الشيخ كركوش: أعدم السّفاح عاكف أكثر من  (126) رجلا على شكل وجبات يومية، عُلقَتْ جثثهم على تل الرماد وبعضها مقابل بناية القشلة مدة ثلاثة ايام، ونفى عاكف جماعات كبيرة من أهل الحلة إلى ديار بكر بينهم أطفال وشيوخ وعجائز، مات بعضهم في الطريق بسبب الإعياء والجوع والضرب المبرّح، وقصفت مدافع عاكف التي نُصبت على تل الرماد إرث المدينة العلمي والأدبي في محلات الجامعين والطاق وجبران والوردية في الجانب الصغير من الحلة، بلغ عدد الشهداء الذين قتلهم عاكف وجيشه (1500) شهيدا والذين شنقوا (127) شهيدا، والذين نفوا إلى ديار بكر (231) فردا.

بعد انهيار الدولة العثمانية وسقوطها، دخل الجيش البريطاني بغداد في شهر آذار عام 1917م، ثمّ بدأ البريطانيون بالتحرك إلى بقية المدن العراقية، دخلوا الحلة في شهر نيسان من السنة نفسها. الميجر (بولي) عُيّن حاكما عسكريا سياسيا للحلة يعاونه (كولدن سمث)، في عهده تمّ تأسيس أول مستشفى في الحلة في محلة المهدية عام 1918م، الملاحظ أنّ حكّام الحلة حتى عام 1921م كانوا خليط من جنسيات متعددة ولم يحكم الحلة من أبنائها سوى (مرزوك أغا) ولمدة قصيرة. بعد ذلك بدأ ما يُسمى العهد الوطني (الملكي) 1921م حتى سقوط حكم حزب البعث في 2003م.

هذا استعراض مختصر لكتاب الدكتور عبد الرضا عوض تغمده الله تعالى بواسع رحمته، وجعل إرثه العلمي والثقافي في ميزان حسناته إن شاء الله تعالى، نتمنى أن ينال هذا الاستعراض المختصر رضا القارئ الكريم.

***

علي جابر الفتلاوي

....................

(1): هاري سندرسن باشا (1891م – 1974م) طبيب انكليزي تم تعيينه طبيبا للصحة في مدينة الحلة عام 1919م، حتى اندلعت ثورة العشرين، نُقِل إلى بغداد طبيبا للعائلة المالكة العراقية، وهو أول عميد لكلية الطب العراقية عام 1927م.الموسوعة الحرّة.

ورد في ص13 من التقديم/ المقدمة/ كتاب علي الوردي والمشروع العراقي التالي: [لقد تبارت الكتب بعدد ونوع من يقرؤها فكانت الغلبة لكتب الوردي ليس لكونه عراقياً قحاً وقريب من هواجس الناس او من طبيعة أسلوبه السردي الممتع ولغته المبسطة المفهومة الممتعة. لكنه كان دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات كل ذلك جعله  مقروء من قبل جل الطبقات والاطياف الفكرية وبالرغم من منهجه البحثي ومن عدم مداهنته او موالاته لأي قوى متسلطة في تلك الحقبة من محافظة ملكية ودينية طائفية ومثقفة كما قومية عروبية او يسارية او ليبرالية] انتهى

تطرقتُ الى هذا المقطع في السابقة ولكن ليس بالكامل حيث بقيت قضايا/نقاط  مهمة يكررها محبي الوردي ومن كَتَبَ عنه وهي:

أولاً: ورد: [....وبالرغم من منهجه البحثي ومن عدم مداهنته او موالاته لأي قوى متسلطة في تلك الحقبة من محافظة ملكية ودينية طائفية ومثقفة كما قومية عروبية او يسارية او ليبرالية] انتهى

عن مداهنة الراحل الدكتور علي الوردي اليكم ما كتبه في ص314 من كتابه [الاحلام/1959]:

1 ـ [وصفني احد المسؤولين في العهد البائد باني كنت في كتبي السابقة "أدس السم في العسل" ولست بحاجة الى تفسير المقصود من هذا القول في عرف ذلك العهد فالسم يعني يوم ذاك كل ما لا يرضى عنه الحكام من آراء واعترف اني كنت لا اتوانى عن دس "السم" في جميع ما كنت اكتبه او احاضر فيه ولكني اعترف كذلك باني كنت ادس " السم" دساً خفيفاً يكاد لا يبين له طعم او ينتج الأثر المنشود منه] انتهى

*تعليق: هل هذا السم اقوى من السم الذي طرحه بعض النواب او الشعراء او بعض رجال الدين في تلك المرحلة او هو اقوى من السم الذي كانت تشيعه وتقدمه الأحزاب السياسية الشيوعي منها والقومي وحتى الإسلامي عن قصائد الشعراء ولافتات التظاهرات وشدة الانتفاضات التي كانت تقودها تلك الأحزاب والشخصيات السياسية؟ هل كانت مقالات الوردي وكتبه تُسْقِطْ او أسْقَطَتْ حكومة من حكومات الفترة/ المرحلة الملكية التي وصل حالها إلى ان لا تُعَّمِرْ اشهر؟ هل كان احد من المساهمين في حركة/انقلاب/ثورة1936 او1941 من قراء مقالات الوردي الصحفية التي يقول احد مؤلفي هذا الكتاب انه بدأ بنشرها وهو في عمر(17) عام أي قبل الحدثين بسنين؟ هل تطرق الوردي بصفته عالم اجتماع الى تأثير تعليق جثامين ثوار 1941 على أعمدة الكهرباء في الساحات العامة على المجتمع العراقي وكذلك اعدام السياسيين الشيوعيين فهد ورفاقه وتعليق جثامينهم كما فعلت الحكومة مع جثامين ثوار 1941؟ هل رُفعت راية او لافته او اُلصِقَ منشور يحمل قول للراحل الوردي؟ هل شارك الوردي في نشاط سياسي او تظاهرة او اعتصام او انتفاضة؟

ركزوا لطفاً على""بأني كنتُ أدس السمَ دساً خفيا يَكادْ لا يبين له طعم او ينتج الأثر المنشود منه" 

ما قيمة السُمْ الذي لا طعم له ولا يترك أثر؟ ألا يمكن أن يكون هذا السُمْ وبهذه الجرعة مخدر للناس يحد من حركتهم المجتمعية والسياسية.

تبينوا عدم مداهنة الراحل الوردي...كم عراقي في تلك الحقبة استطاع ان يميز بين سم الوردي عديم اللون والطعم والرائحة والأثر وبين العسل الطاغي فإذا كان السم ضد الملكية/ الحكومة كما يقول الوردي وكما يُفهم من القول فأكيد كان العسل بجانبها. وهذا اعتراف خطير من الوردي بأنه كان ينشر عسل الملكية...وفي قوله هذا كان مع الاعتذار له غير صادق حيث أراد به هنا مُدارات الظروف التي سادت في تلك الأيام حيث عام 1959 الصاخب سياسياً واجتماعياً في العراق.

2 ـ [لقد كنت بعبارة أخرى اتبع سبيل المراوغة والمدارات في مختلف كتاباتي ومحاضراتي أي اني كنت اتبع طريقة " كليلة ودمنه" الذي الفه بيدي في قديم الزمان وقد جابهني البعض بالنقد الشديد على الطريقة "البيدبانية" فكانوا يقولون عني اني ادور حول الفكرة دون ان ادخل في صميمها واخرج منها أحيانا بغير النتيجة...هذا كله صحيح اعترف به ولا اريد ان ابرئ نفسي]انتهى

*تعليق: هل المراوغة والمدرات احد اشكال عدم المداهنة؟

عن كليلة ودمنه...هل كان الملك طاغية حيث دفع هذا الطغيان الراحل الوردي للذهاب اليه وتقديم النُصح له، كما ورد عن كليلة ودمنة وبيدبا؟...هل غضب الملك او اتباع الملك على الراحل علي الوردي وامر بقتله قبل ان يُغَّير رأيه؟...هل طلب الملك من الوردي إعادة ما قال واعتمده؟... ثم من كان يعرف كليلة ودمنة او قرأه من أعضاء البلاط الملكي في العراق او السياسيين او عامة الشعب حتى عرفوا قصد الوردي هذا؟ الرجل الوردي يؤكد على انه كان يلف ويدور ويعترف ب(اللف والدوران) الذي سارت عليه حياته في جانبها السياسي...اليس في ذلك مهادنة؟

3 ـ[لقد كنتُ في الخمسينات مخير بين امرين اما ان افصح عن الرأي بصراحة تامة فاذهب الى السجن او اراوغ فيه واداري فأتخلص من السجن ومغبة قطع الارزاق وبعد تامل وتمحيص وجدت الامر الثاني أجدى واصلح لي وللقراء بيد ان الوسيلة لم تعد ناجعة في عهود الثورة فتوسل المراوغة والمدارات يدل على فسحة واسعة في حرية التعبير داخل النظام السياسي نفسه....الخ] انتهى

*تعليق: كم كانت أصوات المعارضين للنظام عالية دون ان يتحمل احد من أصحابها تبعاتها؟ كم كان عدد اساتذة الجامعة من المعارضين المجاهرين في معارضتهم للنظام الملكي ولم تُقطع اعناقهم وارزاقهم؟ كم كان عدد الشخصيات السياسية المعارضة علناً للنظام وظلت معارضة وينظر اليها باحترام وتقدير وبعضها كان يُستشار؟

كل اقوال الوردي هذه كان فيها غير دقيق ويلوي فيها الصحيح واصدرها في عام 1959 تفادياً كما قلتُ لحالة قد ظن ان فيها خطورة عليه.

ومن كل ما ذكرته يظهر جلياً ان الراحل الوردي لم يكن جريئاً بنقده المجتمع العراقي...او العائلة المالكة ال "متسفلة" كما وصفها

هل أسس الوردي بكل ما اثاره من ضجة مدرسة او مجموعة تسير معه لدراسة المجتمع العراقي؟؟

ثم يأتي كاتب التقديم/ المقدمة ليقولَ قولاً باطلاً حيث كتب في ص17 التالي:

[ اذا كانت لومضات الفكر من تأثير في احداث التاريخ كما كان مونسيكيو في اشعال الثورة الفرنسية او الرعيل اليساري الثوري الذي اجج الثورة الروسية فان أفكار علي الوردي قد اينعت باقل من عقد وكانت الشرارة الفكرية وراء انبثاق ثورة 14 تموز1958 حينما تيقن عبد الكريم قاسم ورعيله ان لا طائل في معالجة بداوة السلطة سواء كانت عروبية او تركوية او كردوية او فارسية بعدما سخرت احاجي قومية وطائفية واسبغت حرمة على بيوتات واهية تتداول السلطة فيما بينها وتتمتع بالامتيازات العراض وتتشدق بالفضل من خلال عملية اصلاح ترقيعي تاركين للعامة  رجاء ودعاء و"منتظر" بالتغيير. لقد تيقن مفجروا ثورة تموز ان الامر محوج لعملية استئصال وتغيير شامل يؤسس لقاعدة اللابداوة  والشروع بإرساء دولة المواطنة التي تساوي بين الرؤوس وتشيع التكافئ بالفرص والسعي للبناء الحضاري وتكرس الشعور بالانتماء للوطن الواحد وتلغي الانتماءات الهامشية وتستأصل مشاعر الدونية المستشرية وها نحن اليوم نئن من ذيلية وتشرذم وانانية النخب الذي لم ولن يكن ان يؤسس لدولة راسخة اذا لم يعي تلك الحقيقة] انتهى

*تعليق: أتمنى على الكاتب ان يعرض لنا قول او تصريح لاحد المساهمين في ثورة / انقلاب 14تموز1958 المباركة/المبارك يؤكد فيه انه اشترى كتاب من كتب الوردي او قَلَّبَ صفحات كتاب من كتب الوردي او قرأ صفحة واحدة من صفحات كتب الوردي او استشهد او اقتبس مقطع للوردي او قول او عبارة او مصطلح وقد كتب بعضهم مذكراته وكُتِبَ عن بعضهم؟

هل اعترض الوردي على تنصيب فيصل الثاني ؟ هل قال الوردي ان اصلح نظام هو النظام الجمهوري؟ بل هل وردت عبارة ( نظام جمهوري) في كتب الوردي في تلك المرحلة؟ هل دعا الوردي صراحة الى فصل السلطات كما مونتسيكيو؟

ثم ما هي تلك الأفكار الثورية الوردية التي اينعت خلال عقد من الزمان وكان لها تأثير في قيام انقلاب/ثورة 14تموز 1958 المبارك/المباركة فأغلب أعضاء تنظيم الضباط الاحرار من غير المهتمين بطروحات الوردي وكما ورد في هذا التقديم حيث كتبَتَ(كاتب التقديم) في ص16 التالي: [لقد كان الوردي جريئا بنقده المجتمع العراقي وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال من مدعي الفكر ....الخ...] انتهى

 وفق هذا الطرح، من بقي من الشعب العراقي والسياسيين العراقيين والعسكريين من تأثر بالوردي وطروحاته التي اينعت؟

و ما هو تأثير الوردي على قيادة الضباط الاحرار؟ وعلينا ان ننتبه الى ان ثورة تموز لم تكن ثورة شعبية انما كانت انقلاباً عسكرياً ساندته الجماهير بعد سيطرت عبد السلام محمد عارف على بغداد واذاعته للبيان رقم واحد / البيان الاول وهذه الجماهير هي نفسها جماهير من قال عنهم الكاتب انهم وقفوا بالضد من طروحات الوردي حين كتب: [تحالف ضده الجميع من طرف اليمين وطرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين والليبراليين...الخ] والجماهير التي خرجت تساند الانقلاب لتحوله الى ثورة هي جماهير هذه المسميات والأحزاب والإصطفافات السياسية والدينية...فكل  جماهير هذه المسميات متحالفة ضد الوردي فكيف جدحت شرارة الثورة واينعت تحت تأثير أفكار الوردي؟ 

كما يبدو فقد تخلص الوردي من "معادات المعادين" له...فتخلص من عداء الشيوعيين له بما كتب في كتاب الاحلام/1959 كما بينتُ ذلك أعلاه أما بخصوص "معادات العروبيين" الذين حاربوا الوردي كما يقول كاتب التقديم ...فظهرت محاربتهم في عدم المساس به او مضايقته او حتى التحقيق معه او توجيه سؤال واحد له ولم يُحارب في مكان عمله بعد 8 شباط 1963؟

ثانياً: ورد في المقطع ايضاً التالي: [لقد تبارت الكتب بعدد ونوع من يقرؤها فكانت الغلبة لكتب الوردي ليس لكونه عراقياً قحاً وقريب من هواجس الناس...الخ].

اتوقف هنا عند عبارة: (...ليس لكونه عراقياً قُحاً...)...السؤال هنا هو: ما تعريف "عراقياً قحاً" او من هو العراقي القح ولماذا حَشْرَها كاتب التقديم/المقدمة هنا؟ هل هو السومري ام الاشوري ام الكلداني ام البابلي ام الكردي ام البدوي ام التركماني ام من أبناء بغداد القديمة؟ إذا كانت كل الاطياف السياسية والدينية وجماهيريا وقفت موقف معادي للوردي فمن هم قراء كتب الوردي هؤلاء؟

ثالثاً: ورد ايضاً: [لكنه كان دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات كل ذلك جعله  مقروء من قبل جل الطبقات والاطياف الفكرية...الخ]

*تعليق: ارغب ان اتعلم من الكاتب وارجوه أن يعرض علينا نماذج مما ورد في كتب الوردي عن :دقيق الرصد...ماذا رصد بتلك الدقة؟، عميق التحليل ماذا حلل بذلك العمق؟، متسقط العلة قبل المعلول...أي علة تلك التي "تسَّقطها"؟، ومتسقط المضمون قبل الشكل... مضمون مثل ماذا ذلك الذي تّسَّقطه الوردي قبل الشكل؟ ومتسقط الوسائل قبل الغايات...مثال عن الوسائل التي تسقطها الوردي ومَثَلْ واحد عن تلك الغايات؟ كما اشعر اني والقارئ الأخر نحتاج الى نموذج لأسلوبه السردي الممتع ولغته المبسطة المفهومة فقد كَثُرَ القول عن أسلوبه السهل الممتنع الذي يردده كل محبي الوردي؟ ماذا عن بدعة" السهل الممتنع" التي تعج بها الطروحات في كل الاتجاهات؟ هل فيما طرحه الوردي ظاهِرَهُ سهل وباطنه صعب؟ هل هناك فيما قاله الوردي سهل الوصول اليه وصعب فهمه...هل كان فيما طرحه الوردي شيء فهمه الناس بسهولة؟ لوكان كذلك لسار الناس على هدي كلمات الوردي.

اليكم نموذجين من مئات بل ألاف النماذج عن تلك الدقة في الرصد وعمق التحليل وتسقطه للعلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات:

1 ـ ورد في خوارق اللاشعور ص 17: [وانا أعجب حقا حين أرى شخصاً يصدق بالأشعة السينية وبالرادار وبالتلفزيون ثم لا يستطيع ان يصدق بالخوارق النفسية فهو يؤمن بالة يركبها الانسان ولا يؤمن بالإنسان نفسه...الخ] انتهى

2ـ في ص49 كراسة /شخصية الفرد العراقي /الهامش كتب الوردي التالي: [روي عن النبي محمد: افضل الكسب الزراعة فإنها صنعة ابيكم ادم 

وفي ص 26 من كراسة الأخلاق كتب التالي: [من الاحاديث المروية عن النبي محمد إنه مر ذات يوم ببعض دور الأنصار في المدينة فوجد فيها محراثاً فقال : "ما دخلت هذه دار قوم إلا ودخلهم الذل"] انتهى

3 ـ كتب في ص307/ مهزلة العقل البشري كتب الراحل: [الملاحظ في تلاميذنا أنهم يحتقرون القرآن رغم تظاهر البعض منهم بتقديسه. فهم يمجون ما فيه من تكرار لقصص الانبياء. شكى لي أحدهم فقال: "لستُ أجد في القرآن سوى ما قال ابراهيم وقال نوح وقال موسى وليس فيه غير الشكوى والتذمر وإعلان الويل والثبور أما الحضارة الزاهية التي أنتجها الاسلاف فلا ارى فيه لها ذكراً"]انتهى

4 ـ كتب في ص228 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي:  الدَّينْ زرف [من الامثال الشائعة في الريف العراقي قولهم "الدين زرف" ولهذا تجد الديون تتراكم على الفلاح في أكثر الأحيان حتى إذا حل موعد الوفاء وجد نفسه عاجزاً عن الأداء وهو عندئذ يضطر الى إعادة تسجيل الدين عليه مع إضافة ربا جديد إليه أو هو يعمد الى الاستدانة من شخص آخر لكي يوفي دينه القديم وهذا هو ما يعبرون عنه في الريف أنه "يلبس كلاو بكلاو" أن الفلاح لا يلجأ الى بيع شيء من ممتلكاته لوفاء ديونه المتراكمة ولكنه عندما يضايقه المرابي او يطارده بوسائله المتنوعة يلجأ الى بيع بعض ابقاره او زوارقه او بنادقه او ما اشبه ليوفي به دينه كله او بعضه...الخ]انتهى

...و في ص36 من كراسة الاخلاق يقول الدين رزق:[من الامثال الشائعة في الريف العراقي قولهم "الدين رزق" وأحسب في هذا القول إشارة الى انهم يستسهلون اخذ الدين ويستصعبون وفاءه فالدين رزق ساقه الله اليهم وهو قد اصبح ملكا لهم وليس من الهين عليهم ان يرجعوه من تلقاء انفسهم وهم في الوقت ذاته يشعرون بالغبن حين يأكل أحد الناس ديناً لهم عليه]انتهى

***

عبد الرضا حمد جاسم

عنوان الكتاب: فوكو في السينما بالنسخة الإنجليزية -  Foucault at the movies .. وميشيل فوكو يذهب إلى السينما -  Michel Foucault va au Cinéma في النسخة الفرنسية.

أما أنا فسأعطيه عنوان فوكو والسينما:  Foucault et le cinéma - Michel Foucault va au Cinéma

باتريس مانيجلير - Patrice Maniglier

دورك زبونيان - Dork Zabunyan

مقدمة المترجم

   ميشيل فوكو وجيل دولوز يذهبان إلى السينما

دراستان حول علاقة مفكري القرن العشرين بالفن السابع. النظرية النقدية للحدث التاريخي لأحدهما، فك التشفير المفاهيمي للصور للآخر. يذهب فوكو إلى السينما، بقلم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، إصدار بايارد، 2011، 170 صفحة، دولوز في السينما لسيرج كاردينال. مطابع جامعة لافال في كيبيك، 2011، 236 صفحة.

الفلسفة، بحسب جورج كانغويلهم، هي نشاط العقل الذي يتغذى على كل ما هو غريب عنه. نريد أن نضيف: بشرط ألا تفقد المعنى بالمفهوم أبدًا. كيف إذن لا نشك في الموضة الحديثة التي، تحت عنوان ضبابي إلى حد ما "الفلسفة السينمائية"، تدعي توضيح القضايا النظرية بمساعدة الصور التي ترقى لهذه المناسبة إلى مرتبة الفلاسفة الجاهزين؟ للعمل؟ من المؤكد أن الفن السينمائي، في المرتبة السابعة على اسمه، يستحق مصيرًا أفضل من مخزون الأفكار المفعمة بالحيوية للمستمعين والمتفرجين المتلهفين للقراءة.

في هذه اللعبة الصغيرة في الوقت الحاضر، لم نكن لنقتصر على فلاسفة مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز. تحليل دراستان حديثتان عن فيلسوفين معاصرين وعلاقتهما الفريدة بالسينما. الأول ليس بالمعنى الدقيق للكلمة معروفًا بارتباطه بفن لم يكرس له أي عمل. على الأكثر، لدينا بعض النصوص والمقابلات التي أجراها فوكو حول أفلام تتعلق بعمله كفيلسوف ومؤرخ. يقدم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان عينة تتراوح من بيير ريفيير إلى مارغريت دوراس، بما في ذلك آلان رينيه. من خلال السينما، اكتشف فوكو طريقة أخرى لصنع تاريخ المعرفة والتصور المفاهيمي، ومنهجًا للأحداث يفتح باب النقد لبعده الميتافيزيقي التقليدي. رحب فوكو بالسينما على أنها ما يغير مفهومنا عن الجسد البشري والقصص التي يمكن إنتاجها عنه.

مع جيل دولوز، الأمور مختلفة للغاية. يعتبر دولوز متحمسًا للفيلم ومنظراً أكاديميًا وانتقائيًا، وهو مؤلف واحد من أعظم الكلاسيكيات في الأدب الفلسفي عن السينما. نعم، ولكن إليكم الأمر: هذا العمل، الذي يُستشهد به على نطاق واسع ومسهب في كثير من الأحيان، كثيف، مثل كل أعمال مؤلفه. لا يدخل هذه الغابة المفاهيمية من يريد. يجب أن يكون مستعدًا لذلك، وليس فقط من خلال معرفة السينما. لابد أنك قرأت برجسون واستوعبت نصف قرن من النقد السينمائي. للتخفيف من قسوة هذه القراءة الأساسية، يسعدنا أن يكون لدينا الآن أداة من الدرجة الأولى مع عمل سيرج كاردينال. باستعادة أدنى دقة لطريقة دولوز ومقاربته، وفك رموز أذواقه وهواجسه، يجعل الكاردينال في متناول القارئ النقطة المركزية في مقاربة أو نهج دولوز: النقطة التي يكشف فيها الفكر إلى أي مدى يمكن أن تنحرف الصورة، الخيط الإرشادي لكل هذه الدراسة. في المفهوم وحتى تطارده في حركته غير المتوقعة في كل مرة. بعد ذلك تصبح السينما تتحدث حقًا.

أما ميشال فوكو والسينما: فلهذا قصة كاملة:

بين ميشيل فوكو والسينما، كان هناك تاريخ منقط. وكتاب يجمع هذه الأجزاء المتناثرة.

تعتبر الفلسفة السينمائية من المواضيع المألوفة وموضة هذه الحقبة، حتى لو كنا نبحث في كثير من الأحيان عن التوضيح البسيط للأفكار التي تم إنشاؤها بالفعل. إذا كان لقاء ميشيل فوكو مع السينما قد أسيء فهمه، فربما يكون ذلك لأنه لا يسمح بمثل هذا الموقف. لم يؤلف فوكو كتابًا عن السينما أبدًا. لكنه ترك عشرات النصوص والمقابلات مبعثرة في Dits et Ecrits. تم جمع مقتطفات واسعة النطاق هنا لتقدم فكرة أفضل عن لقاء هذا الفيلسوف بالفن السابع. لا يظهر الفيلسوف هناك على أنه صاحب حقيقة متداولة؛ لكنه وجد، في أفلام معينة، طريقة للتعامل مع المشكلات التي يعمل عليها كفيلسوف ومؤرخ. هذا الكتاب هو المحاولة الأولى لتقييم هذه المواجهة غير المعروفة. نرى هناك أن السينما تجعل من الممكن بلورة مفهوم جديد للحدث؛ لاستكشاف جسم خالٍ من عضويته؛ لالتقاط قصة بدون ضحايا أو أبطال، بناءً على الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها بالضرورة والتي مع ذلك تقرر إجراء تغييرات عميقة في الفهم الذي قد يكون لدينا عن أنفسنا. التفكير على نحو مختلف لنرى بشكل مختلف، وننظر بشكل مختلف لنفكر بشكل مختلف.

على عكس دولوز Deleuze أو رانسيير Rancière أو مؤخرًا آلان باديو Alain Badiou، لم ينشر ميشيل فوكو Michel Foucault كتابًا عن السينما. ومع ذلك، فقد عبرت حياته المهنية، بطريقة دقيقة ولكن حاسمة، تاريخ الفن السابع، حيث تتعقبه العديد من النصوص والمقابلات، المنشورة والمبعثرة " أقوال وكتابات Dits et écrits"

من مقابلة أساسية مع مجلة كراسات السينما – كاييه دي سينما Cahiers du Cinema حول "الموضة الرجعية mode rétro» إلى حوار مع هيلين سيكسيوس Hélène Cixous حول مارغريت دوراس Marguerite Duras، مروراً بتحليل مفصل للغاية لفيلم من إخراج Pasolini  بازوليني، تحقيق حول الجنس Enquête sur la sexualité، لم ينقطع فكر فوكو، في الواقع، عن الانغماس في الصالات المظلمة .

مقاربة شاملة لعلاقة الفيلسوف بالسينما:

كان لدى كل من دورك زابونيان Dork Zabunyan وباتريس مانغليه Patrice Maniglier فكرة حكيمة تتمثل في جمع بعض هذه الأجزاء معًا في مجلد واحد. وحتى لو شعر المرء بالأسف لأن يجد في عملهم مجموعة مختارة فقط من النصوص والمقابلات التي كرسها الفيلسوف للسينما، فإن مقالاتهم التمهيدية المفيدة للغاية تجعل من الممكن، لأول مرة، الحصول على مقاربة لعلاقات فوكو مع الصور المتحركة.

وبالتالي، فإن هذه النظرة العامة تكتسح الفكرة التي تم تلقيها والتي بموجبها يمكن تلخيص تاريخ فوكو والسينما في مفترق طرق فريد: إعداد المخرج رينيه أليو René Allio، للسينما في عام 1976، للشهادة التي نشرها المؤلف، قبل ثلاث سنوات، أنا، بيير. ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. Moi, Pierre Rivière, ayant égorgé ma mère, ma soeur et mon frère.. أو، بشكل أكثر تحديدًا، يوفر إمكانية فهم ما كان من الممكن، في فكر فوكو، أن يولد مثل هذا التقاطع والتلاقي: بين انتباه الفيلسوف إلى "الحبوب الصغيرة" من التاريخ grain minuscule de l’histoire  "(الذي وصفه بنفسه بأنه متأثر بطريقة فيلم أنطونيوني " الانفجار Blow up  ") والفن السابع، وكان لا بد من عقد لقاء.

هذا العنوان المبهج والجذاب مضلل. في الواقع، يتساءل اثنان من الفلاسفة على التوالي عن مفهوم "التاريخ العام" فيما يتعلق بالحدث كما ذكر فوكو والطريقة التي يمكن للسينما أن تستخدمه، "تأثير السينما على ميتافيزيقيا" الحدث ". يبدو فيلم رينيه أليو، "أنا، بيير ريفيير ...»، الذي يتناول خبرًا مؤرشفاً حلله فوكو، نموذجيًا تمامًا. استطاع أليو صانع الأفلام الذي يتسم بالرصانة والحنكة، أن يعطي صوتًا لأولئك الذين أسكتتهم قوى التاريخ والمعرفة؛ يعيد العناصر الدقيقة التي تعطي جوهرًا لكتلة الحياة اليومية. يتم اقتباس أعمال سبيربيرغ Syberberg (هتلر، فيلم من ألمانيا)، Resnais (Nuit et Brouillard) وليل وضباب للآن رينيه، وفيريه Féret (حكاية دي بول) وعدد قليل من الأعمال الأخرى في رسوم توضيحية موجزة لسينما تفلت من إغراءات الجماليات. عمليات البطولات المعتادة أو إحياء الذكرى، وتتجاهل "الرجعية" المؤسفة. تختتم بعض نصوص فوكو هذه التأملات، مقتطفات من منشورات أو مقالات أو مقابلات.  الأسلوب، والتكنيك، والمفاهيم، صعبة، لا تشجع على القراءة.

فهناك أولاً حساسية تجاه الفن السابع أكثر مما هي حساسية تجاه نظرية منهجية:

نجد هذا الشغف الدقيق نفسه في الصفحات الثمينة التي يكرسها فوكو للأفلام التي يحبها، وقبل كل شيء في أوصافه الرائعة لـلعبقرية السينمائية cinégénie " لــ " الممثلين. سواء كان ميكائيل لانسدال Michael Lonsdale ("كثيف وضخم مثل ضباب بلا شكل") أو بطلات أفلام شروتر Schroeter ("في موت ماريا ماليبران La Mort de Maria Malibran، الطريقة التي تتبادل بها المرأتان القبل la manière dont les deux femmes s’embrassent, qu’est-ce que c’est ?، أليس كذلك؟ الكثبان Des dunes، قافلة في الصحراء une caravane dans le désert، زهرة شرهة تتقدم une fleur vorace qui s’avance، فك الحشرات des mandibules d’insecte، شق مستوى العشب une anfractuosité au ras de l’herbe  ").

وها هي هنا المفاجأة الرئيسية: إذا ذهب فوكو إلى السينما، فليس لاستخراج أسس نظام نظري أكثر مما هو ممارسة هذه الحساسية الخاصة أولاً وقبل كل شيء للطريقة التي تخترع بها العدسة جسمًا جديدًا. ابلاستيكياً تماماً entièrement plastique   أي تشكيلياً محض "، وكأنه يهرب من نفسه.

تُجمع هنا لأول مرة نصوص ميشيل فوكو عن السينما بفضل Dork Zabunyan و Patrice Maniglier الذين يعرضونها ويحللونها. من المثير للدهشة أن هذا الجانب من عمل ميشيل فوكو لم يكن أبدًا موضوعًا لكتاب حتى الآن، حيث يتم التعليق على أعماله ومناقشتها اليوم. كانعكاس غير مسبوق لعلاقته بالسينما.

التفكير في السينما بشكل مختلف:  Penser autrement le cinéma

استجابت أبحاثه حول السجن والمستشفى والجنس، لرغبته في "التفكير على نحو مختلف" وعلى وجه الخصوص في صنع التاريخ بشكل مختلف، من خلال التركيز على كل هذه الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها ولكنها تحدد بعض التغييرات الأكثر عمقًا . عولى وجه التحديد، وهذا ما يوضحه هنا المؤلفان الفيلسوفان دورك زبونيان وباتريس مانيلييه Dork Zabunyan et Patrice Maniglier، السينما مكان يمكن فيه رؤية هذه التغييرات الدقيقة اللاواعية. وبالتالي، فإن علاقة فكر فوكو بالسينما بعيدة كل البعد عن كونها هامشية، مثل مساهمة هذا العمل في استقبال آثاره وأبحاثه ومؤلفاته.

Dork

إصدار كتاب يجادل فكر الفيلسوف في ضوء الفن السابع:

"فوكو يذهب إلى السينما". الفلسفة هي الموضة، في مجال السينما، تم تكييف العديد من المفكرين بالفعل مع صلصة الفن السابعة لمدة عشر سنوات. بالطبع، هذا ليس شيئًا جديدًا أيضًا: بالفعل في السبعينيات، أجرت مجلة مشهورة سلسلة من المقابلات تحت رعاية أحد أعظم النقاد في التاريخ - سيرج داني Serge Daney - مع طلاب مدرسة نورمال سوبريور Normale Sup السابقين، بما في ذلك الفلاسفة المعروفون الآن بكتاباتهم في السينما.

دولوز Deleuze على وجه الخصوص مع الأعمال الشهيرة بعنوان "السينما" والتي تزين معظم مكتبات عشاق السينما. أو حتى جاك دريدا Derrida، مخترع "التفكيك déconstruction «، فقد سلطت مقابلات مختلفة الضوء عليه غنبثقت منها فكرته القوية عن السينما وحول السينما، من بين أمور أخرى، فكرة أو مفهوم "الأشباح على الشاشة fantômes à l’écran ". بالنسبة لفوكو، الذي يثير اهتمام الأكاديميين باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، فإن القضية أقل وضوحًا. يعتبر مؤلف كتاب "الكلمات والأشياء Des mots et des choses "، كما نعلم، أحد أشهر الفلاسفة في السبعينيات، والذين لا تزال أعمالهم حول تاريخ الجنون والجنس مستخدمة ومنتشرة على نطاق واسع. يكمن رهان الأكاديميين في المقام الأول في تجميعهما معًا ومحاولة تحليلهما لاستخراج فكرة مشتركة عن الفن السابع. تتكون معظم تصريحات الفيلسوف حول السينما من مقابلات أجريت مع فريق كراسات السينما Cahiers du Cinéma، ولا سيما حول أحد أشهر أعماله، أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. تم أيضًا نشر معظم النصوص المتعلقة بالسينما في مسيرة فوكو في مختاراته من أقوال وكتابات.

يذهب الكتاب أحيانًا إلى أبعد مدى لفرض فكرة أن الفيلسوف فكر في السينما جيدًا من خلال تجربته كمفكر للفنون، من خلال كثرة جمل الأمثلة، ولكن أيضًا من تحليلات ما كان يمكن أن يكون فكرًا فوكويًا تم تكييفه مع فيلم. كتاب فوكو يذهب إلى السينما مقسم إلى ثلاثة أجزاء. في البداية، يسعى المؤلفان جاهدين لفهم ما يمكن أن يجلبه فكر الالفيلسوف، وخاصة التاريخ، إلى نظرية الفيلم. المحاولة الثانية لتعكس ميتافيزيقيا الفيلسوف على الأعمال التي ميزته، مثل فيلم لويس مال Louis Malle، لاكومب لوسيان Lacombe Lucien، أو فيلم  هتلر، فيلم من ألمانيا Hitler, une film d’Allemagne لسيبربيرغ Syberberg، والذي يتعامل بالنسبة له حقًا مع ما أسماه ضد صيغة الماضي الرجعية "أنتي ريترو l’Anti-Rétro "، وهي قصة في الماضي يمكن تسجيلها في الوقت الحاضر . وأخيرًا، في الجزء الثالث، يجمع المؤلفان كل نصوص فوكو معًا، وبالتالي يعرضونها ببساطة كما على القارئ.

إذا هتفنا بإصدار نصوص هذا الفيلسوف الذي تكون كتاباته معاصرة دائمًا، فلا بد أن نأسف للإفراط في الإضافة sur-ajout المقحمة وضجيج عدد الأفكار. من خلال هذا الانغماس في كتابات المؤلف، يبدو أن الأكاديميين يفقدان تفكيرهما الخاص، وتحليلهما الشخصي للأعمال السينمائية والمكتوبة، ويقدمان فقط ما يسمى بتحليل النصوص المكافئة لتلك التي يمكن إجراؤها في المدارس الثانوية الفرنسية. على وجه الخصوص، أخذ الأمثلة التي لا تتناسب دائمًا مع الموضوع. من المؤسف أن نرى أفكار فوكو تغرق في سيل من الاقتباسات وإعادة الصياغة، حيث يستحق هذا المفكر، على سبيل المثال، مزيدًا من الاهتمام بعمله حول الجسم في السينما.

ميشيل فوكو المفكر بامتياز في الخطابات والسلطات. يمكن حصرها في جملة واحدة، فإن الفيلسوف هو الذي أعاد، في أعقاب نيتشه Nietzsche وفي السياق الثقافي الحيوي للغاية في الستينيات / الثمانينيات في فرنسا، بناء الجوانب المتعددة للتاريخ السياسي لحقائقنا. هل هو مفكر سينمائي؟ لا يبدو هذا الارتباط واضحًا للوهلة الأولى. على عكس الفلاسفة الآخرين في عصره، مثل جيل دولوز، على سبيل المثال، لم يخصص فوكو أبدًا كتابًا أو سلسلة من النصوص العضوية للسينما. يجد المرء في مقابلاته ومقالاته، المنشورة بالفرنسية في أقوال وكتابات Dits et Écrits، عددًا معينًا من المراجع، غير المتجانسة والمشتتة وغير المنتظمة، وغالبًا ما تكون نتاج لقاء مع المخرجين والنقاد والمثقفين الذين يعملون من خلال السينما ومعها . إن كتاب فوكو يذهب إلى السينما أو فوكو في السينما

يفترض الرهان على حوار ممكن ومثمر بين الممارسة السينمائية وفلسفة فوكو. هذا الرهان كبير، لأنه يجب أن يتغلب على عقبتين رئيسيتين: من جهة، كما أشرنا للتو، غياب خطاب منظم من قبل فوكو حول السينما، الطابع العارض والعرضي دائمًا لملاحظاته حول السينما. من ناحية أخرى، فإن المخاطرة التي أكدها المؤلفان في مقدمتهما، تتمثل في جعل هذا اللقاء بين فوكو والسينما مجرد تأثير أزياء، يصلح للدخول في عنوان "فلسفة الفيلم" الرائج اليوم ومن سيقنع نفسه مع البحث في الأفلام عن رسوم توضيحية بسيطة لأطروحات فوكو. ومع ذلك، نجح عمل المؤلفان في تجنب هاتين الخطوتين، ويرجع الفضل في ذلك بشكل خاص إلى العمل الذكي المتمثل في "التحرير" على مستوى كل من المحتوى وشكل النص. يتألف الكتاب بالفعل من مقالتين، كتبها المؤلفان، تعكسان فورًا ثراء وتعدد نهج  ومقاربة للممارسة السينمائية من خلال فوكو: يقترح دورك زبونيان، أستاذ الدراسات السينمائية بجامعة باريس 8، التفكير في "علم الوجود" للفيلم الذي يمكن أن يلهم الحوار مع فوكو، حول الخصائص المحددة لهذه "المعرفة" المحددة، بالمعنى الفوكوي للمصطلح، التي تنتجها وسيلة السينما ؛ باتريس مانيجلييه، محاضر في الفلسفة في جامعة باريس نانتير، يفحص عن كثب التداخل النظري والفلسفي بين العمل السينمائي وكتابات فوكو: ما يمكن للسينما أن تلقي الضوء على "ميتافيزيقيا" فوكو"métaphysique" foucaldienne.

تمت إضافة إلى هاتين المقالتين، في النسخة الفرنسية من العمل، مقاطع من النصوص والمقابلات التي خصصها فوكو للسينما، والتي نُشرت في Dits et writings، ومقتطف من برنامج دورة من الإسقاطات التي عقدت في La Villa Arson في نيس بين فبراير وأبريل 2011، تحت رعاية ECLAT (مكان الخبرات للسينما والآداب والفنون والتقنيات). اقترح هذا الحدث مناقشة سلسلة من الأفلام التي تدخل في حوار مباشر أو غير مباشر مع فلسفة فوكو، كنوع من الرحلة السينمائية في القوة "السياسية المصغرة" للصور والأرشيف السمعي البصري. ومع ذلك، فإن النسخة الإنجليزية من العمل، بفضل العمل المهم للمترجم، تزيد من إثراء هذه الفسيفساء من الخطابات: يتم نشر النسخة الكاملة لنصوص فوكو عن السينما وإتاحتها للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية. أضاف المترجم أيضًا المراجع والملاحظات لتوضيح بعض النقاط للقارئ غير الفرنسي، واستخدم العناوين الإنجليزية (عند وجودها) للأعمال والأفلام المذكورة. تشكل الترجمة الإنجليزية لكتاب Maniglier و Zabunyan ain إذا كانت لحظة مهمة لاستقبال فوكو في العالم الناطق باللغة الإنجليزية وفرصة للحوار بين النقد الفوكوي foucaldienne la critique  في فرنسا وداخل الثقافة الأنجلو سكسونية.

يبدأ مؤلفا العمل من الفرضية التي بموجبها يجد المرء في المواجهة بين فوكو والسينما أكثر بكثير من مجرد مصلحة متبادلة أو تقارب سطحي للموضوعات. من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالكشف عن نوع من السينما المثالية الفوكوية (الأفلام التي أحبها فوكو)، ولا الاكتفاء بتتبع المناقشات وعمل صانعي الأفلام حول فكر فوكو (حتى لو كان الكتاب يخصص حقًا مكانًا مهمًا للعنوان). المقابلة التي أجراها فوكو مع محرري كراسات السنينما "Cahiers de cinema" في عام 1974، [4] وإلى تصوير فيلم "بيير ريفيير" إخراج رينيه أليو، 5 استنادًا إلى العمل الأرشيفي المهيب الذي نفذه الفيلسوف ومعاونيه في وقت مبكر. السبعينيات). يتمثل التحدي في عمل مانيجلير وزابونيان في إظهار أن الفلسفة والسينما الفوكودية تلتقيان على نفس البعد النظري والعملي: يمكن أن يشكل الاثنان قوة خبرة، بالمعنى الذي أعطاه فوكو لهذا المصطلح، أي ديناميكية قادرة على تغيير من نحن وكيف نرى ونتصرف في العالم. أكد فوكو في عام 1978 في مقابلة شهيرة مع دوتشيو ترومبادوري Duccio Trombadori أن التجربة هي "شيء يخرج منه المرء متحولًا". تعد السينما والفلسفة إذن شكلين، وإن كانا مختلفين، للحركة التجريبية: وهكذا يمكن للسينما أن تواجه، من خلال هذه الوسائل، القوة النقدية في قلب فلسفة فوكو كبادرة ملموسة للفكر، كديناميكية للتحول للذات وللإنسان والآخرين. السينما تجعلنا "ننظر بشكل مختلف" ما تسمح به الفلسفة "بالتفكير على نحو مختلف".

على وجه الخصوص، تجعل السينما من الممكن إعادة التفكير في سؤال يقع في صميم أعمال فوكو: هل يمكننا تخيل طريقة أخرى للتفكير وصنع التاريخ؟ يستكشف الفصل الذي كتبه Dork Zabunyan هذه المشكلة من خلال انعكاس، نظري بالتأكيد ولكنه يعتمد على عدد من الأمثلة الملموسة " هانس يورغن،سبيربيغ،لوي مال،رينيه فيريه،بيير باولو بازوليني،، ويرنر شرويتير ليليان كافاني، ميكائيل لانسدال، (Hans-Jürgen Syberberg، Louis Malle، René Féret، Werner Schroeter، Michael Lonsdale، Liliana Cavani، Pier-Paolo Pasolini، إلخ. .)، المتعلقة بشكل المعرفة الخاصة ببعد الفيلم. عند التساؤل من منظور المشروع الأثري الفوكوي، من الواضح أن السينما لا يمكن أن تقع في جانب الخطاب البحت، مثل رواية أو مخطوطة أرشيفية، ولا في جانب غير الخطابي، مثل الرسم. على سبيل المثال، فهي نفسها رمزية في أعمال فوكو (فقط فكر في تحليل Las Meninas من قبل فيلاسكيز Vélasquez الافتتاحي الكلمات والأشياء). بين الصورة والخطاب، المرئي والقابل للقول، يسمح الفيلم في الواقع على مستوى إعادة البناء التاريخي بينما يشكل شكلاً "الخروج" من أي مفهوم أكاديمي وثابت للتاريخ وكذلك من الذوق "الرجعي" البسيط للماضي. يمكن للفيلم أن يصبح عنصرًا من ممارسات واستراتيجيات "الهجوم المضاد" 8 التي يصفها فوكو، في كتابه عام 1976  إرادة المعرفة La volonté de savoir ، باعتباره الإمكانية الوحيدة للمقاومة الفعالة لأجهزة القوة والجنس التي تشكلنا. يتضح هذا بشكل خاص إذا أخذنا في الاعتبار بُعد الجسد في السينما. فوكو نفسه، بالإشارة إلى أفلام فيرنير شروتير Werner Schroeter أو مارغريت دوراس Marguerite Duras، على سبيل المثال، يعترف بالقوة المناسبة للوسيط السينمائي للعرض على خشبة المسرح لجسد يهرب في تعدده من الإدراك العضوي للسلطة ومن الوضوح الوحيد لسلطة ما. الرغبة الجنسية: 9 "جسد بلا أعضاء"، لاستخدام مفهوم أساسي لأنطونين أرتو Antonin Artaud، والذي يكشف في تجزئه وتشتت القوة (كم مثير للشهوة الجنسية) للتأليف الجسدي الذي يفجر منطق التفرد وتصنيف القوى المعاصرة . عندئذٍ بالضبط، من خلال قدرتها على التفكك والتشتت، يمكن للسينما أن تنضم مجددًا إلى هذا الطابع من الانقطاع الخاص بممارسة فوكو التاريخية. السينما هي "فن الفقر والافتقاد art de la pauvreté "، كما قالت هيلين سيكسوس عن مارغريت دوراس في مقابلة مع فوكو من عام 1975: 10، وهو تمرين يتكرر باستمرار في تجريد أغلال التقاليد والأيديولوجيات ووسائل الراحة. هذا الفقر، علاوة على ذلك، له الكثير ليفعله، كما أشار المؤلف بحق، مع متطلبات "الزهد" و "أسلوب الذات" التي ستكون في صميم فكر فوكو، لا سيما في الثمانينيات - ونحن نأسف أن انعكاسات دورك زابونيانDork Zabunyan تشير إلى هذه النقطة، فإن الفتحات نحو السينما في المرحلة الأخيرة من العمل الفوكوي لم يتم استكشافها كثيرًا. على أي حال، فإن غياب السينما عن الأرشيفات التي استخدمها فوكو في أعماله الكبرى لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. ربما يكون الوسيط السينمائي قريبًا جدًا في منطقتنا أن يكون تاريخًا حديثًا حتى يتمكن مؤرخ "الحاضر" من جعله موضوع نظره. لكن هذا لا يعني أنه لا يمثل افتراضيًا مهمًا للتفكير في هذا الحاضر بالتحديد الذي نحن فيه ونعيشه: إنه على العكس من ذلك، وفقًا للمؤلف، مكانًا رئيسيًا للنقاش حول أشكال "المقاومة" .. والتحول الملموس للذات في واقعنا.

يبدأ المقال الثاني في الكتاب، الذي كتبه باتريس مانيغيليه، من ملاحظة أن اللقاء بين فوكو والسينما، مهما كان عرضيًا، ليس بالأمر الهين لأن هناك تقاربًا جوهريًا بين المشكلات المثارة، ومعرفة المجالات المفتوحة لـ التساؤل، عما هو مبهم ومعقد بالنسبة لنا بسبب حقيقة أن هناك شيئًا من النضال الأساسي يحدث هناك: الجنس، القوة، الجنون، علاقتنا بالماضي، بالذاكرة الجماعية، إلخ. مرة أخرى، تكمن المشكلة الرئيسية حيث يلتقي الفيلم والفلسفة ويتصادمان بالنسبة للمؤلف في مسألة التاريخ: لقد أدرك كل من السينما وفوكو انهيار علاقة تقليدية معينة بالزمن والذاكرة ومتطلب إعادة التفكير في معاصرتنا بالطريقة التي نعيشها. التي نبني هويتنا التاريخية. لا يتردد باتريس مانيغلييه في استدعاء العديد من الأمثلة السينمائية لهذه "الثورة" في مقاربة التاريخ، بدءًا من رينيه أليو René Allio إلى آلان رينيه Alain Resnais وإريك رومر Éric Rohmer وكوينتين تارانتينو Quentin Tarantino وروبرتو روسيليني Roberto Rossellini وغيرهم. لكنه يرغب في ترسيخ هذا التأمل في التاريخ في السينما، من خلال فوكو، من خلال تحليل فلسفي مناسب، وميتافيزيقي بشكل أفضل، لبعد يقع في قلب فكر فوكو، وعلى وجه الخصوص مفهومه للتاريخ: مفهوم الحدث. قد يبدو الاستخدام المفترض لمصطلح ميتافيزيقا فيما يتعلق بمفكر مثل فوكو في غير محله. على الرغم من أن المؤلف أوضح أن استخدامه لهذا المفهوم لا يحتفظ بأي شيء من الهدف المتعالي للميتافيزيقا التقليدية، إلا أنه لا يزال هناك شعور بأنها صورة لفوكو في جيل دولوز تظهر في هذه الصفحات. ومع ذلك، فإن عملية مانغلييه Maniglier لا تخلو من الاهتمام: من خلال مسألة الحدث، ينزل إلى القلب النقدي لفلسفة فوكوية philosophie foucaldienne وعلاقتها بالتاريخ. ما هو التاريخ المتقطع إن لم يكن سلسلة من الأحداث مثل التفردات التي تحدث في مساحة فارغة، بعيدًا عن السلسلة التي حددتنا في الأيديولوجيات التقليدية العظيمة والتليولوجيات téléologies للتاريخ؟ ولكن بعد ذلك، كيف نفكر حقًا في ظهور وتسلسل وإنتاج الوضوح والقيم من هذا الوقت الحافل بالأحداث والمتقطع والمشتت؟ ما الذي يجعل التاريخ في هذه الصيرورة بلا زمن؟ كيف يمكن التفكير في أن تصبح بدون مادة، وموضوعات بدون هويات سابقة، وابتسامات بدون قطط، كما في فيلم أليس في بلاد العجائب Alice aux pays des merveilles من إخراج لويس كارول Lewis Carrol (رسم توضيحي للحدث وفقًا لجيل دولوز في الاختلاف والتكرار)؟ 11 هذه أسئلة فلسفية كثيفة، ولكن لا يستطيع فوكو الهروب منها، في بحثه عن فكر نقدي، أي: الذي لا يكشف لنا حقيقة الأشياء ولكنه يسمح لنا دائمًا بالاعتقاد بأن الحقيقة موجودة في مكان آخر، ويمكننا أن نتحول ونصبح آخرين، عن طريق تغيير رؤيتنا للواقع. إجابة فوكو، من وجهة نظرنا، دائمًا ما تكون تاريخية أكثر منها ميتافيزيقية: فبدلاً من أن يسأل نفسه مباشرة "ما هو الحدث؟»، يبحث، على وجه الخصوص من أعمال السبعينيات، عن أمثلة تاريخية تظهر التفرد الزمني يصنع حدثًا، وينتج كسر في الوقت المناسب. بعد قولي هذا، من المثير للاهتمام أن نلاحظ، كما يفعل المؤلف، التقارب حول هذه الأسئلة الخاصة بالفلسفة الفوكوية والسينما، والتي يمكن أن تصبح مكانًا للتفكير أو حتى لإنشاء الأحداث بفضل عملياتها، قوتها في الحركة خارج زمان وفضاء الوجود اليومي. يمثل الفيلم إذن أداة نقدية بالمعنى الفوكوي للمصطلح: لحظة اختراع أشكال جديدة للعلاقة بالزمانية والهوية التاريخية؛ فتح فضاءات جديدة للعمل والفكر.

في الختام، في ثراء الموضوعات والنهج، يشكل كتاب باتريس مانيجلييه ودورك زابونيان قراءة مهمة لتعميق أحد أبعاد العمل الفوكوي (العلاقة بالسينما) التي تم التقليل من شأنها لفترة طويلة أو حتى تجاهلها. من المسلم به أن تأثيرات التفسير المتحيز ممكنة دائمًا، بمجرد أن تكون مسألة إعادة تتبع بأي ثمن خيطًا مشتركًا في الكتابات التي تظل غير متجانسة من حيث تاريخ تكوينها، ومناسبة إنتاجها، والمواضيع التي يتم تناولها. ومع ذلك، يدرك المؤلفان هذا التنوع الأساسي للمواد التي يتعاملون معها، ويقومون بعمل ملف نقطة الشدة، التي يجب أن نلعب عليها من أجل استكشاف ليس تماسك الرؤية في فكر فوكو، بل بالأحرى مكان الإشكالية المتكرر باستمرار: مسألة علاقة الحاضر بتاريخه، من خلال المحفوظات - تلك الخاصة بالتاريخ ونظرية السينما - الوقوف على الحد الفاصل بين أبعاد الخطابي والبصري، بين الكلمات والصور وواقع الأجساد. من خلال قبول العمل بدلاً من ذلك على الحدس المتشتت والنصوص الصغيرة لفوكو (بقدر ما يمكن تطبيق هذه الفكرة على إنتاجه)، تفتح سلسلة جديدة كاملة من الأسئلة واللقاءات المحتملة بين الفكر الفوكوي والسينما، وبشكل أعم لا يزال فوكو والفنون المسرحية بحاجة إلى استكشاف إلى حد كبير: نقد التمثيل والعلاقة بين اللغة والإشارة والواقع ؛ الإدراك بأن مرحلة معينة من تاريخنا قد انتهت نهائيًا، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى تفكيك المفاهيم النقدية وهو في نفس الوقت إعادة ترميز وإعادة كتابة للذات ؛ التفكير في ذاتية الممثل والمشاهد ؛ إشكالية الجسد وإمكانياته في التعبير والتهجين ؛ مطلب سياسي بحت لانتقاد أنظمة السلطة وتسلسلها الهرمي من أجل تخيل وابتكار طريقة مختلفة للوجود.

يبدو أن ما أصبح واضحًا أكثر فأكثر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة من النقد الفوكوي، منذ وفاته في عام 1984، هو أن ميشيل فوكو ليس فقط فيلسوفًا لخطابات علم الآثار، وسلسلة نسب القوى، وأنماط الذاتية، وألعاب حقيقة. وهو أيضًا مفكر استخدم الفنون في كثير من الأحيان كرموز بلاستيكية لنماذج من المعرفة، واستعارات فنية وجمالية لتصميم مساحة عمله الفلسفي - الحياة كـ "عمل فني" ؛ العين الحاسمة "لرسم" الحياة العصرية ؛ "مسارح" الحقائق والأجساد التي تشكل سلاسل الأنساب المتعددة لعلاقات القوة. فتح فوكو خطابه الفلسفي أمام تلوث حقيقي ونشط من خلال تعددية الممارسات الفنية، والتي غالبًا ما يتم إنزالها إلى حدود الفكر التقليدي. الأدب، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والتصوير الفوتوغرافي، و "عروض" الكلام: هناك أبعاد عديدة لا تعتبر بالنسبة لفوكو ترفيهًا جماليًا بأي حال من الأحوال، وتوغلات بسيطة في مجالات الممارسة والفكر بعيدة كل البعد عن الخطاب الفلسفي الكلاسيكي، ولكنها تشارك بشكل مباشر من بناء فلسفة فوكوية وتعبئة قوتها النظرية السياسية. ليس من قبيل المصادفة أن السينما، من بين الفنون الأخرى، تواصل اكتشاف فوكو، لتعبئته أو لاستنفاره، ولاستجوابه.

يجب أن ينقلب أفلاطون في قبره: دروس الفلسفة تجري في هذه الكهوف التي هي صالات العرض المظلمة! الغرباء منذ زمن بعيد عن بعضهم البعض، السينما والفلسفة يسيران جنبًا إلى جنب اليوم. حتى أن الكلمة العصرية جدًا تشهد على هذا الاتحاد الجديد: "الفلسفة السينمائية cinéphilosophie ". لكن لماذا وكيف يستحوذ الفلاسفة على السينما؟ في نظر المشكك الأمريكي ستانلي كافيل Stanley Cavell، ليس هناك شك: السينما تعكس علاقتنا بالعالم. الفن السابع هو عالم الظلال. ظاهرة الإسقاط تجعل العالم الغائب يظهر. إنها تعكس الخطوط العريضة بالأبيض والأسود لهذا العالم الموجود وغير الموجود، والذي لن أتمكن من معرفته أبدًا. السينما إذن هي "صورة مؤثرة" للشك، كما عبر عنها المؤلف بلطف. إنه يضعني في قلب "جدلية خيبة الأمل والرغبة"، المعرضة للخطر في كل أفكار كافيل Cavell.

السينما مكان الاخلاق. نتيجة للدورات التي قام الفيلسوف بتدريسها في جامعة هارفارد، والتي تربط بين المفكرين والأفلام، تقدم فلسفة الصالات المظلمة رحلة عبر تاريخ الفلسفة الأخلاقية، من أفلاطون Platon إلى راولز Rawls، عبر نيتشه وإيمرسون Nietzsche et Emerson، بالإضافة إلى توضيح حول الكمالية الاتقائية perfectionnisme (انظر أيضا ص 82). كيف تصبح نفسك؟ كيف تصبح أفضل؟ هذه الأسئلة هي في صميم الأفلام التي جمعها كافيل تحت نوع واحد: كوميديا الزواج. فيلم قلب محاصر Un cœur pris au piège إخراج ستورجس Sturges ؛ سيدة الجمعة La Dame du vendredi لهوكس Hawks. أو حتى فيلم الطيش من إخراج كيكور Indiscrétions de Cukor يعبرها نفس االنابض الدرامي: ينفصل الزوجان للعثور على بعضهما البعض بشكل أفضل. ويعيشان سعادة جديدة ...

بالنسبة إلى ميشيل فوكو Michel Foucault، الذي لم ينجذب كثيرًا إلى نظرات كاثرين هيبورن Katharine Hepburn وكاري غرانت Cary Grant، فإن الاهتمام هو عدم معرفة ما إذا كانت السينما تجعلنا أفضل. إنها مرآة التاريخ التي شاهدها، من جانبه، على الشاشات، وهذا "الارتباط بين السينما وأرشيف العصر"، كما كتب Dork Zabunyan في فوكو يذهب إلى السينما، التي تحتل النصوص القليلة والمقابلات التي كرسها المفكر للفن السابع. إذا كان أحد الفلاسفة النادرين الذين تم تكييفهم للعرض على الشاشة – نصه العظيم " أنا بيير ريفيير بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي" ... الذي أصبح فيلمًا من إخراج أليو -، فإن فوكو، على عكس كافيل أو دولوز، لم يطور أبدًا فكراً شاملاً منظماً في السينما. من خلال أفلام فيريه، أوشرويتير،أو ودوراس، أوبازوليني،Pasolini أو Duras أو Schroeter أو Ferret، يستحضر آثار علاقة بالماضي أو بالسياسة أو بالجنون أو بالجسد أو بالجنس. هل يمكننا، على سبيل المثال، أن نصنع فيلمًا بدون إضفاء الإثارة الجنسية أو البطولات؟ عندما يتحول إلى بطل للفلسفة، لا تتوقف السينما عن إبهاره بجمالها المظلم.

يقدم باتريس مانيغلييه ودورك زابونيان مقالتين طويلتين مجمعتين معًا في كتاب، مصحوبة بمجموعة مختارة من نصوص ميشيل فوكو، دراسة مفتوحة رائعة، لقاء سياسي بين الفيلسوف والسينما. كتاب له اهتمامات متعددة، تحركه حركات فكرية رائعة.

السينما، في نفس الوقت باعتبارها فناً غير نقياً أو صافياً art impur، ربما توجد أيضًا، كما قال غودار Godard، بين التلسكوب والميكروسكوب: أداة علمية مخصصة للمقياس البشري. هذان السببان يمكن أن يفسرا الحماس الفردي لما يسمى بـ "العلوم الإنسانية" للذهاب ومشاهدة جانب السينما، خاصة أنه يبدو بداهة أنه الفن الأقل إثارة للخوف. إن هذه الخاصية الديمقراطية (بكل معاني المصطلح) هي التي تبدد سراب الشرعية أو اللاشرعية في الحديث عنها، وتفتح السينما على أي نوع من الفكر. هذه الفرصة لتكون قادرًا على فهم السينما بعدة طرق هي أيضًا فرصة للسينما نفسها: التفكير فيها بشكل مختلف هو تتابع لصنعها على نحو مغاير ومختلف مختلف.

كان باتريس مانغيلييه قد شارك بالفعل في العمل الرائع عن فيلم ماتريكس (ماتريكس، ماكنة فلسفية Matrix, machine philosophique [1]) الذي قصد التفكير في السينما والفلسفة بشكل مشترك، وفتح فكر كليهما. نادرًا ما لم تأت الفلسفة لتلتقط المصفوفة لترفعها إلى سماء يفترض أنها أكثر نبلاً أو ثراءً؛ على العكس من ذلك: هذه المحاولة (التجريبية) لم تستدعي التوضيح ولا السخرية ولا حتى هذه النية الحسنة لإعادة التأهيل والتي غالبًا ما تنطوي على لهجات متداخلة، حتى من الكراهية المخفية بشكل سيئ للسينما التي لن تكون "سائدة". ". قدمت لنا آلة ماتريكس الفلسفية بسعادة (تركت كل الادعاءات في الخزانة) للتفكير مع ماتريكس، لإرشادنا لتقدير جميع الأحاسيس المسكرة لتجربة المشاعر الفلسفية في نفس الوقت مثل السينما.

إذا سمحت لنا المصفوفة Matrix، وهي آلة فلسفية، أن نشعر بذكاء وإبداع الفيلم بشكل فعال، يذهب فوكو إلى السينما التي يقترحها لدراسة العلاقة بين السينما والتاريخ، مثل أنهما كانا قادرين على الظهور بشكل مشترك مع ميشيل فوكو طوال عمله، وفي السبعينيات من القرن الماضي للنقاد (باسكال بونيتزر Pascal Bonitzer، سيرج داني Serge Daney، سيرج توبيانا Serge Toubiana) وصانعي الأفلام المخرجين(رينيه أليو René Allio وآلان رينيه Alain Resnais). هذه العلاقات بين السينما والتاريخ مدعومة بالسياسة، أو بالأحرى سياسة العرض والتمثيل la représentation.

بعد مقدمة واضحة جدًا حول موضوعهم، موقفهم ("فكرة في العمل" الرغبة في السعي إلى "التفكير بشكل مختلف"، تمامًا مثل فوكو، الذي كان تعبيره، يهدف إلى إيجاد طريقة جديدة لممارسة التاريخ)، ومشروعهم (لمواجهة الممارسات الفلسفية والسينمائية والتأمل في التاريخ)، يتعامل المؤلفان معه من زوايا انطلاق مختلفة تنتهي بالالتقاء في خطوط رحلتهم: إمكانيات فيلم لدورك زابونيان، مفهوم الحدث، لباتريس أكثر ذكاء.

ماذا يمكن أن يفعل الفيلم؟

بهذا السؤال، بالتوازي مع سؤال سبينوزا Spinoza الذي أعاد دولوز قراءته، افتتح دورك زابونيان مقالته. يبدأ المؤلف بتحليل تأثير الفكر الفوكوي la pensée foucaldienne كما عرض في مجلات كراسات السينما Cahiers du Cinéma في منتصف السبعينيات، في خضم موجة نضالية متشددة [2]، ومقابلة "Anti-Retro" الشهيرة (CC رقم 251-252 Juillet - أغسطس 1974) التي أجراها باسكال بونيتزر وسيرج داني وسيرج توبيانا ضد موجة من الأفلام "الرجعية  rétros "، وتحويل الماضي إلى لوحة جدارية زخرفية. باتريس مانيغلييه (انظر أدناه) يكمل تحليل فيلم رينيه أليو (أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي ...) بدأ هنا. لكن زبونيان أكثر اهتمامًا هنا بما جذب انتباه فوكو في السينما، أي جمالية الفقر، وغياب اللياقة أو التأثيرات. يمكن للآثار فقط أن تقلل من التأثير السياسي أو تصرف الانتباه عن قضايا التمثيل. "إذا كانت هناك خصوصية إيجابية للسينما في فوكو، [...] فهي مسألة تصور فن سينمائي خالٍ من أي مقاربة جمالية [3]: (" رجعي "أم لا) [...] فن حيث يؤدي الزهد المرئي والصوتي في كل شكل من أشكاله إلى الغوص في التعرجات القاحلة للأرشيف، أو قسوة علاقتنا بالسلطة، أو تحريك الجسد المجهول. (ص 32) يحلل زبونيان العلاقة البعيدة بين الفيلسوف والسينما من خلال المسافة التي يمكن أن يتخذها المؤرشف فيما يتعلق بالحقائق الحديثة جدًا، حيث يظل الوقت المنقضي قريبًا جدًا وغامضًا للغاية.

قضية مشروعة:

على الرغم من أن فوكو عاشق للسينما، إلا أنه لم يؤلف كتابًا عن السينما كما قلنا أعلاه، ولم يعترف بأنه مؤهل للتحدث عن الجماليات السينمائية. مداخلاته مشتتة في عدد قليل من المقالات والمقابلات، والتي يجب أن تفعل بالضبط، في فئة خطابها، مع الواقع والصراعات الملموسة. كما قال باتريس مانيغلييه بلطف، "من الصعب تخيل الميتافيزيقيين في توغاس وهم يتظاهرون مع مجموعة معلومات السجن. من الصعب أن نتخيل المفكر التأملي يقول مع فوكو إنه لا ينبغي للمرء أن يتردد في لكم الشرطة، لأن رجال الشرطة مصممون لذلك، أي لممارسة العنف الجسدي. يمكن لأخصائي المحفوظات و "الناشط" أن يتعايشا، ولكن ربما ليس بالضبط في نفس الوقت. على الرغم من هذا الاحتجاج على اللاشرعية، فقد يكون حدث ما بين فوكو والسينما مثل "علاقة غرامية" (للتلاعب بالكلمات)، تبادل متبادل على شكل استجواب.

بادئ ذي بدء، وهذا هو الجزء الأول من مداخلة باتريس مانيلييه (التي تضيف إلى انعكاسات دورك زابونيان، يرى فوكو في السينما إمكانية غير مسبوقة لعرض قصة "جزيئية". يطور فوكو مفهومًا جديدًا جذريًا للتاريخ، وهو مفهوم سياسي يمكن تلخيصه بالفعل بهذه العبارة من الفيلسوف: "شخص ما يتكلم دون امتلاكه"؛ إما: شخص (مثل بيير ريفيير، ومثل "رجال سيئو السمعة hommes infâmes " الذين أراد فوكو جعل تاريخهم) غير شرعي [4 يأخذ على عاتقه تاريخه الفريد، معارضة القوات الشرعية (الشرطة، الأطباء، المحامون، إلخ). بالنسبة للتاريخ الرسمي البطولي لأي كيان (رجل عظيم، أمة، طبقة) يعارض فوكو الذاكرة الشعبية، "عملية بلا موضوع" (كما عرّفها ألتوسير Althusser). الشعب ليس الفلاحين أو العمال، إنهم ليسوا طبقات، إنهم "خونة: إنهم في التاريخ، لكنهم مثل الفيروس. إنهم يطاردون تاريخنا، لكن تاريخنا ليس تاريخهم. (ص 63) لا تزال ذاكرة هذه الأقلية موجودة في الوقت الحاضر، حتى لو كان عمرها عدة قرون، لأنها مرتبطة بدقة بالحدث (تم شرحها بالتفصيل وبشكل جيد جدًا بواسطة مانغلييهr لاحقًا).

مفاصل أو تمفصلات: Disjonctions

الذاكرة الشعبية هي تاريخ لا يدمج وجهة نظر متدلية (فوق تاريخية)، ولكن أين الحدث، ليقول بسرعة ما يظهر في الفجوة التي أحدثتها الطفرة وتلاقي العديد من القوى التاريخية، المعرفية، يمكن أن يأتي على وجه التحديد للإضاءة من خلال إمكانيات انفصال الوسيط السينمائي: بين الكلام والصوت والصورة، بين اللقطات - تأثير كوليشوف effet Koulechov. بهذا المعنى، فإن فيلم رينيه أليو Moi، بيير ريفيير ... (تم تحليله ببراعة من قبل Maniglier) مانغلييه، يتكيف مع حرف النص الأصلي الذي اكتشفه فوكو، يلعب على مفارقات الكلام لإظهار مجموعة كاملة من القوى الخطابية التي تتعايش وتتعارض، يمكن أن تعارضها مراجعات نصوص مجلة كراسات السينما Cahiers du Cinéma بأسلوب رجعي (حيث يكون فيلم عتال الليل Portier de nuit [5] ولوسيان لاكومب Lacombe Lucien [6] جزءًا، وفي نهاية الثمانينيات ولكن بالمثل، أورانوس Uranus لكلود بيري Claude Berri الذي سينتقده بشدة سيرج داني).

يتدخل مانغلييه بعد ذلك بشكل أعمق في مفاهيم الحدث، المتسلسلة (ربما في قراءة أكثر دولوزية  deleuzienne  لفوكو)، لينتهي به الأمر في نهاية المقال بمجموعة من المقترحات النظرية والتحليلات الفيلمية المبهرة، والتي تكاد تكون مقبولة: رؤى وطرق تصور للتحدث عن الأفلام، ذات قوة كبيرة، أسلوبية ونظرية. دعونا نقتبس، على سبيل المثال، هذا التأكيد والعرض في غاية الجمال: "ليس قطارًا يدخل المحطة، لكن المحطة كلها كما هي تتحقق في قطعة قطار. (ص 87) أو هذا المقطع: "وهكذا، لن تظهر لنا السينما أياديًا متوترة، بل توترات تنشأ في وسط قوى أخرى، وليست عيونًا تثبت شيئًا ما، بل نظرات تشغل وجهًا، وليس خطافات منقولة التي تقطع الحناجر، لكنها قطع الحلق التي تعبر الزمن ... "(ص 102) هذه الصفحات المذهلة وغيرها، والتي ا أستطيع مقاومة إغراء اقتباسها، تذكرنا بمداخلة دولوز في إحدى محاضراته عن الوجه في سينما:

"ما يفعله الوجه شيئان: الوجه يشعر، والوجه يفكر بــ [...] يعود الزوج إلى المنزل في المساء منهكا من عمل طويل. يفتح الباب، يجر رجليه، وتنظر إليه زوجته. فيقول لها عابساً نكد المزاج وعلى نحو عدواني تقريباً، مشاكس ومتذمر: ما رأيك بماذا تفكرين؟ وأجابت: ما خطبك؟ - "فيم تفكر"؟ وهذا يعني: ما هي الجودة التي تنبع من وجهك؟ والإجابات الأخرى "ما بك؟»، ما هذه السلسلة الغريبة والمكثفة التي تخترقك صعودًا وهبوطًا.»

هذه القدرة الرائعة للابتكار، للعرض والتفكير في نفس الوقت، للتوفيق بين الاثنين في جملة واحدة، تشوه من خلال الأسلوب أي محاولة لإفساد الفلسفة في السينما: يوجد هنا أيضًا لقاء حقيقي، شيء رائع تمامًا يحدث، وهو ما يتوازى بشكل مباشر مع محاولات فوكو القليلة للتفكير في السينما كوسيلة للتجربة. والاقتباسات من إبشتاين Epstein، وهو نفسه صاحب نظرية أو منظُر وممارس للسينما، متطابقة (أو ينبغي أن أقول "متسلسلة").

لأن المؤلفين يصرّان على علاقة الجسد المعاد تشكيله بالسينما والسينما نفسها كجسم جزيئي كبير: الطريقة التي يرى بها فوكو في أفلام فيرنر شروتر Werner Schroeter "نشأة الجسد"، أو في أفلام مارغريت دوراس " ضباب بلا شكل (انظر حول هذا الموضوع النصف الثاني من مقالة زبونيان، بالإضافة إلى تحليلاته لتمثيل السلطة). ومع ذلك، فإنه من خلال ممارسة هذه الملكات المشتتة يمكن تطوير كل من سينما التاريخ وفقًا لفوكو، ولكن أيضًا طريقة جديدة لفهم السينما والتعاطي معها بقوة كامنة، في الإمكانات.

لأنه (وهذا بالتحديد الجزء الأخير من مقالة مانغلييهr) يعود الفضل في ذلك إلى ملكة التخوف، هذا النمط من الرؤية الذي يمكن لسينما الذاكرة إعادة الاتصال بالحاضر. إذا كانت كتب فوكو مهتمة بالعصور البعيدة عنا، فإن مقالاته ومقابلاته كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحداث الجارية، ومع ذلك فإن السينما تقوم بتحديث الذاكرة (وهذه هي نظرية مانغلييه) من خلال التساؤل الدائم عن صوره. الشاشة كقناع (حسب أندريه بازان) تعرض الصورة من الخارج، أي صورة سينمائية غير مكتملة من قبل في تحليل مذهل وعما لا يُصدق في فيلم ليلي وضباب Nuit et Brouillard إخراج ألان رينيه Alain Resnais، يصف مانغلييه قوى الصورة وتمثيل الصيحات، التي تتشكل بين المفارقات (الزمنية، المكانية، الجمالية) التي ينتجها الفيلم. يمكننا أن نرى بوضوح ما تقدمه هذه التحليلات أيضًا للخطاب حول السينما، وطريقته في الحديث عنها، ووصفها، وهي ملكات ملموسة وخيالية في نفس الوقت.

في الختام، يوضح مانغلليهr بالتفصيل عددًا آخر من الأفلام التي قد يكون من المثير للاهتمام دراستها، موضحًا أن هذا الكتاب ليس سوى مثال واحد ممكن لما يمكن أن تجلبه المواجهات بين فوكو والسينما. يقول باتريس مانغلييه، في اندفاع رائع من التواضع ("أنا لست مؤرخًا ولا صانع أفلام ولا ناقدًا سينمائيًا"، ص 53 – هل هو جبن اللاشرعية، مرة أخرى؟)، ينفي تقديم نماذج عملية للسينما. لكن إذا لم يفعل ذلك بشكل مباشر، فإنه يفعل ذلك بطريقته في التعامل مع الأفلام، وما يحدث لنا من خلال الكتابة.

سيكون من المستحيل ومن الحماقة تكرار الرسالة، باستثناء أن تصبح نوعًا من بيير مينارد Pierre Ménard، كل ما يحتويه هذان النصان مثير، ومفتوح بشكل خاص، كإمكانية للدراسات. ما هو مؤثر بشكل خاص، وما يكمن وراء المشروع، هو هذه الرغبة في أن تصبح، هذه الرغبة في شيء جديد، يشبه العالم المجنون أو الساحرة، والتي تتشكل في كل من الرغبة في رؤية "شيء آخر"، ووضعه بطريقة أخرى بطريقة مشتركة في التخصصين. هذا هو السبب في أن قائمة البداية (الخاطئة) التي وضعها المؤلفون في المقدمة (التأثيرات الأربعة التي يقصدها هذا الكتاب: على النقاد، والمنظرين، وصانعي الأفلام، والفلسفة نفسها) يمكن فقط تفريقها وتقسيمها إلى العديد من النقاط الفردية، غير قابلة للتوحيد. ضد توحيد، المسلمات: المتعدد، المفتوح. يسلم المؤلفون إلينا النص: الأمر متروك لنا لتولي المسؤولية منهم، من فوكو أو غيره، للعب السينما بمعرفة أخرى، ولعب دور الكيميائي الصغير أو الساحر، التسرع في زج الوسيط.

***

د. جواد بشارة

 

الشعر الحقيقي هو ما لا تستطيع أن تفصله عن صاحبه، ولو حللته في مختبر اللغة، وما يخرجه ويذيعه الأديب على الملأ يصبح ملك الجمهور، يحق لكل مفكر أن يقول كلمته فيه، ولا حسد ولا حقد ولا غيرة هناك. فإن أصاب الناقد أفاد، وإن أخطأ هزئ به الناس، وهل يكترث النقاد في الشعر البارع والنثر الممتع؟ هناك يتميز الأديب بكثرة منتقديه، فترك النقد عندهم منقصة وسُبّة.

اليوم أصبح النقد يسير عندنا وخاصة الخصوم منهم في الفكر والعقيدة؛ فتُختم المأساة بأكل اللحوم ونبش ما بين السطور! فمن هواة النقاد نقول لهم كونوا منصفين، فهل من نقاد للأدب لا يحابون كاتباً ولا يمالئون شاعراً، فلا يكيلون الثناء إلا لمن يعتقد بما يعتقدون من حزب وفكر وعقيدة، فليترك النقاد هذه الطلاسم التي يحتار بها قرّاءها، وتنفخ بالأدباء حتى يصبحوا كالقطن المنفوش. والبلية إنكَ إذا اصدرت كتاباً جديداً، وقلت كلمة في أحد المؤلفين والأدباء الجديرين بالكتابة عنهم تغامزوا جميعاً عليك وقالوا: حسداً، أو يواجهك البعض ممن يحمل روح الكراهية بذلك. وهكذا ينجوا المتلبسون والحساد بالجري.

3459 حسين نهابةمطلع الشهر الماضي أهداني الصديق الأديب حسين نهابة كتابه الموسوم (تمائم حميد سعيد) الصادر عن دار نينوى في دمشق عام 2018م، وبواقع (212) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الجميلة والغلاف الأجمل، والكتاب يذكر فيه الشاعر والناقد حسين نهابة سيرة الشاعر حميد سعيد، واستعراضاً نقدياً لإصدارات الشاعر مع بعض ما عُلن وخفي من سيرته الذاتية، بالارتكاز على المصادر المتوفرة وبعض المحادثات الهاتفية بين حسين نهابة والشاعر المغترب حميد سعيد.

ومطلع هذا الشهر أهداني الأديب الشاعر شكر حاجم الصالحي كتابه (حنين بابلي.. مختارات من ابداع الشاعر العراقي حميد سعيد)، الصادر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع والصادر لهذا العام 2022م، وبواقع (110) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الجميلة وتظهر صورة الشاعر بقلم فنان تشكيلي على غلاف الكتاب، والكتاب احتوى على قصيدة للشاعر الصالحي بحق الشاعر حميد سعيد، وسيرة ذاتية للشاعر، و(19) قصيدة للشاعر حميد سعيد، وكلمات محبة من الأدباء والفنانين: كامل حسن الدليمي، ومالك مسلماوي، إنصاف قلعجي (ناقدة أردنية)، والموسيقار علي عبد الله، محمد المحاويلي، غالب العميدي، عباس خليل العاني.

كما حمل لي الصديق الكاتب والأديب د. نصير الحسيني هدية الشاعر حميد سعيد في زيارته الأخير للأردن ديوانه الأخير (نجمة.. بعد حين)، الصادر هذا العام عن دار دجلة، وبواقع (102) صفحة من الحجم المتوسط، ويتضمن الديوان (18) قصيدة حديثة للشاعر، فضلاً عن كتاب آخر وهو دراسة نقدية للأديبة الأردنية إنصاف حسن خيرو قلعجي) تحت عنوان (تَطواف في حدائق الموريسكي عن الشاعر حميد سعيد)، الصادر عام 2021م عن دار هبة، وبواقع (97) صفحة من الحجم المتوسط.

وقفت عند هذه الكتب بين ديوان الشاعر حميد سعيد ونقد أدبي كُتب بحق قصائد الشاعر حميد سعيد؛ وقفة النابه والمتردد كوني باحثاً بعيد عن النقد والدراسة الأدبية، ولولا أن هناك عنواناً في قلبي ومكانة للشاعر والأصدقاء والإهداء لما قرأت تلك القصائد والنقد، وبرد قلبي. فالشاعر حميد سعيد لهُ مقاماً في نفسي وبين الشعراء والأدباء العراقيين والعرب، كمقامه فترة الصبا والشباب  بأرض مدينته الحلة المزيدية والعاصمة بغداد التي غادرها، وظللت أروح وأجيء حتى خفت أن يموت الوقت ولا أقول كلمتي، ولا سيما أن الكتب تتكاثر على رفوف مكتبتي، فأخذت تلك الهدايا الجميلة؛ فما كدت أمسك القلم حتى أقلتّه. لا أفكر بما أقول في تلك الهدايا القناديل، حتى تراءى لي شبح الشاعر حميد سعيد اللذيذ فأتمثل نظراته التائهة البريئة، فوقفت كالغريب في مفترق الطرق حائراً. وبقيت هكذا حتى قالت لي نفسي: ما تراه يكون لو ضحيت بوقتك اخلاصاً للشاعر واصدقائه؟ ثم ما قيمة العاطفة السامية وهي سكوت ونوم؟ ولماذا أهدى إليك الشاعر ديوانه والأصدقاء تلك الكتب؟ أليس لتقول كلمة فيها؟ فقهرت عاطفتي وألقيت قاربي في أمواجه، فعسى ألا أغضب الشاعر كما أغضب سواه من رفاق وأصدقاء.

حقاً إن ديوان حميد سعيد نجمة فيها كل شيء، وما أشبهه بليل امرئ القيس. حميد سعيد وشعره فيه فناً يثقّف بنيّات القرائح ويهذبها. ومشى القلم رويداً رويداً فأخذت اقرأ ديواناً أهداه إليّ، وقد خرج هذا الأثر من يده وصار ملكاً للأدب العربي، فعلينا أن نصدق صاحبه القول، كما نصدق النصيحة سواه، وشعره العتيد مستقيم له من الفن والشاعرية، فالشاعر لا يحيى بلا فن للقصيدة.

وسألت نفسي: أتعرفين يا هذه، بماذا يجرف حميد سعيد الشعراء اجمعين؟ فعيّت جواباً. فرحت اتساءل: أبالمواضيع؟ انها وحدها، لا تعمل شاعراً، فقد يكتب ناثراً أروع منها، أبالنظم؟ فهو يعترف أنه لا يصنع شعره بل يرسله كما خلقتني يا يا رب. فقد كتب الشعر منذ شبابه أيام عاش في مدينة الحلة، وعرف أغراض الشعر وأنواعه. وفي مرحلة مبكرة من قراءاته الأولى التي توزعت على ثلاثة مصادر، مكتبة المدرسة والمكتبة العامة في الحلة، وما كان يقتنيه خاله من كتب ومجلات، وخاصة مجلة الرسالة، وجد نفسه ميالاً إلى قراءة الشعر، ومن ثم في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي كانت له محاولات في كتابة القصيدة ومقطوعات من الشعر، نشرت بعضها في الصحف آنذاك.

الشعر موسيقى قبل كل شيء، والنثر خير منه وابقى، فليس للناقد أن يعرض الشاعر في اغراضه، بل أن ينظر فيها، فرأينا أن العناصر التي تتألف منها شخصية حميد سعيد في ديوانه (نجمة.. بعد حين) ليست جديدة، فهو لم يكتشف اقليماً جديداً ولكنه يوسّع وبتبسط في وصف أقاليم عرفناها فأتانا بشعرٍ صادق النسيج.

إن أكثر الذين حدثونا عن حميد سعيد وعن شاعريته لم ينظروا إلى فنه بل عبروا لنا عن تأثرهم بأغراضه. ينبئنا سعيد أنه يعنى بشعره، ولشعره لغة خاصة في الخلق والإبداع، وليس في الأغراض وفي المعاني فقط بل في التعابير التي تتغذى على حياتنا المعاصرة. ومن تلك القصائد: زهرة الكوجرات، خضراء، ذاكرة مشاكسة، من أيام الفقير إلى الله، رؤى بغداد، فرائض الأطلسي، ما يتذكره عن بستان عبد الله، ودعتنا الرياح المضيئة واستقبلتنا المراثي، نخلة الله، من حميد سعيد إلى سعدي يوسف، نجمةً بعد حين، رَقيمٌ مَوصلي، أطفال الماء، في انتظار فضة الصباح، البحر يفك أزرار قميصه، مآلات غجرية.

أجد مهمة الشعراء شاقة جداً، ولهذا لم أتعجب حين قرأت ما وصلني من ديوان الشاعر حميد سعيد، نحن في حاجة إلى اقلام لا تراعي في المنام خليلاً، وأول واجباتها تقدير الشعراء الكبار، كالشاعر حميد سعيد مثلاً، فهو المبدع مبنى ومعنى، والمدافع عن الأدب ضد الدجالين المغرورين، فشعره متدفق، والأفكار الصور فيه تتوالد باستمرار، ومحروسة بوحدة عضوية واحدة، ومنها قصيدته (زهرة الكوجرات)، جاء فيها:

أقول لسيدتي.. زهرة الكوجرات..

أهذا الذي لا يفارقني.. أنتِ؟

كنّا أقمنا معاً في الثواني

وفيها كتبنا معلّقةَ الريحِ..

يوم أعدنا إلى مدن العشق..

ما ضاع منها.

أما حبيبة الشاعر حميد سعيد العاصمة بغداد، ومعشوقته لا شيء سوى بغداد، يقول الشاعر في قصيدة (رؤى بغداد):

توقظه بغداد صباحاً..

يفتَحُ عينيهِ..

يَراها..

فَيُقَبلُ جبهتَها..

ويَشُمُ عَراَ جدائِلِها وقُرُنفُلَ ضحكتِها..

وأريجَ صِباها

سمَعُ وَقعَ خُطاها

في الروح.. من البابِ الشرقيِّ إلى الميدانْ

يا ما كانْ

أما قصائد الشاعر في ديوان (حنين بابلي)، من اختيار وتقديم الشاعر شكر حاجم الصالحي، فقد احتوى على قصيدة للصالحي تحت عنوان (قالوا..... وقلتُ!!) مهداة للشاعر المغترب حميد سعيد، جاء فيها:

مالكَ يا ابن الحلة قالوا:

أطلقت صهيل عتابك

في مضمار الورقِ

وأقمت طويلاً مندهشاً

ما بين شراك الظنِّ

وبين بيوض القلقِ

وأشار قليلُ الحظِّ.

أنّ سهامك طاشت

فأصبت محبيّك بوابلها.

من خلال القصيدة اعلاه أجد أن الشاعر شكر حاجم الصالحي قد أوفى عهده مع صديقه الأقرب إلى نفسه الشاعر حميد سعيد.

وجماع الكلام أن الناقد النزيه كالصقيل الماهر يبدو جوهر السيف تحت أنمله شيئاً فشيئاً، أو كالمرشد الأمين يجذبك إلى متحف مليء بعرائس الفنون، ويدلك عليها واحدة واحدة، ويشرح لك معاني جمالها. وما كان النقد الأدبي قد؛ منذ كان إلا معواناً على رقي الفنون، وشاعر لا يسمع غير التقريظ لا يبدع، والماء إن لم تصفّقه الرياح ركد وأسن.

لقد آمن طه حسين وقال: "إن إمارة الشعر ستكون في العراق بعد شوقي"، ويقول مارون عبود في كتابه (على المِحك): "لولا الشاعر لماتت الآلهة"، فالشعراء خالدون ومخلدون، لا نعني بالشاعر ذلك الصاف للكلمات، الغوّاص على درر الألفاظ، فمن يعجز عن التفكير والابداع يعتصم بالفصاحة الجوفاء، فالشاعر الجدير بالكتابة عنه يقول الشعر متى جاش صدره، وهذا إلا شاعر وجد نفسه. ومن خلال متابعتي لقصائد الشاعر حميد سعيد وجدته جدير بوصفه الشاعر الجياش للمشاعر والأحاسيس، فهو الشاعر الرقيق الذي عود أوتار شعره على أن يصفف ألفاظه ويصلحه ليخرج اللحن الذي يود.

إن مخيلة الشاعر المبدع كالراديو يلتقط حديث عوالم الأثير، وقريحته راديوم يشع نوراً خالداً، فعبثاً يحاول قرع باب الفن إن لم يكن في عونه قلب متقد وعين ثاقبة، وإن فعل فهو كالنادبة تُبكيّ ولا تبكي.

أما الشاعر والأديب حسين نهابة فقد اعطى الشاعر حميد سعيد حقه في كتابه النقدي (تمائم حميد سعيد)، فالكتاب دراسة نقدية وافية لقصائد الشاعر حميد سعيد. ومن خلال متابعتي للكتاب خرجت بنتيجة أن الشعر هو الحلم، حلم اليقظة الذي يتمتع بها شاعرنا حميد سعيد، ويمتلك عين ترى وقلب يشعر وإذن تسترق، وعقل يحلم، فهو الذي يصغي ليسمع صراخ نفسه من خلال قصائده، وقد وضحت من خلال قصائده قمة فن الشعر. حقاً أن في الكلام رقى وقد خلدته اسطر قصائده كلها، فشعره فيه فن وألفاظ جميلة، ومتعة الاطلاع على قصائده كمتعة مشاهدتي لشمس المغيب وألوانها، وقد خلدت قصائده عبقريته في اختيار الصور الفنية.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي 

شاع في الآونة الأخيرة القول بأن الدولة العثمانية كانت قوية منيعة بل ومتحضرة! ولأن المؤرخ – كما هو مفترض- يتكلم بالوثائق وليس من منظور أيديولوجي، لذا حاول الباحث المصري الدكتور ناصرأحمد إبراهيم أن يقدم قراءة مختلفة لعصر قال البعض أنه عصر العزة وقال آخرون أنه عصر الهزيمة، فما الحقيقة إذن؟.
في الكتاب الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وبالتحديد ضمن سلسلة " تاريخ المصريين" وعنوانه " الأوبئة والازمات الاجتماعية في مصر القرن السابع عشر " يحاول المؤلف أن يضع بين أيدينا عدة حقائق تاريخية لعلها تجيب على هذا السؤال؟.
وفي تقديمه للكتاب قال المؤرخ الراحل " رءوف عباس " أستاذ التاريخ الحديث بكلية الآداب جامعة القاهرة: "إن التاريخ الاجتماعي هو أحدث ميادين البحث التاريخي عمرًا؛ إذ بدأ الاهتمام به في الغرب منذ عشرينيات القرن الماضي، واستقرت مناهجه مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشعبت مناحي الدراسة فيه باختلاف المدارس الفكرية ذات الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي".
وأضاف عباس أن اهتمام المؤرخين المصريين بالتاريخ الاجتماعي تأخر حتى بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وما لبثوا أن اهتموا به في الستينيات اهتمامًا خاصًا تمثل في عددٍ من الأطروحات الاجتماعية والكتب التي وضعت التاريخ الاجتماعي على خريطة البحث التاريخي في مصر والعالم العربي.
3423 الأوبئةوالأزماتوأكد على أن الوباء والجوع كانا وجهين لعملةٍ رديئةٍ واحدة عانت منها مصر بين الحين والآخر على مر تاريخها الطويل، ولكنها كانت أكثر شيوعًا عند عجز السلطة عن مواجهة الأزمات لضعفٍ فيها، أو صراعٍ داخلها، أو لسقوط هيبتها، وقلة حيلتها. وكان مثار الأزمات دائمًا حدوث ندرة مفاجئة في الموارد، تؤثر على الغذاء الضروري المتاح بالأسواق، وتحدث هذه الندرة عادةً لعوامل طبيعية أو بشرية، وغالبًا ما كانت تحل المجاعة حتى تجر في أذيالها الوباء، أو يحل الوباء حتى يعصف بقوة العمل فيشح الغذاء وتقع المجاعة. فإذا قُدِّرَ للبلاد أن يتولى زمام أمورها حاكمٌ هُمام، كان بالإمكان احتواء الأزمة ومعالجة آثارها، أما إذا كانت الإدارة عاجزة عن إدارة الأزمة، فالهلاك والخراب وتدهور الأحوال نتيجة اتساع دائرة الأزمة زمانًا ومكانًا واقعٌ لا محالة.
وأوضح عباس أن دراسة التاريخ الاجتماعي والتاريخ عمومًا ليست ترفًا علميًا، ولكنها وسيلة لمعرفة الحاضر من خلال الماضي؛ ولهذا قرر أن يلتمس جذور مصر الحديثة في الحقبة العثمانية من تاريخها، وقال إن دراسة الأزمة الاجتماعية تكشف عن بنيان المجتمع؛ من حيث مواطن القوة ومواطن الضعف، وما يرتبط بهذا البنيان من أسس اجتماعية وثقافية واقتصادية، فالمجتمع كائن عضوي تكشف حالة مرضه عن مدى كفاءة أعضاء بدنه، وتشخيص المرض يحتاج إلى باحث جاد يمتلك وعيًا علميًا يميز به بين الصحة والمرض، ويضع به يده على موضع الداء، ويحدد أسبابه بدقة، ويستفيد من الماضي في الوقاية من تكرار حدوث المرض في الحاضر.
ويوضح لنا الكتاب أن الغالب على حكام الفترة المتأخرة من تاريخ مصر (العصر العثماني) عدم الاهتمام بالخدمات العامة للجمهور، ما عدا حفظ الأمن، وكانت السلطة تهتم فقط بتنظيم الري ورعاية النيل؛ لارتباط موارد الخزانة بما يجري به النهر من خير، وللعلاقة الوثيقة بين التحكم في نظام الري وإحكام القبضة على الناس، ولذلك كان الحكام يهتمون بإحصاء الموارد، وتأمين المنتجين على أموالهم وحياتهم، وإقامةالعدل بينهم، وما عدا ذلك لم تكن السلطة تهتم بالرعاية الصحية والتعليم، وكان الاهتمام بمراقبة الأسواق في المدن فقط، أما الريف فقد سقط من حساب السلطات في تلك الفترة.
ويشير المؤلف إلى أن المؤسسة الدينية كانت هي التي تقدم الخدمات للناس وفق ما يتيسر لها، وكان بعض الأغنياء يقدمون أعمالاً خيرية، على أن الخدمات الاجتماعية عمومًا كانت محدودة داخل أسوار المدن، ولا تصل إلى الريف وأهله غالبًا.
ويوضح المؤلف أنه لكي نفهم طبيعة الأزمات الاقتصادية في القرن السابع عشر، علينا أن نحدد مفهوم المصطلحات التي تداولها كُتَّاب الأخبار على صفحات أعمالهم وهم بصدد رصد تلك الأزمات؛ حيث يُلاحَظ وجود تداخل بين مصطلحيْ "الغلاء" و"المجاعة" فعلى سبيل المثال: في أزمة 1641-1643م التي توالى خلالها انخفاض منسوب النيل والشراقي لثلاث سنوات، وتضاعفت الأسعار غير مرة، حتى لقد حدث في الناس "الضعف والقهر" كما أوضح "ابن عبد الغني" في كتابه "أوضح الإشارات فيمن تولى مصر القاهرة من الوزراء والباشات" الذي طبعته مكتبة الخانجي عام 1978م، وفيه: أن الأسِتَانة (عاصمة الدولة العثمانية) أرسلت بعض الإمدادات الغذائية، وانتهت المأساة بوقوع أشد جائحة طاعونية في النصف الأول من القرن السابع عشر، ومع ذلك لا نجد المصادر تطلق عليها سوى "الغلاء الشديد" أو "الغلاء والقحط".
ويتابع المؤلف قائلاً: وفي أزمة 1694-1695م نجد المواصفات والتفاصيل التي طرحتها المصادر تنبئ عن وقوع مجاعةٍ ضارية وقاسية إلى الحد الذي نتصور معه أن بعض أحداثها غير حقيقية، ورغم ذلك يطلق كُتاب الأخبار عليها "الغلاء العظيم" كما ذكر "محمد بن أبي السرور البكري" في كتابه "الروضة الزَّهِيَّة في ذكر ولاة مصر والقاهرة المُعِزِّيَّة" ولهذا يتسائل المؤلف: هل يعني ذلك أن سنوات الأزمات التي أصابت مصر في القرن السابع عشر وأُطْلِقَ عليها مصطلح "الغلاء الشديد" تعكس لنا درجة من درجات المجاعة الشاملة أو الأزمات الغذائية الشديدة، والتي تعني نقص المواد الغذائية بالأسواق بصفةٍ عامة، أم أنها لم تتجاوز نطاق الأسعار المرتفعة فحسب؟ ويجيب المؤلف على هذا التساؤل بقوله: في الحقيقة لم يكن الاستناد إلى منسوب الفيضان السنوي كافيًا لوضع خطوط واضحة بين مستويات الغلاء والقحط والمجاعة، برغم أن الفيضان كان من أهم الأسباب الرئيسية في حدوثها؛ ذلك أن أسبابًا أخرى كانت تسهم في بعض الأحيان بالشكل الذي يحول الأزمة من مجرد حالة "غلاء" إلى "مجاعةٍ شديدة".
ويقدم الكتاب بعض النماذج التي تؤكد ذلك: فعلى الرغم من أن مناسيب الفيضان خلال أزمات (1629)، (1650) و(1694) كانت متماثلة؛ فإن درجات الأزمة كانت متفاوتة تمامًا، ففي أزمة 1629/30 بلغ إردب القمح 136 بارة، ولكن تصدي الوزير للمتسببين في تفاقم الأزمة جعل الأهالي لا يشعرون بوطأتها فتجاوزتها البلاد سريعًا. وبينما لم تكن أزمة 1650م سوى حالة من ارتفاع الأسعار الشديد؛ حيث أمكن ري ثلث الصعيد، نجد أن أزمة 1694م كانت تمثل مجاعةً ضارية حتى لقد صاحبها حركة خروج من الأرياف، ودخل الفلاحون القاهرة فنهبوا ما وقعت عليه أعينهم من خبزٍ وطعام، وأكل الناس الجيفة والرِّمَم وبعض البشر! على حين تطالعنا المصادر بأن عام 1618 شهد فيضانًا مُغرِقًا أدى إلى وقوع القحط بسبب فوات موسم الزراعة، غير أن مكافحة الوزير للمحتكرين وإغراقه الأسواق بالغلال أنهى الأزمة تمامًا. وربما كان الأكثر دلالةً من ذلك ما نسمعه من وقوع "غلاءٍ شديد" في عام 1678 رغم أن فيضان النيل كان موافيًا حد الكمال.
ويخلص الباحث مما سبق إلى أن فيضان النيل يصعب التعويل عليه كمؤشر لتحديد "المجاعة" خاصةً ونحن نجهل مناسيب النيل في معظم سنوات القرن السابع عشر، لكن الذي يحدد "المجاعة" هو ما تطالعنا به المصادر من سلوكيات الأهالي، ففي الأزمة التي أكل الناس فيها موتاهم بعد إخراجهم من القبور، كما أكلوا الكلاب والحمير والقطط عام 1694/95 يصح إطلاق وصف المجاعة بلا شك.
ويشير إلى أن غلاء أسعار الغذاء الذي أدى إلى سوء التغذية هو الذي أكسب الناس قصورًا في المناعة وبالتالي انتشرت الأمراض والأوبئة، وهذا ما يؤكده مؤرخو تلك الفترة مثل: البكري والملواني والإسحاقي، وما يؤكده أيضًا الأطباء القدامى الذين عاشوا تلك الفترة او قريبًا منها؛ حيث حذروا من الجوع قبيل انتشار الوباء. ولعل مما يؤكد ذلك أن بعض المصادر التاريخية دائمًا تقرن الغلاء بالوباء في عباراتٍ مألوفة مثل: "وقع الغلاء والوباء" أو قولهم: "وقع الغلا وأعقبه الفنا". ومما يؤكد العلاقة الجدلية بين "أزمات الغلاء" و"الطواعين" أن أغلب طواعين القرن السابع عشر قد سبقها أزمات غلاء ومجاعات؛ فمن بين 18 حالة طاعونية أصابت مصر نجد 14 حالة سبقها وقوع الغلاء والمجاعة؛ حيث أدى عامل الندرة الغذائية إلى ضعف البنية عند المصريين، في وقتٍ كانت فيه المؤسسات – إن جاز التعبير- ضعيفة وأقل كفاءة من أن تتصدى للعدوى، ويؤخذ في الاعتبار طول فترة الغلاء، وكذلك تعاقبه على فتراتٍ قصيرة.
ثم يعود الباحث فيؤكد أن ما سبق لا يعني أن الطاعون تسبقه حتمًا أزمة اقتصادية، فقد يأتي بسبب عدوى وافدة. ويتحدث المؤلف عن ماهية الأوبئة ويوضح أن "كل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعون" وكان الأطباء في العصر العثماني ليس لديهم وعيًا كافيًا بماهية الأمراض الوبائية، وبعض تلك الأمراض كان يمكن علاجها لو كان الطب متقدمًا في ذلك الوقت، بل إن طاعون 1619 رغم أمه عمَّ كل أقاليم مصر حيث كان قوي الانتشار إلا أنه أمكن العلاج منه بثمار "النارنج" كما قيل، ولكن نظرًا للتدهور الطبي بشكلٍ عام وقصور فهم الأطباء لحقائق الأمراض واعتقاد الناس أن هذا الفهم يحتاج إلى تأييد قٌدسي! كما ذكر ذلك "البدليسي" في كتابه "الإباء عن مواقع الوباء" لم يعرف المؤرخون وقتها الفرق بين الأوبئة وأنواع الطواعين، ويضاف إلى ذلك ابتعاد المؤرخين عن مواطن انتشار العدوى، أو تلقي بعضهم لأخبارها بالسماع.
ويخبرنا الكاتب أن الغالب في الطواعين المنتشرة حينها ثلاثة أنواع، وهي: "الطاعون الغُدَدِي"وكان الأكثر انتشارًا ويُحدِث بثورًا وأورامًا في المواضع الرخوة وغير الظاهرة من البدن مثل: "تحت الإبط" و"خلف الأذن" و"أرنبة الأنف" وهناك "الطاعون الرئوي" و"الطاعون التسممي".
وهناك أوبئة غير الطاعون ولا تقل عنه خطورة، مثل: الديسونتاريا، السُّعار الجنوني، الحُمَّى الثلاثية، والوبائية، الجُذَام، وجذام الفيل، والجُدَرِي الوبائي الذي دائمًا ما يصيب الأطفال بصفةٍ خاصة، إلى جانب الفتاق والسل الرئوي ورمد العيون.
ويرى البعض مما سبق أن العصر العثماني كان بحق "عصر الظلام والتأخر" وليس كما يشاع أنه كان "عصر القوة الذي تم ظلمه" فالصحيح أنه عصر تراجع الحضارة الإسلامية، ومع الحملة الفرنسية وتخلي العثمانيين عن الدفاع عن مصر إلا قليلًا شعر المصريون بهويتهم واختلافهم عن الأتراك وأنهم مصريون و"أولاد العرب" وهو إحساس كانت له بوادره قبل ذلك، وحين بدأت مصر نهضتها الحديثة في القرن التاسع عشر تأكد هذا الإحساس الوطني بالهوية.
***
حاتم السروي

 

نبيل عبدالامير الربيعيعُرفَ عن الكاتب والباحث الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي اهتماماته الجادة في مجال تاريخ المسرح العراقي والعربي، وقد اتاح له تواجدهُ وانشغاله المبكر في الساحة الثقافية أن يَطلّع على خلفيات واساسيات حركة الفن المسرحي عراقياً وعربياً، بسبب تشوقه الدائم للاطلاع وأخذ المعلومة من مكامنها، ومحاولته الدائبة للإسهام في بحوثه ودراساته المتخصصة في مجال المسرح، الذي ما فتأ أن يظهر ملامحهُ منذُ بداياته في العراق.
يتضح من كل ذلك أن الدكتور علي الربيعي لا يستكين إلى منجز بعينه، ولا لحالة تعبيرية محددة، بل تجتذبهُ مساحات التعبير المفتوحة والتي تبقى مسرحاً لرؤياه وتشوقاته، وهذا ما جعل من مسألة انفتاح مجال التوثيق نتيجة اهتماماته. غير أن البحث في ذلك يستلزم جهداً كبيراً وهو ما يصعب الامساك به في زمنٍ عسير، مربك، كهذا.
صدر عن وزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كوردستان عن مديرية الإعلام والطباعة والنشر في أربيل للدكتور علي محمد هادي الربيعي كتابه الموسوم (أحمد سالار أيقونة المسرح الكُردي)، الكتاب صادر بدعم من حكومة إقليم كوردستان، ذات طباعة راقية خالية من الأخطاء الإملائية والطباعية، وبواقع (400) صفحة من الحجم الوزيري، طبعة مزيدة بالصور والشهادات من قبل الفنانين والأدباء بحق الفنان أحمد سالار. وهو الكتاب السادس والعشرون من مؤلفات الربيعي.
استهل الربيعي الكتاب بمقدمة وخمس فصول وملحق ثبت فيه اسماء المسرحيات التي قدمها الفنان سالار طوال مسيرته الفنية التي تجاوزت أكثر من خمسة عقون (1968-2020م)، وبواقع (102) مسرحية. وتخلل الكتاب مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي كانت معادلاً وثائقياً لا غنى عنها.
والفنان أحمد سالار من مواليد عام 1947م، ولد في كنف أسرة ثقافية في مدينة السليمانية، الكثير من ابناء أسرته اكملوا التعليم الديني الذي كان شائعاً في المجتمع الكُردي شارك ادوار شخصياته بحذاقة عالية، طرق باب التأليف وأنجز كتابة (92) نصاً مسرحياً ونشر 92 كتابا عن المسرح وفن الدراما، وهو أحد المخرجين الذين تركوا لمساتهم الفنية على حركة المسرح الكُردي في اقليم كوردستان، أسس فرقة مسرحية في مدينة السليمانية (فرقة مسرح سالار) واختار الدخول في اكاديمية الفنون الجميلة، رغم تفوقه الدراسي الذي أهلّه لدخول الكليات المهمة، ومع أنه لم يكن يجيد اللغة العربية، إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة في العروض المسرحية التي كان يقدمها طلبة اكاديمية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بغداد، ونذكر من اساتذته، د.إبراهيم الخطيب، الاستاذ إبراهيم جلال، الاستاذ أسعد عبدالرزاق، الاستاذ جعفر عمران السعدي، الاستاذ سامي عبدالحميد.
3409 احمد سالاروقد اشار الربيعي في الصفحات ص7/10 لشهادات المثقفين والفنانين التي كتبت بحق الفنان سالار، ويعتبر هذا الكتاب هو الثاني الذي صدر عن حياة وأعمال سالار الفنية، إذ صدر الكتاب الأول تحت عنوان (أحمد سالار... رائداً ومؤسساً للمسرح الاحتفالي الكردي المعاصر) للدكتور كمال غمبار الذي طبع في دار الثقافة والنشر الكردية عام 2015م.
ذكر الربيعي في الفصل الأول السيرة الشخصية للفنان سالار ومراحل ترعرعه وتكوينه، أما الفصل الثاني فقد تضمن الأخبار والريبورتاجات الصحفية التي تناولت سيرة سالار ونشاطه التأليفي في فضاء النص المسرحي والتي تجاوزت ستة نصوص، كما وثق الربيعي نشاط سالار التأليفي المطبوع والذي تجاوز (26) نصاً و(97) مقال، وفي الفصل الثالث وثقّ الربيعي المقابلات صحفية التي اجريت مع الفنان سالار والتي نشرت في الدوريات باللغة العربية والتي تجاوزت (23) مقابلة صحفية. أما الفصل الرابع فقد دون الربيعي المقابلات النقدية التي تداولت منجز سالار المسرحي والتي كانت (32) نقد مسرحي، وقد نقل الدكتور الربيعي نص الناقد والمفكر ياسين النصير. والفصل الخامس والأخير تصدى فيه الربيعي إلى استعراض الدراسات البحثية التي غطت النشاط المسرحي للفنان سالار والتي تجاوزت (6) دراسات.
احتوى الكتاب ملحقين، كرس المؤلف أولهما لنص الكلمة التي حملت عنوان "العلاقة العربية الكُردية من المنظور الثَّقافي"، التي ألقاها الفنان أحمد سالار في تجمع للحوار العربي الكردي أقيم في جمهورية مصر العربية عام 1998. والكلمة بقيت حبيسة الأدراج ولم تنشر، وآثر المؤلف نشرها في هذا الملحق حتى يطّلع عليها القراء، وقدم في الملحق الثاني ثبتاً شاملاً بـ"أسماء المسرحيات التي قدمها أحمد سالار طوال مسيرته الفنية" منذ العام 1968م.
والكتاب يعد جزءاً مهماً من تأريخ المسرح الكُردي، لأنه يستعرض سيرة الفنان أحمد سالار الذي وضع بصمته الواضحة في الفضاء الإبداعي الفني، وما قدمه من إسهامات وتأليفات نصية في مجالي التمثيل والإخراج، وما جاد فيه على طلبته في الدرس الأكاديمي من فيوضات علوم المسرح.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

بدر العبريرأينا في مقال سابق لنا حول "علم الكلام الجديد" للدّكتور العراقيّ عبد الجبّار الرّفاعيّ عن أزمة اغتراب علم الكلام القديم من خلال الاغتراب في الميتافيزيقا واللّاهوت والماورائيات والمجتمع، وما نتج عنه مع اغتراب الآلة والإنسان وصورة الله.
والمدار الثّاني الّذي يدور حوله الكتاب - في نظري - بعد نظريّة اغتراب علم الكلام القديم هي أبديّة الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى، وهنا ينقض الرّفاعيّ تحجّر علم الكلام القديم، بمعنى اكتماله وتمامه والوقوف عنده بالكليّة، وهو ما يسمّيه المتقدّمون بالعلم المحترِق أي المنتهي من حيث كلّياته، لهذا يرى ليس مجرد إصلاح علم الكلام القديم؛ بل الخروج منه إلى علم كلام جديد؛ يتوافق ومقتضيات الواقع، وتساؤلات الجيل الجديد، وتطوّر الآلة والمعارف المعاصرة.
وعلم الكلام الجديد من حيث الأسئلة الميتافيزيقيّة يندرج من بُعدين، بُعد صورة الله المطلقة، وما يقابلها من بُعد استمرايّة البحث والتّساؤل والكشف عند الإنسان، لهذا المعادلة متلازمة في دائرة مستمرة ومتطوّرة معا، لا يمكن أن تتوقف يوما، وهي تتضخّم تطوّريّا بتضخّم المعارف والنّتاج الإنساني.
لهذا يمكن فهم مراد الرّفاعي أنّ العلاقة بين صورة الله المطلقة، واستمراريّة شغف الإنسان في معرفة هذه الصّورة تضيق أو تتّسع من خلال: الذّات الكاشفة، والأدوات المستخدمة، والتّأثر بالسّلطة والهوّيّة والثّقافة، واتّساع المعارف وعقلانيّة الزّمكانيّة، فهذه جميعها تعطي صورة دائريّة مستمرة لهذه العلاقة لا تتوقف عند نقطة زمنيّة ومكانيّة ما.
وبالنّسبة لصورة الله المطلقة تتمثل في "أنّ الله مطلق، ومعرفة الإنسان بالله نسبيّة؛ لأنّها محدودة بحدود طبيعته البشريّة، وآفاق وعيه وثقافته، ونمط رؤيته للعالم، والزّمان والمكان الّذي يعيش فيه، ونسبيّة معرفة الإنسان بالله، وعدم تمكنه من الحصول على صورة نهائيّة له"، فالله رمز للقوّة الفاعلة/ الغيب المنيع/ اللّامتناهي/ مطلق الوجود، وهذه صورة مطلقة لا يمكن حصرها في صفات أو أسماء محدودة، وإنّما هي صورة تقريبيّة لهذا المطلق الإلهي.3329 علم الكلام الجديد
لهذا في المقابل يأتي استمراريّة شغف الإنسان في معرفة هذه الصّورة "فما دام هناك إنسان هناك أسئلة وجوديّة، وأسئلة ميتافيزيقيّة، وما دامت هناك أسئلة ميتافيزيقيّة هناك أديان، فالأسئلة الوجوديّة في الفلسفة مدينة الأديان"، بمعنى أنّ تعدد الأديان نتيجة طبيعيّة متمثلة من خلال هذا الشّغف، ولكونه مرتبطا بصورة مطلقة إذا التّعدد حالة طبيعيّة؛ لأنّ الصّور سوف تتعدد، حيث "أنّ الإنسان لا يمكن أن يتّصل بالله إلّا من خلال الصّورة الّتي يراها لله، وصورة الله تتعدّد بتعدّد ما أنتجه لاهوت الأديان وعرفانها، بل ذهب محيّ الدّين بن عربيّ [ت 638هـ/ 1240م] وبعض العرفاء إلى أنّ صور الله تتعدّد بتعدّد طرق البشر إلى الله".
لهذا الارتباط بين صورة الله وشغف الإنسان في الكشف عنها ارتباط يتمثل في الدّيمومة والاستمراريّة، ينتج عنه تطوّر في العلاقة مع الله، فيرى الرّفاعي أمثل تصوّراتها مع العرفانيين، حيث تمثلت في العلاقة الجماليّة من خلال الحبّ والرّحمة والقيم الإنسانيّة الكبرى، حيث "أعاد العرفان بناء صورة جميلة لله، كلّها إشراق ومحبّة .... لأنّ هذه الصّورة ألغت المسافة اللّامتناهية الّتي صنعها المتكلمون بين الله والبشر".
وإذا كان الكشف مرتبطا بتطوّر الدّيمومة والاستمراريّة؛ نتيجته أنّ علم الكلام لا يخرج عن الظّرفيّة الزّمكانيّة، فهو ليس جامدا من حيث الدّاخل، وفي الوقت ذاته مرتبط بما هو في الخارج من آلات ومعارف، مع الذّات وميولاتها وارتباطها بالسّلطة أيّا كانت، لهذا "الأسئلة العميقة تتوالد باستمرار، بالتّزامن مع تطوّر وعي الإنسان، وتراكم معارفه، وخبراته المتنوّعة، وتنامي اكتشافاته لقوانين الطّبيعة، والتّوغل في آفاق الكون، والكشف عن أسراره، وهذا جوهر علم الكلام الجديد".
بيد أنّ "ما قاله مؤسّسوا الفرق، ومؤلفوا المقالات الكلاميّة بخصوص رؤيتهم لله، وصفاته وأفعاله، والوحي والنّبوّة، وما فهموه من النّصوص الدّينيّة؛ ليس إلا إجابات مرحليّة تعبّر عن زمانهم وبيئاتهم وثقافتهم" أي له ارتباط ظرفيّ نتج عنه صورة ظرفيّة معينة عن الله في دائرتها النّسبيّة لا المطلقة، وبما أنّ "النّظام المعرفي الّذي يتسلّط على التّفكير في مرحلة معينة من حياة البشر لا يلبث كما هو في مختلف مراحل التّاريخ؛ بل يواكب العقلانيّة وتطوّر الوعي، وتقدّم العلوم والمعارف البشريّة في مختلف المراحل"، فطبيعيّ أن تتغيّر الصّورة اليوم، وتتعدد طرقها في الوقت ذاته.
إلا أنني أرى شخصيّا اليوم أن الجيل الجديد رجع إلى التّساؤلات الوجوديّة الأولى، أي الله ذاته، فلم يعد معنيّا بشكل كبير في البحث عن صورة الله، والاغتراب الماورائيّ فيها، بقدر ما أصبح باحثا عن الموجد الأول من جهة، وعن ماهيّة الإنسان والوجود من جهة ثانية، فلم يعد يشغله هذا الاغتراب الماورائيّ في الصّفات الإلهيّة وشخصنته بعيدا عن الإنسان، وإذا كان جوهر علم الكلام الجديد يتمثل في الأسئلة العميقة الّتي تتوالد باستمرار كما يرى الرّفاعيّ، إلا أنني أرى أنّ هذه الأسئلة العميقة رجعت إلى المربع الأول، وهي حالة صحيّة، لنتجاوز إطلاقيّة الرّؤية الكلاميّة وصراعاتها، وربطها بالولاء والبراء، والتّكفير والماضويّة.
لكن الضّرر العقليّ والكلاميّ الكبير لإطلاقيّة علم الكلام القديم حسب رؤية الرّفاعيّ يتمثل في ثلاثة أمور: الأول دوران الدّائرة في العلاقة المتمثلة بين صورة الله وشغف التّساؤل والبحث والكشف على نفسها في دائرة ماضويّة انتهت في ظرفيّة زمنيّة ما، فهي لا زالت تدور على نفسها ولكن في لحظة زمنيّة تجاوزها العقل المعرفيّ آلة ومعرفة ومناهجا، أي كأننا نعيش في ذات المرحلة بين صراع المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث، وما بينهم من الفرق الكلاميّة الأخرى، "فدخلت علوم الدّين في الإسلام [ضمن] حلقة دائريّة تكراريّة منذ قرون عدّة، بعد أن توقف إنتاج العلم الدّنيويّ في عالم الإسلام، واستبدت الرّؤية الكلاميّة الموروثة للعالم في حياة المسلمين، فحجبتهم عن رؤية العالم خارج الأسوار المغلقة لعلم الكلام، وأصبحت مجتمعاتنا اليوم ضحيّة رؤية ميتافيزيقيّة للعالم تتحدّث لغة الأموات".
الأمر الثّاني المرتبط بإطلاقيّة علم الكلام القديم أنّه تمثل في صراعات جزئيّة انغلقت على ذاتها، وحوّلتها إلى سياج دينيّ ومذهبيّ تتمايز به عن الآخر، بمعنى لم تعد تبحث عن القيم الجامعة، بقدر ما أصبحت تدور في جزئيّات ظرفيّة معينة، وفق رؤية ماضويّة معينة أيضا، فلم يعد "يعتمد المتكلّم [وفق] مناهج علم الكلام القديم [ناشدا] الكشف عن القيم الكونيّة الخالدة في الأديان، ولا يبحث عن جوهرها الرّوحيّ والأخلاقيّ المشترك؛ لأنّ المتكلم لن يتمكن من التّحرر من التّعصّب لمعتقداته عند دراسة الأديان الأخرى، ومحاولة فهم معتقداتها ومقولاتها، إذ أنّ مهمّة المتكلّم هي الدّفاع عن معتقداته، والرّدّ على الخصوم، وكشف ما يراه من تهافتات معتقدات الدّين الآخر، والتّحري عن تحريفات كتبه المقدّسة"، وهذا ذاته ينطبق حتّى على المدارس الإسلاميّة الكلاميّة ذاتها من وجه آخر.
من هنا كان الأمر الثّالث متمثلا في الأثر السّلبيّ على المجتمعات من تخلّف وصراعات وتفسيق واحتراب، ورؤية ضيّقة عن الآخر، ويركز الرّفاعيّ هنا إلى "أنّ أدوات النّظر، ومناهج الفهم القديمة للدّين ونصوصه تفضي إلى ربط كلّ واقعة في حياة النّاس بالدّين، واحتكار الدّين لمختلف علوم الدّنيا، ويؤول ذلك إلى فهم وتفسير وتبرير كلّ شيء بالدّين"، وعليه يصبح تقدّم ونهضة المجتمع مربوطا بالصّورة الكلاسيكيّة للتّدين، فيعوق حركة المجتمع ونهضته؛ لأنّ "التّدين والطّاعة والمعصية ليست سببا لتقدّم أو نخلّف المجتمعات ... بل ينشأ من الجهل والفقر والمرض والاستبداد والظّلم، وكلّها نتيجة عوامل اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة وتربويّة ودينيّة"، وهذا ذاته ينظوي في الاغتراب السّلبيّ، بعيدا عن البحث في الأسباب الواقعيّة والمنطقيّة للنّهضة والتّقدّم والحداثة.
هذه المقاربة الّتي قدّمها الرّفاعيّ في علم الكلام الجديد، والمتمثلة في أبديّة الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى، لا يمكن وضعها إلا بالتّحرر من الاغتراب في علم الكلام القديم، بأدواته ورؤيته الّتي تجاوز العقل المعرفيّ اليوم العديد من رؤاها الجيدة في زمن ما سلفا، إلا أنّها نسبيّة ولم تعد بتلك الصّورة المعرفيّة الكبيرة الّتي تقدّم إجابات منطقيّة وجوهريّة لهذه الأسئلة الميتافيزيقيّة الكبرى في واقعنا المعاصر.

 

بدر العبري - عُمان
..................
*المرجع: كتاب مقدّمّة في علم الكلام الجديد، عبد الجبّار الرّفاعيّ، دار الشّؤون الثّقافيّة العامّة، العراق/ بغداد، ط 2021م، ص: 129 – 138.

(قراءة تواصلية في كتاب "التاج في أخلاق الملوك" للجاحظ)

بيانات الكتاب: أبو عثمان الجاحظ: "التاج في أخلاق الملوك"، تحقيق: إبراهيم الزين و أديب عارف الزين، دار الفكر ودار البحار، بيروت ـ لبنان، 1375ه/1955م.

المحتويات:

1ـ المتكلم/المخاطَبُ بوصفه مَلِكا

2ـ المسافة والمكان في السياق المَــلَكي

3ـ الهيئة والمقام الملكي

4ـ لغة الملك: الإشارة والرمز

5ـ الرسالة الملكية وشروطها: (سلامة القناة التواصلية)

6ـ سيكولوجية الملك: لغة الجسد في الغضب والرضى

**

لكل مقام "حقـوق"

بكل ما للتواصل من أشكال وشروط وتجليات، يأتي هذا الكتاب في مجمله عرضا لبنود دستور التواصل، ولكن بخصوصية يفرضها السياق الملكي؛ إذ يعد كتاب "التاج في أخلاق الملوك" أضمومة تستعرض ما يمكن الاصطلاح عليه بعبارة "حقوق الملوك"؛ فعبارة "من حق الملك" تكاد تكون لازمة الكتاب لتكرارها مرات في كل باب من الأبواب.

يهم الأمر إذن في هذا السياق قراءة التراث التواصلي عند الملوك في مختلف المشارب والثقافات (فارسية، عربية، يونانية...) وهي حقوق من الطبيعي أنها توازي في رفعتها رفعة شأن الملوك وحظوتهم من دون العامة من الناس. وفيما يأتي محاولة بسيطة لجرد بعض هذه الإشارات التواصلية في هذا الكتاب:

1ـ المتكلم/ المخاطَب بوصفه ملكا

يحظى الملك باعتبارات خاصة تجعله محفوفا بالتبجيل والتعظيم في مختلف الثقافات. حتى أن البعض أعطى الحق للملك ـ إن أمكنه ذلك ـ أن يتفرد بالماء والهواء! أي أن لا يشرك فيهما أحدا.

وتتجلى هذه الاعتبارات الخاصة في كتاب "التاج في أخلاق الملوك"، في كون الجاحظ بسط في كل أبواب الكتاب مواقف الملوك والحاشية والعامة من الناس، والتي هي مواقف تصور باللغة البصرية قبل المنطوقة التمثلات المتبناة تجاه مكانة الملوك الرفيعة القدر. ومن بين هذه المواقف ـ مثلا:

ـ حسن الاستماع للملك

في هذه الخاصية التي يحظى بها الملك يتجلى حصول التماهي الكلي بكل الجوارح، والانسجام التام في عملية التواصل معه بما يشبه حالة التخدر، مثال ذلك: ما حدث للملك "انوشروان" مع أحد حاشيته، بانسجامه "الخاشع" مع كلام الملك، حتى أغفل النظر الى موطئ دابته على شط النهر، مما جعل الدابة تنحرف وتوقعه في الماء.

وكذا في مسايرة معاوية بن ابي سفيان ليزيد بن شجرة، حيث صك وجه يزيد حجر فأدماه، وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه، ولم يمسحها. فقال له معاوية: لله انت!

ما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك، يا امير المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! قال: "(...) إن لم يكن حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري، وغطى على قلبي، فما شعرت بشيء حتى نبهني أمير المؤمنين.

ومثال آخر: أنه حكي عن أبي بكر الهذلي انه بينما هو يسامر ابا العباس، اذ تحدث ابو العباس بحديث من احاديث الفرس، فعصفت الريح، فأذرت طسا من سطح إلى مجلس ابي العباس، فارتاع ومن حضره، ولم يتحرك ابو بكر لذلك، ولم تزل عينه متطلعة لعين ابي العباس. فقال له ما اعجب شأنك، يا هذلي! لم ترع مما راعنا.

قال: يا امير المؤمنين، إن الله عز وجل يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بمحادثة أمير المؤمنين، لم يكن فيه لحادث مجال. (...) هذه كرامة خصصت بها، مال إليها ذهني، وشغل بها فكري. فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما احسست بها ولا وجمت لها إلا بما يلزمني في نفسي لأمير المؤمنين.

وفي حسن الاستماع إلى الملك كان عبد الله بن عياش المنتوف يقول: لم يقترب العامة الى الملوك بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع. وقال اخر: إن أردت أن يمكنك الملك من أذنه، فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث.

والجاحظ يرى في حسن الاستماع إلى الملك خلقا رفيعا، بل أكثر قوله: "ان كان السامع يعرف الحديث الذي يتحدث به الملك، فوجب على السامع ان يتظاهر بانه يسمع الحديث هذا لاول مرة ويبدي السرور والاستبشار؛ وذلك لسببين:

1 اظهار حسن الادب في ذاته؛

2 اعطاء الملك حقه من حسن الاستماع ".

- وفي هذا يظهر الأثر الجليل لحسن الاستماع في إنجاح عملية التواصل، وليس الأمر مقتصرا فقط في سياق التواصل مع الملوك، فقد قيل في حسن الاستماع قديما: "ما غلبني احد قط غلبة رجل يصغي إلى حديثي".

لكل مقام "اعتبارات"

بالموازاة مع "حقوق" الملك، يصور كتاب التاج أحوالا لاعتبارات ينفرد بها الملوك دون سواهم من الناس، ومن هذه الاعتبارات تُذكر هذه الأمثلة:

ـ في سياق مسايرة الملك فإن على الدابة ألا تقضي حاجة ولا تبدي جماحا ولا محاذاة لدابة الملك. فذلك يدل على سخف صاحبها، واخلال بسياق التواصل مع الملك.

ـ الضحك في حضرة الملك او من كلامه وقاحة وجرأة عليه.

ـ في سياق الجلوس الى مائدة الملك سياق الاكل يحترم الملك بعدم الجرؤة عليه وكثرة الحركة لأن في هذا اخلالا بالسياق/ المقام. ويدل على قلة الاداب والأخلاق والشره والطمع في الملك. توقير الملك في الاكل.

ـ عدم الانصراف في حضرة الملك الا لقضاء حاجة.

ـ وعلى المحدث للملك ألا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده، ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه.

ـ تعظيم شأن الملك في الدخول عليه، والامتثال لحركاته والطاعة والاعتبار لحضوره بالحركات والسكنات

ـ إغضاء البصر وخفض الصوت بحضرة الملك.

ـ عدم رفع الطرف الى الملك اعظاما واكراما وتبجيلا وتوقيرا، ولا يعجب السامع لعجب الملك. وبدل ذلك، فليكن غرضه الاطراق والصمت وقلة الحركة. عدم رفع الصوت في حضرته؛ لان من تعظيم الملك وتبجيله، خفض الأصوات بحضرته.

ـ كانت ملوك الاعاجم تقول: إن حرمة مجلس الملك، إذا غاب، كحرمته إذا حضر. وكان لها عيون على مجالسها، إذا غابت عنها. فمن حضرها، فكان في كلامه وإشارته وقلة حركته وحسن ألفاظه وآدابه ـ حتى أنفاسه ـ على مثل ما يكون إذا حضر الملك، سمي ذا وجه، ومن خالف أخلاقه وشيمه، وظهر منه خلاف ما يظهره بحضرة الملك، سمي ذا وجهين، وكان عند الملك منقوصا متصنعا.

2ـ المسافة والمكان في السياق الملكي:

تلعب المسافة وتأثيث الفضاء المكاني دورا كبيرا في توجيه التواصل ورسم غاياته، وفي كتاب "التاج" نلمس هذه الخاصية التواصلية واضحة في كثير من المواضع، ويمكن جرد أهمها فيا يأتي:

ـ الملك اذا قام للصلاة، فمن حقه ان يكون بينه وبين من يصلي خلفه عشرة اذرع.

الستارة والفصل الطبقي

ـ حسب الملوك الأعاجم، فإن الطبقة الحاكمة تخضع لتقسيم ثلاثي بثلاث مراتب، وبين كل طبقة وأخرى ستارة تفصل الطبقة عن التي تليها في الميزان التراتبي؛ أما هذه الطبقات الثلاث فهي على التوالي:

1ـ الاساورة وابناء الملوك، ومجلسها من الملك عشرة اذرع من الستارة.

2ـ حماة وحراس الملك وندماؤه ومحدثوه من اهل الشرف والعلم، ومجلسها من الاولى على عشرة اذرع.

3ـ المضحكون واهل الهزل والبطالة، ومجلسهم على عشرة اذرع من الثانية.

- والستارة في هذا السياق تلعب دور الحاجز "الطبقي"، والطبقية نفسها تلعب دور المحدد التواصلي حسن درجة قربها من مجلس الملك، فالمسافة بين الملك وكل طبقة انما تدل على درجة التواصل الحاصل بين هذه الطبقة والملك.

الستارة والملك: بين سُنَّة الاحتجاب وغواية كسرها

يعد إفساد المراتب مما يعاب عليه الملك ويدل على سخفه وقلة حكمته؛ إذ إن بعض الخلفاء من بني امية كانت بينهم وبين المغنين والندماء ستارة فاصلة عليها حارس. والخلفاء الاخرون كانوا يظهرون على الندماء والمغنين بدون ستارة، حيث تكسر  الحواجز بين الطرفين، إلى الدرجة التي كان الملوك أحيانا يكشفون عن مجونهم ويظهرون عراة راقصين!

وفي عهد العباسيين، فإن أبا جعفر المنصور لم يكن يظهر لنديم قط، ولا رآه يشرب غير الماء. كان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا، وبين الستارة والندماء مثلها.

أما المهدي، فقد كان يحتجب عن الندماء في اول أمره، متشبها بالمنصور حوالي سنة. ثم ظهر لهم. فأشار عليه أبو عون بأن يحتجب عنهم، فقال: إليك عني، يا جاهل! إنما اللذة في مشاهدة السرور وفي دنوي من سرني. فأما من وراء وراء، فما خيرها ولذتها؟

ومثله كان الخليفة الأمين المخلوع الذي يقول عنه اسحق للجاحظ: "ما كان أعجب أمره كله! فأما تبذله، فما كان يبالي أين قعد، ومع من قعد [بمعنى كان يتصرف بعفوية]، وكان، لو كان بينه وبين ندمائه مائة حجاب، خرقها كلها، وألقاها عن وجهه، حتى يقعد حيث قعدوا. وكان من أعطى الخلق لذهب وفضة، وأنهبهم للأموال إذا طرب أو لها.

والخليفة المأمون بعد تنصيبه خليفة اقام عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء. ثم كان يسمع الغناء من وراء حجاب، متشبها بهارون الرشيد. فكان كذلك سبع سنين ثم ظهر للندماء والمغنين وكان يحب السماع ظاهرا بعينه.

كما أنه يحكى عن المهدي انه كان لا يجعل بينه وبين الحاشية حاجزا؛ وحجته في ذلك قوله: "ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيتهم من السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم، لجعلت لهم في ذلك حظا موفرا".  فكأن الظهور للندماء ـ بهذا المعنى ـ تغذية راجعة يكافئ بها الملك/الخليفة ندماءه مقابل جميل ما بدر منهم.

3ـ الهيئة والتواصل الملكي

من أخلاق الملوك تفردهم بهيئة تميزهم عن غيرهم من الحاشية والعامة، وهي خطاب حسي تشترك فيه الحواس لإيصال رسالة مفادها أن هذه الهيئة تمثل الملك وحده، ولا يحق لأحد إشراكه في هيئته أو التشبه به. وقد أورد الجاحظ في كتابه مواقف في غير موضع تفيد هذا الصدد:

تطيب الملك وتجمله:من أهم ما يميز هيئة الملك أنه لا يشركه أحد في طيبه ولباسه وألوانه[1] أو ما شابه ذلك؛ فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد. والخروج على هذا العرف إنما هو رسالة رمزية/ إشارة تفيد الاعتداء على حرمة الملك والخروج عن طاعته والتجبر عليه ومحاولة مزاحمته او الانقلاب عليه وتهديده في حكمه.

أمثله عن ذلك:

ابو أحيحة سعيد بن العاص: كان اذا اعتم بمكة، لم يعتم أحد بعمة ما دامت على رأسه. وهذا الحجاج بن يوسف؛ كان إذا وضع على رأسه طويلة، لم يجترئ أحد من خلق الله أن يدخل، وعلى رأسه مثلها. وهذا عبد الملك بن مروان؛ كان إذا لبس الخف الأصفر، لم يلبس أحد من الخلق خفا أصفر حتى ينزعه. وهذا ابراهيم بن المهدي، دخل على احمد بن ابي داود بن علي، وعليه مبطنة ملونة من احسن ثوب في الارض، وقد اعتم على رأسه (...) وعليه خف أصفر، وفي يده عكازة آبنوس ملوح بذهب، وفي أصبعه ياقوت تضيء يده منه. فنظر إلى هيئة ملت قلبه، وكان جسيما، فقال: يا إبراهيم! لقد جئتني في لبسة وهيئة ما تصلح إلا لواحد من الخلق. (أي للملك وحده).

4ـ لغة الملك: الإشارة والرمز

تتخذ لغة الملك أنماطا وآليات تواصلية كثيرة، غير أن أقلها استعمالا عند الملك هو النمط المنطوق، ذلك لأن الملك لا يتحدث متكلما بقدر ما يتحدث مشيرا ورامزا بالصوت والصورة وأبعد من ذلك. وفي كتاب "التاج في أخلاق الملوك"، يولي الجاحظ أهمية بالغة لتصوير هذا الجانب الاشاري الرامز في أخلاق الملوك. فإفهام القول وحصول فهمه بالإشارة والرمز في مجالس الملوك مع حرسه وحاشيته فضيلة يضرب بها المثل.

الإشارة بالبصر: (الفطنة والنباهة)

قال سعيد بن سلم الباهلي لأمير المؤمنين المأمون: لو لم أشكر الله الا على حسن ما ابلاني امير المؤمنين من قصده الي بالحديث، وإشارته إلي بطرفه.

فرد عليه الخليفة المأمون: لأن امير المؤمنين، والله، يجد عندك من حسن الإفهام إذا تحدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لم يجده عند احد فيما مضى، ولا يظن انه يجده فيما بقي.

أما الملك انوشروان فكان مسيره دائما في المقدمة لا يسايره احد من الخلق. واهل المراتب العالية من حاشيته خلف ظهره على مراتبهم. فان التفت يمينا تكون اشارة لرئيس الحرس تعني ان الملك يطلبه. وان التفت شمالا تكون اشارة للموبذ فيطلب منه احضار من اراد مسايرته.

واذا تحرك الملك للقيام يفهم الحراس والحاشية أنه عليهم أن يسبقوه،  فإن أشار إليهم بألا يبرحوا لا يقعدون حتى يتوارى عن اعينهم. فإذا خرج، يجب ان يجدهم قياما اذا نظر اليهم، واذا قعد كانوا قياما حتى ينظر اليهم الملك، والنظر اليهم وهم قيام يفيد الامر بالقعود اشارة دون اللفظ. ولا يقعدون دفعة واحدة، بل تقعد الطبقة الاولى ابتداء من رأسها حتى اخره، ثم على هذه الشاكلة الطبقة الثانية فالثالثة.

كما يجدر على من حظي بشرف مؤاكلة الملك ألا ينظر إلى الملك إذا أكل، فالنظر إليه في هذا السياق يعد احتقارا وتبذلا في الخلق.

واذا فرغ المتحدث من حديثه فليس من حقه ان يصله بحديث اخر، وان كان شبيها بالحديث الاول. حتى يرى أن الملك قد أقبل عليه بوجهه، وأصغى إلى حديثه. (...) وإن انقطع فنظر إليه، فقد أذن له في إتمامه وإعادته.

ـ أمارات ملكية تعطي الاشارة بمغادرة مجلسه:

اذا تثاءب الملك أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو كان في حال فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من حضره.

أمثلة عن اشارات الملوك ايذانا بقيام سمارهم:

كان "يستاسف" إذا دلك عينيه، قام من حضره.

(...)

كان بهرام جور اذا قال: خرم خفتار، قام سماره.

كان قباذ اذا رفع رأسه إلى السماء، قام سماره.

كان سابور اذا قال: حسبك يا انسان، قام سماره.

كان انوشروان اذا قال: قرت أعينكم، قام سماره.

كان عمر بن الخطاب اذا قال: الصلاة، قام سماه. وكان ينهى عن السمر بعد صلاة العشاء.

وكان عثمان اذا قال: العزة لله! قام سماره.

كان معاوية اذا قال: ذهب الليل! قام سماره ومن حضره.

كان عبد الملك إذا ألقى المخصرة، قام من حضره.

وكان الوليد إذا قال: أستودعكم الله، قام من حضره.

كان الهادي إذا قال: سلام عليكم! قام من حضره.

كان الرشيد إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك! قام سماره.

كان المعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل، قام من حضره.

كان الواثق اذا مس عارضيه، وتثاءب، قام سماره.

كان المأمون اذا استلقى على فراشه، قام من حضره. 

5ـ الرسالة الملكية وشروطها (سلامة القناة التواصلية)

السياق الملكي يجعل للرسالة شأنا عظيما فمكان المرسل والمتلقي يجعلها محفوفة بالتبجيل، ومن شأنها ان تسبب الهوان للمملكة إن شابها أصغر الخلل، وبالتالي فهي تستدعي الكثير من الحيطة والحذر والاهتمام.

فرسول الملك يشترط فيه الصدق وصحة البيان والعبارة، وأن يكون بصيرا بمخارج الكلام وأجوبته، مؤيدا لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة. فهو قناة تواصلية يجب ان تتفق كلماته مع كلمات الملك، التي هي أمانة في عنقه تحمله مسؤولية أمن وسلامة المملكة.

كان اردشير بن بابك يقول: "كم دم قد سفكه الرسول بغير حله! وكم من جيوش قد قتلت، وعساكر قد هزمت، وحرمة قد انتهكت، ومال قد انتهب، وعهد قد نقض بخيانة الرسول وأكاذيبه!"

الاخلال بالرسالة

يذكر الجاحظ حادثة تاريخية مفادها أن الاسكندر وجه  رسولا إلى بعض ملوك الشرق، فجاءه برسالة شك في حرف منها فقال له الاسكندر: ويلك! إن الملوك لا تخلو من مقوم مسدد، إذا مالت. وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ، بينة العبارة؛ غير أن فيها حرفا ينقضها؛ أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أم شاك فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين أنه قاله. فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظه حرفا حرفا، ويعاد إلى الملك مع رسول آخر، فيقرأ عليه ويترجم له. فلما قرئ الكتاب على الملك، فمر بذلك الحرف، أنكره فقال للمترجم: ضع [يدك] على هذا الحرف فوضعها. فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكينة، فقطع من الكتاب. وكتب إلى الاسكندر: إن رأس المملكة صحة فطرة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذ كان عن لسانه ينطق، وإلى أذنه يؤدي. وقد قطعت بسكينتي ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا.

فلما جاء الرسول بهذا إلى الاسكندر، دعا الرسول الأول، فقال: ما حملك على كلمة أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذلك كان لتقصير رآه من الموجه إليه. فقال الاسكندر: فأراك لنفسك لسعيت، لا لنا! فلما فاتك بعض ما أملت، جعلت ذلك ثأرا في الأنفس الخطيرة الرفيعة! فأمر بلسانه، فنزع من قفاه!

6ـ سيكولوجية التواصل الملكي:  لغة الجسد في الغضب والرضى

من جملة المحددات لنجاح أي عملية تواصل الدراية الكاملة بطباع المخاطب وحاله، تفاديا لحصول أي حوادث تواصلية. وهذه الدراية بحال المخاطب هي في صميم الاهتمام بسيكولوجية المخاطَب. غير أنه حينما يتعلق الأمر بالملك فإن الوضع يختلف لاختلاف السياق والمقام كليا عما سواه من المتواصلين.

وفي كتاب "التاج في أخلاق الملوك"، نلمس خصوصية سيكولوجية الملك في كل جانب من الكتاب، غير أنه يسعفنا جانب منه للحديث عن ثنائية سيكولوجية بارزة في شخصية الملك، وهي ثنائية "الغضب/ الرضى" وما يرافق ذلك من لغة الجسد؛ ومثال على هذا:

مصالحة هارون الرشيد لأحد حاشيته بعد أن غضب عليه والذي كان هو عبد الله بن مالك الخزاعي: حين ارسل محمد بن ابراهيم الهاشمي ليتوسط له في امره مع الخليفة ويعتذر له. فلما سمع الخليفة كلام محمد بن ابراهيم «أطرق الرشيد مليا مفكرا؛ وجعل محمد يلحظه، ووجهه يسفر ويشرق حتى زال ما وجده. وكان قد حال لونه حين دخل عليه؛ ثم رفع رأسه فقال: أحسبه صادقا، يا محمد؛ فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه، يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فانصرف محمد إلى عبد الله، فبشره بجميل أمره، وأمره بالركوب رواحا، فدخلا جميعا؛ فلما بصر عبد الله بالرشيد، انحرف نحو القبلة، فخر ساجدا، ثم رفع رأسه، فاستدناه الرشيد، فدنا وعيناه تهملان. فأكب عليه، فقبل رجليه وبساطه وموطئ قدميه، ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن تعتذر، إذ عرفت عذرك. قال: فكان عبد الله، بعد، إذ دخل على الرشيد، رأى فيه بعض الإعراض والانقباض. فشكا ذلك إلى محمد بن إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين! إن عبد الله يشكو أثرا باقيا من تلك النبوة التي كانت من أمير المؤمنين، ويسأل الزيادة في بسطه له. فقال الرشيد:

يا محمد! إنا معشر الملوك، إذا غضبنا على أحد من بطانتنا، ثم رضينا عنه بعد ذلك، بقي لتلك الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار»!

 كاميليا الورداني - باحثة من المغرب

..................

الهوامش:

[1]ـ قديما في أوروبا كان اللون البنفسجي ـ مثلا ـ حكرا على الملوك، وكان لا يجرؤ أحد على ارتداء ثوب باللون البنفسجي، وإلا يكون مصيره الموت المؤكد. وإلى يومنا يمكن أن نجد ضمن طرق تسويق المنتوجات الفاخرة أن يتم إضفاء اللون البنفسجي على ملصق الدعاية لمجوهرات أو أغلفة عطور أو أثاث...إلخ.

 

محمود محمد عليأما إذا ما انتقلنا إلى الفصل التاسع وهو بعنوان " تعريب التعليم العالي"، وهنا يذهب الدكتور القاسمي إلى أنه من أسباب عدم استتباب الأمن الاجتماعي والسلم الداخلي في البلاد، أية بلاد كانت، وجود انفصام بين الشعب والحكومة، أو بين المثقف وصاحب القرار ـ وبين المثقفين في وطننا العربي، فصناع القرار وأصحابه يعتقدون مخلصين أن شعوبهم لا تستطيع أن تمتلك ناصية العلم والتقانة ما لم تستعمل " لغة العلم " نفسها في التعليم، ومن هذا المنطلق برزت قضية تعريب التعليم في مصر في نهاية القرن التاسع عشر عندما تعرضت مصر لهجمة استعمارية استهدفت طمس الهوية المصرية وذلك بإحلال لغته الإنجليزية محل اللغة العربية، فقد كانت لغة التعليم في مصر في ذلك الوقت هي اللغة العربية في جميع مراحله .. ابتدائى .. ثانوي .. عالي، فقد استمر التعليم الطبي بقصر العيني سبعين عاماً عربياً منذ إنشاء كلية الطب في 1827م و حتى 1897م حين صدر قرار كرومر بتحويل التعليم فى مصر إنجليزيا لغة ومنهاجا .

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن أسباب استعمال اللغة الاجنبية في التعليم العالي، وذكر منها: عدم استيعاب اللغة العربية العلوم والتقنيات، وقلة المراجع العربية، وأن المصطلحات العلمية والتقنية المتوفرة باللغة العربية ليست موحدة على صعيد الوطن العربي، وأن غالبية أساتذة التعليم العالي تلقوا علومهم من جامعات أجنبية، وأمور كثيرة أخري (59).

وبعد ذلك أكد الدكتور القاسمي بأن المثقفين وأصحاب الخبرة والاختصاص في اللسانيات والتربية وقضايا التنمية يختلفون في الرأي مع الساسة وصناع القرار حول قضية تعريب التعليم العالي، فهم مجمعون على أن من مصلحة الأمة العربية تعريب التعليم بجميع مراحله وجميع تخصصاته (60).

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن الدواعي التي تجعل اللسانيين والجامعيين والمختصين يصرون على ضرروه استعمال اللغة العربية في تدريس العلوم والتقنيات وفي البحث العلمي وعندما ندقق النظر في دراساتهم، نقف علي عدة اعتبارات منها: الاعتبارات القومية، والاعتبارات السياسية، والاعتبارات النفسية، والاعتبارات التربوية والعلمية، والاعتبارات الاقتصادية والتنموية والاعتبارات الثقافية (61).

وبعد ذلك يعطينا الدكتور القاسمي مناقشة لأهم مسوغات استعمال اللغة الأجنبية، حيث يوضح لنا كيف أصبح تعلٌم لغة أجنبية في مجال العمل الحديث من أهم المتطلبات لدى أصحاب الشركات والمؤسسات العالمية، خاصة عندما تكون منطوقة على مستوى عالمي سواء لمتحادثيها الأصليين أو كلغة ثانية للبعض الآخر، وهنا تظهر اللغة (الإنجليزية أو الفرنسية) الأكثر استخداماً في العالم في مجال علم الطب، حيث استطاعت هذه اللغة المرنة والشاملة لمعظم المصطلحات الخاصة في مجال علم الطب أن تكون اللغة الأولى بلا منازع في مجال العمل الحديث، وهنا يخلص الدكتور القاسمي من هذا الفصل إلى أن جميع الدلائل العلمية المستقاه من تجارب الأمم الأخرى، وخبرات مفكرينا وأساتذتنا في التعليم العالي، تشير إلى أن الجامعات العربية لا تستطيع أن تقوم بدورها القيادي في التنمية البشرية ما لم يجر إصلاحها في أهدافها وبنيتها ومناهجها وطريقة تسييرها، وما لم نعرب التعليم العلمي والتقني فيها، وينبغي التأكيد هنا على أن الدعوة للتعريب لا تعني بأي شكل من الأشكال إهمال اللغات الأجنبية أو التقليل من شأنها (62).

وننتقل للفصل العاشر وعنوانه " الترجمة وأثرها في التفاعل الثقافي "، وفي هذا الفصل يحاول الدكتور القاسمي أن يبين لنا كيف تبني الترجمة جسوراً بين الجماعات البشرية المختلفة، فتيسر التواصل والتفاعل بينها، سواء أكان هذا التفاعل اقتصاديا،ً أو ثقافيا،ً أو اجتماعياً. فالترجمة هي البوابة التي تعبر منها الذات إلى الآخر، أو يقتحم الآخر الذات، كما تعمل الترجمة على تيسير التنمية البشرية، فهي حاضرة دوماً في التبادل التجاري، وإشاعة المعرفة العلمية، ونقل التكنولوجيا أو استنباتها وتوطينها، وغيرها من العمليات الضرورية للاستفادة من علوم الآخر وتقنياته في تحقيق التنمية الهادفة إلى ترقية حياة الإنسان. (63).

ولعل أثر الترجمة أشدّ ما يكون وضوحاً في التفاعل الثقافي. فهي تكمن كما يقول المؤلف في منظومة المفاهيم الثقافية مثل التبادل الثقافي، والمثاقفة، والتغلغل الثقافي، والإفراغ الثقافي، والغزو الثقافي، والاستلاب، والانفتاح على الآخر، والانغلاق على الذات، والعولمة، إلخ. باعتبار أن الترجمة هي السفينة التي تنقل الحمولات الثقافية المتنوعة من مرفئ إلى آخر (64).

ولكي يكون التفاعل الثقافي مع الآخر فاعلاً ومؤثراً ومنتجاً، ينبغي لنا كما يقول المؤلف أن نعرف الذات بالإضافة إلى معرفتنا للآخر. وإذا كانت الترجمة تساعدنا على معرفة الآخر عن طريق نقل فكره إلينا، فإنها تساعدنا أيضاً على إدراك الذات بطريقتين متكاملتين. الأولى، تقوم الترجمة بتسليط الضوء على الآخر لنتعرّف عليه، وتعرُّفنا عليه يساعدنا على معرفة أنفسنا، لأننا لا يمكننا أن ندرك الذات ما لم نعرف الآخر، فبالآخر يتحدد الأنا. والثانية، هي أن ندرك ذاتنا عن طريق إدراك الآخر لنا. وتقوم الترجمة بنقل تصورات الآخر عنا إلينا. وبعبارة أخرى، فإن معرفة الذات يتم بالتقاط صورتين متكاملتين: صورة ذاتية نلتقطها نحن لذاتنا، وصورة غيرية يلتقطها الآخر لنا. ومن خلال المقارنة بين الصورتين يزداد إدراكنا لذاتنا وضوحاً. ولهذا كثيراً ما يقرأ المثقفون العرب بعض نصوص الثقافة العربية وهم يقارنونها بنصوص الآخر. فيقارنون بين حي بن يقظان لابن طفيل وجزيرة الكنز لروبنسن كروزو، وبين رسالة الغفران لأبي العلاء المعري والكوميديا الآلهية لدانتي، والمنقذ من الضلال للغزالي ونظرية الشك لديكارت، وهكذا. (65).

ثم ينتقل المؤلف عقب ذلك للحديث عن أثر الترجمة في الثقافة المنقول إليها، حيث يقول:" تعمل الترجمة على إحداث نهضة ثقافية واقتصادية. فعندما تقوم الترجمة بنقل مفاهيم ثقافة من الثقافات وعلومها وتقنياتها إلى ثقافة أخرى فإنها تهيئ الأرضية لتلاقح الثقافة المتلقية بغيرها ومن ثم نموها وازدهارها وغناها. ولذلك يلاحظ الباحثون تناسباً طردياً بين التقدم الحضاري وكمية الترجمة. فالبلدان التي تترجم أكثر هي التي تحقق تقدّما أكبر، وأن أغنى عصور الفكر هي تلك التي تزدهر فيها الترجمة وتتوسع. وأن اللغة العالمية هي ليست تلك اللغة التي يتكّلمها أكبر عدد من الناس، بل هي تلك اللغة التي تُرجم إليها أكبر عدد من الأعمال من مختلف اللغات.(66).

ويستطرد الكاتب فيقول:" تعلّمُنا دروس التاريخ أن الترجمة كانت وما تزال الوسيلة الأساسية في التفاعل الثقافي مع الآخر واكتساب المعرفة منه، وهي قاعدة انطلاق النهضات الحضارية الكبرى. فعندما سيطر البابليون بقيادة ملكهم حمورابي حوالي عام 1750 ق.م. على بلاد سومر، وجدوا أن للسومريين ثقافة تفوق ما لديهم بكثير، فالسومريون هم الذين ابتدعوا الكتابة المسمارية، وفتحوا المدارس، واخترعوا العجلة، وابتكروا المحراث، وقسّموا الزمن إلى وحدات، وسنوا القوانين والتشريعات. فراح البابليون يعلّمون أولادهم العلوم السومرية. ولكي يساعدوهم على استيعابها بلغتها السومرية، حرروا لهم قوائم بالرموز السومرية ومقابلاتها البابلية. فكانت هذه القوائم بدايات المعاجم الثنائية اللغة التي ظلت حتى يومنا هذا أداة رئيسية من أدوات الترجمة (67) .

ولا يتوقف أثر الترجمة في التفاعل الثقافي في نظر المؤلف عند إثراء الثقافة المتلقية بمعارف الآخر وعلومه، وإنما يمتد كما يقول المؤلف كذلك إلى تطوير اللغة المتلقية ذاتها. فالترجمة ليست نقلاً بسيطاً للنص، أو مرآة عاكسة له، أو استنساخاً محضاً لمضمونه، وإنما هي إعادة إنتاجٍ للنص وتجديده وتحويله وتطويره حسب قدرات المترجم، لأنها ترتبط بفهم المترجم للنص وتأويله له وتطويعه اللغة المتلقية لاستيعاب مفاهيم النص ودلالاته. فالترجمة عملية حوار بين المؤلف الذي أنتج النص الأصلي وبين المترجم الذي يعيد إنتاجه على الرغم من بُعد الشقة الزمانية أو المكانية بينهما. والترجمة كذلك عملية حوار بين لغتين بالإضافة إلى كونها حواراً بين ثقافتين. ويؤدي كل حوّار فعّال إلى تغيير وتبديل وتعديل في مواقف المتحاورين. ولهذا ينتج عن حوار الترجمة بين لغتين، تغيير في مفاهيم اللغة المنقول منها، وتطوير اللغة المنقول إليها، في مفرداتها وتراكيبها ودلالاتها وأساليبها، بالإضافة إلى استيعابها لمفاهيم جديدة. (68).

وحول أثر الترجمة في الثقافة المنقول منها فيقول المؤلف:" لا تقتصر فائدة الترجمة على إثراء الثقافة المتلقية وإنما تمتد كذلك إلى خدمة الثقافة التي نُقلت منها النصوص. فالترجمة تَهَبُ النصَّ الأصلي وجهاً جديداً وتمنحه حياة جديدة في محيط ثقافي جديد. وهكذا يصبح النقل اللغوي انتقالاً وتحولاً وتلاقحاً وتناسلاً للمفاهيم والأفكار في أفضية متجددة وعوالم متكاثرة. ولهذا فإن المترجم لا يسدي خدمة لأمته ولغته فحسب وإنما كذلك للغة التي نقل منها النص الأصلي وأهلها (69).

وإذا انتقلنا إلى أثر الترجمة في الثقافتين المنقول منها والمنقول إليها فنجد المؤلف يقول:"العلاقات بين الجماعات البشرية المختلفة إما أن تكون طبيعية يسودها التفاهم ويعمّها السلام، وهذه هي الحالة الغالبة , وإما أن تتأزم تلك العلاقات بسبب اختلاف المصالح والمطامح ونزعة الناس العدوانية فيتأزم الوضع ويحتد الخلاف وتنشأ النزاعات المسلحة والحروب. وفي كلتا الحالتين تقوم الترجمة بدور الوسيط بين الجماعات المختلفة. ففي حالة السلم تسعى الجماعات لمعرفة الآخر ومقارنته بالذات، والإفادة مما لديه من معارف وعلوم وتقنيات، وهنا تقوم الترجمة بنقل المفاهيم والأفكار من ثقافة إلى أخرى، كما أسلفنا. (70) .

ويخلص الدكتور القاسمي إلى استنتاج وتوصيات فيقول:"الحضارة العالمية حصيلة جهد إنساني مشترك، أسهمت فيه جميع الشعوب، واضطلعت فيه الترجمة بدور الوسيط الفاعل المؤثر في التعارف والتعاون بين مختلف الجماعات البشرية، وتخصيب معارفها وتلاقحها. فبالترجمة تمكّنت الأفكار من التحليق في عوالم جديدة وكُتب لها البقاء والانتشار والنماء. وبالترجمة استطاعت شعوب كثيرة أن تواكب تطور المعرفة وتقف على عتبة الحداثة، وتحقق تقدّمها ورفاهيتها. وبالترجمة نقدر أن نعرف الآخر وندرك الذات ونقيم حواراً بناء ينهي التنازع ويؤسس سلاماً ينعم فيه الجميع، ولكن ينبغي التنبيه إلى أن قدرة الترجمة على تحقيق التفاعل الثقافي المنشود يتوقف على كميتها ونوعيتها وانتقائيتها وغائيتها، وعلى رغبة المجتمع في الانفتاح على الآخر والإفادة منه وإرادة قياداته في التغيير والتطوير. وهذا ما يجعل الترجمة من أهم بنود السياسة اللغوية للأمة وإستراتيجياتها الثقافية والتنموية. وكثيراً ما تبقى الترجمة مجرد كتابات معزولة لا تؤطرها منظومة فكرية فتعجز عن بلوغ المراد.(71) ؛ وعلاوة على ذلك، فإن الترجمة الجيدة لا تحقق التفاعل الثقافي بطريقة متساوية وتلقائية، وإنما قد ينتج عنها تغلغل ثقافي في اتجاه واحد، لأن الثقافة المُنتِجة تكون أبعد أثراً في الثقافة المُستهلكة. وثقافتنا العربية في الوقت الراهن هي ثقافة مستهلكة، ولا أثر يُذكر للترجمة، من العربية إلى اللغات الأوربية، في الفكر الغربي المعاصر. (72) .

وفي الفصل الحادي عشر وعنوانه " الترجمة وتنمية المفاهيم والمصطلحات "، حيث يناقش الدكتور القاسمي في هذا الفصل عدة قضايا منها: أهداف الترجمة والترجمة وسيلة اتصال بالدول الأجنبية، والترجمة وسيلة للاقتباس من النهضة الأوربية، والترجمة وسيطة بين الإدارة الاستعمارية والأهالي، والترجمة وسيلة لتعريب التعليم والإدارة،، والترجمة أداة التواصل في العمل الدولي (73)، والعوامل المؤثرة في تنمية الترجمة (74)، وفي هذا الفصل توصلنا الدكتور القاسمي إلي أنه لكي تقوم الترجمة بدورها الحقيقي الفاعل لا بد من توفير عدة مقترحات نذكر منها مثلا: تعميم استعمال اللغة العربية في مختلف مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، واضطلاع منظمة عربية قومية للترجمة بالعمل وفق استراتيجية شاملة للترجمة في الوطن العربي، وتأسيس منظمات وطنية للترجمة في كل قطر من أقطار المغرب العربي .. الح (75).

وننتقل للباب الثالث وهو بعنوان " المصطلح العملي العربي"، وهو يستمل علي الفصل رقم 12، 13، 14، 15 وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل الثاني عشر ليتحدث عن مشكلات المصطلح العملي العربي، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: أسباب النقص في المصطلحات العملية العربية (76)، ومنهجية وضع المصطلحات بين الاقتراض والتوليد (77)، ومشكلات المصطلح العلمي العربي (78).. وفي الفصل الثالث عشر وعنوانه المصطلح التراثي العربي بين الإهمال والإعمال، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: عوامل ثراء التراث المصطلحي العربي (79)، ومصادر المصطلحات التراثية (80)، وكيفية وضع المصطلحات العربية الجديدة (81)، وسبب إهمال التراث المصطلحي (82).. وأما الفصل الرابع عشر فعنوانه " توحيد المصطلح العملي العربي، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها:دور المصطلح الموجد في التعريب، وازدواجية المصطلح العملي العربي (83)، ومنهجية وضع المصطلح العلمي العربي (84)، والكفاية للمصطلحات الموحدة (85)، والدور الحضاري للمصطلح العملي العربي الموحد (86).. ثم يأتي الفصل الخامس عشر بعنوان المجامع اللغوية في البلاد العربية، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: تاريخ المجامع (87)، والمجامع العربية الحديثة (88)، واتحاد المجامع العربية (89).

وإما ما دلفنا نحو الباب الرابع وعنوانه" المصطلحية: علم المصطلح وصناعة المصطلح، وهو يستمل علي الفصل رقم 16، 17، 18 وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل السادس عشر ليتحدث عن المصطلحية: علم المصطلح وصناعة المصطلح ، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: نشوء علم المصطلح الحديث (90)، وتعريف علم المصطلح ونطاقه (91)، والمدارس الفكرية المعاصرة في علم المصطلح (92)، والنظرية العامة والنظرية الخاصة في علم المصطلح (93)، ومركز البحوث في النظرية العامة لعلم المصطلح (94)، وتدريس المصطلحية في الجامعات (95).. وفي الفصل السابع عشر وعنوانه:" العلاقة بين علم المصطلح ونظرية الترجمة، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: هل الترجمة فن أم علم ؟ (96)، ونظريات الترجمة بين علم اللغة وعلم الاتصال (97)، والمعني بين المصطلحي والمترجم (98). وفي الفصل الثامن عشر، وعنوانه التقييس والتنميط والتوحيد في علم المصطلح، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: أهمية التقييس (99)، ونشأة المنظمة العالمية للتقييس، وخصائص المصطلح الموحد (100).

وننتقل للباب الخامس وهو بعنوان " العناصر المنطقية والوجودية في علم المصطلح "، وهو يستمل علي الفصل رقم 19، وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل التاسع عشر، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: علم المصطلح في نظر المنطق (101)، علم المصطلح في نظر اللسانيات (102).

وأما الباب الذي يليه وهو الباب السادس وعنوانه " العناصر اللسانية في علم المصطلح"، وهو يشتمل علي الفصل رقم 20، 21، 33، 23، 24، 25، 26، 27، وفي هذا الباب يستأنف الحديث في الفصل العشرين، حيث يناقش أستاذنا القاسمي عدة محاور منها: وضع المصطلح (103)، والخلاف حول الاشتراك اللفظي (104)، ثم يأتي الفصل الحادي والعشرين وهو بعنوان وضع المصطلحات، وفيه يتحدث كاتبنا عن وضع المصطلحات (105)، وأصل المشتقات: الفعل أم المصدر، (106)، وفي الفصل الثاني والعشرين وهو بعنوان وضع المصطلحات حيث يتحدث أبا حيدر عن الإبدال (107)، وفي الفصل الثالث والعشرون وهو بعنوان " وضع المصطلحات " وفيه يتكلم أستاذنا الدكتور القاسمي عن الاقتراض اللغوي (108)، والتوليد بين الأصل والدخيل (109)، ثم يأتي الفصل الرابع والعشرين وفيه يتحدث الدكتور القاسمي عن النحت (110)، والاشتقاق والنحت (111)، وفي الفصل الذي يليه وهو بعنوان " وضع المصطلحات، وفيه يناقش أبا حيدر التركيب (112)، وفي الفصل السادس والعشرون يتحدث أبا حيدر عن اللواصق: السوابق واللواحق (113)، وفي الفصل السابع والعشرين وعنوانه " معالجة المختصرات والرموز العلمية في علم المصطلح، وفيه يتحدث المؤلف عن العلامة والإشارة والرمز (114)، وهو من أطول فصول الكتاب، ثم يختم هذا الباب بملاحق .

ويجئ الباب السابع وعنوانه " صناعة المصطلح"، وهذا الباب يشتمل علي الفصول رقم: 28، 29، 30، 31، 32، فجاء الفصل الثامن والعشرين حاملا عنوان التوثيق المصطلحي (115)، والفصل التاسع والعشرين بعنوان " بنوك المصطلحات: أسسها، وأنواعها، واستعمالاتها (116)، والفصل الثلاثون بعنوان " لسانيات المدونة الحسابية وصناعة المعجم العربي المحض (117)، والفصل الحادي والثلاثون بعنوان: صناعة المعجم التاريخي المحتضن (118)، والفصل الثاني والثلاثون بعنوان:" التعريف: أنماطه، شروطه، صعوباته، عيوبه (119).

وأخيرا وليس آخر الباب الثامن وعنوانه:" مصطلحات علم المصطلح وهو مكون من فصل واحدة شرح فيه الدكتور القاسمي ثبت تاريخي لمصطلحات علم المصطلح (120).

وفي نهاية حديثنا عن قراءة كتاب" علم المصطلح "، لا أملك إلا أن أقول تحية طيبة لأستاذنا الفاضل الدكتور علي القاسمي، ذلك المفكر اللغوي الموسوعي الناجح الذي عرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط

..............................

هوامش:

59-علي القاسمي: علم المصطلح، ص 152-153.

60-المصدر نفسه، ص 154.

61- المصدر نفسه، ص 155-162.

62- المصدر نفسه، ص 168.

63- المصدر نفسه، ص 175.

64- المصدر نفسه، ص 176.

65- المصدر نفسه، ص 177.

66- المصدر نفسه، ص 178.

67- المصدر نفسه، ص 169.

68- المصدر نفسه، ص 170.

69- المصدر نفسه، ص 177.

70- المصدر نفسه، ص 179.

71- المصدر نفسه، ص 183.

72- المصدر نفسه، ص 184.

73- المصدر نفسه، ص 193-211.

74- المصدر نفسه، ص 212.

75- المصدر نفسه، ص ص 215-216.

76- المصدر نفسه، ص ص 227 -228.

77- المصدر نفسه، ص ص 228-229.

78- المصدر نفسه، ص ص229-240.

79- المصدر نفسه، ص ص241-244

80- المصدر نفسه، ص ص 244- 250.

81- المصدر نفسه، ص ص251-252.

82- المصدر نفسه، ص ص 252-255.

83- المصدر نفسه، ص ص 269-270.

84- المصدر نفسه، ص ص 270-274.

85- المصدر نفسه، ص ص 273-277.

86- المصدر نفسه، ص ص 277-278.

87- المصدر نفسه، ص 279.

88- المصدر نفسه، ص ص 281-293.

89- المصدر نفسه، ص ص 294-395.

90- المصدر نفسه، ص ص 305-307.

91- المصدر نفسه، ص ص 307-309.

92- المصدر نفسه، ص ص 309-311.

93- المصدر نفسه، ص ص 311-312.

94- المصدر نفسه، ص ص 312-315.

95- المصدر نفسه، ص ص 315-317.

96- المصدر نفسه، ص ص 333-334.

97- المصدر نفسه، ص ص 334-337.

98- المصدر نفسه، ص ص 338-340.

99- المصدر نفسه، ص ص 344-345.

100- المصدر نفسه، ص ص 345-350.

101- المصدر نفسه، ص ص 358- 361.

102- المصدر نفسه، ص ص 361-388.

103- المصدر نفسه، ص ص 393-396.

104- المصدر نفسه، ص ص 403-411.

105- المصدر نفسه، ص ص415-420.

106- المصدر نفسه، ص ص 420-443.

107- المصدر نفسه، ص ص 447-449.

108- المصدر نفسه، ص ص 500-452.

109- المصدر نفسه، ص ص 452-464.

110- المصدر نفسه، ص ص 465-474.

111- المصدر نفسه، ص ص 474-483.

112- المصدر نفسه، ص ص 487-497.

113- المصدر نفسه، ص 511.

114- المصدر نفسه، ص ص 511-598.

115- المصدر نفسه، ص ص 625-651.

116- المصدر نفسه، ص ص 659-597.

117- المصدر نفسه، ص ص 700- 742.

118- المصدر نفسه، ص ص 753-781.

119- المصدر نفسه، ص ص 787-806.

120- المصدر نفسه، ص ص 809-849.

 

3393 دين سبينوزاعادة اعتُبر سبينوزا خصما للدين. لكن الكاتبة كلير كارلايل بدلا من ذلك، تعرضهُ في كتابها متحديا للتصورات الشائعة عن الدين ومقدّما دينه الخاص. ولكي نضع الكتاب في السياق، وبالعودة الى بدايات الـ 2000، اصبح التسفيه وتقريع الدين هو النغمة السائدة في الانترنيت. عدد قليل من الكتاب البارزين حاولوا القيام بشيء جديد في جمع المعلومات عن أعمال أصلية لنصوص علمانية: كريستوفر هيتشنز كتب الملحد المحمول (2007)، بينما انتوني غرايلنج انتج الكتاب الجيد (2011). كلا الكتابين تضمنا كلمات سبينوزا.

صورة سبينوزا كشخصية غير متدينة او معارضا للدين، ليست نتاجا للجهل. لا احد يعرف عن سبينوزا اكثر من ستيفن نادلر، الذي يفتتح كتاب جديد عنه يصف فيه الدين كوباء لـ اللاعقلانية: "كل يوم بلايين الناس يخصصون وقتا طويلا لعبادة كائن خيالي"(نادلر، 2020). هو يستمر بعرض افكار سبينوزا كعلاج. بالطبع، اعتقد سبينوزا بنوع من الاله، ولكن، كما سنناقش ادناه، يجادل نادلر انه لم يكن ملحدا بأي معنى.

ولكن ماذا يجب ان نتعلّم من سبينوزا؟ كتاب سبينوزا الفلسفي النادر سُمي الأخلاق Ethics، لذا من الطبيعي لاولئك الذين يقرأونه كغير متدين ان يجدوا فيه مرشداً للاخلاق الالحادية. نادلر ينهي بخلاصة لـ "الطريقة الصحيحة للعيش" كما يتصورها سبينوزا . هذه تبدو "حياة نشطة من الاستقلالية، الفضيلة، والقوة"لـ "الرغبة المسترشدة بالعقل والمعرفة وليس بالعواطف اللاعقلانية" نحو عمل ما هو أفضل لك وللاخرين، وليس فقط لأجل ما يبدو كخير او كمصدر طارئ للمتعة" (نادلر، 2020، ص202). هذا يبدو معقولا جدا. ولكن معقول ايضا ان يثير القلق: هل نحتاج لقراءة سبينوزا لأجل هذا؟ هذه القراءة لسبينوزا تبدو كأنها تقلّص تأثيره فقط في إبلاغ العلمانيين الطبيعيين والمعتدلين المعقولين - وهم الاغلبية ضمن الفلسفة الاكاديمية – ما يعرفونه سلفا في النظرية ان لم تكن في التطبيق.

مع ذلك، هناك طرق اخرى لقراءة سبينوزا، يتحدّانا فيها كثيرا . كتاب الكاتبة يقع في هذا الصنف. بالنسبة لها يبقى سبينوزا راديكاليا الى الابد كتحدّي للدوغما العلمانية المعاصرة وكذلك للديانة الحديثة المبكرة. سبينوزا لديه شيء يقوله لنا لا يُحتمل ان نعرفه سلفا.

معظم الباحثين الذين يرفضون قراءة سبينوزا كعدو بسيط للدين لا يرفضون كثيرا مواصفات فكر سبينوزا كتأطير ثنائي لما يتضمنه من سؤال : الدين – لأجل وضد؟ الآن، مع كتاب كلير كارلايل لدينا موقف طُرح بالكامل ضد هذا التأطير. هي تبدأ: "باروخ سبينوزا لم يمتلك دينا – على الاقل بالمعنى المألوف للكلمة". وفي ضوء هذا، هي تعترف ان، "عنوان هذا الكتاب يحتوي على مفارقة، وربما بعض الاثارة". عنوان كتابها يكشف اطروحتها بان سبينوزا فعلا يمتلك دينا، لكنه دين خارج المعنى المألوف للكلمة. واكثر من هذا، فكره يبيّن ما هو خاطئ في ذلك المعنى المألوف: "دين سبينوزا يجبرنا لإعادة التفكير في مفهوم الدين ذاته". معظم التعارضات الثنائية في ما نفكر فيه من دين اليوم – الدين مقابل العلم، مقابل العلمانية، مقابل الحداثة، مقابل العقلانية، هي نتاج لنوع من الحداثة السائدة اثناء حياة سبينوزا. سبينوزا يقدّم لنا ليس فقط مفهوما مختلفا للدين وانما "حداثة بديلة".

الادّعاء الرئيسي للكاتبة هو انه، بدلا من محو الافكار الدينية التقليدية – الخلق الالهي، خلود الروح وغيرها، من الصورة العلمية الحديثة، فان سبينوزا يعيد تفسيرها بطريقة لاتناسب أي من الاصناف الدينية او العلمانية. ما يؤسسه في (الاخلاق) هو ثيولوجيا فلسفية بالمعنى الواسع. افكاره محكومة بمبدأ ثيولوجي اساسي بانه "مهما يكن الكائن، فهو في الله"(الاخلاق، 1، ص15). الكتاب بمجمله هو كشف لمعنى هذا المبدأ وارتباطه بافكار اخرى لسبينوزا. العديد من هذه الافكار مثل السعادة التامة او الغبطة beatitude، الحياة الخالدة، حب الله، كانت بوضوح ذات اهمية مركزية لدى سبينوزا. مع ذلك، في الدراسات الاكاديمية الحديثة هي كانت عادة اما متجاهلة او اختُزلت الى مبادئ اكثر انسجاما مع الطبيعية العلمانية.

مشروع الكاتبة ايضا يستلزم استكشاف لعلاقات سبينوزا مع المسيحية، تعرض فيه حججا "لوضع الاخلاق ضمن الاصل اللاتيني للفكر المسيحي". من الغريب ان لا نرى هناك اهتمام كبير بين الاكاديميين في التأثيرات المسيحية على سبينوزا، الذي هو يشير دائما ليسوع ليس بالاسم وانما كـ المسيح. هذا لا يعني القول ان سبينوزا كان مسيحيا، ولا يقلل من أهمية التقاليد اليهودية التي نشأ بها – وهو العامل الذي حظي بدراسة تامة . لابد من ملاحظة ان كتاباته تحتوي على الكثير من الافكار والموضوعات المسيحية، والكاتبة من بين القلائل من الباحثين غير الراغبين بتجاهل تلك الموضوعات او التقليل من أهميتها.

الفصل الاول، حول موضوع عبادة سبينوزا، يبدأ بمواصفات ببيير بايل لسبينوزا. فمن جهة، بايل رفض اسبينوزا كملحد. ومن جهة اخرى، هو وجد في كتاباته "صدى لتعاليم دينية مختلفة: فارسية "صوفية" وكابلية، وبعض المعتقدات الهندية القديمة، والممارسات التأملية للطائفة الصينية التي تسمى foe kiao، التي وُجدت في نفس الوقت الذي ظهرت فيه المسيحية ". بايل يركز على هذه الطائفة الأخيرة، التي سعت كما يظن نحو مثال "الهدوء والسلام"، حيث يؤمن افرادها : انه بعد وصول الانسان لحالة الهدوء، هو ربما يتّبع ظاهريا المسار العادي للحياة، بينما يعلّم الآخرين العقيدة المقبولة. انه فقط داخليا وبخصوصية تامة يجب ان يمارس التمرين التأملي للسعادة التامة.

ورغم ان الكاتبة لم تذكر عقيدة الـ، "فوي كايا" لكن هذه العقيدة هي تحوير للكلمة الصينية للبوذية، التي "وجدت في نفس وقت المسيحية" وتعكس العقيدة الشائعة عن وصول البوذية الى الصين (مينارد، 2011). ان كلمة غبطة التي يستعملها بايل لوصف "التمرين التأملي" للبوذية والتي استُعملت من جانب سبينوزا في الجزء الأخير من الاخلاق ليعرّف خيره النهائي: "الحب الفكري لله" (5 ص 26)، هي ايضا وُصفت كحالة من "اخضاع الروح". بايل، يصف وبشكل فعال سبينوزا كنوع من الانسان البوذي، والكاتبة تستمر في هذا الفصل لتستكشف الطرق التي يمكن بها رؤية مشروعه الفلسفي كنوع من الممارسة الروحية، الساعية نحو سلام داخلي في ضوء الحقيقة.

الفصل الثاني يبدأ بتحليل صارم لكتاب سبينوزا الاخلاق، محددة شكله ذو الطابع الهيكلي، المعماري: انه يشبه الكريستال المنحوت بشكل رائع قُطع من الداخل كما في الخارج، يفضي الى غرف ودهاليز هائلة مترابطة وعدد ضخم من الاسطح غير الملونة بُنيت بدقة وجرى تلميعها ببراعة. هي تجد في قلب البناء مجموعة من "افتراضات عليا" super propositions: تلك الافتراضات التي استشهد بها سبينوزا اكثر من عشر مرات في اثبات افتراضات اخرى. احدى تلك الافتراضات هو المبدأ المركزي المذكور اعلاه في فصل 1 ص15: "مهما يكن الكائن، الكائن هو الله، ولا شيء يمكن تصوره بدون الله".

الفصل الثالث يوضح كيف ان " الوجود في الله" هو المبدأ الاساسي في فكر سبينوزا" (ص56) لاسيما ان الاطروحة الكلية للكاتبة هي حول دين سبينوزا. هذا هو الفصل الأصعب في الكتاب. فكرة "الوجود في الله" هو موضوع هائل لفصل قصير، وتعاملْ الكاتبة معه، مع انه رائع لكنه مضغوط جدا. الكاتبة وفي اكثر مما في الفصول الاخرى، تدخل احيانا في لغة ثيولوجية يصارع الفلاسفة في شق طريقهم فيها. من الواضح انه مثير جدا . الكاتبة تقترح ان سبينوزا يطور "الوجود في الله" كهدف معياري normative goal – شيء ما يجب ان نكافح بجد نحوه – وايضا كحقيقة ايجابية "الحقيقة الاساسية والمباشرة حول اي شيء والتي تعني ان أي شيء هو في الله(56).

الهدف المعياري تُرك للفصلين الرابع والخامس. لكن لنبقى في الفصل الثالث، لنرى ما معنى "في" في الادّعاء بان كل شيء هو في الله؟ كلمة "في" هنا لا تعني كجزء، طالما ان سبينوزا واضحا بان الله ليس له أجزاء (في الملاحظات الهامشية عن "الافتراضات العليا" في الاخلاق ص 15). الكاتبة تكرر عدة مرات الادّعاء الملفت باننا" يجب ان نكون مستعدين لفهم "الوجود في" لنعبّر عن كل من الاختلاف والهوية"(ص59-64). لهذا وكما وُجد ايضا لدى الاكويني – سبينوزا يقترح بان كل الاشياء مشابهة لله، مع انها ايضا مختلفة عنه. هذا يعني ان قراءة الكاتبة تجعل سبينوزا يرفض عدم التمييز بين المتشابهات – وهو الشيء الذي وُجد في مكان اخر في كتاباته طبقا لجون موريسون (موريسون 2017).

الكاتبة تذهب بالضد من غالبية مفسري سبينوزا في رفض قراءة عبارته الشهيرة "الله هو الطبيعة"Deus sive Nature باعتبارها تتضمن هوية صارمة بين الله والطبيعة. هي تلاحظ كيف ان هذه الهوية المقترحة حرّضت بعض القراء مثل نادلر على اختزال موقف سبينوزا الى طبيعية ملحدة متنكرة: هناك فقط العالم الطبيعي، سمي بسوء فهم بـ "Deus". الكاتبة تبني موقفا نصيا مبررا ضد هذا. ادون كيرلي اوضح بان استخدام سبينوزا لـ "sive" اكثر تعقيدا مما يُفترض عادة (سبينوزا 2016، 2، ص610-612). بالنسبة لها، العلاقة بين الله والعالم الطبيعي، المعبّرعنها في عبارة سبينوزا الشهيرة، هي ليست تعبير عن هوية صارمة وانما هجين متناقض من الهوية واختلاف عبّر عنه بـ "الوجود في". العديد من القراء الذين يرون سبينوزا كعقلاني كبير لا يؤمنون بفكرة ان مثل هذه المفاهيم المتناقضة قد تظهر في تفكيره، لكنهم ربما يعتبرون ان افكارهم عن "العقلاني" هي ربما بحاجة الى توسيع.

الفصول الثلاثة الاخرى للكاتبة تنظر الى الوجود في الله كهدف معياري. مع ان الوجود في الله كلي الوجود، لكنه يمكن ان يأتي في درجات. نحن علينا ان نكافح بجد في الوجود في الله بأكبر قدر ممكن. الفصل الرابع يبدأ باقتباس من اوغسطين : "قلوبنا هي في حالة اضطراب حتى تستقر في "الله"(79). نفس المشاعر ينقلها سبينوزا، الذي يرى ان الروح تذهب باتجاه مغاير عبر الاضطرابات الذهنية والتقلبات – موجات في البحر مندفعة برياح معاكسة، كما هو يصفها في مكان من (الاخلاق 3 ص59) – حتى تجد "مكانا للاستقرار تشكّل بفعل الوجود في الله"(79). ما يمنعنا من ايجاد هذا السلام الباطني هو متابعة أهداف خارجية لأنفسنا. لكي نجد الراحة عبر الوجود في الله هو ان نحقق درجة من الذات التامة المتعة من جانب الله: لكي نجد ذلك"هدفنا لايكمن خارج نشاطنا، حياتنا، وجودنا، وانما ضمنه"(88). مثل fung yulan (fung 1997، فصل10)، يمكن ان نرى هنا ارتباطا بين "الإذعان" السبينوزي والمفهوم الدايوستي عن فعل تلقائي لأجله هو وليس لأجل متابعة اهداف خارجية. الفصلان السابع والثامن ينشغلان بالكثير من الافكار الدينية لدى سبينوزا. حب الله والحياة الأبدية. مرة اخرى. الكاتبة يبدو تنصح بنوع من الممارسة الروحية نحو هدف غير مألوف مقارنة بمحاولة ان نكون معقولين في رغباتنا ونعمل ما هو فعلا يحقق أفضل مصلحة لنا.

الفصل التاسع يعود لسؤال دين سبينوزا و"الحداثة البديلة" التي يقدمها لنا. الكاتبة تقترح بان مفهوم سبينوزا للدين، خلافا لما ورثناه من الحداثة، هو "لا مذهب ولا عقيدة، لا طائفة ولا كنيسة"(183). وانما "هو الفضيلة" – فضيلة ان تكون موجّه نحو الوجود في الله. وبهذا، انها يمكن ان تستوعب "التنوع الديني الذي يطبع الان المدن الحديثة، المدارس والجامعات" بينما ايضا يقاوم "امراض الحداثة: الثنائية، العدمية، التطوعية، المادية الاختزالية، الذاتية"(183). بكلمة اخرى، انها تستطيع ان تقدم للعلمانيين بعض مما يريدون وكذلك اولئك الساعين لأجل التقاليد الدينية . نبقى بحاجة لنرى ما اذا كان ذلك كافيا لأي منهم.

في ختام الكتاب، تلخص الكاتبة ببراعة مساهمتها للدراسة السبينوزية: "تصوّر سبينوزا لله كأرضية انطولوجية لا يضمن فقط فهم الوجود، وانما ايضا يوفر مكان راحة للرغبة"(188). دارسو سبينوزاكانوا يصارعون بمشقة لإيجاد معنى لتبنّي سبينوزا للمفهوم الاول – فهم الوجود. ميخائيل ديلا روس طور تفسيرا هاما لسبينوزا بموجبه يكون الوجود مفهوما (ديلا روس 2008). لكن المفهوم الثاني – مكان الراحة للرغبة او الحالة النهائية للغبطة التي كان سبينوزا يواجه صعوبة لكشفها كامكانية للباحثين الروحانيين – هذا نال القليل من الاهتمام. ربما هذا بسبب انه يهدد الصورة المهيمنة لسبينوزا. كلمة غبطة لها ميراث محدد جدا في ما تسميه الكاتبة "الأصل اللاتيني للفكر المسيحي": الاكويني مثلا اعطى حجة قوية ضد تحقق تلك الغبطة في الحياة الفانية (الاكويني، 1894). الحجة هي انه طالما الغبطة تعني مكان الراحة النهائي للرغبة، فهي لايمكنها ترك اي شيء مرغوب، لكن الخير الذي سيزول يوما ما يترك شيء ما ليُرغب. سبينوزا تجنب هذا بعرض رؤية عن الحقيقة النهائية فيها لاتزول الاشياء ابدا . وكما تطرح الكاتبة: "كل الاشياء في هذا العالم لها حصة في خلود الله"(188). هذا بسبب ان كل الاشياء هي الله بمعنى ما - المعنى المعبّر عنه في "الوجود في الله".

لكن هذا يأخذنا بعيدا عن صورة سبينوزا كبطل للطبيعية العلمانية. العديد سوف يعارضون، لكن بالتأكيد هناك الكثير منْ يشعرون بالإثارة لاستكشاف العالم الجديد للتفسير الذي فتحته الكاتبة بالتعامل الجاد مع دين سبينوزا.

 

حاتم حميد محسن

...........................

* كتاب دين سبينوزا: قراءة جديدة في الاخلاق، صدر عن مطبوعات جامعة برينستون، عام 2021 في 288 صفحة.

 

عبد الرضا حمد جاسمورد في ص 17: [وللطرفة نقول لو كان قد عاش الوردي حتى أيامنا الحاضرة للقى حتفه على يد احدى الميليشيات او الأحزاب المتناحرة التي تؤل الأمور بحسب اهوائها و مصالحها] انتهى

أقول: الطرفة هنا هي انها صورة من صور عدم القراءة المتأنية لما تركه الراحل الوردي له الرحمة...لو كان اليوم حي بيننا لكان شخصية القرن ال21 عند "أحزاب السلطة" حيث انه الوحيد الذي طلب من أصحاب العمائم  الفتوى بأهمية الانتخابات  حيث سيقول لهم : [لقد تأخرتم في تنفيذ اقتراحي لكن ان تأتي متأخراً افضل من ان لا تأتي .اليوم نفذتم طلبي "فتسَّيدتم" بكل الوان عمائمكم] ولكان اليوم الوردي نجم الفضائيات و التحقيقات الصحفية لأنه تنبأ منذ عام 1954 بفوز أصحاب العمائم أي قبل حوالي نصف قرن... و لِوَجَدَتْ صحف هذه الأيام مثل "المدى و الزمان وغيرها" تَفْرِدْ له صفحات يومية و يخصص له يوم اسبوعي في شارع المتنبي يسمى يوم العالم الجليل علي الوردي ليقرأ للناس الطالع في ايامهم القادمة و لحجزت له القنوات الفضائية حيز يومي خاص لنبُوءات الوردي و لَذَّمَهُ  المدعو""أبو علي الشيباني"" كل يوم.. و لِتَمَ تخصيص فوج حماية  له من كل فصيل مسلح او مليشيا بما فيها فوج من البيشمركَة لتفتخر بحمايته. لو كان الوردي حياً لأصبح بمنزلة كبير وعاظ السلاطين فهو من اوصلهم الى الحكم بدعوته لتطبيق الديمقراطية اللبنانية التي نسخها نسخاً قل نظيره في عدم التفكير و التحليل و التفسير ولم يعتذر عن ذلك الاستنساخ وتلك الدعوة حتى بعد ان حضر الحرب الاهلية اللبنانية ونتائجها في السبعينات و الثمانينات من قرن الوردي... فهو القائل في اخر مقطع له من كتابه المهم : [ دراسة في طبيعة المجتمع العراقي] /1965 أي آخر صفحة وآخر خمسة أسطر من الكتاب أي في ص415 وتحت عنوان: [الخلاصة] التي تعني خلاصة كل جهود الوردي له الرحمة من اول محاضرة له عن شخصية الفرد العراقي عام 1951 الى اخر اصدار وقتها عام 1965 حيث كتب التالي: [إن الشعب العراقي منشق على نفسه وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي اخر باستثناء لبنان وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه حيث يتاح لكل فئة منه ان تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق ان يعتبروا بتجاربهم الماضية وهذا هو أوان الاعتبار فهل من يسمع؟!] انتهى

وكان قد مهد لهذا القول بما كتبه في (وعاظ السلاطين) / 1954 ص 108(لو كنتُ من أرباب العمائم لأفتيت في اعتبار التصويت واجباً دينياً و لجعلت التقاعس عنه ذنباً لا يغتفر...أنني اعرض هذا الرأي على رجال الدين واتحداهم ان يقبلوه او يحققوه) انتهى.

ان أرباب العمائم اليوم يقولون للراحل الوردي ومحبيه التالي: [تركنا اقتراحك وتحَّديك نصف قرن ونحن ندرسه ونرتب حالنا عليه وفيه وعندما سنحت الفرصة تقدمنا لتنفيذ اقتراحك وقبلنا تحديك ونشكرك على تنبيهك لنا ونعتذر عن تأخر التنفيذ لأن في التأخير خير لم تفكر به ولم تعتذر عنه ولم تسحب تحديك الذي ينم عن عدم فهم بالمجتمع العراقي من شخص قيل عنه ويُقال وسيُقال انه عالم اجتماع شغل الدنيا ورمى حجراً في بركة العقول والنفوس التي اغلبها كان راكداً رغم الحراك العنيف سياسياً على السطح وفي بعض الأعماق التي كان السابقون منهم ربما يعرفون غاطسها واحتمالات نتائجها. هذا التحدي كان يمكن ان يصدر من شخص ليس من هذا المجتمع بل من عالَمْ/ عالِمْ اخر بعيد عن المجتمع العراقي وعن علم الاجتماع...هذا التحدي الذي يؤكد عدم فهم الراحل الوردي لتجاهلنا له وتحديه لنا وخوفنا من توابع الإفتاء بخصوصه وقتها.. لكن اليوم وبعد الإلحاح "افتينا به" لنبين للدكتور علي الوردي اننا أكثر معرفةً بمجتمعنا منه]. 

واليوم الجميع عتب ويعتب على أرباب العمائم وذَّمهم ويذمهم وكفَّرهم ويكفرهم على تدخلهم في الانتخابات ولا أحد يتطرق الى طرح الوردي الذي تلقفه بريمر الذي سمعه من بعض ممن اُطلق عليهم ""أقطاب المعارضة العراقية"" من الذين قرأوا الوردي دون تدقيق او انتباه او رَويَّة وصفقوا لقوله هذا كما يصفق له البعض ممن يحملون "الألقاب العلمية"" اليوم او من الذين دخلوا خانة: ،،النخبة،، المفكرين،،الأساتذة"" وهي منهم براء.

هذه الانتكاسة العلمية للوردي والتي تُجسد انتكاسته أمام وعاظ السلاطين يجب ان تدفع محبيه  الى مراجعة ما قرأوا للراحل الوردي وترك الرجل يرتاح في عالمه الجديد والكف عن تأليهه وأرجو منهم ان يرحموا الرجل و يعتبرونه فقط انسان مجتهد أصاب و أخطأ تقدم وتراجع مدح وذم وليس متفرد يحتاج ان يحميه العالم بإقامة صومعة له على القمر او المريخ كما كتب احد الأساتذة المؤلفين لهذا الكتاب وهو الأستاذ محمد علي محيي الدين في مساهمته التي كانت بعنوان: [ خواطر مع الدكتور علي الوردي] حيث كتب ما يفوق ما كتبه الأستاذ/ة كاتب/ة التقديم  وفاق كل ما كُتِبَ و من كَتَبَ عن الراحل الوردي له الرحمة و الذكر العطر الدائم حيث ذكر في ص55 من هذا الكتاب التالي الذي يفوق الخيال: [ولو عاش الوردي هذه الأيام و اُفسِحَ له المجال بما تهيأ من وسائل حديثة للنشر لا تحدها رقابة و لا يصدها منع لكان في أفكاره ما يؤدي الى تفجير قنبلة تثير الدنيا ولا تقعدها الى يوم يبعثون، و احتاج العالم في تأمين حمايته لبناء صومعة على سطح القمر او المريخ خشية على حياته من الناقمين والمخالفين لما في أفكاره من التطرف المنهجي الذي يناقض الكثير من المسلمات التي تصالح عليها الآخرين واعتمدوها بديهيات لا تقبل النقض و التأويل] انتهى

انا هنا اسأل الأستاذ محمد علي محيي الدين هل ما يُطرح اليوم في الفضائيات و الصحف و المقالات أقل مما قاله الوردي سابقاً؟ هل يمكن ان يُقارن ما يُطرح اليوم مع ما طرحه الوردي؟

 أتمنى الكف عن تصديع الأجيال بقولكم ان الوردي دعا الى الديمقراطية. ف"الديمقراطية" التي تناسب وقتها وقت طرح الوردي لها كانت قائمة بهذا الشكل او ذاك خلال الحقبة الملكية وكان يمكن ان تتطور ويلف النسيان دعوة الوردي لتموت في وقتها. 

ثم ماذا كان ينتظر الراحل الوردي من تدخل أصحاب العمائم في الانتخابات غير تهييج الطائفية التي كانت ساكنة و شق المدن و البلدات التي كانت متصالحة نوعما، بين هذا المعمم وذاك المعمم كما حصل ويحصل اليوم. 

التركيز في نقد النموذج الديمقراطي الذي طرحه الوردي ضروري لأنه اول من نادى به بوضوح ولأنه المُطَّبَقْ اليوم ولأنه جاء وفق دس السم بالعسل

 اليوم في العراق ولأنه تسبب بما تسبب به للعراق ولأن نغمته تطرب الأغلبية وفق "على دكَ الطبل خُفَنْ يرجلية"...و لخطورته وقت طرحه وهو الوقت الذي يصفه او يعبر عنه كاتب/ة التقديم/ المقدمة بالتالي: [واتذكر بان الشباب اليافع في الستينات (16 ـ 20) عام وكنت صغيرا استمع لاحاديثهم منبهرا وانصب في جوهره على سجالات تلك الفترة المحتدمة بالانتقالات من الوداعة للجذرية (الراديكالية) والدعة الى (العنتريات) بما يعني اثره العميق في حركة الوعي للعقود التي تلت الحرب العالمية الثانية........] ويُكمل في ص16: [واقر هنا باني لم التقي مثل هذا الارتقاء الحواري في كل الأجيال التي تبعتها ولا سيما في سنوات المسخ والهدم...ألخ].

فبدل ان يقترح الوردي نظام ديمقراطي من تجربته الامريكية مع مكارثيتها أو من الديمقراطية البريطانية التي عاش فيها اشْهُرْ يتعلم اللغة الانكَليزية والتي تبين انه لا يحتاج الى تعلمها لإلمامه التام بها كما بين أحد الأساتذة الكرام مشكوراً في تعليق له بتفسيرات وتوضيحات مقنعة جداً...عاد الراحل الوردي ليؤكد على التجربة اللبنانية الشاذة بعد سنوات من مغادرته بيروت.

لو قُرئ الوردي بتأني وعمق ودقة وبالذات من بعض المساهمين في هذا الكتاب من الأساتذة لتعثروا بعيوب ما كتب و لوقفوا يمدحون ويشكرون وينتقدون ولا يصفقون ويرددون فقط.

العيوب ليست غريبة عن كل مكتوب حتى مكتوبكم هذا لكن عدم السؤال عنها و الإشارة اليها من قبل من قرأ أو يقرأ هو الغريب و الأغرب انكم لليوم لا تسألون انفسكم عنها فهناك من العيوب في هذا الكتاب يعجز الانسان عن تبريرها.

هل قرأ احدنا ان الوردي سؤل يوماً عن موضوع (المهنة من المهانة) او موضوع (المطر من البخار) او موضوع (العار و لا النار) أو (النار و لا العار) أو موضوع (الديمقراطية في العراق) او موقفه مِن ( مَن جد وجد...) أو (محاربته العقل) في وسط الكثير من المتعلمين فيه وقتها لا يميزون بين العقل و العلم واغلبهم يطرحون: (ان الله شافوه بالعين لو بالعقل)؟ او (قوله المشين عن العائلة الهاشمية) رغم الخلاف حول دورها و ما جرى حيث كتب التالي: في ص9من كتاب الاحلام الذي صدر عام 1959 أي بعد ثورة/انقلاب 14تموز1958 المباركة/ المبارك وما حصل للعائلة المالكة والنظام الملكي في العراق...كتبَ:[فقد كان ابن حجر حين ألف كتابه يعيش في الحجاز تحت وطأة الاسرة الهاشمية التي وقعنا نحن أيضا تحت وطأتها في المدة الأخيرة وعانينا من ظلمها و تسفلها ما عانينا] انتهى

والله لو كانت العائلة المالكة كما وصفها الوردي لما استطاع ان يخرج كراسة واحدة وليس كتاب...هل هذا قول انسان يمكن ان نقول عنه انه عالم اجتماع حيث شمل عائلة عربية عريقة عميقة في التاريخ بأنها سافلة لا لسبب إلا لأنه أراد التملق للوضع السياسي الذي كان بعد 1958 وبالذات عام 1959 عام صدور كتاب الاحلام...ثم تقوم تلك العائلة بتطبيبه في آخر أيامه على حسابها الخاص او بأمر من كبيرها وقتها!!!!...هل تَذَّكر الوردي قوله عن تسفلها وقت ذاك؟ انا أقول كلا وهذا ديدنه كما أتصور.

...نترك مناقشة البعض له عن اللغة العربية و الشعر""... هل ناقشه أحد عن التزييف و التحريف و الأخطاء و التناقضات التي تغص بها كتبه التي أصدرها قبل و بعد انقلاب/ثورة 14تموز1958 المبارك/ة.

الراحل الوردي تكلم عن مجتمع لا يعرفه ولم يعش فيه معايشة قريبة لأنه كما قيل عنه انه غير اجتماعي وكتب في علم لم يبرع به و الدليل انه اتهم مجتمع متنوع لا رابط بين تنوعاته بانه مزدوج و اعتمد في ذلك على اقوال السقطة و السفلة و الشقاوات.

من قرأ الوردي قرأه لبراعة الوردي في اختيار عناوين الكتب التي نشرها و إلا محتواها واحد لا يتعدى كراسة (شخصية الفرد العراقي)/1951 وكراسة (الاخلاق)/1967 وقرأه البعض منبهراً بالاصطلاحات والعبارات التي لم تُطرح قبل الوردي بهذه الكثافة وقرأه البعض الآخر للحكايات التي أّلفها ولحنها مع تحريفاتها.

اليكم نموذج عن تأثر الوردي بأقوال العامة و الشقاوات نقلها لنا محب للورد هو السيد محمد عيسى الخاقاني في كتابه: [مئة عام مع الوردي] حيث ذكر في ص147 التالي: [قال العمري "ويقصد موفق العمري" ان الوردي تناول والدي في احد كتبه في العهد الملكي مما حز في نفسي فقال الوردي نعم واني نقلت ما يقوله الناس عنه ووالد الأستاذ موفق هو رئيس وزراء العراق في العهد الملكي مصطفى محمود العمري مواليد 1894 ـ 1960....ثم أضاف الخاقاني: [يبدو ان الوردي كان قد كتب نقلا عن بعض الأشخاص ان وزير الداخلية كان مرتشياً وقد حملها العمري في قلبه على الوردي وحاول لسنين ان يجد مستمسك ضد الوردي في اتهامه له الا ان الوردي خذله في كل اتهاماته....الخ] انتهى

يعني اصبح السيد مصطفى العمري مرتشي عند عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي لأن أحدهم قال للوردي انه مرتشي والغريب انه جهر بها ونشرها في كتبه دون وازع من ضمير او دون ان يتحقق منها. هذا نموذج لبعض كتابات الوردي و كانت ولا تزال فضيحة كتاب المطر من البخار لا يمكن سترها وهي ايضاً مصدرها انه سمع ان هناك كتاب بهذا العنوان!!!

المشكلة الكبرى ان شريحة واسعة من مثقفي هذا الزمان ساروا ويسيرون على خطى الراحل الوردي في هذا الجانب  وجانب عدم الدقة وعدم الاهتمام وعدم الحرص ومنهم بعض الأساتذة من الذين ساهموا في تأليف هذا الكتاب.

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

محمود محمد عليفي الفصل الثاني من هذا الكتاب الذي بين أيدينا يحدثنا الدكتور القاسمي عن أصل اللغة، وكيف يمثل موضوع بحث ونقاش ونقاش منذ قرون وإلى الآن الآراء غير متفقة حول الأصل الفعلي أو عمره، فانعدام الدليل الواضح والمباشر سبب صعوبة دراسة هذا الموضوع، حيث يستحيل العثور على اللغات في شكل أحافير كما هو حال الأشياء الملموسة الأخرى، وبناءً على ذلك يجب على كل من ينوي دراسة أصل اللغة أن يستخلص الاستنتاجات من أنواع أخرى من الأدلة كسجل الأحافير والأدلة الأثرية وأيضا من التنوع اللغوي المعاصر ومن دراسات اكتساب اللغة أو المقارنات بين لغات البشر ونظم التواصل بين الحيوانات، خصوصاً الرئيسيات. ولكن ثمة اتفاق عام في نظر الدكتور القاسمي وهو أن أصل اللغة متصل بشكل قوي بأصل سلوك الإنسان الحديث، والاتفاق بسيط حول الآثار المباشرة بشأن هذا الصدد (19) .

ثم ينتقل المؤلف للحديث عن أصل اللغة في التراث العربي الإسلامي، حيث قام الفلاسفة، والأصوليّون، والمُتكلِّمون، واللغويّون بالبحث حول أصول اللغة، ومن الآراء التي طرحوها في ذلك ما يأتي: اللغة توقيفية: وتكون اللغة توقيفيّةً إمّا بالتلقين، أو بالإلهام وقد قال بهذه النظرية ابن فارس في الصاحبي وغيره، ودليل هؤلاء دليل نقلي لا عقلي، وهو قوله تعالى : " وعلّم آدم الأسماء كلها " . (20)، واللغة اصطلاح أي أن اللغة ابتدعت بالتواضع والاتفاق، ومن أنصار هذه النظرية ابن جني وغيره، وليس لهذه النظرية دليل، غير أنهم يشيرون إلى أن كل شيء لا يرتجل ارتجالا بل يتكون بالتدرج والاتفاق  (21)، واللغة محاكاة لأصوات الطبيعة وذلك لكونها نشأت نتيجةً لتطوُّر الانفعالات البشريّة بشكل طبيعيّ مع الأصوات الحيوانيّة، والطبيعيّة، وقد استخدمَ الإنسان في بداية نشأته الإشارات، والحركات في التعبير، ثمّ طوَّر وسائل التعبير حتى استطاع الوصول إلى النُّطق، والكتابة؛ وبالتالي فإنّ تطوُّر اللغة يرتبط بتطوُّر الكائن الحيّ (22). ثم انتقل أبا حيدر بعد ذلك للحديث عن أصل اللغة في الدراسات الغربية الحديثة خلال القرن التاسع عشر، حيث تحدث الدكتور القاسمي عن تحدث بإفاضة عن نظرية الباو  واو وتهب إلى أن أصل اللغة محاكاة أصوات الطبيعة، كأصوات الحيوان وأصوات مظاهر الطبيعة، والتي تحدثها الأفعال عند وقوعها (23)، ونظرية البوه بوه وتذهب إلى أن اللغة الإنسانية بدأت في صورة تعجبية عاطفية، صدرت عن الإنسان بصورة غريزية للتعبير عن انفعالاته من فرح أو وجع أو حزن أو استغراب  (24)، ونظرية الدينغ دونغ وخلاصتها أنّ الإنسان مزوّد بفطرته بالقدرة على صوغ الألفاظ الكاملة، وهو مطبوع على الرّغبة في التّعبير عن أغراضه بأية وسيلة من الوسائل، غير أنّ القدرة على النّطق بالألفاظ لا تظهر آثارها إلّا عند الـحاجة أو في الوقت الـمناسب (25)، ونظرية الغوغو وملخصها أن اللغة الإنسانية بـدأت بالمقـاطع الطبيعية التي يتفـوه بهـا الإنـسان عفويـا، عنـدما يـستعمل أعـضاء جـسمه فـي العمـل اليـدوي، كمـا نسمع إذا وقفنا بقرب رجل يحمل ثقلا أو حداد يعمل (26) .

وبعد ذلك انتقل المؤلف للحديث عن أصل اللغة في القرن العشرين من خلال حديثة عن نظرية أصل اللغة تطور لغة الطفل (27)، ونظرية جورج تريكر والذي خص موضوع أصل اللغة بفقرة عن المادة، وأكد في بدايتها جهل علماء اللغة بأصلها، وعدم اتفاقهم على الفرضيات الموجودة، وتقدم هو نفسه بافتراض يشارك فيه القائلين بالتطور اللغوي على غرار نظرية النشوء والارتقاء لدارون (28)، ونظرية هوكت وآشر واللذان ينطلقان من نظرية التطور، ويتخذانها أساسا لنظريتهما في التطور اللغوي (29)، ونظرية كورباليس كما تجسدت في كتابه " من اليد إلى الفم : أصول اللغة، والذي بسط فيه فرضيته عن تطور لغة الإنسان، وهي لا تختلف من حيث الأساس، عن فرضيات الدارونيين، إلا في زعمه أن لغة الإنسان الأول كانت تعتمد على إشارات كثيرة وأصوات قليلة، وبمرور الزمن وبنمو مخ الإنسان وتطور جهازه الصوتي، ازدادت كمية الأصوات وقل عدد الإشارات (30)، وأخيرا يعقب الدكتور القاسمي علي نظريات تطور اللغة برأيه الشخصي فيقول :" إن هذه النظريات هي مجرد فرضيات تستند إلى الخيال، لأنها لا تعتمد على سند علمي تاريخي ؛ فالتاريخ الذي يوصف بالعلمي هو التاريخ الذي يقوم على مستندات مدونة وما عداه من دراسات تعتمد علي تحليل طبقات الأرض أو قشور جذوع الأشجار أو رسوم كهوف الإنسان القديم أو الجماجم والهياكل العظيمة، فهي دراسات شبه علمية، ولما كانت الكتابة قد اخترعت قبل بضعة آلاف من السنين فقط وأن الكلام سابق على الكتابة بملايين السنين، فإنه من الصعب الاستناد على وثائق مكتوبة حول تطور اللغة، ولهذا تسمي العصور التي سبقت الكتابة بعصور ما قبل التاريخ، فالتاريخ يبدأ مع وجود اللغة، ومع ذلك، فإننا نؤمن بأن التقدم العملي سيتمكن في المستقبل من التوصل إلى معرفة علمية بشأن أصل لغة الإنسان وتطورها، وسيكون الطريق إلى ذلك، في تصورنا، من خلال الكلام نفسه، فقد ثبت علميا أن الأصوات لا تموت، وإنما تبقي معلقة في الهواء، وفي طبقات الجو المختلفة، وقد تمكنت التكنولوجيا الحديثة من اختراع أجهزة تستطيع استجلاب تلك الأصوات من طبقات الجو والاستماع إليها،وقد تكون هذه التقنية هي التي ستزودنا في المستقبل بوسيلة لوضع نظرية علمية من أصل لغة الإنسان وتطورها (31). وقبل أن ينهي الدكتور القاسمي هذا الفصل نجده بلحقه بسؤال مهم وضروري وهو : هل البشرية من سلالة لغوية واحدة؟ .. وهنا يجينا المؤلف بالنفي فيقول :" .. ومن يتأمل أقوال كبار المستشرقين، عن ولادة اللغة العربية مكتملة وأنها لم تعرف طفولة ولا شيخوخة وأنها أقدم من أي تاريخ، قد يميل إلى قبول أن لغة الإنسان الأولى توقيف " (32).

وفي الفصل الثالث من هذا الكتاب وهو بعنوان " لغة الإنسان ولغة الحيوان"، وهنا نجد المؤلف يبدأ هذا الفصل فيتساءل : هل للحيوان لغة؟ .. نظر المؤلف هناك معضلة تتمثل في أن اللغة كنسق من الرموز والإشارات في نظر البعض خاصية إنسانية فقط ولا تتعدى إلى باقي الكائنات الأخرى، ومن ثم تعد اللغة خاصة بالإنسان فقط دون غيره من الكائنات فهي منتوج ثقافي وفكري تميز هوية الإنسان عن غيره من الكائنات أما لغة الحيوان فلن ترقى أن تكون لغة فهي مجرد ردود أفعال انفعالية غرائزية تهدف إلى حفظ البقاء وما يؤكد ذلك هو أن اللغة ليست ذات طابع مادي فقط يعني أنها ليست مجرد اصوات تصدر لتوفر شروط مادية كالحنجرة والشفتين واللسان بل تطلب وجود العقل أي الطابع الذهني وهو الوعي؛  إلا أن البعض الآخر أكد أنها لا ترتبط بالإنسان فقط بل عالم الحيوان، فللحيوان لغة يعبر بها عن حاجياته الضرورية ويتواصل بها مع غيره،وهناك دلائل عديدة تؤكد ذلك منها التجارب التي قام بها العلماء على الحيوان، حيث تبين لهم قيام الحيوانات بسلوكيات معينة وإصدار اصوات للتعبير عن الحاجة .. وينهي الدكتور القاسمي هذا الجدال إلى أنه بالفعل أن اللغة كظاهرة حيوية مرتبطة بالإنسان لكن الواقع يؤكد أن للحيوان لغة يتواصل بها ولها القدرة على إصدار اصوات وكلمات (33).

وجاء الفصل الرابع بعنوان " وظائف اللغة "، حيث بين المؤلف أن وظيفة اللغة الأساسية هي: التعبير عن الاحاسيس وتبليغ الافكار من المتكلم الى المخاطب فهي بهذا الاعتبار وسيلة للتفاهم بين البشر وأداة لا غنى عنها للتعامل بها في حياتهم.. ويمكن تخليص وظائف اللغة على النحو الاتي:-

1-الوظيفه الفكرية:-إن الانسان يمتاز عن سائر الحيوانات بالفكر والقدرة على التصور والتخيل والتحليل والتركيب، واللغة في الحقيقة لا غنى للإنسان عنها فهي الوسيلة لإبراز الفكر من حيز الكتمان الى حيز التصريح. وهي أيضا عماد التفكير الصامت والتأمل ولولاها لما استطاع الانسان أن يسير نحو الحقائق حينما يسلط عليها أضواء فكره (34).

2-الوظيفة الاجتماعية:-أنً اللغة تبلور الخبرات البشرية وتجارب الامم في كلام مفهوم يمكن ان يستفيد منه الاخرون،وتدون التراث الثقافي (35).

3-الوظيفة النفسية: فاللغة خير وسيلة للتحليل فبواسطتها يستطيع الفرد أن يحلل اية فكرة الى أجزائها،فإذا سألك شخص عن وصف حادثة شهدتها فإنك ستجيب عن الأسئلة الاتيه: ماذا وقع؟ ومن هو الشخص الذي وقع له الحادث؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ وما هي الظروف المرافقة للحادث وملابساته ونتائجه؟ (36)، وأما الفصل الخامس فقد جاء بعنوان " اللغة العامة واللغة الخاصة : خصائص اللغة العلمية"، وفي هذا الفصل يبين لنا أبا حيدر بأن مفهوم اللغة الخاصة يرتبط بالاستعمال اللغوي الخاص بمجال علمي أو تقني أو فني، وأن اللغات الخاصة تتكون من مجموعة من العناصر اللسانية التي تبرز في مقامات معينة إبان التواصل بين المتخصصين في نفس المجال. لذلك فإن ارتباط وحدة معجمية بمجال تقني معين يحدده استعمالها في سياق تواصلي ذو طبيعة تقنية؛ ومن ثم فإن لغات التخصص لا تشكل لغات منعزلة ما دامت تستعمل الموارد اللسانية للغات المشتركة (37) ؛ ثم يعقد المؤلف في هذا الفصل مقارنة بين النص الأدبي والنص العلمي، ويميز الأخير بأنه يتميز بالموضوعية، والدقة، والبساطة والوضوح، والإيجاز (38)، كذلك يناقش المؤلف في هذا الفصل أهم الاعتراضات على معيارية اللغة، فيقول: " وعلى الرغم من وجاهة هذه الاعتراضات، فإن القارئ الذي يطالع نصين، أحدهما أدبي، والآخر علمي، يلحظ وجود فروق بينهما على المستويات اللفظية والتركيبية والدلالية والأسلوبية (40).

وفي الفصل السادس والذي عنوانه " في ألفاظ الحضارة"، وفي هذا الفصل يطرح علينا الدكتور القاسمي مسألة ألفاظ الحضارة أو ألفاظ الحياة اليومية والتي يلتبس الأمر علينا إزائها، فلا ندري إذا كانت هذه ألفاظ عامة فنتركها للغويين، أم هي ألفاظ خاصة يتوجب علينا التعامل معها ومعرفة مفاهيمها وتحديد مواقع هذه المفاهيم في منظوماتها المفهومية، وهذا يتطلب معرفة مفهوم الحضارة نفسها، وهو أمرّ يسبب صداعا أليما حتى للمختصين بالفلسفة وعلم الاجتماع (41)، وفي غمرة الحيرة التي تلف المصطلحيين، يقع بين أيديهم معجم وضعه مجمع اللغة العربية بعنوان (معجم ألفاظ الحضارة ومصطلحات الفنون)، فيسرون به كثيرا لأن مكونات هذا المعجم ستحدد لهم مكونات الحضارة، فلا يحتاجون إلى تعريفها، وسيعرفون الكل عن طريق الاطلاع مسميات أجزائه. وهكذا يستعرضون هذا المعجم فيجدون أنها تتألف من قسمين: القسم الأول، ويشتمل على أسماء، أما القسم الثاني من المعجم فيتألف من ألفاظ الفنون التشكيلية ومصطلحاتها (42)، ومما يطمئن المصطلحيين إلى أن المكونات المذكورة هي المقصود من الحضارة أن مجمعا لغويا عربيا آخر يسعى إلى وضع معجم لألفاظ الحضارة (43)، ثم يتطرق أيضا المؤلف في هذا الفصل للحديث عن  أهداف توحيد ألفاظ الحضارة، حيث يتساءل المصطلحي عن الهدف من وضع مقابل صحيح لألفاظ الحضارة؛ فيجد الجواب في كتابات المرحوم محمود تيمور الذي كان له الفضل في طرح الموضوع على مجمع اللغة العربية في القاهرة، إذ يقول: " إن السعي إلى وضع مقابل صحيح لألفاظ الحضارة أو الحياة العامة ليس مقصودا به فرض ذلك على أفواه العامة في البيوت والأسواق، ولكن نقصد به إسعاف الأقلام الكاتبة بما يسد حاجة التعبير من ألفاظ فصاح لمسميات حضارة شاملة…" وحول سؤال هل المصطلحات الإدارية والاقتصادية من ألفاظ الحضارة؟.. ويجيبنا المؤلف بأنه إذا كانت الغاية من توحيد ألفاظ الحضارة تمكين وحدة اللغة العربية وبالتالي تيسير التواصل بين أبناء الأمة العربية وإرساء الأسس اللغوية لوحدتها، فإن من أكثر ألفاظ الحضارة شيوعا بين الناس أسماء النقود والمؤسسات الإدارية والتربوية، ففي العراق يتعامل الناس بالدينار والفلس، وفي السعودية بالريال والهللة، وفي مصر بالجنيه والمليم، وفي المغرب بالدرهم والسنتيم. وفي الأردن نجد في المؤسسات الإدارية المتصرف والقائم قام، وفي مصر المحافظ والعمدة، وفي المغرب الوالي والعامل. وفي العراق يذهب الأطفال إلى المدرسة فيدخلون الصف، أما في مصر فيدخلون الفصل، وأما في المغرب فيدخلون القسم، وهكذا دواليك (44)، وحول توحيد ألفاظ الحضارة في اللغة العربية يقدم لنا المؤلف ثلاثة ملاحق : الأول ويدور حول مجالات ألفاظ الحياة العامة التي حددها مجمع الغة العربية الأردني (45)، والثاني : حقول "معجم الحضارة الحديثة" للمجمع العملي العراقي (46)، والثالث : بيان من مجمع اللغة العربية الأردني عن معجم ألفاظ الحياة العامة في الأردن (47).

وجاء الفصل السابع بعنوان " تخطيط السياسة اللغوية ومكانة المصطلح العملي فيها"، وفي هذا الفصل يؤكد المؤلف بأن :" المجتمعات المعاصرة المتطورة قد أولت تنمية اللغة القومية وتخطيط السياسة اللغوية اهتماما بالغا وعناية خاصة، فشجعت البحوث المتعلقة بها وأقامت المؤسسات المسؤولة عنهما، ونما نتيجة لذلك علم جديد مشترك بين علوم الاجتماع والسياسة واللغة يسمي بـ " علم اللغة الاجتماعي "، موضوعه التنوع اللغوي في المجتمع الواحد وغايته تخطيط السياسة اللغوية بطريقة موضوعية ووسائل منهجية (48) والسياسة اللغوية في نظر الدكتور القاسمي تتمثل في مجمل الخيارات الواعية المتخذة في مجال العلاقات بين اللغة والحياة الاجتماعية، وبالأخص بين اللغة والحياة في الوطن (49)، ثم يؤكد المؤلف بأنه قد واكبت ظهور مصطلح السياسة اللغوية مصطلحات أخرى يشوش بعضها على بعض، وعلى رأسها مصطلح التخطيط اللغوي الأكثر استعمالا اليوم (50)، كذلك في هذا الفصل يناقش المؤلف عدة محاور منها : غياب استراتيجية لغوية (51)، والمقومات السياسية اللغوية الحكيمة ويحددها كالتالي : تعميم استعمال اللغة القومية، ونشر اللغة العربية في العالم، وتعلم اللغات الأجنبية، والترجمة إلى اللغة العربية ومنها، وتنمية اللغات الوطنية، وتوحيد المصطلحات العلمية والتقنية العربية (52)، ويخلص في هذا الفصل إلى نتيجة مهمة وهي كما يقول :" إن الأماني القومية للأمة العربية، والتحديات الجسيمة التي تمتلكها، تتطلب وجود استراتيجية شاملة متكاملة لجوانب السياسة اللغوية المختلفة، يتولي القيام بها جهاز متخصص في جامعة الدول العربية، ويتضافر على وضعها نخبة من علماء السياسة والاقتصاد واللغة والاجتماع، وتحظى بدعم الدول العربية وقبولها والتزامها بها، بنية صادقة مدركة، لتسهم هذه الاستراتيجية اللغوية بصورة فاعلة مؤثرة في تغيير الأوضاع وتطويرها باتجاه التنمية البشرية الشاملة (53).

وننتقل للباب الثاني وهو بعنوان "التعريب والترجمة"، ويضم هذا الفصل ثلاثة فصول : الثامن والتاسع والعاشر ، وفيما يخص الفصل الثامن والذي جاء بعنوان : التعريب : دلالته وضرورته، وفي مقدمته يقول المؤلف :" يتفق الفلاسفة وعلماء الدلالة على عدم وجود رابطة حتمية أو مادية أزلية بين الدال والمدلول، أو بين اللفظ ومعناه، وإنما يكتسب اللفظ معناه من تواضع جماعة الناطقين عليه واستعماله . وقد يغير اللفظ الواحد معناه أو يكتسب عدة معان إضافية بمرور الزمن من جراء الاستعمال، ويستطيع الباحث أن يستخلص معني اللفظ أو معانيه من استقراء الاستعمال، أي من دراسة النصوص المكتوبة أو المنطوقة التي يرد فيها ذلك اللفظ (54)، وبعد استقراء الاستعمال اللغوي الحديث للفظ (التعريب)، يحاول المؤلف أن يوجد لنا أربع دلالات رئيسية للتعريب، مرتبة من الخاص إلى العام : ترجمة كلمة أجنبية إلى العربية، وترجمة نص كامل إلى العربية، واستخدام قطر كامل اللغة العربية، واستعمال العربية لغة للإدارة والتعليم (55)، ثم يتنقل المؤلف للحديث عن حال التعريب في الوطن العربي، وهنا يؤكد على حقيقة هامة وهي كما يقول:" لقد رزحت معظم البلاد العربية لقرون طويلة تحت الحكم العثماني الذي تبني في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين سياسة التتريك، ففرض اللغة التركية على المدارس الرسمية والأهلية على السواء،ودُرست  جميع الدروس بما فيها التربية الإسلامية باللغة التركية، وبعد سقوط الحكم العثماني تقاسمت الدول الاستعمارية الأوربية، بريطانية، وفرنسه، وإيطالية، البلاد العربية وفرضت لغاتها عليها في الإدارة والتعليم . ولكن الوعي الوطني المتنامي في هذه البلاد أدى إلى مكافحة الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني والعودة إلى اللغة العربية (56) ؛ ولكن هذه العودة كما يري الدكتور القاسمي إلى اللغة العربية في الإدارة والتعليم تفاوتت من بلد عربي إلى آخر تاريخا وكما وكيفا . وبصورة عامة، يمكن القول بأن أقطار المشرق العربي سبقت أقطار المغرب العربي إلى التعريب، وذلك لأسباب عديدة أهمها أن الأقطار العربية في المشرق حازت على استقلالها في النصف الأول من القرن العشرين، في حين نالت الأقطار العربية في المغرب العربي استقلالها في النثف الثاني منه (57).

وثمة نقطة جديرة بالإشارة يؤكد عليها المؤلف هنا، وهو أن الاستعمار الفرنسي كان استعمارا استيطانيا في أقطار المغرب العربي، فنظر إلي تلك الأقطار، كما لو كانت جزء من فرنسا، وحاول طمس الثقافة العربية وإحلال الثقافة الفرنسية محلها بشتي الطرق ومختلف الوسائل، فحارب العربية وبذل جهودا جبارة في نشر الفرنسية وترسيخها في تلك البقاع، علاوة على أنه كانت أقطار المشرق العربي أسبق إلى النهضة التربوية الحديثة، فتوفرت لها أطر وطنية أكثر مما توفرت لأقطار المغرب العربي، فقد بدأت البعثات المصرية والسورية تتجه إلى أوربا للدراسة منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر ـ وتبع ذلك فتح المدارس والكليات على نطاق واسع (58) ... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

.............................

الهوامش:

19-علي القاسمي : علم المصطلح، ص 53.

20- المصدر نفسه، ص 54.

21- المصدر نفسه، ص 55.

22- المصدر نفسه، ص 56.

23- المصدر نفسه، ص 60.

24- المصدر نفسه،  والصفحة نفسها.

25- المصدر نفسه، ص 61.

26- المصدر نفسه، ص 62.

27- المصدر نفسه، ص 63.

28- المصدر نفسه، ص 64.

29- المصدر نفسه، ص 65.

30- المصدر نفسه، ص 66.

31- المصدر نفسه، ص 67.

32- المصدر نفسه، ص 68.

33- المصدر نفسه، ص 66-80.

34- المصدر نفسه، ص 86.

35- المصدر نفسه، ص 87.

36- المصدر نفسه، ص 88.

37- المصدر نفسه، ص ص 93-95

38- المصدر نفسه، من 96-99

39-  المصدر نفسه، ص 100.

40-المصدر نفسه، ص 104.

41- المصدر نفسه، ص 105.

42- المصدر نفسه، ص 106.

43- المصدر نفسه، ص 107-111.

44- المصدر نفسه، ص 119.

45- المصدر نفسه، ص 122.

46- المصدر نفسه، ص 129.

47- المصدر نفسه، ص 132.

49- المصدر نفسه، ص 136.

50- المصدر نفسه، ص 138.

51- المصدر نفسه، ص 139.

52- المصدر نفسه، ص ص 136- 140.

53- المصدر نفسه، ص 143.

54- المصدر نفسه، ص 145.

55- المصدر نفسه، ص 146.

56- المصدر نفسه، ص 147.

57- المصدر نفسه، ص 148.

58- المصدر نفسه، ص 149.

 

محمود محمد علي3- التعريف بالمؤلف:

في حياة الأمم والشعوب أفراداً يتميزون عن غيرهم بحيوية الفعل، وبالقدرة علي التضحية، وقد عرفت العراق الشقيقة نماذج رائعة من هذا النوع من الرجال الذين شكلوا طلائع الإحساس العميق بضرورة التغيير، وتمتعوا بقدرة كبيرة علي الاستنارة، وكان المفكر والباحث والكاتب الدكتور علي القاسمي، واحداً من كبار اللغويين العراقيين والذي تميز بإنتاجه العلمي الفكري الثري والمتنوع في مختلف أبعاد وجوانب العلم والثقافة .

ولد علي القاسمي في بلدة الحمزة الشرقي في محافظة القادسية في العراق في 31/5/1942، وهو مقيم في المملكة المغربية منذ سنة 1972، تلقى تعليمه العالي في جامعاتٍ في العراق (جامعة بغداد)، ولبنان (الجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعة بيروت العربية)، وبريطانيا (جامعة أكسفورد)، وفرنسا (جامعة السوربون)، والولايات المتحدة الأمريكية (جامعة تكساس في أوستن). وحصل على بكالوريوس (مرتبة الشرف) في الآداب، وليسانس في الحقوق، وماجستير في التربية، ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي . مارس التعليم العالي وعمل مديراً في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرباط؛ ومديراً للأمانة العامة لاتحاد جامعات العالم الإسلامي. يعمل حالياً مستشاراً لمكتب تنسيق التعريب بالرباط، وهو عضو مراسل عن العراق في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وفي مجمع اللغة العربية بدمشق، وعضو الهيئة الاستشارية للمركز الكوري للغة العربية والثقافة الإسلامية في سيول. يجيد الإنكليزية والفرنسية، ويلم بالإسبانية والألمانية.

وعلي القاسمي باحث جامعي وكاتب ومثقف متعدد الاهتمامات، له أكثر من أربعين كتاباً نُشِرت في مختلف الأقطار العربية تتناول حقوق الإنسان، والتنمية، والتعليم العالي،. كما أنه مبدع نشر عدداً من الأعمال السردية، لقيت اهتمام النقاد في المشرق والمغرب. ولعل أهم مؤلفاته هي: العراق في القلب: دراسات في حضارة العراق، والنور والعتمة: إشكالية الحرية في الأدب العربي، ومعجم الاستشهادات الموسّع، وعلم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، والمعجمية العربية بين النظرية والتطبيق، والحب والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية، ودوائر الأحزان، ومفاهيم العقل العربي، ومرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة، والجامعة والتنمية، والتقنيات التربوية في تعليم العربية لغير الناطقين بها، والمعجم العربي الأساسي، وعلم اللغة وصناعة المعجم، ومختبر اللغة .. وهلم جرا.

وفي تلك الكتابات والأبحاث كان "علي القاسمي" رائداً في منهجه وبحثه، في درسه ومحاضراته، فلم يقنع في بحوثه الأدبية بما درج عليه أصحاب التراجم في التعريف بالكتاب والشعراء من الوقوف عند حياتهم وذكر بعض مؤلفاتهم. وحرص الأستاذ الأديب الكبير " علي القاسمي" علي أن يربط هؤلاء الكتاب والشعراء ببيئتهم والظروف المحيطة بهم، وهذا ربط طبيعي ومنطقي، لأن الحياة الأدبية في مجتمع ما وثيقة الصلة بالبيئة الطبيعة، والحياة السياسية والفكرية في هذا المجتمع بوجه عام. وقد توسع في هذا الربط والتحليل توسعاً كبيراً. ولاحظ بحق أن بعض التراجم قد لا يتحرون الدقة فيما ينقلون، وكثيراً ما يأخذ لاحقهم من سابقهم في غير تحقيق ولا تدقيق، وأخذ نفسه بمبدأ الشك الديكارتي؛ مثل عميد الأدب العربي الدكتور "طه حسين" الذي كان معجباً به، وحاول ما وسعه أن يطبقه في كتاباته وبحوثه، فكان يري " علي القاسمي" أن الآراء والأحكام قابلة للأخذ والرد، والتحليل والمناقشة إلي أن يقوم الدليل علي صحتها . وكم فتح شكه هذا أفقاً كانت مغمرة وأذهانا كانت مغلقة.

وعلي القاسمي كما قلت جامعي أصيل، بدأ حياته الجامعية في العراق، ثم تابع السير في لبنان ومصر وإنجلترا، وفي جامعات فرنسا؛ وبخاصة السوربون ؛ حيث تتلمذ لكبار أساتذتها المعاصرين، وأفاد من درسهم وبحثهم، وعول علي طرقهم ومناهجهم . وكان يؤمن إيماناً جازماً بالتقاليد الجامعية، وحاول ما وسعه أن يثبت أقدامها في جامعة محمد الخامس بالمغرب الناشئة في عهده واستقلال الجامعة في رأيه مبدأ أساسي، ولا حياة لجامعة ولا لتعليم جامعي بدونه.

4- أقسام الكتاب :

قبل أن أتطرق للحديث عن أقسام الكتاب، أود أن أسأل الدكتور علي القاسمي:  لماذا اختار لكتابه عنوان "" علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية "، ولم يختار له اسم "علم المصطلح والمصطلحية "، أو " علم المصطلح مبادئ وتقنيات " أو ” نظريات علم المصطلح " أو " تاريخ علم المصطلح أو " مدخل أو مقدمة إلى علم المصطلح " أو " علم المصطلح بين أسسه النظرية والعملية"، أو " النظرية العامة والنظرية الخاصة في علم المصطلح"، أو " محاضرات في علم المصطلح"، أو إشكالية علم المصطلح"، أو " قضايا في علم  المصطلح."، أو " علم المصطلح واللسانيات"، " البنية المفهومية والعملية لعلم المصطلح"، " رؤية جديدة في علم المصطلح "، أو " المرجع في علم المصطلح" ... الخ؟.

وهنا يجيبنا الدكتور القاسمي من خلال تعريفه لعلم المصطلح كما يراه ويؤمن به فيقول بأنه : الدراسة العلمية للمفاهيم وللمصطلحات التي تعبر في اللغات الخاصة، الذي سعى من خلاله الدكتور القاسمي إلى بسط تعريف دقيق للمصطلح مركّزًا على الجانب المفهوم له، ومحاولًا إبراز الفرق بين علم المصطلح وصناعة المصطلح واختار لفظ المصطلحية الذي يجمعُ علم المصطلح وصناعة المصطلح، حيث يقول :" غرض علم المصطلح هو إنتاج معاجم مختصة، وهدفه توفير المصطلحات العلمية والتقنية الدقيقة التي تيسر تبادل المعلومات، وغايته نشر المعرفة العلمية لإيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة من أجل ترقية حياة الإنسان ورفاهيته، ولهذا فإنه يعد عنصرا أساسيا من عناصر التخطيط اللغوي التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية للأمة" (5) ؛ فالقاسمي هنا  يجعل اسم علم المصطلح الذي يُعنى بالجانب النّظري وصناعة المصُطلح التي تُعنى بالجانب التّطبيق مُرادفًا للمُصطلحية كاسمٍ جامعٍ، ويجعلُ المصُطلحيّة وعلم المصطلح مُترادفين.

وهذا الكتاب ليس رواية من نسيج الخيال، ولا سرد لأحداث تاريخية عن علم المصطلح من خلال أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، بقدر ما هي مكاشفات نقدية من قبل المؤلف في الجوانب الخفية في علم المصطلح، وكذلك يعد الكتاب مراجعة لمئات المصادر والمراجع.

ولهذا كتاب" علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية" عصارة  تفكير الدكتور القاسمي في علم المصطلح، ولذلك لم أهدر الفرصة وحاولت أن أغتنمها لقراءة هذا الكتاب الرائع، وذلك لما فيه خير للإنسانية في الاستفادة من بعضها بعضا. فكانت هذه القراءة التي نتناولها في أربعة أقسام : مدار القسم الأول على التقديم المادي للكتاب من خلال ثنائية البنية، والقسمين : الثاني والثالث ينصبان على أهم القضايا التي بسطها الكتاب للدرس والتأمل والحوار من خلال البنية الثنائية التحليلية والبنية الثنائية التركيبية، وفي القسم الرابع، وهو عبارة عن الانتقادات التي وجهتها للمؤلف من خلال رؤيتي الخاصة.

وفي الجانب التأسيسي النظري من هذا الكتاب تناول الكاتب منظومة من الرؤى والتصوّرات الفكرية حول  علم المصطلح، حيث يقول بأن :" دراسة المصطلحات من اختصاصات علم اللغة، إذ يتطلب توليدها معرفة بطرائق المجاز والاشتقاق والنحت والتركيب . أما نقل المصطلحات العلمية والتقنية علي شكل مختصرات ومختزلات ورموز، فإنه لا بد للباحث في علم المصطلح من التعمق في السيميائيات (علم العلامات)، ونظرا لأن عدد المصطلحات يبلغ الملايين في كل فرع من فروع المعرفة، أصبح من الضروري استخدام الحاسوب في إنشاء المدونات الحاسوبية التي تُستخلص منها المصطلحات، وفي إقامة بنوك المصطلحات لخزن المصطلحات ومعالجتها واسترجاعها، وتبادلها مع المؤسسات المصطلحية الأخرى . وهذا يتطلب إلماما لعلم الحاسوب وبعلم لسانيات المدونة الحاسوبية، وبنوك المصطلحات، وعلم التوثيق والتصنيف، وأخيرا، فإن هذه المصطلحات وتعريفاتها ومقابلاتها توضع في شكل معاجم، ورقية أو إلكترونية، أحادية اللغة أو ثنائية اللغة أو متعددة اللغة، مع تعريفاتها أو مقابلاتها أو كليهما، ومن هنا أصبحت صناعة المعجم من أدوات المصطلحي (6).

وهنا المؤلف أراد أن يطبع كتابه بخصائص جعلته يرقي إلي مستوي علمي رفيع، ومكنته من الوصول وبذلك يمكن قراءة أهداف المؤلف في هدفين أساسيين، أو جعلهما في دافعين :

الدافع الأول : نظري معرفي، يقوم علي ضم الفروع والجزئيات بعضها إلي بعض، والتماس الروابط بينها، وصياغتها في صفة نظرية، وهو ما لا يعلم المؤلف أن أحدا قام به من قبل، لا في شئ محرر، ولا في كتاب مصنف، بل لم ير أحدا حام حوله طائر فكره، أو جعله غاية بحثه ونظره، فرسخ في ذهنه أن هذا أمر مستحسن إظهاره، وإبراز تعم فائدته، وبيان خفيت معالمه، وهذا الدافع قد نصفه بالهدف الأول لتأليف الكتاب، أو الدافع الظاهري أيضا.

الدافع الثاني : واقعي دعوي، يقوم كما يقول المؤلف :" ولما لم يعد كتابي " مقدمة في علم المصطلح "، مواكبا للتطور الذي حصل في الميدان، فقد أعددت الكتاب الذي بين يدي القارئ الكريم، لفائدة الطلاب الجامعيين الذين يرومون التخصص في هذا المجال أو الإلمام به، ولهذا يتسم أسلوبه بالبساطة والوضوح . وغذا شابه بعض الغموض فمرده توخي الإيجاز . ويضم الكتاب بعض الدراسات التي نشرتها سابقا، ودراسات أخرى استغرق إعدادها منس خمس سنوات . ولذلك حصل بعض التكرار نتيجة استقلال كل فصل من فصول الكتاب بنفسه . ولهذا التكرار فائدتان : الأولي، أن الطالب قد يحتاج في دراسته إلى فصل من فصول الكتاب فقط، فيجده متكاملا متضمنا جميع المعلومات الأساسية . والثانية، مساعدة الطالب في استيعاب المعلومات الأساسية وتذكيره بها في المكان المناسب  (7).

ولهذا انطلق المؤلف ليقسم كتابه إلى ثمانية أبواب، فجاء الباب الأول بعنوان اللغة، وهو ينقسم إلى سبعة فصول، فجاء الباب الأول منه بعنوان " طبيعة اللغة"، حيث تحدث الدكتور القاسمي عن أهمية طبيعة اللغة (8)، وأهم تلك الافتراضات الخاطئة عن تلك الطبيعة مثل : الكتابة هي الأصل، ووجود رابطة طبيعية بين الأسماء والمسميات، والاختلاف بين اللغات ينحصر في الألفاظ،، ولغات متطورة وأخرى بدائية، ولغات منطقية وأخري منطقية، ولغات جميلة وأخري قبيحة، ولغات صعبة وأخرى سهلة، واللغة غريزية (9). كذلك في هذا الفصل تحدث الدكتور القاسمي عن خصائص اللغة، وأبرزها في كونها : صوتية، واعتباطية، ونظامية، ورمزية، وكاملة (10)، ثم ألحق تلك الخصائص بسؤال مهم : هل اللغات متساوية؟ .. وهنا يجيبنا فيبين أنها ليست كذلك لكونها تتفاوت في العمر (11)، وتتفاوت من حيث تعرضها  للانقراض والموت (12)، وتتفاوت من حيث دقتها في التعبير عن المفاهيم (13)، وتتفاوت من حيث صعوبتها وسهولتها (14)، وتتفاوت من حيث جمال النطق (15)، وتتفاوت من حيث دقة كتابتها وجمالها (16)، وتتفاوت من حيث قدرتها التوليدية (17)، ثم ينهي الدكتور القاسمي هذا الفصل بالحديث عن قوة اللغة ومكانتها في العالم، وهنا نراه يدحض بالإحصائيات فكرة أن قوة اللغة ومكانتها في عالمنا اليوم تعتمدان على عدد السكان الناطقين بها (18) ... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

...........................

الهوامش:

5- القاسمي: علم المصطلح، ص 9.

6- المصدر نفسه، ص 10-11.

7- المصدر نفسه، ص 13.

8- المصدر نفسه، ص 17.

9- المصدر نفسه، ص 18-25.

10- المصدر نفسه، ص 26-28.

11- المصدر نفسه، ص 32.

12- المصدر نفسه، ص33.

13- المصدر نفسه، ص 34.

14- المصدر نفسه، ص 35.

15- المصدر نفسه، ص 36.

16- المصدر نفسه، ص 38.

17- المصدر نفسه، ص 39.

18- المصدر نفسه، ص 43.

 

 

محمد السعديسيرة ذاتية للصديق والقاضي زهير عبود كاظم عنوان كتابه ”الأرض والسلاح والإنسان ” الصادر عن دار نشر 4D في مدينة النجف الاشرف ” الذي أهدانياه مشكوراً، والذي لفتني عنوانه بتلك المفردات الثلاثة تعبيراً عن الإنسان ومحطات حياته النضالية في حقبة مهمة من تاريخ العمل الفدائي (الفلسطيني) عشية هزيمة ٥ حزيران عام ١٩٦٧ . في مقدمة كتابه، الذي يحوي ١٢٦ صفحة من الحجم الكبير عرض موجز ومكثف عن بدايات إعلان الثورة الفلسطينية وإنطلاق منظمة التحرير ” فتح ” بقيادة ميدانية من رئيسها الراحل ياسر عرفات، وتداعيات الموقف العربي الرسمي والشعبي في الدعم والمساندة المعنوية والمادية والاعلامية والوجستية بإتجاه تحرير الارض الفلسطينية المغتصبة من قبل الكيان الصهيوني ودوائره الامبريالية، فضلا عن هذا الدعم والتأيد الكبيرين للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ممثلها الشرعي في التمثيل والنضال، لكن تناسلت عنها عدة تنظيمات ومنظمات بداً من الجبهة الشعبية مروراً بالجبهة العربية لتحرير فلسطين الى منظمة حماس بعد أن أصبحت قراراتها ووجودها بيد قرارات وأمزجة الانظمة والدولة التي أحتوتها وبمرور الاعوام تحولت من مشاريع نضال وتحرير وعمليات فدائية الى سياسة تطبيع وإستسلام والتخلي عن شعارات الدولة القيطة والخنجر المغروس في قلب الوطن العربي . كان خطاب الاعلام العربي تأثيره النفسي والوطني بإتجاه تعبئة الشارع العربي نحو تحرير فلسطين فلبى هذا النداء الآف من الشباب العربي باتجاه التطوع في العمل الفدائي من أجل تحرير فلسطين ولم يغب عن بال الآخرين هناك دوافع وعوامل ثانية وثالثة دفعت هؤلاء الشباب بالتضحية بحياتهم ومستقبلهم .

زهير إبراهيم خالد .. من أهالي صفد / منطقة الصفصاف، هذه هي هويته الجديدة من مكتب الجبهة الشعبية القيادة العامة في العاصمة بغداد ليحملها بصفة مقاتل فدائي بين عمان ودمشق لمدة تسعة شهور وتسعة أيام  يسردها بتفاصيل المدن والشخصيات والوقائع والاحداث والمفاجأت وروح التجربة، في بداية حياته بمدينة مسقط رأسه ”الديوانية” أحدى معاقل الشيوعيين في الفرات الأوسط أنتمى الى خلية حزبية ولضنك العيش وصعوبة وضع أهله المعيشي تطوع نائب ضابط في الجيش العراقي، وظل مجاهداً متمسكاً في خليته الحزبية الشيوعية، وفي موجة حملة مداهمات وإعتقلات قبل إنقلاب البعثيين عام ١٩٦٨، أدت الى اعتقاله وطرده من الجيش وراح يبحث عن وعاء جديد يرى به نفسه ويلبي طموحه ويحقق رغباته في النضال والعنفوان فقادته تلك الهمم الى مكتب الجبهة الشعبية / القيادة العامة ”أحمد جبريل في العاصمة بغداد ليسجل نفسه فدائياً عربياً. تجربة غزيرة يرويها القاضي زهير عبود كاظم في إستذكار سيرته الفدائية وتتبع أدق تفاصيل مجرياتها بحرارة ذلك الزمن من المقاومة والنضال ووقعها التاريخي والوطني .

بعد تسعة سنوات وتسعة شهور يرجع الى وطنه العراق عبر بوابة ”دمشق عاصمة الامويين الذي يصف مدنها وأزقتها وشوارعها بالرشاقة والوسامة ونهر ”بردى الذي يضيء تاريخ وجه المدينة وعنفوانها . بغداد .. التي تركها منذ شهور الى العاصمة عمان التي يراها مدينة صغيرة وقديمة وتاريخية ويتوسط شارعها الرئيسي فندقها الوحيد . عاد الى مطرحه الأول مدينته ”الديوانية”وجيبه ممتليء بالافكار والطموحات قد تفوق عمره في ذلك الزمن . ومرة أخرى بين صفوف تنظيمات الحزب الشيوعي في مدينته تحت ظروف معيشية صعبة للغاية، وكان يتطلع كأي شاب بعمره وطموحه الى مستوى دراسي قد يرفع به مستوى عائلته المعيشي والمادي، وكان يأمل أن يمنح زمالة دراسية عن طريق الحزب الشيوعي العراقي الى أحدى الدولة الاشتراكية، لكنه أزداد أحباط وخيبة، عندما شاهد بأم عينيه طريقة منح الزمالات الدراسية الى أولاد القادة الحزبيين وذيولهم، هنا وقفني أمام تجربة شخصية سابقة  أيام الجبل وحرب الانصار، كانوا يأتون لنا شباب من المدن ولا أحد يعرف ربهم ولا ممكن حتى الاختلاط معهم ومعرفة أساسياتهم وطيلة وجودهم في مقراتنا عيونهم تربوا الى الطريق المؤدي الى  إيران ومن هناك الى دول الزمالات والدراسات على حساب رفاق ومناضلين ومقاتلين أشداء ؟.

في ١٥ شباط ١٩٧١ يترك مدينته والعراق مرة ثانية بحزن بعد أن خابت ظنونه وأهتزت قناعاته وسيطرة البعثيين على السلطة ودفة الدولة واللعب بمقدرات الناس فلم يجد أمامه سبيلاً الا العاصمة دمشق حيث هناك النشاط والعمل السياسي (الفدائي)، ليجد نفسه مجدداً مقاتلاً وسط تنظيمات منظمة الصاعقة واسمها الرسمي " طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة ", هي منظمة فلسطينية قومية موالية للبعث السوري (على عكس جبهة التحرير العربية الموالية للبعث العراقي . ولخبرته السابقة في العمل الفدائي وفي الجندية العراقية يرحل الى جنوب لبنان مسؤول أحدى الفصائل المسلحة في منطقة (جبيل) الحدودية مع العدو الصهيوني . 

الذي لفتني في كتاب القاضي زهير عبود كاظم (أبو علي)، ذاكرته في ذكر التفاصيل التفاصيل اليومية لكل يوم من خلال تجربته، الاشخاص، المواقع، التعرضات، المفاجأت، الشهداء، القادة، الامكنة، حمدونه، التموين، تفاصيل الطبخ، القرى، السلاح . حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ كانت ومازالت تداعياتها تلقي بظلالها على الشارع العربي والموقف الرسمي للحكومات وتحديداً التي خاضت الحرب أي دول المحور والتصدي العراق، جمهورية مصر، سوريا . وقد خاض المصريون الحرب مع الكيان الصهيوني على أمتداد جبهة واسعة تجاوزت  عبور خط ”بارليف المنيع ” الى قناة السويس .  سوريا وجيشها العربي والفصائل الفدائية لقد تعرضت الى ضغوطات كبيرة، وكان لوقفة الجيش العراقي من خلال مشاركته في الدفاع غير مجرى المعركة بإتجاه آخر . نتيجة الحرب وتداعياته تركت أثارها على الفصائل الجهادية في خطط عمل جديدة وسيناريوهات مختلفة . يذكر القاضي زهير في ختام كتابه بعد تلك الاحداث وجد له كرسياً في جامعة دمشق ليكمل مشواره العلمي والاكاديمي وليتخذ من القلم والقانون وسيلة نضالية في خدمة مشاريع الوطن والانسان . 

 

محمد السعدي

مالمو/كانون الأول ٢٠٢١

 

 

 

محمود محمد علي1- تقديم: هناك سيل من الكتب قذفت بها المطابع إلى السوق، بعضها ولد ميتاً من دون أي انتباه، وبعضها قُرئ كالطعام البائت، وبعضها الآخر عاش قليلا من الوقت ثم اختفى، وبعضها أثار المعارك وظل عالقاً في مفاصل الثقافة جيلاً بعد جيل، وبعضها لا يزال يلاحقنا حتى اليوم. وبعضها مر بسلام إلى القارئ، وبعضها أدخل صاحبها التاريخ بجدارة.

من الكتب التي دخلت التاريخ من أوسع الأبواب كتاب علم المصطلح لأستاذنا أبا حيدر الأستاذ الدكتور علي القاسمي الذي يعد رائدا من رواد الدرس المصطلحي في العصر الحديث، حيث طرق سيادته موضوع المصطلح التراثي العربي من جهتي الإهمال والإعمال ؛ وأجاب عن السؤال الذي طرحه الخوارزمي منذ قرون بعيدة، لماذا يعد علم المصطلح هو مفاتيح العلوم، فجاء علي القاسمي (مع حفظ الألقاب) ليعلمنا أن فهم المصطلحات نصف العلم، لأن المصطلح هو لفظ يعبر عن مفهوم، والمعرفة مجموعة من المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في شكل منظومة، وعلم المصطلح هو العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والألفاظ اللغوية التي تعبر عنها وصناعة المصطلح التي تدور حول نشر المعاجم المتخصصة الورقية منها والالكترونية، والبحث المصطلحي هو المؤرخ لعلم المصطلح والمدارس وتوثيق المصطلحات والمؤسسات المصطلحية.

ونظرا لأهمية موضوع المصطلحية العربية ومختلف قضاياها، فقد جاء علي القاسمي بكتابه هذا ليوضح لنا منهجه ونظرته إلي أهمية المصطلح وتعاظم دوره في المجتمع المعاصر موضحا منهجه ونظرته إلى الموضوع من زاويتي الأصالة والمعاصرة موضحا سبيل النهوض بالمصطلحية العربية ومدي استثمارها لمعطيات الدرس اللساني الحديث، ثم معرفة الخصائص المميزة للمصطلح العربي، ومحاولة التقرب من صناعة المصطلح العربي وطرق تقييسه وتوحيده عند المحدثين .

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن " المصطلحية العربية " لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " علم المصطلح أسسه النظرية وتطبيقاته العملية " للدكتور علي القاسمي، ويقع الكتاب في 849 صفحة من الحجم الكبير، عن (مكتبة لبنان ناشرون)، بيروت – لبنان- في طبعته الأولي في عام 2008، ثم في طبعته الثانية في عام 2019،  ويشتمل على سبعة أبواب تضم اثنين وثلاثين فصلاً، ويُختَم الكتاب بـ"مصطلحات علم المصطلح" وتعريفاتها التي وضعتها المنظَّمة العالمية للتقييس بجنيف. وفي الكتاب إحالات على مئات المراجع والمصادر العربية والإنجليزية والفرنسية. ويمتاز الكتاب بأسلوب سهل واضح مدعم بالأشكال والجداول البيانية المختلفة، إضافة إلى اشتمال نصوصه على الشكل (الحركات) الضروري لتيسير القراءة.

وفي رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن أستاذنا الدكتور "علي القاسمي" من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف نقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل.

علاوة علي أن "علي القاسمي" (مع حفظ الألقاب) يعد واحداً من أساتذة اللغة الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ لخدمة تخصصهم الدقيق فهو من كبار المعجميين العراقيين في العالم العربي الذين نجحوا في خلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكارهم، ومنعرجات مسائلهم، ومساقات حلولهم بعبارات شفافة رقاقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي ؛ وهو والله بحق من كبار المعجميين الذين نذروا حياتهم للبحث عن الحكمة متذرعاً بمبادئ الحق والخير والجمال، وهو إنساناً في تفلسفه، وفيلسوفاً في إنسانيته، وبين الإنسان والفيلسوف تتجلي المشاغبة الفلسفية لهذا الرجل المتعدد الأوجه سواء كمترجم، أو معجمي، أو محقق، أو ناقد، أو سياسي، أو أكاديمي، أو أديب .. الخ؛ فهو غزير الإنتاج، موسوعي المعرفة، لديه دأب علي البحث والتنقيب، وشهوة لا تقاوم لتعلم كل ما هو جديد ومبتكر، وهو رجل منضبط في فكره ومفرداته، ويتمتع بروح دعابة، وخفة دم، ونظرة ساخرة للحياة والكون. وهو في كل هذا يستهدي بشرع قيمي منسق، تتدفق في عروقه حيوية الصحة والسلامة السوية، وينطلق من عقل صاف مدرب علي توليد الأفكار الناضجة الناقدة الملتهبة حماسة وفتوة.

2- أهمية الكتاب:

يعد علي القاسمي من أوائل الذين وضعوا أسس علم المصطلح في العالم العربي وسعي إلى تأسيس نظرية مصطلحية حديثة، محددة المفاهيم، وقد كانت الكُتب المختصّة في علم المصطلح باللغتين الإنجليزية والفرنسية لا يتجاوز عددها أصابع اليدين، وليس هنالك كتاب واحد منها يتناول جوانب الموضوع جميعها.

إلي أن جاء علي القاسمي بكتابه هذا ليعلن لنا علي جميع موجات الدنيا بأن هناك صعوبة كبيرة في الكتابة عن علم المصطلح، حيث تعود صعوبة التأليف فيه إلى كونه علماً مشتركاً بين سبعة علوم هي: علم المفهوم، وعلم اللغة، وعلم العلامات (السيميائيات)، وعلم الترجمة، وعلم الحاسوب، وعلم التوثيق، وصناعة المعجم. فعلم المصطلح يُعرَّف بأنّه "الدراسة العلمية للمفاهيم وللمصطلحات التي تعبّر عنها." وغرضه إنتاج معاجم مختصّة، وهدفه توفير المصطلحات العلمية والتقنية الدقيقة التي تيسًّر تبادل المعلومات، وغايته نشر المعرفة العلمية لإيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية (1).

وعلى الرغم من أنَّ علم المصطلح قديم في غايته وموضوعه، فإنه حديث في مناهجه ووسائله. وقد أُرسيت أسس علم المصطلح المعاصر في السبعينيّات من القرن العشرين خلال مؤتمرات تأسيسية متلاحقة عقدها عدد من المصطلحيين العالميين في النمسا وروسيا وإنجلترا وكندا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، وكان الدكتور القاسمي، عضو مجمعَي اللغة العربية في القاهرة ودمشق، واحداً من أولئك المصطلحيين وشارك في معظم المؤتمرات المذكورة: وهذا ما ساعده على إعداد الكتاب، إضافة إلى أنه درس جوانب من علم المصطلح في أرقى الجامعات البريطانية والفرنسية والأمريكية، وأنه عمل خبيراً في مكتب تنسيق التعريب بالرباط المسؤول عن تنسيق المصطلحات العلمية والتقنية العربية وتوحيدها، وأنه باحث متعدًّد الاهتمامات تربو مؤلَّفاته على ثلاثين كتاباً في اللسانيات وصناعة المعجم والتربية والتعليم العالي والتنمية وحقوق الإنسان والتاريخ والفلسفة والأدب: حتى إنَّ الناقد الدكتور صلاح فضل وصفه بأنه "ملتقى الأضداد" حين قال: " تلتقي الأضداد بتآلفْ عجيبْ في شخصيّة صديقي الدكتور علي القاسمي وكتابته، إذ ترى فيه عرامة العراقي وعنفه الفطريّ معجونة بدماثة المغربي ورقة حاشيته، وأمانة العالم اللغوي المستقصي متناغمة مع خيال القصّاص الوثّاب، وغيرة العربي المتعصًّب لتراثه مع تفتّح عقله ووجدانه على علوم الغرب وأجمل إبداعاته. فتجد نفسكَ حيال نموذج مدهش لعقلْ علميّْ جبّار وحسّْ فنيّْ خلاق. ويكفي أن تعرف أنه يبدو لك شاباً يافعاً وقد أمضى عمره في الجامعات العربية والغربية، وتمرَّس بالعمل الطويل في المؤسسات القومية والدولية، وأنتج ما ينيف على ثلاثين كتابا منها خمس مجموعات قصصية وست ترجمات سردية وعشرون كتاباً في الفكر اللغوي والنقدي والتربوي، فكأنه موسوعة مجسًّدة للمعرفة والإبداع، تردّ لك الثقة في كفاءة الإنسان العربي وجبروت الشخصية العراقية القادرة على إعادة بناء الذات والعالم من حولها "(2).

وفي هذا الكتاب الذي بين أيدينا استطاع الدكتور القاسمي أن يبين لنا أن دراسة المصطلحات فهي من اختصاصات علم اللغة إذ يتطلَّب توليد المصطلحات معرفةً بطرائق المجاز والاشتقاق والنحت والتركيب. أما نقل المصطلحات من لغة أُخرى فيقع في مجال علم الترجمة والتعريب. ولما كان كثير من المصطلحات العلمية والتقنية على شكل رموز ومختصرات ومختزلات، فإنه لا بدّ للباحث في علم المصطلح من التعمُّق في السيميائيات (علم العلامات). ونظراً لأن عدد المصطلحات يبلغ الملايين في كل فرع من فروع المعرفة، أصبح من الضروري استخدام الحاسوب في إنشاء المدوّنات الحاسوبية التي تُستخلَص منها المصطلحات، وفي إقامة بنوك المصطلحات لخزنها ومعالجتها واسترجاعها وتبادلها مع المؤسَّسات المصطلحية الأخرى. وهذا يتطلَّب إلماماً بعلم الحاسوب وبلسانيات المدونة الحاسوبية وبنوك المصطلحات وعلم التوثيق والتصنيف. وأخيراً، فإن هذه المصطلحات ومقابلاتها وتعريفاتها تُوضع في شكل معاجم مختصة، ورقيّة أو إلكترونية، أحادية اللغة أو ثنائية اللغة أو متعدًّدة اللغة. ومن هنا أصبحت صناعة المعجم من أدوات المصطلحي (3).

ثم يبين الدكتور القاسمي أن لكلمتي (مصطلح) و(اصطلاح) مهما كان الاختلاف بين الدراسين والباحثين، فإن الكلمتين مترادفتين في اللغة العربية، وهما مشتقان من (اصطلح) وجذره (صلح)، بمعني اتفق ولم يتوسع في مفهومه اللغوي لأنه اهتم بالمصطلح من الناحية المفهومية، أما إذا بحثنا عن المعني اللغوي فنجد كل المعاني تدل على الصلح والاتفاق بالمعاجم العربية القديمة (4).

ومما يلفت النظر في هذا الكتاب اشتمال فصوله على ملاحق تطبيقية، جمعها القاسمي أو كتبها أو ترجمها أو حقَّقها. فمثلاً هنالك جميع مقررات المجامع اللغوية والعلمية العربية بخصوص وضع المصطلحات وترجمتها وتعريبها. وهنالك مخطوطة في علم المصطلح من القرن العاشر الهجري وضعها الفقيه المصري بدر الدين القرافي وحقّقها القاسمي، وهنالك دراسة أعدّها القاسمي عن تطبيقات النظرية الخاصة لعلم المصطلح في مهنة المحاماة، وهنالك ترجمة للتصنيف المصطلحي الذي وضعه مركز المعلومات الدولي للمصطلحية في فيينا (الانفوترم) أنجزها القاسمي بطلب من المركز نفسه، وهنالك الرموز العلمية التي وضعها اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في الرياضيات والفيزياء والكيمياء.

وخلاصة القول إنّ هذا الكتاب سدَّ فراغاً ملحوظاً في المكتبة العربية، وهو مرجع أساسي لا تستغني عنه مكتباتنا العامة والجامعية، وذلك لكونه نجح في هذا الكتاب بأن يخلق لغة خاصة به للتعبير عن دقائق أفكاره، ومنعرجات مسائله، ومساقاته حلوله بعبارات شفافة رقاقة، لا تشويش فيها، إلا ما كان من بعض التشقيقات الاصلاحية التي يصعب علي المرء مجاراتها ببادئ الرأي.

نعم لقد استطاع الدكتور القاسمي في هذا الكتاب الذي بين أيدينا بأن يكتبه بلغة فلسفية متصالحة مع ذاتها ومع واقعها التاريخي ؛ لغة منسجمة رقراقة قوية مبتكرة بعيدة عن الانغلاق، ولكنها لا تفرط في مقتضيات الصناعة الفلسفية، تخلت كتابته عن الطابع الدعوي، وسلكت مسلك الاستنباط السلس والجدل السيال .. وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

أستاذ فلسفة المنطق واللغة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

......................

الهوامش:

1- البشير النظيفي: "علم المصطلح" كتاب معجمي جديد للأديب العراقي علي القاسمي، تم نشره في السبت 9 آب / أغسطس 2008. 03:00 مـساءً.

2- المرجع نفسه.

3- المرجع نفسه.

4- الدكتور علي القاسمي، علم المصطلح .. أسسه النظرية وتطبيقاته العملية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص 110.

 

محمود محمد عليواهم من يعتقد الأطماع الإسرائيلية بالتوسع والاستعمار تقف عند حدود المسجد الأقصى وفلسطين، فالحلم اليهودي المزعوم يمتد أبعد من ذلك بكثير، إذ ترنو أنظار الإسرائيليين نحو قبلة المسلمين والأرض التي احتضنت تاريخ الرسالة الإسلامية .

وهذا ما يجسده لنا هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو بعنوان "العودة إلى مكّة" والذي ألّفه المؤرخ اليهودي “دنيس آفي ليبكن” Dennis Avi Lipkin، وهذا الكتاب يدور حول فكرة مفادها أن بني إسرائيل استوطنوا قديما في جزيرة العرب، ليبرهن أنه من حق اليهود العودة إلى مكة .. أرض الميعاد، ويعتمد الطرح الدي يقدمه " ليبكن" على بحث تاريخي، يزعم أن بني إسرائيل لما تاهوا لأربعين عاما في البلاد كانوا في منطقة شبه الجزيرة العربية، مضيفا إلى أن جبل الطور الذي كلم الله موسي فيه، إنما هو جبل اللوز في تبوك السعودية، وليس جبل موسي المعروف في سيناء

والكتاب يمثّل تطوّرا لافتا في الأحلام الصّهيونيّة التي تراود صهاينة اليهود ومتديّنيهم، وتغريهم بالاستحواذ على أرض الميعاد التي تحدّثت عنها نصوص التّوراة المحرّفة، ويسمّيها الصّهاينة “مملكة إسرائيل الكبرى” أو “مملكة داود”، وتضمّ بزعمهم فلسطين وأجزاء كبيرة من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية.

يأتي هذا الكتاب القنبلة في وقت كشف العرب العاربة والمستعربة على حد سواء،عن عوراتهم وأسقطوا حتى ورقة التوت التي كانت تستر عوراتهم، بخصوص العلاقة الخفية بينهم وبين مستدمرة إسرائيل الخزرية، بإعلانهم التحالف الاستراتيجي معها،تحت ستار الخوف من إيران ؛ يقول ليبكن “… أصرّح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأنّ مكّة المكرّمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشدّ من اليهود، لأنّهم في هذا البلد الحرام وفي هذا الشّهر الحرام ذي القعدة الماضي هجموا على التكارنة السّود المسلمين رجالا ونساءً وأطفالا حتى يسفروهم ويخرجوهم عن مكّة المكرّمة”، كما نشرت مجلة الشهيد الإيراني (لسان حال علماء الشيعة في قم بإيران) في عددها 46 الصادر في 16 شوال 1400هـ صورة للكعبة المشرفة وإلى جانبها صورة للمسجد الأقصى المبارك وبينهما يد قابضة على بندقية وتحتها تعليق “سنحرّر القبلتين”!

وأرض الميعاد التي يسميها الصهاينة مملكة إسرائيل أو مملكة داوود،تحدثت عنها التوراة المزيفة،وهذا ما خاض فيه المؤرخ الصهيوني الإنجيلي ليبكين،،وحمل غلافه صورة المسجد النبوي الشريف يتوسطه "التيفلين اليهودي" مكان الكعبة المشرفة،وهو مكعب أسود يشبه الكعبة المشرفة مربوط بخيط أو حزام يضعه متدينو اليهود على جباههم.

هذا الكتاب يرسم حدودًا جديدة للدولة اليهودية وفق “ليبكن”، انطلاقًا من مبدأ “استعادة أرض بني اسرائيل الذين يعتبرون انفسهم السكان الاصليين لجزيرة العرب”، فتصبح بزعمه “العودة إلى مكة، أرض الميعاد”، حقًا لهم.

وأكد " ليبكن " بنبرة تشي بأطماع اليهود: إن السعودية والجزيرة العربية ما هي إلا جزء من الأرض الموعودة لبني اسرائيل”، مستشهداً بما تقوله التوراة المزعومة لدى اليهود:" أن الله يقول أنه سيمدد حدود أراضيكم الموعودة من لبنان إلى أرض العرب ولكن الله لم يقل أرض العرب بل قال الصحراء ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات".

والجدير بالذكر أن غلاف كتاب “العودة إلى مكة” تضمن صورة للكعبة المشرفة -قبلة المسلمين- وحولها انشوطتان سوداويتان وعلى جانبها وضع الشمعدان اليهودي، وفي وسطه “التفيلين” اليهوديّ مكان الكعبة المشرّفة، والتّفيلين مكعّب أسود يشبه في شكله الكعبة، مربوط بخيط أو حزام، يضعه متديّنو اليهود على جباههم.

ويدعي مؤلف كتاب العودة إلى مكة أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء،بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة،ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

واللاّفت في أمر هذا الكتاب أنّ مؤلّفه لا يكتفي في مقابلاته الصحفية بزعمه أنّ جبل الطّور الحقيقيّ الذي كلّم الله فيه نبيّه موسى عليه السّلام وأنزل عليه الوصايا العشر هو جبل اللّوز الموجود في محافظة تبوك على الأراضي السّعوديّة مقابل أرض سيناء، وليس هو جبل موسى المعروف في سيناء مصر! وأنّ فيه الكهف الذي استقرّ فيه إيليا (إلياس)، وبدعوته اليهود والنّصارى لأن يتّحدوا لتحريره من المسلمين؛ لا يكتفي هذا الصّهيونيّ بهذا الزّعم، بل يذهب بعيدا ليدّعي أنّ أرض الميعاد تصل إلى مكّة المكرّمة وفق ما فهمه من نصوص التّوراة التي تتحدّث عن صحراء العرب ولا تتحدّث عن أرض العرب فحسب!

وأضاف ليبكن بأن على المسيحيين واليهود أن يتّحدوا ليحرروا جبل اللوز" جبل سيناء"، وينتزعوه من حوزة المسلمين، متابعاً أن "الجوف وتبوك الواردة في اقتباس بن لادن لا تبعد سوى 100 أو 200 كم من إيلات على الحدود الجنوبية لإسرائيل".

وأشار "ليكن" إلى أن أطماع ايران مرتبطة بوقوع مكة في منطقة قريبة جداً من الساحل، ومن يتمكن من السيطرة على مكة سيمتلك زمام الحرب بين الشيعة والسنة"، مستدركاً أن "الأيام القادمة ستشهد مواجهة حاسمة" معرباً عن اعتقاده بأن "الحوثيين والإيرانيين سيقومون باحتلال السعودية من الجنوب والغرب".

وأردف ليبكن أن “السعودية ستطلب العون من مصر وربما من إسرائيل ولكن داعش ستأتيهم من الشمال أيضاً”، مستطرداً أن “حرب السنة والشيعة المستمرة منذ 1400 سنة ستنتهي عندما يسيطر أحد الطرفين على مكة”. وبذلك يدعو “ليبكن”، معتمدًا على نُبوءات “الكتاب المقدس”، المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، التي تعد أرضًا مقدسة للديانتين معًا.

الكاتب "ليبكن" الذي دأب على الظّهور في كثير من الفضائيات الدينية التابعة للمسيحية الصهيونية في أمريكا، داعيا إلى تشكيل حلف مسيحي صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة، يوصي بالاستفادة من الحركة الحوثية التي تستهدف الأراضي السّعوديّة، وتضع عينها على مكّة والمدينة، وإلى توظيف العقائد الشيعيّة التي تغري أتباعها بضرورة استعادة مكّة والمدينة من أهل السنّة، وهو الحلم الذي لا يزال بعض المسلمين يتجاهلونه رغم توارد دلائل كثيرة تشي بأنّ الشّيعة يسعون سعيا حثيثا لتحويله إلى واقع؛ دلائل كثيرة ربّما لن يكون آخرها تصريحات بعض معمّمي الشّيعة وقادة مليشياتهم بأنّ انتصار حلب سيمهّد لتحرير مكّة والمدينة!

ويدعي ليبكن أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء، بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة، ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

يعترف ليبكن ذاته علانية بنية مستدمرة إسرائيل الخزرية احتلال مكة المكرمة،ويؤكد أن الصهيونية ما تزال قائمة على الأساطير التي وضعها حاخامات السبي البابلي، ويعرب عن أمله بأن يصل الربيع العربي إلى السعودية،كي تطلب النجدة من أمريكا وإسرائيل،وبالتالي يصبح احتلال مكة المكرمة تحصيل حاصل، وهذا ما يفسر تزيين الصهاينة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان جرائمه بحق المواطنين السعوديين من ناشطين وعلماء وأثرياء حتى أن أذاه شمل أبناء عمومته الأثرياء والأقوياء.

ويأتي الهدف من هذا التزيين تسريع الإنفجار في السعودية، ليتسنى لأمريكا ومستدمرة إسرائيل إحتلال مكة رسميا وبطلب سعودي،بحجة أن الشيعة يدعون للهيمنة على مكة والمدينة،ويبدو أن المخطط الصهيو-مسيحي"الإنجليي " سينجح بسبب غباء البعض أو إتقانهم لدورهم وتفانيهم في خدمة أصولهم .

ويعتبر “ليبكن” أنّ التحركات المعارضة داخل السعودية تعدّ من الأمور التي على “اسرائيل” استغلالها في سبيل تحقيق هدفها. ويوضّح كلامه في أكثر من مقابلة، إذ يؤكد أن الربيع العربي لا بدّ أن يصل إلى السعودية التي ستطلب الحماية من الولايات المتحدة و”اسرائيل”، ما يقدم لليهود فرصة للسيطرة على مكة. في حين يظهر الكيان نفسه بصورة البطل الذي أنقذ آل سعود.

وفي سياق طرحه يدعو " ليبكن" المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، على اعتبارها أرضا مقدسة للديانتين معا مستشهدا بأقوال من الإنجيل والتوراة، وزاعما أن العهد الجديد حدد مكتن جبل سيناء على اعتباره في جزيرة العرب، وقد أكد ليبكن مرارا خلال مقابلات عدة له أن ما عرف بالربيع العربي لا بد سيصل يوما إلى السعودية، التي ستطلب بدورها الحماية من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يوفر لليهود فرصة عظيمة للاستيلاء على مكة، بعد تقديم الكيان الغاضب نفسه على أنه المنقذ لآل سعود بعد إشاعة الفوضى، فهل ستنبه قادة العرب والمسلمون إلى هذا المخطط، أم أنهم أكلوا يوم أكل الثور الأبيض

واختتم ليبكن كتابه داعياً إلى اتحاد «المسيحيين واليهود» لاحتلال السعودية والإستيلاء على مكة موظفاً نصوص التوراة والأسفار المحرفة كما في كتبه، وزاعماً أن “نهاية مجد الإسلام باتت قريبة جداً” وهي النغمة النشاز التي دأب الكثير من قساوسة الدين المسيحي وحاخامات اليهود على ترديدها في كل المحافل.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جاسب المرسومياصدارات تتجدد في طياتها روح التكوين والمدارس الأدبية المفعمة بالانطلاقة والتحرر من قيود الإفراط في النمط المتبع في كل لون أدبي له أساسيات بني عليه ذلك اللون الذي يحاكي الحب والوطن .

في القراءات الجديدة التي أصدرها الشاعر عباس باني في كتابه الأخير  (قراءات في دفتر الجنون) نرى صورة لمجموعة مدارس ربطت بين الحاضر والماضي لنمط شجاع تحرر من قيوده فانطلق نحو مدرسة كان قد وضع لها قداسا جديدا جامع بين الحداثة والقدم .

في جسد الشاعر شخصيتين، الأولى المستقرة اجتماعيا حسب ما يظهر والمتكيفة في ضلال عدم الحاجة، والتي لها القدرة في الوصول الى ما تبغي لكنها لا تنعكس ماديا مترفة على ضلال الأخرى المتعلقة في الجسد ذاته، وهي الشخصية ذات الجوف الدامي والأنا الباكية لجروح ذاكرتها القديمة والعميقة التكوين تلك التي تنزف الكلمات بإيقاعات مبنية على ذاكرة الزمكان المتفاوتان في آنيهما .

(حين تكون الطفولة مازالت عالقة بالحبل السري للزوال

.. المطر يبكي فراقه لعلو الغيوم).

ولم تتمكن الروح في الشخصية الأولى القضاء على القلق الدائم المبيت أرقه في حصارات على شبابيك الأنا المزدوجة والمزدحمة والتي لطالما استسلمت رغم محاولات الانفلات والهروب من غربتها كأنها تعشق ما تكنه الذاكرة المبطنة لتعيدها في منظور يتطور في صوره كلما كثرت كتابات عباس.

(متعلق بغرقي بكف المجهول الذي استطال الى همس الجنون).

وهنا في (قراءات في دفتر الجنون) يبحث عباس عن مخرج لانطلاقة يحاول فيها إدراك كل الكينونات المقيدة في كتاباته المختزلة لتلك الكينونات التي وضعت الإشراط والجزم والتجزر كأنها تشبه حصار أناته الذي ما انفك قائما، محاولا إدراك ذواته تماما في حرية مطلقة وصل فيها الى إرضاء كامل لما حبلت به الذاكرة النشطة للزمكان المنقرضان، والذي ولد جديدا بصياغة حديثة مبنية على قدسية الأنا المنصهرة في بودقة التحديث لعولمة الكاتب والذي يتحدث عن حاضر غائب في ضمير الأنتظار لحلم قد لا يتجاوز جملا على ورق أرادها أن تكون طويلة تعطي كل تصوراته مشبعة في انتظار الغائب .

(كي ارتقي سلالم النور على جسدي الباحث عن حرية الاختيار

ارمي صمتي بزجاج النوافذ لأرسم صورتك بكل الألوان

تضوع روحي بأنفاسك واسقط بين كفيك بريئا في صلاة الأسفار

أعرف انك لن تعودي وبانك ستأتين قبل موعد الانطفاء

سأنتظر ... سأنتظر).

وفي حافات أخرى للنصوص المفعمة بالتأله

(أصادق الأنبياء والمجانين والعشاق والثوار).

فهذه الفئات الأربعة تشكل عند عباس باني رموز إلاهية، هي تلك التي تتصف بكل صفات المنطق الذي لا يشبه الآخر، وهي الحقيقة في واقعها تماما لصناعة الحياة التي وضع هؤلاء أساسياتها في فلسفة الروحانيات والتجدد، وهي الروح التي تلامس ذاته بكل تفاصيلها الثورية، وأنا في الحقيقة أرى أن النصوص التي تصنع الحياة لا تأتي من فم عاقل أو سوي طبيعي لم يتصف بصفة من تلك الصفات الأربعة والتي تلازم نصوصه ومن حدا حدو جنونياته .

في دفتر الجنون حضورا متميزا لجملة مجانين صنعوا للحياة مزارات منها ما عبد ومنها ما استقام على أساسه الفكر فانبثقت منها السونيتات وينابيع العزف الروحاني في سيمفونيات مطولة، حضورا أنيقا لطاغور بفلسفة الحاضر ولجبران بصناعة الوجود المثالي للقصيدة ونيتشه المفعم بالحقيقة والوجود وكأنني أمام عالم من مدرسة لاهوتية تقتحم عالم الحداثة في إبداع عولمي متجدد أو انه يصنع جمهوريته ليطير بها متمردا ينعم بلحن متخصص في قراءات متجددة لإسفار التوراة والإنجيل وبعض من مفردات قرآنية.

(لان الحكماء دائما يصلبون على جذع الضوء الخارج من أرواحهم

لأنهم تعلموا كيف تتجاذب أرواحهم مع المعنى

دون أن يغلق بصيرتهم الضوء الساقط من حافة اللامعقول

لان شريعة المعنى فضيلة الغرباء).

وحين أتنقل بين أوراق القراءات في دفتر الجنون أرى أنني أعيش خاطرة الفلسفة الكونية في أحجية تهمس في أناتي لتوقظ فيها ذاكرة حاولت أن تجعل في إحساسها أسلوبا له ذات الانطلاق في تحضيرات عباس باني،إذ لم تزل الخطوط الأولى التي رسمت كتاباتي تنقش في خط الأسلوب ذاته لكنه تعثر في زحمة الأساليب فأصبح غير مستساغا ولم يرى منه النور سوى بعض مخطوطات صغيرة في كتيب اسمه (صور قيد التظهير) الذي انتهى متعثرا في أروقة الأرق والانتظار .

هنا وضع عباس كل ما حلم به وما أراد أن يوصله للقراء في صورة أدبية شجاعة وما أراد أن يوصله للحبيب المفقود في جنونياته والذي ما انفك منتظرا إياه رغم كونه متأكدا من أنه لن يأتي وضل يقول

(آتيك .. آتيك)

بعد يأس من كلمة

(تعالي .. تعالي)

ولم يزل يبحث عنها في كل قراءاته الى النفس الأخير مترجما أحزانه في البحث عنها لتشكل في قاموسه حياة أبدية وحلما من أجمل ما يكون

(بعد أن غسل النهار جنوني بحد ضياع ولادتي بين كفيك في كل حين

تعالي .. كل روحي اليك مهبطا

تعالي قبل أن تضيع براري الهوس بشرائع خرافة الألم في جبين العصور

تعالي)

هذا الحلم المفقود بنيت عليه تلك القراءات الكبيرة في جسد جنونياتها،، هذا الجنون الطفولي المكتشف في ذاته لذاكرة تدارست، لكنها لم تنقطع أحلامها ولهذا لم تزل تنتظر أملا يأتي وحلم عبر المواسم والأعوام رغم هروبها وهرمها .. هذا التاريخ الكوني الذي كتب في صفحاته المتدثرة بصفائح الروح لامرأة لا تشبهها ثانية، تعني كل أشياءه فهي التأريخ في كل المواسم وهي الفردوس والأسفار والوطن

(عيناها جدولة الكون حين ينهزم التأريخ من أوراقه، عيناها صديقة كل المواسم التي تنثر بساتين روحي بكل أزهار الفردوس، كانت امرأة خارج النساء حين ينبت ضلع الطين على أجسادهن، كانت وطن دون جدران المدن

كانت وكانت

افترقنا دون عنوان الروح بالمسير إلى وطن

دون وطن)

وللأماكن والمسارات التي قطع شوطها من الحزن الم ينشره على تلك الطرقات والقطارات والمطارات ورمل الشواطئ والمدن التي تقاذفته، والمواسم التي مر بها كمسافر دائم الأسفار حقيقة وتصور

(أنا ضيعت وجهي في زحمة المطارات التي ترتقي فوق تنفس الهواء الممزوج بالغيم أبحث عنه

ابحث في مرايا عابري السبيل باتجاه نقطة هوس البحر وقت ازدحامه على صخرة الرب

انتزع وجهي من المرايا وأعبر الشوارع دون انعكاس الضوء على عيون المكان)

وهو يحمل في حقيبة صغيرة بين أضلعه رمزا لحياة رغم كونه يعلم أنها أضحت خسارة وضلت حلما لم تأته حقائقها البتة، سوى أنها تشكل حاضرا بنيت على أساسه خاتمة التصور فأنتجت تلك الفلسفة الصوفية  وهذا العبور إلى مرحلة التيه والتوحد مع الذات التي ما انعس الحاضر ليأخذ أحلام الطفولة كأنه يضع الوجود الحقيقي لجمهورية القلب والروح كحقيقة يتلمس وجودها بين أضلع لم تزل تنظر خارج حدود الزمن.

(أصبح القلب خيط الأمس يمتد باتجاه وجوهنا التي كانت تؤشر الفرح في لقائنا

ما عادت هكذا وذبلنا من أجل لقاء قد لا يأتي أبدا الى دروبنا

وتقطعت علامات الحنين في كوابيس ارقنا

نما فقدان الذاكرة دون إشارة إني عشت أمسنا)

أما أنا فلم أزل أتيه بين الدفاتر الجنونية لعباس باني لعلي أصل الى حقيقة ما يريد رغم كونه أعط بجلية كل تصوراته لكنه لم يعط الحق بتصريح يجاز به القارئ ليصل الى كيفية التوحد بين المفترقات التي تزيح في دائرتها الثورية لعقلية الأديب المتفحص لعلة المنشور، ورغم استخدام كل أجهزتي الحديثة التكوين لكنني لم استطع تشخيص علَاته الكثر، وما زلت اعشق هذا التيه بين سطور هذه الصفحات المجنونة . ورغم ذاك فأنا لم أعط حق ما أعطيته أو يعطيه أي كاتب يقرأ (قراءات في دفتر الجنون) حقها،، فهي عمق كبير وشرخ واسع في ذاكرة الزمان والمكان والحداثة، فانا لم اعد أدرك منها سوى القليل كوني أراني أمام هرم كبير له قداسه وطقوسه .

 

الكاتب: جاسب المرسومي – العراق

 

 

عبد الرضا حمد جاسمورد في ص16 التالي: [ونخلص الى ان من وصل بر الجهد العلمي قبل غيره فاز بلذاته ومن قرأه بتاني ورجاحة فقد فتحت له طاقات ليلة القدر وبذلك أضاع العراقيون جهد الوردي مثلما ضاع جهود غيره من المفكرين] انتهى

* تعليق: العراقيين والنخبة المحسوبة منهم وقتها وبعضهم حتى اليوم كما يظهر من بعض المساهمين في هذا الكتاب لم يقرأوا الوردي بدقة وبالذات وقت ضجيجه العالي علمياً واجتماعياً وذهبوا خلف دغدغاته التي لا نفعت ولم ولن تنفع والدليل ما نحن عليه الان أي بعد انطلاقته بأكثر من سبعة عقود وبعد وفاته له الرحمة بأكثر من ربع قرن وبعد ان ترك العشرات من الكتب والمئات من الدراسات والالاف من صفحات المقالات والتحقيقات الصحفية... البعض منهم ومن مؤلفي هذا الكتاب لا يعرفون حتى اسمه الكامل. 

كان الراحل الوردي واعظاً كما وعاظ السلاطين الذي انتقدهم وحرَّض عليهم والدليل انه لا قدم بديل ولا اقترح مشروع ولا اقترح حل لأي من تلك التشخيصات التي شخصها في وعلى وعن المجتمع العراقي حيث فكرته او ما يؤمن به هو عن عالم الاجتماع كتبها في ص54 من كراسة الاخلاق/1958 التالي: [أني قد خصصت بحثي في وصف الداء دون أن أصف الدواء وفي رأيي أننا ما دمنا قد عرفنا على وجه التقريب الأسباب التي أدت الى ظهور الداء من المسؤولية في هذا الصدد يقع على عاتق الحكومة إذ هي تستطيع أن تضع الخطة الرصينة التي تجعل الناس ينسون تراثهم البدوي وينهمكون في اقتباس القيم الجديدة التي تقوم عليها اليوم الحضارة العالمية]انتهى.

هذا الطرح يتطابق مع ما قام به ويقوم به وعاظ السلاطين.

ما فائدة ان ينتقد ويُشخص ويهرب دون ان يقدم حل او يشارك بتقديم حل او يؤسس لحل والظروف كانت مؤاتيه له ولغيره وبالذات في مرحلة الحكم الملكي؟ هل هناك اكثر من وعاظ السلاطين تشخيصاً للعلل؟

الكثير من الذين قرأوا الوردي له الرحمة لم يقرئوه بتأني وبالذات الرعيل الأول وذهبوا خلف تعظيمه والتصفيق له والاستماع لما يقول وهم شاردي البال مصدومين ببدعة الوردي اي بازدواجية الفرد العراقي او الوقوف بالضد منه وتقريعه او حتى تهديده لأسباب لا تخص المجتمع العراقي.

أغلب ما طرحه الراحل الوردي لا جديد فيه ومطروح حتى من قبل ان يطرحه ابن خلدونُ ومطروح حتى من السقطة والشقاوات الذين التقاهم الوردي في بعض مقاهي ازقة بغداد والذين كتب عنهم في ص363 من كتابه [دراسة في طبيعة المجتمع العراقي]/1965: [لكي نفهم طبيعة التوازن الاجتماعي في المدن العراقية ندرس شخصية "الاشقياء" فهؤلاء كانوا يمثلون القيم الاجتماعية السائدة المحمودة منها والمذمومة] انتهى

لم يسأله احد عن عدد الاشقياء في الناصرية او الحلة او النجف او الموصل انه يدرس شخصية شقاوات ازقة بغداد ويبني عليها تصوراته عن مجتمع مثل المجتمع العراقي. 

الراحل الوردي شغل الناس بعناوين كتبه والعبارات ولااصطلاحات التي صدمت وتصدم وأربكت تربك فأخرست وتُخْرِسْ حيث كانت جديدة عجيبة عند بعض النخب والكثير من المتعلمين مثل التناشز والعائنية والخارقية والازدواجية وهذه ال"الصفنة" مستمرة لليوم والكثير منها في هذا الكتاب رغم ان بعض من ساهم فيه تجاوزوا موقع الوردي العلمي وتجاوزوا عدد الكتب التي أصدرها والمقالات التي كتبها ونشرها وتجاوزوا عدد اللقاءات الصحفية والتلفزيونية التي اجراها وتجاوزوا عدد الدراسات التي اجروها.

وقد أشار الوردي دون ان يقصد الى نفسه عندما كتب في ص 19 من كتاب مهزلة العقل البشري التالي: [على الواعظين أن يفحصوا قوة التيار قبل محاولتهم أن يقاوموه إن عليهم بعبارة اخرى أن يفهموا أو يسكتوا]. لكنه لم يفحص قوة التيار قبل محاولته مقاومته...ولم يفهم فسكت واُسكت؟ 

ورد في ص13 من التقديم/ المقدمة التالي: [لقد تبارت الكتب بعدد ونوع من يقرؤها فكانت الغلبة لكتب الوردي ليس لكونه عراقياً قحاً وقريب من هواجس الناس او من طبيعة أسلوبه السردي الممتع ولغته المبسطة المفهومة الممتعة. لكنه كان دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول والمضمون قبل الشكل والوسائل قبل الغايات كل ذلك جعله  مقروء من قبل جل الطبقات والاطياف الفكرية وبالرغم من منهجه البحثي ومن عدم مداهنته او موالاته لأي قوى متسلطة في تلك الحقبة من محافظة ملكية ودينية طائفية ومثقفة كما قومية عروبية او يسارية او ليبرالية] انتهى

أسأل كاتب التقديم/ المقدمة: كم عدد من كان بأستطاعته شراء الكتب او عدد من يستطيعون استعارتها من المكتبات العامة ان وجدت حتى تقول:""تبارت الكتب""؟ وحتى اليوم كم عدد من يقرأ ما يشتري من الكتب وان قرأ قرأه بتمعن وروية؟ هل قرأت هذا الكتاب الذي كتبت له التقديم/ المقدمة؟ الجواب كلا وانا أتوقع انه في مكتبتك البيتية وربما التقطت معه صورة عند صدوره...انا استطيع ان أقول انك لم تقرأهُ وان طلبت مني بيان ذلك فأنا على استعداد لذلك.

ما معنى عراقي قح التي وردت ومَنْ هُمْ العراقيين الاقحاح؟ انا لا اشكك بعراقية الوردي لاعتبارات كثيرة لكن كيف عرفت انه عراقي قُحْ؟

قد يكون الراحل الوردي دقيق الرصد لكن آتني ببعض الحالات التي كان فيها دقيق الرصد عميق التحليل ومتسقط العلة قبل المعلول ومتسقط المضمون قبل الشكل او متسقط الوسائل قبل الغايات؟ 

وانا سأعرض عليك وعلى القراء الكرام ما يشير الى عكس ما تقول.

تقول: (كل ذلك جعله مقروء من جل الطبقات والاطياف الفكرية)...وانت من كتبَ في ص16 التالي: [لقد كان الوردي جريئا بنقده المجتمع العراقي وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال من مدعي الفكر مثل عبد العزيز الدوري الذي أعاد بعث فكرة الشعوبية خير الله طلفاح المروج لعروبة الجعيفر وتكريت والاعظمية دون العراق...] انتهى

وفق هذا النص أسألك هنا: إذن من قرأ الوردي اذا كانت كل تلك الجماعات والمسميات وجماهيرها التي تعني المجتمع العراقي بالكامل تقريباً تحالفوا ضد الوردي؟

لماذا ضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال...؟ الا يعني ذلك ان الوردي وما طرح وفق قولك هذا من الهشاشة بحيث لم يجد له نصير او معين وكل ما طرحه مسحت به الأرض؟ وينطبق عليه قوله الذي ورد أعلاه وهو: [على الواعظين أن يفحصوا قوة التيار قبل محاولتهم أن يقاوموه إن عليهم بعبارة اخرى أن يفهموا أو يسكتوا].

وقوله في وعاظ السلاطين/ المقدمة ص5/6 التالي: [انهم يحسبون النفس البشرية كالثوب الذي يغسل بالماء والصابون فيزول عنه ما اعتراه من وسخ طارئ وتراهم بذلك يهتفون بملء افواههم: هذبوا اخلاقكم أيها الناس ونظفوا قلوبكم فإذا وجدوا الناس لا يتأثرون بمنطقهم هذا انهالوا عليهم بوابل من الخطب الشعواء وصبوا على رؤوسهم الويل والثبور واني اعتقد بان هذا اسخف راي واخبثه من ناحية الإصلاح الاجتماعي فنحن لو بقينا مئات السنين نفعل ما فعل اجدادنا من قبل نصرخ بالناس ونهيب بهم ان يغيروا من طباعهم لما وصلنا الى نتيجة مجدية ولعلنا بهذا نسيء الى مجتمعنا من حيث لا ندري] انتهى

وهنا ينطبق على الراحل الوردي الوردي قولك: [وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة لمن صال وجال من مدعي الفكر]

  وورد في ص6 وعاظ السلاطين التالي: [لقد جرى مفكرونا اليوم على اسلوب اسلافهم القدماء لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم ثقافة حديثة أو قديمة كلهم تقريباً يحاولون أن يُغَّيروا بالكلام طبيعة الانسان. وكثيراً ما نراهم يطالبون الناس بمواعظهم ان يغيروا من نفوسهم اشياء لا يمكن تغييرها. فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس الى أن يعتادوا سماع المواعظ من غير أن يعيروا لها أذناً صاغية] انتهى

وهذا ينطبق على الراحل الوردي فرغم انه تثقف ثقافة حديثة فقد رغب/ حاول ان يغير طبيعة الانسان بالكلام وطالب الناس ان يغيروا ما بأنفسهم من خلال ما القى وكتب ونشر وتشعب بين خوارق اللاشعور والاحلام و واسطورة الادب الرفيع وهو يعرف وهو ايضاً من الناس الذين يقرأون المواعظ "الكتب" من غير ان يعيروا للدقة اهتمامهم او انهم لا يحسنوا النقل ولا يُصْدِقوا فيه تعمداً كما الوردي او اهمالاً كما الاخرين...حتى محبيه وممن اسماهم ب(البه به تشيه) لم يعرفوا اسمه الصحيح فأخرجوا وفي هذا الكتاب اسمين له كما اشرنا سابقاً وسنشير اليه في قادمات.

ثم لماذا هذا النفس الطائفي المقيت في طرحك أسمَّي عبد العزيز الدوري وخير الله طلفاح رغم عدم توافقي مع طروحات الأول وعدم احترامي للثاني...الاول صاحب رأي كما الوردي وكما جنابك الكريم اما كيف عَّبَرَ او يعبر عن رأيه فالشجاعة تكون في الرد عليه وفضحه وليس التهجم بهذه الطريقة العنصرية...اما الخرف خير الله طلفاح ...فهل الجعيفر وعروبتها وتكريت وعروبتها والاعظمية وعروبتها تحتاج ان يدافع عنها مثل هذا الشخص المعتوه؟ او ان عروبة المناطق الأخرى يمسها مثل هذا المعتوه.

ثم من قال لك ان العراق عربي؟ في العراق خليط وانت من كتب في ص19 التالي: [يمكث قصدنا في هذا الكتاب احياء اثر علي الوردي من باب حث النفوس على قراءة متأنية لللاإنتماء التشرذمي ويأتي الامر من ايماننا بان العراق البشري وليس الجغرافي بلد فسيفسائي الأصول والفصول فلا تفاضل ولا امتياز لأصل ولون عن اخر الا بالولاء والانحياز الإيجابي للبلد وأهله ومصلحته وتراثه ولا ضير في هكذا اختلاف فموقع تلك الواحة الغناء والانثى الغنجاء المترفة وسط هضاب ووهاد لبدو اجلاف شبقين جعل افئدتهم تهفوا اليها متطلعة للانقضاض او الهجرة او خطب الود وامسى من جانب اخر ساحة وغى للمتناطحين المتنافسين والجبابرة فاتوها من الصين واسيا  وفارس واليونان والجزيرة واليمن وأخيرا من بريطانيا وأمريكا النائية وهو امر طبيعي في السلوك الإنساني فلا يمكن ان يهرب العراق من محيطه البدوي العربي والفارسي والتركي والكردي والمغولي او يمنع عنه من يطمع به حتى من اخر الدنيا ولا بد من الإقرار بان سكان العراق هجين جميل وبوتقة زجاجية مرهفة لتصاعد النوع الاجناسي بين تلك الارومات البشرية التي يحتمل ان تتهشم في لحظة دعة او عفن او ترهل يصيب بنيتها او تاجيج لمتربص بالشر او صب للزيت على النار من يد طامع  تحت الرماد لكن وبالرغم من كل مناخات التاريخ وكثرة الانتصارات والاحتلالات نقر دون مواربة نصاب ان العراق يمكث منتصبا ومقبرة نموذجية للبداوة الهمجية...] انتهى

وتخص الدكتور عبد العزيز الدوري بالقول: [ومن المفارقات ان سحنة الرجل شقراء وعيونه ملونة وكأنه من شعوب الشمال والصقالبة ولا استطيع ان افسر شغفه بأصول عدنان وقحطان في اليمن والحجاز ونحن نعلم ماهي سحنتهم واشكالهم...] انتهى

اليس وصف لون عيون الدكتور عبد العزيز وسحنته  ينطبق على قولك العجيب الغريب: [هجين جميل وبوتقة زجاجية مرهفة لتصاعد النوع الاجناسي بين تلك الارومات البشرية!!!!] وانت من كتب في نفس المقطع: [ويأتي الامر من ايماننا بان العراق البشري وليس الجغرافي بلد فسيفسائي الأصول والفصول فلا تفاضل ولا امتياز لأصل ولون عن اخرإلا بالولاء والانحياز الإيجابي للبلد وأهله ومصلحته وتراثه ولا ضير في هكذا اختلاف...الخ]

اسألك موقفك عن اشكال الكثير من أهالي الموصل الكرام او الكورد الكرام او أهالي عانه وراوة الكرام هل لديك القدرة على الإشارة اليهم كما اشرت الى دكتور عبد العزيز الدوري؟ كم من أهالي بعض المحافظات الجنوبية عيونهم ملونة وسحنتهم لا تقترب من سحنة اهل اليمن؟...هل فكرت يوماً بأن قحطان وعدنان يشبهون أهالي الهند؟ هل سألت نفسك عن بلال الحبشي؟ هل سألت نفسك عن السحنات في البصرة أنك هنا لا تختلف عمن قال عن أهل الاهوار انهم جاء بهم محمد القاسم مع دوابهم؟ هل قرأت ما ذكره علي الوردي عن المعدان؟

كتبتَ في ص19: [وهكذا مكثت النخب تجسد مفهوم "ثقافة الصفوة" التي تقع على النقيض من ثقافتنا المسترسلة من سومر حتى الإسلام وتميزت دائما بمشاعيتها (جماهيريتها)  وهو ما أدى الى قطيعة جعلت النخب تندب حضها العاثر وتشق جيبها على تخلي الناس عنها فقد تركتهم الجموع عند ساعة الحقيقة والانقلابات التاريخية الكبرى وتبعوا "روزخون" او شيخ جامع لا يفقه بشيء او سياسي يقول ما لا يفعل ...]

وهذا حال الراحل علي الوردي بالضبط كما احسنت وصفه عندما كتبت في ص 16 التالي: [لقد كان الوردي جريئا بنقده المجتمع العراقي وتداعى الامر ان يتحالف ضده الجميع من طرف اليمين حتى طرف اليسار وتحالف الشيوعي والعروبي والاخواني ورجال الدين وحتى الليبراليين ضده وهكذا كثر خصومه وضعفت قواه ثم خارت وانحسر وافل وترك الحلبة...الخ]

 يتبع لطفاً

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

هاشم نعمةعن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت صدر كتاب العلاقة بين الهجرة الدولية والتنمية من منظور البلدان المرسلة للمهاجرين بداية هذا العام، للأكاديمي والباحث د. هاشم نعمة فياض. ويقع الكتاب في 351 صفحة.

باتت العلاقة المعقدة بين الهجرة الدولية والتنمية تحظى بالمزيد من البحث على المستوى الأكاديمي وعلى مستوى الدول والمنظمات المهتمة بهذا الموضوع؛ لكن يلاحظ أن هذا الاهتمام لا يزال ضعيفًا ولا يرقى إلى أهمية الموضوع في العالم العربي، على الرغم من أن هذه المنطقة تشترك بقوة في هذا الصنف من الهجرة وتتأثر بنتائجه الكثيرة والمترابطة. وهذا الكتاب مساهمة في سد بعض النقص في هذا الحقل.

تتركز فرضيات الكتاب في نقطتين: الأولى، على الرغم من مشاركة ملايين المهاجرين في الهجرة الدولية، إلا أن هذا الحجم الكبير لا يتلاءم مع إسهام هذا الصنف من الهجرة في دعم التنمية بشكل أساس في البلدان المرسلة للمهاجرين. الثانية، إذا ما استُثمر عنصر الهجرة الدولية بشكل مناسب يمكن أن يكون أحد العوامل المحفزة للتنمية، إلا أنه لا يكون بديلا لها.

يبحث الكتاب في فصوله الستة، إضافة إلى مقدمة وخلفية نظرية في اتجاهات الهجرة الدولية ببعديها الزماني والمكاني على المستويين العالمي والعربي، ومقررات الهجرة الدولية على مستويي البلدان المرسلة للمهاجرين والمستقبلة لهم. ويحلل إشكالية العلاقة بين الهجرة والتنمية، وتحويلات المهاجرين وعلاقتها بالتنمية. ويعالج تأثيرات الهجرة الدولية خصوصًا في جانبيها الاقتصادي والاجتماعي. ويتطرق إلى معالجات تتعلق خصوصًا بتنظيم الهجرة الدولية والاتفاقيات الدولية الخاصة بها واندماج المهاجرين.

من خلال الرصد والتحليل الذي جرى في ثنايا فصول الكتاب، نلاحظ  أن الهجرة الدولية باتت مكونا مهما من مكونات العلاقات الدولية سواء كانت هذه العلاقات اقتصادية أو سياسية أو ثقافية. وهذا يؤكد ما جرى توقعه في الخلفية النظرية بأن البرجوازية في النظام الرأسمالي في بحثها عن الأرباح واستخلاص الفائض من الطبقة العاملة، ستوسع آفاقها الجغرافية جاذبة بلدان الهامش نحو نظامها باعتبارها مزودا لليد العاملة الرخيصة والمواد الخام، وهذا ما حصل فعلا على نطاق واسع، عن طريق استعمار كثير من البلدان، خصوصا النامية منها، من قبل البلدان الأوروبية.

العلاقة بين الهجرة الدولية والتنمية: من منظور البلدان المرسلة للمهاجرين لفترة طويلة، لم تعالج العلاقة بين الهجرة والتنمية بطريقة صحيحة على مستوى البلدان المرسلة للمهاجرين، إذ تحلل الدراسات بصفة أساسية تأثيرات الهجرة في بلدان المقصد، وفي حالات نادرة جدا تحلل هذه التأثيرات في البلدان المرسلة للمهاجرين. فقط  ثمة عدد محدود من الدراسات عالج تأثيرات الهجرة على الأجور والتفاوت، والنمو والرفاه الاجتماعي، والتأثيرات الاجتماعية التي تشمل صحة الأطفال، والتعليم ودور المرأة، وتأثير المهاجرين العائدين الذين اكتسبوا خبرة في بلدان المقصد، إضافة إلى العلاقة بين الهجرة والتجارة.

يقود نقص التنمية إلى الهجرة، لكن تؤثر الهجرة أيضاً في نقص التنمية، ففي الدول التي تشهد زيادة في الدخل والإنتاج الزراعي تعكس الهجرة النجاح، وتستطيع تحويلات المهاجرين أن تجد الأرض الخصبة للمساهمة في التنمية. لكن في الاقتصاديات الراكدة والمخربة نتيجة فشل الأسواق، تعكس الهجرة التنمية الفاشلة، ومن المرجح أن تكون تأثيراتها الايجابية أكثر محدودية.

الهجرة ليست علاجا للتنمية ولا شؤما عليها. لكن هناك طرقا لتعزيز مساهمة الهجرة في التنمية الاقتصادية في المناطق المرسلة للمهاجرين. هذه حقيقة، خصوصاً بالنسبة إلى الهجرة الدولية؛ لأن تحويلات المهاجرين تميل لتكون أكثر من تلك العائدة إلى الهجرة الداخلية.

توجد علاقة ذات حدين بين الهجرة والتنمية، فهناك علاقة إيجابية وأخرى سلبية، حيث يمكن للهجرة أن تكون سبباً ونتيجة للتخلف في الوقت نفسه، بينما يزداد التخلف أو يقل نتيجة الهجرة، لذلك لا يمكن رؤية الهجرة بشكل مطلق على أنها عقبة في وجه التنمية أو إحدى استراتيجيات تحقيقها، إذ يعتمد تأثيرها على التنمية في الدول والمجتمعات كل على حدة، وعلى البيئات السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية لتلك المجتمعات التي تحدث فيها الهجرة، وكذلك يعتمد تأثيرها على خصائص المهاجرين وسلوكياتهم.

من الواضح أن هناك عددا من الدراسات عالج موضوع العلاقة بين الهجرة والتفاوت أو عدم المساواة، وعلى الرغم من حقيقة أن الهجرة متجذرة بعمق في التفاوت المحلي إضافة إلى التفاوت العالمي، لكن ليس بالضرورة أنها تعمل على تقليل هذا التفاوت. إجمالا، هناك القليل من الاتفاق في الأدب الذي يعالج هذا الموضوع، إذ ثمة نتائج متباينة حول كيفية تأثير الهجرة في التفاوت، حيث تعتمد الدراسات بدرجة كبيرة على نمط التباين الموجود الذي يجري تحليله والمعطيات المتوفرة حوله وحجم التحليل، وأي ضعف في هذه العناصر يمكن أن يؤثر في النتائج التي تخرج بها دراسة التفاوت.

ومن وجهة نظر النظام العالمي، فإن الهجرة الدولية تعد شكلا من أشكال التبادل غير المتساوي، فهي تعزز التنمية في البلدان التي يكون وضعها الاقتصادي جيدا في الأصل. وهي نظام لعرض العمالة. وبهذا المعنى، فالمهاجرون قوة عاملة مثل كل القوى العاملة، يجب أن يعاد إنتاجها. لكن ما يميز نظام عرض القوى العاملة الدولية عن عرض القوى العاملة المحلية، هي أن عملية إعادة إنتاج الأولى تحدث عبر الحدود الوطنية.

هناك وجهتا نظر متعارضتان بشأن تأثير التحويلات في التنمية تسودان في الأدب الحالي المتعلق بالموضوع: واحدة متفائلة وأخرى متشائمة. يعتقد مؤيدو وجهة النظر المتفائلة بأن التحويلات يمكن أن تحفز التنمية بشكل مباشر أو غير مباشر. أما المدافعون عن وجهة النظر المتشائمة، فهم يسلطون الضوء على التأثيرات العكسية للتحويلات في التنمية.

تتمثل المنافع الرئيسة للتحويلات (المحتملة والحقيقية) بالنسبة إلى البلدان المرسلة للعمالة في: تسهيل قيود التبادل الخارجي وتحسين ميزان المدفوعات، زيادة استيراد السلع الرأسمالية والمواد الأولية الموجهة للتنمية الصناعية، زيادة في عرض المدخرات والاستثمار في تكوين رأس المال والتنمية، التخفيف من تأثيرات ارتفاع الأسعار، خلق إضافات صافية للموارد، ارتفاع مباشر في المستوى المعيشي لمستلمي التحويلات، تحسن في توزيع الدخل  بالنسبة إلى الفقراء| المهاجرين الأقل مهارة.

ثمة مسألة غاية في الأهمية تتمثل بتحقيق أقصى قدر ممكن من التأثيرات التنموية من التحويلات. وهي تشمل توفير الخيارات للأفراد لتمكينهم من استخدام هذه الموارد الخاصة لدعم الاستثمارات التنموية، ويكون في مركز ذلك الاهتمام البنية التحتية والطاقة الإنتاجية. علما أن تدفقات التحويلات هذه لا تستبدل الدور التنموي للخدمات الاجتماعية العامة، والتنمية الصناعية، والاستثمار في قطاع الصادرات، لأن هذه القطاعات تلعب دورا محوريا في الاقتصاد الوطني.

إن الجدل الدائر في العديد من الدوائر الاقتصادية والسياسية في البلدان المرسلة للعمالة حول مكاسب ومغارم هجرة العمالة إلى البلدان العربية النفطية، يدور بصفة أساسية حول آليات تدفق وأنماط استخدام واستيعاب تحويلات العاملين في البلدان النفطية، إذ إن الحجم المطلق لتحويلات العاملين بالخارج لا يمثل بالضرورة رصيدا ايجابيا لمجهودات وبرامج التنمية في البلدان المرسلة للعمالة في ظل الآليات والأنماط السائدة لاستخدام هذه التحويلات. فهناك العديد من المظاهر السلبية والتشويهات التي لحقت بأنماط الاستهلاك والاستيراد والاستثمار في البلدان المرسلة للعمالة، ما يؤثر تأثيرا بالغا في أولويات برامج التنمية ونمط تخصيص الموارد في هذه البلدان.

نعتقد أن فرضيات الدراسة قد تحققت، إذ على الرغم من مشاركة ملايين المهاجرين في الهجرة الدولية على المستويين الإقليمي والعالمي، ومنها الهجرة من البلدان العربية، إلا أن هذا الحجم الكبير لا يتلاءم مع إسهام هذا الصنف من الهجرة في دعم التنمية بشكل أساس في البلدان المرسلة للمهاجرين. وقد تبيّن من البحث أنه إذا ما استثمر عنصر التنمية الكامن في الهجرة الدولية بشكل مناسب فإنه يمكن أن يكون أحد العوامل المحفزة للتنمية، إلا أنه لا يكون بديلا منها.

أخيرا، يحتاج موضوع العلاقة بين الهجرة والتنمية على مستوى العالم العربي إلى مزيد من الجهود البحثية وبطريقة مركبة لكشف الإمكانيات الحقيقية الكامنة للاستفادة من موارد الهجرة في التنمية وتلافي السلوك الضار لهذه الموارد على الاقتصاديات الوطنية في البلدان المرسلة للمهاجرين، ويفترض أن يكون هناك تعاون وتنسيق بين البلدان العربية المرسلة والمستقبلة للمهاجرين لإدارة الهجرة بما يجعلها أحد مكونات التنمية المستدامة.

 

د. هاشم نعمة

 

3362 احمد الناجيكانت أول بواكير للنهضة النسوية العربية قد بدأت في خضم بعض البوادر الفردية التي ظهرت في مصر مطلع القرن العشرين وبشكل تلقائي، من خلال المفكر ونصير المرأة قاسم أمين، ومن ثم بعض النساء العربيات المتعلمات التي كان نضالهن أول الأمر اجتماعياً يتعلق بالتعليم والعمل، وكانت هناك صور داعمة لرجال امتلكوا التفكير الواعي بالمرأة ونصرتها، واعين بأهميتها ومكانتها في المجتمع وبروح تنويرية وإصلاحية، ومن هؤلاء الرجال وقاسم أمين والشيخ محمد عبدة ومرقص فهمي والزهاوي وحسين الرحال ومصطفى علي ومعروف الرصافي، وهكذا بزغ التفكير النسوي العربي وصار الوعي به مسلكاً مهماً لارتياد مزيد من مظاهر التقدم الفعلية وبخطوات عملية وواقعية وفي مختلف مجالات الحياة العربية.

صدر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق كتاب للباحث والكاتب أحمد الناجي تحت عنوان (بواكير النهضة الفكرية في العراق)، الكتاب بواقع (319) صفحة من الحجم المتوسط، ذات الطباعة الراقية دون أخطاء إملائية أو طباعية وبغلاف جميل، حيث سلط الناجي من خلال الكتاب الضوء على بواكير النهضة النسوية في مصر والعراق. كُسِرَ الكتاب بمقدمة وخاتمة وسيرة ذاتية وثمان فصول، حيث سلط الناجي في الفصل الأول من الكتاب على أهمية دور المرأة في فكر رواد النهضة العربية، وفي الفصل الثاني مكانة المرأة العراقية في العهد العثماني، والفصل الثالث خصصه الناجي لدور المرأة العراقية في عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني، وفي الفصل الرابع سلط الضوء على جدلية السفور والحجاب، أما في الفصل الخامس فأخذ الناجي نهوض المرأة العراقية في عقد الثلاثينيات في العراق، وفي الفصل السادس مكانة المرأة العراقية بعد الحرب العالمية الثانية، وخصص الفصل السابع لنضال المرأة العراقية في عقد الخمسينيات، أما الفصل الثامن فسلط الضوء على تطورات حقوق المرأة السياسية.

يذكر الكاتب أحمد الناجي في كتابه  عن دور المفكر قاسم أمين الذي كان يدعو في مطلع القرن التاسع عشر إلى نهضة المرأة وتحررها حيث قال: (نحن لا نكتب طمعاً في أن ننال تصفيق الجهال وعامة الناس... وإنما نكتب لأهل العلم، وعلى الخصوص للناشئة الحديثة، التي هي مستودع أمانينا في المستقبل، فهي التي بما اكتسبته من التربية الصحيحة، يمكن أن تحل مسألة المرأة المكان الذي تحله من العناية والبحث). فالصراع حول تعلم المرأة في مصر بين قاسم أمين ورجال الدين قد أثار حفيظة رجال الدين في العراق وصراعهم حول تحرر المرأة ومناداة كل من الرصافي والزهاوي ودعوتهما من خلال الشعر والمقالات إلى منح المرأة حقوقها.

فيذكر الكاتب أحمد الناجي في كتابه ص52 حول أول مدرسة افتتحت رسمياً في العراق قائلاً: (حينما جرى سنة 1896م افتتاح أول مدرسة رسمية للبنات في ولاية الموصل في محلة (جامع خزام) وهي مدرسة رشدية تدرس فيها بالإضافة إلى المواد الدراسية بعض الدروس التي تخص البنات).

ويؤكد الكاتب أن لدور جريدة (صدى بابل) التي صدرت في آب 1921م حسب كان الدور في نشر ابيات لشاعر لم يذكر اسمه، كما ذكر في ص64 مساهمة الشاعر جميل صدقي الزهاوي بمقال حول الرجل وما باله بأنه ناقص بدون المرأة، ويقول الناجي في ص115 "أن منتدى التهذيب الذي أسس عام 1922م ومن خلال انشطته في تلك الأثناء كانت بمثابة إلقاء حجر في بحيرة الثقافة الراكدة، التي وجهت الأنظار صوب عددٍ من قضايا المرأة العراقية كان يصعب تداولها في امكنة أخرى". لا شك أن منتدى التهذيب كان له الدور في تأسيس الفكر النسوي الذي أخترق ترسانة الفكر الذكوري والنظرة الموضوعية للمرأة وهي تواجه التحديات محاولة اجتياز القلاع متحصنة.

وفي ص140 من الكتاب يؤكد الكاتب أحمد الناجي على "أن البرقع والنقاب ليسا من الإسلام" معتمداً على ما ورد في مجلة المنار، فقد ذهبوا إلى أن الوجه والكفين ليسا بعورة، ويجوز للمرأة كشفهما؛ لأن الوجه واليدين يحتاج إلى كشفهما عند المعاملة فكان في كشفهما ضرورة لا تتفق لغيرهما من البدن فأبيح كشفهما، وبقي ما عداهما على المنع إلا القدم ففيه روايتان؛ فقيل هما ليسا من العورة أيضاً كالوجه واليدين لضرورة الخدمة والحاجة إلى كشفهما في الخدمة، وكان الحجاب لسنوات عديدة مشهداً نادراً في المناطق الحضرية في معظم أنحاء المنطقة.

ويذكر الناجي في ص186 أن "في بواكير السفور أول سيدة خلعت الحجاب السيدة ماجدة الحيدري عام 1933م زوجة الأستاذ رؤوف الجادرجي، فيما أشار آخر إلى ذلك السيدة عقيلة السياسي المعروف حكمت سليمان، ولكن حنا بطاطو ذكر بأن السيدة أمينة الرحال هي أول مرأة عراقية تخلت عن الحجاب". إلا أن الناجي أكد في ص188 على الصحف المعارضة في تلك الحقبة لظاهرة السفور. وقد شاركت أمينة الرحال في أول مؤتمر نسائي منعقد في دمشق للفترة من 3 إلى 6 تموز 1930.

كما سلط الناجي في ص127 الدور الريادي للصحافة فالدعوة للتحرر وخاصة (مجلة ليلى) الرائدة في العراق، وهي أول مجلة نسائية تنشر في العراق في عام 1923، وكانت تتناول مسائل جديدة آنذاك ومفيدة ذات صلة بالعلوم، والفن، والأدب، وعلم الاجتماع، وخاصة بتربية الأطفال وتعليم الفتيات، وصحة الأسرة، وغيرها من المسائل المتعلقة بالاقتصاد المنزلي، كما أوردت أخبارا عن الثقافة، والتعليم، وشؤون الأسرة، واهتمت المجلة أيضا بالبحوث الطبية، والشعر، ونشرت أعمال الشعراء العراقيين المعروفين كالرصافي والزهاوي. سجل إصدار ليلى بدايات الصحافة النسائية في العراق ويُعزى إليها الفضل لكونها من العوامل المهمة في ظهور الحركة النسائية العربية. نُشرت المجلة تحت شعار "على طر