قراءات نقدية

قراءة في رواية: الرحلة العجائبية للروائي فيصل عبد الحسن

الروائي وروايته:

فيصل عبد الحسن صحفي عراقي بالمهنة، من أهل البصرة، يقيم بالدار البيضاء في المغرب. وهو قاص وروائي بالعشق والهواية، ذو موهبة سردية. فقد أخذ ينشر قصصه وهو ما زال طالباً في الثانوية، ونال بعضها جوائز وطنية. أصدر حتى الآن أربع مجموعات قصصية وثماني روايات جيدة.

آخر رواية له، هي رواية تاريخية عنوانها "الرحلة العجائبية"، صدرت عن دار العرب في دمشق ودار الصحيفة العربية في بغداد، سنة 2021. وتتألَّف هذه الرواية من خمسين فصلاً تستغرق 345 صفحة من القطع الكبير، وطبعت بخط واضح وتندر فيها الأخطاء المطبعية. وازدان غلاف الرواية بلوحة للفنان رائد خليل. خصَّص المؤلّف الصفحتين الأخيرتين للتعريف الوجيز بنفسه ومنجزاته ومؤلفاته.

استغرق البحث الذي اضطلع به الروائي في كتب التاريخ، قديمها وحديثها، أربعة أعوام اطلع خلالها على حوالي 150 كتاباً بعضها يقع في عدّة مجلدات، قبل أن يبدأ بكتابة روايته " الرحلة العجائبية".

التاريخ والرواية:

يمتح التاريخُ وكثيرٌ من الأنواع الأدبية، كالقصة والرواية والمسرحية والملحمة والسيرة واليوميات وغيرها، من مَعين واحد هو القَص الذي يستهوي الإنسان منذ أن تعلّم الكلام. فهذه الفنون جميعاً تتضمَّن حدثاً يشارك فيه شخصٌ أو شخوص، في بنية زمانية تتحقَّق في حيزٍ مكاني مُعيّن.

ولعلَّ من أوائل الذين فرّقوا بين التاريخ والأدب، الفيلسوف المنطقي اليوناني أرسطو (385ـ 322 ق.م.)، في كتابه " صنعة الشعر"، الذي خصَّصه لنقد المسرح اليوناني ونصوصه الشعرية؛ فأشار إلى أن المؤرِّخ يروي ما وقع في الماضي فقط، على حين أن الشاعر (أو الأديب عموماً) يروي ما وقع، وقد يروي ما يمكن وقوعه في المستقبل. فالأدب والفنون الجميلة الأخرى تنطلق من أرض الواقع وتحلق في سماء الخيال. وهكذا يكون الأديب أقرب إلى الفلسفة من المؤرّخ، لأنَّ المؤرّخ يهتم بالجزئيات اما الأديب فيُعنى بالكليّات. ورأى أرسطو أن جميع الفنون، بما فيها المسرح، تقوم أساساً على (محاكاة) ما هو جوهري في الطبيعة المتحرِّكة نحو كمالها، ألا وهو الفعل الإنساني. [1]

وعلى الرغم من هذا الفرق الرئيس، فإنَّ التاريخ والرواية يمكن أن يكون كلٌّ منهما مصدراً للآخر. فالتاريخ عادة ما يهتم بالأحداث الكبرى والشخصيات الهامة، كتنصيب الملوك وحروبهم وفتوحاتهم وأضرابها، فهو التاريخ الرسمي.  أما الرواية فعادة ما تروي ما يحدث للشخصيات العادية والطبقات الاجتماعية المهمشة، فهي التاريخ الشعبي أو الاجتماعي.

ولهذا، فإنَّ المؤرِّخ الذي يريد أن يصف العلاقات الاجتماعية في القاهرة خلال الأربعينيات من القرن الماضي، مثلاً، في وسعه الرجوع إلى ثلاثية نجيب محفوظ.[2] فقد عاش هذا الروائي في القاهرة في تلك الفترة وسجل الأعراف والعادات والعلاقات الاجتماعية في ثلاثيته بعين الأديب الناقد. فالرواية هنا مصدر من مصادر التاريخ.

أما القارئ الذي يودُّ أن يطلع على أحوال المجتمع وتنظيماته، كقوافل الرحلات ونظام َّالبريد وأحوال السبايا والعبيد والخصيان والقتلة المأجورين، خلال القرن الأول الهجري، ففي وسعه الاطلاع على ذلك من خلال قراءة رواية " الرحلة العجائبية" التي نحن بصدد عرضها، لأنَّ صاحبها جمّع معلوماته من كتب التاريخ وأضاف إليها ما جاد بها خياله. فالتاريخ هنا مصدر من مصادر الرواية.

وعلى الرغم من هذه العلاقة النفعية المتبادلة بين التاريخ والرواية، فإنّها علاقة إشكالية بسبب التنافر بين وظيفتيهما: فوظيفة التاريخ وصفية توثيقية، وهو يسعى إلى أن يكون "عِلماً " عن طريق تعليل الأحداث وتفسير الأسباب التي أدت إلى وقوعها، والوقوف على القوانين الكونية التي تحكمت بها وقادت إليها، بحيث إذا توافرت تلك الأسباب والعلل في المستقبل، فإن الأحداث نفسها ستقع[3]. أما الرواية فوظيفتها جمالية رمزية، وتستعمل "التخييل" مُلهماً أساسياً[4]، وهذه سمة رئيسة من سمات الأجناس الأدبية عامَّة حتى قيل عن الشعر " أعذبه أكذبه".

الإشكالية التي واجهت النقّاد والباحثين تدور حول مصداقية " الرواية التاريخية"، بمعنى هل من الضروري أن يلتزم الروائي بالأمانة التاريخية اللازمة في سرد الوقائع والأحداث أو وصف الشخصيات؟ فأجاب بعضهم بالإيجاب، وقال إنَّ على الروائي أن يلتزم بالموضوعية التاريخية، طبقاً لعقد القراءة بينه وبين القارئ، ما دام قد جنَّس روايته بـ " التاريخية" في عتبات الكتاب، كالغلاف أو المقدمة أو الهوامش. ورأى بعضهم الآخر أن الروائي غير ملزم بتلك الموضوعية لأنه يكتب "رواية" لا تاريخاً حتى لو استلهم أحداثه وشخصياته من فترة تاريخية معينة.

وهكذا يظل القارئ في حيرة من أمره: هل ما يسرده الروائي حقيقة أم من وحي خياله؟ ويظلُّ يردد مع ابن زيدون[5]:

ما على ظني باسُ، يجرح الدهرُ وياسو

... أنا حيرانٌ وللأمرِ وضوحٌ والتباسُ

ويُطرَح سؤالٌ آخر يتعلَّق بدوافع الروائي لكتابة هذا النوع من أنواع الرواية: أتراه اختار تلك الفترة التاريخية مسرحاً لروايته هروباً من واقعه الراهن، أم أنه يريد تمرير رسائل اجتماعية وسياسية وغيرها باستخدام التاريخ مطية لأغراضه؟ وقليل من البحث يدلُّنا على تنوّع أغراض الروايات التاريخية. ففي الغرب، اشتهرت الروايات التاريخية التي نشرها الأديب البريطاني الإسكتلندي والتر سكوت[6]  في مطلع القرن التاسع عشر بدافعٍ من محبته للتاريخ الأسكتلندي واعتزازه به، وبدأها برواية " وفيرلي" و 26 رواية تاريخية أخرى بعدها.

أمّا في العالم العربي، فاشتهرت روايات جرجي زيدان[7] التي بلغ عددها 32 رواية نشرها في أواخر القرن التاسع عشر، تحت اسم "روايات تاريخ الإسلام". ويُسمَّى القرن التاسع عشر الميلادي قرن القوميات، وكان جورجي زيدان من منظِّري الحركة القومية العربية التي كانت ترمي إلى استقلال البلدان العربية عن الإمبراطورية العثمانية ووحدة العرب، فاستعمل رواياته التاريخية لإثارة اعتزاز العرب بتاريخهم وثقافتهم المتميزة عن تاريخ العثمانيين وثقافتهم.

ومن أشهر الأدباء العرب المعاصرين الذين كتبوا الروايات التاريخية الصحفي الأديب أمين معلوف[8] الذي أصدر حتى الآن أكثر من 12 رواية تاريخية، كتبها باللغة الفرنسية وتُرجمت إلى اللغات العالمية الأخرى، وهي تمثِّل اعتزازه بثقافته العربية وحبّه لتاريخها. واستطاع أن يصحِّح بعض الأخطاء الشائعة حول رموزها، مثل تصحيحه لمقولة "ماني، نبي فارسي يقول بفلسفة النور والعتمة" التي ترددها المعاجم والموسوعات[9]. فأثبتَ في روايته " حدائق النور"[10] أن الاسم الصحيح هو " مانع بن فاتك" وأنه عربي من بابل، كما شرح فلسفته الدينية.

خلاصة الرواية:

بطل الرواية شخصية حقيقية اسمه الهفهاف، عاش في أواسط القرن الأول الهجري كان في الأصل من أهل الأخماس، الحجاز، وله علاقة وطيدة بابن عم الرسول (ص) ، علي بن أبي طالب، وصداقة مع ابنه، الحسين بن علي.. وفي بداية الفتوحات الإسلامية انتقل إلى أرض السواد وسكن البصرة، هو وعشيرته، الدعامشة، وكان أبوه شيخ العشيرة. وبعد مقتل الخليفة عثمان في الثورة التي شاركت بها وفود من عدد  من البلدان، بسبب اختيار الخليفة كبار المسؤولين من بين أقاربه الأمويين وظلمهم الرعية، بايع كبار الصحابة ورؤساء الوفود علي بن أبي طالب بالخلافة، فاختار الخليفة الجديد الكوفة قاعدة الدولة الإسلامية، وقرر عزل  بعض الولاة ومنهم والي الشام معاوية بن أبي سفيان. ولكن هذا الوالي رفض أوامر الخليفة بعزله متذرعاً بالثأر للخليفة عثمان أولاً[11]، ووقعت معركة صفين بين جيش الخليفة وجيش الوالي المعزول. ولم تكن حاسمة.  وعلى إثر اغتيال الخليفة على يد جماعة الخوارج، والصلح الذي عقده ابنه الحسن مع معاوية والي الشام، لكره الحسن إراقة دماء المسلمين وبضغط من قادة جيشه، صار الهفهاف يتزاور ويتكاتب مع الحسين بن علي بن أبي طالب. ولما كان والد الهفهاف من بين أسرى الأمويين في معركة صفين، فقد عزم ابنه الهفهاف على السفر إلى دمشق لدفع الفدية المطلوبة وتحرير والده. واصطب معه ابن عمه، مسعود، فقام بتلك الرحلة العجائبية.

في بداية الرحلة رأى الهفهاف ثلاث أخوات فارسيات مسبيّات[12] معروضات للبيع، سهزاد وشيرزاد وشهزاد. وعليهن أثر النعمة وملامح الأخلاق والأدب.  وتوسلت به أصغرهن وقبّلت يديه لينقذهن من السبي، فرقَّ لحالهن، فاشتراهن وأعتقهن لوجه الله. وأعطاهن ما يكفي من المال للعودة إلى بلدهن. وما أن غادر الهفهاف مع القافلة المتجهة إلى الشام حتى شعرت أصغر الفتيات الثلاث، شَهزاد، بإعجاب شديد بشهامة الهفاف وامتنان عميق لكرمه. وسرعان ما تحول ذلك الإعجاب والامتنان إلى حبٍّ غامر وهيامٍ شديد، حتى مرضت عشقاً، وقرّرت تغيير وجهتها واللحاق بالهفهاف، ورافقتها أختاها في قافلة أخرى متجهة إلى دمشق، على أمل اللحاق بقافلة الهفهاف. وهذه الظاهرة النفسية معروفة في علم النفس، أعني أنكَ إذا أحسنتَ إلى إنسانٍ مهذب نبيل، فإنكَ تكسب مودَّته وإخلاصه، أو كما قال المتنبي (ت 354هـ/965م):

إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَه  ... وإنْ أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرَّدا...

وقيّدتُ نفسي في ذَراكَ محبَّة ... ومنْ وجدَ الإحسانَ قيداً تقيّدا

وعندما علم الهفهاف أنَّ خصومه استأجروا ثلاثة من القتلة المحترفين للحاق به والإتيان برأسه ليقبضوا أجرتهم المتَّفق عليها، غيّر قافلته ووجهته ومكث في إحدى الخانات بضعة أيام  لتضليل القتلة. وهذا ما أتاح للفتيات الفارسيات اللحاقَ به.

بقيت الأختان الوسطى والصغرى في رفقة وخدمة الهفاف وابن عمه مسعود، وعادت الكبرى إلى خراسان حيث ينتظرها خطيبها. وفي السفر توثقت العلاقة بين الهفهاف ومسعود وبين الأختين، وكتب الهفهاف في مذكراته:

"على الأرض، تُصادفنا أحيانا نساء ليس كغيرهن، أنهن مبعوثات الإرادة الإلهية ليغيِّرن حياتنا وكذلك أولوياتنا فيها. وهذه الصغيرة واحدة منهن، لا شكَّ في هذا. أنظرُ في عينيها فأرى نداء حارقاً: (أنا أريدك أيها الفارس، ما عدتُ إلى رقّي إلا من أجلك. عدتُ لأجعلك، شئتَ أم أبيتَ، رفيقاً لي في هذه الحياة.)"[13]

وهكذا تزوج الهفاف الصغرى وتزوج مسعود الوسطى.

وبعد مغامرات عجيبة في الرحلة استطاع الهفاف أن يصل إلى والده الأسير في دمشق ويقدم الفدية إلى الأمويين ويعود به إلى البصرة شيخاً لعشيرة الدعامشة، ويعيش الجميع بخير وهناء.

تقنيات الرواية التاريخية كما في "الرحلة العجائبية":

للرواية الحديثة تقنيات سردية عامَّة، وإضافة إلى ذلك، يختصُّ كلُّ جنس من أجناس الرواية بتقنيات أخرى. ونطرح فيما يأتي بعض تقنيات رواية " الرحلة العجائبية":

زمن الرواية ومكانها:

يضع الفصل الأول أو الفصول الأولى للروايات عامةً، الإطارَ الزماني والإطار المكاني، لأحداث الروايات وشخوصها[14]. أما في " الرحلة العجائبية"، فبالإضافة إلى ذلك، فإن الفصل الأول يرمى إلى إعطاء القارئ المذاقَ اللغوي للفترة التاريخية (أواسط القرن الهجري الأول) عن طريق اللغة. فنص الفقرة الافتتاحية في هذه الرواية هو كما يأتي:

" رتّبتُ، أنا الهفاف بن المهنَّد الراسبي، حصيرتي اليمانيّة، ووضعتُ رقيقة الجلد مع الدواة، وقصبة الخط في مكانها عند معفر الرقوق، ورقائق الرسائل المكتوبة لي، وقصائد كتبتها أيام الشباب، وبرجماني الذي أسجِّل فيه، ما يحدث لي في يومي من أحداث. وما أعتقده من أحوال الناس، والحياة وسِيَر وتواريخ بني الأعمش، ومَن حولهم من أهل العزم، والصولة في منطقة " الدساكر" شمالي الأبلة."[15]

في هذا النص، نجد أن المؤلّف يضاهي بكلامه اللغة العربية في الفترة التاريخية المعنيَّة، من حيث الألفاظ (الكلمات والمصطلحات)، والتراكيب، والأساليب. وهو بذلك يريد أن ينقل القارئ إلى تلك الفترة التاريخية، وحضارتها، وثقافتها العربية الإسلامية، من خلال المعجم اللغوي الذي استعمله. وفي علم المعجم ثمة مقولة: "أعطني معجماً وسأخبرك بحضارة أهله وثقافتهم"، لأنَّ مداخل المعجم تمثّل موجودات المجتمع المادية والمعنوية. وفي هذا النص الافتتاحي لروايتنا، نجد أن الألفاظ: الدواة، قصبة الخط، معفر الرقوق، البرجمان، هي مصطلحات تتعلق بالكتابة وتعود إلى تلك الحقبة التاريخية.

الاستشهادات في بداية كل فصل:

تعزيزاً لما سبق، استعمل المؤلّف تقنية الاستشهادات في بداية كلِّ فصل من فصول روايته. والاستشهاد هو " ... قول ِيقتبسه المتكلِّم أو الكاتب لتعزيز رأيه، من الكتب المقدسة، والأمثال السائرة، والحِكَم المأثورة، والأشعار المشهورة، والقواعد المتبعة. وتمتاز الاستشهادات، عادة، بقصرها، وبلاغتها، وفخامة معناها."[16]

ويبلغ عدد هذه الاستشهادات خمسين استشهادا، ففي الرواية خمسون فصلاً. ولكن هذه الاستشهادات من وضع الروائي ولم يقتبسها من غيره، وقد صاغها الروائي بصورة تضاهي لغة تلك الحقبة التاريخية وفكرها، ونسبها إلى الرواة في الرواية. فمثلاً، الاستشهاد الأول:

" القلم أشد مضاء من السيف، والكلمة خالدة بعد هلاك الأجساد"

الهفهاف الراسبي

(10ـ61 هجرية)

فالهفهاف الراسبي شخصية تاريخية حقيقية، كما ذكرنا، وتاريخ ميلاده وتاريخ وفاته واقعيان تقريبيان، ولكن الاستشهاد من صنع المؤلِّف الذي يضاهي فيه الفكر الإسلامي الأصيل في تلك الحقبة. فأنا ألمس فيه أثراً لمقولة الإمام علي وهو يوصي تلميذه ومريده كميل بن زياد بقوله:

" يا كميل، العلمُ خيرٌ مِنَ المالِ، العلمُ يَحرسكَ وأنتَ تَحرسُ المالَ... هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ: أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ."[17]

تعدُّد الرواة وتعدُّد الأصوات في الرواية:

أ ـ تعدد الرواة في الرواية الحداثية:

في معظم الروايات، يكون المؤلّف هو الراوي الوحيد للأحداث، ويسمّيه بعض النقّاد بـ " الراوي العليم". وقد يشارك هذا الراوي في الأحداث، ولهذا يخلط بعض القراء بين المؤلّف وبطل الرواية. ولكننا نجد في الروايات الحداثية ميلاً إلى تعدُّد الرواة بحيث يروي كلُّ شخصية من الشخصيات في الرواية، الأحداثَ من وجهة نظره، ويصوِّرُ فلسفته ورؤيته الخاصة للعالَم، كما يعبِّر بصدق أ كبر عن عواطفه ومشاعره وإحساساته؛ وهذا ما يُطلق عليه أحياناً بـ " ديمقراطية السرد". وقد تتباين لغةُ كلِّ شخصية، أسلوباً وبلاغة، طبقاً لثقافة تلك الشخصية ومكانتها الاجتماعية، وبيئتها التي تؤثر في لهجتها. وهنا يُطلق بعض النقّاد مصطلحَ " تعدد الأصوات" على هذه التقنية. ولعلَّ من أوائل الذين استخدموا هذه التقنية في الرواية العربية الحديثة الأديب المترجم الناقد التشكيلي الفلسطيني العراقي، جبرا إبراهيم جبرا، في روايته "السفينة"[18]

وثمة بعض الروائيين العرب الذين يكتبون رواياتهم أو الحوار فيها بالعامية أو الدارجة، محتجّين بتقنية تعدُّد الأصوات وبالواقعية، ويقولون إنَّ الفلاح الأمّي لا يتكلّم مثل الأستاذ الجامعي. ففي نظرهم:

الواقعية = الواقع.

وفاتهم أنَّ الواقعية هي مدرسة فنّية، ولا تعني مطابقة الواقع فقط، وأن المعادلة الصحيحة هي:

الواقعية = الواقع + الفن.

ويرمي الفن إلى إضفاء مسحة جمالية على الحياة، وإلى الرقي بذائقة القارئ وثقافته، ولا يتم ذلك إلا باستعمال اللغة العربية الفصيحة، لأنَّ اللهجات محدودة في حصيلتها اللفظية، وتراكيبها المنطقية، ونطاقها التواصلي.

من أعظم الروايات العربية التاريخية في القرن العشرين ثلاثية الروائي عبد الرحمن منيف (1933ـ2004) " أرض السواد"،[19] وهي آخر رواية كتبها في حياته، واهداها إلى أمّه ": إلى أمي، نورة، التي أرضعتني مع حليبها، حُبَّ العراق"[20].  وبطل الرواية هو داوود باشا (ت 1851 م) وهو الصبي الذي اختُطِف من أهله في جورجيا وعمره 13 سنة، وبيع في العراق عدَّة مرّات حتى اشتراه الوالي العثماني سليمان باشا وضمّه إلى إدارته في بغداد، وبعد وفاة سليمان باشا، اصبح داوود باشا والياً في بغداد؛ وكان يطمح إلى الاستقلال بحكم العراق، كما فعل الوالي العثماني محمد علي باشا في مصر. بيدَ أن قرب العراق من تركيا، حال دون ذلك، فعزله السلطان العثماني ونفاه إلى مكة حيث زهدَ وتعبَّدَ حتى وفاته. ولا عيب في هذه الرواية الفخمة ـ من وجهة نظري ـ سوى استعمال اللهجة البغدادية في الحوار مع أنه حافل بالفكر والحكمة.

أما في رواية " الرحلة العجائبية"، فإنَّ مؤلِّفها فيصل عبد الحسن قد صاغها بلغة عربية فصيحة رفيعة على الرغم من كونه صحفياً بالهنة. فالصحافة العربية تستخدم لغة ميسرة سريعة، وأكثر الروايات العربية التي كتبها صحفيون تميل إلى استعمال اللغة العربية السهلة القريبة من لغة الصحافة.  ورواية الرحلة العجائبية هي "الاستثناء الذي يؤكِّد القاعدة" كما يقول الفرنسيون[21]. ونضرب مثلاً على رقي لغة هذه الرواية بالسطور القليلة الآتية:

" كان التاجر يعرضهن (أي: السبيات) للبيع على القوافل القادمة من الشرق، والمتجهة إلى الأبلة، ويدلل على رقيقة بأرق العبارات والأوصاف، قائلاً:

لو سُـــئِلتْ ألحاظــنا عن قلوبنا ... إذن لاشتكت مما بها وتبرَّمتْ

وما هكذا إلا عيون ذوي الهوى ... إذا خافت الأعداء يوماً تكلمتْ

كانت أصغرهن تبكي بكاء الثَّكْلَى؛ ودموعها الغزيرة تبلل وجهها، وأمسكت بذرعي حالما شاهدتني، وأمطرَتْها بالقبلات، ورجتني أن أخلّصها وأخواتها الثلاث، من هذا السَّبي الظالم!!"[22]

هنا نجد أنَّ أسلوب المؤلِّف ومستوى لغته الرفيعين في روايته "الرحلة العجائبية" لم يتأثرا بمهنته الصحفية، كما ذكرنا؛ كأن له قلمين، يكتب بأحدهما أخباره وتقاريره الصحفية، ويكتب بالآخر قصصه ورواياته الأدبية.

ب ـ تعدد الرواة في "الرحلة العجائبية":

استعمل مؤلِّفُ " الرحلة العجائبية" تقنيةَ تعدد الرواة فيها. فكل فصل من الفصول الخمسين يرويه إحدى شخصيات الرواية، مثل الهفهاف الراسبي، أو مسعود الأعمشي، أو شَهزاد أسفندياري، وهكذا. وكلّما ازدادت أهمّية الشخصية في الرواية، تكاثر عدد الفصول التي ترويها.  ويعرف القارئُ الراويَ في كلِّ فصل، من الاستشهاد الذي يبدأ به الفصل، فهو موقَّعٌ باسم الراوي.

واستعمل المؤلِّف تقنية " تعدد الرواة" وسيلةً لخلق شخصيات روائية حيّة فاعله، وإيجاد تواصل مباشر بينها وبين القارئ، بحيث يُلمُّ الأخير بأبعاد تلك الشخصيات الجسدية والنفسية والاجتماعية والفكرية، ويقف على آمالها وآلامها، وطموحاتها، ووجدانها؛ فيتعاطف معها وتنمو الروابط بينه وبينها.

وطبقاً لخطة الرواية، فإن عدد الفصول التي يرويها الشخصية الواحدة، يتفاوت طبقاً لأهمية الراوي ومشاركته في الأحداث، وطول المدَّة التي أمضاها في الرحلة. ويبيِّن الجدول الآتي هذا التفاوت بين الرواة:3548 جدول

تعدد الأجناس الأدبية داخل الخطاب الروائي:

سعى المؤلّف إلى تكثيف جمالية الخطاب الروائي لديه، بتنويع الأجناس الأدبية فيه. فاستعمل القص، والشعر، وصيغة الرسائل، والمذكّرات، والخطب الدينية والسياسية وغيرها.

فمثلاً في الاستشهاد المنسوب إلى مسعود الأعمشي في بداية الفصل 4، نجد البيتين الآتيين:

"تملَّكتِ الفؤادَ بدون علمي ... فما أزهى الفؤادَ وأنتِ فيهِ

وأحكمتِ القيود عليَّ حبّاً  ... فَلا حَــقٌّ لَديَّ لأَدَّعيهِ... "

" مسعود الأعمشي"[24]

وهو شعر غزلي جميل. بيدَ أن المراجع التي اطلعنا عليها، تجعل القصيدة التي ورد فيها هاذان البيتان مجهولة الشاعر[25]. وهذا مثال على الإشكالية التي يواجهها قارئ الرواية التاريخية، فهو هنا أمام ثلاث احتمالات:

الأول، إنّ الروائي قام بتحقيق واستقصاء حول هذين البيتين، وثبت لديه أنَّ قائلهما هو مسعود الأعمشي.

الثاني، إنَّ مسعود الأعمش، استشهد بهذَين البيتَين وهما لشاعر مجهول.

الثالث، إن الروائي يعلم أنَّ البيتَين لشاعرٍ مجهول، ومع ذلك ومن أجل إعطاء انطباع "التاريخية" لروايته سجلهما باسم أحد شخوصها.

وهذا مثل على الإشكالية التي تواجه قارئ الرواية التاريخية، التي أشرتُ إليها في مقدِّمة هذه الورقة.

تقنيات الواقعية السحرية العجائبية:

لقد عرف الأدباء العرب في العصر العباسي تقنيات الرواية السحرية العجائبية واستخدموها، وإن لم يسمّوها بهذه المصطلحات. فنحن نجد في قصص " ألف ليلة وليلة" كثيراً من السحر والساحرات وحكايات الجنِّ والخوارق العجيبة، كما في قصص "البساط السحري" و"مصباح علاء الدين" وغيرهما، التي تضفي كثيرا من التشويق، بفضل غرائبيتها وجماليتها التخييلية.

وفي العصر الحديث ظهرت الواقعية السحرية العجائبية في أواسط الخمسينيّات من القرن الماضي على يد مشاهير الأدباء العالميين خاصة في أمريكا اللاتينية وألمانيا. فقد استعمل هذه التقنيات الشاعر الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899ـ 1986) في منتخباته القصصية التي نشرها سنة 1949 بعنوان " الألف"، ومعروف أن خورخي بورخيس قد تأثر كثيراً بالأدب العربي القديم والفكر الإسلامي وبخاصة التصوف منه.[26]

ومن أدباء أمريكا اللاتينية المعاصرين الذين ينتمون إلى المدرسة الواقعية السحرية أو العجائبية، الروائي الصحفي الناشط السياسي غابريل غارثيا ماركيز في روايته " مئة عام من العزلة" التي كتبها سنة 1965 ونشرها سنة 1967، والتي تُعدّ من أهم الروايات العالمية ونال كاتبها جائزة نوبل للآداب، والكاتبة التشيلية إيزابيل ألندي في روايتها " بيت الأرواح" (1982) التي تحولت إلى فيلم سينمائي سنة 1992. ومعروف أن أدباء أمريكا اللاتينية يكتبون إنتاجهم باللغة الإسبانية.

وفيما يأتي مثلٌ على تقنيات الرواية السحرية العجائبية في رواية "الرحلة العجائبية"، وهو في الوقت نفسه مثل على متانة لغة المؤلِّف ورقيها:

تمر القافلة المتجهة إلى الشام بخرائب وبيوت متداعية مهجورة، فيقرر حملتدار القافلة استراحة المسافرين والاحتماء بظلال الخرائب من الشمس. فيقول الهفهاف مخاطباً مسعود:

" يا مسعود لو اعتبر بنو آدم بما مرَّ من قبلهم، لكانت الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، ولصار الطريق إلى الشام زرعاً وكروماً وخيراً كثيراً وبركات."[27]

وعندما دخل وقت صلاة الظهر، انتبذ الهفاف مكاناً قصيا عن بقية المسافرين لينفرد بنفسه، وفرش سجادته للصلاة:

" وما أن رفعتُ كفي للتكبير حتى لمحتُ أفعى ضخمة تجتاز حفرة في الجدار المقابل لي، وهي تحمل في فمها قطعة معدنية تلصف تحت ضوء الشمس وتبهر البصر، وتقدّمت الأفعى ببطء مني، وأنا ساهم أنظر إليها، وقد جمدني الرعب من منظرها المنفِّر، ولم تطاوعني قدماي للفرار، فقد غدتا كخشبتيْن لا سلطان لي عليهما. إلا أنَّ لساني بقي يردِّد التسبيح والتكبير ... وبعد لحظات من التحقُّق في صورتي وهيئتي، ألقت الأفعى من فمها قطعة ذهبية عند قدمي، وطأطأت راسها المثلث كأنما تقول لي اتبعني... وبعد لحظات خرجت الأفعى مجدداً وهي تحمل في فمها قطعة ذهبية ثانية وألقتها بين قدمي، وفعلت مثل المرة السابقة، فقد نظرت بوجهي وعادت إلى الفجوة مجدداً. فالتقطتُ القطعة الثانية، وقلتُ في نفسي، إن الأفعى ترشدني إلى كنز من الذهب..."[28]

وهكذا جازف الهفهاف في دخول قبو مهجور وسار في سرداب فارغ شبه مظلم تتطاير منه الوطاويط، ليعثر على الكنز، فيحمله ويخفيه في رحله عن عيون بقية المسافرين. فلبريق الذهب جاذبية قلما يستطيع مقاومتها الرجل؛ و" مصارع الرجال تأتي من لمعان بروق الطمع في عيونهم"[29] كما يقول الهفهاف الراسبي في أحد استشهاداته بعيدة المغزى.

لقد استبدل المؤلّفُ الأفعى بمصباح علاء الدين، لتتضمن روايته التاريخية تقنيات من أدب الواقعية السحرية أو العجائبية، وتضفي تشويقاً يأخذ بأنفاس القارئ ويمتعه. وفي حقيقة الأمر، فإن عنوان الرواية، " الرحلة العجائبية"، ذو إشارة لمّاعة لمّاحة إلى تجنيس الرواية فهو يجمع بين مدرستين روائيتين: (أدب الرحلة) وهو أدب تاريخي واقعي، و(الأدب الفانتازي السحري العجائبي) الذي يعتمد على خيال الروائي الوثاب. وهكذا يصدق تشبيه جاك دريدا )1930ـ2004) الذي شبّه العنوان بـ " الثريا المعلّقة فوق النص لإضاءته" أو اختصاراً " العنوان ثريا النص".[30] فالنص، كما يقول عنه الناقد الأدبي الدكتور عبد المالك أشهبون: " هو وجه العمل الأدبي، وأول ما نراه من ملامحه، وهو العتبة الأولى للولوج إلى العوامل السردية، وهو الخطوة الأولى في التواصل مع المتلقّي."[31]

تقنية مطابقة الاسم للمسمى:

يختار الروائي المبتدئ أسماء شخصياته إما اعتباطاً وإما من الأسماء التي يرتاح إليها. أمّا الروائي المتمرّس فهو يهَب الشخصيات التي يُبدعها، أسماءَ تتناسب مع طبيعتها ودورها في أحداث الرواية؛ أسماء موحية. ويرى بعضهم أن الاسم قد يؤثِّر في نفسية الشخص المسمى.

وفي رواية " الرحلة العجائبية"، نلفي نوعين من الشخصيات، بوصفها رواية تاريخية:

أـ أسماء تاريخية حقيقية، لا يستطيع الروائي تغييرها، مثل علي بن أبي طالب، ومعاوية، والحسين بن علي، والهفهاف بن المؤيد الراسبي.

ب ـ أسماء شخصيات أبدعها المؤلِّف واختار لها أسماءَها، مثلاً:

ـ ثلاث أخوات مسبيّات، رقَّ لحالهن الهفهافُ، فاشتراهن من أجل أن يعتقهن لوجه الله، فاعجبن به رجولةً وكرما وشهامة ونخوة. فأعطاهن الروائي ثلاثة أسماء توحي بالجمال والذوق والرفعة. ووقعت الصغيرة منهن في حبه، واسمها (شَهزاد)، ومعناه بالفارسية أميرة أو كريمة الملك (شَه: مخفف شاه، ويعني ملك، : زاد يعني مولود). أمّا لقبهن العائلي (أسفندياري) فيعني باللغة الفارسية القديمة: المخلوق الطاهر.[32]

ـ رجل من أبناء عمومة الهفهاف رافقه في رحلته لخدمته، أعطاه الروائي اسم (مسعود)، فقد كان محظوظاً حقاً في تلك الرحلة إذ تعلّم من الهفهاف علماً كبيراً وتزوّج من إحدى الفتيات  الفارسيات الثلاث، وهي فتاة جميلة أحبته وأنجبت له طفلة حلوة، وساعدته في رحلته وحياته بشجاعة وبسالة. وأعطاها المؤلّف اسم (شيرزاد) ويعني بالفارسية ابنة الأسد، أو اللبوة الصغيرة.

ـ رئيس القتلة الذي استأجره خصوم الهفهاف لقتله أثناء الرحلة، وهذا القاتل معروف بحيله وغدره، أسماه المؤلفّ بـ  (أبو العقارب).

وهكذا فثمة مناسبة بين بعض أسماء الشخصيات وصفاتها الشخصية أو وطبيعة أدوارها في أحداث الرواية.

النبوءات في "الرحلة العجائبية":

على الرغم من اشتراك (النبوة) و (النبوءة) بالجذر (ن ب أ) ومعناه الأصلي هو (الإخبار)، فإن بعض المعاجم تفرّق بين (النبوَّة) التي تعني تبليغ الناس رسالة إلاهية ويضطلع بها نبيّ مرسل من الله، وبين (النبوءة) التي تعني الإخبار عن الغيب أو عن الشيء قبل وقوعه،[33] ويقوم بها نبيّ أو غيره، مثل الكهنة والمنجمين والعرافين والمشعوذين وغيرهم.. ومنذ قديم الزمان كانت هناك نبوءات، مثل نبوءة ظهور النبي محمد (ص) في الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية والهندوسية وغيرها.

ويعدُّ التنبؤ بالغيب من الخوارق التي تخضع اليوم لدراسات (علم النفس الموازي). ولكن الخوارق التي يُعنى هذا العلم بدراستها، لا تقتصر على التنبؤ بالغيب فحسب، بل تشمل كذلك الأطفال الذين يتحدّثون عن حياة سابقة، أو الذين يولدون ويتكلمون لغة أجنبية، حديثة أو قديمة، أو الأشخاص الذين يستطيعون رؤية ما وراء الجدار في الظلام، أو الذين يتمكنون من قراءة أفكار الغير، أو التخاطر، وغيرها. وكتبتُ شخصياً مجموعة قصصية بعنوان " حياة سابقة"[34] تتناول بعض هذه القدرات الخارقة. ولعل الإنسان القديم كان يمتلك قدرات تواصلية تضاءلت بتعاظم اعتماد الإنسان الحديث على وسائل النقل والاتصال الحديثة، كالطائرة، والبرق، والهاتف، والشابكة وغيرها. بيدَ أن هناك إشارات في نظرية إينشتاين إلى أن بعض الناس من المستقبل يولدون في حاضرنا وهم يعرفون ما مرّوا به من أحداث في ماضيهم، ولذلك فهم قادرون على التنبُّؤ بها قبل وقوعها.[35] وتستعمل مصالح الاستخبارات العالمية بعض معطيات علم النفس الموازي في عملها، كما يلجأ كثير من رؤساء الدول الغربية والشرقية إلى خدمات بعض العرافين.

ومن أشهر العرافات في العصر الحديث العرافة البلغارية العمياء بابا فانغا (1911ـ1996). ويذكر أنها تنبأت بوفاة ستالين، وكارثة المفاعل النووي في تشيرنوبل، وغرق الغواصة الروسية، وهجمات 11 سبتمبر، وصدقت. ولكن يُذكر كذلك أنها تنبأت بأحداث أخرى مثل اندلاع الحرب العالمية في سنة 2010 وانتهائها في 2014، وكذبت.[36]

في الرواية نبوءتان أساسيتان، هما:

ـ النبوءة الأولى وردت في سفر أرميا الإصحاح 46 وهي تحكي عن سيد مقدّس ابن نبي سيحارب عند الفرات في الصحراء العظيمة التي يُقال لها رعاوي بالقرب من مدفن مقدس لأهل الكتاب اسمه (النواويس). واعتنق راهبان نصرانيان دين هذا السيد المقدس ليستشهدا معه كي ينالا السعادة الأبدية في الآخرة.[37]

ويرى المؤلِّف أن هذه النبوءة تتعلق باستشهاد الحسين في كربلاء، ويذكر أنّ كعب الأحبار ذكرها  بعد إسلامه عندما أخبر الصحابة بأنواع الملاحم والفتن الذي ستحدث في آخر الزمان. ولهذا بنى بعض الرهبان ديراً لهم بالقرب من ذلك المكان ليكونوا مع الرجل المقدس عندما تقع الواقعة فينالوا السعادة الأبدية.

ـ النبوءة الثانية، همست بها عرّافة في أُذن الهفهاف عندما أراد دخول دمشق من  باب الساعات لتقديم فدية لتحرير أبيه الأسير، قائلة: " أنت السيد  المبجل الهفهاف!! ستكون لرأسك منزلة فسيصحب رأسُك الرأسَ المقدَّس !!...ويشرق من ثناياك نور، وستكون لك وقتها لحية مدورة خالطها الشيب، وقد خضبت بالوسمة، وعلى شفتيك ابتسامة، وتنظر بعينيْن نصف مغمضتيْن إلى السماء، شاخصاً ببصرك نحو الأفق !! والريح تلعب بلحيتك يميناً وشمالاً كأنك ملاك هبط من السماء بلا جسد. والرأس وحده، سيتقدم رأسك رؤوساً طاهرة كثيرة!! فابشر يا هفهاف بمجد الدنيا والآخرة."

وكأني بالروائي وهو يكتب هذه العبارات المؤثِّرة، مندمجاً بالمأساة، كما لو كان يشاهد المنظر من علٍ، أو كما لو كان رأسه بين الرؤوس المحمولة على أسنة الرماح والجند يدخلون باب الساعات بدمشق، وتتبعها سبايا آل نبي الإسلام، لتقديمها إلى خليفة المسلمين يزيد بن معاوية.

الموضوعات الرئيسة في " الرحلة العجائبية":

من قراءتي هذه الرواية، تبين لي أن الموضوعات الرئيسة في هذه الرواية وغاياتها، هي كمـا يأتي:

أـ المقارنة بين علي بن أبي طالب ومعاوية:

بطريقة سردية تجري الرواية مقارنة بين الرجلين في النقاط التالية:

ـ إيمان علي الراسخ بالإسلام، وعدم إيمان معاوية، فهو وأبوه، وأمه، وأخوه يزيد لم يسلموا إلا مضطرين بعد فتح مكة [38] كأن الآية (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) نزلت فيهم وأشباههم.  ويسمون " بالطلقاء". وهذا لا ينفي أن بعض الأمويين كانوا من المؤمنين مثل الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (61ــــ101هـ) الذي حاول وضع حدّ لفساد الطبقة الحاكمة في دمشق، فاغتاله أبناء عمومته من الأمويين بالسم بعد سنتين ونيِّف من بدء خلافته.[39]

ـ مقارنة سياسة علي الإسلامية الإنسانية، وسياسة معاوية الهرقلية التي يهندسها مستشاره سرجون الرومي.

ــ زهد علي، وتفقده أحوال المسلمين وتيسير معيشتهم، وطمع معاوية  وأبناء عمومته من الأمويين وجشعهم في الأموال والطعام والنساء والجواري الحسان والعبيد ومظاهر الأبهة:

فنحد في الرواية نصاً عن زهد علي ابن أبي طالب وعفته وطعامه:

"طعامه خبز شعير جشب!! لا يقدر عليه غيره، يوضع له في قراب مختوم، لئلا يضيف إليه أحد من محبيه أداماً !! وهو يريد خبزه وحده فلا يغتر بطعام لا شراب. ترك قصر الإمارة في الكوفة، ونعته بقوله " أنه دار خبال"، وسكن بيتاً صغيراً على أرضٍ لابن أخته جعدة الكوفي..." [40]

وفي مكان آخر من الرواية ن جد وصفاً لإحدى ولائم الأمويين:

" وما أن حلّ وقت العشاء حتى اصطحبني أمير الأمراء إلى مائدة طويلة وعريضة ينتظر حولها الخدم والجواري الحسان ...وقد كانت جميع الآنية مذهبة، محكمة الصنع، تتلألئ عليها أضواء الشمعدانات، وتنثال منها روائع التوابل والمطيبات ، وأبخرة الأطعمة الساخنة، وإلى جوار تلك الآنية، آنية زجاجية موشاة من خارجها بزجاج صقيل ألصقت من عليه فصوص من حجر اللازورد، وغلفت حافاتها بسيور من الفضلة، ووضعت لها مقابض من العاج الأبيض..."[41]

ويقابل هذا الوصف الفاخر لولائم الأمويين، وصف رائع كذلك لمعانا الطبقات المهمشة التي تقاسي الخصاص في السكن والطعام في الأصقاع التي يحكمونها.

ــ شجاعة علي  وجبن معاوية ودهائه، فقبل أن تبدا معركة صفين ، طلب الإمام علي مبارزة معاوية حقناً لدماء المسلمين ووضع حد للقتال بينهم فالخلاف كان على الخلافة. فقال عمرو بن العاص، وهو أبرز قادة معاوية ومن أعظم فرسان قريش: " لقد أنصفك الرجل." فقال له معاوية " لقد طمعتَ فيها يا ابن العاص، والله لن ينازله غيرك." وهكذا اضطر عمرو بن العاص إلى نزال علي: وفي النزال علاه علي بسيفه، فسقط  عمرو أرضاً وكشف عن عورته وهنا أشاح أمير المؤمنين بوجهه عنه، ونجا عمرو.[42]

ويضيف الروائي عبد الحسن في روايته: " فقال شاعر حضر المعركة:

ولا خير في دفع الردى بمذلة ... كما ردّها يوماً بسوئته عمرو."

ولكن هذا البيت يرد في قصيدة شهيرة للشاعر الفارس أبي فراس الحمداني (320 هـ - 357 هـ / 932 - 968م)، مطلعها:

أراكَ عصيَ الدمعِ شيمتكَ الصبرُ ... أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ[43]

ولم يزعم أيٌّ من مؤرخي الأدب العربي أو نقّاده أن ذلك البيت هو لشاعر سابق، وضمّنه الحمداني في قصيدته. ولكن يحق للروائي أن يوظِّف البيت الذي يحفظه في الرواية  وينسبه إلى شاعر حضر المعركة ليضفي على روايته حرارة ومصداقية مرجعية ترفع من درجة تشويقها وجاذبيتها، على الرغم من أن ذلك مخالف لموضوعية التاريخ الأدبي وأمانته. وهذه إحدى إشكاليات الرواية التاريخية التي أشرنا إليها في بداية هذه المقالة وهي إشكالية تضع بعض القراء في حيرة من أمرهم.

في مدرستي الابتدائية، تعلمتُ أن الإمام علي قد خُص دون غيره من الصحابة بعبارة (كرَّم الله وجهه) لأنه لم يسجد في حياته إلى صنم قط. بيد أن "الرواية العجائبية"، تأتي بتعليل آخر هو: " لأنه نزّه نفسه عن رؤية عورة أي إنسان ... وبذلك كان لوجهه التكريم."[44]

ولعل المؤلّف الفاضل اطلع على هذا التعليل في الكتب التاريخية التي درسها تمهيداً لكتابة الرواية.

ب ـ أسباب خروج الحسين بن علي إلى الكوفة:

القضية الثانية التي تصدت لها الرواية هي الأسباب الحقيقية التي دفعت الحسين بن علي بن أبي طالب للخروج من المدينة إلى الكوفة. فمعظم الذي يبكون الحسين في عاشوراء يعرفون أن الحسين استجاب لدعوة أهل الكوفة له للقدوم إليهم ليبايعوه، ولا يدركون الدوافع لأخرى التي تذكرها كتب التاريخ.  ورواية " الرحلة العجائبية " تسردها كالتالي:

" إن والي [المدينة] الجديد  ... ابن سعيد الأشدق ... لا يعرف كيف يتعامل مع أهل يثرب، فقد أراد أن يبايعوا يزيداً علانية وتنص المبايعة على أنهم عبيد ليزيد يباعون ويشترون، وأن أولادهم وما ملكوا ليزيد !! ... فضاق الخناق على أبناء صحابة الرسول، فترك أغلبهم يثرب ... ذكر بعض الحاضرين لمجلس الوالي وقد أرسل في طلب الحسين بن علي، لكي ينتزع البيعة منه ليزيد...و طلب من الحسين البيعة ليزيد، بيعة تامة لشخصه، ولمن يتبعه من أخوته وعمومته وأبناء عمه وأبنائه، لأنه قِيّمهم وكبيرهم المطاع فيهم... وأن كل قطرة في عروقهم هي ملك مباح ليزيد يهرقها أنى شاء، وكل مال لديهم أو أملاك في حيازتهم، جميعها ليزيد، وما هم إلا وكلاء له عليها ... فقال له الحسين: على هونك يا أبن سعيد! وتظن أني أبايع على ما أسلفت؟ أم أراد مولاك ... أن أرفض فتفعل بي وأهلي ما أضمر هو لنا، فيصير ذنبنا وهو ذنب عظيم، في رقبتك لا برقبته!!!"[45]

ولهذا خرج الحسين من مجلس الوالي عازماً الذهاب بأهله إلى مكة للحج. وفي تلك الأثناء وصلت الحسين رسائل كثيرة من زعماء أهل الكوفة يستعجلونه القدوم إلى العراق لمبايعته. وبعد أن علم يزيد بن معاوية بعزم الحسين على الخروج إلى مكة حاجاً، بعث إلى والي المدينة رسالة يقول فيها: " إن لم يبايع الحسين، فاسفح دمه حتى لو كان متعلقاً بأستار الكعبة." [46]

وهكذا يدرك القارئ دوافع الحسين الخفية للرحيل إلى العراق.

الخاتمة: رسائل الروائي وغاياته من روايته:

ذكرنا في مقدمة هذه المقالة إن لكل روائي دوافعه لكتابة روايته، فهو يتوخى إرسال رسائل إلى جهة معيّنة بواسطتها. فليس وظيفة الروائي تسلية الجمهور وإمتاعه فقط، بل هو مثقف ذو وظيفة ثقافية واجتماعية وسياسية. ومن قراءتي لرواية " الرحلة العجائبية"، حصل لي الاقتناع أن دوافع كاتبها تمرير رسائل عديدة، ـ وقد أكون مخطئاً ـ لعلّ أهمها رسالة إلى الأحزاب الدينية الطائفية التي جاء معظمها على دبابات الغزو الأمريكي وتسنمت حكم العراق سنة 2003 وحققت رغبة الأمريكان في وضع أسس نظام طائفي سيؤدي حتماً إلى تدمير العراق، كما حصل في لبنان. وهذه الأحزاب الدينية متهمة بالفساد المفضوح ونهب أموال الشعب، بحيث أمسى " أفقر شعب في أغنى دولة".  فمؤشر الفساد الذي تعلنه منظمة الشفافية في نهاية كل عام يضع الحكومات العراقية المتعاقبة في خانة المفسدين الكبار، فالعراق من حيث الشفافية يقبع في آخر القائمة ويحتل الرقم 162 (من مجموع 180 دولة)[47]، ولا يضاهيه في ذلك إلا السودان والصومال. وقد أعلن الرئيس العراقي برهم صالح مؤخراً، أن ما يقدَّر بنحو 150 مليار دولار من أموال النفط هُربت إلى خارج البلاد في "صفقات فاسدة" منذ الغزو الأمريكي عام 2003.[48] ولكن هذه التقديرات تقتصر على الصفقات الفاسدة فقط، أما الاختلاسات والسرقات والنهب وتفويت ممتلكات الدولة، والأرباح المستمرة من مزادات العملات، ورواتب كبار رجال السلطة المبالغ فيها[49]  لا تدخل في هذه التقديرات المتواضعة.

وبسبب هذا الفساد المستشري، تصل نسبة العراقيين القابعين تحت خط الفقر المحلي إلى 19% تقريباً من مجموع السكان.[50]  وأصبح همّ معظم المسؤولين نهب أكبر قدر من الأموال وإيداعها في البنوك الأجنبية. فأهملوا التعليم تماماً حتى بلغت نسبة الأمية في هذا البلد الذي اخترع أهله الكتابة قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، 47% من السكان البالغة أعمارهم بين 6ـ55 عاماً.  وقد أمعنت هذه الأحزاب الدينية في إهمال التعليم وبناء المدارس والمعاهد العلمية، لأن جلَّ هذه الأحزاب الدينية تبنت سياسة التجهيل، فلكي تسرق شعباً عليك تجهيله أولاً، وجميع الدول الغازية تبدأ بحرق مكتبات ومعاهد البلدان التي تحتلها. ومن المضحك المبكي أن بعض هذه الأحزاب تموّل فضائيات تلفزيونية فريدة من نوعها في العالم، فثمة فضائية عراقية تعلّم البكاء واللطم أربعة وعشرين ساعة باليوم!!! وهل يحتاج هذا الشعب الكريم المنكوب بحكّامه وبما آلت إليه أوضاعه المعيشية من فاقة وبؤس وعناء، هل يحتاج إلى مَن يعلمه البكاء واللطم؟؟؟

أما البطالة في العراق فحدِّث ولا حرج. فمنذ ثلاثة عقود والإدارات العراقية لا توظّف الناس بذريعة عدم وجود الأموال اللازمة، فقد ورد في تقرير البنك الدولي سنة 2020: " إن مستوى البطالة في العراق بلغ 14.1 % من مجموع القوى العاملة، وهو المعدل الأعلى منذ عام 1991." [51] وهذا المعدل أعلى من البطالة في أفغانستان الذي بلغ 11.7% في نفس التقرير.

ولهذا فقد ظهرت مصطلحات لم نسمع بها من قبل مثل " أستاذ متبرع"، فمئات الآلاف من خريجي كليات التربية بدون عمل منذ سنوات طويلة، ولهذا يذهب بعضهم إلى المدارس الخاصة ويمارس التعليم مجاناً على أمل أن يعيّن معلماً أو مدرّساً عندما تحتاج هذه المدارس إلى معلم جديد!!

تشير الرواية بطرق سردية إلى زهد الخليفة علي بن أبي طالب وعدله وتوزيعه كل ما في بيت المال على جميع الناس في الدولة الإسلامية سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين. فقد بينت رواية " الرحلة العجائبية " استنادا إلى كتب التاريخ أن الرهبان في دِيرهم كانوا يتلقون من أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب.  ومن يقرأ خطبة الخليفة أبي بكر الصديق وهو يوصي جيش أسامة بن زيد الذي أعدّه الرسول (ص) قبيل وفاته لتحرير الشام من حكم البيزنطين:

" يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:

لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيراً أو شيخاً كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له".[52]

وهذه الخطبة هي مستندةإلى الشريعة الإسلامية: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [53]

وتؤكد الرواية أن الإسلام حقق الأمان لجميع المواطنين مسلمين أو غير مسلمين، وأن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب خصّص عطايا من بيت المال للرهبان، أسوة بطلبة العلم. وكنا في العراق في العهد الملكي نتمتع، نحن الطلبة، بالسكن والطعام في الأقسام الداخلية حتى أُغلِقت تلك الأقسام الداخلية في بداية الحرب العراقية الإيرانية، سنة 1980، وما تزال مغلقة.

وما دمنا نتحدَّث عن التعليم، لا بد أن نذكر أن المادة 77 من الدستور الجديد تقتضي أن يكون الوزير والنائب ومن يتولى منصباً رفيعاً، حاصلاً على الشهادة الجامعية أو ما يعادلها. ولما كان معظم المسؤولين الذين أتت بهم الأحزاب الدينية الحاكمة من غير الحاصلين على الشهادة الجامعية، فقد انتشرت عادة تزوير تلك الشهادة. فاضطلعت فضائية الجزيرة بتحقيق نشرته بتاريخ 20/11/2021  في فضيحة كبيرة "بيع فيها 27000 (سبعة وعشرون ألف) شهادة عليا، (ماجستير ودكتوراه)، من قبل جامعات لبنانية إلى عراقيين أبرزهم  رئيس مجلس القضاء الأعلى."[54]

لقد انتشر سرطان الفساد في مختلف شرائح السلطة، اقتداء بالقادة أو كما يقول المثل: " الناس على دين ملوكهم." أو كما قال الشاعر البغدادي سبط ابن التعاويذي(519 - 583 هـ / 1125 - 1187 م):

إذا كان ربُّ البيتِ بالدفِّ مولعاً ... فشيمةُ أهلِ البيتِ كلّهم الرقصُ

أستطيع أن أفهم بصعوبة جميع الجرائم التي تقترفها معظم السلطة الحاكمة بحق العراق والعراقيين الكرام، ولكن لم أستطع أن أفهم لماذا تحقد هذه السلطة الحاكمة على شعب تجهّله، وتفقره، وتحرمه من الخدمات البسيطة كالماء والكهرباء والصحة والطرق، وتقتل أبناءه عندما يخرجون بمظاهرات سلمية مطالبين بالعمل ليعيشوا بكرامة. لماذا تحاول هذه السلطة الغاشمة إهانة هذا الشعب الكريم وتعذيبه بطرق مبتكرة شتى. أضرب مثلاً واحداً على ذلك.

منذ مطلع الثمانينيات تزايد عدد المهاجرين من العراق إلى دول العالم الأخرى، وأكثرهم من المتعلِّمين والتقنيين. ففي سنة 1985 هاجر أكثر من مئة ألف عراقي. أما في سنة 2020 فقد تضاعف هذا الرقم ثلاث مرات وبلغ قرابة 300 ألف عراقي. طبقاً لإحصائيات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين[55]. وهؤلاء المهاجرون فرّوا من البلاد بحثاً عن كرامتهم الإنسانية ولا دخل لهم بالسلطة. ومعروف أن مهمة القنصليات الرئيسة في جميع العواصم الأخرى، هي تيسير حصول مواطنيها على الوثائق الرسمية. فحتى الدول التي هي أقل تحضراً من العراق، يستطيع المواطن أن يكتب الى قنصلية بلاده في الدولة التي يقيم فيها عن جوازه الذي يحتاج إلى تجديد، فتتولى القنصلية تجديد جواز سفره وإرساله إليه بالبريد المضمون. إلا العراق. فإذا كان العراقي في البرتغال مثلا وذهب بنفسه إلى قنصلية بلاده في لشبونة، فإن كاتب الاستقبال في تلك القنصلية يخبره بأنه لا يمكن تجديد الجواز هنا وعليه السفر إلى سفارة العراق في ألمانيا بوثيقة سفر مؤقته تزوده بها القنصلية المحترمة "لأنه ليس لدينا منظومة ...". وإذا كان العراقي في ماليزيا، فإن عليه أن يسافر إلى أستراليا لتجديد جوازه. وهكذا.

هذه ليست نكتة لإمتاع القارئ، بل هي من الحقائق المضحكة المبكية للعراقيين. كان هذا في السنوات العشر الأولى من حكم الأحزاب الدينية. أما اليوم فجواب القنصليات العراقية للمواطن العراقي سواء أكان في كندا أو ألمانيا أو استراليا: عليك أن تسافر إلى بغداد لتجديد أية وثيقة يحتاجها هذا المواطن المنكوب، حتى لو كان لا يستطيع السفر بالطائرة لأسباب صحية أو مالية.

إذن لماذا هذه القنصليات العراقية في جميع أنحاء العالم؟!

خلاصة القول إن الشعب العراقي الكريم يعيش بلا كهرباء ولا ماء ولا تعليم ولا مؤسّسات طبية  محترمة ولا خدمات بلدية، حتى أضحت شوارع  العاصمة بغداد مكبّات للأزبال والأوساخ والقاذورات. وعلى الرغم من أن أبناء الشعب العراقي في مظاهرات مستمرة مطالبة بالإصلاح ، فإن رجال الشرطة تقوم بقتل المتظاهرين واغتيالهم، وتتهم عناصر مدسوسة بإطلاق النار، وتعلن الحكومة أنها ستفتح تحقيقاً، إلى آخر الأسطوانة المشروخة. وأقصى ما تقوم به هو إعلان موعد مبكر لللانتخابات، وكأن الانتخابات بما فيها من فساد، هي الديمقراطية .

والعجيب في الأمر أن الفضائية العراقية، تطرح باستمرار مطالب العراقيين ويطلع عليها المسؤولون، ولكن كما يقول الشاعر الفارس عمرو بن معد يكرب :

لقد أسمعتَ لو  ناديتَ حياً. .. ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارٌ نفختَ أضاءتْ   ... ولكن أنتَ تنفخ في رمادِ

ويرى بعضهم، إن معظم حكام العراق اليوم ينقصهم الحياء، إذ ورد في الحديث الشريف "إذا لم تستحِ، فاصنعْ ما شئت."

***

الدكتورعلي القاسمي

...............................

[1] أرسطوطاليس، صنعة الشعر، نقله إلى السريانية ثم إلى العربية قديماً الفيلسوف المنطقى العراقي أبو بشر يونس بن متى القنائي (ت 939م)، وترجمه حديثا الناقد الأديب المصري محمد شكري عيّاد (1929ـ1999م). وكلتا الترجمتين ملحقتين بكتاب الدكتور محمد مصطفى القباج "يس المسرح والفلسفة" (الرباط: دار أبي رقراق،2021) ص 137-180. كما لخص الكتاب الفيلسوف الأندلسي ابن رشد (ت 1198م) بعنوان: تلخيص كتاب الشعر، تحقيق تشارلس بترورث وأحمد عبد المجيد هريدي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1967)، وألحق الدكتور مصطفى القباج هذا التلخيص في كتابه المذكور آنفاً ص 227ـ282.

[2] ثلاثية نجيب محفوظ (1911ـ 2006) هي ثلاث روايات: بين القصرين (1956)، قصر الشوق (1957)، السِكرية (1957)، تسجل العلاقات الاجتماعية في حي الجمالية الذي عاش فيه نجيب محفوظ. تأثر محفوظ فيها بالأدباء الفرنسيين أونوريه دي بلزاك وجوستاف واميل زولا الذين سجلوا في أعمالهم أحوال المجتمع الفرنسي في الفترات التي عاشوا فيها. ولنجيب محفوظ عشرات المجاميع القصصية التي تصنف من الأدب الواقعي. وهو أول عربي ينال جائزة نوبل للآداب سنة 1988.

[3] لعل العلامة ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين أرادوا أن يكون التاريخ علماً، وطرح آراؤه في " المقدمة" لتاريخه، وينظر كذلك:

ـ عبد الله العروي. مفهوم التاريخ ، ط5 (بيروت، المركز الثقافي، 2012) ص 44.

[4] في المصطلحات الأكاديمية الأمريكية، تطلق كلمة Fiction التي تعني في الأصل: التخييل، على القصة والرواية، ولهذا فالرواية ينبغي أن تكون غارقة في التخييل، ولا علاقة لها مع الواقع. أما كلمة Novel   فهي أطول أنواع الـ Fiction  لايقل طولها عن 40000 كلمة.

[5] أبو الوليد أحمد بن زيدون المخزومي (ت 463هـ/1071م) شاعر اندلسي ولد في قرطبة، اشتُهر بحبه للشاعرة الولادة بنت الخليفة المستكفي.

[6] والتر سكوت Walter Scott (1771ـ1832) شاعر روائي مسرحي أسكتلندي بريطاني.

[7] جورجي زيدان (1861ـ 1914) أديب ومؤرخ وصحفي لبناني.

[8]أمين معلوف ، ولد سنة 1949 في بيروت، وعمل صحفيا في جريدة النهار، وبعد حوالي عام من الحرب الأهلية اللبنانية سنة 1975، انتقل إلى باريس للعمل في الصحافة الفرنسية، وأخذ يكتب كتبه ورواياته التاريخية باللغة الفرنسية، وأولها بحثه التاريخي المهم " الحروب الصليبية من وجهة نظر العرب"(1983). وفي سنة 2011، انتُخب معلوف عضواً في " الأكاديمية الفرنسية" خلفا للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي كلود ليفي شتراوس (1908ـ2009).

[9] تقول المعاجم الإنكليزية : Persian prophet and founder of Manichaeism ويقول معجم " المورد" : نبي فارسي".

[10] Les Jardins de Lumiere (1991)ترجمها عفيف دمشقية إلى العربية : حدائق النور، دار الفارابي، 1991.

[11]  كان جميع العرب المسلمين يعرفون أن مطالبة معاوية بثأر الخليفة عثمان، مع أن علي بن أبي طالب أرسل ولديه الحسن والحسين ليمنعا الثوار من دخول دار الخليفة، وما  مطالبة معاوية بثأر عثما إلا وسيلة لتحقيق غايته بالانفراد في حكم الشام، حتى صار " قميص عثمان" باللغة العربية، مثلا يطلق على كل حجة زائفة وكل ذريعة كاذبة. يُنظر في تفاصيل ذلك:

ـ طه حسين : الفتنة الكبرى، ط1 (القاهرة: دار المعارف بمصر، 1947) مجلدان: 1ـ عثمان 2ـ علي وبنوه. وله عدة طبعات.

[12] قبل الإسلام ، كان النظام الاقتصادي في جميع أنحاء المعمورة يقوم على العبوية: السادة للحرب والحُكم والعبيد للعمل والإنتاج. وجاء الإسلام بالمساواة بين الناس وبين الرجال والنساء (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) سورة النساء :1، ورمى إلى إلغاء العبودية عن طريق القضاء على منبعها المتمثل في عبودية أسرى الحروب ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ سورة محمد: 4. والآية واضحة، ثمة خياران لا غير (إما وإما): إما أن يُفدى أسرى الحرب ويحرروا، وإما نمن عليهم بالحرية. وقُدّم المن على الفداء، وعندما تنتهي الحرب ينتهى الأسر ويحرر جميع الأسرى، لأن المقصود من الأسر منع الأسرى من المشاركة في الحرب، فوقت الأسر محدد بالحرف (حتى) الذي يعرّفه المعجميون معناه بـ "إلى أن"، ويصفه النحويون بأنه حرف يفيد انتهاء الغاية.

يُنظر : علي القاسمي. حقوق الإنسان بين الشريعة والإعلان العالمي، ط 2 (القاهرة: مكتبة الأديب كامل الكيلاني، 2004) ص  51 ...

ولا يوجد الفعل (سبى) في القرآن، ولا مشتقاته مثل سبايا، فهذه مفاهيم جاهلية جاء الإسلام لتحريمها، فقد كانت بعض القبائل العربية يغزو بعضها بعضاً ويسبي النساء، وكان الرومان والبيزنطيون يمارسونها على أرض العرب.

ومورست العبودية والسبي في فترات عديدة في ديار الإسلام، لسببين: أولهما الفرق بين الشريعة والفقه، فالشريعة هو القرآن، والفقه ما يفهمه الفقهاء من القرآن، وثانيهما الفرق بين النظرية والتطبيق، فالقرآن، مثلاً، يحرّم السكر والقمار، وكثير من المسلمين يسكرون ويلعبون القمار. وكان بعض الفقهاء يستعملون (الحيل الشرعية) ليحل لبعض الخلفاء والقادة العسكريين ما هو محرم في القرآن.

[13] الرحلة العجائبية، ص 74.

[14] الدكتور عبد المالك أشهبون. البداية والنهاية في الرواية ( القاهرة: دار رؤية، 2013)

[15] الرحلة العجائبية، ص 4.

[16] علي القاسمي. معجم الاستشهادات الموسع (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008) صفحة هـ من المقدمة.

[17]  الإمام علي. نهج البلاغة. تحقيق عمر فروخ، ط2 (بيروت: مكتبة منيمنة، 1952)

[18]  جبرا إبراهيم جبرا. السفينة. ط1 (بيروت: دار الآداب 1970).

[19]  عبد الرحمن منيف. ارض السواد، ط1 (بيروت/ الدار البيضاء: المؤسسة العربية للنشر، المركز الثقافي العربي، 1999)، 3 مجلدات تشتمل على أكثر من ألفي صفحة من القطع الكبير، زاخرة بالفكر والثقافة والمعرفة.

[20]  عبد الرحمن منيف: أبوه سعودي، وأمه عراقية، وزوجته سورية، ولد في عمّان، الأردن، وله رواية " سيرة مدينة " عن عمّان، ودرس الحقوق في بغداد والقاهرة، وحصل على الدكتوراه من بلغراد في اقتصاديات البترول. اشتغل في السياسة والصحافة. وأقام مدَّة في العراق، وربطته صداقة مع الكاتب الفلسطيني العراقي جبرا إبراهيم جبرا، وكتبا بالاشتراك رواية عنوانها " عالم بلا حدود".

[21] « L'exception qui confirme la règle »

[22]الرحلة العجائبية، ص 15ـ16.

[23] وهذه أرقام الفصول التي رواها كل شخصية في الرواية التي نحيل عليها لاحقاً:

ـ الهفهاف الراسبي: 1، 2، 3، 5، 6، 7، 10، 14، 15، 16، 17، 18، 19 20، 21، 23، 24 26، 28، 30، 32، 33، 34، 35، 37، 40، 41، 42، 43، 45، 47، 49.

ـ مسعود الأعمشي: 4، 8، 12، 22، 27، 29، 31، 38، 39، 44، 48، 50. (الفصل 4 حقه أن يكون من نصيب الهفهاف الراسبي).

ـ شهزاد أسفندياري: 9، 11، 13، 25، 36، 46.16

[24]  يبدو أن خطأ مطبعياً قد وقع، فظهر اسم مسعود الأعمشي تحت الاستشهاد، ما يعني أن الذي يروي الفصل هو مسعود، طبقاً لخطة المؤلِّف في جميع الفصول. ولكن هذا الفصل رقم 4 يرويه الهفهاف الراسبي، وليس مسعود، لأن الراوي يقول فيه : " وذهبتُ ومسعود والتاجر..." ص16 س 8ـ9.

[25] ورد هاذان البيتان في قصيدة من خمسة أبيات في (بوابة الشعر) على الشابكة. انظر الرابط

 https://poetsgate.com/poem.php?pm=209003

الذي شوهد بتاريخ 21/3/ 2022. وقد وقع في هذا المرجع ثلاثة أخطاء مطبعية هي ( فِلا حِق لِدي ...) فجاءت الكلمات الثلاث مكسورة الأول، وحقُّها أن تكون مفتوحة الأول. ووقع نفس الخطأ في "الرحلة العجائبية"، ربّما لأن الروائي نقل البيتين من هذا المرجع، بطريقة نسخ ولصق.

[26] تُنظر رسالة الماستر التي قدمتها إلى جامعة الإسكندرية في مصر عزيزة السيد الخولي بعنون " المثاقفة بين الأدبين العربي والإسباني: خورخي لويس بورخيس نموذجاً، دراسة مقارنة" وأجيزت سنة 2017.

[27] الرحلة العجائبية، ص 89.

[28]  المرجع نفسه، ص 89 ـ 90

[29] المرجع نفسه، ص 94.

[30] Jacques Derrida. “La Dissemination”, Seuil, Coll. “ Tel Quel”, 1972. Dans les textes de Mallarme: “le titre est en suspense, suspend comme un lustre ."

وجاك دريدا فيلسوف وناقد أدبي فرنسي ولد بحي الأبيار في الجزائر العاصمة وتوفي في باريس  بالسرطان، عمل أستاذا في السوربون، وفي عام 1968 انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ودرّسَ فلسفة اللغة في  جامعة جون هوبكنز وجامعة ييل، ونادي بموت الفلسفة البنيوية.

[31] الدكتور عبد الملك أشهبون. العنوان في الرواية العربية (دمشق: النايا للدراسات والنشر والتوزيع، 2011).

[32] يشكر الكاتب الدكتورة مريم  جلائي، أستاذة اللغة العربية وآدابها في جامعة أصفهان في إيران على تكرمها بترجمة الأسماء الفارسية إلى العربية.

[33] يُنظر " المعجم العربي الأساسي" و" معجم المعاني" وغيرهما.

[34] علي القاسمي. حياة سابقة، مجموعة قصصية ط3 (نجران/القاهرة: نادي نجران الأدبي ودار أروقة، 2020).

[35]  ألان لايتمَن. أحلام أنشتاين، رواية، ترجمة علي القاسمي، ط3 (الدار البيضاء: 2020). والكتاب متوافر في موقع (أصدقاء الدكتور علي القاسمي)

[36] فانغا في ويكيبيديا العربية، في الرابط: https://ar.wikipedia.org › wiki › فانغا شوهد بتاريخ 25/3/2022.

[37]  الرحلة العجائبية، ص 23ـ27.

[38]  هذا هو المعروف، وقيل غير ذلك. يُنظر معاوية بن أبي سفيان في ويكيبيديا العربية ، بالرابط:

https://www.google.com/search?q=%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%8A%D8%A9+%D8%A8%D9%86+%D8%A3%D8%A8%D9%8A+%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%86&oq=%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%8A%D8%A9+%D8%A8%D9%86+%D8%A3%D8%A8%D9%8A+%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%86&aqs=chrome..69i57j46i512j0i512l6j0i22i30.7880j0j4&sourceid=chrome&ie=UTF-8 شوهد بتاريخ 10/4/2022 .

[39] عمر ابن عبد العزيز بن مروان الأموي، أمه ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، نشأ في المدينة لدى أخواله فتأثر بهم وبأبناء الصحابة، فكان دَيِناً محبّاً للعلم. وهو صاحب مقولة: " أرسل الله محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً." عندما أوقف ممارسة الأمويين الظالمة بأخذ الجزية من الذين يُسلمون من غير العرب بدلاً من الزكاة، وذلك لحاجتهم للمال للإنفاق على جواريهم وملاهيهم. وممارسة الخلفاء الأمويين السبعة الذين سبقوه مخالفة للشريعة الإسلامية.

[40] الرحلة العجائبية، ص 185.

[41] " رواية " الرحلة العجائبية"، ص 132.

[42] تذكر هذه الحاثة، معظمُ كتب التاريخ القديمة، وقد شرحها الداعية الإسلامي الشيخ الشعرواي في أحد مجالسه المصورة باليوتيوب:

https://www.youtube.com/watch?v=Hqt6nISV17c شوهد بتاريخ 28/3/2022.

[43] أبو فراس الحمداني. ديوان أبي فراس الحمداني. تحقيق خليل الدويهي (بيروت/ القاهرة: دار الكتاب العربي، 1994). وأول من حقق الديوان، الدكتور سامي الدهان ونشره سنة 1947.

[44] الرواية العجائبية، ص 55,

[45] الرحلة  العجائبية،  ص 288

[46] المرجع نفسه، ص 289.

[47] https://www.transparency.org/en/news/how-cpi-scores-are-calculated , seen on 30/3/2020

[48] https://aralhurraabi21.com/story/1360565/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-150-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7-%D8%B3%D8%B1%D9%82%D8%AA-%D9%85%D9%86%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B2%D9%88, seen on 30/3/2020.

[49] " تضم الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية والوزراء والبرلمان) أكثر من 6 آلاف موظف، يتقاضون رواتب سنوية تبلغ 3 مليارات دولار... ويبلغ عدد موظفي الإدارات العمومية في العراق حوالي 527724 موظفاً إجمالي رواتبهم حوالي 60 مليار دولار، حسب مسؤولين كبار. أنظر الرابط:

https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B8%D9%85%D9%8A-%D9%8A%D9%82%D8%B1%D8%B1-%D8%AE%D9%81%D8%B6-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB-/1862790شوهد بتاريخ 10/4/ 2022 .

[50] Alhurra.com/الفقر في العالم العربي., seen on 30/3/2022

[52] -  موسوعة النبي والخلفاء الراشدين (ج6) ( ص38) الطبري: 2/246 تاريخ اليعقوبي: 2/127.

[53] سورة البقرة: 190

[54] https://mubasher.aljazeera.net › reports

[55]  unhcr.org/statistics/populationdatabase, seen on 4/4/2022.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5698 المصادف: 2022-04-12 03:53:05


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5865 المصادف: الاثنين 26 - 09 - 2022م