قراءات نقدية

التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في (رأسي عشٌ للعصافير) للقاص خلدون السراي

طالب عمران المعموريشكل من أشكال السرد، لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي.. جنس أدبي حديث قائم على عنوان ومتن وقفلة يمتاز بقصر الحجم يعتمد البنيان القصصي الايجاز والتقشف في اللغة والتكثيف والمفارقة والشعرية يسهم في تشكيل ثقافة المتلقي عبر تناصاته ورموزه وقراءاته للواقع وينتهي عادة بخاتمة او الغلق الاخير او ختم الكلام، النهاية أو القفلة التي تربك المتلقي بإيجازها وإضمارها وتكثيفها، وتخيب أفق انتظاره بجملها الصادمة المدهشة وهو الأمر الذي يمكن إمساكه مع (رأسي عشٌ للعصافير) مجموعة قصص قصيرة جدا للقاص خلدون السراي في طبعتها الاولى الصادرة عن دار أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، 2022.

فمن العنوان نحاول ان نفتح به مغالق النص كونه علامة سيميائية، وبطاقة هوية للنص وسمة فارقة له وتكثيف المعنى، اراد (السراي) من خلال تلك العتبة مدخل يثبت مقصديته بالإيحاء وعدم المباشرة وبلغة انزياحيه وخروجا عن المألوف وجعل منه نواة متحركة لنسج نصوصه، والتي يمكن ان يطرح من الدلالة والمغزى العام الموجود في النص وتتعالق معه دلاليا، ولكن تبقى بنية العنوان (رأسي عشٌ للعصافير) المستنبطة من احدى قصص المجموعة ذات التكثيف العالي ووظيفته الاغرائية وايقاع نسقها الدرامي وتوترها السردي تثير الفضول وتفتح باب التأويل في ذهن القارئ لمعرفة ماذا تحمل نصوصه وماذا يحمل من دلالة هذا العش متشابك النسيج من تقاطع وتضاد وتنافر وتقابل وتشابك الافكار في العقل الانساني وما يطرحه لنا الناص من ذاتية ولعل هذا البعد النفسي بات ملمحا واضحا في أسلوبه للقص القصير جدا نلمس ذلك الاشتباك والصراع الفكري الذي يشبه عش العصافير، ويسجل بعض المعطيات الحسية الوصف المكثف للموت، والاغتراب، واليتم، والفقر..4056 خلدونالسراي

نراه جليا في المفردات التي وظفها في العنونة الداخلية1:

متلازمة/انسلاخ/اصابة/ نكوص/ انتصار/هروب/ تلاشٍ/ تكميم/ انكسار/ مأزق/ تعسّر/ استأصال/ متاهة / امتحان/ تربص/ تمرد/ ادراك/ خنوع/ هيام/ لقاء/ اختلاف/ اعاقة/ انزواء/ صدمة/ هاجس/ بوح/ أمنية،

كل هذه المفردات وما تضمنت المجموعة من نصوص تبين حالة الاعتراك النفسي المتمثلة بكل تللك الاضداد والتنافر والتقاطع.

احسن القاص في اختيار العنوان الرئيس للمجموعة من حيث كونه باعثا للغرابة والدهشة ونوع من الاثارة تركيبا ودلالة ومجازا تستند الى الانزياح اللغوي وخلخلة التركيب والمعنى، تستنهض رغبة وشهية القارئ وفضوله الذهني.

تضمنت المجموعة على اكثر من مئة عنوان معظمها جاءت بلفظ مفرد نكرة غير فاضح للنص يكون موضع اثارة واهتمام، حيث "يعد العنوان من ضمن بنية النص ولا ينفصل عنه مطلقا فلا نص بلا عنوان"2، وبعض الاخر من العنونة جاء بلفظ مركب لا يزيد على الكلمتين:

عذر شرعي/اشارات مدورة/ دون قصد/ انسحاب اضطراري / اصوات محروقة / المشهد الاخير/خلف الحجاب / خلف الجدران/ وجبة مستعارة/لقطة مؤجلة / كش بيدق /خروج اضطراري /عمر الورد/حجة مزيفة/دليل قاطع / عبث السنين/ بوح صامت / اثنا واحد/ الراعي الوحيد / ذاكرة مثقوبة.

استهل مجموعته بمناص اهدائي يفصح عن بعض ما استبطن في ذلك العش:

الى من رحلت دون أن تسعفني على انتزاع

ضحكتها الجميلة التي تمرح في رأسي الفارغ

تزخر مجموعته بالكثير من القصص القصيرة جدا واعني بذلك ليس كل نص قصير جدا يصنف لحساب القصة القصيرة جدا فقد ينزلق القاص الى الخاطرة الوجدانية او تقترب من قصيدة النثر من حيث معياريتها، وانا هنا في هذا الصدد ليس مشددا ومبالغ في المعيارية كون الاجناس الادبية عموما دخلت في غواية التجريب وانفلتت من سلطة الناقد الا ان هناك بعض العناصر المهمة التي سارت عليها القصة الا انها أشد كثافة وأكثر بلاغة من القصة القصيرة..

احتوت المجموعة نصوص قصيرة جدا يطلق عليها القصة الومضة والتي جاءت" اغلب التنظيرات تتفق على أن لا تقل عن ست أو سبع كلمات ولا تتجاوز العشرين كلمة"3 وقد وردت تلك القصص بالعناوين:

لقاء/ برهان / وفاء/ مدد/ جزاء/ امتحان / ادراك / وجبة مستعارة/ غطرسة/تحايل/ إيثار/ديمقراطية

جاءت المجموعة بلغة رشيقة مضغوطة وهي معظمها تقترب بحميمية من القصة القصيرة جدا

ابتدأ نصوص مجموعته القصصية بعنوان (متلازمة) وانتهى مجموعته بعنوان (ديمقراطية).

(متلازمة)1 تلك العنونة المفردة النكرة، غير فاضحة للنص، التي تكسر افق التلقي، ابتدأت بمدخل حواري (محكية ومسرودة):ص7

"قال العّراف: الثقب في جبهتك جاء نتيجة إفشائك سراً لشخص ما، "

يسرد حكايته بفعلها الغرائبي على شكل هذيانات وفق تقنية السرد موظفا خاصية التلميح والاقتضاب والنفس الجملي القصير التجريبي الجديد والخروج عن القص التقليدي والكلاسيكي كما هو في الرواية الجديدة ما بعد الحداثة ومن ثمة القصة القصيرة و القصة القصيرة جدا، انتهت بقفلة مدهشة صادمة تنفتح الى معنى تأويلي "رأيت الثقب مبتلعاً رأسي" حيث يلتجئ إليها السارد من أجل استدراج المتلقي لممارسة لعبة التأويل، وملء الفراغ والبياض.

فقد صنفتُ هكذا قفلة في كتابي المخطوط (تنوع القفلة في القصة القصيرة جداً) (الفانطاستيكية ) الدالة على السريالية والتي امتازت بنهايتها الغرائبية والتوتر وتأزم المواقف والتي فسرت لنا هذا التلازم المعنى الذي جاءت به العنونة (متلازمة)

قدم لنا القاص وفق تقنية القص القصير جداً رؤى ابداعية ولوحات فنية تقدم نفسها بلغة بسيطة ووصف مكثف وحوار، ذات مضامين وافكار متشظية داخل النص القصصي القصير جدا والموحي باحتمالات عديدة:

"اقرار

- انظر ياصديقي، سأنسى كل ما دار بيننا، سأتخلى عنك، نعم وسأعترف لك" في ذلك الصباح لم أكُ مسروراً حين استيقظت ورأيتك فيها، كنت أتمنى لو انني ذلك المسخ في رواية كافكا، أجل تلك الحشرة أجمل من وجهك العبوس" حطّمَ مرآته وخرج." ص21

نلمس في هذ النص ونصوص اخرى، النزعة الحوارية وتشظي الذات، اعتمد الكاتب اسلوب "الحوار المنولوج الداخلي في عدة صور يثير الاسئلة والاستفهام.. قد خرج من السرد التقليدي الى سرد ذي مهارة عالية بتقنية كاتب عارف بأدواته السردية وقادر على كسر القوالب الجاهزة"4:

(برهان / عذر شرعي / عولمة/ /كمومبارس/ نجاة/ /لقاء/ حجة مزيفة/.

اتسم أسلوب القاص في سرده القصصي بأسلوب يعبر عن شعور انساني على لسان سارد متكلم يتناول الجانب التعبيري الذاتي:

"نكوص

يقلقني موعد ميلادها، أشعر أني أفقدها كلما هرمت، ابتعدت عن كل شيء يؤلمني، حتى زوجتي التي دائما ما تجهد نفسها لمواساتي، لم أكترث لموتها.. كانت تزعجني حين تقول: لا داعي لكل هذه الشموع؛ منذ صباك وانت يتيم." ص14

يظهر في هذا المشهد الحركي؛ الذي يعبر عن الالم الداخلي والمعاناة الذي خلفه الفقد، الذي انتقل اسلوبه السردي من الاسلوب المباشر الواضح الذي تجسد بلغة تعبيرية رسمت تلك الانفعالات الى السرد بأسلوب تعبيري غير مباشر عن الانفعال والاضطراب النفسيين.

وظف السراي بلغة تُنسج وفق اسلوب تعبيري يشكلها تبعاً لمشاعره وردود افعاله النفسية فتتسم بالإيحاء والرموز تجمع بين الحقيقة والخيال والمعقول واللامعقول وتجسيد صور تمثل الاحساس والشعور وما يعتمل داخل النفس وما يشتبك من افكار نرى ذلك جليا في نصه (تدبير): ص13

"كنت اراقبه وهو يلتهم كل شيء، ها قد وفر مكاناً لشخص آخر، عدت مسرعاً لزوجتي، ايقظتها من نومها وأخبرتها بأني حصلت على مأوى يجمعنا دون وعي منها ولفرحتها رافقتني حتى دخلنا ذلك البيت، شعرت بسعادة كبيرة تفوق بهجة الدود الذي اتخمته جثتي."

خلاصة لتجربة سردية ذات آلية جمالية مركزها المغامرة والتجريب، يستخدم القاص اسلوب الاسترجاع الفني عبر التذكر او الحلم والحوار الباطني، نصوص سردية تميزت وتفردت في توهجها.

***

طالب عمران المعموري

...........................

المصادر

1- السراي، خلدون، رأسي عشٌ للعصافير، ط1، دار أمل الجديدة، سورية، دمشق، 2022.

2- الميالي، محمد، دهشة الوجيز: مقالات وقراءات في السرد، ط1، دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 2021.

3- هيثم بهنام بردى، القصة القصيرة جدا – الريادة العراقية، ط1، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان، 2016.ص 12

4- المعموري، غانم عمران، المغايرة والتجريب في السرد الروائي، ط1، دار أمارجي للطباعة والنشر، العراق، 2022.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5810 المصادف: 2022-08-02 08:35:18


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5867 المصادف: الاربعاء 28 - 09 - 2022م