قراءات نقدية

الراوي وحضوره في رواية بيت الجن للروائي عباس الحداد

طالب عمران المعموريالمنجز الروائي الحداثي يشير الى ان الرواية الجديدة تبنت تقنيات وطرائق واساليب كتابة تختلف عما كانت سائدة من حيث تقنيات (اللغة، الموضوع، الوعي، الشخصية، البناء المعماري، البناء الزمني، الراوي وحضوره، الحكاية وطرائق الحكي، والهدف..

يقدم لنا الروائي عباس الحداد في روايته الجديدة "بيت الجن"، والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق (2022). والتي تحتوي على ثلاثة وعشرين فصلا من غير عنونة مكتفيا بالتسلسل الرقمي وتركها منسابة دون ان يعنون فصولها بواقع مئة واثنان وثمانون صفحة.

ما ان تقع عينك على عنونة الرواية يتشكل الانطباع الاولي، والتي جاءت عنونة مكانية (بيت الجن) معبرة عن المكان المغلق، تشكل مع لوحة الغلاف التي تعد من المناصات ذات التمظهر الايقوني والتي تظهر فيه لوحة سريالية لهيئة بشرية يظهر من الوجه العلوي المحجوب عين واحدة ورسوم تجريدية، تتشكل في ذهن المتلقي صورة ذهنية، حيث يعد العنوان عملية استدراج المتلقي الى عالم غرائبي عجائبي بما يحمله من دلالات حول عالم الجن او السحر وما شابه، تلك العلامة السيميولوجية الكائنة في بداية النّص الأدبي، التي تجعل القارئ يتقبّله ويتفاعل معه ويتلذّذ به، لما يحتويه من دلالات فنّية وجمالية، يثير في ذهنه تساؤلات عديدة لا يستطيع الاجابة عنها حتى يسبر اغوار النص. الا ان الروائي يحاول في هذه البنية ان يكسر افق توقع المتلقي ويصدمه كون المحتوى يختلف تماما وانما جاءت العنونة بلغة انزياحية (بيت الجن) اراد بذلك المعتقل الذي شبهه ببيت الجن. فالسجن من الاماكن المغلقة السلبية، مصادرة الحرية بأوضح معانيها جسدياً وروحياً وهو الفضاء الزمكاني المحوري بكل ابعادها النفسية.

احاول ان اقتصر على الجانب البنائي وتقنية الروائي في بناء روايته كون ما يطرح من احداث هي موجودة ومكررة الا ان براعة الروائي في الطريقة التي يتم بها الحكي بأسلوب وتقنية تشد المتلقي مستدعيا ادوات ووسائل أولها اللغة وطرق تأليف الكلام، يمنح الرواية حيوية وتجدد ويبعدها عن الرتابة ويجعلها تكتسب شيئاً من التشويق والجذب والبهجة، حيث تميزت بقدرتها على رصد قضايا الواقع الذي نعيشه من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية والكشف عما هو مغيب ومضمر وتعرية وفضح لسلوكيات المفسدين التي اجتاحت جميع المفاصل بأسلوب سردي بعيد عن التقريرية والمباشرة.

الراوي وحضوره:

اعتمد الحداد نمطاً من السرد بتوظيف تقنية السارد/ مشارك، والسير ذاتية، (جاسم) الشخصية المحورية التي اتخذها كبؤرة مركزية في سرده.

حيث يعبر عن الذكريات الاليمة التي عاشتها الشخصية في المعتقل وما تركه من آثار على افراد عائلته واصدقائه بيطرح افعاله ومشاعره وما جرى عليه من تعذيب وتعنيف1.

" يسحبونك كالشاة المعدة للسلخ. تعلق بكلاب حديدي مغروس في سقف الغرفة العالية، وانت مقيد اليدين والرجلين، وبثوان معدودة سيجعلك الحجي، ورفاقه تتمنى الموت ولا تناله" ص25

يستدعي الروائي راويا متخيلا يقوم بعملية السرد (المؤلف الضمني) سارد مشارك وهي الشخصية المحورية في الرواية، معززا الكاتب سرده بشخوص تكمل وتملأ الفراغات الي تركها السارد، وقد اتخذ نمط (الراوي الخارجي) وهو من الانماط التي تبنتها الرواية الجديدة حيث يكون هناك اكثر من راو يسرد الاحداث في الرواية الواحدة:

" جاسم لا أحد يسلم من لسانه، يرمي كلمات كالرصاص، رجل يبحث عن التهلكة، ولا يهمه شيء، وهو بهذا العمر يقبل أن يحمل على أكتاف الشباب، ويهتف لساعات ضد رجال الحكومة" ص98.

البناء الزمني:

أن فضاء الزمن يرتبط بالحدث ارتباطا وثيقاً فلا يمكن ان يتشكل الحدث الروائي بدون بنية الزمن ولا يغفل ارتباطها بالمكان وهذان البعدان هما عنصران اساسيان.

النمط الزمني الخاص بالرواية باعتبار الزمن محور البنية الروائية، هو عنصر مهم في بناءه السردي للرواية فهو ينظم عملية السرد من خلال توظيف تقنيات المفارقة السردية كالقفز في الزمن سواء كان الى الامام كما في الاستشراف او الى الخلف كما في الاسترجاع او التلاعب بالأزمنة من تقديم وتأخير، محققا وظائف تطويرية للحدث لخلق ما يسمى بالتأزم الدرامي " الرواية الجديدة تسعى لكسر مفهوم الزمن قياسا الى الشكل المتعارف عليه في الرواية الكلاسيكية"2.

يبدو الزمن في رواية بيت الجن مرتبكا فلا يسير على النسق المتعارف عليه في الرواية التقليدية حيث تتعامل مع الزمن اما من البداية او من النهاية الى البداية او البدء من الحدث المركزي، يتجلى ذلك في استهلال الرواية تمهيد الى تقنية الاسترجاع، وكأنه اتخذ التجريب في البناء الزمني مسارا للرواية، فهي مفعمة بالزمن، تنوعت الأزمنة وتداخلت وتشابكت:

" الايام والساعات تركض، تصهل كحصان حرن.

أحاول جاهداً ببضع أوراق سرية أن أختزل الأيام أخنق الساعات والدقائق. أقرب المسافات. اطوي المسافات. أطوي الأحداث المرة التي أكتويت بنارها لألف ليلة وليلة طي الكتاب لألحق بالمشوار الذي تعاهدت عليه مع الرجل الغريب.

هل تعاهدنا على شيء ذي بال؟

كانت مجرد محادثة عابرة لم يخطط لها. محادثة لم تدم، الا بضع ساعات قلقة، متوجسة، افرغ كل منا همه ولوعته وآماله، وبضع من أوجاعه، من اجل راحة زائلة. راحة مسروقة كأحلام الفقراء، بغفلة من الزمن الارعن، راحة لم تدم، الا بتلك الساعات القليلة، التي قضيناها معا في حديقة عامة." " ص7

" كنت ومنذ الساعات الصباح الاولى، اسير على غير هدى بشوارع المدينه.." ص7

عل هذا النحو من الارتباك في مفهوم الزمن تبعا لارتباك في مفاهيم الشعور وان الاشياء لا تحدث مترتبة كما يتم حكيها وانها تحدث متقاطعة متشابكة. وهذا ما لمسناه في فصوله الثلاثة والعشرين التنقل بين الحاضر والماضي هو الاساس التي تقوم عليه الاحداث

ربما هناك اسباب وراء هذا التعامل مع الزمن بهذه الطريقة ربما يعود الى وعي الكاتب بالزمن او تأثير السينما على الابداع وما انتجته من افلام شككت في نظرتنا ومقاييسنا عن الزمن.

الشخصية:

احسن الروائي في اختيار شخصياته واطلق لها العنان في التحرك بحرية نراها خارج سلطة المؤلف، فالشخصية لها دور فعال وكمحرك اساسي في العمل الروائي التي تعتبر من العناصر المهمة والقطب الذي يدور حوله الخطاب السردي واداة مهمة يستخدمها الكاتب لتصوير الحوادث هي اختياره للشخصيات والتي تلعب دور مهم في تجسيد فكرة الروائي ومسك زمام عمله وتنامي الحدث التي ينبني عليها نجاح الرواية حيث استطاع الكاتب رسم كل شخصية وتبين ابعادها وسلوكها وتصرفاتها وما يصدر عنها من احاديث.

"فانه لا يعتمد على مجرد الوصف الخارجي للملامح وانما يقدم الوصف عبر دلالات تأويلية، وأفعال تدل على شخصياتها فالأوصاف الخارجية لا تدل على الشخصية، وانما الذي يموسقها في سياق البناء الروائي هو الافعال"3

علاقة الشخصية بالمكان:

اتخذ الروائي أرضية روايته (المكان) المستمد من الواقع الذي يعد صلة الوصل بين الواقع والرواية، الروائي يلتقط لنا الصورة الذهنية للمكان والتي تعطينا ابعاد يختلط فيها الجانب النفسي بالمادي

يرسم الروائي مكاناً تتحرك فيه شخصيات روايته ويحمله دلالات معينة. فالمكان هو الارض التي تحتضن الشخصيات وهو عنصر اساسي من عناصر بناء الرواية لأنه يحوي جميع عناصر الرواية من شخصيات واحداث وزمان حيث تتخذ الشخصيات من المكان مسرحاً لا حداثها.

المكان في رواية (بيت الجن) ليس معزولا عن الشخصية بل هو مكان امتزجت فيه المشاعر وليس مجرد شارع وشاطئ ومقاهي وسوق وانما سيل من المشاعر:

"فالحزن يدور في الشوارع، والازقة كصديق قديم بعد ان استوطن في حدقات عيون الاطفال الين يقفون عارضين بذلة بضاعتهم الرخيصة في تقاطعات الشوارع"ص8

عند التأمل في نصوص الرواية نلاحظ احيانا، تبتعد رؤية السارد عن رؤية المؤلف وتعلقت برؤية الشخصيات ففي هذه الحالة يزداد مستوى صوت الشخصيات، هي المعبرة عن نفسها والواصفة لخلجات صدرها والمعلنة عن افكارها والمبررة لأفعالها عن طريق الحوار:

سألتني يوماً وأنا أهم بالخروج من البيت: ص73

- ما الذي بينك وبين جارتنا سعاد؟

- انني أساعدها في دروسها.

- ألم تجد غيرك يساعدها في دروسها؟

- هل أنا سيء الى هذه الدرجة يا أم جاسم؟

- لا تتهرب من السؤال.

- ما ذا يأمي؟

- قل صراحة، ما ذا الذي بينكما؟

- ولأجل أن اريحها، قلت بصراحة: اننا متحابان.

صاحت بجزع، ضاربة يدها على صدرا الضامر:

- تحبها!

- هل أخطأت يا أمي؟

- أويلي عليك كميلة ابنك يحب.

فتساعد بذلك القارئ على فهم الشخصية المحورية، وادراك أبعادها النفسية، والاجتماعية، والفكرية.

لغة الرواية استطاع الروائي انسكبت لغتها سائغة بسيطة مباشرة مرسلة شبه عفوية وطلاقة خالية من التأنق المفرط ان يعبر بلغة بسيطة او ما يسمى باللغة البيضاء والابتعاد عن توظيف العامية كون اللغة من الاشكاليات والعقبات امام كاتب الرواية في التعبير عن وعي الشخصية وخاصة اذا كانت الشخصية بسيطة.

ان مهمة اللغة لا تقتصر على نقل المعاني وايصالها فقط بل تتعدى ذلك الى نقل الاتجاهات والميول والانفعالات، وكشف المستوى الاجتماعي والثقافي

الوقوف على أبعاد وصف الشخصيات في رواية بيت الجن، و علاقة ذلك بالزّمكانیة، ولعل ذلك عائد إلى أن الروائي ركز على علاقة الشخصية بالمكان، و على دورها في بناء الحدث.

المتلقي يطوف مع الرواية في سياحة ممتعة وفق مستويات التلقي والتي سيجد فيها القارئ المفتوح نصا مفتوحا خارج حدود افق التوقعات من خلال المسافة الجمالية التي وظفها الكاتب حيث لا تنطبق توقعاته مع افق النص فيحصل التأثير الجمالي لدى المتلقي، نلمس ذلك في نهاية الرواية في محاولة الهجرة (جاسم) مع الرجل الغريب الذي يتبين انه قد نصب له فخ والرجوع به الى بيت الجن (المعتقل) وشعوره بالخيانة والذل والمهانة وانه لم يتعلم من تجاربه السابقة، والذي تخلص منه ورجوعه الى مدينته الحلة:

"وعندما ازدادت شكوكي، وشكواي، وخوفي وهلعي، صرخت بالسائق من قيعان قلبي:

قف... قف الى اين تمضي؟ أن يرمقني بابتسامة عريضة آلمتني، ابتسامة جارحة رسمها على وجهه الابيض الحليق، ذكرتني بابتسامة الحجي ورجاله الغمضين.

وبلحظات بدأت ملامحه الأليفة لعيني الفزعتين، تشحب، وتبتعد كنقطة ضوء بعيد." ص179

استثمر الكاتب كل طاقاته الابداعية وتجربته الروائية ليجعل منها نصا مميزاً عبر سارد فاعل في عملية البناء الروائي.

***

طالب عمران المعموري

.......................

المصادر:

1- عباس الحداد، بيت الجن، ط1، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد، 2022.

2- الضبع، محمود، الرواية الجديدة قراءة في المشهد العربي المعاصر، المجلس الاعلى للثقافة، مصر، 2014.

3- نفس المصدر السابق

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5818 المصادف: 2022-08-10 11:51:29


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5873 المصادف: الثلاثاء 04 - 10 - 2022م