قراءات نقدية

الإيروتيك في شعر يحيى السماويّ

عبد الستار نورعليخبِّئي عن فميَ الوحشيِّ تُفاحَ بساتينكِ ..

عن عينيَّ عصفوريكِ ..

سُدّي بابَ وادي التينِ والزيتونِ لو جئتُكِ يوماً

أبعِدي ناقةَ مرعاكِ البتوليِّ الندى

عن جَمَلي

(ديوان السماويّ "ثوب من الماء لجسد من الجمر") ص 42

ونقرأ لشاعرنا الكبير يحيى السماويّ من شعره الإيروتيكي أيضاً، والذي يرى البعضُ فيه مجوناً وخلاعةً، وكشفاً لعورات المرأة، وذلك في ديوانه (التحليق بأجنحة من حجر) ص 8/9/10:

كشفتْ عن الشمسينِ في العينينِ

والياقوتِ في الشفتينِ

والقَمَرينِ في النهدينِ

والقَدّاحِ في الساقينِ

والرَّيحانِ فوقَ الرُّكبتينِ

وتحتَ سُرَّتِها الحَبَقْ

*

وأنا كشفتُ عن الجنونِ السومريِّ

فَشَبَّ في حَطبي

الشبَقْ

أطلقتُ سهمي نحو قوسِ السومريةِ

فاخترَقْ

*

حتى إذا كفَّ الحصانُ عن الصهيلِ

نهضتُ من نومي

أُلمْلِمُ ما تبقّى في سريري

من رحيقِ زفيرِها

وأعيدُ ترتيبَ الوسائدِ والملاءةِ

قبلَ إغلاقِ الستارةِ حول نافذةِ الغَسَقْ

كما نقرأ له أيضاً في ديوان "ثوب من الماء لجسد من الجمر" ص 100:

ما بيننا

في العشقِ حربُ

*

ساحاتُها

مُقَلٌ وقلبُ

*

وضِرامُها

قُبَلٌ وضمٌّ

ليسَ مثلًهما

أَحَبُّ

الجانب الإيروتيكي في شعر يحيى السماويّ ليس من الخوافي، بل من القوادم التعبيرية في شعره. تبرق واضحةً شاشةً منْ صورٍ تمرُّ في عين المتلقي المتأمل المُبصِر، وذائقته المفتوحة الشهيّةِ لاحتساءِ كؤوس طِلاه الشعرية الملأى بأفانين البلاغة واللغة الأنيقة المُترَفةِ بجواهر الكلام وكريستال الألفاظ:

حين فمي

ذاتَ عِناقٍ تحتَ فَيءِ بتلةٍ ضوئيةٍ

بثغركِ العذبِ التقى

//

وأسْهبا في لغةِ اللثمِ

فكانا

غَسقًا شدَّ إليه الشَّفَقا

//

ورتَّلا) إنّا خلقناكمْ)

فما من مَيْسَمٍ

إلآ الى تُويجةٍ فاضَ هياماً

وتشظّى شَبَقا ..

//

على سريرٍ الوجدِ ..

كلٌّ

حارقٌ مُحتَرِقٌ ..

وآسِرٌ مُؤتَسَرٌ ..

ومُبحرٌ يأبى من الإبحارِ

إلآ الغَرَقا

(ديوان: فراديس إينانا ص 12/13 )

(إنّا خلقناكم) تضمين من القرآن الكريم؛ لإضافة التقديس والشرعية على العلاقة بين الذكر والأنثى، علاقة شرّعها سبحانه وتعالى، علاقةً شريفةً نقيةً طبيعية، للحفاظ على النوع البشري، مثلما غيره من أنواع الخليقة. إلّا أنه تعالى أضفى عليها قدسيةً خاصةً، تحدّها قواعد مُنظَّمَةٌ بنظام شرعيّ (قانوني)، يضبطها داخل مجتمع غير مُنفلِتٍ أخلاقياً وتقاليدَ وأعراف،  حتى لا يتعدّى الحدودَ، ولا يخرجُ إلى المشاع الحيوانيّ.

هكذا نقرأ في شعره صوراً إيروتيكية، فيها من ذكر أعضاء من جسد الذكر والأنثى، بصيغ ومجازات واستعارات وصفات مختلفة. كما نقرأ ونرى بعين التخيُّل التقاءَ والتصاقَ جسديهما عضواً فعضواً، على سريرٍ وفراش، يُسهبُ السماويّ في وصفهما بمختلف الصفات الجميلة الرقيقة رقةَ العلاقة وحلاوتها وسحرها بين الرجل والمرأة؛ عذريةً وعفافاً، أو المثيرة من خلال العلاقة الحميمة والرغبة الجامحة: "سرير الوجد"، "زورق"، "سرير سحابةٍ خضراء"...وغيرها:

أنتِ التي

جَعَلتِ من وسادتي

أشرعةً ..

ومن سريري

زورقا

(فراديس إينانا) ص 19

ويقول في ديوان "ثوب من الماء لجسد من الجمر" ص 9:

فأقولُ لي

ما كنتَ يا هذا المُضرَّجُ بالتبتُّلِ

في رحابِ السومريّةِ

أوّلَ العشّاقِ نامَ

على سريرِ سحابةٍ خضراءَ

يلتحفُ الندى

فأفاقَ مذبوحاً بسكينِ الحبيبِ

لكنّ السماويُّ يقعُ؛ مثلما يصرّحُ في شعره؛ في حيرةٍ بين صراع شيطان الجسد وملاك الروح، أي بين المجون والتعفّف، بما عُرفَ عنه، ومن خلائقه الطاهرة:

أنثى على ما يشتهي جسدي ..

و محراباً على ما تشتهي روحي ..

فحيناً نصفَ شيطانٍ أراكِ يَدكُّ إيماني

وأحياناً مَلاكْ

//

فأنا صريعُهما معاً

جَسَدي وروحي في اشْتِباكْ

(فراديس إينانا) ص 25

مثلما يقول في ديوان (ثوب من الماء لجسد من الجمر) ص 121:

فلا أنا آثمٌ فيتوب قلبي

ولا أنا بالتقيِّ المُطمئنِّ

*

ويقول في الديوان نفسه ص21:

إنْ كنْتِ عبلةَ في العفافِ

فإنّني

في الطُهرِ قيسُ

ويستمرُّ في كشفه عن موقفه، وما يحمله من خصال بيضٍ مُطهَّرَة، من المجون في الديوان السابق ص 120 قائلاً:

يحرِّضُني لقطفِ  جَنـاكِ   جوعٌ

ويمنعُني المجونَ عَفافُ صحني

تبقى مسألة الإيروتيك الشعريّ ضمن إطار أحاسيس الشاعر المكنونة (الرغبة الذكورية)، والعوامل الكامنة خلفها والممتدة الى الطفولة والفتوة والشباب، وفق النظرة السايكولوجية النفسية عند علماء النفس.  وتبقى أيضاً ضمن التأويل، الذي يستندُ الى قراءة المتلقي، والناقد خاصة، وفق نظرته وقراءته وموقفه الفنيّ من النصّ المكشوف، والباطني المتأثر بالمحيط والتربية وذاتية الإنسان نفسه، وفق رؤية علم النفس.

هذا الجانب الفنيّ المضموني لإيروتيك الشاعر السماوي،  هو ما جلب اهتمامي، وآخرين من النقاد والأدباء؛ لأنه خصيصة مهمة في شعره، تفتحُ آفاقاً للاستكشاف والبحث والنظر والتأويل.

الحقيقة أنّني، ومن خلال متابعتي لمنجزه الشعريّ، وما قرأته شخصياً لسمات هذا المنجز، وشخصية الشاعر نفسه، من خلال سيرته الحياتية، وتربيته اجتماعياً  وفكرياً ونضالاً ومبادئ، لم أرَ في ذلك هدفاً إثاريّاً (جنسياً)، وإنما صورةً جماليةً مضافةً الى جمالية ذكره للمرأة أماً وحبيبةً وزوجةً، يحاول من خلالها أنْ يعثّر عن موقفه من الأنثى، والحبيبة حصراًز إنّه يحاول أنْ يرسمَ شعرياً لوحةً توحِّد بين المرأة والرجل جسداً متكاملاً حسّاً وعاطفةً وعلاقةً ربّانيةً ، فقد خُلقتْ من ضلع آدم لتكمله، فهي مكمّلةٌ للذكر مثلما هو مكمّلٌ لها في وحدةٍ واحدةٍ متجانسة متكاملة، فلا حياة لأحدهما دون الآخر.، إنهما جسدان في روحٍ واحدة، خُلقا للمحافظة على النوع من خلال الخصب (التلقيح)، لخلقِ إنسانٍ آخر، على هدى نظرية (المحافظة على النوع)، مثلما النباتات تتلقّح بين ذكر وأنثى، لتنتج ثمراً يحافظ على النوع والحياة عامةً. فقد قال تعالى:

" هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ" البقرة 187

وقد أشار الشاعر نفسه الى موقفه من الشعر الأيروتيكي، في تعليقه على مقالة الدكتور صالح الرزوق في صحيفة المثقف (قراءة في قصائد "فراديس اينانا" ليحيى السماوي)*، والذي يقول فيها عن الشاعر:

" لكن سرعان ما يفضحه لسانه بزلات تكتسب كل عناصر الفضيحة الفرويدية، ويتأكد لنا أنه طامع بكل شيء - الجسد قبل الروح، والشكل قبل المضمون."

فقد أشار الشاعر يحيى السماويّ في تعليقه قائلاً:

"حرصتُ على كتابة الشعر الأيروتيكي باعتبار الآيروتيك وجهاً من وجوه علم الجمال ـ وهذا ما ينماز به عن الشعر الخليع / الستربتيز الذي أنأى عنه وأستهجنه . "

كما أشار ايضاً الى هذا الموقف في شعره، كما ذكرنا، وكما يقول في العديد من قصائده، وضربنا لها أمثلةً، ومنها أيضاً ما جاء في ديوان "فراديس إينانا" ص 10:

قلتُ

يامولاتيَ المعصومةَ اللذّاتِ

سمعاً وامْتنانْ

//

فأنا أتعَبَني اللهوُ

فلا شاماتُ تغويني كما في الأمسِ

أمسيتُ ندامايَ قصيدي

وأنيسي البحرُ والطيرُ

وغابُ السنديانْ

في الوقت نفسه هناك رؤىً أخرى مختلفة لهذا الجانب من شعر السماويّ، إذ يرى الأستاذ الدكتور جبار ماجد البهادلي كما ذكر في تعليقه على قراءة الدكتور صالح الرزوق المنشورة في صفحة الشاعر يحيى السماويّ على الفيسبوك:

"ما يهمنا في هذه الدراسة النقدية على اساس النقد الظني الاحتمالي المشفوع بالمنهج التكاملي هو المشروع الفكري الثقافي الآيروتيكي الشعري الذي يقف فيه الشاعر عند مناطق علم الجمال حين يحيل الحسي الجسدي إلى روحي عرفاني بعيدا عن إشكاليات الجنسي المبتذل.."

ولذا أرى أيضاً أنه باختيار (إينانا) إلهة الخصب والجمال والحبّ، ملهمتَه في قصائده المؤسطَرة، هو إشارة كبيرة الى هذا الجانب (الخصب)، والخصب البشري يكون من خلال الاتصال الجسدي بين الذكر والأنثى، هذا الاتصال الذي يخلق جسداً آخر امتداداً لجسدين التصقا وتوحّدا جنسياً. وهو اتصالٌ لا يكون إلّا عن طريق الحبّ الذي يولّدُ الرغبة ليكتمل جمالاً على جمال الحبّ والجسد، وكما ورد في الحديث النبويّ الشريف:

"إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمال."

أما إذا كانت الرغبة مجردةً عن الحبّ سوى كونها حاجةً آنيةً فحسب، ولحظة اهتياج وإثارة جنسية، فهذه عابرةُ سبيلٍ، سرعانَ ما تنتهي بانتهاء لحظتها، ومن هذا شعر الإثارة الجنسية لمجرد الإثارة لا غير، وهذا من باب المجون والخلاعة.

وعليه يحقُّ لنا أنْ نقسّم الإيروتيك الى قسمين:

1. الإيروتيك الجمالي

2. الإيروتيك للإثارة الجنسيّة

حين وقف الشاعر كعب بن زهير بن أبي سلمى بين يدي الرسول الكريم (ص) وهو ينشدُ قصيدته اللامية (البردة) قائلاً:

هيفاءُ مقبلةً عجزاءُ مدبرةً

لا يشتكي قصرٌ منها ولا طولُ

وهو يصفُ مفاتنَ جسد المرأة أمام أطهر القوم، فهل كان في وارده إثارةً جنسية، وهو في هذا المقام المهيب، أم ذكر ووصف صفاتٍ من جماليات المرأة؟

ولْـنأتِ الى الشاعر العراقي المجاهد المجتهد الكبير محمد سعيد الحبوبي (1850 ـ 1915) وهو الفقيه، يقول في قصيدة له:

شمسُ الحُميا تجلّتْ في يدِ الساقي

فشـعَّ  ضـوءُ  سـناها  بينَ  آفـاقِ

*

سترْتُها بفمي كي لا تنمَّ بنا

فأجّجَتْ شعلةً ما بين آماقي

*

تسعى إليكَ بها خَودٌ مراشفُها

أهنى وأعذبُ مما في يد الساقي

*

مُسوَّدةُ الجَعْدِ لولا ضوءُ غُرّتها

لما هدتْني إليها  نارُ  أشواقي

*

هيفاءُ لولا  كثيبً منْ روادفِها

فرَّ  النطاقانِ  منْ  نزعٍ  وإقلاقِ

*

فبتُّ أُسقَى وباتتْ وهي ساقيتي

نحسو الكؤوسَ ونسقي الأرضَ بالباقي

ولا أظنُّ أنّ أحداً سيقولُ أنّ الشيخَ المجاهدَ ضد الاحتلال اإلبريطاني للعراق، والفقيه المجتهدَ المشهودَ له بالعلم والهدى والمكانة الدينية الكبيرة، يمكنُ أن يكون ذوّاقَ خمرٍ وزيرَ نساء، وشاعراً إيروتيكياً بالمفهوم السائد الذي يتخيّله البعض، حتى اللبيب منهم!!

قد يقول قائلٌ أنّه من الشعر التقليدي. نعم هو كذلك، وهذا معناه من جماليات الشعر المضافة الى جمال القصيدة، ومقدرة الشاعر الكبيرة في التعبير والتصوير والبلاغة،  وعلو قامته في فنّ الشعر على أصوله وخفاياه وصياغات جمالياته.

***

عبد الستار نورعلي

فجر الجمعة 9 تموز 2022

.....................................

* (المثقف) العدد: 5778 المصادف: 2022-07-01 01:08:3

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5785 المصادف: 2022-07-08 02:37:31


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م