قراءات نقدية

قراءة في مجموعة أقاصيص (زيد النار) لجابر خليفة جابر

حيدر عبدالرضاالرؤية المتصورة بين الأوضاع المستعادة والأداء التمثيلي

توطئة:

أن الواصلة المتحققة في الشكل المقروء في الحكاية القصصية، تحيل نحو محكي مستبطنا بالاختزال والاندراج في علاقة متكونة من ثنائية (ملفوظ ـ تمثيل) وهذا الأجناس السردي عادة ما تكون وحداته وعناصره الزمكانية مدعومة بدلالة المستقبل في الماضي، للوصول إلى المدلول الممكن بين أفق السرد وجهات الفعل الشخوصي من جهة أخرى.يبقى لنا إذن الإشارة إلى آليات التعامل في هذا الفن القصصي، وكيفية يتم الأداء الأدواري عبر صور حالاته ومواقفه وحركة شخوصه من ناحية القص في شكله العام والخاص. يمكننا النظر إلى السرد الحكائي القصصي، بوصفه فنا (إستعادياـ مستعادا) يقوم أساسا على جملة استرجاع شبكة من الأحداث والأفعال الماضوية الزمنية، وهذا الاسترجاع الذي يقوم بمهامه ما يعرف بالسارد العليم، كما هو متفق عليه في هذا النوع من الأجناس القصصي عادة.أن النقطة الأكثر أهمية في مجموعة أقاصيص (زيد النار) للقاص والروائي جابر خليفة جابر، يتركز عبر وظيفة ذلك السارد الذي من شأنه الإقرار بأنه ذلك السارد العابر بين الأزمنة التي تحددها فاعلية (الماضي ـ السارد) وهو الأمر الذي يمكننا الإسناد عليه من خلال قصة (ساعة آمنة) فالزمن السردي في عتبة المستهل بدت لنا أكثر وصفا وإخبارا حول ممهدات الركيزة الخطية في الحكي، وصولا منها إلى الأثر الاسترجاعي الداخلي في منظور النص: (أفكر بكتابة ما، منذ الضحى وأنا أفكر، كنت في سوق حنا الشيخ، اشتريت نظارة للقراءة، وأشياء خفيفة أخرى، عريق هذا السوق، استحضرت تأريخه ./ ص7) أن الصورة المحكية من زمن الحاضر التي يظهر بها السارد في النص، بدت كعروجا نحو عملية مرجعية، أصلها المادة التأريخية أو ذلك الزمن المرجعي المستور من حقيقة إلتقاط الاسترجاع الداخلي للأحداث والشخوص والحكاية السيرذاتية لهذا المكان.

ـ الوظيفة التكميلية في المساحة المترابطة من النص

من الضروري ملاحظة إن مجال القصة في الأنموذج المفترض، يعود بالقارىء نحو تعقب وظائف القص في النص ذاته، فمثلا هناك الوظيفة التكميلية في مدار ومساحة النصعبر حاضره الفعلي، بيد إن الأسباب في موجه النص تنطلق من الوعي بالمعطى الحاضري، ولكن هذا المعطى ربما قد حل حلولا في اللحظة التي ينبغي عليها معاودة الاسترجاع كوحدة تستوجب الإلماح نحو علاقة خاصة من التركيز بين فواصل المتن (البداية ـ الوسط ـ الخاتمة) كما لاحظنا الأمر ذاته في محاور قصة (ساعة آمنة) ومدى ارتباطها في جملة إشارات مفترضة من الظرف المتصور في السرد الخارجي أو الداخلي طورا: (أعادتني ساعة آمنة إلى أجواء لندن، حيث اشتريتها من أكسفورد ستريت، متجر سلفريدج تحديدا ماركة عالمية طبعا، صنع إنكلترا، أتذكر هذا بوضوح، كان الزحام على أرصفة أكسفورد ستريت أشهر شارع للتسوق في أوربا شديدا ولافتا للنظر في هذا المساء من نهاية الأسبوع./ص8) يعود السارد في استرجاعه إلى كفة زمن تصوري ما، وعندما أقول تصوري هنا، لا أقصد بأن السارد يراجع فعلا مفترضا، لا أبدا، بل هو في فعله هذا، أكثر حضورا من واقعه اليومي، ولكننا يمكننا القول أيضا بأن السارد خارج معطى وجوده الفعلي إي خارج حيز وإطار حاضره، انغماسا بروح ذلك المظهر التصوري عبر تقلباته الاسترجاعية.

1ـ الحيز النصي باللحظة المتصورة:

ما يظهر في قصة (ساعة آمنة) هو الاسترجاع للمحكي باللحظة المتصورة بكامل وحداتها وعناصرها (الحكاية ـ المغزى / النقطة الاسترجاعية ـ الفاعل المنفذ / الأداء ـ وجوب التمثيل ـ تحيين التلفظ) وهكذا فالصورة الحكائية جاءت ضمن قسمين : الأول ـ التلفظ ـ الثان ـ التمثيل ـ كما إن الترتيب في نسق النص ذا قيمة كيفية في وجهة نظر الموضوعة القصصية.أردنا أن نقول سابقا إن السارد يشكل الضمير المشارك في القص، وهو ما بات يظهر كمحورا في الاستخدام المتواتر من جامعية الزمكانية (الحاضر..الماضي/المشهد:الداخلي ـ الخارجي) فالزمن هو داخلي ما دام يدخل في إنقسامات (لحظة تقابل) وهو خارجيا ما دام هو انطلاقة نحو أفعال مستعادة في غرض من الاستثارة والتعاقب: (نحن الآن قبالة بوابة المتجر ـ هكذا بدأت بقصتي ـ صاحبي يتأمل النصب البرونزي أعلى الواجهة الأمامية لمحل التسوق الشهيرة سلفريدج، بينما انشغلت أنا بقراءة وجوه المارة..هنا تحديدا عند ركن متميز يستدير مع انحناءة الزاوية عند نهاية الشارع، قرر المهاجر الطموح هاري سلفريج إقامة محل التسوق التأريخي هذا سنة 1908، وعند هذا الركن تحديدا كان أكسفورد ستريت ينتهي بالاسطبلات./ص9) إن هذا النوع من الاسترجاع الوصفي يشكل بذاته خاصية معينة، خصوصا وإن السارد يتمثل فيه بهيئة الكاتب في نصه داخل هذا النص.نعاين وجود هذه الأوصاف في جمل مركبة إذ لا تؤثر فيها سرعة زمن الاستدعاء ولا من جهة ما الخلطة القائمة بين وعي السارد وعناصر زمنه عبر نصه.الأمر الذي واجهنا بذات الدلالة في قصة (كاليري ماريا) حيث التداخل ما بين شاشة العرض وحقيقة التفاصيل في أجواء النص، ثم ذلك التقطيع للمشاهد، ما راح يعبر عن المقاطع الاستعادية وكأنها إسقاطات بانورامية مؤثرة: (في شقته القريبة من كاليري ماريا في ديترويت، عرفت أنه عراقي من كردستان وتعرف على آلامه / قدم لها شايا عراقيا أسود وقال:أبكتني صورة السيدة العذراء وأبنها لأنها ذكرتني بأمي وهي تهرب منهم، تضم أخي الرضيع آزاد إلى صدرها وتركض./ص24) تنفرد في محمولات هذا النص جملة معاناة قاهرة، تميزت بالكشف المحقق عن واقعة الأنفال والدفن الجماعي فيها في عمق رمال الصحراء لمدينة السماوة من قبل فلول البعث وزمر الأمن الصدامية.وفي ضوء جملة المشاهد التقطيعية تتباين لنا حالات ومواقف النص ضمن دلالات ميلودارامية تتواصل عبر فواصل رقمية متتابعة.غير إن القارىء لهذا النص قد لا يلمس ثمة علاقة واضحة في الحبكة القصصية، سوى الإتيان من القاص بهواجس وعلامات قريبة من خطاب اللوحة التشكيلية.لقد لاحظنا بأن طبيعة أقاصيص (زيد النار) ذات معادلات جمالية وفنية في الاتجاه الذي تبناه خليفة جابر من فكرة (الرؤية المتصورة) في مجملها الواصل بين الأوضاع المستعادة والمتكاملة في معنى التمثيل النصي المحفوف بروح واقع الاستيهام واللغة المتصورة، وذلك من خلال ما وجدناه أيضا في قصة (الهولندي الطائر) وقصة (الكابتن مشاري) وأخيرا في القصة الأكثر جمالا عن باقي قصص المجموعة وهي قصة (الحصان:قائد العربة) في الحقيقة بدت لي هذه القصة تحديدا من أكثر القصص في المجموعة تمويها تكاد أن تكون ترميزا في الانسلاخ عن مرحلة مكدرة من حياة الفرد العراقي تحديدا، ولا أظن بأن موضوعة هذا النص خارجة عن نزوعات التلفظ والتمثيل لمراحل معاشة من واقع ما، وأن لم تكن كذلك فهي قصة تحمل تكنيكا يلجأ إليه الراوي الشخصية في محاولة توليد حالة تحررية لذاته، ذلك بدءا من ملابس عمله الذي لم يفصح عنه سوى رغبته بالتخلص منه ومن ثيابه بشراء خزانة خشبية، وعن طريق المصادفة واجهتهما هو والحوذي عربة السيرك، ومنظر ذلك الحصان المقرون بصفات رمزية آسرة من جهة إنها لا تفارق ضمنية باقي حيوانات عربة السيرك التي تشكل بذاتها بعدا تمثيليا خاصا.

ـ تعليق القراءة:

ليس من شك إذن إن مجموعة أقاصيص (زيد النار ) لجابر خليفة جابر هي مجموعة نصوص ذات مؤطرات تخييلية وتصورية حاولت لذاتها تشكيل جملة من العلاقات والمحاور الدلالية ضمن يافطة الرؤية المتصورة عبر آليات موقع السارد الرؤيوي الأشد التصاقا بالأوضاع المستعادة على صعيد فواعل النص المتصورة تلفظا وتمثيلا في الوحدات النصية الأكثر إيحاءا وتجددا في استشراف أوجه وقائع مفتوحة على دلالات وحسابات هي من التأويل والإضمار والانطلاق بفحوى النص نحو ممارسة واقعية واعية بمفترضات وجودها المتخيل .

***

حيدر عبد الرضا

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5774 المصادف: 2022-06-27 01:27:36


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5876 المصادف: الجمعة 07 - 10 - 2022م